نظرت له ببرود قبل أن يقول بسخرية: لا مش أنا.
نظرت له بحنق: هو أنت متعرفش ترد زى الناس أبدا؟
و قبل أن يجيب ظهر أخاها من وراءه.
روحى قولى لبابا يا سهيلة أنه إحنا جينا و بعدها ساعدي ماما فى المطبخ.
زفرت بنفاذ صبر وهى تنظر بغيظ إلى الذى يقف أمامها: حاضر.
ثم ذهبت لإخبار والدها و وقفت على مقربة منهم لتعلم ما يدور بينهم من أحاديث.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه والدها و هو يرحب بالغريب و يجلسه كأنه فى بيته تماما و سهيلة تراقب بدهشة قبل أن ينتبه لها إيلاف و يأمرها بعينيه أن تذهب بعيدا.
بعدها خرجت والدتها من المطبخ.
تعالى يا إلهام عايزة أعرفك على ضيفنا.
صدمت وهى تشاهده يعامل والدتها بتهذيب و أدب.
الشاب: أهلا بحضرتك يا طنط أتمنى مكونش مصدر إزعاج ليكم.
والدتها بحنان و ترحيب: أبدا يا بنى أنت دلوقتي فى بيتك و اعتبرني زى والدتك بالضبط.
أحس بإحساس غريب للغاية من الكلمة التى قالتها و كأن كلمة أم هو شي غير معتاد بالنسبة إليه!
رغم ذلك رسم ابتسامة رغم عدم الارتياح داخله: أكيد ده شرف ليا.
إيلاف راح له و اتكلم معاه و بما إنه مش فاكر حاجة ، إيلاف اتفق معاه هيقعد فى الشقة اللى فوق و جاب أم محمد وضبتها و هيشتغل معانا لحد ما ذاكرته ترجع إن شاء الله.
الشاب بتهذيب: ده كتير عليا.
إيلاف و هو سربت على كتفه: ده أقول واجب نعمله معاك بعد ما أنقذت أختى.
والدتها: يلا العشاء جاهز و هنحطه على السفرة.
أدهم: لا مفيش داعي.
والدتها باعتراض: إيه مفيش داعي دى كدة هزعل أنت مش معتبرنا أهلك ولا ايه؟
أدهم بإبتسامة باهتة: براحتك يا طنط اللى تشوفيه.
ذهبت لتجد سهيلة محدثة بذهول وهى فاتحة فمها بدهشة، ف ضربتها على كتفها بتوبيخ خفيف و هى تأخذها معها إلى المطبخ.
أثناء تناول الطعام كانت سهيلة رغما عنها تختلس نظرات لذلك الغريب الجالس الذى يأكل بطريقة توحي برقي طريقته.
بمزاح: بس لازم بقا نعرف لك إسم علشان نناديك بيه مش هنفضل طول الوقت هقولك يااا.
ابتسم ابتسامة جانبية بينما تطلع والدها إليه برزانة: فعلا إيلاف معاه حق، لو أنت مش فاكر أي حاجة ممكن نختار لك إسم.
والدتها بحماس: إيه رأيك فى إيهاب؟
قطب جبينه و كان واضح عليه الاعتراض.
والدها: طب زين؟
نظر إليه أيضا و لم يرد.
إيلاف: طب حازم؟
نظر إليهم جميعا و بأن عدم الرضى على وجهه.
أدهم؟
نظر الجميع إلى سهيلة التى نطقت ذلك الاسم بصوت منخفض و هدوء.
نظرت إليهم فى خجل و هى تقول: أنا قولت أقترح اسم معاكم.
نظر إليها بغموض وهو يردد بصوت أجش منخفض: أدهم.
بفضول: عجبك؟ يبقى أدهم.
والدها برضى: خلاص يبقي أنت من النهاردة أدهم.
ابتسمت سهيلة برضى و هي تعود للأكل و ثم رفعت ملعقتها ولكن تجمدت فى منتصف الهواء و عينيها صلت على أدهم وهي تراه ينظر إليها نظرات لم تستطع أن تفهمها.
بعد إنتهاء الطعام ذهبت إلى غرفتها تجلس بها و تذكرت ما سيحدث غدا، ظهر الضيق و قلقت حقا و لم ترد مواجهة يارا أبدا ف مجرد تذكرها يشعرها بالخيانة و الخسارة فى آن واحد.
التقطت هاتفها و اتصلت على ابنة عمها لتتحدث معها قليلا و تلهي أفكارها عن أي شئ آخر.
إيه يا بنتي كل ده علشان تردي؟
قوت بضحك: أيييه مشوفتش التليفون كنت بذاكر شوية.
سهيلة بذهول: بتذاكري إيه أنتِ مش اتخرجتي من شهرين خلاص؟
قوت بتوضيح: يعني مع نفسي كدة بنمي المعلومات بتاعتي فى وقت فراغي.
سهيلة بسخرية: طب كويس أنك بتنمي معلوماتك إيه هتطلعي وزير يعنى.
قوت بذكاء: حتى لو مطلعتش وزير على الأقل لو قدمت على وظيفة أبقي أحسن من غيري و من غير وظيفة الإنسان بيفضل يتعلم لحد ما يموت.
تنهدت تنهيدة عميقة بتعب و لم ترد عليها.
قوت بتساؤل: مالك يا سهيلة حساكِ مش على بعضك كدة و بعدين مختفية فين بقالك يومين؟
سهيلة بحزن: دى حكاية طويلة أوى يا قوت.
قوت بقلق: طب أنا سمعاكِ يا حبيبتى لو حابة تحكى.
سهيلة بتعب: مش وقته دلوقتي ، على العموم ماما عاملة عزومة بكرة ، ممكن تيجي و بالمرة احكي لك؟
قوت بتردد: بس دى عزومة خاصة و.....
سهيلة بإنزعاج: قوت أنتِ بتتكلمى إزاي، ده بيت عمك يعنى بيتك و مش محتاجة وقت معين أو حد يقولك علشان تيجى.
قوت بمودة: خلاص متزعليش، هاجى بكرة إن شاء الله بدرى و أكون معاكِ.
سهيلة: تمام يا حبيبتى ، تصبحي على خير.
قوت: و أنتِ من أهل الخير.
أغلقت الهاتف معها و وضعته على الطاولة بجانبها ثم أغلقت الضوء لتنام، و عندما كانت على وشك النوم ذهبت أفكارها دون إرادتها لذلك المجهول.
أدهم!
نطقتها بهمس قبل أن تغط فى النوم.
فى اليوم التالى استيقظت باكرا لتساعد والدتها و بعد قليل حضرت إليها قوت ف ذهبا لغرفتها.
قوت و هى تجلس على السرير: ها فى إيه بقا؟
نظرت لها ثم تنهدت بثقل قبل أن تبدأ فى سرد ما حدث لها.
هبت قوت واقفة بعنف و غضب: أنتِ بتقولى ايه؟ هي عملت معاكِ كدة و النهاردة جاية عندكم إيه البجاحة دى، أنا هو'ريها لما تيجى و أعرفها مقامها.
نهضت سهيلة و هى تمسكها من كتفيها و تهدأها.
سهيلة برجاء: أهدى يا قوت يعنى هتعملى إيه خلاص اللى حصل حصل أنا مش عايزة مشاكل.
قوت بسخط: يعنى إيه خلاص؟ أنتِ كنتِ معتبراها أكتر من أخت وهى تعمل معاكِ كدة؟! أنا مش قادرة أصدق.
لم تتمالك نفسها و انهمرت الدموع على وجهها و أغمضت عينيها بألم.
قوت بحرارة: سهيلة متعيطيش بالله عليكِ هي مش تستاهل ، يصعب عليا أوي أشوفك كدة.
سهيلة بنبرة مرتجفة: أنا مش بعيط عليها يا قوت أنا بعيط على نفسى ، و صعبانة عليا أوي العشرة.
احتضنتها قوت وهى تضغط على شفتيها بضيق: العشرة اللى تهون ميستاهلش يتبكي عليها يا سهيلة حتى العشرة و الذكريات لو كانوا مع شخص ميستاهلش يتمحوا خالص.
ظلت تبكى لبعض الوقت و تشهق بقوة حتى هدأتو مسحت دموعها و ابتعدت عن قوت.
سهيلة بتحسر: معاكِ حق.
كانت تنظر إليها بعطف حتى تذكرت شيئا.
قوت بفضول: صحيح يا سهيلة إيه حكاية الشاب اللى شوفته خارج من بيتكم مع إيلاف و عمى.
تشهقت سهيلة: ده الشاب اللى أنقذنى من الحادثة و العربية خبطت'ه بدالى.
صدمت قوت وقالت بقلق: حادثة؟ حادثة إيه طب أنتِ كويسة؟
سهيلة: كويسة متقلقيش، كنت هعمل حادثة يومها و ربنا ستر و الشاب ده زقنى بعيد.
قوت بإستغراب: طب و هو ليه كان خارج من عندكم؟
سهيلة بتوضيح: بعد ما فاق اكتشفنا أن فقد الذاكرة و ميعرفش هو مين ولا مين أهله حتى ولا أي حاجة عن حياته ف بابا و إيلاف قرروا يجيبوها هنا هيعيش فى الشقة اللى فوق و يشتغل معاهم فى المعرض ك رد جميل لحد ما ذاكرته ترجع إن شاء الله.
قوت باهتمام: طب و أنتوا واثقين فيه؟ طب ملوش إسم خالص؟
سهيلة بإبتسامة و حماس: اه بابا أتكلم معاه و أرتاح له و إيلاف كمان ، أنا اخترت له إسم و بقا إسمه أدهم.
رفعت حاجبها الأيسر بمكر و هي تنظر لها بابتسامة جانبية: أدهم....اااه قولتيلي.
سهيلة و هى تضيق عينيها: ايه بتبصيلي كدة ليه؟
قوت بعدم اكتراث: لا عادى أصل عجبني الإسم.
سهيلة بتهكم: طب يلا ياللى عجبك الإسم نساعد مرات عمك.
ذهبا و ساعدا والدة سهيلة فى إعداد الطعام وترتيب الشقة حتى حان موعدها و رن جرس الباب معلنا وصول الضيوف.
ربتت قوت على يد سهيلة مواسية حينما وجدتها شاردة بحزن.
تجمع الجميع على طاولة الطعام بعد إنتهاء الترحيب و عودة والد سهيلة مع إيلاف و أدهم من العمل.
لا تعرف ماذا أصابها حينما دلف أدهم، ولكن قلبها بدأ ينبض بسرعة و توترت و أحست كأن تأثيره ينتشر فى المكان.
أعجب به زوج خالتها و البقية فورا ، ف كان متحدثا لبقا و مهذبا فى الوقت نفسه.
والد يارا: يعنى أنت هتشتغل مع الحاج أحمد بعد كدة و أنت بتفهم فى الشغل ده يابنى؟
أدهم بنبرة جدية و باردة: لو مش عارف حاجة مش هشتغل فيها و الحمد لله الحاج هيصبر عليا لو مش عارف ولسة بتعلم.
الحاج أحمد بضحك: متخدش بكلام أدهم ده طلع شاطر أوى و أنا مش عارف.
و استمر تبادل الأحاديث و سهيلة من حين لآخر تختلس نظرة إلى أدهم الذى يتناول طعامه بصمت حتى لاحظت أن قوت تنظر لها بخبث ف توقفت و انشغلت فى طعامها و لم تعرف يارا أدنى انتباه.
والدة سهيلة: هو أنتوا لسة محددتوش ميعاد الفرح يا يارا يا حبيبتى؟
يارا: حددنا الحمد لله يا طنط و هيبقي بعد تلت شهور و الأيام دى أنا مشغولة أوى فى التحضيرات بقا و بنزل كل يوم مع أصحابي يدوب ألحق على ميعاد الفرح.
كانت تتكلم وهى ترمى سهيلة بنظرات جانبية لامبالية.
أحست بتجمع الدموع رغم عنها ثم شعرت بيد قوت تمسك بيدها و تضغط عليها ، نظرت لها بامتنان.
بعدما انتهى تناول الطعام ، لم تتحمل أكثر من ذلك و خرجت إلى الشرفة.
أخذت نفسا عميقا و هى تغمض عينيها ثم فتحتها و هى تنظر أمامها و تبتسم بسخرية.
شعرت أنها لم تعد وحيدة ف نظرت بجانبها لتجد أدهم.
نظرت بعيدا وهى تتظاهر بعدم الاكتراث و الملل.
ظلت كذلك لبعض الوقت حتى اخترق ذلك الصمت.
أدهم بهدوء: كانت صاحبتك؟
سهيلة باندهاش و قد اتسعت عيناها: هي مين؟
أدهم: البنت اللى كانت عمالة تتباهى بنفسها جوا وبخطيبها اللى قاعد زى الكرسى.
سهيلة بحزن: كانت أكتر من أختي؟
أدهم باستفهام: و إيه اللى حصل؟
سهيلة بسخرية: واضح أنه أنا بس اللى كنت شايفة كدة ثم حاولت تغيير الموضوع و هى تقترب من إناء الزهور و تمسك بإحدى الأزهار.
سهيلة بإعجاب: تعرف أنا بحب الورد جدا ، تحسه كدة حاجة مبهجة قادر تغير مزاجك هو .....
قاطعها بهدوء: تتجوزيني؟
اتسعت عينيها حتى كادت تخرج من محجرهما وهي تنظر إليه بصدمة كبيرة: إييه؟