تحميل رواية «حارس المقبرة» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كان لطفي يستعد للذهاب إلى عمله، الذي كان حارس مقبرة القرية التي تقع في أطرافها، لحراستها مع كلبه. حتى نادته زوجته: "هيا يا لطفي، عشائك فوق المائدة، تعالى بسرعة قبل أن يبرد." خرج لطفي وهو يرتدي بدلته الخاصة بالحراسة، ويحمل مصباحه اليدوي الكبير بيده اليمنى والمذياع في يده الأخرى. جلس على المائدة وتناول عشائه وهو ينظر إلى ساعته ويراقب الوقت. خاطبته زوجته قائلة: "إلى متى تبقى على هذا الحال يا لطفي؟ ألم تجد لك عمل آخر غير ؟" توقف لطفي عن الأكل والتفت إلى زوجته وقال ساخراً: "لا عليك، بعد شهر من الآن س...
رواية حارس المقبرة الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
كان لطفي يستعد للذهاب إلى عمله، الذي كان حارس مقبرة القرية التي تقع في أطرافها، لحراستها مع كلبه.
حتى نادته زوجته:
"هيا يا لطفي، عشائك فوق المائدة، تعالى بسرعة قبل أن يبرد."
خرج لطفي وهو يرتدي بدلته الخاصة بالحراسة، ويحمل مصباحه اليدوي الكبير بيده اليمنى والمذياع في يده الأخرى.
جلس على المائدة وتناول عشائه وهو ينظر إلى ساعته ويراقب الوقت.
خاطبته زوجته قائلة:
"إلى متى تبقى على هذا الحال يا لطفي؟ ألم تجد لك عمل آخر غير حارس المقبرة؟"
توقف لطفي عن الأكل والتفت إلى زوجته وقال ساخراً:
"لا عليك، بعد شهر من الآن سأفتتح عيادتي الخاصة وأعالج فيها مرضى وتنتهي الأزمة، أو ربما قريباً سأقوم بتدشين مصنعي الخاص. إلى متى نظل في هذا النقاش يا سعاد؟ ثم ما به حارس المقبرة؟ أليست أفضل من لا شيء؟ على الأقل نحن نعيش من قوتها ومستورين وغيرنا يحلم بها."
فردت عليه سعاد تقول:
"الحمد لله، ولكن أنت تعلم أنك كل ليلة تخرج من المنزل ولا تأتي إلا مع الصباح، وتتركني وحدي مع أطفالنا صغار. ثم أن المصروف لا يكاد يوفي معنا إلى آخر الشهر ومصاريف المنزل كثيرة. ولولا الحسنات التي يقدمها إلينا أهل المتوفي مقابل حراسة قبر أمواتهم لكنا الآن نسعى في الشوارع."
أكمل لطفي تناول عشائه في صمت ثم قال:
"بحثت كثيراً ولم أجد غير هذا العمل، ثم أني أحاول أن أجد عمل إضافي في النهار، ولكن أنت تعرفين أحوال القرية، بالكاد يستطيع المرء أن يعثر هنا على وظيفة."
لم يعجب سعاد ما قاله زوجها فأجابته ممتعضة:
"منذ سبع سنوات وأنت تكرر نفس الحجة. كل أصحابك الذين كانوا هنا سافروا إلى المدينة وعثروا على مهن أفضل، سوى أنت بقيت هنا تحرس الأموات وتعيش على صدقاتهم."
انتفض لطفي في غضب وصاح:
"لا حولة ولا قوة إلا بالله. تمنيت للحظة واحدة أن أحظى بتناول لقمة في هذا البيت معكِ، ولكن لا يحلوا لك الحديث عن هذا إلا أثناء تناول الطعام وتعكير مزاجي."
ثم نهض في غضب وكف عن تناول العشاء وقال:
"لم يعد لي الشهية في الأكل. في المرة القادمة سآخذ العشاء معي إلى المقبرة حتى أتناوله هناك بين الأموات، فعل الأقل لن يفسدوا علي جلستي."
خرج لطفي إلى فناء المنزل فوجد كلبه واقفاً ينتظره. ففك رباطه وساقه أمامه متوجهاً إلى المقبرة التي تبعد مسافة كيلو متر عن القرية. وكان لطفي يقطع هذه المسافة مشياً على الأقدام وكلبه يسير إلى جانبه.
وما أن يصل إلى المقبرة حتى يتوجه مباشرة إلى غرفة الحراسة، ثم يفتح الباب ويوقد النار هناك، ويضع إبريق الشاي على ناصية الموقد.
وبعدها يخرج مذياعه الصغير من جيب معطفه ويضعه بالقرب منه.
كان الصمت مطبقاً على أرجاء المقبرة، ولا يكاد يسمع أي صوت في الجوار سوى نعيق البوم بين فينة وأخرى وعواء بعض الذئاب التي تحوم حول أرجاء المقبرة. فقد اعتاد لطفي على هذه الأصوات وأصبح الأمر بالنسبة إليه شيئاً عادياً، فطوال سبعة سنوات مرت عليه لم يشاهد أي شيء غير طبيعي يحصل في المقبرة، رغم أن الناس كانت تتعجب من صلابة قلبه وعدم خوفه لوحده في مكان مثل هذا، فيجيبهم هو عن تساؤلاتهم بأنهم يخافون من الصمت وليس من المقبرة.
وما أن ينضج إبريق الشاي حتى يخرجه من النار ويفرغه في كوب كبير، ثم يتركه قليلاً حتى يبرد. وبعدها يلتفت إلى مذياعه ويظل يقلب بين محطات حتى يكسر الصمت المخيم في الأجواء ويستمع إلى محطات الإذاعة.
وبعد منتصف الليل، وبينما كان لطفي يحتسي كوب الشاي الأخضر في صمت ليتغلب على النعاس، فجأة نهض كلبه من مكانه وظل موجهاً أنظاره باتجاه الباب، وبعدها بدأ يكشر وينبح وكأنه أحس بشيء غير طبيعي في الخارج.
لاحظ لطفي ذلك ولكنه لم يبالي، فقد كان يعتقد بأن الكلب قد أحس بحركة حيوان آخر تحوم حول المقبرة أو شيء من هذا القبيل. لكن الكلب بدأ ينبح بشدة ويتراجع إلى الخلف وكأنه كان ينبه لطفي بأن هناك شيئاً ما يقترب منه.
بدأ لطفي يتأمل في تصرفات الكلب غير مدرك لما يريد أن ينبهه به. وفجأة بدأ يسمع أصوات أقدام قادمة نحوه، فأسرع وأمسك عصاه وقلبه يدق بشدة.
فإذا برجل ملثم يرتدي معطفاً أسود طويلاً يدخل عليه ويقف عند مدخل الغرفة. فارتعب لطفي من منظر ذلك الشخص الملثم الذي دخل عليه فجأة من دون سابق إنذار، وبقي يتأمله وهو مرعوب من منظره المخيف.
رواية حارس المقبرة الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
ارتعب لطفي من منظر ذلك الشخص الملثم الذي دخل عليه فجأة من دون سابق إنذار. بقي يتأمله وهو مرعوب من منظره ثم خاطبه وهو يقول:
السلام عليكم.
ولما لاحظ الشخص الواقف خوف لطفي منه، نزع اللثام من وجهه. فإذا هو شاب في بداية الثلاثينيات. تقدم منه قليلاً وخاطبه قائلاً:
مابك يا أخ لطفي؟ ألا ترد سلام؟
إنصدم لطفي لما عرفه بأنه يعرف اسمه أيضاً ويتحدث معه بثقة كاملة كأنه يعرفه منذ زمن. فقال:
وتعرف اسمي أيضاً؟ من تكون أنت؟
ابتسم الشاب وجلس بالقرب منه وقال:
الن تضيفني بكأس من الشاي أولاً؟ فسهرتي معك طويلة وأريد أن أحكي معك في موضوع مهم.
جلب لطفي كأس إضافي ووضعه أمام الشاب، ثم سكبه له من إبريقه النحاسي. وظل يتأمله في ورع منتظراً منه ما سيقول. حمل الشاب كأس شاي بهدوء وارتشف منه رشفة عميقة، ثم وضعه على الأرض وقال:
تعمدت أن آتي إليك في هذا الوقت حتى لا يرانا أحد. فأنا أعرفك جيداً وأعرف الظروف التي تمر بها. وقد جئت إليك بمشروع سينتفضك من حالة الفقر ويوصلك الرفاه والغنى.
استغرب لطفي من كلام الشاب الغريب وقال:
لم أفهم بعد عن أي مشروع تتحدث؟
شبك الشاب أصابع يديه وقال:
مشروع ستأكل منه شهد وستقبض ثمنه كل ليلة. وراتبه يصل إلى عشرين ألف درهم، وتأخذها مني على الفور.
اندهش لطفي من كلام الشاب وراح ينظر إليه وهو غير مصدق. لما سمع هذا المبلغ، أدرك أن المشروع الذي سيقدمه له هو مشروع مشبوه وغير نظامي، فلا يعقل أن يجني مبلغ كبير مثل هذا بمشاريع قانونية. فسأله لطفي قائلاً:
وما هو هذا المشروع؟
سكت الشاب قليلاً وراح يحدق في وجه لطفي حتى يستوعب مدى صدمته مما سيسمع. ثم قال:
المشروع هو أني سآتي كل ليلة وأخذ جثة من المقبرة. وأنت تساعدني في نبش القبر وإخراج الجثث. ومقابل كل جثة آخذها لك مني عشرين ألف درهم كما ذكرت لك.
فتح لطفي فمه وعيناه من الدهشة وهو يسمع هذا الكلام وقال:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. تريد أن تخرج جثث الناس أموات؟ هل جننت يا هذا أم ماذا؟ كيف تطلب مني أن أساعدك في نهب جثث للناس الميتة؟
فقال الشاب يحاول أن يقنع لطفي بمشروعه قائلاً:
تعالى لنحسب الأمر بالعقل والمنطق. هذه الجثث التي تحرسها هي الآن عرضة للدود والتعفن. بماذا تستفيد من حراستها؟ ثم من سيهتم بها إن كانت موجودة أو لا؟ وأنا لا أقصد جثث حديثة. ولكن أقصد جثث التي أكل عليها الدهر وشرب، وخاصة التي لا يأتي أهلها لزيارتها أو حتى ترحم عليها. أنا سآخذها وأنت تقبض مني المبلغ، ولا من عين شافت ولا من يدري. ما رأيك؟
لم يقنع كلام الشاب لطفي وأصر على موقفه وقال:
يا بني آدم، هذه حرمة الناس الميتة. فكيف تطلب مني أن أخرجها من قبرها وأسلمها لك؟ وهل نسيت أني مؤتمن عليها من طرف أهلها؟ ثم من أنت حتى تأتي عندي في مثل هذا الوقت وتطلب مني أن أساعدك في جريمة يعاقب عليها القانون؟ مستحيل أن أفعل ذلك. فانسى هذا الموضوع وعد من حيث أتيت.
أدخل الشاب يديه في جيبه وأخرج علبة سجائر وأشعل واحدة. ثم قال وهو ينفث دخان سجارته:
تريد أن تعرف من أكون؟ أنا عضو في منظمة عالمية تسعى لتقديم أبحاث علمية لفائدة البشرية. والجثث التي سأخذها منك سيتم إجراء عليها تجارب ويستفيد منها البشر في الأخير. وتذكر يا لطفي أن الجثث التي هي عرضة للتعفن والدود، العلم أولى بها. وأنت بمساعدتك لي ستقدم خدمة جليلة للعلم. وفي نفس الوقت تستفيد من تحسين وضعك المالي. فبدلاً من أن تعيش على هذا الراتب السخيف وعن صدقات محسنين... خذ لك المبلغ المحترم على الأقل يكفي لمصاريفك ومصاريف أهلك. وصدقني أنها فرصة لا تعوض. لذلك سأتركك تفكر مع نفسك جيداً. وفي ليلة الغد سآتي إليك وأسمع منك جوابك النهائي. مع السلامة.
رواية حارس المقبرة الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
خرج الشاب من عند لطفي وتركه في دوامة من الحيرة. راح يفكر مع نفسه في كلام الذي قاله له. هل يعقل أن هناك أناس تفكر بمثل هذا الأمر وتستبيح حرمة الأموات من دون ضمير ولا أخلاق؟
ولنفترض أني وافقت، ماذا سيحصل لو اكتشف أحدهم أن جثة أقاربه غير موجودة في القبر؟ لا شك أن أصابع الاتهام كلها ستتجه نحوي. وربما سرقتها وأخذها من أجل ممارسة طقوس السحر والشعوذة. ستكون فضيحة تنكس رأسك يا لطفي ورأس أهلك معك، وتكون عقوبتها وخيمة.
ولكن يا لطفي، هذه فرصة قد جاءت إليك لإخراجك من مستنقع الفقر. ثم إن الأمر هو لخدمة العلم والبشرية كما قال ذلك الشاب أساساً. من سيدري بأن جثة أقاربه غير موجودة في مكانها؟ كل الأمر يتم بالخفاء ولا أحد سيدري بذلك.
فلو بقيت يا لطفي تنتظر معاشك الذي تقبضه في آخر الشهر، فإنك طوال عمرك لن تحقق شيء. غيرك يسعى لتغيير وضعه بكل الطرق، وأنت جالس هنا تحرس الأموات؟
هل يعقل أن الدنيا ستضحك لك في آخر عمرك؟ وهل يعقل أن هذه الجثث التي أحرسها تساوي كل هذه الثروة؟ هذه يعني أن طوال الوقت كنت جالس أحرس كنوز ثمينة وأعاني من قسوة الفقر من دون أن أدري قيمتها؟
ولكن مهلاً يا لطفي، هل ستخون الأمانة في آخر عمرك؟ ألن تفكر بأن الأمر يمكن أن يحصل معك أنت أيضاً؟ فهل كنت سترضى أن يأتي أحدهم ويستخرج جثتك ويهربها إلى خارج بلاد ويبيعها لتلك المنظمات؟
اتعلم ماذا ينتظرك لو أحس أي شخص بأن جثة أقاربه غير موجودة؟ ثم من يتضمن لك بأن الأمر سيبقى مكتوماً إلى ما لا نهاية؟ إياك أن تورط نفسك يا لطفي، فهذه لعبة قذرة لا مكان لك فيها.
حل الصباح فنهض لطفي من مكانه وخرج من المقبرة متوجهاً إلى منزله وهو يفكر فيما حصل البارحة. وما أن دخل المنزل حتى وجد زوجته تنتظره وهي عابسة.
خاطبها قائلاً:
صباح الخير يا سعاد. كيف حالك؟
لم ترد عليه سعاد التحية، وإنما أخرجت أوراقاً من درج طاولة وقالت:
تفضل. هاهي فواتير الكهرباء والماء قد وصلت اليوم والمبلغ الذي فيها يساوي مقدار راتبك ويزيد. فكيف تصرف مع هذه المشكلة؟
أمسك لطفي فاتورة الماء والكهرباء وراح ينظر في سعر الذي كتب عليها، فقد كان بمقدار راتبه كما قالت زوجته. وقبل أن يعلق على الأمر، بادرته زوجته سعاد قائلة:
ونسيت أن أخبرك بأنه لم يبقى في المنزل أي سلعة. ولا تنسى أن أولادك بحاجة إلى آلبسة جديدة، فالملابس التي على جسدهم لم تتغير منذ ثلاث سنين.
أجابها لطفي في غضب وهو قائلاً:
يا فتاح يا عليم، حتى مع الصباح لا يكف جرس تنبيهات عندك من رنين؟ هل كان من ضروري أن أسمع هذا الكلام مع أول شروق شمس صباح؟
فأجابته سعاد في سخرية:
وماذا كنت تريد مني أن أقول لك وسط هذه الخيبة؟ هل كنت تنتظر أن أغني لك أغاني أم كلثوم وأنا أحمل لك فاتورة كهرباء؟ أم كنت تريدني أن أحضنك وأنا أقول بأن أولادك يموتون من البرد وهم يلبسون ملابس مقطعة وقديمة؟ ياعزيزي ألف مرة أخبرتك بأن هذا الوضع لا يحتمل التأجيل، وأنت من تصر على أن تغطي شروق الشمس بالغربال. فتحمل عواقب رومنسيتك يا روميو.
خرج لطفي وراح يبحث عن من يستدين منه مبلغ من المال. وكل من يذهب إليه يتجج بألف حجة، فلا أحد من أهل القرية وافق على إدانته. كل الأبواب أغلقت في وجهه، ولا يملك أي شيء يستطيع أن يبيعه حتى يسدد به حاجته. فرجع إلى منزله وهو يتحسر على ما هو فيه.
فتح باب المنزل فوجد زوجته لا تزال جالسة في مكانها تنتظره. وما أن دخل حتى وجد نظراتها حزينة تمرقه في صمت. فتقدم وجلس بالقرب منها وهو يفكر، مشبك ذراعيه على صدره. وسعاد تنظر إليه منتظرة ما سيقول.
فبادرته بسؤالها قائلة:
ماذا ستفعل الآن؟
رفع لطفي وجهه نحوها وقال:
لا عليك. لقد وجدت الحل.
انتظر لطفي إلى أن حل ظلام، فلبس معطفه الثقيل وأخذ كلبه معه واتجه نحو المقبرة. وبقي واقفاً عند باب غرفة حراسته ينتظر ذلك الشاب. إلى أن وصل منتصف الليل فجاء به يشاهد شبح لشخص قادم من بعيد باتجاهه. فعرف بأنه نفس ذلك الشاب الذي جاءه ليلة البارحة، وها هو قادم على نفس الميعاد كما أخبره. فابتسم في فرح وراح يتهيأ لاستقباله.
وصل الشاب إلى مكان لطفي وتوقف بالقرب منه وسلم عليه قائلاً:
مساء الخير لطفي. هل فكرت في عرضي؟
فأجابه لطفي في لهفة:
أجل. وأنا موافق على كل ما تقول.
رواية حارس المقبرة الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
كانت موافقة لطفي بالنسبة لذلك الشاب فرحة كبرى وانتصار لما كان يخطط له.
فأدخل يديه في جيبه وأخرج منه ظرفًا مغلقًا وقدمه إلى لطفي وقال:
"وأنا عندي وعدي. ها هي عشرون ألف درهم نقدًا، تفضل وقم بحسابها إذا أردت."
أمسك لطفي الظرف الورقي من يد الشاب وفتحه، فإذا به مبلغ مالي.
فوضعه في جيبه في سعادة.
أما الشاب فقد كان يتأمل وجه لطفي في خبث ثم خاطبه قائلاً:
"أحضر مصباحك اليدوي ريثما أحضر أدوات الحفر."
توجه الشاب إلى المكان الذي كان يركن فيه سيارته خارج المقبرة، وأحضر معه أدوات الحفر، وتوجه مع لطفي إلى أحد القبور القديمة وبدأ يزيح عنه الرمال إلى أن وصل إلى خرسانة التي تغطي سطح القبر.
كان لطفي يضيء له المكان وهو ينظر في كل اتجاه ويرتجف من الخوف.
فلاحظ الشاب تردد وخوف لطفي فقال مشجعاً:
"ما بك ترتجف هكذا يا رجل؟ هل أنت خائف؟ دعك من تلك الخرفات والأساطير التي تسمعها من الناس. فكل شيء طبيعي وسننفيذ المهمة بنجاح. ليكن قلبك قويًا ولا تخشى أي شيء. فالفقر هو الذي يخيف وليس نبش القبور."
تشجع لطفي وقال وهو يمسح عرقه رغم برودة الطقس:
"حاضر، سأحاول أن أكون كذلك."
عاد الشاب مرة ثانية لنبش القبر وأزال الخرسانة التي تغطي نعش الميت إلى أن وصل إلى جثة.
وما أن رأى لطفي بقايا الكفن حتى بدأت أقدامه ترتجف من الرعب وهو لا يريد أن يشاهد ذلك المنظر.
فصاح به الشاب وهو يقول:
"ساعدني في إخراج جثة، وإياك أن تكسر أي عظمة وإلا سنضطر إلى نبش قبر آخر."
وما أن سمع لطفي هذا الكلام حتى كاد قلبه يتوقف من الخوف ولم يتمكن من الاقتراب من جثة الميت.
فلاحظ الشاب تردده مرة أخرى فقال غاضبًا:
"هل عدنا إلى الخوف مرة ثانية؟ فكر في المال الذي ستحصل عليه كل ليلة واترك خوفك جانبًا. مد يدك وخلصني."
اقترب لطفي من الجثة وأمسك طرفًا منها، فإذا هي مجرد عظام تتناثر بداخل بقايا الكفن.
أخرجها بصعوبة ووضعها مع الشاب في كيس آخر.
وبعدها دفنوا القبر وأعادوا كل شيء كما كان عليه.
حمل الشاب الكيس الذي بداخله عظام الميت وقال:
"أرأيت أن الأمر بسيط ولا يحتاج إلى كل ذلك الخوف. على كل حال، موعدنا في منتصف ليلة الغد مثل العادة. أنا سأذهب الآن وفي الصباح لا تنس أن تأتي وتخفي ما تبقى من أثر الحفر حتى لا يشك أحد بأمرنا. مع السلامة."
ذهب الشاب وترك لطفي هناك في المقبرة.
فقد كانت ركبتاه لا تزالان ترتجفان وقلبه يخفق، ولكنه تمالك نفسه وعاد إليه اطمئنانه بعدما أخرج الظرف الذي أعطاه له ذلك الشاب.
راح يعد النقود فوجدها تساوي كما اتفق معه.
فراح يتساءل في نفسه ماذا يمكن أن تفعل تلك المنظمة بجثث البشر؟ وأي علم هذا الذي يعتمد على بقايا جثث وعظام؟
كانت رائحة المال قد أنسته كل التساؤلات ولم يكترث ما دام هو يقبض المبلغ كهذا كل ليلة.
في الصباح التالي، خرج من محرسه وتوجه إلى القبر الذي نبشه من ذلك الشاب.
وراح يرتب التربة ويخفي آثار الحفر كما أوصاه حتى لا يثير شكوك.
ثم أخذ معه كلبه وتوجه عائدًا إلى القرية.
في الطريق، ذهب مباشرة إلى مؤسسة الكهرباء والماء ودفع الفواتير المستحقة عليه.
ثم دفع ديونه السابقة لأصحاب المحلات.
وبعدها توجه إلى دكان ملابس واشترى ملابس جديدة لأولاده واشترى حاجات منزلية وعاد وهو يحمل قفة ثقيلة بها كل ما يحتاج.
وما أن فتح باب المنزل حتى شاهدته زوجته يدخل عليها وهو مثقل بالأغراض التي جلبها معه.
فراحت تنظر إليه مستغربة ثم قالت:
"ما هذا؟ من أين أحضرت كل هذه الأشياء يا لطفي؟"
وضع لطفي الأغراض على الأرض وقال وهو يخفي الأمر عن زوجته سعاد:
"لقد أقرضت مبلغًا من المال وتصرفت وأحضرت لكم كل ما تحتاجون."
لم يقنع هذا كلام سعاد فعادت تسأل:
"أقرضت مبلغًا من المال؟ ومن هذا الذي يقرضك كل هذا المبلغ من سكان القرية؟ وأغلب الناس هنا فقراء لا يكادون يملكون قوت يومهم."
انزعج لطفي من إلحاح زوجته وقال:
"أوف، وأنتِ ما يعينك في الأمر؟ ها قد تصرفت وأحضرت لكم كل شيء. فهل كل من الضروري أن تفتحي معي محضر وتحققي معي في كل شيء؟"
دخل لطفي إلى غرفته وأغلق على نفسه الباب.
ثم أدخل يديه في جيبه وراح يعد ما تبقى من المال معه فوجده قد نفد.
راح يبحث عن مكان يخفيه فيه بعيدًا عن أنظار زوجته الفضولية.
فلم يجد أمامه إلا ملابس أبيه القديمة التي تركها له وبقيت من أثره.
فأخرجها وصنع منها صرة كبيرة وأخفى المال بداخلها.
ثم ربطها جيدًا ووضع الصرة فوق دولاب الملابس حتى لا تتمكن سعاد من الوصول إليها بسبب قامتها القصيرة.
وبعدها تمدد على فراشه ونام.
في الليلة الثانية، وبعدما تناول لطفي عشائه، خرج مسرعًا إلى عمله.
وحينما وصل هناك ظل ينتظر موعد قدوم ذلك الشاب في تلهف.
إلى أن وصلت الساعة منتصف الليل فإذا به قادم من بعيد.
فنهض لطفي في سعادة لاستقباله.
اقترب الشاب من لطفي وسلم عليه قائلاً:
"مساء الخير. أرى أن السعادة تغمرك. أرأيت كيف أن المال هو دواء لكل معلول؟ ها أنت قد عادت الحياة إلى وجهك مرة أخرى وصدق من قال أن الدراهم مراهم."
ثم أدخل يديه في جيبه وأخرج منه ظرفًا ماليًا وقال:
"ها هي حصتك اليوم. أحضر مصباحك ودعنا نبدأ في العمل."
اتجه لطفي مع الشاب إلى إحدى القبور القديمة وبدأ يحفر معه دون أن ينتبه إلى من يكون صاحب القبر.
وبعدما أخرجوا جثة ووضعوها في كيس بلاستيكي كبير، وقع نظره بصدفة على لافتة القبر.
فإذا به يجد أن صاحب ذلك القبر هو والده.
رواية حارس المقبرة الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
إنصدم لطفي لما شاهد أن هذا القبر يعود لأبيه.
وقد أعماه المال ولم يعد يدري من يكون صاحب القبر إلا بعد أن قرأ لافتة مكتوبة فوق نعشه.
فصرخ في الشاب وهو يقول:
توقف، أرجع الجثة كما كانت وأياك أن تأخذها.
إستغرب الشاب وقال:
ماذا هناك؟
سكت لطفي وهو يحاول أن يخفي دموعه التي كانت تخنق صوته والتي غطت مقلتيه بعدما إنصدم من ذلك المنظر.
وقال:
يجب أن تعيد الجثة إلى قبرها فوراً، هل تسمع؟
لكن الشاب أصر على معرفة السبب وقال:
هل يمكن أن توضح لي ما الذي جرى لك؟
فأجابه لطفي وهو يقول:
أتعلَم من يكون صاحب هذه الجثة؟ إنه أبي.
وضع الشاب الكيس على الأرض وقال:
أهذا كل ما في الأمر؟ اسمع، أقدر موقفك جيداً، ولكن دعني أوضح لك شيئاً يجب أن تعرفه، وبعدها قرر ما شئت.
أريد أن أطرح عليك سؤالاً: ماذا ورثت من أبيك وماذا ترك لك؟ ألم ترث منه إلا الفقر والتعاسة؟
ثم إن هذا الذي تفعله الآن معي، أليس هو محاولة منك لإنقاذ نفسك من عبء الذي تركه لك أبوك؟ ألا تفعل ذلك من أجل تحسين وضعك المادي خشية أن يكبر أولادك فيجدون مصيرهم مثل مصيرك، يتخبطون في وسط الفقر والعوز؟
ثم إنك يجب أن تكون فخوراً بنفسك لأنك تقدم جثة أبيك لمختبرات العلم حتى يستفيد منها البشرية بدلاً من أن تبقى جثته هنا يأكلها الدود والرطوبة.
وهل تعلم أني قد فعلت نفس الشيء مع جثة أبي وعمي وأخوالي وقدمتهم لمختبرات حتى يستفيد منهم البشر؟ وها أنا سليم معافى أمامك ولم يحصل لي شيء.
أتعلم لماذا؟ لأنني لا أنجر مثلك تحت مسمى العواطف والأحاسيس الكاذبة.
فنحن يا لطفي نعيش في الغابة، فإن لم تكن فيها ذئباً أكلك الفقر والظلم قبل أن تأكلك الذئاب.
هذا إن وجدت في جسمك نحيلاً هذا لحماً تأكله، فلو بقيت طوال عمرك على هذا الحال فإنه سينظر إليك على أنك شخص شحات يعيش على صدقة الآخرين.
انظر لنفسك كيف أصبحت شخصاً محترماً بعدما دخلت إلى منزلك وأنت محملاً بالأغراض، حتى استقبال زوجتك لك سيتغير بعدما أصبحت تدخل عليها وأنت تحمل كل ما لذ وطاب.
فهل كانت ستستقبلك بهذا الاحترام والتقدير إذا كنت تدخل عليها كل صباح وأنت تجر كلبك وتلبس معطفك المتعفن ذلك؟
راح لطفي يصغي إلى ما يقول الشاب وهو لا يدري ما يقول أو بما يرد عليه.
ثم أدخل الشاب يديه في جيبه وأخرج مبلغ عشرين ألف درهم أخرى وقال:
بما أن الجثة كانت لأبيك، سأكون كريماً معك وسأضيف لك نفس المبلغ، وهكذا يصبح نصيبك اليوم ضعفين.
فقل لي، هل كنت تحلم يوماً أن تمسك هذا المبلغ طوال حياتك؟ هل تصورت أن يأتي يوم تدخل فيه المبلغ كهذا إلى جيبك وفي ليلة واحدة؟ أجبني، ماذا قررت؟
أمسك لطفي مبلغاً من المال ووضعه في جيبه وقال:
مبارك عليك جثة أبي، خذها، رافقة السلامة.
إبتسم الشاب بعدما نجح في إقناع لطفي وقال:
هكذا أريدك يا لطفي، قلب من الصخر لا يتأثر بالمشاعر الزائفة.
وبعد شهر من الآن سترى كيف ستفرض احترامك على الجميع بعدما تصبح من أغنياء القرية، وربما سيناديك الناس بالحاج لطفي بدلاً من اسم لطفي حارس مقبرة.
حمل الشاب جثة والد لطفي وخرج بها متوجهاً إلى سيارته عند مدخل المقبرة.
وترك لطفي واقفاً هناك وهو لا يدري ما يقول.
كان قلبه يعتصر من أسى وحزن، ولكنه قرر أن يصغي لوصية ذلك الشاب وأن يبقى جامداً لا يتأثر مهما حصل.
قضى ليلته هناك وهو جالس أمام محرسه إلى غاية شروق الشمس.
وفي الصباح، بعدما حمل أغراضه، لاحظ أن كلبه قد جاء إليه وهو يحمل عظمة في فمه.
أخذها منه بسرعة وراح يتفحصها، فإذا به يتفاجأ بأن هذه العظمة قد سقطت ليلة البارحة من هيكل أبيه.
فأحس بالأسى وراح يحدق بها وهو ممتعض القلب، لكنه تذكر ما قرره ليلة البارحة، فأدخل العظمة إلى جيبه وتوجه إلى منزله.
وحين وصل إلى المنزل، دخل مباشرة إلى غرفته وأغلق الباب عن نفسه.
ومد يده إلى صرة فوق دولاب وفتحها ووضع بداخلها المبلغ الذي حصده.
ثم أخرج عظمة هيكل أبيه وراح يتأملها في صمت، ثم وضعها مع المال وأغلق الصرة.
في المساء، وبعدما خرج من منزله، توجه مباشرة إلى المقهى للجلوس هناك.
فلم يكن من قبل يحب أن يأتي إليه بسبب ظروفه المادية، أم الآن فقد تحسن الوضع بعض الشيء.
دخل إلى مقهى فلمح إحدى أصدقائه جالساً هناك لوحده، فتقدم إليه وجلس إلى جانبه وقال:
سلام عليكم أيوب، كيف حالك؟
رفع أيوب رأسه وقال في حزن:
الحمد لله على كل حال.
لاحظ لطفي أن صديقه ليس على ما يرام فأسأله قائلاً:
ما بك؟ أحس بأنك مهموم وشيء ما يشغلك.
فأجابه أيوب قائلاً:
أنا أفكر في المشكلة التي جاء بها ابني من الجامعة.
فسأله لطفي قائلاً:
وما به ابنك؟
فرد عليه أيوب شارحاً:
أنت تعلم أن ابني يدرس في كلية الطب في العاصمة وقد طلبوا منه أن يشتري جمجمة بشرية حقيقية من أجل أن يحضروها معهم إلى الجامعة لإجراء فحوص وامتحانات.
إستغرب لطفي من هذا الطلب وقال:
ولماذا يريدون منهم أن يشتروا جمجمة بشرية حقيقية؟
فرد عليه أيوب بقوله:
وما أدراي بذلك، ولكن المشكلة الأكبر هو أن سعر جمجمة واحدة يساوي عشرون ألف درهم.
إستغرب لطفي لما سمع هذا الرقم وراح يفكر في الخدعة التي وقع فيها، فقد كان مغفلاً ويبيع جثة ميت كاملة لذلك الشاب بمبلغ عشرين ألف درهم فقط، بينما جمجمة لوحدها تساوي نفس السعر.
فعاد يسأل أيوب قائلاً:
ولنفترض أن شخصاً أراد أن يشتري جثة كاملة، فكم تساوي؟
ضحك أيوب وقال:
تلك هي الطامة الكبرى، فالجثة كاملة تساوي ستة أضعاف ثمن الجمجمة.
رواية حارس المقبرة الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد أن تناول لطفي عشائه، خرج إلى المقبرة كما هي عادته. بقي جالسًا أمام غرفة الحراسة ينتظر قدوم ذلك الشاب. كانت صدمته كبيرة بعدما عرف السعر الحقيقي الذي تباع فيه هياكل العظمية، وأحس بأنه قد خُدع وتم تغافله من قبل ذلك الشاب.
ما هي إلا ساعات حتى وصل منتصف الليل، فإذا بذلك الشاب قادم من بعيد وهو يحمل كيسه في يديه. لكنه لاحظ تغييرًا في استقبال لطفي له، وكانت نظرته توحي بأن هناك شيئًا ما قد حصل.
فسلم عليه قائلًا:
"مساء الخير، كيف حالك يا لطفي؟"
رد لطفي التحية بوجه بارد وناشف:
"أهلاً بك، تعال واجلس إلى جانبي قليلًا، أريد أن أتحدث معك في أمر مهم."
كان توقع الشاب صحيحًا حينما لاحظ ملامح لطفي المتغيرة، لكنه تقدم في صمت وجلس إلى جانبه كما طلب منه حتى يفهم ما حصل. وقال:
"خير إن شاء الله، ماذا هناك أيضًا؟"
استدار نحوه لطفي وقال:
"من الآخر، أنا عرفت السعر الحقيقي الذي كانت تباع فيه الجثث في الأسواق، وطوال تلك الفترة لم يكن نصيبي من هذه العملية إلا فتات. فأنا عرفت أن ثمن الجثة كم يساوي، وحتى نكمل عملنا معًا، لابد أن تتغير قواعد الاتفاق."
استغرب الشاب من كلام لطفي، فلم يكن يعلم بأنه سيأتي يوم ويعرف الحقيقة. فسأله قائلًا:
"وما هي القواعد الجديدة الآن؟"
فرد عليه لطفي مباشرة:
"نصف بنصف ثمن الجثة، وهذا آخر كلامي."
يضحك الشاب وهو مندهش من كلام لطفي وقال:
"لقد أصبحت رجلًا خطيرًا، والمال قد أفسد طباعك لدرجة أنه جعلك داهية. عمومًا، أنا موافق وسأقسم المبلغ معك. ولكن أنا أيضًا يجب أن أغير من قواعد اتفاقي. في السابق كنت أنا من يحفر القبر وأنا من يستخرج الجثث، وأنت لا تفعل شيئًا سوى أنك تمسك المصباح للإنارة. أما الآن، سيصبح كل يوم واحد منا له يوم في حفر واستخراج الجثث. فمرة أنا أحفر ومرة أنت، فما هو ردك؟"
سكت لطفي قليلًا وراح يفكر، ثم أجابه قائلًا:
"موافق، أعطني المبلغ المتفق عليه."
أدخل الشاب يديه في جيبه واستخرج ثلاث أظرفة مالية وقدمها إلى لطفي. ثم قدم إليه كيسًا بلاستيكيًا وقال:
"اليوم هو دورك، وأنا أكتفي بحمل المصباح وأضيء لك."
حمل لطفي أدوات الحفر وتوجه نحو أحد القبور القديمة وبدأ يحفر. وعندما وصل إلى الجثة، تفاجأ بأنها جثة لطفل صغير، ولا تزال كما هي عليه وكأنه قد دُفن منذ لحظات. حتى الكفن كان لا يزال جديدًا وتفوح منه رائحة مسك. فأصيب بتوتر وخوف شديد.
رفع رأسه وقال:
"إنه قبر لفتى صغير، دعنا نغلق القبر ونذهب لحفر واحد آخر، فهذه جثة وتبدو حديثة."
لكن الشاب رفض اقتراح لطفي وقال:
"لا بالعكس، هذا ما نحتاجه في أبحاثنا، استخرج الجثة وأت بها."
أصيب لطفي بقشعريرة في جسده، ولم يتمكن من حمل جثة. وعاد يقول ثانية:
"دعنا منها، لنذهب إلى جثة أخرى."
لكن الشاب أصر على كلامه وقال:
"قلت لك هاتها ولا تكثر من النقاش، هذه الجثة نحتاجها في أمور تشريح، ولا تكثر من الثرثرة."
مد لطفي يديه وحمل جثة الفتى وأخرجها. وقبل أن يقدمها إلى الشاب الذي كان واقفًا ينتظره، نزل طرف الأمامي من الكفن وبرز وجه الجثة. فقد كانت تعود لفتاة صغيرة، وكان شعر رأسها أحمر طويل وعمرها في حدود خمس سنوات أو أكثر.
ولما شاهد لطفي وجهها، أصيب بخوف شديد وانتابه رعب في كامل جسده. فقد كانت فتاة ميتة في كامل سلامتها، ولا يبدو أن جسدها قد تأثر بالرطوبة والعفن.
بقي لطفي لبعض الثواني يحدق في وجه جثة الفتاة ولا يقوى على حركة، وجسده قد تنمل في مكانه. ولم يستفق إلا على صوت الشاب وهو يناديه:
"هات الجثة، ما بك تحجرت في مكانك هكذا؟"
أخذ الشاب جثة الفتاة الصغيرة وانصرف، وترك لطفي هناك واقفًا مكانه، وصورة وملامح تلك الفتاة لا تفارق مخيلته. دخل إلى غرفة الحراسة وجلس وهو يضم ركبتيه على صدره، وكلبه إلى جانبه ينظر إليه وقد أحس بأن صاحبه ليس على ما يرام. كان قلبه يدق بسرعة ويداه باردتين وجبينه يتعرق. فلم يستطع أن ينسى صورة تلك الفتاة.
أشعل مذياعه ووضع إبريق الشاي، وحاول أن يتلهى بسماع نشرة الأخبار حتى ينسى ملامح تلك الفتاة. مر وقت سريعًا، وبينما هو جالس يستمع إلى الإذاعة، إذا به يسمع صوت بكاء لطفل في الخارج. أنقص صوت مذياعه قليلًا وظل يسترق السمع، لعله كان يتوهم أو يتخيل، لكن البكاء لم يتوقف.
استغرب في وجود طفل في هذا المكان، فنهض وحمل مصباحه اليدوي وفتح الباب وراح يوجه الإنارة في كل مكان لعله يلمح من يكون. فعرف أن البكاء كان يأتي من الجهة الشرقية للمقبرة. أمسك عصاه وتقدم يمشي على مهل صوب الصوت إلى أن وصل إلى مصدره.
وما إن اقترب أكثر حتى تفاجأ بفتاة صغيرة تقف أمامه، فأصيب بصدمة لما وجدها هي نفس الفتاة ذات الشعر الأحمر التي أخرجها من قبرها قبل قليل.
رواية حارس المقبرة الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
تجمد لطفي في مكانه وارح يتأمل وجه الفتاة الصغيرة ذات الشعر الأحمر وهي تنظر إليه بغضب جاحظة عيونها الكبيرة في وجهه وترتدي كفنها الأبيض الذي كان يتلف حولها.
بدأت تتقدم منه رويدًا رويدًا. فلم يكن من سبيل أمامه سوى أن عاد يجري إلى غرفة الحراسة بسرعة وأقفل على نفسه الباب وهو يرتجف من ذلك المنظر المرعب.
بدأ يسند بجسده على الباب وهو يتنهد بشدة. وفجأة بدأ كلبه ينبح بعدما أحس بشيء يقترب من الباب. فأدرك لطفي بأن شبح تلك الفتاة الصغيرة قادم إلى هنا. فراح يسند بكل ثقله على الباب وهو يتخبط في خوفه الشديد.
وما هي لحظة حتى بدأ الباب يطرق بشدة ولطفي واقف في مكانه يحاول أن يمنعها من الدخول. ثم توقف طرق الباب وخيل إليه أن الفتاة قد ذهبت. فمد بصره من ثقب الباب ينظر إن كانت في الجوار.
وما أن قرب عينه من الثقب حتى ظهرت له عين كبيرة من الشق الآخر للباب وهي تراقبه. فصرخ من خوفه وتراجع إلى الوراء وأدرك بأن الفتاة لم تذهب.
راحت تصرخ وهي تقول:
"لماذا تبيع جثتي يا لطفي؟ افتح الباب أريد أن آخذ جثتك وأبيعها كما فعلت!"
يكاد قلب لطفي يتوقف من شدة ما هو فيه. ونباح كلبه القوي يزيد من توتره وخوفه أكثر ولا يدري كيف يسكت عن النباح. فمسك بعصاه وضرب بها رأس الكلب حتى يرغمه عن التوقف عن النباح. لكن ضربة قوية وكافية بأن تسقط الكلب جثة هامدة.
راح لطفي واقف لا يصدق ما فعل بعدما شاهد كلبه الوفي يصرخ بآخر نفسه له في الحياة ويموت. وبعدها انطلقت ضحكات الفتاة وهي سعيدة بعدما أدركت أن لطفي قتل كلبه.
وقالت:
"هل ستبيع جثة الكلب كما بعت جثتي وجثة أبيك؟ لا أحد يشتري جثث الكلاب يا لطفي!"
أصاب كلام فتاة لطفي بغصة شديدة وأحس بخجل من نفسه ووقف مسمرًا في مكانه لا يدري ما يفعل.
ثم فجأة انطفأ المصباح اليدوي وخمدت النار وأصبح لطفي وحده في وسط الظلام الدامس بالغرفة. وراح يمد يديه ليتحسس على الحائط. فإذا به يجد يديه تمسك بشيء صلب فعرف أن ذلك الجسم هو هيكل عظمي لجثة بشرية.
فصرخ بأعلى صوته وهو مرعوب وبدأ يضرب بيديه على ظهر المصباح حتى يشتعل ويعود النور. وبعد فترة تمكن من إشعاله مرة أخرى. تفاجأ بأن وجد أن الباب قد فتح وأن جثة الكلب قد اختفت من الغرفة.
الصق بظهره في الزاوية وبقي طوال الليل وهو يتمتم ويتعوذ وجسده كله مشمخ بالعرق الذي كان يسيل من كل أنحاء جسمه. رغم أنه كان في فصل الشتاء وطقس بارد.
لم يستطع لطفي أن يغفل ولا قليلاً وبقي طوال الليل جالسًا في ركن الغرفة وقلبه لا يتوقف عن الخفقان إلى وصل صباح وأشرقت شمس وهو لا يزال مستيقظًا. فنهض بصعوبة وأخذ مذياعه معه وخرج وهو يتلفت في كل اتجاه. ثم توجه نحو منزله مسرعًا.
وحينما دخل لاحظت زوجته سعاد اضطراب ورعبًا في وجهه. فسألته قائلة:
"ما بك يا لطفي وما به وجهك مصفراً هكذا؟"
جلس لطفي على الأرض وقال:
"لا شيء، فقط أشعر بحمى باردة بسبب أني لم أتغطى جيدًا ليلة البارحة."
فأجابته زوجته قائلة:
"سلامتك. هل أنادي لك طبيب القرية حتى يعطيك حقنة تنزل حرارتك؟"
فرد عليها لطفي بقوله:
"لا داعي لذلك، فقد أرسلت أحد أولادي إلى الصيدلية حتى يحضر لي الدواء."
ذهبت سعاد وأرسلت أحد أولادها. ثم ذهبت إلى المطبخ وأحضرت كوب زنجبيل ساخن ووضعته أمام زوجها. ثم قالت بعدما تذكرت شيئًا:
"كيف تركت الكلب يعود وحده إلى المنزل؟ فقد جاء قبلك هذه الصباح ودخل إلى منزله في الفناء."
إنصدم لطفي بعدما سمع هذا الكلام ورفع بوجهه الشاحب نحو زوجته وقال:
"ماذا قلتي؟ هل جاء الكلب إلى هنا؟"
استغربت سعاد من اندهاش زوجها وقالت:
"أجل، ولكن لماذا استغربت كل هذا الاستغراب؟ فهل هذه أول مرة يفعلها؟"
راح لطفي ينظر إليها بوجه منصدم ولا يقوى على الكلام. فسألته قائلة:
"لطفي، ما بك؟ هل جرى للكلب أي شيء؟"
فرد عليها لطفي على الفور:
"لا، ولكني كنت قد تركته هناك في المقبرة حتى يحرسها في غيابي. فلم أشأ أن أحضره معي."
ثم نهض بسرعة من مكانه وخرج متوجهًا إلى الفناء حتى يتأكد من كلام زوجته. ولما دخل إلى منزل الكلب لم يجده. فراح يتساءل في نفسه هل يعقل أن يكون الكلب ما يزال حي بعدما قتله ليلة البارحة؟
وبينما هو واقف يتساءل إذا به يسمع مأذنًا ينادي من منبر المسجد وهو يقول:
"صلاة على جنازة. انتقل إلى رحمة الله تعالى الحاج أيوب. ترحموا عليه."
فأدرك لطفي أن من مات قد كان صديقه الذي قابله آخر مرة.
رواية حارس المقبرة الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد انقضاء جنازة الحاج أيوب، صديق لطفي، انصرف الناس من المقبرة وتركوا لطفي هناك ليقضي ليلة في حراسة المقبرة. فلم يشأ أن يعود معهم للمنزل، وفضل البقاء هناك.
كان الصمت مطبقًا على كل شيء حوله، ولا يكاد يُسمع أي صوت سوى نعيق الغربان وهي ذاهبة إلى أوكارها مع غروب الشمس. أحس لطفي بالوحدة من دون كلبه، وراح يدور بنظره في كل اتجاه لعله يلمحه.
وفجأة، وقع نظره على تلك الفتاة صاحبة الشعر الأحمر واقفة خلف إحدى القبور تراقب بعيونها الكبيرة الغاضبة. فأصيب بخوف شديد ودخل إلى غرفة الحراسة وظل واقفًا هناك ينظر إليها من شق الباب، فإذا بها تأتي صوبه مسرعة، قادمة إليه وهي تحمل معولًا للحفر في يديها.
ارتجفت أوصال لطفي لما أبصرها قادمة نحوه بسرعة، فأغلق الباب على نفسه وظل ممسكًا به بقوة، رغم مرضه الشديد، لكنه كان يستند عليه. فبدأت تطرق الباب وتبكي وتصيح قائلة:
"افتح الباب! سأهشم عظامك كما فعلت بي."
راح لطفي يرتعد أكثر من خوفه، وكلما ضربت الباب أحس أن جسده لم يعد يقوى على تحمل المرض وسط هذه الأجواء. لكنه كان متمسكًا بالحياة ولا يريد أن يفرط في نفسه.
عادت الفتاة تصرخ مرة أخرى وهي تقول:
"سأخبر الناس بما كنت تفعله لجثث أمواتهم، وسأحكي لهم كيف كان حارس الأجداد يبيع جثث الناس."
لم يكن لطفي يبالي بما تقول، فكل ما يسعى إليه هو الحفاظ على حياته. وبعد فترة، توقف صوتها وكأنها قد ذهبت وتركتها.
ظلم الليل وهو جالس في مكانه ممسكًا بمصباحه اليدوي بالقرب منه، ويفكر في الكلام الذي قالته تلك الفتاة، ويفكر في الحال الذي وصل إليه، وقد شعر بأنه قد صار في قمة وضاعته وانحطاطه. فهذا ما أوصله له الطمع.
وبينما هو يفكر، سمع صوت سيارة قادمة من بعيد، فعرف أن الليل قد انتصف وأن ذلك الشاب قد جاء مرة أخرى.
نهض من مكانه وفتح الباب، فإذا به يلمحه قادمًا من بعيد نحوه. إلى أن وصل إليه، فسلم عليه قائلًا:
"مرحبًا لطفي، كيف حالك؟"
لم يرد عليه لطفي، بل بقي صامتًا يتطلع إليه بجسده الضعيف الذي أرهقه الخوف والمرض. فعرف الشاب ما ينوي أن يقول، فأدخل يديه في جيبه بسرعة وأخرج منه ظرفًا ماليًا كبيرًا وقال:
"نسيت أن أخبرك أن أعضاء المنظمة قد سعدوا كثيرًا بجثة تلك الفتاة ليلة البارحة. وقد خصصوا لك المبلغ الذي كنا سوف نقسمه كاملًا لك وحدك، فها هي."
ولما رأى لطفي المال، سعد قليلًا وأمسك الظرف من يد الشاب، وفتحه وراح ينظر إليه وكأنه قد نسي ما حصل معه.
ففاجأه سؤال الشاب وهو يقول:
"لماذا تركت كلبك وحده واقفًا عند مدخل المقبرة؟ فحين جئت إلى هنا وجدته واقفًا هناك."
ارتعب لطفي لما سمع هذا الكلام وتغيرت ملامح وجهه، وراح ينظر باتجاه مدخل المقبرة، ثم قال:
"هل أنت متأكد بأنك قد رأيت كلبي واقفًا هناك؟"
فرد عليه الشاب بقوله:
"أجل. لقد كان هو، حتى أنه قد عرفني ولم ينبح. فيبدو أن شكلي قد أصبح مألوفًا."
أصيب لطفي برجفة في جسده وأحس بأن قلبه يريد أن ينفصل عن صدره، وراح يتساءل في نفسه: ما سبب وجود الكلب هناك رغم أنه قد قتله؟ فهل يعقل أن يكون فعلاً ما زال حيًا، أم أن هذا مجرد شبح الكلب يريد أن يطارده وينتقم منه كما تفعل تلك الفتاة صاحبة الشعر الأحمر؟
لاحظ الشاب انشغال لطفي بتفكير، فخاطبه مرة أخرى بقوله:
"دعنا من كل هذا ولنبدأ في العمل. أعضاء المنظمة يريدون جثة أخرى جديدة، فهل تعرف أي شخص مات منذ فترة قليلة؟"
فكر لطفي قليلًا وقال:
"لا يوجد أحد."
ابتسم الشاب في خبث وقال:
"آثار أقدام هنا حديثة تدل على أن هناك كانت جنازة هذا اليوم، إضافة إلى أن أغصان حناء ما تزال خضراء، فلا داعي للإنكار. وأخبرني أين صاحب القبر. فهذه فرصتك حتى تحصل على نفس المبلغ الذي قبضته اليوم."
أنزل لطفي رأسه على الأرض وراح يفكر بعمق، ثم قال في نفسه:
"سامحني يا صديقي أيوب."
أخذ لطفي ذلك الشاب إلى قبر الحاج أيوب ودله عليه، فبدأ يحفر. ولطفي لا يستطيع أن ينظر إلى القبر، وكان يدير وجهه إلى جهة أخرى، ولا يقوى على النظر إلى جثة صديقه التي تنبش من قبرها، إلى أن وصل إليها وأخرجها، ثم وضعها في كيس كبير. وبعدها أغلق القبر وأخذ الجثة وانصرف.
كان لطفي متأثرًا بهذا المنظر ولا يقوى أن يكبت مشاعر الأسى، فقد أحس فعلاً أن إنسانيته قد ماتت وصار قلبه من صخر. فرجع إلى غرفة الحراسة، وما إن فتح الباب إذا به يجد شبح صديقه أيوب جالسًا في الغرفة ينظر إليه بغضب، وإلى جانبه يجلس كلبه ملطخًا بالدم.
رواية حارس المقبرة الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
تجمد لطفي في مكانه وهو يشاهد هذا المنظر.
كانت رؤية صديقه مع كلبه في غرفة حراسه كافية لتجعل دماءه تتجمد في عروقه.
لم يعد يقوى على النطق أو الحركة، ولا يدري ما يقول أو يفعل.
أحس أنه صار جزءًا من الأرض التي يقف عليها، ولا يقوى على الحركة.
كان شبح صديقه أيوب مع كلبه مضرجًا بالدم، مفزعًا لدرجة أنه أخرسه عن الكلام.
وفجأة، نطق صوت فتاة صغيرة من خلفه قائلة:
"كل هؤلاء قتلتهم أنت، ويجب أن تموت معهم يا لطفي."
استدار لطفي بسرعة إلى خلفه فوجد تلك الفتاة واقفة تنظر إليه في غضب.
شعرها الأحمر يغطي كامل وجهها، ولا تظهر منه سوى عين واحدة.
كانت تنظر إليه منها بنظرة حادة منتقمة.
فتراجع إلى الوراء قليلاً، وأحس بأن جسده قد صدم بجسم آخر.
وما إن التفت إليه، إذا به يجد شبح أبيه واقفًا هو الآخر ينظر إليه غاضبًا.
فتح لطفي فمه من الصدمة ولم يدري ما يقول.
فخاطبه أبوه قائلاً:
"لماذا فعلت هذا يا بني؟ لقد شعرت بالبرد وأنا خارج قبري. لقد كان قبري يدفئني، لماذا أخرجتني وأعطيتني للغرباء؟"
لم يدري لطفي ما يقول وظل يرتجف وهو ينظر إلى أبيه.
كان أبوه ملتفًا بكفن أبيض وينظر إليه في غضب وأسف.
فلم يقوى على تحمل هذا كله، فأحس أن دقات قلبه بدأت تنخفض رويدًا رويدًا إلى أن توقفت.
فسقط على الأرض مغشيًا عليه.
في الصباح، جاء الناس وهم يحملون جثة لطفي إلى منزله.
بعدما عثر عليه أحد الأشخاص وهي ملقاة في المقبرة.
فلما رأته زوجته وهي محمّلة، صرخت تبكي من صدمتها وقالت:
"ما به لطفي؟ ما الذي حصل له؟"
فرد عليها إمام مسجد من خلف الباب وهو يقول:
"البقاء لله. لقد مات زوجك بسكتة قلبية. لقد عثر عليه ميتًا في المقبرة. لقد جلبناه هنا يا أختي حتى تلقوا عليه نظرة الوداع. وسآخذه للغسل والدفن. سنخرج بضع وقت ونترككم تودعون الفقيد."
ظلت سعاد وأولادها يبكون أمام جثة لطفي.
وهم غير مصدقين أن الذي أمامهم هي جثة سندهم في الحياة.
وقد رحل فجأة وتركهم.
وبعد لحظات، دخل عليهم إمام مسجد وقال:
"أخت سعاد، سنأخذ جثة الفقيد. هل لك من وصية للميت أو عنده أي ديون؟"
نهضت سعاد من مكانها وقالت:
"أريد أن أعطيكم شيئًا. انتظروني قليلاً."
دخلت سعاد إلى غرفة لطفي وأخرجت ملابسه القديمة من الدولاب.
ثم صعدت إلى فوق الخزانة ومدت يديها وسحبت صرة.
كانت يجمع فيها ملابس أبيه ويخفي المال خفية عنها دون أن تدري ما في داخلها.
ثم أخذتها إلى إمام مسجد وقالت:
"هذه بعض ملابس المرحوم ومعها ملابس أبيه. أريد أن أتبرع بها لأحد مساكين صدقة جارية."
أخذ إمام المسجد الملابس من يد سعاد.
ثم دخل الناس وأخذوا جثة لطفي وذهبوا بها إلى المغسلة.
وفي المساء، ذهبوا بها إلى المقبرة وهم يهللون ويكبرون.
في الغد، بعد منتصف الليل، ذهب الشاب إلى المقبرة.
فوجد هناك أحدهم يحرس المقبرة.
من خلال هيئته، عرف الشاب أنه حارس جديد للمقبرة.
لأنه قد وصل خبر وفاة لطفي.
وبينما كان الحارس جالسًا يحرس في مكان لطفي، إذا بذلك الشاب يأتي إليه بعد منتصف الليل.
ففزع من رؤيته.
ولكن الشاب طمأنه قائلاً:
"لا تخف، لن أؤذيك. أريدك في مشروع مهم."
فأجابه الحارس الجديد وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
"قل أعوذ برب الفلق. وماذا تريد مني؟"
جلس الشاب إلى جانب الحارس وقال:
"أريد أن آتي لك كل ليلة وآخذ جثة أموات من المقبرة. ومقابل ذلك، لك مني كل يوم عشرون ألف درهم. ولا أحد يعلم ما بيننا. فما هو رأيك؟"
راح الحارس ينظر إليه في خوف.
ولكن لما رأى حزمة المال تخرج من جيب الشاب، تغير وجهه وقال:
"عشرون ألف درهم للجثة الواحدة!"
فأجابه الشاب قائلاً:
"طبعًا. وإذا أعطيتني جثة حديثة، سأعطيك ضعفين."
سال لعاب الحارس لما سمع هذا المبلغ وقال على الفور:
"نعم، أعرف شخصًا مات منذ فترة قليلة. إنه لطفي، الحارس السابق للمقبرة."
ابتسم الشاب ابتسامة عريضة وراح يسترجع ذكرياته مع لطفي.
ثم أدار بوجهه نحو الحارس وقال:
"أحضر أدوات حفر وتعال لنستخرج جثة لطفي."
بدأوا في الحفر حتى وصلوا إلى مكان الجثة.
لم يجد أي شيء.
تفاجأ الشاب وقال:
"هل أنت متأكد أيها الحارس أن هذا القبر هو لي لطفي؟"
لم يجبه الحارس.
وبينما هو يلتفت إلى الوراء، حتى تفاجأ بضربة قوية في رأسه.
بمعول الحفر من طرف الحارس الجديد.
وقال:
"هذا القبر لك أنت. لقد حفرته خصيصًا لك."
فقال الشاب:
"من أنت؟"
أجاب:
"أنا شبح أيوب، صديق جار لطفي. لي أخذت جثته في نفس اليوم للدفن. بما أنك أخذت جثثي، فأنا سأدفنك حيًا حتى تتعذب تحت التراب. ثم لن يسمعك أحد حتى تلقى حتفَك."
وهذا ما حدث.
فقد مات لطفي والشاب.
وبقيت الأموال في يد أشخاص آخرين.
أما بالنسبة للملابس، فأخذ إمام المسجد وفعل كما أخبرته سعاد.
فقد تصدق بها لسيدة أرملة لديها أولاد أيتام.
كانت تجلس قرب باب المسجد تنتظر بعد كل صلاة أن يتصدق لها المحسنون ببعض الدراهم القليلة لكي تشتري بعض الخبز والحليب لأولادها.
فرحت المرأة بتلك الصرة.
وعندما بدأت تبحث في الصرة، وجدت مبلغًا من المال.
على الأقل سوف يخرجها من الفقر.
ففرحت هي وأولادها وشكرت الله على هذه الصدقة وعلى صبرهم.
لي صبرت وعانت، مع ذلك لم تنس هي الفقراء أيضًا.
فقد تصدقت بالقليل منها.