دخلت ليلى إلى البيت تتقدم بخطى هادئة، متشبثة بذراع نديم كما لو أن بها ما يوشك أن يفر منها إن لم تتعلق به.
الأجواء في الداخل ساكنة، وشيء من رهبة الغياب كان لا يزال معلقًا على جدران المكان، وكأن البيت نفسه كان ينتظر عودتها.
في صدر غرفة الجلوس، كان مهران يجلس، يقلب في جريدة لا يقرأها فعليًا.
وما إن وقعت عيناه على ابنته حتى انتفض واقفًا، ابتسم ابتسامة عريضة تآكلت أطرافها من شدة شوقه لها.
"ليلى!" هتف مهران بلهفة.
"حمدلله على السلامة يا حبيبتي."
هرع إليها كمن يسترد عمرًا ضاع، فتح ذراعيه واحتواها في أحضانه طويلًا، تسرّبت محبته إلى قلبها كدفء ناعم، برغم قساوة الشتاء العالق في صدرها لجفاء أمها معها منذ صغرها.
قال مهران وهو يبعدها قليلًا ينظر لوجهها: "بس إيه الحلاوة دي واللون البرونزي الجميل؟ دي الغردقة عملت فيكي شغل كبير أهو!"
وغمز لها.
تبتسم ليلى بتعب قائلة: "دي حلاوتك انت يا بابي.. وحشتني أوووي."
كان نديم يقف إلى جوار باب الغرفة، يستند إلى إطاره الخشبي، يراقب المشهد بصمت. يداه في جيبيه، ونظراته تزن اللحظة بكاملها، بعين رجل صار مسؤولًا عن هذا الكائن المتعب أمامه، عنها وعن طفله الذي تحمله بأحشائها دون أن يملك رفاهية إعلان ذلك.
التفتت ليلى برأسها تجاه الزاوية المقابلة، حيث جلست مشيرة والدتها، تمسك بكوب شاي لم ترتشف منه بعد. عيناها تتجنبانها، كما لو كانت عودة ليلى عبئًا تناسته في بعدها، لكنه عاد من جديد إليها.
ترددت لحظة، ثم مشت بخطى ثابتة نحوها وهي تقول بصوت منخفض: "إزيك يا مامي!"
ردت مشيرة دون أن تنظر لها: "الحمد لله."
حانت من مشيرة نظرة خاطفة قلقة نحو نديم الذي رمقها بنظرة قوية، قرأت في عينيه حدة تحذرها من إساءة معاملة ليلى. لكنها في الحقيقة لم تهتم، كالعادة غلب عليها حقدها، وكراهيتها العظيمة تجاه تلك الفتاة الدخيلة على حياتها لسنوات.
وضعت ليلى يدها على كتف أمها، لم تُقبّلها، لم تحضنها حتى، كانت تعرف أن أكثر من ذلك سيكون تمثيلًا مفضوحًا، وأن الأمومة أبعد شعور تكنّه مشيرة لإبنتها الصغيرة. وتتمنى أن تعرف السبب!
عادت ليلى خطواتها إلى منتصف الصالة، تنظر إلى نديم. تلمح في عينيه ذلك الاتفاق الصامت. هما هنا الآن، والسر الذي يحمله كلاهما أثقل من الجدران، لذلك لم تتحمل ليلى المكوث بينهم طويلًا وقالت ناظرة نحو أبيها: "أنا هاطلع أفضي شنطتي وأخد دش وراجعالك تاني يا بابي."
مهران بابتسامة عريضة: "أوكي يا حبيبتي.. أطلعي شوفي هاتعملي إيه وريحي شوية. بس هاتنزلي تتعشّي معايا عشان وحشتيني جدًا. مش هاتعشى من غيرك."
أومأت له: "حاضر."
ومالت صوبه تقبّله على خدّه برقة. ثم سارت إلى خارج مارّة بجوار نديم. منحها نصف ابتسامة قبل أن ينظر إلى عمه.
أشار مهران إلى نديم قائلًا: "تعالى يا نديم يابني.. تعالى أقعد أرتاح. انت كمان واحشني جدًا حاسس إني بقالي سنة بحالها مش شايفك انت وليلى."
نديم بابتسامة خفيفة: "انت كمان واحشني يا عمي. كلكوا واحشنّي.. بس معلش هانقعد في المكتب. أنا عاوزك في موضوع مهم."
لم يستطع مهران منع دفقات القلق من التسرّب في أعماقه، كان يخشى ما يوشك نديم على إخباره به، كان يخشى من أن الأمر متعلقًا بعائلة ليلى. لقد وعده نديم بالحل النهائي لتلك المعضلة!
انسلّ نديم بخطى موزونة إلى جوار عمّه، كأن بين خطواته وزنًا لا يُرى، ثقيلًا، لكنه لا يُسمع، حتى دلفا إلى غرفة المكتب.
جلسا هناك قبالة بعضهما، وساد صمت قصير، قطعه نديم بلهجة هادئة: "أنا قررت أطلق راندا يا عمي."
هبطت المفاجأة على مهران قوية، ليردد غير مصدقًا: "نعم؟! بتهزر؟!"
نديم بجدية: "لأ مابهزرش.. الموضوع منتهي جوايا من زمان."
مهران وهو ينحني للأمام: "دي مراتك يا نديم. وشريكة عمرك إللي انت اخترتها محدش اخترهالك.. فجأة كده؟!"
نديم بنظرة مباشرة بعيني عمه: "فجأة بالنسبالكم. لكن أنا بقالي شهور عايش في زيف. وإللي بيني وبينها مات من بدري.. كل إللي باقي شوية مشاعر من ناحيتها لكن أنا عمري ما حسيت ناحيتها بأي حاجة. وانت عارف أنا اتجوزتها ليه من الأول. ده كان جواز مصلحة زي ما بيقولوا."
سحب مهران نفسًا عميقًا، ألقى بجسده إلى الوراء وكأنه يحاول الاتكاء على أي شيء ثابت في هذا الزلزال المحيق بالعائلة. فخسارة صهر كمنصور نعمان تُعد كارثة، كان يمثل السلطة والجاه المكمل لمركز عائلة الراعي ومكانتهم بالمجتمع.
"يعني قرارك نهائي؟" سأله مهران باقتضاب.
نديم بحسم: "نهائي."
مهران بمرارة: "طيب. ليه؟ ليه يا نديم؟ في سبب غير إن إللي بينكم مات زي ما بتقول؟ دي حاجات ممكن تتعالج!"
زفر نديم بنزق، لكنه سرعان ما هدأ وهو يعاود النظر في عينيه من جديد قائلًا بثبات: "أنا بحب ليلى."
مرت لحظة طويلة من الصمت. ثم ارتفع حاجبا مهران وظهر شيء يشبه الابتسامة المندهشة على فمه، نصفها تهكم ونصفها تصديق مر وهو يقول: "يعني إحساسي من زمان كان في محله.. طلعت بتحبها!"
"أنا حاولت أهرب من ده كتير.. بس كنت بكدب على نفسي. أنا بحب ليلى يا عمي ومش قادر أشوف واحدة غيرها. أنا عايزها هي. هي مش راندا ولا أي ست غيرها."
قست نظرات مهران وهو يقول بحدة: "انت بتتكلم عن بنتي يا نديم. فاهم يعني إيه؟ فاهم حجم إللي بتقوله؟"
أومأ نديم وقال بذات الثبات: "فاهم.. عشان كده هاعترف لك بحاجة تانية."
حدّق فيه مهران، وجهه صار مشدودًا، كأن كل عضلة فيه تتحفز لكلمات ابن أخيه المعلّقة.
ليستطرد نديم دون أن يرف له جفن: "أنا اتجوزت ليلى!"
كأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة فجأة. أو كأن الوقت نفسه توقف للحظة. لم يتكلم مهران. لم يتحرك. فقط نظر إلى نديم بعينين تعكسان شعور الصدمة. الخيانة. الطعن في الظهر.
"اتجـ… جوزتها؟" ردد مهران بذهول مستنكر: "يعني إيه اتجوزتها؟"
جاوبه نديم ببساطة: "اتجوزتها عرفي. وتممت جوازنا في الغردقة.. وعلى فكرة. ليلى حامل مني."
فغر مهران فاهه من شدة الصدمات التي يتلقاها، بينما يكمل نديم بصوته القوي: "قبل ما ترد وتقول أي حاجة عايزك تعرف إني ماعملتش حاجة استخفاف بيك يا عمي. ولا إن نيّتي ناحية ليلى مش كويسة. أنا ما لجأتش للحل ده غير لما حسيت إن ممكن أهلها ياخدوها مننا. ممكن جدًا هي تحب تتعرف عليهم. ممكن لو عرضوا عليها ترضى تروح لهم وتسيبك.. تسيبني. وده أنا استحالة كنت أسمح بيه. أهلها لو صمموا ياخدوها هاعرفهم إللي بيني وبينها. هو نفسه السبب إللي خلّاهم يتبرّوا من بنتهم إللي انت حبيتها ووقفت جنبها وربيت بنتها كأنها بنتك. فكر بالعقل. ماكنش في حل تاني نضمن بيه وجودها معانا طول العمر من غير تدخل أهلها غير ده. بمجرد ما أحس إنهم خلاص رموا طوبتها هاتجوزها رسمي. هكون طلقت راندا وليلى هاتبقى مراتي قصاد الدنيا كلها."
يصدر عن مهران صوتًا كالأنين وهو يستمع لابن أخيه، يميل بجسده بشدة ممسكًا بالمكتب، كأن به ما يمنعه من السقوط. ثم ضرب بيده الأخرى السطح الخشبي دفعة واحدة، فاهتز كل شيء عدا نديم. لم يرتد له طرف.
"انت خونتني يا نديم!" صاح مهران غاضبًا. "انت دوست على شرفي. ليلى دي بنتي أنا. أنا إللي ربيتها. أنا أبوها!!!"
نديم ببرود: "ماحصلش إني خونتك يا عمي. بالعكس. أنا حميت إللي بتقول عليها بنتك. وكل إللي عملته عشان أحافظ لك عليها.. وبعدين لازم تفهم كويس إنها في الحقيقة مش بنتك. ومالهاش علاقة بشرفك. يعني لو حاسس بكده تقدر تخلي مسؤوليتك عنها وأنا كفيلها. ليلى هاتبقى مراتي رسمي. وأم ابني أو بنتي."
حلّ الصمت مرة أخرى. لكنه هذه المرة كان مختلفًا، كأن شيئًا قد انكسر بينهما، ولا يعرف أحد إن كان قابلًا للترميم.
***
لم يكن رياض يظن بأن الزمن ما زال يحتفظ بقدرته على صفعه من جديد. حتى جاءه الخبر اليقين.
صوت زين يدوي كالرعد بأركان القصر وهو يقف أمام جده وكلًا من أبيه وعمه: "حامل! ليلى.. حامل من السافل إللي اسمه نديم الراعي!!!"
تجمّدت عينا رياض، كأن الكلمة سقطت من السماء عليه كصخرة. كشهابٍ مدمّر. اهتزت يده حول عصاه، ثم هوى جسده دفعة واحدة إلى المقعد خلفه، لم ينهار، بل تكسّر مرة واحدة.
بينما يهدر العم سليمان بغضب أهوج: "رايد إيه تاني يا عمي عشان تصدق إن البت كيف أمها. لساك عايزها؟ عايزها بعارها؟ جولّي. لو بدك ترجع عشان ما تغسل عارك القديم والجديد بدمها أنا بنفسي أروح وأعاود لك بيها في أجل من ساعة."
يتدخل طاهر قائلًا بصوت مهزوز: "إهدى يا سليمان.. إهدى الموضوع ما يتحلش كده."
سليمان بانفعال: "أومال يتحل كيف يا مخبل انت؟ البت خاطية كيف أمها. عايزنا نفرشولها الأرض ورد إياك؟?"
طاهر بعصبية: "على الأقل راعي حالة أبوي. مش شايفه عامل إزاي؟؟"
"بكفاية عراك!" نطق رياض من بين أنفاسهم.
نظر إلى ابنه وابن أخيه بتحذير، وعينين زائغتين، كمن يحاول أن يستوعب ما لا يصدق. لم يتكلم من جديد، فقط تنفس بصعوبة، حتى انفجر زين مجددًا: "أنا مش هاسكت يا جدي. أنا نازل دلوق على بيته. والله لاخدها من هناك غصب عن أي حد. وهو حسابه معايا تقيل. مش هايموت جبل ما يتحاسب!!"
رياض بصوت واهن لكنه حاسم: "اجعد يا زين.. مش عايز فضايح."
رفع زين حاجبيه في ذهول، كأن الكلمات أصابته في كبريائه، ثم قال: "يعني إيه؟ إحنا هانطاطو راسنا للسافل ده؟ هانسيبوه؟؟"
رياض بتهكم مرير: "محدش غلطان غيري. كيف ما سيبت حفيدتي يربيها راجل مش من دمها. أنا السبب في كل ده.. أنا إللي غلطت.. وأنا إللي هاصلّح غلطي."
طاهر بتساؤل: "هاتصلحه إزاي يا بوي؟!"
رد رياض بحسم دون أن يعير اهتمامًا لأحد: "هارجع الغايب.. حفيدتي هارجعها بيدي.. وهاصلّح إللي اتكسر."
عقد سليمان حاجبيه بشدة قائلًا: "إيه الكلام الماسخ ده يا عمي؟ هو الشرف بيرجع إياك؟ الحل للموضوع ده الجتل!!"
نظر له رياض بعداء سافر وهو يقول بفظاظة: "ماليكش صالح يا سليمان. ليلى مش دهب. دهب خلاص ماتت وبتها مسؤوليتي أنا. محدش فيكم هايجرب لها طول ما أنا عايش. انت سامع؟ ماليكش صالح بيها لا دلوق ولا بعدين!!!"
بُهت سليمان ولم يعد يرد.
ليقول زين بأنفاس محمومة وعيناه تلمعان بالغضب: "ناوي على إيه جدي؟ سوتك ده بيقتلني أكتر من إللي عمله الواطي ده!!"
رمقه رياض بنظرة مطوّلة، ثم قال مقدمًا له وعده النافذ: "هاتشوف جدك هايعمل إيه.. هاتشوف كيف هايرد على الجلم ده.. بطريقة ابن رشيد الراعي نفسه ما يتوقعهاش!"