توالت التهنيئات من العائلة والأقارب، ثم غادروا. بدأت تتوافد جماعات من أهالي الحارة وأيديهم محملة بالخير لهم. كانوا يباركون لها ولتايسون بكل حرارة وسعادة، لا تدل أبدًا على كرههم أو خشيتهم منه. سيدات كثيرات وفَتَيات، تعاملن معه باحترام وكأنهم يكنون له فضلًا كبيرًا وشكرًا.
راقبت ما يحدث بعيون متفحصة، بينما تدور في عقلها أحاديث علا عنه. يبدو أن علا كاذبة! وكل ما قالته من أحاديث أيضًا كاذبة، فالجميع يحترمونه ويحبونه، والسيدات تقترب منه باعتيادية ولا تخاف منه!
وسط أفكارها الشاردة، وجدت يده تلتف حول خصرها. شهقت برقة وهي تنظر له هاتفة:
_ خضيتني.
هتف بغزل وعيون تطلق لمعات سعيدة:
_ أحلى خضيتني سمعتها في حياتي.
تورّدت وجنتاها خجلًا منه، ونظرت للأرض بكسوف. نظر حوله فوجد من حوله مشغولين بأحاديث جانبية، فمال عليها واختطف قبلة من إحدى وجنتيها. نظرت له بضيق مصطنع و:
_ تايسون عيب كدا.
تايسون برفعة حاجب:
_ عيب كدا؟ بتتكلمي ابن أختك أنتِ؟
أمسكت وجنتيه بين يديها وضمتها وهي تقول بضحك:
_ وأنا أطول يبقى عندي ابن أخت بخدود كدا.
مقها بنظرات ضيقة وهو يهتف بنبرة جادة:
_ تحبي أوريكي ابن أختك دا هيعمل فيكي إيه دلوقتي.
تطلعت له فوجدت النبرة الحادة ما هي إلا قشرة تخفي خلفها كثيرًا من الخبث. فهمت على الفور ما يقصده، فضربته على كتفه بخفة مرددة:
_ أنت مش محترم على فكرة.
وكادت تنهض إلا أنه سحبها لتجلس جواره مرة أخرى و:
_ أنا دارس في كلية قلة أدب قسم الشخلعة.
تعالت ضحكاتها عليه، فجذبت عيون أهالي الحارة لهم. أخذوا يطالعونهم بفضول وسعادة، لرؤية فرحة تايسون، كبيرهم، واضحة عليه.
مرت عدة أيام.
الحياة بينهم كانت تسير على ما يرام، السعادة تغمرهم كليًا. رأت فيه ما جعلها تقع في عشقه أكثر. استطاعت أن تعترف داخل نفسها أنها تحبه وقررت أن تعترف له بذلك. حاله كان غير... يتعامل بحب وبداخله حيرة العالم أجمع.
ليلاً.
دخل لجناحه فوجد الظلام يغمره، إلا من بعض أضواء الشموع التي تملأ الغرفة. ابتسم تلقائيًا وهو يرمق المكان بعينيه والورود الحمراء التي ملأت المكان. لحظات ووجد باب الحمام يُفتح وتخرج هي منه مرتدية قميص نوم أسود اللون، لا يكاد يستر منها شيئًا.
كانت تسير نحوه باستحياء عالٍ، ناظرة للأرض بخجل. ابتسم بزهول عند رؤيته لها بتلك الحالة. لا يصدق أن تلك التي أمامه هي وعد، التي كانت تكرهه منذ شهر أو أقل تقريبًا ولا تطيق أن تسمع اسمه. الآن هي تتزين له! يا للعجب!
سارت حتى وصلت له. عندما وقفت أمامه، كبلها بيديه وهو يقول بتغزل:
_ أول مرة أشوف القمر على الحقيقة وألمسه بإيدي.
ردت بصوت مازح:
_ وأنا أول مرة أعرف أن فيه واحدة بتحب خاطفه.
لم يستوعب كلماتها للحظة واحدة، لكن عندما استوعبه، فتح عينيه بعدم تصديق وهو يقول بزهول:
_ قولتي إيه؟
نظرت للأرض بخجل وهي تردد:
_ اللي سمعته.
شدد من تمسكه واحتضنها وهو يقول:
_ مش هسيبك غير لما أسمعها منك تاني.
ردت باستحياء:
_ بحبك.
قال بسعادة حقيقية، غير مصطنعة بالمرة:
_ وأنا بعشق أمك.
وعد:
_ سوفاج.
أو يرد بنبرة سوقية مصطنعة:
_ شاء الله يكرم أصلك.
فتعالت ضحكاتها الصاخبة بقوة، ضحكتها التي تزلزل كيانه دون جهد وتفعل به الأفاعيل. اضطرب قلبه أثر استماعه لضحكتها واقترب منها مقررًا اقتناص قبلة وغيرها الكثير وهو يهمس:
_ تعبتيني معاكي.
هتفت بمشاكسة:
_ أستاهل تتعب عشاني ولا لأ؟
أجاب بصدق:
_ تستاهلي ألف، عشانك العالم كله كمان عشان أراضيكي يا وعدي. مش أتعب بس.
وأخيرًا اعترفت بحبها له. كان سعيدًا بالاعتراف لأنه يبادلها الحب بمشاعر أقوى من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه استطاع أن يعلقها به بالفعل. انتقامه يسير على ما يرام، حياته الزوجية تسير على ما يرام، لكن حيرته وقفت بمنتصف الأمرين، وانتقامه ما زال يحثه على التكملة.
عائلته تستحق أن يضحي. بحبه وسعادته وروحه.
عائلته تستحق أن يقتل جميع تلك السعادة التي يحياها ويدمر فتاة ذنبها الوحيد أنها مرت على حياته.
لو كنت بين نارين. الحب والكره. الانتقام والتسامح.
ماذا ستختار؟
قضبان حديدية تُغلق عليه وعلى ذلك الرجل المسكين. بيده كرباجًا ينزل به على جسد الرجل مرة خلف الأخرى بغل وحقد شديد. مع كل ضربة يضربها له، يصرخ الرجل بوجع وقهر، ويصيح هو بكبت كبير.
توقف عن الضرب ليجثو على ركبتيه ويتنفس بحدة عدة مرات تباعًا.
رفع عينه عن الأرض بعد لحظات ونظر أمامه وهو يهمس بغل:
_ مش هسيبك يا وعد، وحياتك ما أنا سايبك.
وعاد يضرب الرجل مرة أخرى بغل أكبر. كان يقف عند القضبان الحديدة عسكريان اثنان. هتف أحدهما للآخر:
_ هيموته في إيديه.
هتف العسكري الآخر بضيق:
_ هييجي يوم وهياخد جزاءه على اللي بيعمله دا.
بالداخل.
هتف الرجل طالبًا العفو والسماح:
_ سامحني يارامز بيه، سيبني.
والبيضربه على ظهره الذي راح يقطر دمًا غزيرًا وهو يصرخ:
_ اخرس.
وصمت الرجل بوجع، وقد ازدادت آلامه أضعافًا وهو يرى قلة حيلته أمام رجال القانون والشرطة.
صباح يوم جديد.
الساعة العاشرة صباحًا. بذلك اليوم، كان قد مر على زواجهم عشرة أيام كانوا كالجنة بالنسبة للاثنين. كانت تقف هي أمام غرفة مكتبه، طرقت على الباب ودخلت بعد أن سمح لها. سارت لحيث مكتبه وهي تردد بدلال:
_ تايسون حبيبي.
رفع إحدى حاجبيه وهو يطالعها بنظرات ماكرة و:
_ شكلك عايزة حاجة.
جلست على سطح المكتب ومالت عليه بدلال. راحت تتدلل عليه وهي تهتف بغنج:
_ حبيبي عرف إزاي؟
ضرب بخفة على رأسها وهو يقول:
_ عشان حبيبك بقى حافظك وفاهمك كويس يا وعدي.
قالت بنبرة تدلُّل ورجاء:
_ عايزة أروح السوق.
فتح عينيه بزهول واضح و:
_ تروحي فين؟ وعد هانم عايزة تروح السوق! معقول.
ترك سطح المكتب وتوجه له ووقف خلفه. حاوط عنقه بيدها، مال برأسه نحوه مقبلًا إحدى وجنتيه و:
_ عايزة أجرب شعور إني ست بيت وأنزل سوق وأشتري الخضرة وكده.
أمسك يدها الملتفة حول عنقه وقبلها ناطقًا:
_ وما له يا حبيبتي. روحي السوق.
هتفت بنبرة رجائية أكثر:
_ وانت معايا بليز. وانت معايا.
هتف ضاحكًا:
_ من ساعة ما جيتي وإنتي قالبة حياتي، بس حاضر وأنا معاكي.
بعد ثلث ساعة.
بسوق حارة تايسون، على بدايته توقفت سيارة وهبطت وعد منها ومعها تايسون، المعروف بالطبع بين أهل حارته التي يعد هو كبيرها. سارا متجاورين وبدأوا بالدخول وسط الناس، التي كلما وقعت عيون أحدًا فيهم عليه حتى تتوسع بزهول وعدم تصديق.
تَفَ لها وهو يرى نظرات الناس له:
_ شايفة بسببك الناس بتبصلي إزاي.
أحاط ذراعيه بكلتا ذراعيها وهي تقول بضحك:
_ هما بيبصوا لك عشان حلاوتك يا حبيبي.
_ انتي بتاكلي بعقلي حلاوة؟
أومأت بنعم وهي تطلق ضحكة عالية. قرصها في خصرها وهو يقول بينما يضغط على أسنانه:
_ ضحكتك يا هانم.
وضعت يدها على فمها و:
_ أوبس. سوري.
وقفا أمام رجل أمامه خضروات عدة وفواكه. أمسكت ثمرة من التفاح وقطمت منها قطعة ثم سرعان ما أخرجت صوتًا يدل على تلذذها بالطعم. قربت الثمرة من فمه و:
_ دوّق يا حبيبي كدا وقول رأيك.
هتف وهو يلتقط منها الثمرة:
_ مش هنغسلها؟
وعد:
_ توء. كلها كدا.
رفع حاجبه وقطم من الثمرة و:
_ وما له ناكلها ونعمل غسيل معدة عشان خاطر عيونك يا وعدي.
وعد للبائع:
_ هات لنا نص كيلو تفاح ونص خوخة.
هتف بغيظ:
_ حبيبتي هو حد قالك إننا نسانيس!
رفعت حاجبيها بتعجب ونظرت له تسأله:
_ لا. ليه؟
تايسون:
_ اومال إيه نص دا، دا يدوب بتاكله أم السعد وهي بتغسل الفاكهة.
وعد بضيق:
_ بس كدا تبذير أوفر يا تايسون.
تايسون:
_ وإنتي متضايقة ليه يا عمر تايسون؟ هو انتي اللي هتدفعي.
رفعت حاجبها و:
_ طيب ما دام كدا يبقى براحتك.
نظرت للبائع وتابعت:
_ هات لو سمحت عشرة كيلو خوخ وعشرة تفاح وعشرة مانجة وعشرة مشمش و...
وضع تايسون يده على فمها وهو يردد بزعر مصطنع:
_ أبوس على إيدك كفاية، أنا الغلطان عشان وقفتك أصلاً، هاتي نص. ماله النص!
نظرت له بانتصار أنثوي. فرمقها بضيق وهو يرى تلك النظرة تطفو على عينيها الجميلة.
دخل نصري لمنزله فوجد زوجته تتأفف بضيق وهي تضع الهاتف على الطاولة. أراح جسده على الأريكة وهو يسألها:
_ إيه اللي مضايقك؟
نشوى بضيق:
_ لمياء كل يوم تكلمني وتديني كلمتين في جنابي، وعد ظلمت رامز، وعد غلطت في حق رامز. كل يوم أكتر من تلات مرات وكأنها جرعة دوا.
ضحك عليها وهو يقول:
_ معلش استحملي. الصدمة كانت توجع برضه إنها تسيبه في آخر لحظة وتتجوز غيره.
نشوى:
_ بس تعرف، رغم إن حكاية تايسون دا غريبة وخطف وبتاع، إلا إني لما شوفته مقدرتش أكرهه وحبيته، وفرحانة إنه جوز بنتي.
نصري برفعة حاجب:
_ اللي يشوفك زمان وإنتي فرحانة برامز ميشوفكيش دلوقتي.
نشوى بصدق:
_ أنا بحب رامز دا أنا اللي مربياه وبحبه كأنه ابني، بس شفت تايسون حامي لبنتي وضهر، راجل في نفسه كدا وقلبي مطمن عليها معاه.
هتف بداخل نفسه:
_ المشكلة إن رغم كل الشكوك اللي حواليه، أنا كمان شايفه كدا.
بينما هم في طريق العودة لمنزلهم، هتفت وهي ترهف بأسماعها لناحية ما:
_ استني ياتايسون في حد بيعيط هنا وبيزعق. استني نشوف مين.