تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
الفصل 1 — رواية حرب سقطت راءها الفصل الأول 1 - بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الأول 1 - بقلم نورا عبد العزيز
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح.
زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء.
تحدثت العاملة بضيق:
_ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة.
تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة:
_ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما المعلم حمدي يجي من صلاة الجمعة.
_ يووو هو اللي يقول الحق في البيت دا يبقى أجرم.
قالتها "أم السعد" بتذمر وهي تكمل ما تفعله.
فتحدثت "سنية" بتذمر من ثرثرة هذه العاملة:
_ آه يبقى أجرم، في بيت أبو النور يبقى أجرم، وأحمدي ربنا إن الست مديحة مسمعتكيش وإلا كان زمانها شبتت في رقبتكِ إنتِ. وأنجزي بقى قبل الصلاة خلينا نروح نصلي إحنا كمان.
كان كل طابق مكوناً من شقتين متقابلتين. في الشقة الأولى التي تخص "مديحة"، امرأة تملك من العمر 73 عاماً، الزوجة الأولى للجد "حمدي أبو النور"، أكبر تاجر قماش في الأزهر والغورية وصاحب أكبر مصنع قماش. والشقة المقابلة لزوجته الثانية "وصيفة" التي تملك من العمر 61 عاماً.
كان الشجار يحتد أكثر بين الزوجتين، فتحدثت "مديحة" بغضب سافر قائلة:
_ بقولك أى يا ست إنت، هي كلمة واحدة الفطار النهاردة هيكون عندي في شقتي وإلا وعزة وجلال الله لأخلي يومك منيلة مطلعة شمس.
خرجت "هدير" الابنة الصغرى لـ "وصيفة"، صاحبة الـ 34 عاماً، من غرفتها. كانت فتاة جميلة تملك عيوناً بنية واسعة وبشرة بيضاء مع وجنتين ممتلئتين ووجه دائري وشعرها الأسود الذي يصل لمنتصف ظهرها مسدولاً على ظهرها.
تحدثت بهدوء قائلة:
_ صباح الخير يا ماما.
لم يُجب عليها أحد بسبب الشجار. وكانت "أسيا" ابنة "مديحة" تشاهد الشجار من البداية، ومعها "خديجة" زوجة "فؤاد" الابن الأكبر لـ "مديحة".
جلست "هدير" على الأريكة تشاهد المعركة القائمة مع السيدات وقالت بهمس:
_ مش معقول خناقة كل جمعة دي، هنتجمع عند مين فيهم؟ على فكرة عيب عليكم دا إنتوا أجداد... صحيح فين أحفادكم؟
تحدثت "مديحة" بزمجرة شديدة قائلة:
_ ليل راحت تجيب حاجة من السوبر ماركت.
بنفس اللحظة التي تحدثت فيها "وصيفة" قائلة:
_ قُدس فوق السطح بتذاكر.
نظرتا الاثنتين إلى بعضهما وصرختا معاً بنفس الجملة:
_ بتسألني أنا!!
تبسمت "هدير" عليهن ووقفت من مكانها وقالت:
_ خلاص بقى الرجالة هتيجي من الصلاة وإنتوا لسه بتتخانقوا، خلاص خلي الفطار عندنا يا طنط ديحة والغداء عندك أهو، كده يبقى اتجمعنا عندكم إنتوا الاثنين.
نظرت "مديحة" إلى "وصيفة" وقالت بضيق:
_ ماشي يا ست الصحفية لأجل عيونك إنتِ بس، لكن والله لو أمك حطت إيدها في الغدا لأطفحهولها... يلا يا بت يا أسيا من هنا وهاتي مرات أخوكي في إيدكِ، كتكم القرف.
غادرت إلى شقتها وخلفها ابنتها وزوجة ابنها. تأففت "وصيفة" بضيق من هذه المرأة وقالت:
_ مش معقول، ست لا تطاق، أنا عرفت ليه أبوكِ اتجوزني عليها... مقدرش على معاشرتها.
اقتربت "هدير" من والدتها ببسمة رقيقة تنير وجهها المشرق وقالت بحب:
_ يا ماما يا حبيبتي، إنتوا كبرتوا على الكلام دا، سيبوا الخناقات دي لينا إحنا ولادكم ولا حتى لقُدس وليل أحفادكم... طب والله قُدس وليل أعقل منكم إنتوا الاثنين.
تمتمت "وصيفة" بدلال وهي تسير نحو المطبخ قائلة:
_ هي اللي عاملة زي الجرادة، سمعت أبوكِ بيقولي يا روحي وهو ماشي والنار قادت فيها وشبطت فيا زي الجرادة.
ضحكت "هدير" على والدتها التي أصبحت جدة ولم تتوقف عن العشق أو الدلال على زوجها العجوز. دلفت "هدير" خلف والدتها إلى المطبخ وقالت:
_ الصراحة يا صفصف إنتِ كيادة، يعني الراجل بيحبك وعيالك أحسن من عيالها.
ضحكت "وصيفة" بسخرية وقالت:
_ هههه ما هي اللي مش عارفة تربي، يعني عندك بنتها أسيا اللي اتجوزت سنتين واتطلقت بسبب قلة أدبها ولسانها الطويل على جوزها وحماتها، وفي الآخر خرجت بعيلة على كتفها... والله ظلمت معاها ليل، والنبي ما فلح في عيالها غير فؤاد عشان أبوكِ دخله الأزهر وربنا باركله فيه وبقى إمام جامع. والنبي أخوكِ فؤاد دا خسارة في الحرباية دي، حتى عماد ابنه عشان هي اللي خدته تربيه طلع زبالة. حفيدها الموكوس عماد الدين والنبي ولا يعرف حاجة عن الدين، سُكري وبتاع نسوان، أهو قرب على الأربعين ومش لاقي كلبة جربانة حتى توافق بيه من نجاسته. مطلعش زي أخوه الجارحي تربيتي، سيد الرجالة كلها وألف بنت تتمناه.
_ صحيح بمناسبة الكلام، مش إمبارح وإنتِ مع قُدس في زيارة هادي قامت خناقة بين بابا وعماد بسبب كده وشدوا جامد، بس مسمعتش اللي دار عشان قالي اطلعي اقعدي مع مرات أخوكي وطلعت عند خديجة.
تحدثت "وصيفة" بلا مبالاة وهي تضع الأطباق على الصينية قائلة:
_ قالي وقالي إن السبب إن عماد النجس عايز يمسك المحلات اللي كان ماسكها أخوكي هادي، يا رب يفك سجنك يا ضنايا وتخرج بالسلامة... عماد ابن أخوكي فؤاد دا مشوفتش في نجاسته، مش كفاية إن أخوكي مسجون 3 سنين عشان كان واقف في ضهره في الخناقة، كمان عايز يشغله... الله يوريني فيكِ يوم يا عماد يا ابن خديجة.
وصل "حمدي" الرجل العجوز صاحب الثمانون عام بصحبة ابنه الأكبر "فؤاد" أمام الجامع بعد صلاة الجمعة، ويتكئ بيده على عكازه وبالأخرى يتبأطأ ذراع حفيده وابن "فؤاد" الأصغر "الجارحي"، شاب يملك من العمر ثلاثين عاماً، ذو جسد رياضي عريض الأكتاف وطويل القامة ببشرة بيضاء وعيون عسلية ضيقة ولحية كثيفة بنية كلون شعره الكثيف وطويل يصففه للأعلى مرتدياً عباءة بيضاء. وصلوا إلى العمارة، فقال "حمدي":
_ أزيك يا رجب وعيالك عاملين إيه؟
_ بيدعولك يا حج.
قالها "رجب" بعفوية وصعدوا معاً. فدلفوا إلى شقة "وصيفة" ووجدوا "أسيا" و"هدير" و"خديجة" و"وصيفة" يجهزون السفرة الكبيرة، بينما "مديحة" تجلس بجوار "عماد" على الأريكة بغرور.
فقال "الجارحي":
_ عاملة إيه يا تيتا؟
تحدثت "مديحة" بانفعال شديد أمام الجميع مجيبة:
_ تيتا في عينيك يا شحط أنت، جرا إيه يا سي جارحي تحب أقوم لك؟
تحدث "الجارحي" وهو يساعد جده على الجلوس قائلاً:
_ عينيا يا تيتا.
_ والله أقوم أديك على بوقك يا جارحي.
قالتها بغضب شديد. تنجب الحديث معها مستديراً إلى "وصيفة" وقال بلطف:
_ صفصف يا عسل عاملة إيه؟
ضحكت "وصيفة" بلطف تغيظها أكثر وقالت:
_ بخير يا قلب صفصف.
جلس الجميع على السفرة، ودلفت "ليل" ابنة "أسيا"، فتاة تملك من العمر 18 عاماً، مرتدية فستاناً وردي اللون وتلف حجابها الأسود كعينيها الداكنتين باللون البني الغامق وبشرتها البيضاء.
فتحدثت بنبرة دافئة تقول:
_ السلام عليكم.
_ اقعدي يا ليل.
قالتها "أسيا" بهدوء.
فنظر "حمدي" على سفرته وقال بجدية:
_ فين قُدس؟
تذكر الجميع الحفيدة المنسية دائماً، فمسكت "هدير" هاتفها ورنت على هاتف "قُدس".
وقفت "قُدس" بتعجل من مكانها فوق السطح وجمعت أوراقها وأقلامها، ومن بينهم كانت رسمة بالرصاص لوجه "الجارحي"، دفنتها بين أوراقها وترجلت للأسفل ركضاً، فكادت أن تلف قدميها على الدرج من ربكتها وتوترها، لكنها اصطدمت بأحدهم وكادت أن تسقط، بينما سقطت منها الأغراض.
نظرت إلى الأعلى ويده تحيط خصرها النحيل، فتقابلت عيونهما وكان "عماد". فنظرت بتوتر إلى وجهه متوسط البياض وعينيه العسلية وشعره القصير مع لحيته القصير، وسامته التي يستخدمها لسحر الفتيات وجسده العريض الذي يكفي لأخفاء جسدها الضئيل. ابتلعت لعابها بتوتر من قربهما هكذا وهي تشعر بأنفاسه ويده تجذبها لها أكثر حتى ارتطمت بصدره الصلبة وشعرت بعضلات بطنه. شعرها الأسود الحريري مسدول للخلف وبطوله وصل إلى ذراعه الذي يحيط خصرها.
ابتعدت عنه بخجل شديد وتوردت وجنتاها من التوتر وقالت:
_ أنا آسفة يا أبيه عماد.
انحنت لتجمع أوراقها بتوتر من فوق الدرج، فانحنى "عماد" وضربت قلبه تتسارع بجنون لأجل هذه الفتاة الجميلة وحاول أن يساعدها في جمع الأغراض ليُصدم بصورة أخاه "الجارحي"، فسحبتها بسرعة منه وقالت:
_ عن إذنك.
تابعت النزول ركضاً بتوتر من ابن عمها الفاسد. وصلت للشقة الأولى بحماس، لكن سرعان ما تلاشت بسمتها حين رأت مقعد "الجارحي" فارغاً وقد غادر قبل أن تراه، فقالت بهدوء:
_ صباح الخير.
_ صباح النور يا نن عيني، تعالي افطري.
قالتها "وصيفة" بهدوء.
لتقول بحزن يخيم على صدرها وقلبها:
_ مش جعانة عملت سندوتش لما صحيت الصبح، عن إذنكم.
وقفت "ليل" من مكانها وقالت بهدوء:
_ أنا هدخلها.
دلفت إلى غرفة "قُدس" وقالت بعفوية تشاكسها:
_ كل ده عشان الجارحي؟
مشيتوتر الطفلة الصغيرة وقالت بحزن:
_ لا، أنا مش جعانة بس.
ضحكت "ليل" وهي تجلس بجوار "قُدس" وقالت بحماس وعفوية:
_ طب استعدي يا ستي عشان طلبت من جدو فلوس أجيب هدوم للجامعة، إنتِ عارفة بقى سنة جديدة يعني لبس جديد وقاللي آخدك أجيبلك هدوم وهنأخد عماد معانا.
_ لاااا.
قالتها "ليل" بسرعة فور سماع اسمه. فضحكت "ليل" بدهشة على هذه الطفلة وقالت:
_ متخافيش عيب عليكِ، أنا قلتله إن عماد لما بيروح معانا مش بيخلي باله مننا وبيمشي ورا البنات، فقال للجارحي يروح معانا وعشان كده عماد فرقع من ناره.
ابتسمت "قُدس" بفرحة تغمرها من سماع هذا الحديث وقالت بهيام:
_ بجد هييجي معانا؟
أومأت "ليل" لها وقالت بلطف وجدية:
_ آه، قُدس إنتِ زي أختي وصاحبتي الوحيدة وبنت خالي وأنا بقولك كده مش عشان أزعلك بس عشان أنا خايفة عليكِ، جارحي مش شايفك غير بنت عمه الصغيرة وأكبر منك بـ 15 سنة يعني قد عمرك مرتين، متعشمش نفسك بحاجة مستحيلة، حاجة لو حد في العائلة عرفها هتقوم حرب.
تلاشت بسمة الأخرى وقالت بعبوس:
_ يعني معاكسة عماد ليا هي اللي مباحة، تلزيقه فيا هو اللي مقبول، وعموماً أنا مش مستنية أبيه جارحي يفكر فيا أصلاً أو يحبني، أنا عارفة إني طفلة بالنسبة له لسه في ثانية ثانوي.
نظرت "ليل" لها بحزن شديد وقالت بعبوس:
_ متزعليش مني ها... يلا غيري هدومك عشان جارحي طلع يلبس وإنتِ عارفة خلقه في مناخيره قد إيه.
هزت رأسها بنعم لتغادر "ليل" الغرفة وتجلس الصغيرة على الفراش بحزن وتجمعت الدموع في عينيها، بينما نظرت إلى صورته التي رسمتها وتساقطت دموعها على وجهه بحزن يمزق قلبها.
***
في شقة الطابق الرابع التي تخص "الجارحي"، كان واقفاً أمام المرآة يصفف شعره مرتدياً بنطلون أسود وقميص أسود ليرن هاتفه وكان اسم "ليل" فأجاب عليها بهدوء قائلاً:
_ نازل يا ليل أهو.
_ شد حيلك يا جارحي عايزة ألحق أرجع أروح خطوبة صاحبتي يا عم.
قالتها بضيق تستعجله، فأجاب بهدوء:
_ حاضر يا ليل، نازل.
أغلق معها وأخذ مفتاح سيارته ومحفظة أمواله البنية وترجل للأسفل على الدرج يغلق ساعته الفضية ليرى "ليل" تقف أمام المصعد مع "قُدس"، فقال بجدية:
_ يلا.
خرجوا خلفه و"قُدس" صامتة وحزينة من معاملته الحادة معها وكأنه لم يراها. فتح سيارته لتجلس "ليل" في الخلف وهي تقول بحماس:
_ اركبي يا قُدس يلا.
صعدت "قُدس" بجواره في الأمام، وكانت ترتدي بنطلون جينز وتي شيرت أبيض فوقه سترة جينز بأكمام وتسدل شعرها للخلف وترفعه من الجانبين بدبابيس الشعر. قاد بينهم السيارة متجهًا إلى منطقة عباس العقاد كما طلبت "ليل"، فظهر شاب يقود دراجة نارية من العدم أمام السيارة ليضغط "الجارحي" على المكابح بسرعة، فارتاطمت رأس "قُدس" بالسيارة، وهو يتمتم:
_ غبي... إنتِ كويسة؟
قالها بقلق وهو يضع يده على جبينها، فنظرت له بتوتر شديد وخرجت منها حوقة من لمسته. نظر لعينيها الخضراء بهدوء وقال:
_ قُدس إنتِ كويسة؟
أومأت إليه بنعم ثم قالت بتوتر متحاشية النظر إليه:
_ آه يا أبيه.
انطلق من جديد بينهم ووجنتاها تورّدت باللون الأحمر من دقات قلبها الجنوني وخجلها.
***
في شقة "مديحة" كانت تجلس بغضب سافر مع حفيدها "عماد الدين" وقالت بغضب:
_ يعني جدك رفض يمسكك محلات هادي.
_ لا وكمان قالي إنه خارج بعد 5 شهور وهيرجع لشغله ولحد ما يخرج هيفضل جارحي ماسك كل شيء، ولو عمي هادي رفض يمسك الشغل هيسلمه كله للحارجي، ما إنتِ عارفة يا ديحة أبويا رافض الشغل وبيقولك أنا إمام جامع ومكتفي بكده وأمي فرحانة ما دام ابنها الجارحي هو صاحب الأمر والنهي في العيلة دي.
عقدت "مديحة" ذراعيها أمام صدرها تفكر في هذا الحديث وقالت بمكر شديد:
_ لا ما هو أنا مش هخلص من ابن وصيفة يطلع لي الجارحي، مش كفاية وكستي في ابن بطني اللي رافض يمسك كل حاجة ويقولك أنا إمام جامع كأني بقوله روح تاجر في المخدرات، ده قماش... اسمع يا عماد، إنت مش قلتلي يا واد إن البت قُدس عاجباك؟
اتسعت عينا "عماد" بسعادة، وهذه الصغيرة التي سرقت قلبه بجمالها وضعفها، رغم معرفته بالكثير من الفتيات وكل يوم في أحضان واحدة، لكن فقط هذه الصغيرة التي تسللت لقلبه وهزمت عرشه المتغطرس، فقال بهيام:
_ أوي يا ديحة، عارفك هتقولي إن أنا أكبر منها بـ 20 سنة، لكن قسمًا بالله أنا لما بشوف طيفها بس ببقى عايز أفرش لها الأرض كلها ورد، وبعدين أنا راضي آخدها أربيها على إيدي، جوزهالي وأنا ورب العرش ما عايز منكم مال ولا محلات.
ضحكت "مديحة" بسخرية على حفيدها وقالت بمكر شيطاني:
_ تبقى عبيط يا ابن ابني، أنا هجوزهالك آه لكن مش عشان تتنازل عن المال، لكن عشان قُدس دي نن عيني جدك المخبول وبنت هادي الوحيدة، عشان لو خرج من السجن وجدك مسكوا المحلات من تاني تبقى جوز بنته ودراعه اليمين، وساعتها مش هيبقى لجارحي لازمة بعد جوزاك من قُدس.
اقترب "عماد" من جدته "مديحة" وقال بتوتر وفرحة تغمر صدره:
_ هتجوزهالي، إزاي؟ محدش هيرضى ولا هيوافق.
_ يا حبيبي اللي ميجيش بالذوق، يجي بالعافية وكله كوم وفضيحة البنات كوم... افهم بقى.
***
خرجت "ليل" من المحل مع "قُدس" وهمست إليها بصوت خافت حتى لا يسمعها "جارحي" الذي يسير بجوارهم يتحدث في الهاتف:
_ أنا هروح أقابله ومش هتأخر، أشغلي جارحي ورديلي الجميل اللي عملته معاكِ.
توترت "قُدس" بخوف وقالت:
_ لا يا ليل، مش هعرف وبعدين أنا قلتلك متقابليش الواد ده تاني ولا تكلميه.
_ خلاص بقى... أنا هروح أجيب حاجة من المحل ده.
قالتها وهربت منهم، فنظر "جارحي" ليراها تدخل محل لانجيري ليفهم أنها ذهبت لشراء شيء خاص، فتقدم للأمام حين الكافتريا متابع الحديث في الهاتف، و"قُدس" تسير معه وجلست أمامه. أنهى حديثه في الهاتف وقال:
_ أنا هشرب قهوة، أجيبلك إيه؟
_ شوكليت وسنابون وحاجة تانية.
_ لا شكراً.
قالتها بهدوء وجلست تنظر في هاتفها حتى طلب وجاء بالطلب، فأغلقت الهاتف لتتفحص وسامته وهو يشرب قهوته بشرود في الهاتف. رفع رأسه يطقطق رقبته من الإنحناء ليُدهش عندما رآها تنظر إليه ببسمة، وعندما تقابلت عيونهم تحاشت النظر إليه بخجل، فقال بهدوء:
_ ما تقومي تشوفيها عشان منتأخرش.
تنحنحت "قُدس" بخوف من حدته وهي لا تعرف أين "ليل"، فقالت بهدوء:
_ لا أنا بتكسف أدخل المحلات دي... أنا في محل هنا عايزة أشتري منه ألوان وورق رسم، ممكن أروح أجيب منه حاجات على ما هي تخلص عشان معطلش برضو يا أبيه جارحي.
تنهد بهدوء وهو يرتشف قهوته قائلاً:
_ كملي أكلك طيب ونروح.
تبسمت بلطف وعينيها تتلألأ مع بسمتها البريئة وقالت:
_ هتيجي معايا؟
_ أمال هسيبك تتوهي هنا يعني.
قالها بلا مبالاة وهدوء شديد، ثم أنهى قهوته ووقف ليذهب معها. دلفت للمحل وبدأت تشتري الكثير من الأقلام والأدوات المكتبية الجميلة وأوراق، فخرج يقف بالخارج ويتحدث في الهاتف حتى رآها تخرج وتحمل في يدها الأكياس بصعوبة بسبب حجم أوراق الرسم الكبيرة، ليسرع نحوها وأخذ الأكياس منها وهو يقول:
_ كل ده؟
_ أعمل إيه بحب الرسم جداً.
قالتها ببسمة مشرقة، وهذا الرسمة يحيا قلبها وحياتها الوحيدة. عادوا للكافتريا وجلسوا ينتظرون، ليسألها بهدوء:
_ بتعرفي ترسمي على كده؟
تبسم بحماس وأخرجت كراسة رسمة متوسطة الحجم وقلمين رصاص، وضعت أحدهم خلف أذنها والآخر بين أناملها الصغيرة وبدأت ترسم دون أن تجيب.
***
وقفت "ليل" في الطابق الأخير من المركز التجاري مع "عمران" صديقها في الجامعة وقالت:
_ المهم عجبك صور الفستان، هروح بيه الخطوبة بليل.
أجابها بهدوء موافقاً:
_ حلو، لكن لو طلع ضيق هقطم رقبتك يا ليل فاهمة.
أومأت إليه بنعم ثم قالت بهدوء:
_ متخافيش يا حبيبي والله واسع وهيعجبك جدًا.
أومأ إليها بنعم ثم دفع حساب الطعام وقال بهدوء:
_ يلا طيب عشان متتأخريش عليهم وأشوفك بليل في الخطوبة.
أومأت إليه بنعم ووقفت معه بفرحة تغمرها من اهتمامه بها، ثم قالت:
_ ماشي يا روحي.
_ بحبك.
قالها ببسمة وعينيه تعانقها عوضاً عن ذراعيه، فأجابت بحب:
_ وأنا كمان بحبك، سلام يا عمري.
نزلت للأسفل بسرعة قبل أن يلاحظ "الجارحي" غيابها.
أدارت "قُدس" الكراسة إليه ليُدهش من رسمها وقد رسمت وجهه بمهارة وكأنها صورة التقطت له بالكاميرا وليس رسم، أخذ من الكراسة مذهولاً من مهارتها وقال:
_ وااو، دي إنتِ فنانة على كده.
_ على قدي.
قالتها بلطف وتبسمت بأريحية أكثر عندما رأت وجه "ليل" جاءت قبل أن تقع كارثة. رآها "جارحي" ليقول بغضب من تأخيرها:
_ كنتِ فين كل ده؟ ها؟
_ أي يا جارحي كنت بشتري حاجة بتزعق ليه؟
قالتها بحدة، ليكز على أسنانه وقال بغضب سافر:
_ كمان بتبجحي، طب اتفضلي إنتِ وهي قدامي، يلا.
***
خرجت "هدير" من غرفتها لتري "قُدس" جالسة على الأريكة تشاهد فيلم كوري على التلفاز، فقالت بلطف:
_ الجميل قاعد لوحده ليه؟
تبسمت "قُدس" وقالت بعفوية:
_ بتفرج على المسلسل... عمتو.
نظرت "هدير" إليها باهتمام وهي في منزلة والدتها التي ربتها منذ ولادتها ووفاة والدتها في الولادة، وأخذتها "هدير" كطفلة لها تعوضها عن تأخر زواجها. تحدثت "هدير" باهتمام شديد قائلة:
_ نعم يا روحي.
كادت أن تسألها عن العشق لكنها ارتبكت، لكن في نهاية المطاف اعترفت بهدوء قائلة:
_ عايزة آخد رأيك في حاجة؟
_ قولي.
توترت "قُدس" وفركت أصابعها ببعضهم ثم قالت:
_ في واحدة صاحبتي بتحب واحد جارها، بس هي والله مش بتعمل حاجة غلط ولا اعترفتله ولا لمحت بأي حاجة، هي بس قلبها بيدق جامد لما بتشوفه معدي حتى وبتستناه في البلكونة عشان تشوفه، لكن مفيش بينهم كلام ولا حاجة من دي ومش عارفة تعمل إيه في قلبها ده.
ضحكت "هدير" وهي تفهم أن الفتاة التي تتحدث عنها هي نفسها من توترها وربكتها، ثم قالت بلطف:
_ وصاحبتك بقى مش شايفة إنها صغيرة جداً على الحب، سنكم ده يعرف إيه عن الحب؟ ده بس سن مراهقة ومعجبة بواحد حلو وبس، وهو كمان سن مراهقة خلي بالك.
قاطعتها "قُدس" كالبلهاء وقالت:
_ لا، هو مش قدها، هو كبير شوية... بصراحة شويتين، بتقول قد عمرها مرتين مثلاً.
رمقتها "هدير" بشك من أمرها وصمتها أرعب "قُدس" جداً، لتتحاشى النظر لها بخوف وقالت بتوتر:
_ أنا نصحتها إنها متعملش حاجة لأن ده غلط أصلاً وحرام كمان.
_ برافو عليكِ وقوليلها كمان إن اللي قد عمرها مرتين ده مش هيشوفها غير طفلة بتلعب في الشارع، آخرها يجيبلها حاجة حلوة.
قالتها "هدير" بجدية حادة بقلق على فتاتها الصغيرة. تنحنحت "قُدس" بحرج ونظرت للتلفاز، و"هدير" تحدق بها وشك واحد جاء بعقلها أن صغيرتها عالقة مع أحد ويجب أن تمنعها من ذلك.
***
لطمت "خديجة" وجهها بهلع من حديث ابنها وقالت بخفوت خائفة أن يسمعها أحد:
_ يا نهارك مش فايت، قُدس يا عماد... قُدس مين يا ابن المجنونة اللي تتجوزها... دي عيلة، دي أصغر من ليل بنت اختك.
_ هتجوزها، عندي فيكِ وأبقى وريني هتمنعني إزاي ولا هتعرفي تقولي لحماتك مديحة لا إزاي، أنا قلتلها وهي وافقت وفرحت لي مش زيك.
قالها بضيق شديد.
دلف "الجارحي" من باب الشقة وهو يقول:
_ السلام عليكم، أزيك يا أمي.
قالها وقبل جبين والدته بحب واحترام، لمح دموع عينيها فسأل بقلق:
_ في إيه؟ مالك؟
_ تعال يا جارحي شوف الخيبة اللي أنا فيها، شوف أخوك اللي هيوديني كلنا وراء الشمس.
قالتها بحزن شديد، بينما "الجارحي" نظر إلى أخاه بفضول شديد مما فعله يغضب أمه هكذا، بينما "عماد الدين" كان يستشيط غضباً من "الجارحي" أخاه الأصغر وتذكر رسمة "قُدس" له وحب الجميع له في حين أن الجميع يشمئز منه، فقال:
_ عملت إيه يا عماد؟
دفع "عماد الدين" أخاه في كتفه وقال موجهاً الحديث لأمه بضيق:
_ أنا بقولك عشان تباركيلي مش تقفي في قصادي.
أمسك "الجارحي" وجهه بقوة وتحدٍ ثم قال بنظرة ثاقبة:
_ بقولك عملت إيه؟ وتباركيلي على إيه؟
أجابته "خديجة" بقهرة تعتصر قلبها وعقلها:
_ البيه أخوكي عايز يتجوز قُدس، العيلة الصغيرة.
احتدمت عينا "الجارحي" بصدمة ألجمته وقشعر قلبه من الاشمئزاز وهو يقول:
_ إنت اتجننت في عقلك يا عماد، قُدس دي عيلة، ده إنت قد أبوها ولا مش واخد بالك.
_ أنا هعمل...
قاطعه "الجارحي" بنبرة حادة صارمة وعينيه تهدده قبل إصبعه الذي رفعه في وجهه قائلاً:
_ إياك تفكر تفتح الموضوع ده تاني حتى بينك وبين نفسك قصاد المراية أو في الحمام، محدش هيقف لك غيري، قُدس أمانة جدك عندي وأمانة عمك هادي لحد ما يخرج من السجن.
_ عندك!! ومين بقى اللي وصاك عليها يا سي جارحي؟
قالها "عماد" بضيق شديد من تحدي أخيه له، ليجيب "الجارحي" بقوة وغضب ناري يكاد يلتهمه:
_ أبوها، روح مدرستها واسأل مين ولي أمرها هيتقالك الجارحي أبو النور، جرب تقرب منها ومحدش هيقفلك غيري وأنا اللي يقرب من حاجة في مسؤوليتي أمحيه من على وجه الأرض... إنت فاهم؟ أنا عمري ما خنت أمانة ولحد ما عمك هادي يخرج، قُدس في مسؤوليتي أنا.
ارتعبت "خديجة" من هذا التحدي القائم بين ابنائها وخصوصاً بعد مغادرة "الجارحي" غاضباً ومغادرة "عماد الدين" مصمماً على ما يريد.
***
استغلت "هدير" فرصة ذهاب "قُدس" إلى المدرسة ودلفت إلى غرفتها وبدأت تبحث في أغراضها ومكتبها وهي واثقة مما تشعر به، لتُصدم عندما وجدت رسمتها لوجه "الجارحي" وأثر الدموع عليها ومدون عليها كلمة "Love" مما جعلها تسقط على المقعد الموجود بجوار المكتب ولا تصدق أن الطفلة الصغيرة تحب هذا الرجل الحاد الذي يكبر بقدر عمرها. سمعت صوت "قُدس" بالخارج وقد عادت، فانتظرت حتى تنهي ترحيبها بجدتها "وصيفة" ودلفت للغرفة، وبمجرد أن رأتها "قُدس" في الغرفة هلعت وارتجف جسدها وهي تنظر إلى رسمة "الجارحي".
وقفت "هدير" من مكانها وصارت نحو "قُدس" وقالت بهدوء:
_ إيه ده؟
ابتلعت "قُدس" لعابها برعب وعينيها ترمق عمتها بخوف وجسدها ينتفض من الذعر، وزاد خوفها عندما مسكتها "هدير" من ذراعها بقوة وسحبتها نحوها بغضب قائلة:
_ بقولك إيه ده؟
تحدثت بتلعثم شديد خائفة وجسدها الصغير مرتجفاً بقوة:
_ والله غصب عني، أعمل إيه بحبه يا عمتو.
قاطعها صفعة قوية من "هدير" على وجهها مما أدهش "قُدس" ودمعت عينيها بغزارة واحمرت وجنتها، لتقول "هدير" بحدة:
_ دي تربيتي فيكِ، هاا!
دفعته "قُدس" بذعر وخوف تملكه منها وخرجت من الغرفة باكية بانهيار وتلتقط أنفاسها بصعوبة، ولأول مرة تضربها "هدير" أو أي شخص. فرأتها "وصيفة" وهي تبكي بانهيار وصوت أنفاسها عالي لا تقوى على التقاطهم، نادتها بقلق:
_ قُدس.
فتحت باب الشقة وهي تسمع "هدير" تنادي عليها من الخلف بغضب وخرجت من الشقة، لكن صدمتها لم تهدأ سوى بهزيمتها حين سقطت على الأرض فاقدة للوعي من هول الصدمة، مع نزول "الجارحي" من الأعلى غاضباً بعد مشاجرته مع أخيه ليراها في سقوطها، فهرع نحوها بفزع مع خروج "هدير" و"وصيفة" التي صرخت مع هزيمة الصغيرة.