تحميل رواية «جرح فتى» PDF
بقلم ولاء عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أنا خدت الشقة دي من وراهم بعد ما حوشت تحويشة عمري. من وأنا في تالتة ابتدائي وأنا بنزل أشتغل وأساعد أمي وإخواتي في مصاريف البيت. إتهانت وإتداس عليا كتير، كدا كفاية. بقالي سنين شغال ومرمطون ليهم، مجاتش على دلوقتي إني أفكر في نفسي يا خليل. كنت قاعدة في البلكونة وسمعته وهو بيتكلم في الموبايل. وهو مين؟ هو جارنا اللي ساكن جنبنا بقاله كام شهر بس أنا معتزلة العالم ومبطلعش إلا قلة القليل. دخلت ولا كأني سمعت حاجة وسحبت نفسي ودخلت أوضتي. تاني يوم كان الجمعة، كالعادة يعني لازم ماما تصحينا بدري أنا وعبدالله...
رواية جرح فتى الفصل الأول 1 - بقلم ولاء عمر
أنا خدت الشقة دي من وراهم بعد ما حوشت تحويشة عمري.
من وأنا في تالتة ابتدائي وأنا بنزل أشتغل وأساعد أمي وإخواتي في مصاريف البيت.
إتهانت وإتداس عليا كتير، كدا كفاية.
بقالي سنين شغال ومرمطون ليهم، مجاتش على دلوقتي إني أفكر في نفسي يا خليل.
كنت قاعدة في البلكونة وسمعته وهو بيتكلم في الموبايل.
وهو مين؟ هو جارنا اللي ساكن جنبنا بقاله كام شهر بس أنا معتزلة العالم ومبطلعش إلا قلة القليل.
دخلت ولا كأني سمعت حاجة وسحبت نفسي ودخلت أوضتي.
تاني يوم كان الجمعة، كالعادة يعني لازم ماما تصحينا بدري أنا وعبدالله أخويا علشان نروق البيت ونجهز الفطار.
بالفعل عملنا كدا بعد ما اتخانقنا خمستلاف مرة في نفس الدقيقة على حاجات تافهة.
وماما جات زعقت لنا وقالت لنا إننا كبار مش صغيرين على اللي بنعمله دا.
بس إحنا آه صغيرين، أنا يدوبك اتنين وعشرين والواد عبدالله اتناشر سنة.
سمعت الباب بيخبط فلبست خمار البيت وفتحت الباب.
كان شاب طويل، ملامحه عادية بس حلوة ما أنكرش.
إيه لحظة.
"صباح الخير، معلش ممكن شاكوش ومسامير ورأس توم."
رديت عليه بعد ما دماغي عملت إيرور:
"إيه؟ منين بيودي على فين يا أستاذ."
"بصي، عايز شاكوش علشان بصلح الشباك النهاردة وفي إجازة، ولو معندكوش مسامير أنا ممكن أنزل أشتري، أما رأس التوم فهي علشان بعمل أكل والتوم خلص من عندي."
دخلت لبابا جوا وقولت له وهو جابهم و طلعهم ليه.
"بابا هو دا جارنا اللي بقاله كتير ساكن جنبنا ومحدش إتعامل معاه قبل كدا صح؟"
"أيوا هو، بس عادي أنا إتعاملت معاه قبل كدا كذا مرة وهو شاب كويس وباين عليه بيشقى يا بنتي كتر خيره. كنت بقابله في المسجد في صلاة الفجر، نخلص صلاة وبعدها يأخد بعضه ويمشي على شغله. يلا إكوي لي الجلابية علشان عايز ألحق صلاة الجمعة."
"حاضر يا حبيبي."
دخلت كويتها وإديتها له وبعدها طلعت البلكونة أسقي الريحان والورد بتوعي.
"ما طبيعي محدش يعرف علي دا غير لو عايزين فلوس، غير كدا علي دا لو مات محدش هيعرف بموته ولا حد هيدور عليه غير وقت ما تحتاجوه."
مش قصدي أتصنت والله بس هو اللي صوته عالي.
رفع رأسه للسماء وقال بتعب:
"يارب أنا والله تعبت، عوضني خير وراضيني وإرضيني، بقالي سنين بتعب بلا راحة، أنا والله مدرك إنها دار شقاء، بس تعبت والله."
إتنهد وميل رأسه على السور وأنا دخلت قبل ما يأخذ باله مني.
قلبي وجعني عليه، أصل ليه حد يوصل لحد الإحساس دا، ليه حد يحسس حد إنه بلا قيمة، قيمته فلوس ومصلحة ومصالح بتتقضي وبس، مؤلمة والله.
دخلت وجهزت الغدا وصليت وعلى بال ما خلصت صلاة كان بابا و عبدالله جُم ودخلت صحيت ماما.
"هخلص أكل وأدخل أصلح عند علي جارنا الشباك اللي هو مش عارف يعمل فيه حاجة دا."
بالمناسبة بابا فاتح ورشة نجارة ورثها من جدو بس هو حالياً وسعها وبيتاجر في الموبيليا.
"أختك جاية بعد شوية، إدخلي جهزي حاجة تشربها هي وجوزها، وإنزلي بعدها هاتي حلويات وشيبسي لتالين."
"ماما إحلفي كدا إنك مش لاقياني قدام باب جامع ولا متبنياني، ما أهو مش معقول من ساعة ما صحيت وألف حوالين نفسي كدا كأني نحلة."
قالت بنبرة تهكمية كعادتها:
"وهو أنتِ عملتي إيه غير جهزتي الفطار والغدا وروقتي الشقة أنتِ وأخوكي؟!"
"ولا أي حاجة يا حبيبتي هاتي بس أنزل أجيب الحاجات واشتري عصير."
خدت منها الفلوس ولبست ونزلت على أقرب سوبر ماركت.
سمعت صوت واحد كان بيعاكس لكني ما إلتفتش ليه لحد ما قرب مني وكان هيلمسني.
محستش غير بواحد بيسحبه وبيلكمه.
"أنت شايف نفسك راجل يعني لما تقرب من واحدة وتعاكسها ورايح كمان تتحرش بيها؟ شكل المرجلة معدتش عليك."
قال كدا وهو بيضربه وكمل كلامه:
"وبعدين دي بنت المعلم زيدان، يعني فكر تقرب لها تاني واسمك هيتمحي من المنطقة ولا إيه يا وحش؟"
بص ليا وقال:
"أي خدمة يا أستاذة."
قولت بتوتر من الموقف وإمتنان ليه:
"شكراً.. شكراً ليك يا أستاذ."
مقدرتش أمسك دموعي ومشيت جري وأنا بعيط وبتدارك الموقف.
طلعت البيت على دا الحال وفتحت لي ماما.
"يا بنتي مالك؟ في إيه؟ دا أنتِ كنتي نازلة بتضحكي ومفيش حاجة!"
قعدت على أقرب كرسي وانهارت وبدأت أحكي.
"في واحد حاول يتحرش بيا يا ماما، عاكسني وتجاهلته علشان يسكت بس هو تمادى وحاول يلمسني... بس.. بس جارنا اللي في وشنا مسكه ضربه وإداله العلقة التمام."
قربت مني وحضنتني وهي بتطمني:
"إهدي يا حبيبتي الحمد لله إن الموضوع عدا وإن الجدع دا ساعدك."
قولت ودموعي لسة بتنزل بخوف:
"طيب ولو مكانش موجود يا ماما كان إيه هيحصل لي؟ يا ماما دا حاول.."
قاطعت كلامي وهي بتطبطب عليا وتقوم من مكانها وقالت بهدوء:
"عدي الموضوع يا فاتن وإقفليه عشان مش ناقصين مشاكل."
"بس يا ماما ءءاا.."
"مبسش يا فاتن، قولت قفلي على الموضوع وبعد كدا إبقي وسعي لبسك عن كدا، متخليش حد يقولك بم حتى مفهوم؟"
بصيت ليها بعدم فهم، أو بمعنى اوضح إستنكار ورفض لفكرها وقولت:
"حضرتك أنا لبسي كله واسع، أنا مبلبسش بناطيل برا البيت، دا أنا لبسي كله جيب ودريسات ومفيش فيهم حاجة مفصلاني، حتى طرحي طويلة، هو علشان شخص مريض حاول يعمل حاجة زي كدا يبقى العيب فيا مش في دماغه؟!"
كملت كلام بحزن ووجع:
"كنت مستنية حضرتك تفهمي خوفي وتقدريه، تفهمي إن الغلط مش مني، تحتويني وتطبطبي عليا؛ دا مش بعيد لو كان لمسني ولا عمل لي حاجة كنتي جيبتي الغلط كله عليا! كنتي وقفتي في صف اللي بيقولوا إن الواحد من دول مش غلطان لاء دا إحنا كبنات اللي غلطانين."
دخلت أوضتي وقفلت الباب، قربت من السرير وقعدت، رفعت كفوفي على وشي وإنهارت.
ماما اللي جابت اللوم عليا من موقف النهاردة هي نفسها اللي لما كان حد يشكي مني وأنا صغيرة ليها إني عملت مشكلة بتصدقه وتضربني.
نفسها اللي بتأنبني على كل كبيرة وصغيرة، قمة الأسى والله.
قومت وبصيت من الشباك وأنا حاطة طرحة على رأسي وسندت عليه وبصيت للدنيا حواليا.
شوفت واحد بيطير الحمام بتاعه وفاتح له الغِيّة وهما بيطيروا.
في لحظات كتير بتخلي الواحد مننا يكون طير بجناحين، وقت ما يحس إنها ضاقت بيه يطير في السما.
أو... أو يلاقي حد يفضفض له.
جات إختي برا وجوزها فطلعت قعدت معاهم لحد ما دخل بابا وهو متعصب ونادى عليا فقربت منه.
"مين الجدع اللي حاول يعاكسك دا؟"
"والله يا بابا ما أعرفه، أنا أصلاً خوفت أرد عليه زي ما ماما على طول بتقولي ... ولولا.."
قطع كلامي وهو بيقول:
"يعني إيه تسكتي له وتمشي؟"
رواية جرح فتى الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء عمر
والله يا بابا ما أعرفه، أنا أصلاً خوفت أرد عليه زي ما ماما على طول بتقولي.
ولولا..
قطع كلامي وهو بيقول:
يعني إيه تسكتي له وتمشي؟
قولت بخوف:
ما هو ماما قالت لي كدا، مش ذنبي والله.
يعني لولا الجدع اللي ساعدك وضرب الـ... اللي برة كان ممكن يحصل إيه؟ جاكم البلا، مش عارف أجيب اللوم على مين!
بـ... بابا بس أنا والله ما عملت حاجة.
المشكلة إني عارف، إحنا علشان ننهي الموضوع دا متنزليش تاني.
مقدرتش أسكت وقولت وأنا دموعي رافضة تجف:
تفتكر يا بابا لو واحد ضرب واحد وعوره المفروض يكون الحل إيه؟ المفروض الحل إن اللي اتضرب دا ميطلعش برا البيت تاني علشان اللي ضربه ميضربوش صح؟ مع إن اللي ضرب هو اللي غلطان والمفروض يتحاسب بس أهل الواحد دا بيحبوا يمشوا جنب الحيط أوي لدرجة إنهم يدخلوا جواها، من زمان وأنا ساكتة كفاية والله تعبت، حتى تعليم خدت الدبلوم وقعدت في البيت علشان كدا كدا الست آخرها بيت جوزها.
غوري على أوضتك.
غايرة بس افتكر إن عندكم بنت دفنتو أحلامها بالحيا علشان معندهاش حق تعيش علشان اتولدت بنت.
دخلت الأوضة وقعدت بلا هدف، بقالي سنين بعيط ومفيش أي حاجة اتغيرت، مفيش غير زعل على نفسي إني كنت في يوم من الأيام ممكن أكون حاجة بس دلوقتي بقيت ولا حاجة.
سكر ــ القط بتاعي ـــ طلع جنبي وقعد على رجلي فقعدت أملس عليه وأنا بقوله:
أنا تعبت يا سكر والله، الدنيا دي طلعت قاسية، أول محطة بتقابلها من يوم ما فتحت عينك على الدنيا مطلعتش برا الأمان.
رد بـ نياو ولا كإنه بيقول لي معاكي حق.
دخلت اختي ومعاها بنتها الصغيرة على إيدها.
أنتِ يا بت هتفضلي كدا زي المدب مبتعرفيش تفلتري الكلام خالص؟
قالت وهي بتسند بنتها على رجلي بعد ما سكر قام فرديت عليها:
مليش حق الصراحة يا سمر المرة الجاية هحط جزمة قديمة زي كل مرة وأنا بسمع الإهانة.
كملت باعتراض:
في إيه بجد إنتو زهقتوني أقسم، جيبت أخري.
أمك مش وحشة ولا أبوكي يا فاتن، وأنتِ عارفة كدا، بس هما اتربوا على كدا وطلعوا على إن دا الصح.
فعلشان كدا بقى نموت إحنا بالحيا، طيب يا ستي أنتِ طلعتي وكبرتي مقتنعة زيهم إن مكاننا كـ ستات المطبخ والبيت وبس أنا ذنبي إيه؟
مفيش ذنب يا فاتن ودا الصح.
صح آه، مكانتش الست اتعلمت ولا طلعت ولا خرجت ولا عملت أي حاجة ممكن تفيد المجتمع، والله أنا مقتنعة إنها تبقى أم شاطرة عارفة تحتوي أولادها وتربيهم كويس وتهتم بيهم هي وأبوهم علشان يطلعوا من بيت شبعان حب علشان لما يكبروا ميدوروش عليه برا، يتعلموا صح وياخدوا حقهم وإن اللي يكون أبوهم يكون مقتنع إن الحياة بينّا مبنية على المودة والرحمة مش سي السيد وأمنية.
فوقي يا فاتن إحنا في الواقع، ما انتيش فاتن حمامة علشان تسرحي بخيالك قوي كدا!
هو الواحد مش من حقه يحلم؟ حتى مينفعش يعيش فيها؟!
***
مش هتنزل البلد خالص؟
مش إنتو عايزين مصاريف وكل شوية فلوس فلوس... لو نزلت المكنة هتشطب.
قفلت مع أمي وأختي وقعدت أفكر في إني أدور على شغل مناسب لأني هسيب أي حاجة ليها دعوة بشغلي القديم.
علي خليك معايا هنا.
ركنت كوباية الشاي بزهق على ترابيزة القهوة وقولت:
أنا زهقت يا جلال، جتتي تعبت من شغل الشيل والحط ده، أنا بروح أقسم بالله من كتر التعب بتلقح في مكاني أنام، دا مش قادرة من ضهري يا جدع، دا عايز شغل محترم كدا.
كان أبقى زي اللي كملوا تعليمهم بس أنا مخدتش غير الابتدائية، والله الواحد مننا بتصعب عليه نفسه وهو شايف شاب في سنه قاعد على المكتب وبيأمره وهو بيشيل ويحط وبيودي ويجيب.
خلاص أنا عندي فكرة، عارفه المعلم زيدان بتاع الموبيليا؟
أيوة ماله؟
ما تروح وتعرض عليه إنك تشتغل عنده في المعرض، وأنت بتقول إنك قبل ما ترجع هنا قعدت فترة في بلدكم تشتغل مع واحد شغال في كدا.
الفكرة عجبتني، بس هو ممكن يفكر إني بستغل إني ساعدت بنته فرفضت.
سيبك أنا كل يوم جمعة هنزل أدور على شغل، يلا تصبح على خير أسيبك أنا.
سيبته ومشيت، رجلي خدتني لحد البحر فوقت وأنا باصص عليه، ميفرقش عن الناس، حلو من برا بس غدار وغويط، موجه ممكن يهدى وممكن من غير أي حاجة يغدر بيك ويغرقك ويعلى.
فضلت قاعد شوية وبعدين مشيت وروحت.
بيت بلا روح، زي إنسان بلا عيلة.
نفس الشاب اللي مكملش تعليم كان غاوي يطلع مهندس، وهو نفسه اللي قاعد يذاكر علشان امتحاناته خلاص على الأبواب.
محدش يعرف إن بقالي خمس سنين مقدم ورقي وبمتحن وبكمل تعليمي غير حسين صاحبي، قربت أخلص تانية ثانوي صناعي وإن شاء الله أطلع مهندس معماري زي ما أنا عايز.
الميزة إني بكمل وأنا هنا في إسكندرية، يعني وقت الامتحان محدش يعرف أنا بستأذن من الشغل ساعتين مثلاً وأروح، معرفتش أجيب مجموع ثانوي بس بإذن الله أجيب مجموع هندسة من صنايع.
نزلت الشغل كام يوم وبعدها اتخانقت مع صاحب الشغل علشان بيعاملنا معاملة العبيد ويلهف هو الفلوس وأنا مرضاش بالظلم فـ سيبت الشغل.
يا ابني هو حد بيلاقي شغل بسهولة اليومين دول عشان تسيبه من خناقة واحدة؟
لأ طبعاً المفروض يهيني ويمسح بكرامتي الأرض أكتر من كدا، وأشوف لو اتحملت أقعد ولو ما استأمنتش أمشي صح؟ طيب وبالنسبة لأنه كل شوية يعلى علينا ويقل من كل واحد كل شوية دا حلو؟ لو أنت شايف إن لما حد ييجي على كرامتك تحت مسمى الشغل فدا شيء يرجع لك إنما عندي أدور على شغل حتى لو في مصر كلها ولا إني أقبل بقلة القيمة دي.
***
حتى لو دبحوك بسكينة تلمة، أنت لازم تسكت علشان دول أهلك وهما الأدرى منك.
قرطفت كام عود نعناع وصبيت الشاي وطلعت اشربه في البلكونة.
جيبت رواية من أوضتي ودخلت أقرأها.
مش فالحة غير في كدا، طيب إعملي أي حاجة.
لا إله إلا الله، ما أنا خلصت كل اللي ورايا طيب، ولما بمسك التليفون وأقعد بيه بتزعقي لي، فأنا قولت أريحكم، هو أنا عملت إيه؟
أنتِ من إمتى وبقى طالع لك لسان يا فاتن؟ الله يرحم لما مكانتش عينك دي بتترفع فيا.
اتنهدت بحزن وسيبتها ودخلت البلكونة.
إنسان مستني من الدنيا ضحكة، مستني تيجي قدامه الفرصة وهو وقتها هيخطفها خطف والله.
بس لو كانت الدنيا أحن!
***
شوفتها واقفة تسقي النعناع بتاعها فدخلت احتراماً لخصوصية الجار.. أو الجارة.
فضلت قاعد كام يوم مش بنزل غير أصلي وأرجع أطلع الشقة أكمل مذاكرة.
خلصنا صلاة الفجر وكنت واخد بعضي وطالع الشقة.
سلمت على المعلم زيدان وقعدت أتكلم معاه لحد ما سألني:
يعني بقالك فترة مش بشوفك في الشغل قولت اطمن عليك أنت في مقام ابني؟
قولت بحرج:
أصلي سيبت الشغل واهو بدور على شغلك برا وبرضه مش لاقي.
طيب ما تيجي تشتغل في المعرض بتاعي مع الرجالة وأهو تتعلم صنعة تفيدك بعدين؟
أنا قعدت فترة شغال مع واحد في الموبيليا واتغلتت منه شوية حاجات كدا.
خلاص تعالى وجميلك اللي عملته مع بنتي دا فوق راسي.
بس أنا ياعم زيدان ما احبش أدخل الشغل علشان عملت حاجة مع حد، أنا أحب أدخل علشان أنا كنت يعتبر صنايعي معاه.
رواية جرح فتى الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء عمر
بس أنا ياعم زيدان ما أحبش أدخل الشغل علشان عملت حاجة مع حد، أنا أحب أدخل علشان أنا كنت يعتبر صنايعي معاه.
لأ يا سيدي أنا هشغلك معايا زي أي صنايعي واللي تحبه.
خدت حوالي دقيقتين أفكر وبعدها قولت له:
تمام أنا موافق، بس كواحد محتاج الشغل مش واحد عمل من وجهة نظرك جميل لأن أي واحد مكاني المفروض يعمل كدا ودا يكون ردة فعله.
تمام يا علي يا ابني ربنا يكرم أصلك ويكتر من أمثالك.
بدأت أشتغل معاه من أول النهار وعرفني على اللي شغالين معاه.
وفي آخر اليوم عملت كوباية الشاي بتاعتي وقعدت في البلكونة بذاكر.
كان طالع من البلكونة اللي جنبي صوت الست من الراديو وهي بتغني وبتقول:
"يلا نعيش في عيون الليل ونقول للشمس تعالي تعالي بعد سنة مش قبل سنة."
رديت على الأغنية:
والله لو تطول فأنا هكون ممتن ليها يا ست علشان إمتحان بكرا اللي مخلصتهوش، غني يا ست غني.
طلعت بنت المعلم زيدان على صوتي.
أنا مكنتش أعرف إنك بتذاكر، آسفة.
ابتسمت ليها:
ولا يهمك عادي، هو حد يكره الست وغناها؟
قالت بتوتر وهي بتفرك في إيديها:
شـ.. شكراً على موقفك معايا النهاردة.
مفيش شكر يا آنسة ءء
فاتن، اسمي فاتن.
مفيش شكر يا آنسة فاتن، دا اللي يستحقه أي واحد مريض لحد ما نقضي عليهم.
ما اعتقدش إننا حتى لو قضينها عليهم هنقضي على تفكير المجتمع العقيم اللي على طول بيجيب الغلط على الست.
بس أنتِ مغلطتيش في حاجة، المريض اللي زي دا حتى لو منتقبة عمر النقاب ما هيمنعه يعمل القرف دا، اللي زي دا محتاج علقة نلمه هو وأشباه الرجالة اللي سووا سمعتنا دول في أوضة ونجيب عصيان خضرة كدا وننزل فيهم ضرب نرنهم علقة.
أستأذن علشان ما أعطلكش عن مذاكرتك.
بالفعل دخلت وأنا قاعد سايب مستقبلي اللي المفروض اذاكر له وحاطط إيدي على خدي وبفكر في اسمها اللي لايق عليها، كأنها طالعة من أيام زمان بملامحها اللي فيها لمحة من ملامح الممثلة فاتن حمامة.
عارف إن كل واحد بيأخد نصيبه من اسمه بس مش لدرجة إنه يكون شبه حد بنفس الاسم.
نفضت الأفكار دي دماغي وفكرت في أبوها اللي ساعدني والمفروض أحترمه وقعدت أذاكر.
بعد ما دخلت فتحت الرواية بتاعتي اللي بقرأها وقعدت أكمل قراءة بس بتشتت لأن يعتبر أول مرة يجمعنا كلام مصحوب بحوار.
دخلت البلكونة جيبت عودين نعناع وكنت داخلة فوقفني وقال:
نعناع دا صح؟
آه.
طيب ممكن عودين منه لأني بحبه.
قربت منه القصرية اللي فيها النعناع بعد ما اديته كام عود وقولت بتوتر وابتسامة:
اتفضل العيدان، وأدي القصرية علشان لو حبيت تأخد منه.
يعني مسمحاني مش سرقة؟
هزيت رأسي وبعدها دخلت وأنا بقوله:
تصبح على خير يا أستاذ.
علي، وأنتِ من أهل الخير.
دخلت عملت كوباية النعناع وروحت دخلت الأوضة أكمل الرواية، فضلت قاعدة بقرأ فيها لحد ما نمت على نفسي وصحيت على صوت عبدالله أخويا وهو بيصحيني.
قومت صليت وعملت الفطار وروقت البيت وحطيت غسيل وبعدها وقفت أجهز في الغدا.
كل دا وأنا ساكتة، زعلي بقى زعل هادي ساكت صامت.
عادي كله بقى محصل بعضه.
سيبت اللي في إيدي لما سمعت التليفون بيرن فلقيتها أختي.
ما تيجي تأخدي تالين يا فاتن شوية الله يسترك علشان عاملين عزومة النهاردة وأنا مفحوتة والله.
من بعد موقف امبارح اللي مليش ذنب فيه وأنا ممنوعة من الخروج، هاتيها أنتِ.
خلصت معاها وانتبهت للأكل اللي بعمله.
خمس دقايق وكانت باعته تالين مع جارتها البنت الصغيرة.
رنيت عليها وأول ما فتحت قولت:
بتتعاملي معايا إني مربية أطفال والله، لاء وكمان بتحطيني قدام الأمر الواقع تمام تمام.
بعد يوم طويل متعب مع بنتها بعتت خدتها أنا خدت شاور ولبست إسدالي وكنت داخلة البلكونة بكتاب من بتوعي أقرأه.
قالت ماما:
قراية إيه بس وكلام فاضي، ولا ليه أي لازمة، روحي أتعلمي طبخة تفيدك أحسن.
معلش يا ماما أنا بحب الكلام الفاضي ده.
لمي الغسيل وطبقيه أحسن وأهي مصلحة في البيت بدال القراية والكلام الفاضي.
لميت الغسيل وطبقته وبعدها رجعت دخلت البلكونة في هدوء.
أنا مش عارف أنا إيه المادة اللي لا عايزة تتلم ولا تتفهم دي؟
قولت:
حاول تاني التعليم برضو يا أستاذ.
أستاذ إيه بس دا أنا لسه طالب طلعان عينة من الشغل والمذاكرة.
خلصت امتحانات وبدأت شغل مع المعلم زيدان وبدأت افوق لنفسي وأخيراً النتيجة ظهرت ونجحت.
روحت اشتريت جاتوه وطلعت على الشقة.
دخلت البلكونة لأني عارف إنها هتكون قاعدة وماسكة كتاب بتقراه كالعادة زي ما بشوفها كل ليلة.
قدمت ليها الطبق وأنا بقول بابتسامة:
ينفع تقبليه مني يا آنسة لاني مش لاقي حد يشاركني فرحتي بنجاحي.
مديت ليها الطبق وهي كانت رافضة، بعدها وافقت وخدتها.
معرفتش إنت في سنة كام ولا بتدرس إيه!
أنا خلصت سنة تانية وداخل تالتة.
إزاي ده؟ قصدي شكلك أكبر.
لأ أنا داخل تالتة ثانوي صناعي.
كمان؟ يعني إيه؟ يعني أنت مكملتش العشرين؟
بقى بذمتك دا شكل واحد مكملش العشرين؟ دا أنا دخل في السبعة وعشرين.
أومال إزاي داخل تالتة ثانوي صناعي؟
دا موضوع طويل.
كنت بتسقط كتير و لا إيه؟
تحسي الكلام عندك مبيتفلترش
ءء، طيب ما أنا مش فاهمة.
قولت بهدوء:
هفهمك، وأنا صغير مكملتش تعليمي لظروف كدا واكتفيت بالشهادة الابتدائية، وبعدها بكام سنة كدا كتير قررت إني لازم أكمل تعليمي.
يعني رجعت تتعلم من أول وجديد؟
أيوا.
حلو، التعليم حلو بس ينفع تكمل بعد صنايع ولا خلاص الدبلوم؟
أكيد إن شاء الله.
وهتطلع إيه بعدها؟
مهندس إن شاء الله.
إزاي؟
هشد حيلي كدا وأدخل كلية الهندسة وأبقى مهندس معماري قد الدنيا إن شاء الله.
خلاص خلي الجاتوه لحد ما تدخل تالتة وساعتها اخدها واحتفل بنجاحك.
كملي الطبق.
إن شاء الله يكرمك وتجيب المجموع بتاع الكلية اللي نفسك فيها.
بس عندي سؤال.
اتفضلي.
كنت بتذاكر إزاي بجانب الشغل؟
عادي.. بذاكر أول ما اصحى وبعد الشغل وفي كل وقت علشان أقدر أقف بكل فخر وأقول إني حد معاه منصب وشهادة ومتعلم.
لما بتحكي بتحكي المجمل، علشان محدش ينفع يسمع قد إيه قصتك بتوجع، مر عليها حوالي اتناشر بس في جروح كدا ملهاش دواء هتفضل وجعاك مهما عملت.
أنت صح، التعليم فعلاً نعمة ياريت كل واحد بيملكها وبيكمل عادي يدرك قيمتها، استأذن أنا تصبح على خير وألف مبروك على النجاح عقبال ما تحقق حلمك.
سابتني ودخلت وأنا كمان دخلت علشان اصحى أعيد نفس الأيام بس الفرق إن بقى ليا شغل أخف من اللي كنت فيه.
التليفون رن وكانوا في البيت فمرضيتش أرد عليهم ودخلت نمت ولما صحيت كانت الصدمة.
رواية جرح فتى الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء عمر
التليفون رن وكان البيت، فمرضيتش أرد عليهم ودخلت نمت.
ولما صحيت كانت الصدمة، أكتر من عشرين مكالمة فاتت.
فرجعت رنيت عليهم وعرفت إن أخويا وقع في الشغل ورجله إتكسرت.
ــ طيب وأنا هعمل إيه؟
ــ ابعت فلوس علشان العلاج والكشف.
خرجت عن شعوري وقولت لأمي:
ــ فلوس إيه ما أنا لسة باعت وبعدين أنا مش فاهم، هو مش المفروض بيشتغل وكمان شغله ثابت وأحسن مني؟ يعني إيه ابعت فلوس؟ دا مبيشتريش قشاية للبيت وتلاقيه معاه أكيد مستنية مني أنا؟ سلام يا أمي عشان أنا لو موتت والله ما هيفرق معاكم غير القرش اللي هينقص. الله يقطع علي من وشكم.
قفلت في وشي، كالعادة يعني طالما الكلام مش على هواهم.
بس أنا لو قعدت أضيع كل قرش بتعب فيه ليهم وإخواتي يحوشوا لنفسهم ويعدلوا هقعد زي قلتي ولا هتحرك من مكاني.
صليت ونزلت المعرض.
رجعت أختي رنت فرديت بزهق منهم:
ــ أنت فين يا زفت؟
ــ أنا زفت؟
ــ أيوة لما تسافر ومحدش يعرف أنت فين ولا حد يعرف عنك حاجة يبقى زفت وستين زفت.
ضحكت بغُلب وقولت:
ــ ضحكتيني والله، يعني هيفرق معاكم وبعدين أنا مش هربان أنا شغال في إسكندرية وانتو عارفين كدا.
ــ بس محدش يعرف فين مكانك ولا حتى شغال إيه.
ــ ما أعتقدش إنه هيفرق معاكم، المهم إني أبعت فلوس، مع إني مش مجبر طالما في إتنين غيري بيبعتوا، وأرض الله واسعة يا بت أبوي والشغل مبيخلصش ولا المشاغل بتنتهي.
ــ ياريت كنت إتعلمت مكنتش تعبت ولقيت شغل كويس وفلوسه عدلة.
ــ وأنا اللي قولت أختي وزعلانة عليا وعلى مستقبلي اللي ضاع من زمن الزمن وصحتي عضمي اللي إتهلك من الشيل والحط، سلام.
ــ سلام بس ابقى عرفنا مكانك.
قفلت معاها وبعدها دخلت المعرض اللي منه دخلت على الورشة جوة.
ــ إتأخرت برا يعني؟
ــ معلش يا عمي كان عندي مكالمة من البيت بخلصها.
ــ طيب عايزك تدي الدولاب دا وش معجون وتدهنه، وشوف بعدها باقي الحاجات اللي عايزة وش معجون وخالد معاك برضو.
وقفت أنا وخالد ندهنهم وبعد ما خلصنا سيبناهم ينشفوا.
طلعت آخر اليوم بعد ما خلصت الشقة كالعادة يعني.
مكان بارد برود مميت، فاضي عليا، عملت لنفسي أكل في السريع بعد ما غيرت وقعدت أكل وأنا قاعد بسمع فيلم قديم.
على قد ما اشتاقت للمتنا أنا وإخواتي في البيت على قد ما لو أطول ما أروحش تاني هعملها.
أن تبتعد برغبتك ولكنك في نفس الوقت مبتعدًا رُغمًا عن أنفك، أنت تحب مكان نشئتك، ولكنه يؤذيك بكل الطرق، فـ تارة يجرح مشاعرك ومرة يكسرك.. فتذهب متضطرا حزينًا تجر أحلامك التي بنيتها حينما كنت صغيرًا.
***
أنا مش عارفة أنتِ مش موافقة ليه على العريس!
ــ عادي مش مرتاحة يا سمر.
ــ خدي بس البت دي.
ادتني بنتها وكملت كلام:
ــ العريس مناسب، وأنا والله صليت إستخارة ومش مرتاحة.
ــ دا أمك مش طيقاكي وهاين عليها تولع فيكي.
ضحكت وأنا بقول بتريقة:
ــ بتموت فيا.. بتموت فيا، تخيلي دا في كل كلمة قاعد يأخد رأي أمه، أصل أمي قالت، أمي عملت، أمي سوت، أمي بتقول كذا ، أمي رأيها كذا، طيب إيه؟ هو مين العريس بالظبط؟ لا وايه يتكلم كلمة ويبص لها ويشوفها موافقة على كلامه ولا لاء.
ــ بار بيها.
ــ بار بيها إيه بس! دا ابن أمه يا سمر وفي فرق بين البار بأمه وبين ابن أمه.
دخلت ماما.
ــ أهلاّ باللي فرساني، أهلاً باللي مش موافقة على عريس، تكونيش مستنية واحد من القصص والروايات بتاعتك اللي بتقريها يطلع لك منها؟ ولا مستنية الفارس الأبيض ييجي يأخدك على حصانه؟
دخل بابا على صوتها وهو بيقول لها:
ــ وطي صوتك يا أم عبده، ومتحرقيش في دمك كدا أنا أصلاً مش موافق عليه حتى لو هي رضيت، دا معندهوش شخصية وأمه هي اللي ممشياه، دا أبوه ما إتكلمش معايا كلمتين مع بعض والولية هي اللي بتتكلم.
ــ دول مرتاحين مادياً يا حاج ومعاهم شيء وشويات.
ــ بس مفيش عندهم راجل أعرف أتكلم معاه وأخد منه كلمة، دا إيه فايدته؟ بصي أنا رافض وصلي لهم أنتِ بقى الرفض، والبت كدا كدا هييجي عدلها، واللي أحسه راجل ويستحق يأخد بنتي دا اللي أوافق عليه، مش أي واحد والسلام، دوي أمانة في رقبتنا ولو جوزناها غصب عنها ولا جوزناها جوازة والسلام وكان مش كويس هنشيل إحنا ذنبها ونتسأل عنها قدام ربنا وأنا مش حِمل إني أقف قدام ربنا وأنا شايل ذنب جواز واحدة منهم لواحد مشقيها.
ــ اللي تشوفه يا حاج.
سابونا وطلعوا وإحنا ابتسمنا بحب على طريقتهم.
بالرغم من وعلى الكبير بسبب قفلة بابا علينا وإننا لا بنطلع ولا بندخل وبالرغم من زعلي الكبير من ماما إلا إن حجر أساس البيت يتمثل فيهم.
طلعت جهزت العشا وحطيته على الترابيزة وناديت عليهم.
قعدنا وكنا ساكتين لحد ما عبدالله إتكلم.
ــ عارف يا بابا أنا إتصاحبت على علي جارنا، وقالي إنه زي أخويا الصغير.
بس بابا لماما وهو بيقول:
ــ أهو الواد علي دا راجل ويستحق يتقال عليه راجل، مش زي الخِرع اللي كان دا اللي لو إتقاله بخ يجري يتحامي في أمه، الصراحة الراجل جدع وشهم وابن بلد، صعيدي من صلب الجبل.
الفضول خدني فسألت:
ــ يعني إيه يا بابا؟
ــ كان بيحكي لي وبيقول إن أصله صعيدي وقريته جزء من الجبل، يعني ابن جبل، وبيشتغل من وهو صغير وبيساعد في مصاريف بيتهم مع إخواته _ بص لماما وهو بيقول _ مش زي مجايب أمك اللي تِشرح.
قالت ماما:
ــ وحيلته إيه علي دا؟
رد بابا:
ــ عارفة يا أم عبده، بحكم عشرتي للناس والسوق من زمن الزمن دا خلاني أعرف كل واحد بعد كدا هيبقى إيه.
ردت باستخفاف:
ــ هيبقى إيه؟
ــ مش عارف هيبقى إيه بس واثق إنه هيبقى حاجة تشرف، راجل عنده طموح ملوش في عبط اليومين دول، حياته شغل وبس، مركز مع نفسه ومش باصص لغيره، وعينه مليانة بطريقة بسم الله ماشاءالله عليه.
ــ جر إيه يا حاج دا أنت ناقص تجوزه ليها، ولا كل دا علشان تقطم فيا يعني؟
خلصنا ودخلت روقت المطبخ وبعد ما هما ناموا خدت كتابي وكوباية النعناع بتاعتي ودخلت البلكونة علشان أقعد مع نفسي شوية.
أول ما دخلت وبصيت على البلكونة اللي جنبي لقيته قاعد وسرحان لدرجة إنه مخدش بالي مني لما دخلت.
قعدت أنا كمان من سكات وبدأت أقرأ في الكتاب اللي معايا لحد ما هو قال بسرحان:
ــ الدنيا وحشة وقاسية بطريقة تحزن والله.
رفعت عيني من على الكتاب وقفلته وبصيت ليها، كان وشه باين عليه الحزن بطريقة محزنة.
وبدأ يتكلم بنبرة هادية لكنها حزينة:
ــ عارفة لو كنت كملت كان زماني زي قدي وفاتحين مكاتب، كان ممكن اكون أشطر، لو مكانش هو سابنا ومشي كان ممكن أعيش معاه حاجات كتير، كان ممكن أطلع واحد شكله متربي وابن ناس بدال اللي أنا فيه دا.
رديت عليه ببيت شعري:
" طاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت، وكنت أظنها لا تفرج."
ــ بس المرة زادت قوي، لو كان جبل مكاني مان ممكن ينهار.
ــ ربنا مش بيكلف حد مننا فوق طاقته حتى لو هو مش كدا، أو هو مفكر نفسه معندوش طاقة بس لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ــ من علامات حب ربنا ليك إنه يبتليك علشان تتوب، وعلشان تقترب منه أكتر، جرب تتصدق، صلي قيام الليل مثلاً وتدعي، مشوفتش حد دعا بحاجة فيه إلا وإتحققت.
هز رأسه بهدوء وقال وهو بيبص على الكتاب بيفتح موضوع تاني بعد ما حس إنه زعله بان.
ــ بتحبي القراية ليه؟
ــ سبتخليني أعيش عالم وحياة تاني نع نفسي بعيدة عن كل حاجة حوالينا، عالم تهرب له من زعلك ومن خوفك ومن اي حاجة.
ــ طيب ما تديني كتاب أنا كمان أهرب بيها من دماغي.
دخلت بالفعل أختار له رواية تكون خفيفة ولذيذة وبالفعل نقيت ليه واحد على ذوقي.
مديتها ليه وانا بقوله:
ــ ممكن تخلي بالك منها وتحطها في عينك علشان أنا بحب كتبي.
ابتسم وقال:
ــ متخافيش والله هحطه جوا عيني.
خده وفي يوم كان قراه والحماس واخده وخلصه وتاني يوم كان جاي يتناقش معايا.
ــ بس أنا محبيتش موقف البطل.
رواية جرح فتى الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء عمر
بس أنا محبيتش موقف البطل.
ودا ليه؟
مش عارف بس أنا مش بحب إن الراجل شخصيته تتلغي قدام اللي بيحبهم، حتى لو كانت روحه في اللي قدامه بس ميلغيش نفسه وحياته وقراراته قدام سلطتهم عليه.
طيب وفيها إيه إنه يقتنع برأي اللي قدامه، وبعدين دي البطلة فـ لازم يحبها!
مينفعش أنا مقتنع إن في أي علاقة أياً كانت هي إيه لازم يكون لكل واحد حدوده، ولكل واحد رأيه، أمشي برأي اللي قدامي في حالة إن هو كلامه صح، وقتها أقتنع بيه، إنما أمشي معمي ومغمض عنيا ويلا سلام هما صح وأنا قافل عقلي ومش سايبه يفكر؟
الصراحة يعني أنا اقتنعت برأيه.
غيرت الموضوع وسألته:
هتعمل إيه السنة الجاية؟
بص لبعيد وقال:
عادي هعمل زي كل سنة بس الفرق إني هضغط على نفسي شوية وهذاكر أكتر علشان مجموع الكلية من صنايع عالي أو أجيب مجموع عالي برضو وأعمل معادلة علشان أدخلها.
كتير بيطلع من التعليم ومش بيكمل.
لما أشوف اللي قدي وقاعدين على مكاتب وأنا اللي رايح وجاي وشايل ومتمرمط وإحنا قد بعض ويمكن فيهم الأصغر طبيعي أحس إني محتاج أثبت نفسي وأحس بقيمتها، في حاجات كدا لنا بنخسرها غصب عننا ما بنصدق إننا نرجع لها من تاني وكأن هترد فينا الروح.
شكل قصته مش سهلة، وراها كتير، محدش بينضج ويفهم الدنيا إلا اللي إتخبط فيها وفي مطباتها خبط كان في وقت كفيل يكسره، بس الضربة اللي متموتش تقوي.
قللت كلام معاها وبطلت أطلع البلكونة احتراماً لأبوها، وعشان ما ابقاش خاين، الراجل بعد ما يشغلني معاه ويعملي قيمة وسط الكل ويعتبرني ابنه اخونه وأقعد مع بنته من وراه؟ والله ما هي من شيم الرجال.
أدمنت القراءة ويمكن دي الحاجة وأكتر حاجة بتفكرني بيها.
بعد فترة كنت مضطر أسافر علشان فرح أخويا كمان يومين.
كنت كونت مبلغ فروحت متصدق بجزء منه ودا الشيء اللي سبحان الله بيزرع البركة في الفلوس والباقي عينت منه مبلغ بعيد وجزء سافرت بيه.
من أول ما رجلي اتحطت في القطر وأنا مش بفكر في حاجة غير إني أروح وأطلب إيدها من أبوها لأن مينفعش كدا، بس في نفس الوقت خايف، مصاريف والتزامات أخاف أكون مش قدها.
جرح قديم فات عليه أكتر من عشر سنين، يمكن خمستاشر سنة لكنه قاعد سايب جوايا أثر عمره ما هيروح.
يفوت العمر ولسة علي العيل الصغير اللي ضهره إتعرى في الدنيا بدري لسة برد الدنيا وقساوتها بينهش في عضمه.
وصلت، سلمت عليهم سلام بارد، بعدها دخلت نمت وصحوني علشان أكل.
بس مش سهل أنت يا علي، محدش يعرف أنت فين، كل اللي نعرفه إنك شغال في إسكندرية، مع إن في كتير قرايب لينا هناك بس أنت واخد مكان بعيد عنهم وبتشتغل والله أعلم شغلك إيه!
بصيت لأخويا الصغير ببرود وقولت له:
إيه الله أعلم بتشتغل إيه دي؟ هكون بشتغل ر.قاصة يعني؟ وبعدين شاغلين بالكم ليه معرفش!
سيبتهم قومت طلعت.
روحت سهرت مع الشباب ورجعت قعدت أسمع ماتش الكورة وبعدها دخلت نمت وصحوني علشان تجهيزات الفرح.
يعني لا أنا العريس ولا العروسة علشان اصحى لتجهيزات الفرح، أنا جاي أريح.
قوم سلم على أبوك يا علي، جه برا.
مش طالع وروحي كدا شوفي جوزك وكوم العيال اللي عندك وزيطة الفرح دي ويلا برة.
قولتها وأنا حاطط المخدة على رأسي فشدت المخدة وهب بتقول:
قلت قوم سلم على أبوك.
أبو مين أنا مش عايز أشوف حد، أنا بكره وبكرهكم يلا إطلعي برا.
طِلعت وأنا شيلت المخدة وبصيت للسقف وأنا بحاول معيطش علشان على رأيهم مفيش راجل بيعيط، إحنا بنتكسر وتلوينا الدنيا وتمرمطنا بس.
أبو مين بس، دا عايش زي اليتيم المتشرد بقالي سنين، اللي في خلالهم مظهرش فيهم غير ييجي خمس مرات.
لبست جلابيتي وطلعت له وسلمت عليه وقعدنا نفطر على الدكة ورا البيت أنا وهو وإخواتي.
الحياة دي بتعلمك تكون سياسي وحيادي، تزعل بس متعاتبش، وحتى لو فكرت أعاتب، هعاتب بعد قد إيه؟ هعاتب على إيه ولا إيه ولا إيه؟
قعدة باردة، اتجمعنا إحنا الشباب وقعدنا ويمكن دي الحاجة اللي بتهون عليا وتصبرني على قعدتي هنا.
عدا الست أيام الإجازة وخدت بعضي بعدها وسافرت.
حياتي كانت مقتصرة على الشغل والقراية والمذاكرة علشان السنة بدأت.
خدت القرار النهائي وفي يوم كنت قاعد على القهوة أنا وعم زيدان وقولت له:
عم زيدان أنا طالب إيد بنتك فاتن.
حط كوباية الشاي بتاعته على الترابيزة وقال:
والله يعني أنت يا ابني عريس متتعوضش طبعاً بس..
قولت بخوف:
لاء صلي على النبي بس بس إيه؟
هات كبيرك يا ابني وتعالى.
يعني أنت موافق يا عم زيدان؟
يا ابني وأنت حد يلاقي زي معدنك اليومين دول؟
الله يكرم أصلك يا عم زيدان... إديني يومين هروح أسافر وأجي بيهم.
سافرت بالفعل لأهلي.
المواجهة مش سهلة، وأنا من البداية وعارف إن هي مش سهلة ولا حتى بتعريفة.
وليه متخطبش واحدة من بنات البلد؟ ولا جاي على هواك بنات بحري؟
أيوا يا أمي، وبعدين محدش يخصه حاجة في حياتي.
وهتعيش فين وأنت شقتك اللي هنا مش جاهزة أصلاّ؟ وهو أبوها هيوافق بيك؟
اتخنقت من كلامها.
ليه ميوافقش بيا؟ وهو أنا قِلة للدرجة دي في نظرك يا أمي؟
أصل محيلتكش حاجة ولا حتى مكان تتجوزها فيه.
قولت الجملة اللي واثق مليون في المئة إنها هتعمل نار:
لاه عندي شقة وملك كمان عندك حاجة تاني؟
نعم؟ ودي منين إن شاء الله وأنت محيلتكش اللضى واللي جاي على كد اللي رايح؟
ربعت ايديا وقولت:
ما لو قعدت عمري بصرف اللي ورايا واللي قدامي يبقى ساعتها أكون ضيعت تعب سنين في الأرض.
مسكتني من تلابيب بتاعة الجلابية وقالت بعصبية وصدمة:
تعب سنين؟ وأنت جيبته منين؟ يكونش ليك في الآثار ومخبي علينا؟ ما استبعدهاش عنك.
بصيت ليها بخيبة أمل وقولت:
تخيلي إن اللي برا يشكر فيا وفي اخلاقي اللي ربنا أنعم عليا بيها وأنتِ وعيالك أنا في عينكم زي المسخ..
كملت والدموع بتلمع في عيني بقهر
بس عامة أنا كان بقالي سنين بحوش من وراكم وأحط القرش على القرش علشان محتاجش في يوم أتسند على حد منكم، من وأنا صغير وأنا حلمي إني أبعد بس مكانش بيهون عليا أسيبكم زي ما أبوي في يوم كسرني وبعد وانتو كسرتوني بعدها لحد ما بقيت ماشي مكسر.
إحنا كسرناك؟
لما يبقى بقالك سنين كاتم جواك علشان محدش يشوف ضعفك وفجأة كل حاجة تطلع بيكون وكأن في سد كان مانع ودلوقتي السد مش اتشال دا إتدمر.
وأنا دلوقتي بعيش قهر الرجال ودموعي اللي بقالي خمستاشر سنة ماسكها نزلت وأنا بقول ليها:
أيوا كسرتوني، من أول يوم هو مشي وسابنا فيه وأنا.. أنا كنت أقرب واحد ليه من عياله ومعاه في الرايحة والجاية، وهو مشي بسبب طمعه في الفلوس ومرجعش، وانتو عملتوا إيه؟ أنا أقولك عملتوا إيه.. قولتي يا واد سافر أشتغل مع أخوك وساعده على الحفار وروحت وسافرت واخويا عمل إيه؟ طبعاً متعرفيش فأنا هقولك، كنت بأخد كل علقة وعلقة، ضرب وأقلام وكفوف وتريقة من الكبير والصغير، مرمطون بينضف ويمسح ويروح لده لده، وضرب منكم ومرمطة وإهانة.
كملت بقهر:
وأرجع أتكفي على الغيط وأخد بالي، معلش أصل أخوك الكبير مسافر وأخوك التاني عيل صغير لازم يتدلع، واختك دي بت مينفعش تطلع، وأنا فين من كل ده؟ أنا اتمرمط، أتهان، أتضرب، حتىى المدرسة مكمبش فيها علامي، لحد ما في يوم سافرت من وراكم وساعتها قررت إن لازم لما أكبر يبقى ليا حياة تاني بعيد عنكم، كلهم كنتي بيهم الأم والاب أما أنا فكنت يتيم الأم والأب... عارفة كام مرة إتعايرت بإن هو سابنا؟ عارفة كام مرة شوفت عيل صغير ماشي مع أبوه وصعب عليا نفسي؟ ولا كام مرة حسيت إن أنا مليش ضهر؟
بقالك خمساتشر سنة ساكت؟
رواية جرح فتى الفصل السادس 6 - بقلم ولاء عمر
بقالك خمسة عشر سنة ساكت؟
ــ ولو كنت اتكلمت كان إيه اللي هيحصل؟ إيه هيتغير؟ ولا حاجة هيتغير منها مللي غير إني كنت هتكره أكتر.
دخل أخوي الكبير على صوتنا من برا:
ــ في إيه ومال صوتكم واصل لآخر الدنيا كدا ليه؟
ردت عليه أمي وهي بتبص لي وبتأكلني بعنيها:
ــ أخوك البيه طلع مختفي عشان مشتري شقة من ورانا وعايش وشغال بعيد، لاه وإيه كمان عايزنا نروح معاه يتقدم لواحدة من هناك! كان بيستخسر يبعت القرش للبيت اللي أولى من كله.
ــ أنا يا أمي كنت بستخسر؟ دا أنا ببعت وبأبقيكم عليا، مستكترين عليا إني فكرت في نفسي؟؟ مستكترين عليا إني بقي ليا مكان؟
رد أخوي وقال:
ــ حقاً إحنا نتلقح هنا وأنت تروح تقعد في البندر؛ ومين بقى اللي هيروح معاك؟
قولت بقهر:
ــ المفروض يعني أول قعدة تبقى قعدة رجالة، يعني أنت يا أخوي الكبير وسندي وأبوك وعمك الكبير.
رد ببرود:
ــ ولو مروحناش؟ هنصغرك صح؟
ــ وليه تعمل معايا كدا؟ أنت مشوفتش مني وحش!
ــ وأنت تسيب البلد هنا وتروح تعيش في إسكندرية وإحنا نتمرمط هنا في الأرض ونشيل الطين؟
ــ يا أخي ما أنا بقالي سنين أنا اللي واخد بالي من الأرض دي، أنا اللي بزرع وأسقي وأحصد وأنت وأخوك مسافرين وقاعدين بشوات.
ــ ما أنت طول عمرك في الأرض!
ــ ناقص أروح أدفن نفسي فيها، خلوا إنتو بقى بالكم وأنا يا سيدي هنزل في الأوقات اللي هيكون فيها شغل وحصاد، بس حرام عليك تستكتر عليا إني استقر وأنت ربنا أنعم عليك وإستقريت وإتجوزت وقربت تكون أب.
ــ مهروحش معاك واللي عايزه إعمله.
زودها فرديت عليه بنفس طريقته:
ــ هعمل اللي عايزة فعلاً... المركب اللي تودي الدنيا مش هتقف عليك، أنا هعرف أتصرف، وأنا غلطان إني جيت لكم أصلاً، فكرت إنكم ممكن تفرحوا لي، بس طلعت عبيط ومغفل.
طلعت وروحت لعمي الكبير اللي كان قاعد في أرضه بيرعاها.
ــ كيف يا علي يا ولدي؟ ومالك وشك مخطوف كده ليه؟
قعدت جنبه على الأرض وحكيت ليه كل حاجة من أول قعدتي مع عم زيدان لحد خناقتي مع أمي وأخوي.
ــ جدع يا علي إنك عرفت تفكر وعايز تبني لنفسك حياة بعيد عنهم، كنت هتعيش عمرك كله شقيان وتعبان وياريتهم حتى شاكرين.
ــ محدش منهم يا عمي عايز ييجي معايا، مستكترين عليا أشوف حياتي!
طبطب عليّ وهو بيقول:
ــ محلولة بإذن الله ومن الصبح هنروح أنا وأنت وأبوك ومرت عمك ونأخد كمان واجب ومعتبر.
ــ وهتجيب أبوي وتخليه ييجي إزاي؟
ــ دي بتاعتي أنا بقى سيبها عليّ.
روحت البيت وأنا مختصرهم وساكت ومش راضي أرد على أي كلمة بتتلقح منهم.
تاني يوم على الساعة ستة الصبح كنت طالع من البيت وماشي.
ــ أنت رايح على فين؟
ــ ماشي، مسافر يا أمي أنا كده كده وجودي تقيل عليكم هنا.
ـــ هتعمل اللي في دماغك؟
ــ أنا كده كده مش فارق معاكم في حاجة، فأعمل اللي في دماغي ولا ما أعملوش مش هتفرق، لو هيأثر عليكم غيابي وزعلي منكم في حاجة فأكيد هيكون تأثير قلة قرش بس من إيدك.
فتحت باب البيت وخرجت وأنا عامل زي اللي ماشي يجر خيبته.
إنسان ماشي بيمثل الجمود على وشه بس لو شكه دبوس ممكن ساعتها يقلب عيل ويرمي كل أفكار ومعتقدات المجتمع ويقعد يعيط زي العيل الصغير اللي ضاعت منه لعبته.
روحت لعمي وكان مستنيني هو ومراته ومشينا على المحطة، كنت طول الطريق ساكت.
ــ دا وش عريس ده؟ يا ولدي إضحك.
ابتسمت ليها إبتسامة خفيفة وهزيت رأسي ورجعت بصيت على الطريق.
أول ما وصلنا محطة إسكندرية كان أبوي مستنينينا.
سلام بارد مني في الظاهر. بس السلام دا ونظراتي ليه ما هي إلا حسرة.
كنت شايف وملاحظ إزاي عمي بصوت واطي عمال يقوله يبقى كويس عند الناس.
رنيت على عم زيدان وعرفته ووصلنا في المعاد اللي كنا متفقين عليه.
لا أخفيكم سراً بس متوقعتش إن عمي هيتكلف ويشيل هو الزيارة ويجيب خيرات الله معاه من البلد، قعد هو وأبوي ــ كلمة غريبة لواحد كان عايش عنده أب وفي نفس الوقت كأن معندوش.
عم زيدان استقبلنا بحفاوة وكان ناقص يشيلنا من على الأرض شيل والله، وكانوا مجهزين لينا أكل كتير علشان إحنا جايين من سفر.
قعدوا وعمي كان الطرف المتكلم لأنه هو الكبير والحمد لله الدنيا مدخلتش في بعضها وكان في اتفاقات وهي وأمها حبوا مرت عمي.
سابوا لينا مساحة نقعد بعيد فقعدنا في البلكونة.
أول كلمة قولتها ليها:
ــ مكنش ينفع أخون ثقة الراجل اللي ساعدني في الوقت اللي كنت غرقان فيه ولو مكنتش إتلحقت كان زماني ميت غرقان، علشان كدا اختفيت لحد ما استنينت الوقت المناسب وخدت الخطوة وجيب علشان علشان...
رفعت رأسها بحياء لكن فضولها تعلب عليها فسألت:
ــ علشان إيه؟
ــ علشان الكتب والروايات.
ــ الكتب والروايات؟
ضحكت وعدلت كلامي لما حسيته مستفز وقولت الحقيقة:
ــ مكنتش هلاقي زي تربية المعلم زيدان ولا في الأدب والأخلاق وكنت هخسرك وكفاية اللي خسرته زمان.
كان القط بتاعها اللي عرفت إن اسمه سكر قاعد جنبنا والحقيقة كان قط حلو ودي المشكلة.
بعد ما خدنا قعدتنا عندهم خدتهم على الشقة وفرجتهم عليها، الشقة مساحتها مكانتش صغيرة بل بالعكس واسعة وتلات أوض حتى موقعها المنطقة حلوة.
عمي ومرت عمي سيبتهم يناموا وأنا نزلت أكمل شغل في الورشة وأبوي مشى ورجع مكان ما كان.
تاني يوم كان عمي ماشي فطلبت منه يستنى ودخلت الأوضة فتحت الدرج وطلعت منه مبلغ وطلعت له.
ــ حقك عليا إني كلفتك وجيبتك كل المسافة دي أنت ومرت عمي، دا غير إنك شايل تمن الزيارة اللي حبيتها معاك.
مديت إيدي بالمبلغ اللي في إيدي فبص ليا وقال:
ــ من الأول وأنا معتبرك زيك زي عيالي، يعني أنا لو خدتها وعملت كدا المفروض يحاسبني؟ دخل فلوسك وإحترم نفسك يا علي وإتلم.
ــ بس أنت اتكلفت كتير، خدها بالله.
ــ شيل فلوسك يا علي علشان ما أصفخكش قلم يخلي صف سنانك اللي فرحان بيه يقع..
شيلتها بعد زعيق منه ومحاولة إنه يهزقني ست آلاف مرة علشان كنت مُصر أدفع.
قبل ما يمشي وإحنا عند المحطة شكرته وأنا الدموع محبوسة في عيني وقولت:
ــ شكراً يا عمي على وقفتك جنبي وإنك مسبتنيش زيهم.
طبطب على كتفي وهو بيقول:
ــ سيبك منهم يا علي وعيش حياتك، وبعدين إيه العبط اللي صاحي من النوم تهرتل بيه ده؟ أنت ولدي يا علي، ولدي الصغير الشهم الجدع اللي يسد ويبقى سيد الرجالة منين وفين ما يكون.
قولت بنبرة شايلة حزن الدنيا جواها:
ــ كسروني قوي يا عمي، كسروني لدرجة وجعتني وخلتني أحس بالعجز وإن يا خسارة عمري اللي ضاع في تعب عشانهم:
ــ مستكترين عليا أعيش.
ــ ربنا يعوضك خير يا ولدي، وبعدين لو هما سابوك فباقي العيلة معاك، إحنا عزوة ما إحناش قليلين، وإحنا هنقف معاك حتى لو هما فضلوا راكبين دماغهم ولا تعبرهم.
حتى لو وقف في ضهرك العالم وكسرك ضهرك فهما كدا بيحموا فوق وكتير.
بعد ما سلمت عليهم رجعت تاني للورشة وقعدت بعد ما خلصت أذاكر في البلكونة.
ــ بس بس.
رفعت عيني. كانت هي فابتسمت، مدت لي صينية عليها كوباية شاي بلبن وكيكة وقالت:
ــ أنت في سنة مهمة لازم تهتم بأكلك ومذاكرتك علشان ترفع رأسي وتبقى مهندس قد الدنيا.
رواية جرح فتى الفصل السابع 7 - بقلم ولاء عمر
أنت في سنة مهمة لازم تهتم بأكلك ومذاكرتك علشان ترفع رأسي وتبقى مهندس قد الدنيا.
ضحكت عليها وقولت بهزار:
ــ قولي بقى إنك عايزة يتقال لك مرات المهندس راحت، مرات البشمهندس جات.
ــ أيوا طبعاً وما أعوزش ليه؟
ــ لاء أنا كدا ممكن أتغر وأقعد أذاكر أكتر الواحد مننا مش بيلاقي كل يوم حد يشجعه...
ــ لاء بقى دا أنت هتلاقي من دا كتير متخافش.
ــ هبقى متدلع! وهتتعبي من دلعي في الآخر وأحب الكيكة وتضطري تعمليها كل يوم ليا.
ــ وأنت شايف إن دا تعب يا علي؟ أنا واحدة بحب المطبخ في بينّا علاقة روحية وبعدين دا الكيكة عاملاها عشان خاطرك.
في مرة من مرات العمر أو في لحظة من لحظاته بتحس إنك عايز الدنيا تقف وصوتها يقف وأنت تقعد بس باصص للي قلبه مال له.
ــ أنت ليه اختفيت كل الفترة اللي فاتت وكإنك كنت متجنبني قصد؟
مسحت على وشي وجاوبتها:
ــ علشان مكانش ينفع أبوكي يكون مستأمني على شغله وفلوسه ومشغلني معاه وأنا على الصعيد الآخر بخونه وبأبص لأهل بيته من وراه، ودي الصراحة حركات عيال، الراجل يحس فيروح يأخد خطوة ميعلقش بيه بنات الناس وخلاص.
جلسات هادية، حلوة ومتعة
كفيلة تشيل من حزني زعلي.
كفيلة تخلي واحد كاره الدنيا وبيعد الأيام وعاوزها تعدي لواحد حابب العمر يقف في اللحظة دي ويقعد هادي وصافي.
ــ هو... هو ليه مامتك مجاتش؟ ولا حد من إخواتك؟
ــ علشان هي تعبانة شوية.
أرد أقولها إنهم مبحبونيش؟ ولا أقول إنهم كارهين لي الخير!
ولا إني تقيل على قلبهم ووجودي تقيل وسطهم وإن علي في نظرة واحد بيساعد أو شايل مصاريف البيت وبس.
كدا كدا هييجي وقت ويعرفوا كلهم، بس ساعتها مش عارف حياتنا هتكمل ولا كل حي هيروح لحاله.
ــ علي، عمالة أكلمك هو أنت سرحت في إيه ؟ ومال وشك قلب كدا ؟!
بصيت لها وقولت:
ــ مفيش، بفكر في بكرا شايل إيه.
ــ كل خير إن شاء الله، يلا تصبح على خير بقى.
بعد فترة كنت دهنت الشقة وجهزتها لأننا متفقين إن فترة الخطوبة مش هتكون طويلة وبكدا الفرح كمان شهر.
بعد ما الشقة اتفرشت وكان باقي على الفرح يومين، كنت واقف بخلص كام حاجة في ضلف المطبخ وبظبطهم ودخل عم زيدان.
ــ تعالى يا علي عايزك برا، هستناك في الصالة.
سيبت اللي في إيدي وطلعت له.
قعد وسكوته كان مُريب.
ــ أنت أبوكم سابكم ومشي وأنت صغير وقعد سنين ولا بيدور عليكم ولا بيسأل فيكم صح؟
وكأن جردل ميه متلجة إتكب عليا في اللحظة دي، يعز على الراجل يعيش قهر الرجال اللي الرسول صلى الله عليه وسلم استعاذ منه، بس أنا بقالي سنين بعيشه.
كمل:
ــ من كام يوم إخواتك جم المنطقة هنا وسألوا عليا وولاد الحلال كتير ودلوهم عليا، قابلتهم على القهوة اللي على أول المنطقة، وقالوا لي كل حاجة.
كنت متماسك تماسك وهمي.
سألته بصوت مهزوز:
ــ قالوا لك إيه ؟
ــ قالوا لي ألحق بنتي منك علشان متعيش معاك نفس مصير أمك مع أبوك وإن شغلك في الشمال وإنك مش مظبوط.
خدت نفس عميق بحاول أتغاضى عن الغصة اللي واقفة في زوري وقولت له:
ــ وأنت بقى ياعم زيدان رأيك إيه؟ مصدقهم؟
المشكلة إن مفيش أي رد فعل على وشه، وأنا عزيز عليا تنزل مني دمعة.
بس أنا والله مكنتش وحش معاهم علشان أشوف منهم كدا.
ــ أنت شايف إيه ؟
ــ مش أنا اللي أشوف يا عم زيدان؛ إنت اللي تقرر.
ــ ولو أنت مكاني وحد جه قال كدا على واحد المفروض إنه هيبقى جوز بنتك اللي هي حتة من روحك كمان هتقبل؟
بصوت مهزوز سألته:
ــ أكيد لما طلبت إيد بنتك أنت سألت عليا أو بعتت اللي يسأل عليا وعلى أهلي في بلدي صح؟
ــ وعارف عنك وعن أهلك كل حاجة وكنت مستني يطلع منك حركة كدا ولا كدا.
حتى إني أخد نفس تقيل عليا.
كمل:
ــ بس المشكلة إني لاقي واحد كويس، مشوفتش منه حركة نقص ولا غدر، حتى في الشغل شايفك من ءأمن الناس اللي شغالة معايا، وعلشان كدا يا علي أنا مرفضتكش، بل بالعكس أنا شوفت فيك واحد بيسعى، ولو كنت حسيت إن في جواك ولو ذرة غدر واحدة أنا مكنتش قبلت إنك تكون جاري حتى.
كأن كان في جبل كاتم على نفسي وفجأة إتشال.
قال بهدوء:
ــ شوف يا علي أنا إتعاملت مع طوب الأرض ــ تعبير مجازي قصده ناس كتير ــ فأنا عندي خبرة في الناس والكداب أو الغدار أو حتى قليل الأدب مهما حاول يبين أو يمثل فأكيد بيكون في حركة ولو بسيطة بتكون كفيلة تفضحه وتبين حقيقته، عارف أنت عامل زي الزرعة الكويسة اللي طلعت بين زرع كدا زي السم، لو كنت إتسابت يا كنت هتكون زيهم يا هيسموك ويموتوك علشان كدا أنت صح في إنك بعدت، وعلى فكرة أنا روحت عند عمك وقعدت معاه وعرفت كل حاجة.
بصيت في الأرض وفي دمعة نزلت غصب عني لما حسيت كإني متعري وإنه عارف كل حاجة.
ــ أنت حاطط وشك في الأرض ومكسور ليه يا علي؟
هزيت رجلي باستمرار ولسة وشي في الأرض وقولت:
ــ علشان ربنا مرزقنيش بالأهل اللي أتشرف بيهم يا عم زيدان، يعني شكلي إيه وأنت عارف كل حاجة عنهم؟ أنا في نظرك إيه ؟
ــ أنا مش لسة عارف، أنا عارف من ساعة ما أنت كنت لسة خاطب فاتن، شوفتني إتغيرت معاك ولا بصيت ليك بصة إنك حد قليل؟ دا أنا حتى عرفت من فاتن إنك بتكمل في تعليمك بعد ما سيبته ودلوقتي في آخر سنة في الدبلوم وانك عايز تكمل تعليمك ويبقى معاك شهادة.
ــ فعلاً أنا في آخر سنة.
ــ أنت يا ابني معدنك أصيل وراجل وتعرف تفتح بيت، بس إعمل في حسابك لو زعلت البت أنا هجيب المنشار وأول ما تنزل منها دمعة بسببك أنا هد.بحك.
ضحكت على اخر جملة قالها بهزار وأنا بشكره:
ــ شكراً يا عم زيدان، جميلك دا جوا عيني هو وبنتك، مش على رأسي بس لاء دي هشيلها جوة عيني.
ــ ودا اللي أنا عايزة يا ابني وهو إنك تتقي ربنا فيها وتشيلها في عينك، أما بالنسبة لاخواتك لما جُم فأنا سيبتهم يخلصوا كل كلامهم وبعدها طردهم بس قبلها مسحت بكرامهتم وخليتهم عِبرة لمن يعتبر.
أول ما خرج أنا دخلت جري إتوضيت وصليت ركعتين شكر لله وأول ما سجدت عيطت، بيقولوا إن الراجل مبيعيطش، بس أنا النهارة عيشت مشاعر القهر والكسرة، ومعاكم كرم ربنا ولطفه.
ياربأنا مش عارف أستوعب بس برضو هما ليه يعملوا فيا كدا وأنا اللي كان بقالي سنين مفحوت وساكت، يعني لولا فضل ربنا وكرمه وإن عن زيدان حد حكيم كانت ممكن وقتها يلغي كل حاجة وتحصل مشاكل كتيرة بدون تفكير.
عزمت على الفرح ـــ اللي بالمناسبة كان على البحر ـــ العيلة لأني منزلتش هناك أصلا و ولا عزمت إخواتي ولا أمي.
بعد تلات شهور.
ــ يا علي بقى إصحى أنا قاعدة مستنية النتيجة بتاعتك على نار وأنت بارد بطريقة بجد مستفزة.
شديت الغطاء على وشي وقولت:
ــ أنا عملت اللي عليا والباقي بقى مش بتاعي بتاع ربنا.
بالليل كنت رجعت من الشغل وهي كانت في المطبخ فدخلت وهي بتعمل المسقعة.
ــ دا أنتِ راضية بقى ومبسوطة وواقفة تعملي لي الأكل اللي بحبه.
ــ هو عنيا ليك وكل حاجة بس ليه تزهق من الطبيخ.
مسكت خيارة وقطمت منها وأنا بقولها:
ــ بالمناسبة أنا نجحت وجيبت 89 %.
أول ما سمعت كدا زغرطت.
ـ يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك يا حبيبي.
ــ الله يبارك فيكي باقي بقى أنجح في المعادلة.
قلبت في الأكل وهي بتقول بحزن وتردد.
ــ عارف النهاردة شوفت إتنين كانوا صحابي وإحنا صغيرين.
ــ وبعدين إيه المحزن في كدا؟ كانوا مزعلينك وأنتِ صغيرة نرجع بالزمن ونضربهم لك ؟
رواية جرح فتى الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء عمر
وبعدين إيه المحزن في كدا؟ كانوا مزعلينك وأنتِ صغيرة نرجع بالزمن ونضربهم لك؟
رفعت السكينة في وشي وبعدين رجعت نزلتها وهي بتقول:
ــ خِف استظراف يا خفيف.
ــ تؤ تؤ يا فاتن هانم، كنت فاكرك أرق من إنك ترفعي السكينة على جوزك! دا إتضحك عليا بقى!
ــ لا أهو أنت متعرفش بالقرارات الجديدة ولا إيه؟
ــ لاء الصراحة مش بتابع.
ــ البضاعة المباعة لا تُرد ولا تستبدل يا بشمهندس.
ــ تشبيهك رهيب يا بنتي، يا ريت الموهبة دي تندفن.
ــ سيبك من الموهبة دي علشان محدش بيقدرها اليومين الإنسان بطل يقدر أخوه الإنسان من زمان.
ــ لاء أنا ممكن أعيط وازعل علشان مواهبك المدفونة دي وبعدين أدفنها أكتر.
إتعصبت وعلت صوتها وقالت:
ــ أنت مســتــفــــز.
ــ أنا يا بنتي ربنا يسامحك وأهو الإنسان وهو بيظلم أخوه الإنسان وييجي عليه.
ــ علي.
ــ إحنا بالليل متأخر.
ــ حلو يعني أعمل إيه؟
ــ نفسي أنزل أتمشى على البحر بالليل ونقعد نحكي لحد الصبح.
ــ من عنيا يا ست فاتن حمامة.
ــ أروح أغير يعني؟
ضحكت على حماسها وقولت:
ــ طيب نأكل الأول وبعدها ننزل.
حطيت الأكل وهو جه ورايا بطبق السلطة.
قولت بحماس:
ــ هنتمشى لحد ما رجلينا توجعنا، وبعدها إيه بقى نروح نشتري روايات كتير.
ــ خلصي يا مصروف الشهر خلصيه.
ــ القراءة غذاء الروح يا علي.
ــ وعلى كدا لما نجوع هنأكل ورق ونأكل كلمات، معلش أصل القراءة غذاء الروح.
بصيت في الطبق وبدأت أكل وأنا لاوية بوزي.
ــ خلاص متزعليش، هنجيب يا ستي.
رفعت عيني ليه وبصيت بنظرة إنتصار ليه فقال:
ــ أقسم بالله أنا عارف حركاتك دي.
ــ هتتراجع هعضك في إيدك.
ــ طب على فكرة بقى زمان كنتي عاقلة وهادية وراسية!
ــ لاء دا أنا بس مكنتش واخدة عليك وكنت يدوبك واحد جارنا إنما دلوقتي أنت مننا وعلينا عادي.
بص ليا وابتسم بحب وقال:
ــ عارفة يا فاتن؟
ــ عرفني يا سيدي.
ــ أنا ممتن ليكي أنتِ وأبوكي إمتنان، في حاجات الواحد لو عاش عمره يشكر ربنا عليها ويسد دينها للي قدامه هيحس إنه مش كفاية.
أنا عرفت حكايته من بابا من أيام الخطوبة، لكن حبي ليه وكمان إن بابا كان متمسك بيه هما اللي انتصروا، ولو رجع بيا الزمن هختاره ومش هندم برضوا.
ــ إوعى تقول كدا يا علي، إحنا واحد، الحياة مش شد وجذب وخناقات على قد ما هي حب وود ومشاركة، وبعدين فاتن حمامة كل أفلامها فيها حب ينفع أنا كمان كـ فاتن أتخلى عن الحب لما ألاقيه؟ يرضيك يتقالي فاتن حمامة منك ومعملش زيها؟
ــ لاء أنا أتبثت مع أنا اللي دوري التثبيت.
ــ شوفت بقى ميزة الروايات بتعلمنا نثبت اللي قدامنا.
حط إيده على وشه بنفاذ صبر وقال:
ــ يعني كل دا تثبيت وخلاص، صوتوا يا جماعة يمكن حد يلحقنا.
ــ قول إنك بتطلع من الموضوع علشان متخليناش ننزل نتمشى قول.
ــ وحياة ربنا لو ما دخلتي وجهزتي في عشر دقايق بالكتير لمفيش نزول، يلا بقى وإبقي إتأخري براحتك بقى.
ــ خلاص على بال ما اغير أنت تلم الأكل وتغسل الأطباق.
ــ روحي يا شيخة بالله بسرعة.
ــ جدع حبيبي.
دخلت وأنا مبتسمة، إختارت فستان بني و لفيت طرحة لونها أبيض، بعدها فتحت الدولاب واختارت منه قميص لونه بني وبنطول بيج ليه علشان نكون مطقمين مع بعض.
حطيتهم على السرير ورشيت عليهم برفان.
بعد ربع ساعة كنا طلعنا، وبعد مشي عشر دقايق أو ربع ساعة كنا قدام البحر.
قعدت على صخرة وفضلت باصة للبحر وسرحت معاه وفضلت ساكته.
ــ بتفكري في إيه؟
ــ بفكر في ترتيبات ربنا لكل حاجة كنا مفكرينها مش خير لينا، وفي حاجات وجعتنا وزعلتنا ومكناش متمنيين إنها تحصل من غيرها كنا ممكن منبقاش بالنضج اللي في بالنا.
قعد على الأرض سند رأسه على رجلي.
ــ مفيش حد حوالينا.
قعدت احرك إيدي على شعره لأني عارفة إنه بيحب الحركة دي.
ــ وايه بقى اللي خلى دا ييجي في بالك دلوقتي؟
بصيت للبحر وأنا بحاول أبان عادي وقولت:
ــ عادي، مجرد تفكير جه في بالي.
ــ فاتن.
ــ قول يا علي.
ــ إيه اللي حصل لما شوفتي أصحابك؟ أنتِ من وقتها وأنتِ بتتحججي ومش عايزة تتكلمي.
مسحت دمعة فرت من عيني وقولت:
ــ أصل لوهلة لما شوفتهم صعبت عليا نفسي أوي... بس والله بعدها حمدت ربنا وقولت عادي.
إتعدل من مكانه وقعد يهدي فيا ويطبطب عليا.
ــ إحكي لي اللي حصل لما شوفتيهم، علشان شكلها مكانتش مجرد مقابلة فيها سلام وبس.
ــ هحكي لك من أول فاتن البنت الصغيرة أم ضفاير، من زمان وبابا قافل علينا ومش بيحب إن حد يضايقنا بكلمة حتى، وماما دقة قديمة مش إن البنت تطلع أو تدخل ومن بيتها لمدرسة وبس، عارف زمان أنا كنت شاطرة قوي في المدرسة وكنت بطلع من الأوائل، ماما وبابا كانوا فخورين بيا وكانوا مش ممانعين إني أكمل، لحد ما إيه بقى كنت في تالتة إعدادي وبعد ما النتيجة ظهرت ونجحت وجيبت مجموع الثانوية وعديته كمان واحدة من البنتين دول جات أمهم قعدت مع أمي وقعدت تخوفها بقى من ثانوي وتقول كلام كدب.
ــ وبعدين؟
ــ ماما خافت وصدقتها وقالت لبابا فاقتنعوا إني مش هكمل، ساعتها قعدت أتحايل عليهم كتير إني أكمل فدخلوني تجارة بحيث أخد الدبلوم وأكتفي بيه.. أحلامي مكانش ليه حد ولا سقف، وما انتهتش، دخلت وكنت شاطرة برضوا وبتحدى نفسي وأطلع من الأوائل وجيت في سنة تالتة جيبت مجموع كلية التجارة من غير ما أحتاج لمعادلة أو حاجة، بس بابا رفض إني أكمل وقال كفاية لحد الدبلوم الجامعة بعيدة علينا.
سكت دقيقة وبعدين كملت:
ــ النهاردة بقى شوفت البنت اللي أمها جات لأمي وكانت راجعة من شغلها ما هي دخلت ثانوية وكملت وكانت شغالة بشهادتها، فأنا لما شوفتها صِعبت عليا نفسي وحسيت إن كان ممكن ابقى أحسن كمان بس لو كنت كملت.
خلصت كلامي وقعدت أعيط.
ــ المفروض إن هي دي الخروجة اللي هتشمي نفسك فيها وتغيري مودك، هار اسوح يا فاتن دا إتغير للأسوأ، إهدي وأنا والله لأعوضك.
ــ إيه هدخل الكلية؟
ــ وليه لاء؟
ــ بعيدة يا علي دي، الكلام كان يحصل قبل ما إتجوز المفروض، يعني كفاية هتوازن بين الشغل ودراستك وكمان أنا أقدم فنتضغط! كدا كدا فات الاوان.
آخر جملة طلعت مني بيأس فرد هو وقال:
ــ مفيش أوان فات ولا حاجة، بس هنعمل إتفاق.
ــ إيه هو؟
ــ أنا وأنتِ هنكون منافسين لبعض وهنشوف مين هيجيب درجات أعلى وتقديره يكون أحسن، ونشوف مين فينا أشطر وهيطلع من الأوائل.
مسحت دموعي وقولت بتحدي وتفاخر:
ــ وسع كدا أنت بس، متقارنش نفسك بيا أنا هبقى دكتورة في الجامعة، وهبقى الدكتورة فاتن.
ضحك عليا وهو بيخبط ايده الاتنين في بعض وبيقول:
ــ يا حول الله يارب، عندك كمية تقلبات قلبت دماغي معاها.
ــ والله أعيط تاني!
ــ لاء كفاية يلا نروح أسهل.
خِلصت المعادلة و حبيب عيني نجح فيها وبقى مهندس قد الدنيا.
قدمت في الكلية وماما اعترضت بس بابا قال ملناش دعوة مش جوزها موافق.
بعد في أثناء ما أنا قاعدة بذاكر في وش علي اللي مفحوت علشان إمتحانه بكرا قعدت أعيط.
ــ طيب وليه العياط دلوقتي؟
ــ أصلي تخيلت لو الطلق جاني وولدت وأنا بمتحن فحسيت إني لازم اعيط.
حط القلم على الترابيزة وشال النضارة ومسح على عينه وهو بيقول بنفاذ صبر:
ــ فاتن حبيبتي، أنتِ في الشهر السابع يعني قدامك شهرين، وبعدين إيه أم الحمل اللي جاي لك بالعياط دا؟ أنا تعبت أقسم بالله.
كملت عياط وقولت:
ــ قول إنك زهقت مني قول، أنا أصلاً كنت قعدت جنب أمي أحسن، أصلاً بنتك هي اللي نكدية وبتخليني أعيط على حاجات عبيطة.
ــ لاء أخص عليها، ذاكري بس وبإذن تولدي بعد ما السنة اللي مقاعدش فيها غير عشرين يوم دي تخلص.
كملنا مذاكرة، بالمناسبة أنا طلعت التانية على الدفعة الترم وهو طلع الأول للأسف فجايزته كانت كيكة.
وحالياً التحدي إن أنا اللي أطلع الأولى.
بعد سبعتاشر سنة، ربنا رزقني بعائشة و زيدان والتوأم زين وزينة.
ــ يا شوية تحف إتظبطوا، ويلا كل واحد يجهز علشان مدرستكم، معاكم سبع دقايق إنتو الأربعة وأقسم بالله لو ما فوقتوا لهفوقكم بتلج في قفاكم.
انتشروا الأربعة فدخلت المطبخ ولقيتها واقفة تجهز الفطار وعلى وشها إبتسامة واسعة وقالت:
ــ أقسم بالله ما حد بيظبتهم غيرك، دا أنا بيطلع عيني على بال ما أصحيهم.
ــ شوفتي بقى أنا مسيطر قد إيه؟
ــ ومربي تروما لطلابك.
ضحكت وقولت:
ــ أعمل لهم إيه طيب ما جو إني أبقى طيب
دا بح خلص من زمان يا دكتور.
بعد ما خلصنا وكل واحد راحل لشغله، بالمناسبة كسبنا التحدي وكل واحد مننا بقى دكتور فعلاً في الكلية اللي دخلها والنهاردة كان أول يوم في السنة الدراسية الجديدة.
كنت في المكتب ودخل شاب في حدود العشرين سنة وهو متوتر ومش عارف يقف على رجليه.
ــ حضرتك اسمك علي ..... ..... ...
ــ أيوا.
ــ أنا اسمي شريف سعيد .... ....
ــ أنت ابن سعيد أخويا؟
هز رأسه وقال:
ــ أيوا وأنا من طلاب حضرتك.
قولت وأنا بافتكر الاسم اللي مر عليا بالفعل ووقفت عنده شوية النهاردة وبعدها قولت وراد يكون تشابه أسماء فعديته.
ــ أقدر أساعدك في إيه يا شريف؟ أنت مهما كان في مقام ابني.
قال بتوتر:
ــ أنا عارف اللي أبويا وجدتي عملوه معاك، وكنت بدور على حضرتك علشان أوصل لك كلام جدتي ومتوقعتش إن حضرتك تكون نفسك عمي علي فكنت هروح وأدور في العنوان اللي خدته.
طلع من جيبه ورقة ومدها ليا وقال:
ــ جدتي إتوفت من شهر، بس هي كانت قايلة لي أوصل لك الكلام دا.
مد ليا الورقة فخدتها منه بهدوء ظاهري.
فتحتها فهو قال:
ــ هي طلبت مني اكتب لها ساعتها، الكلام اتكتب قبل وفاتها بيوم.
بدأت أقرأه.
" علي، ولدي الوسطاني، ربنا ميبضيعش حق حد، ودي حاجة عرفتها بس عرفتها متأخر قوي، أنا واثقة إن وأنت بتشوف كلامي ده فأنا أكيد موتت، بس ربنا إبتلاني يا ولدي بأمراض الدنيا.
ظلمناك وجينا كلنا عليك كتير قوي، إتقهرت وإتكسرت مننا كتير، بس والله أنا ندمانة، ولو يرجع بيا الزمن لكنت ضميت لحضني وطبطبت عليك، بس هو الواحد مننا كدا مبيعرفش قيمة الحاجة غير بعد ما تضيع من إيديه، أنا فقدت أحن واحد في عيالي، كلهم قسيوا علي يا ولدي، لولا إن شريف واد أخوك عيدور عليا لكان زماني موتت من بدري، كل يوم معرفش أنام من كتر الإحسان بالذنب وإني ظلمتك، الواد شريف جات له كليته في إسكندرية، قولت له يدور عليك، قالي إنه شاف دكتور عنده بنفس اسمك بس أنا قولت له إنك مكملتش علامك وطلعت من المدرسة، سامحني يا ولدي، سامحنا كلنا.“
معرفتش أسيطر على دموعي، إفتكرت كل مرة اتقهرت وإتكسرت فيها. كل مر اتبلوا عليا وحاولوا يكسروني، حتى لما طلبت منهم يقفوا جنبي ورجعت خايب الرجى من ييجي تمنتاشر سنة.
طلعت موبايلي.
ــ أكتب رقمك يا شريف علشان لو احتاجتك، وأنت منين ما تحتاج حاجة أنا موجود، أنا بس دلوقتي محتاج أروح البلد.
طلعت ورنيت على فاتن.
ــ فاتن أنا مسافر على البلد، أنا بابلغك علشان تكوني عارفة لو غيبت.
ــ إهدى بس وبلد إيه دي كمان؟
ــ رايح بلدي، محتاج أروح.
ــ استنى طيب دقيقتين وأكون عندك.
على ماطلعت علشان أركب العربية هي كانت جت ومستنياني.
ركبت وأنا مش شايف قدامي وكل حاجة حصلت زمان عمالة تتعاد قدامي وكأنه سيناريو متصور.
ــ علي في إيه؟
قولت بانهيار:
ــ في إنها جاية تحس بالذنب وتطلب مني اسامحها وهي بتموت، ويوم ما تحس بالذنب تمو.ت، هي ماتت وطالبة مني اسامحها، حتى أبويا من عشر سنين لما مات طلب مننا نسامحه.
ــ علي عشان خاطري إهدى ، لو مش قادر ممكن اسوق أنا بس متأذيش نفسك، كل دا عدى يا علي وفات.
ــ عدى عليا وداس عليا وفرمني معداش بالساهل.
فضلت ساكت طول الطريق ووصلنا في وقت قياسي وأول حاجة عملتها إني اتوجهت للمقابر، قبرها وقبره جنب بعض.
بصيت عليهم بدموع وقولت:
ــ أنا مش مسامحكم، ولو إيه حصل والله ما هقدر أسامح حد منكم حتى إخواتي، ليه بتحسوا بالذنب وانتو رايحين تموتوا بس؟ مش هتردوا عليا صح؟ وأنتِ يا أمي أنا عم شريف ابن ابنك، نفسه الدكتور بتاعه، أصل أنا كنت بتعلم من وراكم وربنا عوضني وبقيت دكتور مهندس، وبقيت أب حنين على ولادي وطلبوا حتة من السماء أنا عندي إستعداد اجيبها لهم... بس أنا مش مسامح في قهرتي ولا إنهم عاشوا وأنا إتداس عليا عشانهم، أما أنت يا أبويا فربنا مايستمحكش برضوا علشان لولا انانيتكم مكانش زماني واقف راجل ملو هدومي مكسور وبعيط زي العيل.
قربت فاتن مني وهي بتعيط وتقول:
ــ عشان خاطري كفاية ويلا نمشي.
ــ سيبيني معاهم.
شدتني وهو بتقول:
ــ يلا يا علي.
جه سعيد أخويا وهو بيبص ليا بحقد وبيقول:
ــ خدت كل حاجة.
رديت عليه بجنون:
ــ خدت إيه طيب؟ ولا كان بعد إيه؟ ما بعد مرمطة، هو في حاجة صحيت لقيتها جاهزة؟ أنت كنت وسط أهلك وأنا كنت ملقح في أي حتة.
ــ شوف بقيت فين وإحنا مبقاش حيلتنا حاجة، حتى الأرض راحت وكل حاجة مبقاش حيلتنا حاجة.
ــ عارف، تستاهل ..
وقفت ما بين فاتن وهي بتقول:
ــ عشان خاطري يا علي يلا من هنا دا مش مكاننا.
مشينا وروحنا.
رجعنا البيت وفضلت قاعد لوحدي شوية في البلكونة لحد ما الولاد دخلوا.
ــ بابا.
ــ قول يا زيدان.
ــ إحنا بنحبك.
ــ وأنا كمان بحبكم كلكم إنتو أغلى ما ليا.
دخلت فاتن:
ــ وأمهم مبقتش مهمة دلوقتي وإتركنت على الرف.
ــ وأنا أقدر يا ست الكل، دا أنتِ الكل في الكل، بس سيبوني لوحدي بالله عليكم.
قربت عائشة وهي بتقول:
ــ طب جرب تطرنا كدا يا سي بابا وأنا والله أعيط لكم.
ــ مقدرتيش تورثي من أمك حاجة غير إنك تبقي عيوطة؟
قربوا زين وزينة وقالوا:
ــ إحنا ورثنا منك البرود.
ــ هار مش فايت، أنا بارد؟
ــ ماما هي اللي قالت لنا كدا.
بصيت ليها فقالت بسرعة:
ــ يعني قصدي مريح نفسك وسايبني معاهم ، غير كدا يعني أنت حبيبي.
ــ هتثبت أنا كدا يعني؟
ــ آه.
ربنا عوضني بعيلة بمعنى كلمة عيلة، أتمنى أفضل في نظرهم الأب الكويس الحنين اللي يفتخروا وأفضل في نظر فاتن الزوج الحنين اللي بيحمل ليها المودة والرحمة.