ظلتا الصديقتان يتحدثان كثيراً و يضحكان.
أن جنة قادرة على إنتزاع الضحكات من أعماقها و إخراجها من قلبها بحرية و إنطلاق.
وقفت جنة و هى تقول:
– هو أحنا هنفضل قاعدين فى الأوضة؟ تعالى ننزل الجنينة نقعد فى الهوا.
ثم جذبتها من يديها و هى تكمل بمرح:
– أنا مش عارفة إزاى يكون عندكم جنينة حلوة كده و تفضلي قاعدة في الأوضة يا كئيبة يا عدوة الفرحة؟ ده لو أنا ممكن أبات فيه.
تضحك حلم بصوت عالى و سعادة.
حقاً جنة الوحيدة التى تخرجها مما هى فيه دون أدنى مجهود منها بطبيعتها المرحة و روحها الطيبة.
توجهوا إلى الحديقة الخلفية بعد أن وضعت الزهور فى إناء مميز و خبئت باقى الأغراض فى إحدى أدراجها حتى لا يراها أحد. فلن تتوقف أختيها عن محاولة إقناعها بالموافقة على الأقتران براغب.
جلست على الأريكة الخشبية و جلست جوارها جنة و عقصت قدميها و هى تقول:
– إبن عمك ده عبقرى .. عامل المكان ده تقعدوا فيه براحتكم و كمان محدش يشوفكم فيه و حاجة كده قمر.
نظرت إليها حلم و هى تتذكر ذلك الوقت الذى ظل راغب يعمل فى ذلك المكان المخصص لهم و لمدة أسبوع كامل بعد أن أحضر كل الأدوات الذى أراد. كان يرفض أقتراب أى شخص من المكان حتى أنه وضع مظلة كبيرة حتى لا يراه أحد من النافذة.
و حين أنتهى توجه إليها هى و طلب منها أن تأتى معه, و حين رفضت ذهبت معها عائشة ليصدما الأثنان من جمال المكان و روعته و الخصوصية القوية به دون أن يشوه المظهر المميز للحديقة.
– فعلاً المكان حلو أوى و بحب أقعد فيه .. رغم.
و لم تكمل كلماتها و هى ترفع عيونها إلى نافذة غرفته المفتوحة دائماً.
لتنظر إليها جنة بعدم فهم و قالت:
– رغم أيه؟
نظرت إليها حلم و أبتسمت إبتسامة صغيرة و هى تقول:
– بطلى فضول.
لتضحك جنة بمرح و قالت بمشاغبة و هى تداعبها بحاجبيها:
– مبقاش جنة لو مكنتش فضولية.
لتضحك حلم من جديد بصوت عالي.
مر الوقت بين الصديقتان فى مرح.
و كانت رقيه و نوار يقفان عند باب المطبخ الخلفى يتابعان ما يحدث.
حتى قالت نوار:
– أكثر واحدة بتخرج حلم من عزلتها و الحالة النفسية السيئة إللى هى فيه.
لتقول رقيه ببعض الشرود غير منتبهَّ لكلماتها و تأثيرها على نوار:
– لولا أن راغب بيحب حلم و لسه شايف منها أمل كنت خطبت جنة ليه؟ هى دى البنت إللى تفرحه و تسعده بجد.
تجمعت الدموع فى عيون نوار و لم تعلق على تلك الكلمات.
لكنها تحركت خطوتان حتى تصعد إلى غرفتها لتجد غسان يقف هناك ينظر إليها باعتذار عن كلمات والدته التى ضايقته رغم تفهمه لموقف أمه و خوفها على إبنها الذى كاد يكمل عامه الثلاثين بعد عدة أيام.
أكملت سيرها و وقفت أمامه و هى تقول:
– حمدالله على السلامة … رجعت بدرى النهارده.
قبل جبينها و هو يستنشق رحيقها المميز و الذى يتغلل إلى روحه.
يربت على قلبه المحمل بالأثم و الذنب.
أقتربت رقيه من وقفتهم و هى تقول:
– أطلع شوف راغب .. و خليه ينزل عمك هيصحى كمان شويا و أنت عارف إللى بيحصل كل مره.
نظر إلى نوار التى نظرت أرضاً.
ثم نظر إلى والدته بلوم.
لتقول رقيه بهدوء بعد أن أقتربت عدة خطوات من نوار و ربتت على كتفها بحنان:
– يا بنتى أنتى و أخواتك البنات عندى زى بناتى و غلاوتكم من غلاوة ولادى الثلاثة. أنتوا عندى ولاد دلال الله يرحمها مش ولاد أحمد.
ثم أبتسمت بتشجيع و هى تكمل كلماتها:
– أطلعى بقى مع جوزك ساعديه علشان يغير هدومه بسرعة و صحوا راغب و أنزلوا بسرعة.
غادرت نوار مع زوجها.
فى نفس اللحظة التى علا فيها صوت هاتف المنزلتوجهت رقيه إليه و جلست على الأريكة الكبيرة التى تجاوره و وضعت قدم فوق الأخرى و أجابت.
ليصلها صوت يوسف الذى أبلغها بأنهم سيتأخرون اليوم.
فلدى عائشة عملية ولاده متعثرة و هو أيضاً لديه عملية قلب مفتوح لطفل لصغير.
أغلقت الهاتف و هى تدعوا لهم و لأولادها جميعاً بصلاح الحال و الرزق الحلال و الذرية الصالحة.
***
كان بركات يجلس فى غرفته يفكر بهم.
ماذا فعل بحياته حتى يكون له ولد كأحمد بكل ما يقوم به من أعمال مشينة و سيئة.
بماذا أذنب و بماذا أخطئ معه.
و كيف يكون أخطئ و ما قام به معه قام به مع أخيه الأكبر.
و ها هو مصطفى إبن يفتخر به و أب جيد و زوج رائع و رجل أعمال مميز.
بماذا أخطئ حتى يقتل ولده زوجته.
ويجعل فتياته يخجلن من كونه والدهم.
لا تستطيع إحداهم أن تنظر فى عينية براحة و أمان.
دائماً هناك لوم ظاهر فى عيونهم.
لوم عن ذلك اليوم الذى طلب منهم أن يتناسوا أن والدهم هو من قتل والدتهم.
و ليس هذا فقط سكوته أمام أفعاله المخجلة.
وما كان يكترفه من أخطاء تجاه والدتهم و أيضاً تجاههم و هو يتنقل من إمرأه لأخرى و من حانه لأخرى.
و يعود يومياً يخرج غضبه فى والدتهم المسكينه حتى ماتت من تأثير ضرباته المتكررة و التى لا تحمل أدنى رحمه.
وضع رأسه بين يديه بهم و هو يقول:
– لا حول و لا قوة إلا بالله .. حسبى الله و نعم الوكيل .. حسبى الله و نعم الوكيل.
***
أستيقظ أحمد و هو يآن بألم.
فرأسه سينفجر من كثرة الصداع.
يشعر و كأنه كان يجلس داخل إحدى تلك السماعات الكبيرة الخاصة بالأفراح.
أعتدل جالساً و هو يتذكر حسن و جمال حسن و رقة حسن و هى بين ذراعية.
أنه يتمنى ألا يعود إلى واقع عائلته و بيت العائلة و بنات.
لا يريد مفارقة أحضانها و مفارقة كلماتها المعسولة.
التى تشعره بقيمته و أهميته خاصة حين تجلس جواره تسمعه تلك الكلمات الرقيقة عن كونه رجل أحلامها و كم هو غالي و مهم و بداخلها حب كبير له و كم تتمني أن تكون جواره و أسفل قدميه طوال حياتها.
في حين لا يرى من أهله و لا يسمع منهم سوى الكلمات الجارحة و اللوم و العتاب و أنه دائماً أقل من أخيه الذى ينال دائماً ما يسحتقه و يأخذ دائماً منه ما يريد.
هو الإبن الذى يمسك كل أعمال العائلة.
يتزوج من الفتاة التي يحبها و تنجب له الصبيان و هو لا يستطيع العمل و لا يتحمل.
و أيضاً تزوج دلال صديقة رقيه فتاة بسيطة من عائلة بسيطة و متوسطة الجمال أيضاً و لم تنجب له إلا البنات.
نفخ الهواء بضيق و رفع عنه العطاء و غادر السرير.
ليدلف إلى الحمام يأخذ حمام دافئ يبعد عنه الإرهاق و التعب.
و غادر الحمام يلف وسطه السفلي بشرشف الحمام.
وقف أمام مرأة طاولة الزينة و بداء فى ترتيب خصلات شعره المبلله و هو ينظر إلى تلك العلامة الزرقاء أسفل عنقه.
و أبتسم بمشاغبة و هو يمسك هاتفه يتصل بها.
و حين أجابته قال سريعاً:
– وحشتينى أوى يا قلب أحمد.
أبتسم و مازالت يديه تداعب خصلاته المبلله و قال:
– أكيد يا قلبى هجيلك النهارده .. بس عايزك تسربى عدنان بقى عايز أبات معاكى كام يوم.
صمت لثواني ثم قال:
– و لا أقولك أيه رأيك نسافر يومين كده الغردقة و لا الساحل حتى.
أتسعت إبتسامته و قال سريعاً:
– خلاص أستنى منى تليفون النهارده بس جهزى شنطتك.
ثم أرسل إليها قبله و هو يقول:
– سلامى يا قلبي.
و أغلق الهاتف و توجه إلى الخزانه و أخرج ملابسه ثم بداء فى ترتيب حقيبته و وضعها فى إحدى جوانب الغرفة.
ثم أتصل بأحد معارفه و رتب معه الأمر.
ثم توجه إلى باب غرفته و أغلقها بالمفتاح و توجه إلى سريره يتمدد عليه باسترخاء فهو يعلم جيداً ما سيحدث الأن.
أنطرقات على الباب و صوت أحد أبناء أخيه يطلب منه الإنضمام إلى الطعام.
و رغم أنهم لا يكونوا جادين فى ذلك الطلب إلا أنهم لا يتوقفون عنه.
و رغم أنه يرفض كل مره إلا أنهم أيضاً لا يتوقفون.
ليس عليه سوى أن ينتظر أنتهائهم و ذهاب كل منهم إلى غرفته و سيغادر و يرتاح منهم قليلاً.
***
كانت تتابع كل مأشراتها الحيوية.
حالتها ليست بخير و ضغطها مرتفع.
و هى تشعر بأرهاق شديد و لا تستطيع المغامرة بحياة المريضة و طفلها.
لذلك أتصلت بزميل لها ليحضر معها تلك الولاده.
حتى تقلل من حجم مخاطر خطئها و هى فى تلك الحالة.
كان يوسف ينتظرها بالخارج حين أتصلت به و أخبرته بما تشعر و أنها بحاجة لوجوده.
فاتصل بالبيت يخبرهم أنهم سيتأخرون.
و لكنه أيضاً لم يرد أن يقلقهم.
لكنه يتابع حركاتها و قلبه يشعر بالخوف و القلق و التوتر.
كانت تشرح لزميلها حالة المريضة بالكامل و كل ما يقلقها.
ولكنه شعر بها.
أنها وصلت إلى نهاية تحملها لما هى فيه.
فأقترب منها سريعاً وضمها بين ذراعيه لتغمض عينيها باستسلام لذلك الدوار الذى لم تعد تتحمله.
حملها سريعاً و توجه بها إلى غرفة الكشف و لحق بهم زميلها و بداء فى فحصها بشكل سريع و يوسف يقف خلفه يكاد القلق يفتك به.
حتى أعتدل الطبيب و نظر إلى يوسف و قال:
– مبروك يا دكتور يوسف .. دكتور عائشة حامل.