تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
الفصل 15 — رواية حرب سقطت راءها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورا عبد العزيز
كان الجميع فى المنزل تحتلهم صدمة الورث الذي ذهب هباءً على سهو لأجل "الجارحي"، حتى أبناء الرجال حرمهم "حمدي" من الورث لصالح حفيده المقرب، لم يتحرك ساكنٌ لأحدهم سوى "هادي" الذي ركض مع "ليان" و"فتحي" إلى المستشفى.
وقف بالخارج ينتظر فحص الطبيب بقلق، ولا يعلم إن كان يملك فتاة أخرى الآن وسُرقت منه رضيعة.
جاءت "قُدس" ركضًا مع زوجها حزينة، وفكرة أنها تملك توأم ظهر فجأة مُرعبة.
سألت بقلق وعيني دامعة:
_ بابا هي كويسة؟
نظر في وجه "قُدس" بحزن وعتاب يمزق ضلوعه. تذكر الضرب المبرح الذي عرض أبنته الجميلة له، وكيف مرت ثلاثة أسابيع عليها تعالج الكدمات والجروح الذي سببها لها لأجل صورة خطأ، وقد أدرك حقيقتها الآن. شعر بغصة تؤلمه وعينيه تنظر في عيني "قُدس" بأسف نادمٍ على ما فعله سابقًا بها وعدم ثقته بها.
وضع يده خلف رأسها ثم قبل جبينها بأسف. فنظر "الجارحي" إلى زوجته بعفوية وقد فهم سبب فعل والدها الآن.
تحدث "هادي" بأسف شديد قائلاً:
_ حقك عليا يا قُدس.
هزت رأسها بلا وقالت بضعف:
_ لا يا بابا متعتذرش. أنا مش زعلانة منك وأنت من حقك تعمل أي حاجة. أنت مهما كان بابا وأنا هفضل بنتك.
تنهد بهدوء. فنظرت إلى "فتحي" بهدوء وقالت:
_ هي اسمها إيه؟
_ ليان.
قالها بأنكسار وحزين يمزقه من حالة ابنته. فنظر إلى "الجارحي" بضعف بعد أن رفض العلاج ثم قال:
_ أنا آسف على الدربكة اللي عملناها، بس أنا أب بيشوف بنته بتموت بالبطيء. ولما عرفت أن في أمل وعلاج مترددتش لحظة، مع أني واثقة أنها هتتأخد مني.
صمت الجميع. حتى خرج الطبيب ووضح بحديثه من جديد:
_ للأسف الحالة بتتأخر أكتر والعلاج الكيميائي ضعيف، ولازمها زراعة النخاع في أقرب فرصة.
تنهد "فتحي" بحزن وشعر بدن "قُدس" بضعف خوفًا على أختها. فتشبثت بيد "الجارحي" بيأس وقالت:
_ جارحي، اتصرف.
نظر إلى صغيرته بجدية صارمة. وفي هذه اللحظة العاطفة لن تأتي بالخير لها هي وجنينها.
رفضت "ليان" البقاء في المستشفى وأصرت على الخروج رغم معارضة الجميع. ثم قالت:
_ روحوني لماما.
نظر "فتحي" إليها بعيني باكية ثم قال بيأس:
_ حاضر يا نن عيني.
ضغطت "قُدس" على يد زوجها برجاء. ليقول بهدوء ونبرة قوية:
_ الشقة اللي في الثالث عندنا فاضية، ممكن تنورنا فيها.
نظر "هادي" إلى "الجارحي" بضيق وهو يتحكم في كل شيء، لكنه الآن في كارثة أكبر من المال. نظر إلى "فتحي" وطفلته الأخرى ثم قال:
_ ياريت على الأقل ليان تتعرف على أهلها.
_ أنا ماليش أهل وأهلي اللي ربوني وكبرت معاهم، مش اللي أتخلوا عني.
قالتها بحزم شديد. ثم نظرت إلى "فتحي" الذي قال بحدة:
_ ليان عيب كده من امتى وإنتِ قليلة الذوق مع الناس كده.
تنحنح "هادي" بلطف ثم قال بحنان:
_ أنا متخلتش عنكِ، إنتِ اتسرقتي مني من غير ما أعرف بوجودك، ولازم تكوني فاهمة ده.
أقتربت "ليان" خطوة منه وعقدت ذراعيها أمام صدرها بغرور وقالت:
_ حضرتك أنا دكتورة، عايز تفهمني إن مراتك دخلت تولد وإنت متعرفش اللي في بطنها واحد ولا اتنين؟ مسألتش على التاني ليه؟
أقترب "فتحي" من ابنته ومسك كتفيها بحنان ثم قال بنبرة خافتة:
_ خلاص يا ليان مش هنقلب في الماضي هنا، خلينا نروح عشان ترتاحي وبعيد نقعد ونتكلم براحتك...
***
تحدثت "آسيا" بانفعال شديد قائلة:
_ يعني إيه؟ يعني خلاص كده كله راح؟ لا دا أكيد أبويا اتجنن رسمي.
_ احترمي نفسك وإنتِ بتتكلمي عن أبوكِ.
قالها "فؤاد" بحدة صارمة. فنظرت "هدير" إليه وهكذا "مديحة" التي تحدثت بطريقة هجومية قوية:
_ اخرس خالص، أبوك مش بس اتجنن يا ابن بطني دا اتلحس في دماغك، أكلك كله راح بحزمة المعلم للجارحي ابنك. راجل التقوي والأزهر وهو قبل عادي مالكم ومالنا.
وقف "فؤاد" من مكانه بضيق من طريقة حديث والدته ثم قال:
_ أنا ابني مش حرامي، وأبويا حر في ماله، مش مالنا دا اللي كنتِ عايزة تديه للحيلة عماد ننوس عين سته وجبتي أجل الراجل بسببه. لتكوني فاكرة أنني منعرفش أنك السبب وفلوسك هي السبب أهي راحت. أشبعي يا ديحة.
تمتمت "هدير" بصدمة وعدم استيعاب للأمر قائلة:
_ بس الجارحي ميعملش كده، الجارحي عمره ما قبل بحاجة مش له.
قهقه "عماد" بسخرية على حديثها ثم قال بضيق:
_ إنتِ يا عمتي لسه مقتنعة باللي بتقوليه ده؟ الجارحي طول عمره حرامي وبيأخد اللي مش له. وهنروح بعيد له ما هو خد قُدس. مين يا أبا اللي جالك الأول فين وقالك إنه رايد قُدس وعايز يتجوزها؟
صمت "فؤاد" بضيق شديد. ليصرخ "عماد" بغضب سافر قائلاً:
_ مين يا أما اللي جالك وقالك إنه عايز قُدس في الحلال ورايدها يمكن يتصلح حاله على إيدها عشان حبها عشش في قلبه.
صمتت "خديجة" هي الأخرى. ليتابع "عماد" بقهرة تحتله من فقد فتاته وقال:
_ الجارحي طول عمره بأخد اللي مش له. ولو على الأزهر اللي هو متخبي جواه فدا مجرد قناع لبسه عشان يغفلنا كلنا. كلكم كارهني عشان أنا راجل صريح بعمل اللي عايزه في النور، لكن عاشقين الجارحي وبتقولوا فيه أشعار عشان مخادع.
_ أشجيني وأي كمان يا ابن أبويا.
أتاه صوت "الجارحي" من الخلف. فالتف الجميع على صوته ونظروا إلى "الجارحي" بغضب وكره شديد. بينما "عماد" نظر إلى "ليان" التي تحملق بهم ببرود وكانت نسخة طبق الأصل من "قُدس" لكن ملامحها تملأها الجراءة والقوة على عكس "قُدس" التي تحتل ملامحها البراءة والعفوية.
تحدث "الجارحي" بغرور قائلاً:
_ إيه الصدمة طيرت النوم من عينكم ولا بتخططوا تخلصوا مني إزاي؟ ما أنا عارفكم يا عائلة أبو النور. لا وما شاء الله زعيم العصابة عماد بيه.
تأفف الجميع بصمت. فتحدثت "مديحة" بنبرة جادة تقول:
_ اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل يا جارحي وثمنه كبير قوي.
_ خافي يا ديحة بعد ما تخلصي مني تلاقيني بايع الأملاك لجميعات الخيرية.
قالها بسخرية من حديثها. لتتابع "آسيا" تهديد والدتها قائلة:
_ أنت قبلت مالنا بس ورحمة أبويا اللي ركبك علينا يا جارحي ما هتتهني به يوم واحد.
سمع الجميع صوت "ليان" تقول بسخرية إلى أختها بأشمئزاز:
_ هي دي عائلتك؟ دي عائلة زبالة قوي.
نظر الجميع إليها بدهشة من وقاحتها. فرفعت يدها ببرود وقالت بلا مبالاة:
_ هاي أنا دكتورة ليان بيقولوا توأمها.
قالتها وهي تشير على "قُدس". لم يرحب أحد بها. بينما تحدث "عماد" بنبرة هادئة:
_ ليــــــــــــــــــان.
نظر "الجارحي" له نظرة ثاقبة وقال بتهديد صريح وواضح قائلاً:
_ إياك تفكر تقرب منها. كلامي واضح.
أستدار إلى باب الشقة وأشار على شقة "وصيفة" المقابلة ثم قال بهدوء:
_ دي شقة الحاجة وصيفة جدتك، وأعتقد دي الشقة الوحيدة اللي هترحب بوجودك في العائلة دي.
صعدوا للأعلى حتى وصلوا إلى الشقة الموجودة في الطابق الثالث. وأعطاهم "الجارحي" المفتاح ثم قال:
_ يزيد زمانه على وصول يكون جاب والدتك من الفندق، ودا المفتاح. الشقة اللي قصادك بتاعت والدك أستاذ "هادي"، أما فوق شقتي.
دلفت "ليان" دون ان تعبر عن أي شيء. فنظر "فتحي" بحرج إلى "الجارحي" وزوجته التي تقف تتمنى أن تتحدث أختها قليلاً، لكن "ليان" حادة جداً. فقال بحرج:
_ معلش هي مصدومة من ساعة ما عرفت أن ليها أهل غيرنا، ومن ساعتها وهي شرسة كده حتى معايا أنا ووالدتها.
تحدث "الجارحي" بهدوء ويده تحيط كتف زوجته:
_ مفيش أعذار بينا، يكفي أنها أخت قُدس ودا كافي أني أرحب بها وأشيلها فوق دماغي. وخدوا راحتكم في الشقة، أعتقد هنا وسط أهلها أفضل من الفندق اللي كنت حاجز فيه.
أومأ إليه بنعم. بينما سألت "قُدس" بلهفة وعفوية تغمرها قائلة:
_ هو أنا ممكن أتكلم معاها شوية الصبح لما تهدأ؟
تبسم "فتحي" بعفوية وقال بنبرة دافئة:
_ أكيد طبعًا دي اختك.
أومأت إليه بنعم. ثم صعدت إلى الشقة مع زوجها الذي دلف إلى غرفته في صمت. ذهبت خلفه وفتحت الباب لتراه ينزع قميصه. ليغضب من فعلها ووضع القميص من جديد على صدره قائلاً:
_ مش تخبطي قبل ما تدخلي يا قُدس.
تذمرت على حديثه وعقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق وقالت بحدة:
_ أنا مراتك.
_ شوف إزاي ومن امتى إن شاء الله.
قالها بسخرية وهو يقترب منها بخطوات ثابتة وقميصه مفتوح يظهر عضلات صدره. فقالت بعناد أكثر:
_ جارحي مش وقت خالص التريقة دي، أنا لازم أتكلم معاك.
تنحنح بضيق بعد أن وصل أمامها ورأى وجنتيها أحمرت من الخجل وأنفها الباردة تلامس صدره العاري من شدة قربه. وهو يحاصرها في الباب وأنفاسها تضرب عضلات بطنه القوية. لتقول بتلعثم:
_ أحم.. جارحي لو سمحت في كلام كتير لازم.. يعني قصدى في حاجات حصلت النهاردة لازم نتتكلم فيها سوا.
رفع يده إلى خصرها يداعبه بنعومة وعينيه تحملق بعينيها الخضراء التي تتحاشي النظر له. فمسك ذقنها بيده الأخرى ورفع رأسها حتى تتقابل هذه العيون الهاربة معه. تحدثت بنبرة خافتة:
_ حلوة كلمة سوا منك.
أبتلعت لعابها بحرج مرتبكة وقشعريرة كهربائية تضرب جسدها من لمساته وعينيه التي تسحرها. ودقات قلبها تتصارع منذ نعومة أظافرها وحبه أحتل قلبها الصغيرة ببراءته وسيطر عليه. والآن هذا الأحمق المعشوق يذيبها بهواه دون أن يبالي بحال قلبها. شعر بخفقان قلبه من جمالها وأنفاسها التي تضرب صدره كخنجر العشق الذي شق صدره حتى يصل لقلبه الصلب. لأول مرة يشعر بدفء ونعومة هذا الشعور العذاب في حياته. وكأن صغيرته الجميلة أسرته الآن بين قبضان عشقها وجعلته سجينًا لهذا العشق. رغم الكوارث التي حلت بهم وأحداث اليوم العصيبة، لكنه لا يبالي بشيء سوى بإعجابه الواضح بدقات قلبه لأجلها. فقال بخفوت:
_ قُدس أنا..
لم يتمالك أعصابه أكثر أمامها، فانحنى ليضع قبلة على وجنتها الحمراء، كانت ساخنة كاللهب من خجلها. يده تعتصر خصرها بحنان، وبدأت قبلاته تتسلل إلى عنقها، لتقاطعه "قدس" بنبرة حادة رغم سعادتها لهذا القرب بينهما، تقول:
_ أنت مش موافق ليه على علاج ليان؟
أبتعد بذعر وكأنها صعقته بالكهرباء، لينتفض جسده بعيداً عنها، وحدق بعينيها ثم قال بسخرية:
_ إنت بجد مش عارفة؟
نظر إليه مندهشة من نفضته وكأن حديثها أغضبه، لدرجة أن تتحول ملامحه من الحب والدفء إلى الغضب، وعينيه تحولت للخنق ويتطاير منها الغضب. سألته بضيق:
_ بس إنت سمعت الدكاترة قالوا إن مفيش علاج ليها غيري.
_ واللى فى بطنك يا قدس.
سألها بنبرة قاسية وصوت مرتفع أرعبها، لتقول:
_ إحنا حتى مسألناش ينفع ولا لأ. إحنا المفروض على الأقل نأخد برأي الدكاترة، وأكيد لو قالوا إن مينفعش مش هخترع الذرة أنا وأقول إن ينفع. بس على الأقل بيني وبين نفسي أبقى حاولت عشان لو جرالها حاجة ميعيش عمري كله حاسة بالذنب تجاهها.
أستدار يعطيها ظهره ويمسح على رأسها بضيق، وأصابعه تتخلل بين خصلات شعره الناعم. أقتربت أكثر منه ومسكت يده بحنان وأدارته إليه، فنظر إلى وجهها بصمت، لتقول:
_ خلينا بكرة نحاول محاولة وأروح معاك للدكتور ونسأله، حتى من وراء الكل مش لازم نقول لحد، وبعدها نقرر مع بعض هنعمل إيه.
_ مش هجازف 1% بحياتك يا قدس.
قالها بحزم، فتأففت بضيق شديد، ثم قالت بنفاد صبر وغيظ:
_ متبقاش عنيد يا جارحي. أنت بترهن كده بحياة أختي.
ضرب كفاً بكف من الغيظ وقال ساخراً:
_ هتقولي أختي؟ قدس إنت متعرفهاش.
_ مش هتقدر تنكر إنها أختي.
قالتها بضيق، ثم تابعت بغضب وعقدت ذراعيها أمام صدرها:
_ هو الورث باسمك كله؟
رفع حاجبه بضيق ثم قال بكبرياء:
_ آه.
أخذته من يده بلطف وجعلته يجلس على السرير بحنان، وجلست قربه وهو يراقبها عن كثب من تصرفها، وقالت:
_ ممكن ترجع الورث ليهم؟ أنا خايفة عليك.
نظر إلى وجهها بدهشة وعينيها على وشك البكاء، ثم قال بذهول:
_ خايفة عليا بجد؟
_ هيأذوك يا جارحي. إنت ناسي عملوا فيك إيه قبل كده.
قالتها بحزن والخوف يحتل ملامحها لأجله. رفع يده إلى وجهها يلمس وجنتها، لتنظر إليه بحنان، فقال بنبرة خافتة:
_ متخافيش يا ملاكي. جوزك أسد.
تساقطت دموعها من الخوف، ليجفف هذه الدموع بحنان وقال بلهفة:
_ تؤ تؤ متعيطيش يا قدس. حاضر هعملك اللي عايزاه وهرجع لهم الفلوس. متعيطيش بس عشان دموعك دي غالية أوي.
تبسمت بسعادة لأستجابته لحديثها، وأنتفضت من مكانها تعانقه وتشبثت بعنقه بفرحة تغمرها. تبسم بعفوية على فعلها وطوقها بحنانها، ليشعر بسلام وأمان لم يشعر بهما من قبل. انتبهت لفعلتها وحاولت الأبتعاد عنه، لكن لم تقوى على الإفلات من يديه، وشعرت بأنفاسه تضرب عنقها، وتشبث بها كطفل صغير، فظلت بين ذراعيه بخجل، حتى انتفض جسدها بقشعريرة من قبلته التي طبعها على عنقه، وتوالت القبلة لأخرى، فأغمضت عينيها بأستسلام وتكفى عن عنادها معه الليلة، بعد أن تنازل هو الأخرى عن كبريائه وغطرسته معها.
***
تفحصت "ياسمين" الشقة بدهشة ثم قالت:
_ معقول دي عائلتها؟
تحدث "فتحي" بأحراج قائلاً:
_ آه، بس مش ده المهم. المهم إن جوز أختها رافض إن مراته تتبرع بالنخاع لأن اللي فهمته إنها حامل.
دهشت "ياسمين" وجلست قرب زوجها وقالت بتلعثم:
_ هي أختها متجوزة في السن الصغيرة دي وكمان حامل؟
هز رأسه بنعم ثم قال بقلق احتل قلبه مما رآه اليوم:
_ أنا قلبي مش مطمن للعائلة دي. كانوا بيأكلوا بعض في الكلام والحالة مش مطمئنة خالص.
نظرت "ياسمين" إلى "ليان" التي تجلس على الأريكة بعيداً عنهم وتنظر في هاتفها بلا مبالاة وقالت:
_ وليان؟
نظر إلى ابنته وقال بضيق شديد:
_ مقربتش حتى من أبوه ولا أختها. مشوفتش في عينيها أي حنية أو لهفة لأختها أو أبوها، بالعكس شرسة جداً معاهم وعنيدة. كنت حاسس إنها مجبورة عليهم، أو يمكن هي مش عايزة تحسسهم إنها هتموت عليهم، أو كبرياؤها مانعها تطلب منهم يتبرعوا بالنخاع ليها، حتى لو هتموت مش هتترجى حد.
تنهدت "ياسمين" بضيق وقلق على ابنتها. بينما "ليان" كانت تمسك هاتفها وبطاقة عمل "جلال" ودونت رقمه في الهاتف مترددة في الاتصال به، ليقاطع حيرتها رنين الهاتف باسم صديقتها، فأجابت عليها بضيق قائلة:
_ أيوه.
_ عرفتي اللي حصل؟
قالتها صديقتها بفزع يحتل نبرة صوتها، فسألت "ليان" ببرود وعدم اهتمام:
_ إيه اللي حصل يا نشرة الأخبار؟
_ أيمن اتقتل.
قالتها صديقتها لتفزع "ليان" من مكانها وقالت بصراخ:
_ إيه؟
_ والله زي ما بقولك لاقوه مقتول في حمام الجيم اللي بيروحه.
قالتها صديقتها لتفزع "ليان" وتذكرت فوراً حديث "جلال" عن إنقاذه لها من أصدقائها، وحين رأته يقتل الرجل بدم بارد، فأغلقت الخط في وجه صديقتها بدون كلمة واتصلت على "جلال".
***
( شركة الجوكر للحراسات الأمنية )
كان "جلال" جالساً في مكتبه يباشر عمله، حتى قاطعه رنين هاتفه برقم مجهول، فأجاب ببرود قائلاً:
_ الو.
_ أنا عايزة أشوفك.
قالتها "ليان" بحدة صارمة، فترك القلم من يده بلهفة أصابته من سماع صوتها، أخيراً الصغيرة المتمردة تنازلت عن كبريائها واتصلت به بعد 3 أسابيع، فتبسم بكبرياء وقال بغرور مصطنع:
_ اشمعنى؟
صرخت "ليان" في الهاتف حتى أوشكت على اقتلاع أذنه من الصراخ قائلة:
_ أنا قلت عايزة أشوفك.
أعطاها عنوان الشركة ثم قال بهدوء:
_ معاك ساعة و.....
أغلقت الهاتف معه دون سابق إنذار، ليكز على أسنانه بضيق شديد من تصرفاتها الوقحة، وتنهد بهدوء.
***
خرجت "ليان" من الشقة بضيق وهي تفكر في شيء واحد، قتل "أيمن"، وإذا كان توقعها صحيح، فلماذا فعل "جلال" ذلك؟ تقابلت مع "قدس" في المصعد، فلما لا تبالي بأختها، التي تبسمت بلطف لأجلها وقالت:
_ صباح الخير.
_ أهلا.
قالتها "ليان" ببرود. تنحنحت "قدس" ببراءة وقالت ببسمة مشرقة تنير وجهها:
_ إنتِ خارجة؟
تأففت "ليان" إليها والتفت نحوها ثم قالت بضيق:
_ يكون في علمك أنا معنديش أي مشاعر تجاهك، وجوا الأخوة اللي جواكِ دا له وقته، ويومين ثلاثة كده والموضوع هيروح لحاله، اهدئي على نفسك.
شعرت "قدس" بأحراج من أختها وخيبة أمل أصابتها، فألتزمت الصمت. خرجوا الإثنين من المصعد، وأبتلعت "قدس" لعابها بتوتر عندما رأوا "عماد"، لكن "ليان" لم تبالي ومرت، بينما "عماد" أستوقف "قدس" حين مسك معصمها بضيق وقال:
_ قدس.
حاولت إفلات يدها منه وقالت بضيق:
_ سيب أيدي. سيبني أنا مش عايز أسمع منك حاجة.
_ عقلي جوزك يا قدس وقوليله يرجع اللي سرقه.
قالها بعناد وغضب ويده تضغط على معصمها بقوة، فتألمت بضيق شديد وقالت بغيظ:
_ أبعد عني. وبعدين متحسسنيش إن اللي معاه بتاعك، وجوزي مش حرامي. أبعد كده.
لم يتركها وأستشاط غيظاً من دفاعها عن "الجارحي"، ليصدم عندما تلقي ضربة على رأسه بقوة من الخلف جعلته يفلت "قدس". فنظر الإثنين، وكانت "ليان"، فشعرت "قدس" بالخوف على أختها، بينما "ليان" قالت بضيق وغضب:
_ لما أقولك أبعد عني يبقى تبعد عنها.
نظر "عماد" بدهشة إلى "ليان" وكاد أن يتحدث، لتصدم بركلة قوية في ركبته أسقطته أرضاً، وتابعت تهديدها بوضوح:
_ مش رجولة إنك تستقوي عليها في غياب جوزها. وإنت غبية بتأخدي وتدي معاه في الكلام، اديله على دماغه على طول بجزمتك.
أستغل "عماد" حديثها إلى "قدس" ووقف غاضباً من ضربها له، ورفع يده يحاول رد الضربة له، لتصدمه بقلم سحبته من جيبه ووضعته على عنقه بتهديد واضح وقالت:
_ 3 سم كمان وهنترحم عليك. أنا دكتورة وممكن أترحّم عليك قضاء وقدر عادي جداً، لأني دكتورة جراحة معنديش ضمير. جرب تقرب منها تاني وأنا هفرجك مهارتي اللي صرف أبويا عليها فلوسه.
أخذت "قدس" في يدها وخرجت بها من العمارة، و"قدس" مندهشة جداً من جراءة أختها وقوتها، لتصفق لها بسعادة وقالت بإنهيار:
_ ووووااااووو إنتِ شاطرة جداً.
ممكن تعلميني؟
رفعت "ليان" حاجبها بغرور ثم نظرت للجهة الأخرى بضيق وتمتمت بعبوس:
_ لسه فى حد ببراءتك وطيبتك فى الزمن دا.
تبسمت "قدس" عليها بعد أن سمعتها ثم قالت برحب وسعادة تغمرها جاعلة قلبها يرفرف بسعادة:
_ لو طلعت بنت هسميها ليان.
ألتفت "ليان" لها تنظر فرأتها تمسح على بطنها الصغيرة بحنان وتقصد طفلتها لتشعر بفرحة بداخلها أخفتها بمكر ثم غادرت فتبسمت "قدس" بعفوية وصعدت بسيارتها مع "يزيد". أنطلق بها فقاطعت الصمت السائد بينهما:
_ عملت إيه فى اللى طلبته؟
_ أديني يومين كمان بس ورا مصيبة هعرفها وأقولك.
قالها بجدية فأومأت بنعم ثم قالت:
_ على راحتك متستعجلش. أنا مش فاضية لليل دلوقتي.
***
وصل المحامي إلى مكتب "الجارحي" وكان جالسًا معه هو "فؤاد" و"هادي" ثم قال بجدية:
_ معلم جارحي أنت متأكد من اللي بتعمله دلوقتي؟ الورق دا أول ما توقع عليه وتسجله في الشهر العقاري مش هتبقى تملك شيء في الثروة كلها.
_ آه. عارف بس زي ما اتفقنا الورث هتقسم بالنص بين عمي هادي وأبويا. أما عماتي بقي فنصيبهم مع إخواتهم هم أحرار.
قالها بجدية صارمة. نظر إلى "فؤاد" بضيق ثم قال:
_ جدي رفض يكتب لك جنيه عشان عماد هيأخده منك لو مكنش بالرضا هيبقى بالقوة وعمل كل دا عشان الورث والمال ميضعوش.
_ دا الصح يا جارحي.
قالها "هادي" بهدوء ونظر إلى المحامي الذي يسجل البيانات بالبطاقات الشخصية على الأوراق فنظر إلى الورق وقال بهدوء:
_ مش باقي غير إمضيتك يا معلم جارحي.
سأله "هادي" بهدوء متعجبًا من تنازله عن كل شيء:
_ ليه يا جارحي؟ إيه اللي غير رأيك؟
وقع الورقة الأولى وهو يتمتم بجدية مجيبًا على سؤاله:
_ عشان قدس.....
***
كانت "قدس" نائمة على السرير في غرفة الطبيبة وتنظر إلى صغيرها بسعادة في الشاشة وقد بدأ يكبر حقًا وسمعت صوت نبضاته فسألت "قدس" بسعادة:
_ هي بنت ولا ولد؟
أجابتها الطبيبة بعفوية قائلة:
_ لسه بدري يا مدام قدس وبعدين دول توأم.
أتسعت عيني "قدس" بدهشة أذهلتها وقالت بتلعثم:
_ توأم!!
ضحكت الطبيبة على رد فعلها وقالت بعفوية:
_ معقول متعرفيش دا أول حاجة بتظهر.
هزت رأسها بلا ونظر للشاشة بسعادة أكبر وتذكرت أختها التوأم لتكبر بسمتها أكثر. دق الباب فأستئذنت الطبيبة بلطف قائلة:
_ عن إذنك ثواني وهرجع لك.
خرجت الطبيبة وكان هناك سيدة على وشك الولادة تصرخ من الألم وتتلوى في الأرض فبدأت الطبيبة تفحصها ونقلتها للغرفة المجاورة. تبسمت "قدس" بسعادة ومسكت هاتفها تتصل بوالدها الذي كان يجلس أمام "الجارحي" فأجاب بجدية يقول:
_ خمسة يا قدس وهكلمك.
أجابته بسعادة وهى تقول بحماس يغمرها:
_ أنا حامل في توأم يا بابا.
تبسم والدها بسعادة وعينيه على "الجارحي" الذي يوقع الأوراق. قاطعها صوت باب الغرفة يفتح لتصدم عندما ظهر سيدتين فقالت بتوتر:
_ أنتوا مين؟
سحبتها سيدة من فوق الفراش بقوة لتصرخ بألم حتى وصلت صرختها إلى والدها الذي وقف من مكانه وهو يقول:
_ قدس... في إيه؟
رفع "الجارحي" رأسه بعد أن سمع صوت والدها ينادي بأسمها. مسكتها واحدة من ذراعيها للخلف والأخرى أظهرت حجر ضخم من ملابسها لتفزع "قدس" وهى تصرخ تقول:
_ إنتِ هتعملي إيه.....
وضعت السيدة يدها على فمها تمنعها من الصراخ وبدأت تضرب بطنها بقوة والصرخات سجينة بين جوفها والألم يمزقها لتتساقط الدموع منها كلما تلقت ضربة وصدمة تسيطر عليها وهى تفقد أطفالها الآن وأتسعت عينيها من الألم مع كل ضربة. سحب "الجارحي" الهاتف من يد والدها وقال:
_ قدس..
صدم عندما سمع صوت صرخة مكتومة متألمة. رفعت السيدة يدها عن فمها عندما رأت الدماء تسيل من بين قدميها وتركوها على الأرض تنازع الموت من فقد أطفالها لتقول أحدهما بجدية:
_ دا جزاء اللي يأخد حاجة مش بتاعته.
سمعها "الجارحي" ليكز على أسنانه بغضب ناري أنفجر بداخله ليمزق كل الأوراق بقوة أمام المحامي وخرج من المحل كالثور الهائج ويتصل بـ "يزيد" الذي ينتظر أمام العمارة فركض كالمجنون إلى الأعلى وعندما دلف رغم معارضة الممرضة صدم عندما رآها على الأرض غارقة في دمائها وصرخت الممرضة بذعر وركضت تنادي الطبيبة. رفع "يزيد" رأسها للأعلى بفزع ويقول:
_ مدام قدس.
تمتمت بصوت مبحوح:
_ ولادي!!
فقدت الوعي على ذراعه مما أفزعه ودلفت الطبيبة إليها فصدمت من حالتها وبدأت تفحصها وأخرجت "يزيد" للخارج الذي تلقى ركلة قوية في قدمه من "الجارحي" فور وصوله وقال:
_ قدس لو جرالها حاجة مش هيكفيها رأسك.
كان "يزيد" مصدومًا ويشعر بالندم لأنه تركها وحدها وبسبب تقصيره وصلت إلى هذه الحالة. فتح "الجارحي" الباب ودلف غاضبًا والخوف يحتله فرأى الطبيبة تعلق لها المحلول ومحبوبته فاقدة للوعي ليتمتم بصوت مبحوح مرعوبًا عليها:
_ قدس.
ألتفت الطبيبة لها بحزن يحتل وجهها وقالت بندم:
_ أنا آسفة جدًا. للأسف الجنين نزل.
تساقطت دمعة من عينيه بحزن شديد وهو يرمق صغيرته فسأل بلهجة واهنة:
_ وقُدس.
_ هتكون كويسة إن شاء الله.
قالتها بحزن مشفقة على حالة الصغيرة التي تحولت فرحتها إلى فراق. أقترب من زوجته ووضع المحلول على بطنها ثم حملها على ذراعيه وخرج من الغرفة ليرى "فؤاد" و"هادي" وصلوا وراءه ليفزعوا من حالة الصغيرة فأقترب "هادي" منها يلمس وجهها بصدمة ومنذ قليل كانت تحدثه بحماس وفرحة فأبعدها "الجارحي" عنه قبل أن يلمسها وقال بعيني ثاقبة كالصقر ووجهه يحمل غضب العالم كله:
_ العين بالعين والسن بالسن. وروح قصاد روح... لا دول روحين واللي عملها أنا هاخده روحه حتى لو كان أبويا.
كان تهديده هذه المرة حقيقة والغضب قد أعمى عقله وقلبه فأخذ زوجته على ذراعه وغادر المكان يتواعد بالأنتقام من العائلة وحرقهم جميعًا وقد تمادوا في الأذي إلى أطفال لم يخلقوا بعد.....