تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
الفصل 4 — رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع 4 - بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع 4 - بقلم نورا عبد العزيز
بعد مرور 3 سنوات، خرجت "قُدس" من جامعتها تحمل في يدها بعض الأوراق الخاصة بالرسم وحقيبتها. رفعت شعرها القصير الذي يصل إلى منتصف ظهرها من الجانبين بدبابيس الشعر، ومسدول على ظهرها. كانت مرتدية بنطلون جينز وقميص نسائي فضفاض بأكمام حمراء. اتجهت إلى سيارة "هدير" التي تقف أمام بوابة الجامعة.
حين صعدت، قبلت عمتها بحب وقالت:
_ أتاخرت عليكِ يا دودى.
_ لا يا روحي، يومك كان عامل إيه؟
تبسمت "قُدس" بعفوية وقالت:
_ الأولى على سنة تانية بعون الله.
ضحكت "هدير" على بسمتها الواثقة ثم انطلقت بسيارتها إلى المطعم لتناول الغداء. ذهبتا معًا ودخلتا ليجدا "مصطفى" يجلس على الطاولة ينتظرهما. تبسمت "قُدس" وهي تقول بهمس في أذن عمتها:
_ المفروض تشكريني عشان جبت البلد دي وعشان خدتيني لدكتور مصطفى تعالجيني عنده.
تبسمت "هدير" بإحراج وضربت "قُدس" في ذراعها بخفة. فهمست "قُدس" وقد أوشكتا على الوصول إلى الطاولة:
_ طب دلوقت أنا خفيت من سنة ومفيش كوابيس وبتدلعوا أنتوا الاتنين. قال إيه بتعالجوني برضو، دلوقتي حجتكم إيه ولا أمثل إن عندي كوابيس؟
أمسكتها "هدير" من أذنها بغضب من تمرد الطفلة عليها وقالت:
_ مبقاش إلا عيلة عندها 19 سنة تتمرد عليا، كبرتي إمتى؟
ضحكت "قُدس" بحماس وقالت:
_ من بدري بس إنتِ مش واخدة بالك يا دودي.... ههههه أزيك يا دكتور مصطفى؟
_ بخير يا قُدس، إنتِ عاملة إيه؟
قالها بلطف وعيناه تنظر إلى وجه "هدير". فثلاث سنوات وهو يكبح إعجابه بها ويكتفي بالنظرات المتبادلة بينهما. تبسمت "قُدس" وهي تجلس على مقعدها بجواره ثم "هدير" لتبقى الصغيرة بالمنتصف. فقالت:
_ بخير والله يا دكتور، المهم أخبارك إنت إيه وصحتك؟
_ نحمد الله يا قُدس.
_ هو حضرتك متجوزتش ليه لحد دلوقتي؟
قالتها "قُدس" بعفوية لتضربها "هدير" في قدمها بقوة لتصرخ "قُدس" من ضربتها وقالت:
_ إيه بسأل؟
تبسم "مصطفى" بعفوية وقال بإعجاب:
_ إيه يا آنسة هدير ما تسيبها تسأل.
_ مش فاهمة، أهو قالك ما تسيبها تسأل، وبعدين يا هدير متتدخليش بيني وبين دكتوري أنا حرة أنا ودكتوري.
قالتها "قُدس" بمرح والتفتت تنظر إلى الطبيب بعفوية وقالت ببراءة وعناد:
_ ها بقي قُلتلي متجوزتش ليه لحد دلوقتي؟
نظر إلى وجه "هدير" بحب وعيناه تتلألأ ببريق العشق وقال:
_ ملاقيتش بنت الحلال اللي تخطف قلبي، أو ممكن تقولي مكنتش لاقيها بس دلوقتي بقى لاقيتها.
تنهدت "قُدس" بسعادة. هذا الرجل أوشك على الاعتراف بحبه لعمتها الجميلة التي تبلغ من العمر 37 عامًا وتعمل صحفية، لكنها لم تتزوج حتى الآن بسبب تربيتها لـ "قُدس". تبسمت "قُدس" بعفوية وقالت:
_ أتمنى تكون هي كمان بتحبك؟ ونصيحة من واحدة ذاقت الحب مضيعش الفرصة لأنك متعرفش هتيجي ولا لأ.
نظر "مصطفى" إلى "قُدس" بانبهار وهي تتحدث الآن عن الحب وتعتقد أنها كبرت كفاية لتتحدث عن الحب وهي ما زالت لم تتجاوز التاسعة عشر من عمرها الصغير. تحدث مداعبًا لحديثها:
_ والله إيه؟ وأي كمان يا ست الشاعرة؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها بخفة ورفعت حاجبها ليكز "مصطفى" على أسنانه وقال بحدة:
_ إحنا اتفقنا على إيه؟ مش قولنا مفيش حب ولا ارتبط دلوقتي خالص يا ست الشاعرة إنتِ.
ضحكت "قُدس" بلا مبالاة ووضعت يدها على قلبها الصغير وقالت:
_ ها أنا مستحيل أحب، هنا بقى بارد جدًا، أنا هقوم أطلب آيس كوفي.. أطلب لكم حاجة معايا.
أخذت طلبهم وذهبت لتدمع عيناها بحزن. كيف لها أن تتوقف عن عشقه؟ هي تكبح شوقها له بقدر الإمكان حتى لا يلومها أحد. لكن "الجارحي" بداخلها كالدماء التي تسير في أوردتها، فكيف لها أن تتخلص من عشقه؟ هي تعلم جيدًا وخصوصًا مع فترة علاجها مع "مصطفى" أنه ضحية مثلها تمامًا. أراد أن يمنعها من المرض بسبب حساسيتها من الفراولة، فوقع ضحية لفخ أخيه بها.
وقفت تنتظر الطلب وفتحت هاتفها لتتجول بحسابها على الأنستجرام لترى حسابه ما زال كما هو منذ ثلاثة سنوات لم يشارك صورة واحدة على الحساب. لا تعرف كيف أصبح شكله وهل ظهر الشيب في رأسه أم ماذا؟ التقطت صورة لها مع قهوتها الباردة وابتسامة دافئة على شفتيها ثم شاركتها على حسابها وكتبت فوقها:
_ كم اشتقت إليك.
وضعت بجانب كلماتها الدافئة قلب أحمر مكسور. قاطعها مناداة النادلة تخبرها أن قهوة "مصطفى" و"هدير" أصبحت جاهزة، فوضعت الهاتف في جيبها وأخذت الطلب لهما.
***
وقف "الجارحي" في المحل مع عمه "هادي" يتحدثون في العمل عن القماش الجديد ليرن هاتفه باستلام إشعار جديد. فتح الهاتف ليرى الإشعار من حسابها وأنها شاركت شيء جديد. ضغط على الصورة وقرأ ما كتب بها وحدق بوجه صغيرته التي هربت منه. كانت جميلة وبريئة وشعرها الطويل أصبح أقصر جدًا وتضع أحمر شفاه على شفتيها وبشرتها أكثر نقاءً. تبسم على بسمتها الخفيفة وتمنى أن تكون سالمة ولا تعاني من الماضي وألمه.
نظر "هادي" على الهاتف ولمح صورة ابنته فنظر على وجه "الجارحي" الحزين. ما زال الشعور بالذنب يجتاحه ويحتل وجهه، فتبسم بخفة على هذا الرجل ثم قال:
_ هستناك في المكتب مع جدك.
دلف إلى الداخل ليتركه وحيدًا مع صورتها. دخل "هادي" للمكتب ووجد "فؤاد" بالداخل ليقول بعفوية:
_ يالهوي دا المحل نور، الشيخ فؤاد بنفسه عندنا.
ضحك الجميع على داعبته فقال "حمدي" بجدية:
_ تعال يا هادي شوف أخوك، قال إيه جاي يشتكيلي من الجارحي.
أندهش "هادي" ونظر إلى أخاه وهو يجلس على المقعد المقابل وقال:
_ الجارحي عمل إيه؟
_ بالله عليك يا هادي، اتكلم معاه، أمه عايزة تفرح بيه كفاية البلاء اللي في البيت ودا عارفين هو فلاتي ليه ومش عايز يتجوز مش هيلاقي اللي ترضي بيه أصلًا وأنا حرام ليا إذا جبتله بنت ناس هيمرمطها معاه وبنات الناس مش لعبة، أملي كله في الجارحي، اتكلم معاه شوية خليه يرضي يشوف العروسة اللي أمه جايبها، الأول كان بيدور على عروسة تناسبه، بقالي تلات سنين ببوس إيده أنا وأمه وهو قفل باب الجواز نهائي.
قالها "فؤاد" بقلة حيلة من عناد ابنه الذي رفض جميع النساء بعد هجران الصغيرة. نظر "هادي" على "الجارحي" من خلف الزجاج وهو يقف في الخارج وينظر إلى ابنته. لا يعلم إن كان هذا الشعور الذي يحتله هو وجع لفراقها أم شعور الذنب يقتله من الداخل. تنهد بهدوء وقال:
_ هكلمه.
_ حاجة تانية؟
_ لا، أبقى شاكر ليك أوي.
قالها "فؤاد" بعجز ثم غادر المكان فتبسم "حمدي" بحيرة وقال:
_ والله ما عارف الجارحي إيه اللي شقلب حاله كده.
_ الزمن يا أبويا.
قالها "هادي" وخرج من المكتب فرأى الجارحي يسجل بعض البيانات في الأوراق فقال بجدية:
_ تعال يا جارحي عايزك.
نظر "الجارحي" إلى عمه بدهشة وقال بحيرة:
_ خير.
خرج الاثنان معًا من المحل وانطلقا في طريق العودة المنزل فتحدث "هادي" بهدوء:
_ مش عايز تقابل العروسة اللي أمك جايبها ليه؟ دا أبوك بيقول إنها بنت شيخ في الأزهر وزي ما أنت عايزها مختمرة ومتعلمة ومبتشتغلش.
تنهد "الجارحي" بهدوء من حديثه وقال بضيق:
_ بس أنا مش عايز أتجاوز يا عمي دلوقتي.
_ على حد علمي إن عندك 33 سنة دلوقتي هستنى إيه تاني.
قالها بهدوء فألتزم "الجارحي" الصمت وعيناه تتحاشي النظر إلى عمه فتبسم "هادي" بهدوء وقال:
_ يوم ما جتلي قُدس منهارة وضعيفة السجن وقالتلي إنها عايزة تسافر وتسيب البيت وتمشي، كنت هتجنن وأعرف بنتي جرالها إيه وصلها للحالة دي.
أرتبك "الجارحي" من حديث عمه وتحاشى النظر لعمه بخوف ليتابع "هادي" الحديث بجدية تصدمه به:
_ اللي حصل قُدس سامحت فيه لأنها عيلة ومش واعية اللي حصل فيها ده هيوديها فين بكرة وأنا مش بلومك لأنك ضحية زيها ولأن عمرك ما عملت الحرام.
اتسعت عينا "الجارحي" على مصراعيها بصدمة ألجمته وقال بتلعثم:
_ حضرتك عارف؟!
_ أومال فاكر إن بنتي هتخبي عليا.
قالها "هادي" بهدوء فأبتلع "الجارحي" لعابه بحرج والندم يحتل عينيه فقال بضعف:
_ أنا...
_ أنت ضحية وأنا بقولك إن حق بنتي مش عندك، اتجوز يا جارحي وعيش حياتك متعلقش حياتك على الماضي وأنت ملكش ذنب فيه.
قالها بهدوء جدًا وقد وصلوا إلى العمارة. تقدم "هادي" للدرج فقال "الجارحي" بهدوء:
_ أنا مش هتجوز غير قُدس.
التفت إليه "هادي" بصدمة ألجمته ونظر إليه فأقترب "الجارحي" بهدوء واثقًا من نفسه:
_ أنا طلب أيد قُدس منك يا عمي.
_ قُدس.... دي عيلة.
قالها "هادي" بدهشة تحتله وعيناه ترمق هذا الرجل بضيق من طلبه ليقول "الجارحي" بهدوء:
_ قُدس بنت وسترها وشرفها اللي راح بسببي حتى لو مكنتش في وعي، وواجب عليا سترها ورفع راسها وسط الناس، فكر في طلبي يا عمي وأنا قابل بأي شرط حتى لو كان جواز صوري على ورق أنا موافق.
صعد إلى شقته وهو مذهولًا بجراءته وكيف تحدث مع عمه هكذا وطلب يدها منه للزواج. فهل حقًا سيتزوج الصغيرة؟
***
تجهز الجميع وأعدت "أسيا" الطعام والمشروبات فقالت:
_ شدي حيلك يا سنية شوية الضيوف على وصول، بت يا ليل، يا ليل.
دلف "أسيا" إلى غرفة ابنتها ورأتها مرتدية فستان وردي اللون فضفاض وتلف حجابها الأبيض فسألتها بضيق:
_ إيه يا عروسة هتنامي قصاد المرايا ولا إيه؟
تبسمت "ليل" بحماس وتوتر شديد ظاهر في رجفتها ثم قالت:
_ شكلي حلو يا ماما.
تحدثت "أسيا" بهدوء وعيناها تبتسم بسعادة وصغيرتها أصبحت عروسة جميلة الآن:
_ زي القمر يا روحي، يلا بقي.
_ حاضر هرن كمان مرة على قُدس.
قالتها بلطف لتتأفف "أسيا" بضيق شديد وقالت:
_ يا دي قُدس مش كلمتيها امبارح وقالتلك مش هتعرف تجيلك، انجزي بقي وسيبى قُدس في حالها ما كلنا هنا حواليكِ ومعاكِ.
تذمرت "ليل" بضيق وقالت بخنق:
_ بس قُدس غير.
حاولت الاتصال بـ "قُدس" صديقتها الوحيدة لكن الهاتف كان مغلق. لا تصدق أن "قُدس" لن تكون معها في ليلة كهذه والفضل يعود للماضي الذي جعلها تهرب منهم جميعًا.
وصل الضيوف وكان "عمران" مع أمه ووالده. جلست "مديحة" و"أسيا" وهكذا "حمدي" و"فؤاد" و"هادي" وبدأوا بالتعارف. ظلت "خديجة" ترن على ابنها "عماد" لكنه في سبات عميق من النوم بسبب سهر الليل و"الجارحي" لا يجيب عليها. تأففت من تصرفات أولادها. تحدث "هادي" بجدية:
_ نورتونا والله، ليل دي بنتي أنا اللي مربيها مع بنتي قُدس.
دلف "الجارحي" بوجه حاد خشن وقال:
_ السلام عليكم.
_ تعال يا ولدي.
قالها "حمدي" بهدوء فنظر "عمران" إلى "الجارحي" وهو يعرفه جيدًا من رسومات "قُدس" يشبه الرسومات تمامًا. فجلس "الجارحي" جوار والده صامتًا. فتح هاتفه وهو لا يبالي بما يحدث في هذا التجمع. فتح حسابها وهو يرتشف قهوته ليبصق ما بفمه حين رآها شاركت صورة جديدة مع رجل بنفس عمره وكتبت عليها:
_ كنت الأمل الذي ظهر لي في عتمة ليالي فانتشلت من الضياع، أملي الحبيب.
اتسعت عينا "الجارحي" وهي تلقب هذا الرجل بأملها الحبيب وشاركت معه قلب أحمر وتمسك في ذراعه بعفوية وتبتسم بسعادة. نظر الجميع عليه بدهشة حين بصق ما بفمه وعيناه ترمق الهاتف بصدمة. تبسم "هادي" وهو يعرف جيدًا ما رآه "الجارحي". ظل يراقبه عن كثب ووجهه يزداد حدة أكثر وغضب ناري يأكل ما بداخله. همس "هادي" سرًا:
_ دكتورها سرق عقله والله بتستاهل.
سمع الجميع صوت ضجة بالخارج وزغاريد، فوقفت "أسيا" لتنظر بما يحدث وفتحت باب الشقة لترى "سنية" تزغرد بحرارة وتلفظ باسم "هدير" قائلة:
_ والله مصر كلها نورت يا ست هدير، نورتي البيت كله يا آنسة قُدس.
_ قُدس.
قالتها "أسيا" بدهشة فتبسم "هادي" بمكر وهو يتذكر حديثه ليلًا مع ابنته في الهاتف ويقول:
_ لازم تيجي بكرة يا قُدس، ليل مستنياكِ ومش عارفة تفرح من غيرك، ولا ليل متستاهلش إنكِ ترجعي الإجازة دي عشانها.
كان يمكر لابنته واستغل خبر زواج "ليل" حتى يقنعها بالعودة بعد طلب "الجارحي" يدها للزواج. فهو أيضًا أب يسعى لستر ابنته فما حدث لن يغيره السفر.
اتسعت عينا "الجارحي" وهكذا الجميع عندما سمع صوت "أسيا" تلفظ اسمها. نظر إلى الباب ليراها تدخل ببسمتها البريئة وجسدها النحيلة. ما زالت صغيرة الحجم بخلاف جسدها الذي تغيرت مفاتنها أكثر وأصبحت عروس جميلة. ركضت إلى أحضان والدها الذي فتح ذراعيه إليها وحتى عندما خرج من السجن لم يراها. ضمها بقوة، صغيرته التي عادت ليقبل جبينها بحب ثم عانقت جدها و"وصيفة" ورحبت بالجميع وما زالت لم تراه وهو يقف بجوار المطبخ غاضبًا ليُصدم عندما دلفت "هدير" وبجوارها "مصطفى" هذا الرجل الذي رآه من قليل في الصورة. تبسم "مصطفى" بلطف وقال:
_ طب أستأذن أنا.
لم يفهم أحد من هذا لتقول "قُدس" بحماس:
_ باي باي هبقى أكلمك بقي.
أومأ إليها بنعم مع بسمة رقيقة وغادر. استدارت تبحث عن "ليل" لتراه يقف محله ويغلق قبضته بقوة على كوب القهوة. انقبض قلبها بدهشة لوجوده وتلاشت بسمتها حين التقت عيونهما. ما زال كما هو بوسامته على الرغم من عينيه التي يتطاير منها الشر والغضب. يرتدي قميص أسود وبنطلون رمادي اللون. شعرت أن أنفاسها على وشك الانقطاع من الخوف من نظراته الحادة لتدرك أنه غاضبًا لعودتها وكأنه لم يرغب برؤيتها مرة أخرى. قاطع خوفها ونظراتهما المتبادلة صوت "ليل" التي خرجت من المطبخ وصرخت باسمها:
_ قُدس.
ركضت "قُدس" نحوها وهي تضع الصينية على السفرة بجوار "الجارحي" وألتقى الاثنان في عناق طويل ودموعهما تتساقط من الفرحة وكلاهما مشتاقة إلى الأخرى. كان اللقاء قُربه جدًا ليشم رائحتها ويتذكر تلك الليلة التي ضمها بها وشم نفس الرائحة بها فغادر الشقة سريعًا محاولًا السيطرة على عقله الذي أخذه إلى ذاكرة تمنى أن ينساها.
التفتت "قُدس" إلى باب الشقة حين غادر لتشعر بحزن شديد في قلبه وتصرفه يدل على عدم الترحيب بوجودها. جلست مع "ليل" مبتسمة بسمة مزيفة واتفقوا على موعد قراءة الفاتحة في الشهر القادم ليعم الفرح المكان. ومع مغادرة الضيوف، صعدت "قُدس" إلى شقة والدها في الطابق الثالث ودلفا خلفها والدها. تأمل فتاته الصغيرة ليقول:
_ أنا توقعتك كبرتي شوية.
_ يا بابا دا كلهم ثلاث سنين.
قالتها بعفوية ليبتسم وقال:
_ فعلاً ثلاثة سنين بيفرقوا جدًا، قوللي يا قُدس يا حبيبتي الدكتور بتاعك إيه اللي جابوه معاكم من انجلترا.
أجابته بحيرة قائلة:
_ أعتقد إن السبب هدير، في بينهم إعجاب متبادل لكن هو لسه مأخدش خطوة وأعتقد رجوعه معانا يعني أنه ناوي ياخد الخطوة دي.
أومأ إليها بنعم وقال:
_ امممم قُلتلي بقي، ماشي ادخلي غيري هدومك وارتاحي من السفر.
أومأت إليه بنعم ثم دخلت إلى غرفتها وجلست تفتح هاتفها وتذكرت أنها تحتاج إلى شريحة اتصال من بلدها. ألقطت بجسدها على الفراش بتعب ونظرت في هاتفها بملل لتفتح صورته التي سرقتها من حسابه الإلكتروني. ظلت تحدق بوجهه كم مشتاقة له وتقاوم هذا الحب؟ ظلت تحدق بوجهه حتى غاصت في نومها. دلف "هادي" إلى غرفتها بعد أن طرق الباب ولم يجد جوابها فرآها نائمة وتحمل الهاتف في يدها على صورة "الجارحي" فتبسم بحزن وكيف ابنته تحب هذا الرجل حتى الآن؟ أغلق الأضواء وخرج من الغرفة ودلف إلى غرفته بحيرة فماذا يفعل؟
***
استيقظ "عماد" من نومه على صوت "مديحة" التي توقظه بصعوبة وتقول:
_ قوم يا خيبتي الثقيلة.
فتح عينيه بتعب من جدته وقال:
_ في إيه يا ديحة على الصبح؟
_ قصدك على المسا، قوم سبع الرجالة العشاء أذنت، قوم شوف قُدس اللي راجعت في إيدها راجل غريب.
قالها بغضب سافر. اتسعت عيناه وانتفض من فراشه فزعًا من حديث جدته وكيف عادت؟ ورجل آخر معها؟ قال بصدمة:
_ بتقولي إيه؟
_ اللي سمعت يا سبع الرجالة.
قالتها "مديحة" بضيق شديد. ركض للخارج يأخذ حمامًا دافئًا ينظف جسده من رائحة الخمور والقذارة التي به وبدل ملابسه ثم ترجل للأسفل بسرعة جنونية ودُهش عندما رأى "هدير" تجلس على الدرج مع أختها "أسيا" ليتأكد من حديث جدته وعودة "هدير" تعني أن صغيرته عادت لكن أين هي؟ بحث عنها حوله ليُصدم من نظرة "هدير" الحادة وتشمئز منه فقالت:
_ أزيك يا بن أخويا، لسه زي ما أنت عرة يا عماد.
تنهد بحرج من حديث عمته وهو لا يقوى على الرد عليها فتابعت بسخرية منه:
_ مالك كبرت وعجزت كده ليه، شكلك يقرف.
أرادت أن تخبره أنه كبر وبلغ الأربعين الآن فلا يأمل بشيء من صغيرتها. تبسمت "أسيا" على مزحتها وقالت:
_ صدقتي والله يا هدير، أنا معرفش أنت خلفت أخويا فؤاد إزاي.
_ انتوا قاعدين فاضيين صح؟
قالها بضيق شديد وعيناه تنظر على شقة "وصيفة" لعل صغيرته تخرج الآن فقالت "أسيا" بضيق:
_ يا راجل يا عرة مش تقول لي مبروك لبنتي ومش كفاية أحرجتنا مع الناس ومنزلتش تقعد مع الرجالة.
_ مبروك.. مبروك.
قالها بضيق وصعد إلى شقته من جديد وهو متلهفًا لرؤيتها لكنه سينتظر للصباح فقط. لأجل "قُدس" سينتظر.
***
استيقظت "قُدس" في الصباح وفركت عينيها بتعب ثم ترجلت من الفراش بفستانها الوردي المصنوع من القطن. خرجت من غرفتها تمطي جسدها وتقول:
_ بابا.
رأت والدها يجلس مع "فؤاد" في الصالون ومعهم "الجارحي" الذي غض بصره سريعًا عنها فتنحنت بحرج ودلفت إلى غرفتها ليعود إلى شجارهما وقال "فؤاد":
_ كلمه يا فؤاد، خديجة كلمت الست وقالتلها إننا هنيجي وهو منشفة دماغه وحالف ما هيروح في حتة.
نظر "هادي" إلى أخاه وهكذا ابنه وكيف يخبره أن ابنه طلب ابنته للزواج. تحدث "هادي" بهدوء شديد:
_ أهدأ بس يا فؤاد وكل شيء بالخناق إلا الجواز يا ابن أبويا بالاتفاق.
قاطعهم "الجارحي" بحدة صارمة وقال:
_ أنا طلبت منك أيد قُدس، ما تقوله إني عايز أتجاوز بنتك يا عمي.
نظر "فؤاد" بصدمة ألجمته إلى ابنه ثم أخيه وقال بتلعثم:
_ أنت بتقول إيه؟، لا أفهم بس قُدس مين؟
تنحنى "هادي" بهدوء ثم قال بجدية:
_ أعتقد الخناقة دي المفروض تكون في بيتكم، كلم أبوك وأمك ولما توصلوا لحل كلمني.
وقف "الجارحي" بعناد شديد وقال صوت قوي وخشن:
_ أنا هتجوز قُدس ومبآخدش رأي حد، عن إذنكم.
خرج من الشقة غاضبًا وأغلق الباب بقوة حتى انتفض جسدها من الداخل. خرجت على صوت إغلاق الباب معتقدة أنهم رحلوا لتُدهش بوجود عمها الذي يحدق بها في صمت والآن طلبها ابنه الآخر للزواج والأكبر متيم بها. تنهد "هادي" بهدوء وقال:
_ أنا هكلمه متقلقش.
_ مش قلقان، ربنا يسترها على ولادي.
قالها "فؤاد" وغادر الشقة لتسأل "قُدس" بقلق من تعابير وجه والدها الحزينة:
_ مالك يا بابا؟
_ تعالي يا قُدس.
قالها والدها بهدوء. شعرت بقلق من حديث والدها ثم جلست على المقعد المجاور له وقالت:
_ جارحي طلبك للجواز.
اتسعت عيناها على مصراعيها وضحكت بقوة ساخرة ثم قالت:
_ حضرتك أكيد بتهزر.
نظر لها بصمت لتتوقف عن الضحكة وتفهم أنها في موقف صعب جدًا وهذا الحديث حقيقي لتقول:
_ إزاي؟ وليه؟ وامتى؟
تنهد "هادي" بهدوء شديد ثم قال بحزم:
_ إزاي؟ زي الناس، زي أي راجل بيطلب واحد للجواز، وليه؟ عشان في حاجة حصلت ولازم تتصلح سوى رضيتي أو رفضتي وزجارحي لازم يصلح غلطته معاكِ عشان سمعتك وشرفك وتفضل راسك مرفوعة ورأس أبوكِ، وأمتى؟ قبل من أسبوع وعشان كده أنا جبت وأصرت إنك ترجعي.
دمعت عيناها من حديث والدها القاسي وهي أعتقدت للحظة أنه اشتاق لها ولو قليل في غيابها لكن كل ما يفكر الخطأ الذي ارتكبه في حقها لتقول بعناد هي الأخرى:
_ وأنا مش موافقة.
ضحك والدها بسخرية على جراءتها وعنادها وأجاب بحدة:
_ ومين قالك إن الخيار ده موجود؟ إنتِ مجبرة تتجوزيه عشان الفضائح يا بنت هادي، ولا عايزة تتجوزي واحد من سنك وتتفضحي يوم فرحك ولا سيرتك تبقي على كل لسان ورأي أبوكِ تتحط في الطين وتكسري ضهري.
ذرفت دموعها قسرًا وقالت بضعف:
_ أكيد لا بس...
_ مبقاش دا الحل الوحيد عشان نصلح اللي فات، ولو على الجواز ورغبتك شهرين تلات يطلقك وبعدها أعملي اللي عايزاه وأتجوزي اللي من سنك.
قالها بحدة صارمة رافضًا منها أي جدال أو مناقشة ثم تركها وغادر الشقة لتجهش باكية من الحزن وكيف تتزوج رجل تعشقه بهذه الطريقة القاسية. تعلم جيدًا أن "الجارحي" سيتزوجها ليكفر عن ذنبه وليس للحب؟ ظلت تبكي بحزن شديد على المقعد حتى نفدت طاقتها بشدة.
***
علم الجميع بخبر طلبه للزواج من الصغيرة وصدم "عماد" من الخبر ليركض إلى شقة أمه ووجد "الجارحي" بالداخل يشاجر أبوه على هذا القرار حتى صرخ بقوة يقول:
_ عشان كده وقفت في طريقي عشان تاخدها لنفسك.
كز "الجارحي" على أسنانه بغضب سافر وكل هذا من تخطيطه الشيطاني فلم يجب عليه ليسرع "عماد" نحوه ومسكه من ذراعه يديره إليه ثم ضربه بقوة ليرد "الجارحي" لكمته للكثير ينفث به القليل من غضبه لتصرخ "خديجة" بقوة وصعد الجميع على صوت صراخها فضربه "عماد" بقوة وهو يقول:
_ هقتلك يا جارحي، هتقتلك لو فكرت تقرب من حاجة ملكي.
ركل "الجارحي" في بطنه بقدمه بقوة ليسقط على السفرة وقال بتحدٍ:
_ جرب بس تقرب لها يا عماد وأنا هلبس أمك أسود عليكِ مدى الحياة.
صرخ "فؤاد" بهما بغضب وقال:
_ بس أنتوا الاتنين، على جثتي واحد فيكم يتجوز قُدس، تحرم عليكم البنت اللي توقع بينكم.
رفع "الجارحي" سبابته في وجه والده أمام الجميع وتحدث بنبرة قوية لا يهتم لأي شيء:
_ هتجوزها غصب عن أي حد واللي يقدر يمنعني يوريني نفسه.
_ أنا.
التفت الجميع على صوتها فتحدثت "قُدس" بنبرة غاضبة من هذا الشجار وكلاهما يقرر نيابة عنها حياتها فقالت من جديد:
_ أنا همنعك، أنا ولا هتجوزك ولا هتجوزه، واللي هيفكر يقرب مني هموت نفسي ويبقى ذنبي في رقبته.
غادرت الشقة تحت أنظار الجميع رافضة الزواج بأي منهما. غادر الجميع لشققهم وكل واحد من أفراد العائلة يتحدث عن غضب "الجارحي" والسبب وراء عناده وإصراره على الزواج من طفلة هو نفسه رفض زواج أخاه منها لكونها طفلة وتصغره بكثير. أخذ "حمدي" أبناءه "هادي" و"فؤاد" إلى شقته ليحسم الأمر بين شجار أحفاده وقال بجدية:
_ إحنا عشان نحل الخناق والعداوة بين الأخوات، قُدس بنتك مش هتجوز ولا واحد فيهم.
تحدث "هادي" بغضب مكبوح بداخله يحاول السيطرة عليه:
_ جارحي لازم يتجوز قُدس يا حج.
_ أنا بقول محدش هيتجوزها، أي كلامي مش مسموع.
قالها "حمدي" بقوة غاضبًا ليتابع "هادي" الحديث بهدوء قائلًا:
_ جارحي لازم يصلح غلطته مع بنتي.
نظر الاثنان له بصدمة ألجمته ليخبرهم بهدوء قائلًا:
_ ابنك يا فؤاد غلط مع بنتي وعشان كده أنا سفرتها وعشان كده هو مصمم يتجوزها عشان يستر عليها ويصلح غلطته وأنت شيخ جامع وحافظ كتاب الله وأنا هسيبك تحكم بنفسك الخناق بين ولادك أهم من شرف بنتي اللي ابنك سرقه منها بخسة وندالة وهي عيلة محافظش عليها.
كانت الصدمة تحتل "فؤاد" ولا يصدق أن ابنه بطهارته فعل شيء كهذا. لو كان أخبره أن "عماد" من فعلها لكان صدقه بسرعة البرق، لكن "الجارحي" لا يستوعب كيف فعلها؟ ليسلم للأمر الواقع ويقبل الزواج رغمًا عنه لأجل شرف الفتاة الصغيرة. أما الأخوة فبينهما القدر وما يخبئه القدر لن يتوقعه بشر.