تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
الفصل 22 — رواية حرب سقطت راءها الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورا عبد العزيز
في غرفة الصالون، تعكر الجو بوصول "جلال". تحولت ليلة عقد القران الهادئة، بمشاعرها الرومانسية وسط جو أسري جميل، إلى ليلة مشحونة بالغضب والكره والاشمئزاز.
كان "جلال" جالسًا على المقعد، وأمامه "فتحي" و"هادي"، والدا "ليان"، أحدهما بالتبني والآخر الأب البيولوجي. كانا يحدقان في الرجل الذي يحمل ملامح مرعبة، وشخصية الإجرام والعنف تبث من عينيه حدته. رجاله بالخارج يحاصرون المبنى بأسلحتهم، وخلف مقعده "كريم"، مساعده الأول.
حملق "الجارحي" بحدة، بينما يجلس وحده بمنتصف الأريكة، يضع قدمًا على الأخرى بغرور وقوة تبث من هيئته توحي بجبروته ومكانته، والقوة وسلطته على هذه العائلة. رغم وجود والده وعمه وأخيه الأكبر، ورغم كونه الرجل الأصغر في العائلة، إلا أنه بماله وسلطته وعمله أصبح يملك لقب كبير العائلة، رغم أنف الجميع.
تحدث "هادي" بحدة صارمة:
- أنت بقى المجرم اللي بنتي عايزة تتجوزه؟ حثالة زيك يتجرأ يطلب إيد بنتي.
لم يتمالك "كريم" أعصابه وهو يسمع إهانة رئيسه، فوضع يده على مسدسه الموجود في حزام الأمان بخصره. قبل أن يسحب المسدس، أوقفه "الجارحي" وهو يرتشف رشفة من كوب الشاي، وأنزل الكوب على الطبق في يده بجدية صارمة:
- لو اتسحب، هتكون رصاصته في دماغك.
نظر الجميع إليه، وأولهم "جلال". ليرفع "الجارحي" رأسه نحو "كريم" بتهديد واضح، ثم قال:
- مش معنى إنكم شوية مجرمين، يبقى ينفع تكونوا خصم للجميع. فوق لنفسك أنت واللي مشغلك، وشوف أنت واقف على أرض مين. أنا الجارحي أبو النور. لا أنت ولا بلدك ولا حتى جيشك يجرؤ أنه يتنفس على أرضي بدون إذن مني.
مسك "جلال" يد "كريم" التي كانت ممسكة بالسلاح، وقال بهدوء وعينيه ترمق "الجارحي" بحزم:
- هدي أعصابك يا كريم. إحنا هنا عشان ناخد عروستي، مش في خناقة.
قهقه "الجارحي" بسخرية، ثم قال بمكر:
- أوعي تفكر الدخلة اللي دخلت بيها علينا دي هتهددنا. أنت متقدرش تتجوزها غير بإذن مني أنا. ولا هي تقدر تتجوزك غير بموافقتي.
تنحنح "هادي" بحرج من حديث "الجارحي" الذي ألغى وجوده تمامًا، وأعطى كل الصلاحيات لنفسه فقط. حتى زواج ابنته هو من يقرر الموافقة به. نظر "الجارحي" إلى "هادي" بعد أن سمع صوت نحنحته الخافتة، وقال:
- جلال الصياد أكبر قاتل مأجور في الشرق الأوسط، مش بس مصر. بيتأجر في كل أنواع التجارة غير المشروعة ومهما كانت. بيدير أكبر عصابة مجرمين في الشرق الأوسط. ولو عايز تعرف أكتر عن الكوارث والجرائم اللي عملها في حياته، أجبهالك. ولو جوازه بنتك شيء يرجع ليكم يا عمي أنت وأستاذ فتحي.
وقف من مكانه يغادر هذا المجلس. فرأى "ليان" تجلس على المقعد بجوار السفرة، وبجوارها "قدس" تقف ماسكة بيدها من التوتر وتراقب الوضع عن كثب. تحدث "الجارحي" بنبرة خافتة:
- تعالي يا قدس.
تركت يد "ليان" واقتربت منه بخطوات بطيئة حتى وصلت أمامه. مسح على رأسها بحنان وعينيه تراقب نظرات عينيها الدافئة. رغم حملها للكثير من الحديث والأسئلة وقلقها على أختها، لكنها ما زالت طفلته البريئة. وعينيها الخضراء تسحره حتى النخاع. فقط هذه الطفلة وحدها التي تسلبه عقله وحكمته وتجعله يخضع إليها دون جدال أو معاناة في المحاولة معه، لطالما كان مستسلمًا لرغباتها وأمانيها. تبسم "الجارحي" بلطف لأجل صغيرته، وقال:
- يلا عشان تطلعي ترتاحي.
انحنى قليلًا، ثم حملها على ذراعيه أمام الجميع دون أن يخاف شيئًا أو يسأل عن وجود العائلة. دلاله إليه وحنانه ليس لهما مكان أو توقيت. بل هما حقها في كل مكان وكل وقت. لقد اختارت جميلته حتى تدلل. غادر الشقة بصغيرته إلى الأعلى، وعينيه تراقب "هدير" التي تجلس في الحديقة مع "مصطفى" تبتسم بسعادة وسط حديثهما الدافئ، بعد أن جمع بينهما القدر. تبسم بخفة وصعد بقية الدرج مع "قدس" التي أرخت رأسها بخمول وضعف على كتفه، وذراعيها تلف حول عنقه الناعم. قالت بخفة:
- شكرًا.
سمع كلمتها الناعمة بصوتها المبحوح. فتح باب الشقة بلطف، وولجا الاثنان معًا. لتقول مرة أخرى:
- حقيقي شكرًا يا جارحي.
تنحنح بدفء، ثم غير طريقه إلى الصالون وأنزلها على الأريكة بخفة، ثم جلس أمامها يتطلع بعينيها الدافئة، رغم أنهما شبه مغلقتين. ورفع يده إلى وجهها يحتضن هذا الوجه الملائكي بين يديه، وقال:
- على إيه يا ملاكي؟
تبسمت "قدس" بعفوية من كلمته الأخيرة، وقالت:
- ملاكي؟
قبل جبينها بحب شديد، ثم قال:
- ملاكي ودنيتي وحياتي. وعمري كله. عمري اللي فات ضاع وأنا بكبر فيكي وبحميك وبظلل عليكي بجناحاتي، لحد ما كبرتي وبقيتي أجمل بنت تشوف عين أي راجل. عروسة تملي العين والقلب يا قدس. خليتي أجرب إحساس غريب وجديد عليا. غيرتي عليكي وعقلي اللي مبيفكرش غير فيكي.
ابتلعت لعابها من التوتر، وقشعر جسدها بدهشة من جرأته في الحديث. وأخيراً اعترف بطلها وحبيبها بمكانتها لديه. قلبها تتسارع نبضاته بسرعة جنونية، غير مصدقة ما تسمعه. فتمتمت بربكة قوية:
- أنت بتقول أنا الكلام ده؟ جارحي بص لي كويس. أنا قدس مش حد تاني.
- إنتِ قدسي وحبيبة قلبي وبنت عمري.
قالها بنبرة دافئة وعينيه تعانق عينيها بنظرات تتلألأ بالحب، ودقات قلوبهما تكاد تطرب الآذان من قوة مشاعرهما. دمعت عينيها من الفرح، وقالت بعدم استيعاب:
- يعني أنت مش مجبر عليا؟
صمتت للحظات وعينيه ترمق دموعها الناعمة التي شقت طريقها على وجنتيها التي احمرت وتوردت من خجلها وبكائها معًا. اقترب ببطء نحوها حتى وصل لوجنتيها بشفتيه، يقبل تلك الدموع الحارة، ثم همس بشغف:
- أنا بحبك يا قدس.
تبسمت بسعادة وهي تجيبه بحنان:
- وأنا بحبك يا جارحي من زمان أوي. بحبك من أول ما عرفت يعني إيه حب. ومعرفتش يعني إيه حبيب غير بيك أنت. أنا طول عمري بتمنى اللحظة اللي تحبني فيها وتشوفني حبيبتك، مش عيلة صغيرة بتربيها وبتقولك يا "أبيه" عشان أنت حبيبي.
أومأ إليها بنعم، ثم ضمها إليه بقوة عناق طويل يرضي قلبه عن مشقة الشوق إليها التي انتهكت قلبه واعتصرت صدره في غيابها ومرضها. شعرت بدفء أنفاسه في عنقها، ويديها تطوقه بحنان. لتقاطع عناقهما السحري ولحظتهما الرومانسية حين قالت:
- ممكن زي ما حلت موضوع هدير، تحل موضوع ليان؟
ابتعد خطوة عنها، وحملق بها بعين حادة كالسيف، وتحولت رومانسيته إلى جدية صارمة، مما جعلها تلتزم الصمت أمام نظرات عينيه الخشنة. تحدث بنبرة غليظة:
- طب هدير أنا اتصرفت لأنه دكتور محترم. لكن ليان، أتصرف إزاي؟ أجوزها لمجرم ده اللي أنتِ عايزاه؟ راضية وقابلة أن أختك تتجوز واحد زي ده؟ إنهي عقل ومنطق هيقبل ده؟
- مش عايزة قلبها يتكسر يا جارحي.
قالتها بنبرة خافتة بتوتر. ليتحدث "الجارحي" بجدية وقال بغلاظة:
- مش كل حب بيكمل يا قدس. ومش كل حاجة بيعوزها البني آدم بتحصل. وإلا ما كان أتوجد الفراق والوجع والحزن وكل المشاعر الأليمة. وبقيت الحياة كلها وردية.
وقفت من مكانها بهدوء، وعينيها تراقب زوجها. ثم قالت بحيرة:
- يعني ليان هتعيش كل المشاعر دي؟ أنا عيشتها سابقة وحقيقي شيء فظيع، ربنا ما يكتبه على حد.
تنهد بهدوء وهي تذكره بما قاسته مع الأيام بفضله. تحدث بخنق في صدره:
- ليان اللي عملت كده في نفسها يا قدس. ومتقارنيهاش بيكي. إنتِ قسيتي العذاب والفراق والوجع لأنك حبيته واحد مكنتيش عارفة هو هيحبك ولا لأ. لكن لو كان جه فرصة للحب، مكنش هيتأخر ولا هيرفض. لكن ليان حبت واحد من البداية وهي عارفة حقيقته. تاجر مخدرات وسلاح وآثار، وقاتل مأجور. كل ده، هل في عقل يقبل بيه؟ عشان عايزاني أقبل بيه؟ طب نفرض يا قدس، أنا خلفت عقلي وعقيدتي وقبلت أتصرف عشان خاطر بحبك وطلبك عندي أمر لازم يتنفذ. مفكرتش هيجرأ إيه لأختك لو اتجوزوه ودخلوا الاثنين في مشكلة ما، أي اتنين متجوزين بيتخانقوا؟ هيحصل إيه؟ هنعرف نوصل لليان ولا هيكون عمل فيها حاجة؟ هيسمح إنها تغضب عند أهلها وتريح أعصابها شوية، ولا هيحبسها في بيته ومش هنعرف عنها حاجة عشان حتى نقف مع بنتنا؟
صمتت قليلًا تستوعب حديثه وهو يتحدث بحق. لم تنظر للمستقبل أمام أختها. فوقف "الجارحي" من مكانه أمام زوجته وقال بجدية أكثر:
- بلاش كل ده. مسألتش نفسك كم الخطر اللي هتعيش فيه، فقط لكونها مرات مجرم زي ده وأعدائه في كل مكان. وما يصدق الكل أن ظهر له زوجة أو حبيبة وهتكون نقطة ضعفه.
دا انت مجربة دا في جوازك مني وأنا مش مجرم، كام مرة حاولوا يخلصوا مني ومنك ومن ابننا.
تنهدت تنهيدة معبأة بالكثير من الانكسارات والخبيات ثم قالت بضيق:
_ عندك حق، الحياة صعبة قوي.
أخذ وجهها بين يديه وقال بهدوء:
_ مش الحياة اللي صعبة لكن اختياراتنا هي اللي صعبة وهو الإنسان كده، بطبعه بيحب تعب القلب.
نظرت إليه في صمت وقد انتهى الجدال بينهما وأقنعت كليًا بحديثه، فتنهد بخنق شديد وهو يسحبها من مؤخرة رأسها يضمها إلى صدره، فتشبثت بخصره مطوقة إياه بحزن وقلق على حال أختها. وضع قبلة على رأسها وعقله شارد بصغيرته التي تجلب المصائب إلى صدره، ولم ينسى تلك الجثة التي باتت بين يديه قبل أن يصل للقاتل. حروفها الأخيرة لم تغادر أذنه وعقله حتى الآن (عمـــ)، من هذا القاتل الذي تجرأ على قتل ابنه وحاول قتل صغيرته بالسم؟ لم تخمد نيران عقله من التفكير، لكن حتما سيصل للفاعل. ليتذكر كلمة "جلال" إليه:
_ لو عرفت هو مين هتنبهر إن صعلوق زي دا عرف يعمل كل دا، حشرة تداس بالجزمة.
حديثه القليل كان الرصاصة التي أصابت العقل في هذه اللحظة. انحنى قليلًا وحمل جميلته المدللة إلى الفراش تأخذ قسطًا من الراحة، ثم غادر الغرفة بلطف ورفع سماعة الهاتف وبعد ثواني قال:
_ يزيد أنا مستنياك في المكتب حصلني على هناك.
***
أشرقت الشمس صباحًا وتغلغلت أشعتها الذهبية إلى غرفة النوم تشق طريق صباحها، لكن عينيها لم تغفو للحظة والدموع لم تجف بعد عن جفنيها بسبب الواقع المرير التي رأته واستيقظت من وهم حبها عليه. لم تكتفِ باكتشاف خيانته لها مع فتاة أخرى، بل الواقع أكثر ألمًا وحسرة، فحقيقة أنه قاتل مرعبة. وضعت "ليل" الوسادة فوق رأسها تحاول كبح أنينها ورافضة ضوء الشمس، تتمنى أن تظل في عتمة غرفتها كعتمة قلبها المخذول. رن هاتفها مرارًا لتتأفف وهي تلتف نحو الكمودينو تلتقط الهاتف وكان اسم "عمران"، فلم تجب وارتجفت يديها من رؤية اسمه على هاتفها يتملكها الخوف، فماذا سيفعل مجرم مثله بها الآن؟ هل ستخلص منها أم سيقتلها مثل محاولة قتله لـ "ليان" و "قدس"؟ وبدأ عقلها يفكر ماذا إذا كان هو من يحاول قتل "الجارحي" أيضًا؟ ظل يرن أكثر وأكثر فأغلقت الهاتف تمامًا بضيق والحيرة تتملك منها أكثر وأكثر، ماذا تفعل معه؟ نظرت للسقف بتوتر وعقلها كالصاروخ يفكر بجنون ولا يصل لحل، حتى فتح باب الغرفة ودلفت "أسيا" تتحدث في الهاتف قائلة:
_ هصحيها يا عمران أهو.
تأففت "ليل" بغلاظة من دخول والدتها وكأن لا سبيل لها من الهرب منه ورفض المواجهة. أعطتها "أسيا" التليفون بقلق وفضول شديد من سبب اتصال "عمران" بها لطلب الحديث مع ابنتها. تنهدت "ليل" بهدوء وتماسكت في الحديث بنبرة حادة:
_ ألو، صباح النور.
_ فيه إيه يا ليل بقالي يومين ثلاثة مش عارف أوصلك ولا بتردي على تليفونك وطول الوقت مقفول.
قالها بضيق من اختفاء "ليل" عنه، لتعتدل "ليل" في جلستها وهي تداعب خصلات شعرها بأصابعها وقالت:
_ مفيش هو فاصل بس كنت هشحنه وأكلمك.
_ هو مامتك جنبك؟
سألها بهدوء من جوابها الحاد، فرفعت نظرها إلى "آسيا" التي تنظر إليها بفضول، واقفة عاقدة ذراعيها أمام صدرها بصمت وعينيها تلتهم الصغيرة، وصمتها لهذه اللحظات جعله يحصل على الجواب، فقال بهدوء:
_ طيب ممكن أقابلك ولا تحبي أجيلك البيت؟
_ لا.
قالتها بتعجل شديد من مجيئه إليها، كيف ستقابل هذا الخائن؟ وتابعت الحديث بسرعة:
_ ماشي نتقابل، نفس المطعم اللي كنا فيه آخر مرة.
أومأ إليها بنعم موافقًا على اختيارها، أنهت الاتصال كاملًا ثم أعطت الهاتف إلى "آسيا" بهدوء. نظرت "آسيا" إلى الهاتف ثم مسكت ذقن ابنتها ترفع رأسها إليه لتلاحظ أثر البكاء وعينيها المنتفخة من قلة النوم والبكاء. سألت "آسيا" بهدوء:
_ حصل إيه؟ كنتِ بتعيطي صح؟
_ لا يا ماما منمتش بس كان عندي مذاكرة وطولت في السهر.
رمقتها "آسيا" بشك في أمرها وقلبها يضرب القلق أبوابه. تنهدت بلطف وجلست أمام "ليل" ثم قالت بعفوية:
_ مالك يا ليل؟ هتخبي عني؟ فيه مشكلة حصلت بينك وبين عمران؟ قوللي وأنا هساعدك.
_ أوف مفيش يا ماما.
قالتها بزمجرة شديد متذمرة على أسئلة والدتها. غادرت وهي تبعد أمها عن طريقها، فخرجت "آسيا" وراءها تقول:
_ تعالي يا ليل أنا بتكلم معاكي.
تأففت "ليل" أكثر من إلحاح والدتها فهربت من الشقة إلى الخارج متجهة إلى شقة "وصيفة"، لكنها ارتطمت بـ "يزيد" يصعد الدرج، فكادت أن تسقط بجسدها الهزيل وعينيها شبه المغلقتين. تشبث "يزيد" بخصرها بدون وعي قبل أن تسقط الصغيرة منه، وتقابلت عيونهما في لحظة مفاجأة، لتتسع عيني "يزيد" على مصراعيها من جمال الصغيرة، فتغاطت بالنظر عنها وأبعد عينيه عنه، فأبتعدت "ليل" عنه وهربت إلى شقة "وصيفة" كالقطة الصغيرة الهاربة. صعد الدرج بارتباك شديد يتنحنح بتوتر محاولًا استراجع صموده، وصورة هذه الفتاة لم تغادر عينيه التي سرقت النظر إليها. شعرها الأسود وعينيها الحمراء من شدة بكاءها وبيجامتها الوردية ووجنتيها المتوردتين من البكاء وحزنها. لا يعلم كيف امتزج الحزن بالجمال هكذا. وصل أمام شقة "قدس" ليهندم قميصه بهدوء ودق الباب، ففتحت له "سنية" وقالت:
_ قدس هانم مستنياك في الصالون.
دلف إلى الصالون وعقله يتذكر جملة "الجارحي" أمس حين قال:
_ قولها اللي وصلته يا يزيد، قدس مش هتصدق غير اللي بتسمعه.
ولج إلى الصالون وكانت "قدس" جالسة أمام اللوحة وتمزج فرشة الرسم مع الورق بطريقة إبداعية، حتى قاطعها صوت "يزيد" يقول:
_ مدام قدس.
ألتفت إليه بهدوء ووضعت القلم الرصاص بين خصلات شعرها وقالت:
_ نسيتني يا يزيد صح؟
_ مستحيل أنسى طلب حضرتك طلبتيه.
قالها بهدوء ثم جلس على الأريكة وقال:
_ عمران طلع شخص تاني خالص غير اللي نعرفه، متجوز عرفي من بنت اسمها ريتال ودي اللي كانت بتحوم حوله وخليته نشك إنه بيعرف بنات. غير إن طريقة ظهوره في حياة ليل غريبة وحب سريع وخطوبة وماديًا بيعدي الفقر والغريب إن عنده رصيد 700 ألف في البنك غير.
قهقهت "قدس" بعفوية على ما تسمعه فقالت:
_ لسه فيه؟
تبسم بمكر مما يعرفه وقال:
_ الأدهش والأعجب إن عمران طلع ابن الراجل اللي عماد اتخانق معه واتقتل في الخناقة ودخل السجن المعلم هادي فيها.
وقفت "قدس" من مقعدها من هول الصدمة التي وقعت عليها وأتسعت عينيها بقشعريرة تصيب صدرها وقالت:
_ كمان.
هز "يزيد" رأسه بنعم، لتفكر "قدس" في صمت وهي تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا لتقول:
_ يعني ممكن يكون خطب ليل عشان يقرب مننا وينتقم من عماد.
تنهد "يزيد" بحدة وعقل الصغيرة ما زال لا يفهم فقال:
_ قصاد المعلم هادي اللي دخل السجن والحكومة أثبتت التهمة عليه.
نظرت "قدس" إليه بقلق وقالت:
_ صح!
كاد أن يتحدث ليقاطعه صوت رنين الهاتف الذي دق بإستلام رسالة جديدة. أخرج الهاتف من جيبه ونظر ليرى رقم مجهول أرسل رسالة له، ففتحها وكان محتواها:
_ أنا ليل، ممكن تيجي معايا مشوار الساعة 5.
أبتلع لعابه وعينيه تحملق بالهاتف ويتذكر ما حدث من قليل وربكته وضحت في ملامحه ثم قال:
_ هكمل بحث وأبلغك، عن إذنك.
غادر الشقة مسرعًا ونظر للهاتف ليرسل الجواب عن طريق تفاعل بـ إعجاب على الرسالة فقط.
***
وقفت "ليان" في النافذة لترى سيارة "جلال" وسيارتين أخريين من الحراسة يقفون أمام البيت، فأتصلت "ليان" به وقالت:
_ انت بتعمل إيه؟
رفع "جلال" نظره للأعلى من وراء النافذة ليرى أن طبيبته الجريئة تقف في الشرفة، فترجل من السيارة حتى تراه بوضوح وقال بجدية:
_ بحاول أسيطر على نفسي وأكبح غضبي وعقلي الشيطاني اللي بيقولي أدخل آخدك من قبل الأوضة بالقوة بعد ما أبوك طردني من البيت.
ضحكت "ليان" وهي تجلس على المقعد بكوب النسكافيه ووضعته على الطاولة التي أمامها وقالت:
_ بالقوة!
_ ممكن تقفي عشان أعرف أشوفك.
وقفت من جديد وهي تتنفس بتعب متمتمة:
_ مع إن الوقوف تاعبني.
_ اقعدي.
قالها بلهجة أمرية بعد أن أخبرته بتعبها وإرهاقها، لتضحك من جديد وقالت:
_ وبعدين بقى هو إحنا بنلعب ولا إيه؟
_ ارتاحي يا ليان.
قالها بهدوء وهو يتكئ بظهره على السيارة ويعقد ذراعه أمام صدره والأخرى يرفع الهاتف على أذنه ويقف مرتدٍ بدلته الرمادية وقميصه الأسود ونظارته الشمس السوداء تزيده وسامة. ظلت واقفة ترمقه ببسمة وقالت:
_ العناد مش حل، وبصراحة هم ليهم حق مين يقبل يجوز بنته لمجرم.
تنحنح بخنق، لتقول بجدية:
_ دي الحقيقة ليه محسسني إني فاجأتك بحقيقتك، ما أنت عارف يا جلال الحقيقة، وأنا كمان عارفة وقبلت فمتزعلش.
أومأ إليها بنعم، ليقول بحنان وعينيه لا تغادر شرفتها وجميلته تطل منها كالحورية:
_ مين اللي طلعك في طريقي يومها؟
_ القدر والنصيب والمكتوب على الجبين، نصيبي يا جلال.
قالتها بلطف وأرتشفت رشفة من النسكافيه بعفوية، ليقول بخفوت:
_ ما تيجي أخطفك يا ليان ونقول نصيب، أخطفك وأخبيكي في دنيا تانية خالص، أخبيكي جوا قصري سلطانتي.
ضحكت بعفوية بطريقة قوية ولم يفهم سبب ضحكاتها، حتى شعر بشيء ثقيل يلمس رأسه، فنظر بجنانه وكان "هادي" يقف واضعًا بندقيته في رأس "جلال" وقال بحزم:
_ أنا مش قلتلك تغور من هنا ومشوفش وشك في طريق بنتي نهائي.
صوت ضحكاتها العفوية في الهاتف كان يسحره ويجعل قلبه يتراقص من السعادة ولا يصدق أن طبيبته الجميلة بدأت تستعيد صحتها وتخرج منها الضحكات بهذا الجمال والعذوبة الناعمة، وهذه الضحكة ونغمتها الدافئة كفيلة أن تجعله يصمد ويتحمل غلاظة والدها، ليقول:
_ أنا قلتلك إني هاخدها، اديهالي بالرضا بدل ما آخدها بالقوة.
وضع "هادي" المسدس في منتصف جبينه وقال بتهديد:
_ أنا راجل دخلت السجن سابق عشان أحمي ابن أخويا من تهمة هو اللي عملها وعادي جدًا، فما بالك عشان أحمي بنتي ضنايا من مجرم زيك ممكن أسجن أو حتى أعدم عادي مش باقي على حاجة.
كز "جلال" على أسنانه بقوة وغلاظة، هذا الرجل تعدت كل الحدود، حتى سمع "هادي" صرير أسنانه القوي وكاد أن يفقد أعصابه ويتحدث، ليمنعه صوت "ليان" التي قالت في الهاتف بحذر:
_ جلال أوعاك، دا بابا.
كلمتها أوقفته رغم عنه وأغلق قبضته بضيق شديد وقال بحدة:
_ لينا لقاء تاني، وفكر كويس لأني مش هسيبها، وافتكر إني راجل بقتل عادي عشان الفلوس، ما بالك ممكن أعمل إيه عشان حبيبتي.
فتح باب سيارته وصعد بها، ليقود "كريم" السيارة مغادرًا المكان، مما جعل "هادي" يغضب أكثر ويضرب إطار السيارة بالرصاص، مما أرعب الجميع وتأفف "جلال" بالداخل وهو يقول:
_ لأجل ليان، بس عشانها.
ترجل من السيارة وكاد عقله يجن جنونه ولا يعرف كيف يكبح الغضب بداخله أكثر من ذلك، فرأته يبدل سيارته مع سيارة الحراسة، بعد أن انتفض قلبها من فعل والدها.