تحميل رواية «هدية القدر» PDF
بقلم شمس محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
“دي نوفيلا صغيرة كنت كتبتها من فترة و قررت أنزلها يمكن تعجب حضراتكم لحد ما أخلص فترة الامتحانات إن شاء الله و ارجع للروايات اللي وعدت حضراتكم بيها و أتمنى تعجبكم، هينزل منها اول فصل النهاردة و الباقي هحاول اخليه النهاردة أو بكرة بالكتير إن شاء الله” *** “ ” “الفصل الأول” *** “لعل القدر يُرسل لك ما تزهده أنتَ و يرغبك هو، فينقلب السحر على الساحر، لترغبه أنتَ و يتركك هو” *** “اعمل حسابك يا عز يا بني قبل العيد الكبير تكون اتصرفت في شقة علشان فرحك على جومانا التطويل دا كدا غلط” تفوه “أنور” بذلك الحدي...
رواية هدية القدر الفصل الأول 1 - بقلم شمس محمد
“دي نوفيلا صغيرة كنت كتبتها من فترة و قررت أنزلها يمكن تعجب حضراتكم لحد ما أخلص فترة الامتحانات إن شاء الله و ارجع للروايات اللي وعدت حضراتكم بيها و أتمنى تعجبكم، هينزل منها اول فصل النهاردة و الباقي هحاول اخليه النهاردة أو بكرة بالكتير إن شاء الله”
***
“هدية القدر”
“الفصل الأول”
***
“لعل القدر يُرسل لك ما تزهده أنتَ و يرغبك هو، فينقلب السحر على الساحر، لترغبه أنتَ و يتركك هو”
***
“اعمل حسابك يا عـز يا بني قبل العيد الكبير تكون اتصرفت في شقة علشان فرحك على جومانا التطويل دا كدا غلط”
تفوه “أنور” بذلك الحديث أمام خطيب ابنته الوحيدة بنبرةٍ غليظة و بها لهجة آمرة، جعلت الأخر يزدرد لُعابه بتوترٍ ثم قال بتشوشٍ:
“ازاي بس يا عمي ؟! إحنا متفقين إنها هتخلص السنة الجاية في الجامعة و أنا مقدم على الشقة في الاسكان و الحمد لله جت في العبور، و هبدأ أدفع الأقساط بتاعتها و في خلال سنة هستلمها”
رد عليه “أنور” برفضٍ قاطع:
“بص من غير كلام كتير إذا كنت عاوزها فعلًا اتصرف و خدها، إن شاء الله حتى تأجر شقة مفروش و تتجوزوا فيها”
رفع “عز” حاجبيه للأعلى بغير تصديق، هل يمكن أن يطلب أب مثل ذاك الطلب ؟ كيف له أن يتحدث عن ابنته بتلك الطريقة ؟ لذا حاول استجماع بعضًا من شجاعته و هو يقول:
“اعذرني يا عمي هو إيه اللي جد في الموضوع علشان يخلي حضرتك تعمل كدا ؟! مش كان فيه اتفاق بيننا ؟!”
زفر “أنور” بحدة ثم شبك كفيه ببعضهما و هو يقول بثباتٍ دون أن يُرمش له جِفن:
“فيه أني هتجوز على العيد الكبير إن شاء الله، و العروسة رافضة إن يكون فيه حد في الشقة، و أظن دا حقها، لو مش هتقدر تتجوز، فيه عريس كان متقدم ليها قبلك و جاهز و شاري ولسه عاوزها، ها قولت إيه ؟!”
صُعق “عز” مما وصل لسمعه ناهيك عن تلك القبضة التي اعتصرت قلبه، لذا تحدث بنبرةٍ ضائعة:
“طب و لو معرفتش أجهز نفسي و الأمور اتأزمت معايا ؟! هعمل إيه يعني ؟! و هي هتعمل إيه؟”
رد عليه بمنتهى البرود و القسوة:
“والله اللي عندي قولته، فيه غيرك جاهز من مجاميعه، حتى شنطة هدومها مش لزماه، و هي تشوف مكان تاني تقعد فيه”
تحدث “عز” بجمود و قد وصل لذروة الغضب من ذلك الفظ:
“أنا مش مصدق إن فيه كدا !! دي بنتك مش بيعة و شروة، بتتكلم عنها كأنها كرسي انتريه ياخده اللي يدفع أكتر !!”
رد عليه “أنور” بلامبالاةٍ:
“البت مسيرها للجواز و لبيتها، و أنا بقولك أهو حاول علشان قبل العيد تكون معاك، يا كدا يا تروح لحالك و تروح لحالها هي كمان”
أغمض “عز” عيناه يحاول التحكم في نفسه، فبالطبع ذلك القاسي متحجر القلب لم يفهم أن تلك هي ابنته الوحيدة، و على ذكرها انتبه إلى عدم تواجدها، فنطق منفعلًا بغير قصد:
“جومانا فين طيب ؟!”
وقف “أنور” يقول بلامبالاةٍ:
“جوة هنديهالك”
تحرك من أمامه تاركًا الأخر ينظر في أثره بدهشةٍ لا يصدق أن كل ذلك تعاني هي منه دومًا، لطالما كانت صامتة تتوقف عن الحديث معه بل تعامله معاملةً فاترة و في بعض الأحيان تمتنع عن مكالمته من الأساس.
***
“عز التوفيقي” شابٌ في العام السابع والعشرون من عمره، يعمل في إحدى شركات الاتصالات، طويل القامة و جسده متناسق بشكلٍ طبيعي لم يكن مبالغًا به، ملامحه هادئة تميل للاسمرار قليلًا، خصلاته سوداء و عينيه باللون البني الداكن أقرب إلى السواد، شابٌ ذو خُلق مع الجميع، عُرف بحسن خلقه.
لديه شقيقة من والديه و يعيش معهم في نفس الشقة من أسرة ميسورة الحال، ألقاه القدر صدفةً بخطيبته “جومانا” تلك الفتاة التي تعرف عليها عن طريق شقيقته و حينما تقدم لخطبتها منذ ما يقرب العام وجد الترحيب من عائلتها، دون أن تظهر عليها الفرحة، لكنه فسر أن ذلك بسبب خجلها و عدم معرفتها المسبقة له، لكنه دائمًا يحاول كسب ثقتها و رضاها لكن دومًا هناك ما يحول بينهما ليصد ارتواء ظمأ تلك العلاقة المتعطشة.
“جومانا أنور” فتاةً في الواحد و العشرون من عمرها في عامها الدراسي الأخير كلية “خدمة إجتماعية” لديها أخٌ كبير من والديها لم يهتم لأمورها كثيرًا خاصةً بعد انفضال والديها عن بعضهما و رحيل والدتها من البيت و بعد انقضاء شهور عدتها بثلاثة أيام تزوجت من رجلًا أخر لديه فتاتين و تركت حياتها القديمة دون أن تسأل عن أحوال تلك التي تعيش أسوأ أيام عمرها منذ ذلك اليوم خاصةً بسبب معاملة والدها الغليظة لها.
فتاة جسدها مثل غيرها من الفتيات متناسق و طولها متوسط، ملامحها هادئة ببشرةٍ بيضاء و وجهٍ مستدير و عينيها باللون العسلي يخالطه خيوطٌ من اللون البُني، و وجنتيها دومًا يحاوطهما الاحمرار، فتاة بريئة لم تقترف ذنبًا في حياتها سوى أنها ولدت في تلك الأسرة.
تعرفت على خطيبها عن طريق شقيقته حينما اضطرت لمساعدتها في جامعتها و بدأت بينهما الصداقة صدفةً قرر “عز” أن يستغلها لتكون أكثر من مجرد صدفة عابرة لغريب وطأت قدماه بالخطأ، لتكون وطنًا يأوي الشريد.
خرجت “جومانا” من الداخل تفرك كفيها معًا بتوترٍ يصاحبها في كل مرة يجتمعان فيها سويًا تحاول هي جاهدة تقبل وجوده في حياتها و يحاول هو جاهدًا كسب قلبها و ثقتها، حينما لاح خيالها رفع رأسه نحوها بسرعةٍ كبرى يود أن يركض إليها و يؤازرها في محنتها لكنه دومًا يفضل التعقل في التعامل.
أما هي فلم تحتاج للكثير من الوقت حتى تعلم بماذا تحدث معه والدها، لأنها على علم مسبق بذلك حينما باشرها والدها في ذلك الموضوع، كان يظهر عليها أثر البكاء و الحزن خاصةً أن عينيها حاوطهما السواد و غلفهما الاحمرار و ظهر عليهما التورم.
جلست مقابلةً له على استحياءٍ لم تقو على رفع رأسها و خاصةً أنها تحاول كتم دموعها عن الانفجار، بينما هو تنحنح يُجلي حنجرته ثم سألها بنبرةٍ هادئة:
“ازيك يا جومانا، عاملة إيه ؟!”
حركت رأسها دون أن تتحدث فقال هو يمازحها بنبرةٍ هادئة يحاول الحد من التوتر المخيم عليهما:
“طب ارفعي راسك و ردي عليا، مش معقول قربنا على سنة اهو و أنتِ لسه كل مرة تعملي كدا، أمشي طيب ؟!”
تنفست بعمقٍ ثم رفعت رأسها تطالعه بعينين دامعتين و هي تقول بصوتٍ ظهر به الاختناق:
“ازيك يا عز، معلش أنا بس متوترة شوية و في امتحانات و مضغوطة”
حرك رأسه بتفهمٍ ثم قال:
“يا ستي ربنا يوفقك و تخلصي على خير إن شاء الله، أنا عارف فترة الامتحانات دي بتكون صعبة، علشان كدا جايبلك حاجة حلوة تتسلي فيها و أنتِ بتذاكري”
رفعت كفها تمسح عينيها حينما شعرت بوخز الدموع، بينما هو لاحظ ذلك فاقترب يجلس على المقعد المجاور لها و قال بنبرةٍ هادئة:
“مالك يا جومانا ؟! قوليلي و نتصرف سوا، ساكتة ليه طيب؟”
ردت عليه بصوتٍ مختنقٍ:
“هرد أقولك إيه طيب ؟! فيه إيه في حالتي يتقال يا عز ؟! الحاجة الوحيدة اللي هقولهالك أني جهزت حاجتك جوة علشان تاخدها و معاهم دِبلتك، ربنا يعوض عليك ببنت الحلال يا رب”
ارتد للخلف بدهشةٍ و هو يطالعها بغير تصديق فوجدها تتصنع الثبات و هي تقول:
“ربنا يعلم إنك ابن حلال و مشوفتش منك اي حاجة وحشة، بس صدقني أنا مش نفعاك، حرام عليا أورطك فيا”
سألها بنبرةٍ جامدة:
“لو هو دا كلامك يبقى ياريت تسكتي أحسن مش عاوز أسمعك، بعد كل دا ؟! أخرتها جهزتيلي حاجتي ؟! اللي بينا شوية حاجات يا جومانا ؟!”
تنفست بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ مبحوح:
“أفهم بقى !! أنا عملت كل حاجة تخليك تمشي و أنتَ مش راضي، دلوقتي أنتَ بتتورط فيا، معاك مدة شهر ونص علشان تتجوزني، مدرك دا ؟! سيبني و متشغيلش بالك بيا، أنا كلمت واحدة صاحبتي جنبنا هنا و هروح اقعد في شقة أختها الفاضية و هأجرها منها، هي لقتلي شغل في محل جنبنا برضه”
أبتسم بتهكمٍ و قال بسخريةٍ:
“يا شيخة ؟! دا أنتِ مقررة بقى !! لازمتي إيه أنا في حياتك بقى يا جومانا ؟! خلاص خدتي القرار و خرجتيني من الليلة كلها و هاخد حاجتي و أمشي و كأن اللي بينا شوية هدايا ؟!”
ردت عليه بنبرةٍ أقرب للصراخ:
“علشان أنا جيبت اخري و تعبت خلاص، تقدر تقولي المفروض أعمل إيه ؟! كلمتها أقولها أني همشي من هنا تقولي بنات جوزي ميعرفوكيش و خايفة مياخدوش عليكِ، و أخويا قالي مش فايقلك و بجهز شقتي علشان خطيبته ضاغطة عليه، و أبويا زي ما أنتَ شايف بيرميني للي جاهز و يشيل البهيمة اللي عنده، اللي مني كلهم مش باقيين عليا، أنتَ يا غريب هتبقى ؟!”
قالتها ببكاءٍ و قلب ملتاع من الحُرقة التي تأكله، بينما هو زفر بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة يحاول بها التوصل للحل:
“لو أنا بالنسبة ليكِ غريب تبقي غلطانة أوي في حقي، علشان أنا شايف فيكِ الحياة اللي جاية ليا كلها، يمكن يكون القدر جمعنا صدفة بس ساعات الصدف دي بتكون كافية أوي أنها تمهدلنا للحياة اللي داخلين عليها، أنا عارف إنك وافقتي عليا بالاجبار و عارف إنك ماكنتيش عاوزاني و عارف إن محاولاتي معاكِ طلعت كلها ملهاش لازمة، بس أنا مستاهلش فرصة منك ؟!”
ردت عليه هي بنفس البكاء الذي أدلى عن وجعها:
“أفهم بقى !! أنا اللي مستاهلش منك كل دا، أنتَ كتير عليا و على ظروفي دي، ذنبك إيه تتحمل كل دا، امشي يابن الناس و حاجتك جاهزة جوة ثواني و هتكون عندك”
قبل أن تتحرك أمسك يدها يمنعها من الحركة ثم قال بنبرةٍ جامدة و عينيه تنطق بشررٍ لأول مرّة تراه في نظراته:
“أنا صبري ليه حدود على فكرة، اقعدي و اسمعي الكلام اللي هقوله علشان أنا مش هكرر كلامي مرتين، الخطوبة هتكمل و أنا مش هسيبك حتى لو بالغصب، و أنسي حوار صاحبتك و الشغل دا علشان كلامك اهبل و أنا مش موافق عليه، ماشي ؟!”
نظرت له بذعرٍ ثم شخصت ببصرها نحو موضع كفه الذي يقبض على رسغها، فتركه هو بتوترٍ ثم قال بصوتٍ مهتز:
“أنا آسف بس أنتِ عصبتيني و خرجتيني عن شعوري، و أنا ليا طاقة محدودة ، اعذريني و اتمنىٰ إنك تحاولي تفكري بأي طريقة تانية غير موضوع اننا نسيب بعض دا”
فرت دمعة هاربة من عينينها تود الصراخ في الجميع و التمرد على تلك الحياة كونها ولدت ضحية زيجة فاشلة، كانت نتيجتها المعاناة النفسية لتلك البريئة، بينما هو أخرج المحارم الورقية من قميصه ثم تنهد بعمقٍ و مد يده لها و قال بنبرةٍ أهدأ:
“امسكي امسحي دموعك دي، و خليكِ عارفة إن دموعك غالية مش كله يستاهلها، إلا لو بتعيطي علشاني بقى”
قال جملته الأخيرة بمزاحٍ حعلها تبتسم رغمًا عنها و هي تأخذ منه المحارم بينما زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
“عن أذنك أنا مضطر أمشي دلوقتي و هكلمك و ياريت تردي عليا و نتفاهم مع بعض، عاوزة حاجة ؟!”
حركت رأسها نفيًا و هي تراقب انسحابه من أمامها فيما رجع هو لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
“آه الحاجة الحلوة دي فيها حاجات هتسيح يا تاكليها و تخصلي يا تجيبيها ليا اتسلى فيها و أنا مروح”
اتسعت عينيها بتعجبٍ من حديثه فيما ابتسم هو ثم قال بمرحٍ:
“بضحك معاكِ يا ستي، شكلك بخيلة خلاص مش عاوز حاجة و ربنا يعوض عليا بقى هجيب عصير و أنا مروح”
ضحكت هي للمرة الثانية له رغمًا عنها و عن ظروفها التي قتلت روحها المرحة، فيما قال هو بمشاكسىةٍ عند رؤيته لضحكتها:
“يا وعدي”
قال كلمته العابثة ثم تحرك من أمامها بهدوء بعدما شملها بنظرة حنونة وكأنه يطمئن عليها بذلك أو يطمئن نفسه أنها ستصبح له، بينما هي كانت تراقب انسحابه من أمامها بأعين دامعة و هي تريد حقًا تركه لكن ثمة شيء في ذلك الخاين الذي يقع بين جنبات صدرها يطلب منها التريث و التسمك به، لربما كما جمعهما القدر قد يكون من الممكن أن يغدو هو هدية القدر.
***
رحل “عـز” من شقة “أنور” بعقل متخبط حيث خانته الظروف و وضعته فيما لم يقوى هو على مجابهته، حيث كان يعمل بمنتهى الأريحية و قد ظن أن الظروف تهيأت له كما أراد و المسألة أصبحت فقط خلال عام و نصف و ستصبح زوجته، بينما هكذا ؟! فعلاقته بها مهددة بالهدم بعدما شرع في وضع حجر الأساس لتلك العلاقة، ثمة شيء في العقل يطلب منه تركها وفقًا لاستحالة إمكانياته الميسورة و ثمة قلبٌ خائن لأوامر ذلك العقل يطلب منه المحاربة لأجلها و النبش في جدران العالم و أرضه عن عزيمةٍ تجعله هو الفائز بها.
كان يسير على أقدامه نظرًا لتقارب المسافات بين بيته و بيتها و قلبه عندها هناك و عقله لازال معه يفكر و يحلل كافة الأشياء الموجودة في حياته لعل أيًا منهم قد يُصيبه في قراره.
وصل للبيت بكتفين متهدلين كما لو أنه المحارب المهزوم في حربٍ لم يعلم هو عن ميعاد إقامتها لكنها قامت على كل حال و أوشك هو على الخروج منها عزيلًا، وجد أسرته بالكامل مع بعضهم و شقيقته تقوم بعرض مشتريات جهازها على والديها الذي كان يضحك عليها و على ما جلبته هي حتى قال بسخريةٍ:
“هو دا الجهاز اللي فلست بسببه ؟! ملاحات و أطباق على شكل فراخ و سمك ؟! شاطرة يا بسمة”
ردت عليه بمرحٍ:
“والله يا حج و ماليك عليا حلفان أني طلع عيني لحد ما تحصلت على المنتجات دي، و هانت كلها ١٠ أيام اخلص امتحانات و اتخرج و الفرح على العيد الكبير، دي يدوبك الرفايع”
اقترب “عـز” منهم يلقى عليهم التحية بفتور و كأنه أُجبر على التحدث فـ ردوا عليه جميعًا بينما سأله “جلال” والده:
“حمدًا لله على السلامة، عروستك عاملة إيه ؟!”
حرك رأسه موافقًا ثم تنهد بعمقٍ و قال:
“كويسة الحمد لله بتسلم عليكم”
سألته والدته بتعجبٍ من حالته:
“و هو كل ما هتروح ليها هترجع من عندها عامل كدا إن شاء الله ؟! دا إيه الهم و الخيبة دي؟!”
سألها هو بنفاذ صبر:
“فيه إيه يا ماما ؟! ما أنا كويس اهوه قدامك، أنا اللي تعبان و مش نايم كويس”
لوت فمها بتهكمٍ ثم قالت:
“آه ما أنا عارفة، أنتَ مش بتشوف خطيب أختك بيجي هنا عامل إزاي و يمشي عامل ازاي ؟! إنما أنتَ حسرة عليك بقالك سنة أهو بتحاول معاها أنا عارف مصمم عليها ليه دي ؟!”
نظر لوالده و شقيقته فوجد التبرم باديًا على وجوههم لذا قال بنبرةٍ جامدة:
“ماما من فضلك !! البنت كويسة و مفيهاش أي حاجة و أنا راضي و مبسوط معاها، أنتِ اعتراضك على إيه أنا مش فاهم ؟!”
ردت عليه بحنقٍ و قد ازعجها حديثه:
“فيه إن من ساعة انفصال أبوها عن أمها و هي مش لازمانا يا عز، مش على هوايا، واحدة زي دي مش هتعرف تفتح بيت و تحافظ عليه”
انتفض هو من مجلسه ثم وقف يسألها بنبرة منفعلة:
“بتقولي إيه يا ماما ؟! دا نصيب و بتحصل كتير و ناس بنتفصل عن بعضها، و مش شرط كلامك دا يكون سبب في خراب البيوت التانية، أنتِ مش طايقاها ليه، مشوفناش منها حاجة وحشة و برضه مش طيقاها”
علمت هي أن الحديث بتلك الطريقة لن يُجدي معه نفعًا لذا وقفت أمامه تمسك يده و هي تقول بنبرةٍ أهدأ حاولت صبغها بالحنان:
“هدي نفسك بس يا عز، يا حبيبي أنا بخاف عليك أنتَ، فيه أب و أم في سنهم ينفصلوا من غير ما يراعوا بنتهم ؟ مفكروش حتى في منظرها قدامك ؟”
زفر هو بعمقٍ ثم رفع كفيه يمسح وجهه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
“عن أذنك يا ماما مش قادر اتكلم و بكرة ورايا شغل الصبح، عن اذنكم”
انتفضت شقيقته تسأله بلهفةٍ:
“طب مش هتاكل يا عز ؟! دا أنا من ساعة ما جيت و أنا مستنياك”
رد عليها بفتورٍ:
“شكرًا، كلت بما فيه الكفاية النهاردة”
كان حديثه مبطنًا في مغزاه و هو يوجه حديثه لوالدته التي نظرت له بتعجبٍ بعدما دلف هو غرفته، فجلست هي بندمٍ حتى قال “جلال” يعاتبها بحديثه:
“ينفع كدا يا عزة ؟! كل مرة تنكدي عليه كدا ؟! مش مستوعبة ليه أنه عاوزها و أنه شاريها ؟! البت مشوفناش منها حاجة وحشة لكل دا”
زفرت هي بقوةٍ ثم صاحت في وجهه بانفعالٍ:
“خلاص يا جلال متقطمنيش بقى !! ماهو أنا شايلة همه هو، من يوم ما خطبها و هو زعلان و مشوفتهاش بلت ريقه حتى بكلمة حلوة، هو حر بقى لما بيته يتخرب ميرجعش يزعل”
شعر “جلال” بالحنق من طريقتها لذا وقف و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
“أنا زهقت و جيبت أخري منك خلاص، ربنا يهديكِ لنفسك”
تركها و دلف الشرفة يجلس بها بينما هي ضمت كفيها معًا تضعها على بطنها بينما ابنتها وزعت نظارتها بينهما و كل ما يشغلها هو شقيقها.
في الداخل ارتمى “عـز” على الفراش بعدما بدل ثيابه و كل ما يشغل تفكيره هو حال خطيبته و ما تشعر به بسبب تلك الأوضاع، شرد أكثر في بسمتها و لاح أمامه ذكرى أول مقابلة جمعتهما سويًا.
(منذ عام و أكثر بقليل)
دلف “عـز” ذلك اليوم شقتهم يصيح بصوتٍ عالٍ:
“يا أم عـز !! بت يا بسمة ؟”
أنهى منادته ثم دلف غرفة الجلوس أو ما يطلق عليها باللغة الدراجة “غرفة المعيشة” فوجد فتاةً بها تجلس على استحياءٍ تضم ذراعيها أسفل صدرها و حينما تفاجئت به رفعت رأسها بحدة نحو مصدر الصوت فتقابلت نظراتهما سويًا الاستنكار من جهته و الخجل و القلق من جهتها حتى تنحنح يُجلي حنجرته ثم سألها بتعجبٍ:
“أنتِ مين ؟! و فين أختي و ماما”
بحثت عن صوتها الهارب لكنها لم تجده بينما هو حرك رأسه مستفسرًا ينتظر منها الجواب حتى أتت شقيقته من الخلف تمسك صينية معدنية صغيرة الحجم بها كوبين من العصير و حينما وجدت جسد أخيها حائلًا بين دلوفها و رؤية الاخرى صاحت بضجرٍ:
“وسع يا عم بقى !! العصير هيقع مني، وسع و أنتَ حيطة كدا”
التفت لشقيقته يطالعها ببلاهةٍ فيما قالت الأخرى بتعجبٍ:
“هتفضل مبلم كدا كتير ؟! وسع يا بني بقى”
تنحى شقيقها جانبًا بينما دلفت هي تضع ما في يدها على الطاولة الرخامية حتى تفاجئت بـ “جومانا” تقف و هي تقول بتلعثمٍ:
“طب عن أذنك يا بسمة، هجيلك…. مرة تانية إن شاء الله”
أمسكت يدها و هي تقول بلهفةٍ:
“اقعدي بس علشان افهمك الحاجة اللي واقعة منك دي، دا عز أخويا مش غريب يعني، زي أخوكِ اقعدي بس امتحانك بكرة و أنا أكبر منك بسنة و بقولك الدكتور دا مبيرحمش”
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة و هي تعلم قدر حاجتها لها، بينما شعر هو بمدى إحراجها لذا حمحم ثم قال بنبرةٍ هادئة يعتذر لها عما بدر منه:
“أنا متأسف بس معرفش إن حضرتك هنا و اتفاجئت بوجودك، بعتذر مرة تانية و ربنا يوفقك إن شاء الله، عن اذنكم”
تحرك من المكان و عينيه لازالت تتابعها خاصةً و هي منكسة رأسها للأسفل بينما هي زفرت بقوةٍ بعد رحيله ثم اعتذرت من شقيقته ان كانت تسببت لهما في أي حرجٍ.
دلف هو غرفته يبتسم مثل الأبله و هو يرى سكونها و توترها بتلك الطريقة و خاصةً نظرتها المذعورة نحوه و كأنه جلاد آتى لتنفيذ حكمه عليها.
( عودة إلى الوقت الحالي)
تنفس بعمقٍ حينما عاد من رحلة ذكرياته و خاصةً حينما كثرت مقابلتهم سويًا في منزل والديه و حينما كانت تساعدها شقيقته في مذاكرتها و أمور دراستها حتى لاحظ هو انجذابه لها و اعجابه بها و بأخلاقها و خاصةً أنها كانت تتجنب أي حديثٍ معه و تتعمد التخفي من أمامه لذا قرر هو أن يتقدم لخطبتها من والديها و كان الحظ حليفه حينما وافقت عائلتها و شقيقها حتى هي وافقت بعد موافقة أفراد عائلتها.
أخرج هاتفه يطلب رقمها كعادته يتحدث معها ليلًا على الرغم إنها قليلة التحدث معه لكنها دومًا تبعث في نفسه راحة بمجرد استماعها له حتى بقليل الكلام.
أجابت على الهاتف عند مشارف انتهاء المكالمة فرد هو بسخريةٍ:
“يا شيخة ؟؟ دا كله و لسه فاكرة تردي عيب عليكِ”
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ لازال به أثر البكاء:
“معلش كنت سرحانة شوية و خدت وقت لحد ما سمعته”
رد عليها بتفهمٍ:
“أنا عارف، المهم أنتِ أخبارك إيه دلوقتي، أحسن شوية ؟؟”
ردت عليه بقلة حيلة:
“بحاول يا عز أبقى كويسة”
شعر هو بالشفقة نحوها لذا قال بنبرةٍ هادئة يحاول بثها الطمأنينة:
“ولازم تحاولي هما خلاص كلهم شافوا حياتهم و أنتِ مش هيهمك غير نفسك بعد كدا، ذاكري و افرحي بنجاحك و شوفي حياتك أنتِ يا جومانا، هما خلاص بيعيشوا لنفسهم”
حركت رأسها موافقةً و كأنه يراها ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ:
“هحاول يا عز، هحاول والله رغم أنه صعب و الله”
قبل أن يرد عليها وصلها صوت طرقات جامدة على باب غرفتها لذا استأذنت منه و أغلقت الهاتف دون أن تنتظر جوابه، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم تمدد بجسده على الفراش يشرد كعادته في تفاصيل يومه و خصوصًا الجزء الخاص بها.
***
على الجهة الأخرى دلف “انور” والدها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
“أنا فاتحت خطيبك في الموضوع دا خلاص، لو هو عاوزك يتصرف علشان تتلموا في مكان واحد سوا، مش هقدر آجل الفرح بتاعي أكتر من كدا”
سألته بتهكمٍ:
“و هو هيبقى عليا إزاي بقى ؟! إذا كان أهلي نفسهم باعوني و محدش فيهم طايق وجودي”
رد عليها هو بلامبالاةٍ:
“سيبك من الشويتين دول، أنتِ مش صغيرة علشان يبقى دا شكلك، لو هو مش جاهز، محمد جاهز و هيخلص في اسبوع كمان”
سألته بفزعٍ من هول كلماته:
“طب و لو أنا مش عاوزاه و مش عاوزة اتجوز عز دلوقتي هروح فين ؟!”
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
“روحي عند أمك، مش جوزها برضه عنده بنات من سنك ؟! هي هتفرح لما تكلميها”
ابتسمت بسخريةٍ فيما حدجها هو بسخطٍ ثم تحرك من أمامها بينما هي أخرجت هاتفها تطلب رقم شقيقها الذي أجابها بمللٍ:
“خير يا جومانة ؟؟ نعم ؟!”
ردت عليه بنبرةٍ أقرب للبكاء:
“يا حسام أنتَ سايبني و مش سائل فيا ليه ؟! أبوك هيتجوز هو كمان و يعتبر بيطردني، و بيقول لـ عـز يتصرف، تعالى اتصرف علشان خاطري”
زفر هو بقوةٍ ثم قال بجمود:
“بقولك أيه أنا مش فايق للهبل دا أصلًا، و بعدين أنا مليش علاقة بيهم خلاص هما احرار شافوا حياتهم و أنا بشوف حياتي أنا كمان، خطيبتي مطلعة عيني و أنا يدوبك بجهز نفسي علشان الفرح قرب، الله يرضى عنك شوفي حالك”
نزلت دموعها رغمًا عنها لا تصدق أن من ظنت به النجاة كان هو مصدر الهلاك و تخلى عنها دون أن يكبد نفسه عناء مساعدتها ويمد يده لها و يعاونها، لم ترد عليه بينما هو أغلق الهاتف في وجهها يهرب منها و من عائلته بالكامل.
مسحت دموعها ثم طلبت رقم والدتها التي أجابت عليها بعد المرة الثانية تقريبًا فردت عليها “جومانا” بلهفةٍ:
“ازيك يا ماما عاملة إيه ؟!”
ردت عليها بفتورٍ:
“ازيك أنتِ يا حبيبتي عاملة إيه؟”
ردت عليها بصوتٍ منكسر:
“أنا مش كويسة خالص و تعبانة أوي و كل حياتي بايظة، بس أنتِ وحشتيني اوي”
ردت عليها والدتها بقليل من التعاطف:
“و أنتِ يا حبيبتي وحشتيني اوي إن شاء الله لو الظروف سمحت هشوفك، أنتِ عارفة جوزي مانع يكون ليا أي علاقة بحياتي القديمة”
علمت هي مغزى حديث والدتها المبطن لذا حركت رأسها موافقةً ثم قالت بفتورٍ:
“على العموم بابا هيتجوز خلاص و أنا بدور على مكان اقعد فيه لحد ما اخلص الجامعة و أشوف حل بعدها”
ردت عليها والدتها بتوترٍ:
“ها….آه ماشي يا حبيبتي ربنا يعينك و لو احتاجتي حاجة قوليلي”
ابتسمت بسخريةٍ ثم ردت عليها:
“آه ما أنا عارفة، عن أذنك”
أغلقت الهاتف مع والدتها ثم ارتمت على الوسادة تبكي بحرقة و قلب مزقه الوجع و أتعبه القدر فهل ستستطيع التحمل أكثر من ذلك ؟! أم أن هناك ما يخبئه لها القدر ؟!
***
طُرق باب غرفة “عـز” فسمح للطارق بالدخول حتى طلت شقيقته “بسمة” من الخارج و هي تقول بمرحٍ:
“عـز العـز صاحي ؟!”
ابتسم هو على ذلك اللقب فيما دلفت هي و ركضت بجواره و هي تقول بحماسٍ:
“وحشتني يا زيزو، البت جومانا هتاخدك مني من اولها كدا ؟! أخس عليك، مكانتش عشرة عمر اللي ما بينا دي”
رد عليها هو بقلة حيلة و لهجةٌ اودعت كامل حزنه:
“الدنيا هي اللي واخدة جومانا مني، مش عارف أعمل إيه بس خلاص أنا ليا طاقة برضه و بجيب أخرها، مش هكمل في علاقة بحارب فيها علشان تستمر”
عقدت “بسمة” ما بين حاجبيها فزفر هو بعمقٍ يهرب من نظراتها الموجهة نحوه و كأنها تحاول سبر أغواره من خلال تلك النظرات بينما في تلك اللحظة صدح صوت هاتفه برقمها فرد عليها فورًا دون انتظار و قبل أن يتحدث تفاجأ بها تقول بجمودٍ أجادت رسمه:
“بكرة بعد اذنك تيجي تاخد كل حاجتك و دبلتك معاها كمان، أنا هعفيك من أي حرج ممكن تتحط فيه بسببي…عن اذنك”
أغلقت الهاتف في وجهه قبل أن ينطق هو بكلمةٍ واحدة بينما أصيب هو بحالة ذهول نتج عنها جخوظ في العينين جعل شقيقته تسأله بلهفةٍ:
“مالك يا عز ؟! حصلك إيه ؟!”
أخبرها هو بحديث “جومانا” بتشوشٍ و ضياعٍ حتى غلف الاستنكار ملامحها و نبرة صوتها و هي تقول:
“طب و هي هتقولك حاجة زي دي ليه يا عز ؟! هو حصل حاجة؟”
حرك رأسه موافقًا ثم قرر الحديث مع شقيقته عن ما حدث في بيت “أنور” و عن حديثه عن تكملة تلك الزيجة حتى يتخلص من ابنته.
في الخارج و خاصةً في الشرفة دلفت “عزة” في يدها كوبين من الشاي المزود بوريقات النعناع الخضراء و هي تقول بنبرةٍ هادئة حاولت إضافة المرح لها:
“الشاي يا جلال، هتفضل مبوز في وشي كدا ؟! دا أنا عملاه مخصوص علشانك”
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
“لأ علشان عارفة أنك غلطانة في حق عز و حق خطيبته يا عزة، مشوفناش من البت حاجة وحشة و مصممة تقللي منها”
ردت عليه بقلة حيلة و عاطفة صادقة:
“ماهو دا ابني الوحيد يا جلال، دي بنت وحيدة و أهلها انفصلوا عن بعض محدش فيهم فكر فيها و امها مشيت من غير ما تسأل فيها، دي هتعيش إزاي و تفتح بيت و تحافظ عليه ؟!”
“علشان مش كل الناس غبية زيك كدا يا عزة، دي أكيد هتقدر قيمة جوزها و قيمة النعمة اللي عندها علشان هي اتحرمت من حاجة زي دي، و اللي اتحرم من حاجة هو أحق واحد يقدر قيمتها علشان هو اكتر واحد مفتقدها”
أغلقت جفونها بشدة تستغفر ربها فقال هو مسرعًا يستغل اللين الذي ظهر عليها:
“قومي يلا صالحي ابنك و طيبي خاطره بكلمتين كدا خليه يروق شوية بدل النكد، يلا قومي”
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من أمامه حتى تدلف غرفة ابنها بينما هو رفع رأسه للسماء يقول بتضرعٍ:
“يارب حنن قلبها على البِنية الغلبانة دي و أجبر بخاطر جومانا و عز يا رب”
دلفت “عزة” الرواق المؤدي للغرف و قبل أن تطرق غرفة ابنها وصلها صوت ابنتها تقول بغير تصديق:
“يلهوي يعني أمها اتجوزت بعد شهور العدة و أبوها كمان هيتجوز ؟! و عاوزك تاخدها و تتجوزها علشان عروسته مش حابة وجودها ؟! إيه القرف دا ؟”
حينما وصل ذلك الحديث لـ “عزة” فتحت الباب بقوةٍ كما الاعصار ثم قالت بنبرةٍ جامدة و حِدة تلبستها:
“أعمل حسابك تنسى موضوعك معاها خالص، الجوازة دي مش هتم غير على جثتي، مــفـهـوم ؟!”
رواية هدية القدر الفصل الثاني 2 - بقلم شمس محمد
“كل ما أردته أن أتمرد على ذاتي و أقوى على معاناتي، لم أدري كيف كليهما معًا تعاونا في تدمير حياتي ؟”
وقف “عز” مصدومًا أمام والدته بعد حديثها وطريقتها الجافة في التحدث عن الفتاة، بينما شقيقته اقتربت منها تقول بتوترٍ:
“أهدي بس يا ماما، الموضوع ميتاخدش كدا، جومانا مانا ملهاش علاقة بكل دا”
صاحت والدتها بصوتٍ عالٍ:
“يا سلام؟! اصرفه منين كلامك دا يا ست بسمة؟! كمان امها اتجوزت؟! لحقت؟! دي عدتها خلصانة من ييجي شهر و أقل كمان، دا إيه نسب الهم دا؟!”
دلف “جلال” لهم على أثر الصوت الذي توصل صداه للبيت بأكمله وهو يقول بلهفةٍ وقلق:
“إيه في إيه؟! حصل إيه يا عز؟”
التفتت له زوجته تقول بحنقٍ:
“تعالى و أعرف حصل إيه يا سيدي، تعالى شوف نسب إبنك اللي يشرف، اسمع يا جلال على جثتي الجوازة دي تتم، أنا قولت اهوه”
رد عليها هو مُسرعًا:
“نعم؟! هو أي هبل و خلاص يا عزة؟! ما تفوقي كدا و تعقلي كلامك، إحنا مال أبونا بحياتها و بأهلها إحنا اللي يخصنا البنت نفسها”
تدخلت “بسمة” تقول بصوتٍ مضطرب:
“يا بابا أصلًا جومانا اتصلت بعز و قالتله بكرة يروح ياخد حاجته و دبلته، البنت أصلا حاسة إنها بتظلمه يعني هي مش أنانية و كل همها عز”
تحدثت والدته بحنقٍ:
“أحسن برضه أنا من الأول مش قبلاها خلاص، يشوف واحدة غيرها الدنيا مليانة بنات كتير”
اقترب “عز” يقف أمامها يقول بصوتٍ محتد:
“حتى لو البنات كتير بس أنا مش هاخد غيرها هي و حتى لو فيها إيه أنا برضه عاوزها هي، البنات كتير آه بس مفيش واحدة فيهم زيها، ريحي نفسك”
تحرك من أمامها بعد حديثه بينما “جلال” قال بلومٍ يعاتبها:
“مفيش فايدة فيكِ أبدًا مخك عطلان عن التفكير و علطول مصدرة أوامرك على الكل، خليكِ براحتك بقى”
تحرك من أمامها هو الأخر و كذلك ابنتها التي رمقتها بضجرٍ وشررٍ ثم دلفت غرفتها بينما “عزة” جلست على المقعد تفرك كفيها معًا والغيظ يظهر عليها.
***
في الخارج دلف “عز” الشرفة يقف بها يود الصراخ ورفع صوته يبكي لكنه تحامل على آلامه وأخفض رأسه ورفع كفيه يفرك خصلاته يحاول التوصل لحلٍ يحافظ به على حبه حتى وإن لم يعترف لها بذلك ولم يعترف حتى لنفسه.
اقترب منه والده يضع يده على كتفه يربت عليه بحركةٍ خافتة ثم وقف كليهما يستندان على سُور الشُرفة فقال والده بنبرةٍ هادئة:
“مالك يا عز؟! فيك إيه يابني؟”
رد عليه بصوتٍ مختنقٍ:
“عز تعب من دنيته خلاص وجاب أخره فيها يا أبو عز، الدنيا دي عصرتني وبرضه مش عاجبها، طب أعمل إيه تاني؟!”
رد عليه والده بنبرةٍ هادئة:
“تسلم أمرك للي لا بيغفل ولا بينام، أنا ربيتك على المسئولية من صغرك، عمرك ما كنت جبان ولا ملاوع، يبقى تقف في وش الدنيا وتاخد حقك منها”
سأله بنبرةٍ موجوعة:
“حتى لو الحق دا مش عاوزني؟”
حرك رأسه موافقًا ثم قال مؤكدًا كلماته:
“طالما أنتَ شايفه حقك يبقى خده غصب عن عين التخين، إلا لو قلبك بيكدب عليك بقى ومش شايف إن دا حقك”
رد عليه بلهفةٍ:
“حقي….حقي و حق قلبي في الدنيا دي، مش هسيبها، لو اضطريت أني أمشي وأسيب كل حاجة علشانها هعمل كدا، بس عاوزها هي تمسك أيدي وأنا والله مش هفلتها”
سأله “جلال” بثباتٍ:
“أنتَ عاوز إيه يا عز؟!”
رد عليه بنبرةٍ ضائعة:
“عاوزها هي…. والله عاوزها”
حرك “جلال” رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما ربت على موضع قلبه:
“طالما دا أراد وحلم يبقى هتوصل أنتَ وهو للحلم دا”
تحرك والده من أمامه بعد حديثه بينما “عز” نظر في أثره وصوت والده يتردد صداه في سمعه، إذا أراد القلب مراده فعليه بالعزم ليناله، تلك العبارة التي يؤمن بها دومًا وأبدًا لذا سيعزم نيته في التمسك والحصول عليها.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله يحاول أن يهاتفها لكنه تفاجأ به حينما وضعته في قائمة الحظر، اتسعت عينيه بدهشةٍ ثم أخرج محادثاتهما لكنها قد فعلت المثل، حاول مع كل الطرق التي تؤدي إليها لكنه تفاجأ بها أغلقت كل أبوابها في وجهه.
رفع رأسه للسماء بأعين بها زخز الدموع لكنه اغلقها بسرعةٍ كبرى وأطبق شفتيه على بعضهما يأكل في لحم فمه من الداخل لشدة غيظه.
***
جلست “جومانا” مقابل المقعد الذي وضعت عليه أشياء “عـز” وهي تفكر هل هذه هي نهاية قصتها معه؟ لطالما كانت دومًا تخشى أن يصبح مصيرها كما مصير والديها، زيجة فاشلة نتج عنها أطفالٌ مشوهين النفوس، كانت تطمح في تكملة القصة معه من طرف آخر وتعيشها بأكملها كما تمنت أن يحدث يومًا، لكنها خشيت عليه من متطلبات الحياة، نعم هو يجاهد ويعمل دومًا حتى يجتمعان سويًا في بيتٍ واحد، فكرت أن ما تفعله هي هو أنسب حل حتى لا يتورط بها وحتى لا تزداد همومه أكثر من السابق.
رغمًا عنها فرت دمعة هاربة من بين أهدابها وقالت بصوتٍ متقطعٍ:
“غصب عني والله….غصب عني أني أعمل كدا بس مش بأيدي أقف أتفرج وأنتَ لسه بتحارب علشاني، لو بأيدي هقولك متزعلش وسامحني بس غصب عني والله بعمل كدا، ربنا يعوضك بالأحن عليك من نفسك”
كانت تتحدث مع صورته الموضوعة في الإطار الخشبي الذي قامت شقيقته بصنعه لهما سويًا، بينما هي انخرطت في البكاء في غرفتها ونظرها مُعلق بصورته وكأنها تودعه بتلك الطريقة.
***
في اليوم التالي أثناء عمل “عـز” حاول طوال اليوم أن يصل لها بشتى الطرق لكنها أوصدت كل الأبواب في وجهه، زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة يحدث نفسه:
“لأ ما أنا مش هقعد أبكي على الأطلال، اقسم بالله ما هينفع الهبل دا، يا أنا يا أنتِ بقى”
رمىٰ هاتفه على الطاولة عاد لعمله بعقل متخبط وشارد في تلك المعضلة الملقبة بـ “خطيبته” لطالما كانت دومًا تتعمد البعد عنه لكنه يرى في نظراتها أنها حقًا تريده، لم تنطق يومًا ولم يعترف أيًا منهما للآخر بمشاعره لكن نظراتهما سويًا تنطق بما يحمله قلب كلٍ منهما للآخر.
على الجهة الأخرى قامت بإرسال كافة أشياءه إلى بيت والديه مع جارتها التي تقطن معها في نفس البناية ثم عادت لها من جديد تجلس معها في شقتها وقالت بمعاتبةٍ:
“ليه كدا بس يا جومانا؟! يا بنتي حرام عليكِ الواد غلبان اوي وميستاهلش منك كدا”
ردت عليها بقلة حيلة:
“علشانه هو أنا عملت كدا، هيجيب منين يتجوزني يا طنط؟! هيعمل أيه في الضغوطات اللي عليه، أهله نفسهم شكلي هيكون قصادهم إيه؟! خلاص كل واحد يروح لحاله وربنا يعوضه بالأحسن مني”
ربتت جارتها على فخذها ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
“أهلك خلاص كل واحد فيهم شاف دنيته وعاش حياته، وأخوكِ وخلاص هيتجوز ومش شاغل نفسه بيكم، شوفي حياتك أنتِ وربنا يعوضك خير يا بنتي”
حركت رأسها موافقةً فتحركت جارتها بعدما رمقتها بشفقةٍ على حالها وما تشعر به، فيما بكت “جومانا” على نهاية القصة التي لم تبدأ من الأساس، حينما بدأت تتقبل فكرة تواجده بجوارها، بدأ تواجده ينسحب من جوارها كما انسحاب المياه من بين الأنامل.
على الجهة الأخرى في نفس المكان كان “أنور” يتحدث في هاتفه مع حبيبته وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
“يا ستي ماهي هتمشي اهيه أعمل إيه يعني، وبعدين هي طيبة ومستحيل تزعلك أبدًا”
ردت عليه بحنقٍ:
“لأ يا أنور، أنا يا أخويا متعقدة من بنت جوزي اللي فات، يا أخويا كانت بت حرباية وقدام أبوها تعمل ملاك بريء و خليته طردني من البيت، اللي عندي قولته”
حاول كسب رضاها بحديثه وهو يقول بنبرةٍ متلهفة:
“خلاص خلاص يا حبيبتي، هشوف حل معاها كدا وأشوف الواد خطيبها دا يشد حيله شوية”
ردت عليه بدلالٍ مصطنع:
“يخليك ليا يا أنور، يلا سلام وأبقى طمني بقى، على تليفونات”
أغلقت معه الهاتف بينما هو خرج من الغرفة ثم توجه لغرفة الجلوس يجلس بجوار ابنته وهو يقول بثباتٍ:
“ها يا جومانا خطيبك مردش عليكِ؟! مفيش أخبار عنه خالص؟!”
اغمضت جفونها بشدة تحاول كتم دموعها ثم قالت بنبرةٍ جامدة:
“لأ وخلاص مفيش عز تاني، حاجته وصلتله وكل واحد فينا راح لحاله، حاجة تاني؟!”
رد عليها بجمود وكأن الأمر لم يعنيه أو يخص فلذة كبده:
“أحسن برضه دا واد خايب ومكانش هيعمل حاجة وأنا عارف كدا، محمد جاهز وعنده استعداد تكوني مراته خلال الأسبوع دا، إيه رأيك؟!”
شعرت هي بالنيران تلتهمها لذا انتفضت تصرخ في وجهه:
“هو ايه اي حد ياخد وخلاص؟! مش همك غير إنك تسيبني أغور من هنا؟! ربنا ياخدني من وسطكم كلكم علشان أرتاح بقى منكم”
انتفض هو الآخر يمسكها من خصلاتها ثم قال بنبرةٍ جامدة وهي تتأوه في يده والدموع تنهمر على وجنتيها:
“لمي نفسك يا بت بدل ما أكسر عضمك يا حلوة، جتك البلا وأنتِ شبه أمك كدا، بوز فقر زيها، عيشت صابر العمر اللي فات دا كله علشانكم أنتم وضحيت بكل حاجة، خلاص بقى كدا جبرت، ويكون في معلومك برضه هتتجوزي محمد، عاوزاني اسيبك تدوري على حل شعرك؟! دا بعينك، لمي نفسك بدل ما اسيب نفسي عليكِ”
دفعها على الأريكة بعد حديثه الغليظ بينما هي انكمشت في نفسها تضم ركبيتها أمام صدرها والدموع تسيل على وجنتيها وحينما شعرت بضيق السُبل في وجهها رفعت رأسها للأعلى وهي تقول ببكاءٍ:
“يــا رب ضاقت عليا أوي افرجها من عندك يــا رب، افرجها و ريح قلبي”
***
وصل “عـز” شقتهم بعدما عزم النية على زيارتها مع شقيقته لكنه تفاجأ بملامح شقيقته الحزينة وكذلك والده على عكس والدته، فسألهم بتعجبٍ من تباين حالتهم:
“مالكم يا جماعة فيه إيه؟!”
رفعت “بسمة” رأسها تنظر له بخوفٍ فيما طالعه والده بشفقةٍ بينما والدته قالت بقلة حيلة:
“أنا عارفة يا أخويا مالهم؟! مكبرين الموضوع أوي وشايفين الدنيا ضلمة من ناحيتهم”
عقد حاجبيه وهو يسأل:
“موضوع!! موضوع إيه دا؟! على العموم يا بسمة قومي البسي علشان هنروح نزور جومانا”
ردت والدته بعدما ابتسمت بتهكمٍ:
“ملوش لازمة يا حبيبي، جومانا خلاص بح، بعتت حاجتك مع أم مريم جارتهم وخلاص موضوعك معاها خلص، ريح نفسك يا حبيب أمك”
انتفض من مجلسه وهو يقول:
“يعني إيه؟! ازاي تعمل كدا؟?”
ردت عليه والدته بحنان تحاول مراضاته:
“هي مش باقية عليك خلاص يا حبيبي، ربنا يعوض عليك بواحدة شبهك وشبه قلبك”
سألها بضياعٍ بعدما أبصرت عينيه أشيائه موضوعة في أحد أركان الغرفة:
“يعني كدا خلصت خلاص؟!”
رد عليه والده بأسى:
“للأسف يا بني خلاص كدا ربنا يعوض عليك ويكرمها بالأحسن منك إن شاء الله، بس هي قافلة كل الطرق في وشنا ومحدش عارف يوصلها”
تحرك نحو الأشياء يمسكها بذراعيه أو بالأدق يحتضنهما ثم توجه نحو غرفته دون أن ينبث ببنت شفة، بينما “بسمة” قالت بقلبٍ ملتاع عليه:
“صعبان عليا اوي يا بابا، كان بيحبها حتى لو مقالش كدا”
ردت عليها والدتها بحزنٍ لأجله:
“خلاص بقى محدش يزعله ويفكره خلوه يفك كدا ويضحك وإن شاء الله هينساها”
في الداخل أمسك الصورة الخشبية التي جمعت صورتهما سويًا وهو يقول منفعلًا وكأنها أمامه:
“غبية!! أنتِ غبية ومتسرعة، كنت هاجي وأقولك أني اتصرفت ولقيت حل يريحنا، بس كالعادة اتسرعتي وضيعتي نفسك من أيدي، ازاي مش شايفة أني عاوزك وأن.. أني حبيتك….للأسف حبيتك أوي”
قالها بندمٍ وهو يعترف بحبه لنفسه، هو الذي مَنَّ نفسه باعترافه لها يوم أن تصبح زوجته ويحق له التحدث معها كما يشاء، لكنها لم تترك له الفرصة حتى وجدها تنسحب من كفه كما يفر الكذب بظهور الصدق.
***
بعد مرور ثلاثة أيام من تركهما لبعضهما، لم تتغير الاشياء كثيرًا بل ظلت كما هي، “عز” يحاول التوصل لها دون جدوى وحينما جلب رقمًا آخر أغلقت في وجهه لذا علم أن ذلك هو نهاية الطريق ولن يقلل من شأن نفسه أكثر من ذلك، بينما هي حينما استمعت لصوته رق قلبها وكانت على وشك الرد لكنها تركته كما تفعل في كل مرة وأيضًا قامت بوضع الرقم في قائمة الحظر كما سابقه.
كانت “جومانا” في غرفتها في وسط النهار فتفاجئت والدها يدلف غرفتها وهو يقول بنبرةٍ جامدة بعد مقاطعته له منذ آخر حديثٍ دار بينهما:
“جهزي نفسك و البسي عدل علشان محمد جاي هنا النهاردة وهيخطبك، واحتمال يكتب الأسبوع الجاي، يلا شوفي هتلبسي إيه؟!”
انتفضت تقول بثباتٍ لم تعلم من اين اكتسبته:
“مش هلبس ومش هخرج ومش موافقة أصلًا، على جثتي فاهم!! على جثتي”
اقترب منها يصفعها على وجنتها وهو يقول بنبرةٍ غليظة:
“يبقى على جثتك فعلًا يا بنت ****** أنا صبرت عليكِ كتير ومش هصبر اكتر من كدا، داهية تاخدك وعلى الله متخرجيش”
حذرها بحديثه ثم تركها وغادر الغرفة بينما هي تلمست بأناملها وجنتها المصفوعة وقد تورمت في الحال وظهر اثر أنامله عليها، أخرجت هاتفها تحاول التوصل لشقيقها لكن هاتفه كان مغلقًا، حينما فشلت في محادثته طلبت رقم والدتها وحينما أتاها الرد قالت بصوتٍ باكٍ:
“يا ماما الحقيني علشان خاطري، ضربني وعاوزني اتجوز محمد، علشان خاطري تعالي و خديني معرفش حد اروحله وحسام موبايله مقفول”
ردت عليها والدتها بقلة حيلة:
“هعمل إيه بس يا جومانا، وبعدين خطيبك فين؟!”
ردت عليها بصوتٍ أقرب للصراخ:
“سيبته، سيبته بسببكم، هو ميستاهلش أنه يكون وسطنا وأنه ياخد واحدة معقدة زيي، ومش هتجوز حد، ولو ربنا ياخدني يبقى أحسن”
ردت عليها والدتها بنبرةٍ هادئة تحاول طمئنتها:
“أهدي بس يا حبيبتي، محمد برضه عاوزك من بدري وبيحبك، ماله محمد؟!”
ردت عليها بصراخٍ:
“محمد بتاع البنات؟! محمد اللي كل يوم في حضن واحدة ومفضوح في كل مكان؟! محمد اللي الحرام عنده زي شرب المياه؟!”
قبل أن ترد والدتها وتبرر أفعاله، قالت هي بثباتٍ:
“مع السلامة يا مدام أنا شكلي طلبت رقم غلط”
أغلقت في وجه والدتها ثم ألقت الهاتف بجوارها ومسحت دموعها بعدما توصلت لقرارها النهائي.
***
في شقة “عز” كان جالسًا في غرفته بعد عودته من العمل وكذلك تلبسه الحزن وخيم عليه وعلى هيئته، فدلفت والدته له وهي تقول بلهفةٍ:
“عز، بقولك يا حبيبي، سالم خطيب أختك وصل برة تعالى اقعد معاه يلا هو مستنيك”
حرك رأسه موافقًا ثم خرج من غرفته بعدما وقف يتمم على هيئته ورتب خصلاته ثم خرج يرحب بخطيب أخته وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
“سالم الغالي، منور يا حبيبي”
رد عليه “سالم” بنبرةٍ ضاحكة:
“يا جدع؟! ماهو باين عليك أهو، إيه ياعم هشحتك علشان أشوفك؟! وحشتني”
رحبا ببعضهما ثم جلسا سويًا وقد اقتربت منهما “بسمة” تضع المشروبات امامهما فقال “سالم” بمرحٍ:
“بالصلاة على النبي، دا إيه العصير العسل دا”
ابتسمت هي بخجلٍ بينما تحدث “عز” بنبرةٍ جامدة:
“احترم نفسك يالا واقعد بأدبك”
رد عليه “سالم” يعانده:
“دا كان زمان يا حبيبي، دلوقتي هي مراتي وكله عارف روح اتشطر أنتَ”
تنهد “عز” بقلة حيلة ثم نظر نحو موضع دبلته التي تتوسط إصبعه ولم يقو هو على نزعها، غرق في التفكير بها حتى وجد نفسه يبتسم بأسفٍ على حبه الذي لم يكتمل، فيبدو أن القدر لم يريدهما سويًا لذا حُكِم عليهما بالفراق، ولكن لما لم يكن للقدر رأيٌ آخر؟
قبل أن يتعمق في التفكير وجد هاتفه يصدح في جيبه، أخرجه وهو ينظر بحاجبين معقودين وسرعان ما انبسطت ملامحه حينما رآى رقمها على شاشة هاتفه، فاتسعت عينيه بدهشةٍ وضغط على زر الايجاب فوجدها تقول بلهفةٍ باكية:
“عــز !!”
رد عليها هو بنفس اللهفة:
“نعم يا جومانا؟! بتعيطي ليه”
تحدثت ببكاءٍ مزق نياط قلبه وسرق لُبه وخاصةً بتلك النبرة الموجوعة لذا صمت هو وحينما طال صمته ذكرت اسمه بريبةٍ جعلته ينفض رأسه ثم سألها بلهفةٍ:
“حصل إيه طيب؟!”
_”جايب عريس و عاوز يجوزني بالعافية، واحد الحرام عنده سهل ومعرفش ربنا، عارفة أني مش من حقي أطلب حاجة زي دي، بس اعتبرني أختك ومحتاجة لمساعدتك”
شعرت هي بقرب والدها من باب الغرفة لذا أغلقت الهاتف في وجهه دون أن تخبره بذلك بينما وقف هو متخبطًا فيما يجب عليه فعله، ها هي تأتي له على طبقٍ من الفضة فهل سيستطيع أخذ ما يريد أم أن المعاناة حليفته؟
رواية هدية القدر الفصل الثالث 3 - بقلم شمس محمد
“على الرغم من الحزن الساكن بين جنبات صدري، إلا أن لازال هناك ما في قلبي يريد التبسم رغم كل شيء”
بعد توسلها له في الهاتف أن يمد لها يد العون ولهفتها الباكية لم يقف كثيرًا، بل أغلق الهاتف في وجهها ثم سأل خطيب شقيقته بلهفةٍ:
“سالم !! معاك العربية بتاعتك ؟!”
حرك رأسه موافقًا بتيهٍ وقد أثار تغير “عـز” ريبته بينما الآخر قال بصوتٍ جهوريًا:
“قوم معايا يلا أنتَ لسه هتنح، بسرعة يلا”
سألته “بسمة” بهلعٍ من طريقته الغير معتادة:
“مالك بس يا عز ؟؟ حصل إيه لكل دا و فيه إيه قلقك كدا؟!”
رد عليها بضياعٍ و تشوشٍ:
“أبو جومانا بيجوزها يا بسمة، جايب ليها عريس و عاوز يجوزها غصب عنها”
اتسعت عينيها بهلعٍ و كذلك “سالم” بينما “عـزة” أتت من الداخل تقول بجمودٍ:
“و إحنا مالنا يابني؟! خلاص موضوعك معاها خلص و كل واحد فيكم راح لحاله، سيبك منها بقى و خلصنا و ربنا يعوض عليك يا عز”
اقترب منها يمسك كفيها و هو يقول متوسلًا لها:
“ابوس ايدك بلاش كلامك و بلاش تمنعيني علشان أنا كدا كدا هروحلها، دي متصلة تستنجد بيا علشان ملهاش غيري، عاوزاني أخذلها ؟!”
ردت عليه بثباتٍ زائفٍ:
“دول أهلها و هما أحرار معاها، مش هي سابتك و جابتلك حاجتك لحد هنا؟! يبقى هي مش رايداك يابني”
تدخلت “بسمة” تقول بنبرةٍ غلبها الحزن:
“يا ماما هي عملت كدا علشانه هو، كانت خايفة عليه و خايفة تضغطه، علشان خاطري بلاش تخليه يبعد عنها، البنت مش وحشة”
تنفست بعمقٍ ثم قالت:
“قولت لأ، مش هيروح، بصفته إيه يروح يمنع جوازها إن شاء الله ؟! لا من دمه و لا هي تخصه بشيء، مفيش مرواح من هنا يا عز”
قالت جملتها ثم رفعت حاجبيها تتحداه بنظراتها بينما وقف هو حائرًا خائر القوى مغلوبًا على أمره و نظرات الشفقة تتبعه محل وقوفه.
***
في شقة “جومانا” كانت في غرفتها تدعو الله أن يوفق “عز” و أن يأتي لها، لطالما أخبرها قلبها بالوثوق به و الاعتماد عليه، رفعت رأسها تطلب من الخالق أن يوفقه و يأتي لها و أن تكون ثقتها به في محلها.
طرقات عنيفة على باب غرفتها وصلت لها جعلت جسدها يجفل بعنفٍ إثر ذلك الصوت و ما تلاه هو دلوف والدها الغرفة يقول بنبرةٍ جامدة تعبر عن مدى قسوته:
“قومي يالا يا بت، عريسك برة، قومي فِزي هتفضلي مبلمة كتير ؟!”
نهرها بحدة جعلتها تنتفض من محلها ثم شخصت ببصرها نحو موضع الساعة المُعلقة بالحائط لترى أن “عز” استغرق أكثر من الوقت المطلوب حتى يأتي لها، و عليه اعتصرت عيناها تحاول ردع تلك العبرات الخائنة ثم خرجت خلف والدها بعدما تأكدت من عدم مجيء “عـز” لها، فبالطبع لن يأتي و هي لن تخصه بشيء.
توجهت نحو “غرفة الصالون” تجلس بها و هي تضم كفيها معًا و قد اخفضت رأسها حتى لا تتقابل نظراتها مع ذلك الوغد الذي يتفحصها باشتهاءٍ في كل مرّة يقع بصره عليها.
تحدث “محمد” يقول بخبثٍ:
“إيه الحلاوة دي يا عروسة ؟! زي القمر”
شعرت هي بالتقزز من حديثه، و رغمًا عنها وضعها عقلها في مقارنةً ما بين “عـز” و “محمد” الأول دومًا يحترم البيت و يحترم مشاعرها دون أن يفصح بكلمةٍ واحدة قد تتسبب في احراجها، بينما ذلك !! لم يحترم حتى أصول الدين و الشرع، يبدو وكأنه يجاهد ليبتعد عن كل ما هو محرم.
تحرك والدها من المكان يترك لهما المساحة سويًا في التحدث مع بعضهما و فور اختفاء أثره اقترب “محمد” منها يجلس بجوارها على الأريكة حتى أجفل جسدها إثر حركته تلك و زاد خوفها أكثر بينما قال هو بفحيحٍ:
“جرى إيه يا حلوة ؟! ما تاخدي و تدي معايا كدا في الكلام ؟! خلاص عريس الغفلة راح لحال سبيله”
ضغطت على كفيها معًا تُحد من أثر اضطرابها نتيجة صوته، بينما هو أقترب منها اكثر و تعمد الاحتكاك بها حتى انتفضت هي من مجلسها و بالتزامن مع حركتها تلك وصل صوت طرقات عنيفة على باب الشقة يصاحبه صوت الجرس باستمرار حتى قال “محمد” لها بلهجةٍ آمرة:
“خليكِ أنتِ و أنا هشوف مين الحيوان دا”
تحرك بعد جملته نحو باب الشقة يفتحه حتى تفاجأ بـ “عز” يدفعه في منكبيه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
“وسع يالا من وشي”
قال جملته و قبل أن يخطو خطوةً واحدةً نحو الداخل أوقفه “محمد” بعدما أمسك مرفقه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
“اقف أنتَ هنا !! هي زريبة؟! مالكش حاجة هنا خلاص”
دلف “سالم” في تلك اللحظة يقف بجوار “عـز” الذي رفع حاجبيه مستنكرًا فتابع الأخر حديثه بـ:
“اتفضل برة خلاص، جومانا بقت خطيبتي و النهاردة هنلبس الدهب”
ركضت هي نحو الخارج تتابعه بعينيها و تود الارتماء عليه و الاحتماء به، بينما هو تنفس بحدة ثم قال بنبرةٍ جامدة:
“اسمع ياض أنتَ علشان منكترش في الكلام !! جومانا متخصكش، برة و خد حاجتك و في ستين داهية”
رد عليه “محمد” ببرود تزامنًا مع خروج “أنور” من الداخل بعدما انشغل في مكالمته الهاتفية:
“بقولك هتبقى مراتي و النهاردة هلبسها دبلتي، خلاص يا حبيبي شطبنا”
تحدث “أنور” في تلك اللحظة بجمودٍ:
“فيه إيه أنتَ وهو ؟! جاي ليه يا عز ؟ خلاص موضوعك مع بنتي خلص”
كل ذلك لم يؤثر بـ “عز” حتى فتح “محمد” فمه يقول بنفس المعاندة:
“أنا بقول خلاص يا عمي طالما نورنا هنا يبقى يحضر تلبيس الدبل، احنا برضه بنفهم في الذوق”
اندفع “عـز” يمسكه من تلابيبه و يلصقه بالحائط خلفه ثم سحب المزهرية الموضوعة على الطاولة و هو يقول بغلٍ و غيظٍ بلغ أشده:
“و ليه يا حيلة أمك ؟! طالما جيت بقى بنفسي يبقى نخليها تلبيس كفن و الحَجة تلبس الاسود عليك العمر كله، ها !! لسه عندك قولك ؟”
حرك رأسه نفيًا و هو يصارع لعملية التنفس التي أصبحت ركيكة إلى حدٍ كبير، بينما رفع “عـز” صوته و هو يقول بصوتٍ جهوري:
“جــومـانـا !! خشي هاتي حاجتك يلا، اقسملك بالله نص ساعة لو ما كنت جاهزة لأخدك على كتافي من غير أي حاجة، سامعة ؟!!”
حركت رأسها بخوفٍ و قبل أن ينطق “أنور” أوقفه “عـز” بقوله:
“متفتحش بوقك يا حمايا !! هي أصلًا مش فارقة معاك، مش كل اللي همك إنها تمشي من هنا علشان العروسة تيجي تلاقي المكان فاضي ؟! أنا بقى اولىٰ بمراتي، و المحروس عين أمه دا يغور من هنا، بدل ما عظيم بيمين أكون مخرجه على نقالة، مـــفــهوم !!!”
صرخ بكلمته الأخيرة في “أنور” و هو يهز “محمد” في يده ثم قال موجهًا حديثه لـ “سالم”:
“سالم !! خد الحيلة دا نزله تحت بحاجته بدبلته كدا و لو كتر معاك عرفني بس، لحد ما أشوف اخرتها هنا”
تحرك “سالم” يمسك “محمد” من جسده و هو يحاوطه نظرًا للفارق الجسدي بينهما، بينما “عـز” رفع رأسه ينظر بشررٍ لـ “أنور” الذي طالعه بلامبالاةٍ و هو يقول:
“هتاخد بنتي و تروح فين يا عـز ؟! أنتَ ناسي أنها مش مراتك ؟!”
_”دا على أساس إنك أب و هي بنتك يعني ؟! و لا على أساس إنك فارق معاك أوي حالها ؟! أخرس خالص مش عاوز اسمع صوتك، و أحمد ربنا أني مراعي فرق السن ما بينا علشان مكسرش الفاظة دي على دماغك، و إذا كان على جومانا فهي طالما بعيد عنكم أكيد في الحفظ و الصون”
رد عليه بذلك الحديث الذي جعله يزدرد لُعابه بتوترٍ دون أن يشغله حتى إلى أين ستذهب ابنته، فكل ما يهمه هو أن ترحل من هنا قبل إتمام زيجته الثانية على عروسه المُبجلة.
مرت دقائق قليلة خرجت بعدها “جومانا” من الغرفة بحقيبة ظهر و أخرى خاصة بالسفر تسحبها بيدها و قد سبق و وضعت بها كافة أشياؤها، و حينما وقع بصر “عـز” عليها ركض نحوها يمسك الحقائب منها ثم شملها بنظرةٍ مُطمئنة فوجدها تبتسم له بامتنانٍ، حينها التفت هو يقول بثباتٍ:
“بنتك متخصكش بعد كدا، كل اللي ليك عندي إنك تحضر كتب كتابها علشان تكون وكيلها، و دا قريب اوي و ساعتها مشوفش وشك تاني لا أنتَ و لا أي حد من طرفكم، و مراتي معايا في أمان”
قال حديثه ثم أشار لها حتى تتبعه، بينما هي وقفت أمامه تقول بثباتٍ ينافي البكاء و الدموع التي تنهمر على وجنتيها:
“خلي بالك أنا ماشية بمزاجي من هنا مش مجبورة، و هروح مع عز برضه بمزاجي مش مجبورة، الحاجة الوحيدة اللي اتجبرت عليها هي إن أنتَ للأسف أبويا و هي أمي، يمكن يكون جوازكم غلطة من الأول، بس أنا كنت استاهل إنكم تتفاهموا مع بعض حتى لو علشاني، مع السلامة”
تحركت من أمامه في منتهى الثبات و القوة و هي تتحرك أمام “عـز” الذي حاول كتم بسمته الشامتة في والدها الذي نظر في أثرها بارتياحٍ لرحيلها دون أن يشغل نفسه حتى بحديثها الموجِع.
***
في الأسفل كان “سالم” في انتظارهما بعدما رحل “محمد” و حينما ظهر أمامه “عـز” على أعتاب البناية اقترب منه و هو يسأله بلهفةٍ:
“ها طمني فيه خطيبتك؟!”
أشار برأسه نحو البناية و هو يقول بنبرةٍ متعبة:
“جاية ورايا أهيه بس أنا نزلت على رجلي و هي في الاسانسير”
حرك رأسه موافقًا و سرعان ما وجد باب المصعد يُفتح و تطل منه و بجوارها الحقيبة، حينها أشار برأسه نحوها ليلفت انتباه الأخر الذي دلف للداخل ركضًا يحمل الحقيبة من يدها و يقطع سُبل اعتراضها.
خرجا من البناية سويًا، فقال “سالم” بطريقةٍ مهذبة:
“اتفضلي يا آنسة جومانا اركبي العربية، اتفضلي”
نظرت لـ “عـز” فوجدته يحرك رأسه موافقًا فتنهدت بعمقٍ حينما وجدته يفتح لها الباب الخلفي حتى تدلف السيارة، بينما “سالم” أخذ الحقائب يضعها في حقيبة السيارة الخلفية، بينما “عـز” جلس بجوار مقعد القيادة و كذلك “سالم” بجواره و قبل أن يبدأ في القيادة قالت هي بنبرةٍ خافتة:
“ممكن بس توصلني عند حسام أخويا ؟! أنا عارفة العنوان و كدا يبقى كتر خيرك و متشـ……”
توقفت عن الحديث حينما قطعه بالتفاته للخلف يقول بنبرةٍ جامدة:
“اسكتي !! اسكتي مش عاوز كلمة منك، أنتِ السبب في اللي احنا فيه دا”
سألته بانهيار و قد داهمها البكاء:
“أنتَ بتزعقلي ليه ؟! هو كل شوية حد يزعقلي كدا ؟! أنا معملتش حاجة وحشة لحد”
قبل أن يرد عليها هو قال “سالم” محاولًا تهدئة الأجواء:
“وحدوا الله يا جماعة و اهدوا كدا الحمد لله كل حاجة عدت خلاص، آنسة جومانا، مش هينفع نوديكِ اي مكان تاني من غير ما نكون متطمنين عليكِ، خل أخوكِ دا مش مناسب، لازم نكون متطمنين عليكِ”
ردت عليه بصوتٍ منكسر:
“للأسف كدا مفيش مكان ليا، بس حسام لو روحتله هيفرح و مش هيقول حاجة”
زفر “عـز” بحدة ثم قال:
“اطلع يا سالم خلينا نخلص بس، اطلع يلا أنا على أخري خلاص”
لاحظت هي تجاهل حديثها من جهته لذا نظرت من النافذة الزجاجية بينما الأخر قاد السيارة و هو يوزع نظراته بينهما.
بعد مرور دقائق قليلة من القيادة أوقف “سالم” السيارة ثم استأذن منهما و نزل منها، بينما “عـز” نزل من مقعده ثم ذهب يجلس بجوارها و هي تطالعه بتعجبٍ و استنكارٍ، بينما تنفس بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ أهدأ:
“أنا آسف كل شوية اتعصب عليكِ، بس والله مش بأيدي أنتِ خرجتي طاقتي كلها، فكري معايا كدا، مشوار اخوكِ دا مستحيل اعمله، حسام مش فارق معايا و مش قصدي حاجة وحشة، بس هو قلبه مَرِقش ليكِ، يبقى صعب يقدر حاجة زي دي، أنا مش عاوز أفضل قلقان عليكِ، عاوز أكون متطمن، كفاية الكام يوم اللي فاتوا من غيرك، كان حالي يصعب على الكافر، اتكتب عليا من أول ما شوفتك النوم يطير من عيوني”
نظرت له بأعين دامعة و صدرها يعلو و يهبط، و قبل أن يتحدث أيًا منهما، طرق “سالم” على زجاج النافذة، حتى فتح “عـز” الزجاج فوجده يمد يده له بحقيبة بلاستيكية من محل البقالة ثم أشار له بمعنى أن يهتم بها، طالعه “عـز” بامتنانٍ و هو يأخذ منه الحقيبة، بينما الأخر ابتسم له ثم ابتعد عنهما.
أخرج “عـز” زجاجة المياه من الحقيبة ثم قام بفتحها و قام بسكب القليل من الماء على راحته ثم قرب كفه من وجهها يمسحه لها خاصةً وجنتها المتورمة إثر صفعة والدها لها، شعرت هي بالألم فور لمس الماء لبشرتها الملتهبة، بينما قال هو بآسفٍ:
“أنا آسف معلش، آسف”
بكت هي بلوعةٍ و لم يكن البكاء من الألم و لكن ما حنانه عليها و أنها كانت على وشك خسارته، بينما هو سحب كفه ثم مد يده لها بالزجاجة حتى ترتشف منها، و هو يتابعها بشغفٍ، ثم أخرج زجاجة العصير الصغيرة يمد يده لها بها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
“اشربي العصير وشك أصفر و عمالة تترعشي، اشربي يلا”
حركت رأسها موافقةً ثم اخذتها منه ترتشف منها رشفة صغيرة ثم سألته بنبرةٍ مختنقة:
“هو إحنا هنروح فين ؟!”
رد عليها هو بثباتٍ:
“هنروح عندنا، و قبل ما تعترضي أنا هروح أبات عند خالتي و اسيبك في البيت مع بسمة علشان تكوني براحتك، و دا كلام نهائي مش عاوز نقاش فيه”
قبل أن تهم بالاعتراض التفت هو ينادي على “سالم” حتى يأتي له و ينقلهما نحو بيته، ثم تجاهل نظراتها الموجهة نحوه و تعمد أن يبقى بجوارها.
***
في بيت “عـز” جلست “عـزة” تضرب كفيها ببعضهما من شدة الغيظ ثم التفتت لزوجها الذي يجلس بأريحية و هي تقول:
“عاجبك كدا عمايل البيه ؟ سابني زي الكلبة و نزل ؟!”
رد عليها بنبرةٍ فاترة تحمل الكثير من التشفي بها:
“آه عاجبني و لو مكانش عمل كدا أنا كنت هقول أني معرفوش و أني معرفتش أربي، خليه يفرح بقى !!”
سألته بنبرةٍ محتدة:
“و هو كدا هيفرح يعني ؟! بالطريقة دي عز هيشوف فرح ؟!”
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
“آه هيشوف فرح عارفة ليه يا عزة ؟! ابنك حبها بجد، و قلبه رايدها و اللي قلبه حب مش بيشوف غير حبيبه، وبعدين البتملهاش حد، أهلها كسروا بخاطرها، شوفي بنتك لما بنشد شوية مع بعض بتبقى عاملة إزاي، ما بالك دي بيت أهلها اتخرب كله ؟! و حياتها مهددة ؟! حرام عليكِ بنتك كلها ايام و تسيبك و تمشي، و ربنا بيعوضك ببنت تانية تكسبي فيها ثواب و تعوضيها عن أمها اللي سابتها، اتقي الله شوية”
شعرت هي بالتخبط فور حديث زوجها، و لازالت بين نارين كما يقال، فهي تخشى على فلذة كبدها الوحيد و في نفس الوقت تتمنى فرحته.
قبل أن تنطق و تتخذ قرارها دلف “عـز” الشقة و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
“السلام عليكم يا أهل الدار”
انتبهوا له جميعم و وقفوا على أهبة الاستعداد لمواجهة القادم، و لم يكن سوى “جومانا” التي نكست رأسها للأسفل، حتى ركضت نحوها “بسمة” تحتضنها بلهفةٍ و هي تقول:
“جومانا، عاملة إيه يا حبيبتي، طمنيني عليكِ، مال وشك وارم كدا ؟! أوعي يكون عـز ضـر…..”
توقفت عن الحديث حينما حدجها شقيقها محذرًا لها من التكملة، ثم قال مغيرًا للحديث:
“خديها تريح في أوضتك يلا علشان هي من الصبح صاحية و تعبانة و عندها امتحان بعد بكرة، يلا”
تحركت شقيقته نحوها تحتضنها بذراعيها و الأخرى تسير بجوارها بإذعانٍ و خضوع، بينما دلف هو و “سالم” خلفه يغلق الباب حتى سألته والدته بتعجبٍ:
“إيه دا إن شاء الله ؟!”
رد عليها ببرودٍ:
“دا اللي المفروض يحصل، جومانا هتفضل هنا مع بسمة و أنا هروح عند خالتي و ابات مع سالم، هو أخويا مش غريب، إيه الغريب في الموضوع ؟!”
تدخل “جلال” يقول مستحسنًا قوله و فعله:
“عين العقل يا بني، ربنا يكرمك و ييسر اموركم إن شاء الله”
التفتت زوجته له تطالعه بدهشةٍ من حديثه فقال هو بثباتٍ يحذرها:
“عظيم بيمين يا عزة لو عملتي للبت حاجة و زعلتيها لأكون طاردك على بيت أبوكِ، علشان قساوة القلب اللي بقت فيكِ دي، فاهمة ؟! و لا أقولك ؟! ابن أختك اهو ياخدك و هو مروح”
اتسعت عينيها بهلعٍ و ذعرٍ فقال “سالم” يمازحهم:
“هاتها تونس الأرملة اللي عندي، طب أختك عاملة شوية ملوخية و بتنجان مخلل، اقسم بالله لو بنتك معملتش زيهم هرجعهالك تاني”
رد عليه “عـز” بنبرةٍ ضاحكة:
“لأ اتطمن بسمة شاطرة و نفسها حلو في الاكل كمان، قول لامك تسخن الاكل لحد ما اجيب حاجتي من جوة و نروح”
دلف للداخل بعد حديثه، بينما والدته ارتمت على الأريكة بقلة حيلة تطالع الوضع حولها بازدراءٍ، بينما هو دلف الغرفة الخاصة بشقيقته بعدما طرق الباب، ثم طل عليهما برأسه حتى فتحت له شقيقته ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
“هروح أجيب مياه تشرب و أجيلكم تاني، سيب الباب مفتوح ياض بلاش قلة أدب”
قالت حديثها بمزاحٍ ثم تحركت من الغرفة بعدما فتحت الباب على مصراعيه، بينما اقترب هو بخطى ثابتة نحوها ثم وقف أمامها يقول بصوتٍ هاديء:
“الوضع دا مش هيفضل كدا كتير إن شاء الله، خلصي امتحاناتك على خير و أنا هكون ظبط شوية حاجات و نكتب الكتاب، حوار إنك تبعدي عني دا انسيه خالص”
رفعت رأسها تطالعه بعينين دامعتين، فوجدته يمد يده في جيب بنطاله ثم أمسك يدها يضع بها الخاتم الخاص بخطبتهما ثم تنفس بعمقٍ و قال بصوتٍ رخيم:
“الخاتم دا مكانه هنا مؤقتًا….لحد ما يكون في الشمال، غير كدا مش عاوز أشوفه في مكان تاني يا جومانا، و خليكِ فاكرة أني صبري ليه حدود”
مسحت دموعها بكفيها ثم سألته بنبرةٍ مختنقة:
“عز هو أنتَ لسه بجد عاوزني حتى بعد ما سيبتك ؟! مش بتعمل كدا علشان…علشان ….”
تركت حديثها فارغًا خوفًا من التكملة، بينما هو زفر بعمقٍ ثم قال:
“أنتِ لما سبتيني حكمتي عقلك على قلبك، بس أنا معرفتش أعمل كدا، علشان كدا أنا عاوزك و متمسك بيكِ لأخر نفس فيا، سؤالي بقى ليكِ أنتِ اللي عاوزاني؟”
رفعت رأسها نحوه و حينما التقتطت نظراته لها ابتسمت رغمًا عنها و هي تقول:
“عاوزاك يا عـز، والله عاوزاك”
جلس على ركبتيه أمامها و هو يسألها بنبرةٍ هادئة:
“طب ممكن أعرف كلمتيني ليه ؟! طالما أنتِ سايباني؟”
ردت عليه بتوترٍ و خجلٍ:
“علشان….علشان لما خوفت مفتكرتش غير إنك اكتر واحد هتطمني….دايمًا كنت بشوف فيك إنك مستعد تعمل علشاني أي حاجة، عقلي وقف عن التفكير إلا فيك أنتَ”
شعر هو بالانتصار على معضلته بعد حديثها و طريقتها التي توحي بأنها أصبحت تقدر وجوده معها و أن مكانته وضعت في نصابها الصحيح، و رغمًا عنه ابتسم ثم نطق بعبثٍ يشاكسها:
“يا وعدي….يا وعدي”
ابتسمت هي له رغمًا عنها كعادتها فيما زفر هو بقوةٍ و قبل أن ينطق دلفت والدته و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
“الوضع دا غلط و مينفعش، كدا كتير و أنا لا يمكن أقبل بيه، مفهوم ؟!”
رواية هدية القدر الفصل الرابع 4 - بقلم شمس محمد
ابتسمت “جومانا” له رغمًا عنها كعادتها بعد كلمته العابثة.
فيما زفر هو بقوةٍ. وقبل أن ينطق، دلفت والدته و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
“الوضع دا غلط و مينفعش، كدا كتير و أنا لا يمكن أقبل بيه، مفهوم؟!”
اعتدل هو واقفًا ثم التفت يسأل والدته بتعجبٍ من حديثها:
“ليه يا ماما؟ خير إن شاء الله؟ بتكلم مع خطيبتي كلمتين.”
ردت عليه بثباتٍ:
“أديك قولت يا روح أمك، خطيبتك من هنا لحد ما تكتب كتابك عليها، مشوفش وشك هنا و لا تقرب من البيت.”
لاح على وجهه ابتسامة طفيفة نطقت بها عيناه. بينما والدته اقتربت منه تسحبه نحو الخارج و هي تقول:
“يلا على بيت خالتك و مشوفش خِلقتك دي هنا.”
حاول جاهدًا كتم ضحكته حتى وجد نفسه خارج الغرفة. بينما والدته أغلقت الباب في وجهه. ثم التفتت تقترب من “جومانا” التي ازدردت لُعابها بتوترٍ. حتى تفاجئت بها تسحب المقعد الخشبي ثم جلست مقابله لها.
فركت “جومانا” كفيها معًا. بينما الأخرى مدت كفها تضعه على يدها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
“أهدي…. أهدي يا حبيبتي، متخافيش أنا مش جاية ازعلك و لا جاية اضايقك، أنا جاية اتكلم معاكِ شوية.”
رفعت “جومانا” رأسها تطالعها. وكعادتها ظهرت العبرات في مقلتيها. بينما “عزة” قالت بقلة حيلة:
“منكرش يعني أني ماكنتش قابلة موضوعك أنتِ و عز، و كنت شايفة إنك متستاهليهوش و أنا بقول كدا من صراحتي، مخبيش عليكِ موضوع أهلك دا أثر أوي فيا و بقيت مستغربة ازاي عملوا كدا، دا الواحدة فينا بتبقى شايلة الهم و كارهة عيشتها و اللي مخليها تتحمل هو عيالها، تقول معلش يا بت، تعالي على نفسك، بس برضه مش كل الناس زي بعضها، فيه ناس مش بتعرف تتحمل، يمكن أهلك وضعهم كان صعب بينهم و بين بعض لدرجة خليتهم مش عارفين يكملوا حتى السكن مع بعض.”
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي. فلاحظت “عزة” وجنتها المتورمة. حينها رفعت كفها تُربت على وجنتها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ و قد داهمتها العبرات:
“هو اللي عمل فيكِ كدا؟!”
حركت رأسها موافقةً ثم اجهشت في البكاء تشعر بالشفقة على حالها. حتى تفاجئت بـ “عزة” تحتضنها و تربت على ظهرها و هي تقول بغضبٍ:
“ضربة في إيده البعيد، ياكش يتشل فيها و تقف خالص، منه لله.”
شعرت بالخجل من تلقائية حديثها، لذا قالت بحرجٍ:
“يوه!! معلش يا بنتي بس أصل أهلك دول عالم زبالة مبينزلوش ليا من زور.”
ضحكت “جومانا” رغمًا عنها من بين بكائها. فضحكت الأخرى و هي تربت على ظهرها ثم قالت بقلة حيلة:
“يوه!! يقطعني شكلي كدا بعكها أكتر، متزعليش بقى و خلاص اعتبري نفسك في بيتك و أنا أمك، بس لو أهلك ظهروا و قلبوكي عليا، هربيكم كلكم.”
قالت حديثها بتوعدٍ جعل “جومانا” تتمسك بها أكثر. وعلى الرغم من حديثها الغريب، إلا أنها شعرت في عناقها أنها امرأة حنونة على عكس طباعها الحادة. فها هي تقوم بما عجزت والدتها عن فعله.
استكانت “جومانا” بين ذراعيها. فقالت “عزة” بشفقةٍ:
“لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟! دا أنتِ حالك يصعب على الكافر يا بنتي، منهم لله.”
فردت جسدها على الفراش و دثرتها بالغطاء. ومن بعدها خرجت لهم بعدما أغلقت الأضواء عليها. خرجت بتوترٍ فوجدت زوجها يسألها بنبرةٍ ضاحكة:
“خير يا ست القاسية؟! قلبك رق يعني؟”
ردت عليه بقلة حيلة:
“يوه بقى؟! البت صعبت عليا و منهم لله جايين عليها، هبقى أنا و هما يعني؟”
اقترب منها “عز” يقول بلهفةٍ:
“والله العظيم هي غلبانة اوي و ملهاش في أي حاجة، أنا بس عاوزها تفضل هنا معانا لحد ما أجهز نفسي و أكتب الكتاب علشان تكون براحتها هنا، بالله عليكِ يا ماما مش عاوزها تزعل، أنا ما صدقت تبدأ تلين معايا شوية.”
حركت رأسها ثم قالت:
“متقلقش بقى خلاص، روح بس أنتَ علشان شغلك بكرة و علشان تنام، يلا و هي هنا معايا أنا و أختك.”
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من والدته يحتضنها و هو يقول بنبرةٍ ممتنة:
“ربنا يباركلي فيكِ و في عمرك يا رب، ربنا يكرم قلبك يا زوزو.”
ربتت على ظهره و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
“و يفرحك يا رب يا حبيبي، و ينتقم من كل ظالم يا رب.”
بعد مرور دقائق أخذ “عز” كل ما يخصه و يخص عمله من غرفته. بينما “سالم” كان جالسًا برفقة “بسمة” و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
“شوية المرمطة دول نسوني أقولك إنك وحشتيني على فكرة.”
ردت عليه هي بخجلٍ:
“و أنتَ على فكرة يعني، هانت خلاص كلها أيام يعني، و هتزهق مني.”
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
“أنا عمري ما هزهق منك، كنت زهقت ياختي و أنا بلف حواليكِ السبع لفات علشان توافقي عليا.”
أسبلت عيناها له بدلالٍ مصطنع جعله يحاول كتم ضحكته و هو يسألها:
“يا بت مالك هبلة النهاردة كدا ليه؟! ضربت منك؟!”
حركت رأسها موافقةً ثم أمسكت يده بحماسٍ و هي تقول:
“فرحانة علشان خاطر عز أوي يا سالم، شوفت وشه نور إزاي لما جومانا حت هنا؟”
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة واثقة:
“ربنا يهون عليهم كل صعب و يجمعهم سوا إن شاء الله، الاتنين يستاهلوا كل خير.”
بعد مرور دقائق اقترب منه “عز” يمسك اشياءه ثم قال بنبرةٍ هادئة لشقيقته:
“مش هوصيكِ يا بسمة عليها، خلي بالك منها و حطيها في عينك، و أنا بكرة هطلع من الشغل على هنا.”
حركت رأسها موافقةً ثم طمأنته بقولها:
“متقلقش عليها في عيني يا عز، ريح قلبك أنتَ و متخافش.”
تحرك من مكانه و قد عاونه “سالم” في حمل ملابسه و حاسوبه. بينما هو ثبت نظره على الغرفة ثم تنهد بعمقٍ بعدما منىٰ نفسه بلقاء قريب… دائم للأبد.
رحل “عز” من المكان بعدما اطمئن عليها و أوصى أسرته. وحينما لمح اللين في وجوههم اطمئن عليها ثم تحرك من رفيقه.
بينما في البيت دلفت لها “بسمة”. وحينما وجدتها تنام قريرة العين اقتربت منها تخلع حجابها ثم ربتت على رأسها و هي تقول بتأثرٍ و حنانٍ:
“طول عمري كان نفسي يكون عندي أخت بنوتة، و كنت بقعد اتخيل لو احنا سوا في الأوضة دي أكيد هتكون حلوة أوي، جيتي أنتِ بس و أنا ماشية خلاص، بس أنا بقى قررت أعيش معاكِ كل دا قبل ما أمشي، كفاية إن عز بيحبك بجد، و كفاية إنك أنتِ اللي قلبه دق ليها.”
ربتت على خصلاتها ثم نزلت بجسدها بجوارها تنام هي الأخرى بعدما عانقتها و تنفست بعمقٍ.
في الخارج كان “جلال” جالسًا بجوار زوجته. فسألها هو حينما لاحظ شرودها:
“مالك يا عزة سرحانة في إيه؟! خير إن شاء الله، أوعي تكوني بترجعي في كلامك؟!”
سألها بنبرةٍ محذرة. بينما هي انتبهت له ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكن الحزن غلفها:
“سرحانة في البت جومانا و حالها يا حبة عيني، البت وشها وارم قطع قلبي، منه لله اللي عنده نعمة زي دي و يرفضها، عارف يا جلال لما حضنتها كدا و لقيتها بتعيط أنا قلبي وجعني، يارب عز يقدر يعوضها.”
جلس بجوارها و هو يقول بنبرةٍ هادئة و ثقةٍ:
“عز راجل يا عزة، ابني و أنا عارفه كويس، رضي إنه يبات برة و يقلب حياته كام يوم علشان خاطر يضمن أنها تكون بخير، خليكِ بس أنتِ مشجعاه و عاملي البت كويس و ربنا يكرمهم إن شاء الله.”
حركت رأسها موافقةً. فسألها هو باهتمام جام في نبرته:
“بس إيه اللي غيرك كدا مرة واحدة يا عزة؟! خير يعني؟”
ردت عليه بقلة حيلة:
“شكلها لما جت هنا و هي حاسة إنها مكسورة يعيني و مش قادرة ترفع عينها، و لا لما مسكت في بسمة و كانها اخر امل ليها، و لما أنتَ فكرتني ببسمة لما نتخانق سوا بتكون عاملة ازاي، معرفش بقى…..يمكن ربنا حنن قلبي عليها علشان مبقاش أنا و الزمن عليها، كفاية اللي هي شافته.”
ابتسم هو بسمة المنتصر في الحرب الكلامية. ثم قال:
“شوفتي بقى إن طيبتك دي محدش عارفها غيري، بتفضلي تعملي نفسك جامدة و قلبك ناشف و أنتِ جواكِ الحنية.”
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت منه تضع رأسها على كتفه و هي تقول بشرودٍ:
“شوفت نفسي فيها أوي، لما كان أبويا بيزعق مع امي و هي لما تزعق الحوار يكبر كنت بزعل أوي يا جلال، معرفش ايه اللي خلاني افتكر كل دا علشان كدا قلبي رق ليها.”
ربت “جلال” على رأسها ثم قال بعدما تنهد بقلة حيلة:
“ربنا يريح قلب كل مهموم و حزين يا رب يا عزة.”
في شقة “سالم” دلفها مع رفيقه و ابن خالته. حتى اقتربت منهما “عَليا” و هي تقول بحماسٍ:
“عز العز حبيب خالتو هنا؟! يادي النور يادي النور.”
اقترب منها يحتضنها و هي ترحب به. و كذلك اقترب منها ابنها فوكزته هي في كتفه و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
“أوعى يا واد أنتَ فضلت في حضني كتير، سيبني احضنه هو شوية بقى، امشي كدا.”
ابتسم لها “عـز”. بينما هي قالت بمرحٍ:
“عاملة شوية ملوخية و بتنجان و فراخ محمرة هتاكلوا صوابعكم وراها.”
تدخل “سالم” يقول بمرحٍ:
“لأ أنا هاكل صوابع بسمة، ملكوش دعوة بيا.”
حدجه “عـز” بشررٍ و هو يقول:
“نفسي تحترم نفسك و تفتكر انها أختي.”
قلد الأخر طريقته بسخريةٍ و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
“و أنا نفسي تحس على دمك و تفتكر أنها مراتي.”
قبل أن يبدأ العِراك الخاص بهما كعادتهما _ المرحة دومًا _ حالت بينهما “عَليَّا وهي تضحك عليهما حتى انفكا عن بعضهما.
بعد مرور بعض الوقت التفوا حول مائدة الطعام سويًا. فسألته خالته بنبرةٍ حنونة:
“ها يا عز اخبارك إيه مع خطيبتك يا حبيبي؟!”
رد عليها بقلة حيلة:
“بحاول أكون كويس علشانها هي مش أكتر، ادعيلنا يا خالتو.”
ربتت على كفه و هي تحرك رأسها بخفةٍ. ثم دار بينهم الحديث عن شتى المواضيع يحاولون تغيير حالته. بينما بقى هو بجوارهم جسدٌ بلا روح، و كافة حواسه لازالت هناك بجوارها.
في اليوم التالي كانت “جومانا” تجلس في غرفة “بسمة”. حتى دلفت لها “عـزة” و هي تقول بضجرٍ:
“لأ يا عسل أنتِ هتناميلي؟! قومي يا بت كدا اتبعتري معايا و اعملي معانا الفطار، اعتبريه بيتك كدا، يلا قومي.”
طالعتها بتعجبٍ. فتفاجئت بها تسحبها من مرفقها نحو الخارج حتى دلفت بها للمطبخ و هي تقول بحماسٍ:
“البت بسمة بتعمل الفول اهوه، شوفي هتساعديها إزاي و أنا برة مستنياكم، سخنوا العيش كويس.”
رحلت بعد حديثها بعدما رمقتهم بتحذير. بينما “بسمة” قالت بنبرةٍ خافتة:
“على فكرة هي كدا بتحبك، لو هي مش حباكِ مستحيل تتعامل معاكِ أصلًا، ماما طيبة أوي بس بتحب تعمل نفسها جامدة.”
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم لها بتفهمٍ و تقدير. بينما “بسمة” صدح هاتفها في تلك اللحظة برقم شقيقها. فأخرجته من جيب سترتها و هي تُجيب على الهاتف. وما أن ذكرت اسمه حتى تعالت دقات الأخرى و ظهر الخجل عليها. بينما الأخرى قالت بهدوءٍ:
“كويسة والله متقلقش أنتَ هي معايا هنا، و بنحضر الفطار و هخليها تذاكر علشان امتحان بكرة كمان و أنا اللي هذاكرلها، متخافش.”
حدثها هو على الجهة الأخرى حتى مدت يدها بالهاتف لها. ففهمت الأخرى أنه يريد مهاتفتها. لذا أخذت الهاتف بكفين مرتعشين، و هي تقول بنبرةٍ خافتة:
“ألو…. ازيك؟!”
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
“كويس يا جومانا الحمد لله، أنتِ إيه أخبارك؟! عرفتي تنامي كويس؟!”
ردت عليه بخجلٍ:
“آه الحمد لله، معلش لغبطلك حياتك و خليتك تسيب أوضتك أنا أسفة والله بس مكانش قصدي كل دا.”
رد عليها بمرحٍ يرفع عنها حرجها:
“يا ستي دا خير و بركة، نمت في اوضة الواد سالم و دي أوضة رايقة أوي، شكلي كدا هعيش هنا علطول.”
ابتسمت هي بامتنانٍ ظهر في نبرتها أثناء قولها:
“شكرًا يا عز، شكرًا بجد على كل حاجة عملتها علشاني.”
تحدث هو بنفس الهدوء:
“مش عاوز منك شكر، عاوزك بس تذاكري علشان امتحان بكرة و أنا هاجي من الشغل اتطمن عليكم و أرجع تاني، تمام؟!”
“تمام” ردت عليه بقلة حيلة ثم اغلقت معه الهاتف تشعر بأنها أصبحت في خفة الفراشات ينقصها فقط جناحين لتحلق بهما.
في وسط اليوم و في مكانٍ أخر كان “حسام” شقيق “جومانا” جالسًا مع خطيبته في شقة والدها و هو يقص عليها ما حدث مع شقيقته. و استمر في سرد الحديث حتى انتفضت و هي تقول:
“يعني إيه؟! يعني أنتَ سايب أختك مع والدك لوحدها والله أعلم هي فين دلوقتي؟!”
رد عليها بحيرةٍ:
“معرفش يا هاجر، بس اللي أعرفه أنه جابلها عريس تاني بعدما سابت عز.”
صرخت في وجهه بحدة:
“و يا فرحتي بيك و أنتَ بتقول كدا!! اختك لحمك و دمك الغريب هو اللي هيأويها؟! افرض مشيت من عند والدك و لا رفضت العريس؟! ازاي و أنتَ بتقول باباك هيتجوز و عاوز الشقة تبقى فاضية؟!”
رد عليها بقلة حيلة:
“معرفش يا هاجر بقى أنا من ساعة ما سابوا بعض و أنا قاطع معاهم كلهم، مش عاوز حاجة تفكرني بيهم، و انشغلت مع العمال في الشقة.”
صرخت مرةً أخرى و هي تقول:
“دي أختك يا حسام,!! أختك من لحمك و دمك، يعني تبيع نفسك علشانها، أنا مستحيل آمن على نفسي معاك، واحد زيك مش هامه أخته، هيهمه خطيبته؟!”
وقف أمامها يقول بحمودٍ:
“و أنا هعمل إيه يعني؟! قبل ما امشي قولتلها تعالي معايا قالتلي بابا هيعمل إيه لوحده؟! غبية و فاكرة أنها تهمهم و متعرفش أنهم مش فارق معاهم أي حاجة.”
ردت عليه بثباتٍ:
“شوف يا حسام!! أنا ماليش دعوة بكل دا، أنتَ تروح تطمن على أختك و تساعدها و تيجي بعدها تتكلم معايا، غير كدا دبلتك هتوصلك و كل واحد فينا من طريق، و لو على جومانا هاتها تقعد معايا أنا و بابا كدا كدا أمي الله يرحمها و أخواتي في بيوتهم، لكن كدا يا ابن الناس أنا مش هأمن على نفسي معاك.”
تنفس هو بحدة ثم سحب مفاتيحه و هاتفه ورحل من أمامها. بينما هي جلست على الأريكة حتى وجدت والدها يجلس بجوارها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
“جدعة يا هاجر، ربنا يحميكِ و يبارك فيكِ يا رب، حسام لازم يقف جنب أخته و ينسى أنها منهم، ملهاش غيره دلوقتي.”
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بقلة حيلة:
“المصيبة أني بحبه يا بابا، بحاول على قد ما أقدر اساعده يتخطى حياته القديمة، و في نفس الوقت عاوزاه على الأقل يصلح علاقته بيهم.”
في شقة “أنور” تم عقد قرانه على زوجته الجديدة فور رحيل ابنته من البيت. ورحل المأذون و معه الشهود بالتزامن مع تواجد “حسام” بالبيت. وحينما طالع الأوضاع حوله قال ببلاهةٍ:
“هو إيه اللي بيحصل هنا؟! و فين جومانا و مين الست دي؟!”
رد والده ببرودٍ:
“دي مراتي يا أستاذ حسام و النهاردة كان كتب كتابي، خير إن شاء الله؟!”
صرخ في وجهه منفعلًا:
“مــراتك!! اتجوزت أنتَ كمان؟! طب و جومانا فين!! راحت فين انطق؟!”
رد عليه بثباتٍ:
“جومانا راحت مع عـز، جه خدها و مشي، بعدما طرد محمد من هنا.”
“راحت مع عز؟! سايب بنتك تمشي مع خطيبها و هي مش على ذمته؟! بس الغلط مش عليك، الغلط عليا أنا أني سيبتها هنا، كان المفروض أخدها غصب عن الكل، و غلطي أني مسألتش فيها.”
كان يتحدث بصراخٍ في وجه أبيه صاحب الملامح الجامدة التي لم تلين مُطلقًا. بينما الأخر ركض من أمامه و رحل من البيت. حتى قالت زوجة”أنور” له بحنقٍ:
“العيال عيالك دول غم يا أخويا، كل شوية نكد كدا؟! طب دا أنا عروسة و ملحقتش اتهنى.”
لاح الخبث على نظراته ثم اقترب منها و هو يبتسم بلامبالاةٍ و كأنه لا يهمه في تلك الحياة سوى تلبية متطلباته و كأنه أشبه بالحيوانات في التعامل مع غرائزها دون التعقل في ذلك. تاركًا خلفه أشخاصًا يعانون من قسوته المفرطة.
في شقة “جلال” كانوا مجتمعين بدون “عـز” الذي شارف ميعاده على القدوم. و “بسمة” و “جومانا” كلتاهما تقوم باستذكار دروسها. حتى قالت “عزة” بضجرٍ لابنتها:
“منه لله السواق الأعمى اللي خبطك اليوم دا و خلاكِ تأجلي المادة، مش كان زمانك مخلصة؟!”
ردت عليها بقلة حيلة:
“هعمل إيه يعني يا ماما؟! اديني همتحنها اهوه علشان أخد شهادة التخرج و اخلص، دا نصيب و الحمد لله أنهم اجلوهالي اصلًا كان زماني بعيد السنة كلها على مادة، خليني أخلص و اتجوز بقى.”
ابتسمت “جومانا” لها. فقالت “عزة” بضجرٍ:
“و أنتِ يا فاشلة أنتِ كمان!! شدي حيلك علشان تخلصي كدا و تدلعي الواد عز، أصل الواد طول عمره كتوم أوي.”
ضحكت “بسمة” بصوتٍ عالٍ. بينما “جومانا” رمشت ببلاهةٍ. و في تلك اللحظة وصلهم طرقات جامدة على باب الشقة. حتى خرج “جلال” ما الداخل و هو يقول بلهفةٍ:
“خليكم انتم أنا هفتح و اشوف مين بيخبط كدا.”
اقترب من الباب يفتحه. فتفاجأ بـ “حسام” أمامه يقول بسرعةٍ:
“فين جومانا يا أستاذ جلال؟! اختي فين؟!”
رد عليه الرجل بتشوشٍ من حالته:
“جومانا جوة يابني، خير كفا الله الشر!!”
ركضت “جومانا” نحوه تطالعه بدهشةٍ. فاقترب منها يقول بنبرةٍ جامدة:
“يلا يا جومانا تعالي معايا قعدتك هنا غلط، يلا.”
سحبت كفها من يده و هي تقول بتهكمٍ:
“يا راجل؟! جاي دلوقتي تقولي غلط؟! طب ما أنا كلمتك و اتحايلت عليك، و حضرتك قولتلي إنك انشغلت في شقتك، روح يا حسام شوف حياتك و حل عني.”
اقترب منها مرةً أخرى يمسك مرفقها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
“ازاي عاوزة تقعدي هنا و فيه راجل غريب؟! لو أبوكِ وافق على كدا و الهانم الجديدة لحست مخه أنا مش هوافق.”
اقتربت “عـزة” منهما تسحبها منه. ثم وقف أمامه تحمي تلك التي ترتجف من الخوف و هي تقول بجمودٍ و حدةٍ:
“اسمع يا استاذ أنتَ!! اختك معانا هنا بصفتها هتبقى مرات ابني، و ابني نفسه مش هنا و مشي علشان تكون على راحتها، روح شوف حياتك بقى و نفسك و متقرفناش.”
حاول التقدم مرةً أخرى و هو يقول بثباتٍ:
“أنا هاخد اختي من هنا و مش هتحرك من غيرها.”
“هتاخد مراتي و تروح فين يا حسام؟! خلاص دلوقتي افتكرت انها بقت أختك؟!”
تفوه “عـز” بذلك الحديث بثباتٍ و هو يقف على أعتاب الشقة. مما جعل الانظار جميعها تلتفت نحوه. فاقترب هو من “حسام” ينزع كفه القابض على رسغها و هو يقول:
“جومانا هنا في بيت أهلها، و أنا خطيبها و كلها ٣ أيام و أبقى جوزها و تعيش معايا هنا، عندك اعتراض؟!”
نظروا له بدهشةٍ. حتى هي نفسها. فقال هو بنفس الثبات:
“حضر نفسك يوم الجمعة علشان كتب كتابي على أختك، غير كدا مشوفش وشك ولا وش حد فيكم، و إذا كان على المكان اتطمن أنا مش قاعد هنا أصلًا غير لما تكون مراتي بشرع ربنا.”
اقترب “جلال” يقف بجوار ابنه و هو يقول مؤيدًا له:
“صح كدا يا بني، بص يا حسام أختك عندها امتحانات و كفاية ضغط عليها لحد كدا، هي هنا في بيتها زي بنتي تمام، و عز مشي و طردناه، اتفضل حضرتك و تعالى يوم الجمعة علشان كتب الكتاب.”
نظر “حسام” في وجه شقيقته فوجدها تطالعه بمعاتبةٍ و كأنها تخبره أنه من تسبب في ذلك. بينما هو رحل من أمام الجميع بعدما شملهم بنظرةٍ ثاقبة.
بعد مرور دقائق من هدوء الأوضاع قليلًا سألته “عزة” بتعجبٍ:
“أنتَ فعلًا هتكتب الكتاب يابني يوم الجمعة؟!”
رد عليها بثباتٍ:
“آه يا ماما، علشان محدش يتكلم خالص، و علشان اعرف أكون جنبها براحتي، هفضل في اوضتي و هي مع بسمة في أوضتها و كدا كدا بسمة قربت تتجوز، و فترة بسيطة إن شاء الله أكون استلمت الشقة.”
تحدث “جلال” بهدوء:
“كدا أحسن ليك و ليها قبلك، و لازم يتعملها فرح كبير كمان بس شقتك تيجي و نبدأ نجهزها و نوضبها.”
حرك رأسه موافقًا ثم وجه بصره نحوها فوجدها تجلس لا حول لها ولا قوة، تاركة الأمواج تُلقيها على حواف الصخور ثم تُعيدها من جديد على الشاطيء. وقبل أن تأخذ نفسها تتفاجيء بجسدها يرتطم بالصخور من جديد.
بعد مرور عدة أيام قليلة أتى اليوم المحدد لعقد القران الخاص بهما. لم تبخل عائلة “عـز” على الفتاة بأي شيء. تم تجهيزها كما لو أنها ابنتهم و تمت عزيمة الأقارب و الجيران دون أن تنقص فرحتها بشيء.
كانت ترتدي فستانًا باللون البيج و كذلك الحجاب. و قد قامت “بسمة” بجلب صديقتها حتى تتولى أمر تزيينها. فبدت “جومانا” في غاية الرقة كأي عروس في ذلك اليوم. على الرغم من عدم تواجد والدتها بجوارها و تركها لها و على الرغم من الظروف التي مرت بها، إلا أن تلك العائلة التي جمعها بهم القدر كانت أحن على قلبها من ذويها.
ارتدت حذاء ذو الكعب العالي بنفس لون الفستان. و التفتت للفتيات في الخلف اصدقاء “بسمة” و والدته و هي تطالعهن بخجلٍ. حتى تعالت الزغاريد و التصفيات الحارة. فيما ركضت “بسمة” نحوها تحتضنها و هي تبارك لها. بينما الأخرى تشبثت بها كأنها طوق نجاتها.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا وصل “عز” و “سالم” و والدته و معهم المأذون. و خلفهم “حسام” و خطيبته “هاجر”. على الرغم من حدة الأجواء المشحونة بطاقاتٍ سلبية و توتر، إلا أن عواطف “جومانا” تغلبت عليها و جعلتها تركض نحو أخيها تتعلق به. و كذلك هو احتضنها و همس لها بندمٍ:
“أنا أسف والله، حقك عليا حاولت أجيبهم بس معرفتش، الاتنين مش في دماغهم أصلًا.”
ابتعدت عنه تقول بصوتٍ مختنقٍ:
“كفاية أنتَ موجود هنا.”
اقترب منهما “عـز” يراها بفستانها الرقيق و ملامحها الهادئة. بينما هي رفعت رأسها نحوه تطالعه بعينين دامعتين و هو يرتدي حِلةً باللون الأسود و كذلك القميص أيضًا. و قد ظهرت وسامته الهادئة و ملامحه الرجولية التي تتسم باللين، مع تلك الابتسامة المشرقة و لحيته السوداء المنمقة. لأول مرة تتعمق في ملامحه بتلك الطريقة و هي تراه يبتسم لها. ثم قال بنبرةٍ هادئة:
“يلا علشان نكتب الكتاب.”
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
أنهى المأذون عقد القران بتلك الجملة بعدما وضع “عـز” كفه في كف “حسام” و ينطقان بما يخبرهما به المأذون. و ما إن أُنهىٰ عقد القران حتى تعالت الأصوات المبهجة في المكان و الزغاريد. بينما اقترب “عـز” منهما يقبل قمة رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
“ربنا يجعلني خير الزوج الصالح ليكِ دنيا و أخرة، و يجعلك خير الزوجة في عيني و الأغلى في قلبي.”
ابتسمت هي له بخجلٍ ثم اخفضت رأسها تهرب من نظرات الجميع الموجهة نحوهما. بينما قال هو بنبرةٍ هامسة حينما مال على أذنها:
“يا وعدي….يا وعدي.”
بعد مرور ساعة تقريبًا أتى “أنور” بجمودٍ وسط الحشد الجالس يبارك للعروسين. بينما، هي بمجرد التقاطها لطيفه ظهر الرعب عليها. و دون أن تعي مدت كفها تمسك كف “عـز” الذي تفاجأ بفعلتها. وقبل أن يندهش أكثر قد ظهر أمامه طيف “أنور” و هو يقترب منهما يقول بجمودٍ:
“مبروك.”
طالعته هي باشمئزازٍ. بينما “عـز” رد عليه ببرودٍ:
“الله يبارك فيك، مش عارف بصراحة ازاي وعلى إيه، ربنا يهديك.”
اقترب “حسام” منه يقول بهمسٍ حانقٍ:
“أنتَ جيت ليه؟! جاي تعمل هنا إيه؟!”
رد عليه”أنور” بثباتٍ:
“جاي كتب كتاب بنتي، عاوز الناس تاكل وشي يعني؟!”
حينما لاحظ “جلال” الهمهمات و الهمس المنتشر بظهور والد العروس وقف يقول في محاولةٍ منه تلطيف الأجواء:
“أهو دا بقى الحظ النحس، والد العروسة كان مسافر في شغل و مكانش هيعرف يحضر كتب الكتاب بس هو رجع و عملها مفاجأة لينا.”
قال حديثه حتى ينهي على ظنونهم و شكوكهم. بينما طالعه “عـز” بامتنانٍ و تقديرٍ للموقف. و بعد مرور دقائق قليلة رحل الجميع عدا والدها و شقيقها. فوقف “عـز” يقول بجمودٍ:
“ألف شكر ليكم لحد كدا، ربنا يكرمك يا حسام بس مراتي كدا معايا و أنتَ مش مطلوب منك حاجة تاني، أختك وقت ما تحب تشوفها البيت مفتوح ليك.”
قال حديثه لأخيها. ثم وجه بصره نحو “أنور” و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
“أما أنتَ فمع السلامة لأن مالكش لازمة أصلًا و لولا الناس أنا كنت زماني خدت حقها منك، بس حظك إنها من اللحظة دي بقت مراتي.”
وقف “أنور” و هو يقول بلامبالاةٍ:
“أنا أصلًا جاي علشان الناس متتكلمش، مش فارق معايا وجع الدماغ دا، يلا سلام.”
تحرك من المكان و هي تنظر في أثره بغيظٍ مكتوم تود الصراخ و المعاتبة و الانفجار. لكن رحيله ألقى في نفسها الهدوء.
بعد مرور بعض الوقت كانت “جومانا” جالسةً في الغرفة بمفردها بعدما بدلت ثيابها لأخرى بيتية. و قامت بفرد خصلاتها البنية، لتتنافى هيئتها تلك مع هيئتها السابقة. طرق “عـز” باب الغرفة ثم دلف و هو يقول بمرحٍ:
“مراتي العسل عاملة إيه؟”
انتفضت على الفور من محلها و قبل أن تقوم بتغطية خصلاتها قال هو بنبرةٍ بلهفةٍ:
“اهدي اهدي…. أنا جوزك خلاص، يعني عادي متتكشفيش كدا.”
حركت رأسها موافقةً بخجلٍ. فيما اقترب هو منها يجلس على الفراش ثم اجلسها بجواره و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
“مش عاوزك تقلقي كدا و لا تخافي، جوازنا بالطريقة دي علشان تعيشي معايا هنا من غير ما حد يتكلم، و علشان كل حاجة تكون بشرع ربنا.”
حركت رأسها موافقةً. فقال هو بصوتٍ رخيم بعدما أمعن النظر في وجهها و خصلاتها:
“سبحان الله، دلوقتي بس عرفت ليه ربنا أمر الست بالحجاب و تغطية الجمال دا، علشان تكون مبهرة كدا في العيون اللي تستحقها، أنتِ جميلة أوي.”
جملته تلك جعلتها تزداد خجلًا منه و فركت كفيها ببعضهما. بينما هو رفع ذقنها ثم قال بنبرةٍ هادئة.
للمرة الثانية تشعر بارتفاع ضربات قلبها. لذا حاولت تجاهل حديثه. لكنها سألته ببلاهةٍ:
“و هو قلبك حبني امتى و حبني ليه أصلًا يا عز؟!”
حرك كتفيه بقلة حيلة ثم أضاف يمازحها:
“أسأليه هو متسألنيش أنا، بس هو بقى بيسألك أنتِ حبتيه؟! و لا لسه؟!”
تنفست بعمقٍ ثم استجمعت شجاعتها و قالت بنبرةٍ خافتة و خجلٍ فطري:
“حبيته يا عز….حبيته أوي كمان، أو جايز أكون بحبه من زمان محدش عارف.”
رفع صوته يقول بمرحٍ:
“يا وعدي….يا وعدي.”
ضحكت هي بخجلٍ. فيما اقترب منها يقول بنبرةٍ هادئة:
“طب كملي جميلك بقى و تعالي في حضني، من ساعة ما كتبنا الكتاب و أنا نفسي احضنك يا ستي.”
اخفضت رأسها بخجلٍ. فيما قربها هو منه يضمها بين ذراعيه للمرةِ الأولىٰ تكون بذلك القرب منه. تلاشت العقبات و أُزيحت المصدات، ليجتمعان سويًا حتى لو يكن بصورةٍ ثابتة، لكن يكفيه أنها أصبحت له و معه و قلبها ينبض بجوار قلبه.
رواية هدية القدر الفصل الخامس 5 - بقلم شمس محمد
بعد مرور شهر تقريبًا و عدة أيام قليلة شارف حفل زفاف “بسمة” على القدوم بعد عدة أيام من مرور عيد الأضحىٰ.
كان العمل في تلك الفترة على قدمٍ و ساقٍ لأجل تلك المناسبة، و قد تناست “جومانا” أمر عائلتها بالكامل و كأنها ولدت وسط عائلة “عـز”.
لم تتغير أحوال عائلتها كثيرًا سوى أن والدتها لاقت المعاناة في بيت زوجها الجديد بسبب تعليماته الأمرة و بسبب معاملة فتياته الغليظة لها، بينما والدها اندمج مع زوجته الجديدة التي عملت على سحب أمواله و الطمع في عيشةً زاهدة بحقٍ لم يكن لها ذات يوم.
دلف “عـز” شقة والده و هو يلقي عليهم التحية ثم جلس على المقعد و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
“كل سنة وانتم طيبين، العيد بكرة خلاص و هناكل اللحمة، مش فاهم بقالنا ٣ أيام مقضيينها جبنة و بطاطس ليه؟!”
ردت عليه والدته بنبرةٍ ضاحكة:
“علشان العيد يا طفس، لما آكلك اللحمة دلوقتي، هتاكل إيه في العيد إن شاء الله؟”
حرك رأسه موافقًا ثم بحث عنها بنظره حتى خرجت من الداخل و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
“حمدًا لله على سلامتك يا عز، خلاص كدا خدت الإجازة؟!”
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
“الله يسلمك يا رب، آه الحمد لله خدت الإجازة نفطر بس و ننزل أنا و أنتِ”
حركت رأسها موافقةً و بعد مرور عدة دقائق اجتمعوا حول الطاولة يتناولون وجبة الإفطار في يوم “عرفات” و قبل أن يبدأوا قال “عز” بمرحٍ:
“ما شاء الله، كل سنة و أنتم طيبين و السنة الجاية إن شاء الله، تكونوا على جبل عرفات، ربنا يقدرني و ابعتكم هناك و أكون ببارك لبسمة في شقتها”
رفعت “عزة” كفيها و هي تقول بتضرعٍ:
“يا رب يا حبيبي، يسمع منك يا رب و يهنيك و يسعدك و يفرحني بيك”
قال “جلال” يمازحها بنبرةٍ ضاحكة:
“لأ أنا لو هروح، هروح لوحدي علشان العمرة تتقبل، أخدها معايا تعصبني و تخليني اغلط؟!”
شهقت هي بحدة فيما ضحك البقية عليهما حتى قال هو بحنانٍ:
“خلاص يا ستي بهزر معاكِ، ربنا يكرمنا سوا يا عزة و يكتبهالنا يا رب”
مال “عـز” على أذن “جومانا” يقول بنبرةٍ هامسة:
“عقبال ما نروح أنا و أنتِ”
لمعت عينيها بوميضٍ غريب و كأنها تتمنى ذلك بنظراتها دون أن تتحدث، حتى قال هو مؤكدًا:
“وعد مني احاول لحد ما نروح سوا إن شاء الله”
انهوا تناول الطعام ثم ارتدت “جومانا” ثيابها عبارة عن فستان باللون الأخضر الزمدي و فوقه حجاب باللون البيج و كذلك الحقيبة.
خرجت من الغرفة و هي تبتسم له بعدما وقف في انتظارها، ثم اقترب منها يمسك كفها ثم غمز لها و هو يقول بمشاكسىةٍ:
“يا وعدي”
قبل أن يفتح الباب و يخرج منه قال والده بمشاكسىةٍ:
“ولا !! أوعى تمسك أيدها ياض، احضنها بس”
ضحك “عـز” بملء صوته بينما هي اخفضت رأسها بخجلٍ ثم نزلا سويًا للأسفل حتى سألته بتعجبٍ:
“هو إحنا رايحين فين يا عز؟”
رد عليها هو مفسرًا:
“هنروح نجيب حاجات علشان العيد، و علشانك”
“علشاني !!” رد
رددتها خلفه بصوتٍ مستنكرٍ بينما هو شدد على مسكته ليدها و رحل بها نحو المحال التجارية الموجودة بالمنطقة لديهم، ابتاع القليل من المقرمشات و المقبلات و حينما سألته هي عن تلك الأشياء قال بنبرةٍ ضاحكة:
“دا علشان بس أنتِ هتسهري معانا، دا العيد عيدين بوجودك فيه والله”
بعد القليل من السير وقف أمام محل ملابس نسائية و هو يقول بثباتٍ:
“تعالي بقى نجيبلك فستان حلو تصلي فيه العبد بكرة و بيجامة حلوة جديدة، ما أنا قابض بقى !!”
قالها بمرحٍ جعلها تبتسم له و هي تسير خلفه منصاعة لأوامره حتى دلفت هي اولًا و هو وقف في الخارج حتى طلبته العاملة بالمكان، فدلف للداخل بخجلٍ سرعان ما تلاشى فور وقع بصره عليها، فقالت هي بلهفةٍ:
“أنا مش عارفة اختارته ليه بس خايفة يكون وحش، أنا واثقة في ذوقك أوي يا عز”
اقترب منها يقول بنبرة هادئة و يشاكسها:
“طبعًا ذوقي حلو، كفاية أني اختارتك أنتِ من بين كل البنات”
ابتسمت بخجلٍ بينما هو طالع الفستان الذي ارتده هي ثم قال بزهوٍ يثني على هيئتها:
“زي القمر طبعًا و واسع و محترم، أكيد حلو و عجبني”
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ و بعد قليل من الوقت استأنفت سيرها معه من جديد بفرحةٍ الطفل الصغير عشية العيد و للحق لأول مرة في حياتها تشعر بتلك السعادة حتى قالت له بنبرةٍ خافتة:
“عز….دا أول عيد أكون فيه فرحانة كدا، و أول عيد يجي و أنا حاسة أني من حقي أفرح فيه…. أول عيد أحس بفرحة العيال الصغيرة و هما مستنينه….عز أنا بحبك”
صدمته بتلك الجملة الأخيرة التي جعلته يتوقف عن السير فمنذ عقد قرانهما و لم تنطقها هي و لم تكررها ثانية، لذا طالعها بتعجبٍ فقالت هي بنبرةٍ شبه باكية:
“دلوقتي بس عرفت انك أحلى حاجة حصلتلي في عمري، و إنك الهدية اللي القدر باعتها ليا يا عز”
ابتسم هو لها ثم قال:
“ساعات الظروف بتجمعنا بناس إحنا منعرفهمش و مبيكونش لينا أي علاقة بيهم، بس سبحان الله بيكون لينا معاهم نصيب و دنيا تانية في الحياة”
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ فقال هو بثباتٍ:
“ربما كنتُ مجرد عابرًا في طُرق لم تُشبهني، فجمعني القدر بكِ لـ أغدو في أدق تفاصيلك غارقًا”
ابتسمت له ثم تنهدت بعمقٍ و ضغطت على كفه و هي تقول بحماسٍ:
“يلا علشان نسهر سوا، أنا متحمسة أوي نقضي العيد دا مع بعض و أكون وسطكم”
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
“بس كدا ؟! عقبال ما نسهر في شقتنا إن شاء الله”
بعد مرور يومين في قاعة الزفاف كانت “جومانا” تجلس بجوار “سالم” الذي قال بنبرةٍ ضاحكة:
“بس إيه يا بت الحلاوة دي ؟! الله يرحم أيام الضفيرتين”
وكزته في كتفه و هي تقول بضجرٍ زائفٍ:
“بس ياض هضربك زي زمان، شكلك نسيت يا أبو سُلم”
أمسك كفها بين كفيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
“منسيتش، كفاية إنك معايا و إنك أحلى عروسة في الدنيا كلها”
كانت “جومانا” تتابعهما بعيناها و هي تبتسم لهما حتى شعرت به يجلس بجوارها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
“عقبالك يا قمر”
ابتسمت له ثم قالت:
“عقبالنا”
رد هو مستحسنًا ردها:
“يا وعدي يا وعدي….دا احنا بقينا فرافيش خالص اهوه”
اقتربت منه تقول بنبرةٍ هامسة:
“ماهو أنتَ قولت ساعات القدر بيجمعنا بناس مش مننا علشان نكون لبعض احلى قدر أو يكونوا هما هدية القدر يا عز …زيك”
شبك كفه بكفها ثم ضغط عليه و هو يتنفس الصعداء بعدما استطاع كسب قلبها و حبها، و أصبحت تشعر به.
بعد مرور عدة أشهر قليلة ظهرت “جومانا” بفستانها الأبيض تقترب من “عـز” و فقط بجوارها “حسام” يُسلمها له خاصةً بعدما تدهورت أوضاع والديها، و تخلي كليهما عن “جومانا” و “حسام” دون أن يفكر أيًا منهما في حال ذلك الصغيرين الذي أجبرتهم دنياهم على الكِبر دون أن يعيشا أزهى أيام عمرهم.
اخذها منه “عـز” ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
“لتاني مرة أفرح بسببك، و يا رب أقدر أنا كمان افرحك”
ردت عليه بثقةٍ:
“هتقدر….. أنا و قلبي واثقين فيك إنك هتقدر و هتعوضنا”
ابتسم هو بمشاكسىةٍ ثم قال:
“يا وعدي….يا وعدي”
على الجهة الأخرى صدح صوت هاتفها في يد “حسام” برقم والدته حتى أجاب هو فوصله صوتها يقول بلهفةٍ:
“جومانا….أنا محتاجالك اوي، بناته مبهدلني و مبقيتش طايقة العيشة هنا”
رد عليها بجمودٍ:
“جومانا بتتجوز…..على الله تتصلي هنا تاني، اقفلي”
قام بمحو رقمها و أغلق الهاتف تمامًا و كذلك رقم والدها ثم اقترب منها قبل أن تدخل لقاعة الزفاف ثم اخبرها بما حدث من والدتها و قبل أن تنطق باعتراض، اوقفها “حسام” بقوله:
“افرحي و سيبك منهم و بلاش تنكدي على نفسك علشانهم، دول ميستاهلوش وجودك، بقالهم قد إيه محدش فيهم سأل فيكِ، الأهل اللي زي دول ميستاهلوش إنك تسيبي فرحتك علشانهم”
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فهي تعلم أنه مُحقًا في حديثه، لذا أمسكت كف “عـز” و كأنها تخبره بقرارها بأنها ستبقى معه و جواره هو و حينما طالعها مستنكرًا قالت بثباتٍ:
“مش هقدر أسيب اللي ضحى بكل حاجة علشاني، و أروح لحد محاولش حتى علشاني، أنا مع عز و مش هسيبه، زي ما هما محدش فيهم فكر فيا و أنا محتاجة ليهم…. هما صحيح أهل و جوازهم كان غلطة….بس الغلطة دي طلعت واحدة زيي مشوهة نفسيًا”
تحرك بها “عـز” نحو القاعة عازمًا على البدء من جديد في مستقبلٍ لهما سويًا يكون هو لها فيه بكامل عائلتها.
تلك هي الدنيا لربما يجمعك القدر صدفةً بمن لا تعرفه و لا تدري هويته، فيأتي لكَ يومٌ فقط تتمنى به قربه، أو لربما تزهد نفسك و دنياك و البشر حتى تنعم بوجود بعض الأشخاص و كأنهم هدية القدر.