تحميل رواية «جميلة» PDF
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
يا بنتي بطلي أكل بقا حرام عليكِ كدة مش هيجيلك عرسان ولا هيتقدم لك حد، أنا غلبت معاكِ! لم تبالي ابنتها وأكملت طعامها بإستمتاع: بس ورق العنب ده عظمة من إيدك يا ست الكل. قالت والدتها بضيق: ده اللي همك يا بنتي علشان شكلك حتى. : المكرونة بالبشاميل من إيدك ملهاش حل بجد. والدتها بغيظ: هبطل أعملها خالص وامشيكِ على دايت. : يالهوي حتى السلطة منك تحفة بالليمون وزيت الزيتون. زفرت والدتها بغضب فقالت بذعر: ماما! قالت والدتها بفزع: في إيه؟ بتساؤل: عملتي الكنافة زي ما قولتلك؟ طب فيه قطايف من أمبارح ولا لا؟ جزت...
رواية جميلة الفصل الأول 1 - بقلم ديانا ماريا
يا بنتي بطلي أكل بقا حرام عليكِ كدة مش هيجيلك عرسان ولا هيتقدم لك حد، أنا غلبت معاكِ!
لم تبالي ابنتها وأكملت طعامها بإستمتاع: بس ورق العنب ده عظمة من إيدك يا ست الكل.
قالت والدتها بضيق: ده اللي همك يا بنتي علشان شكلك حتى.
جميلة: المكرونة بالبشاميل من إيدك ملهاش حل بجد.
والدتها بغيظ: هبطل أعملها خالص وامشيكِ على دايت.
جميلة: يالهوي حتى السلطة منك تحفة بالليمون وزيت الزيتون.
زفرت والدتها بغضب فقالت جميلة بذعر: ماما!
قالت والدتها بفزع: في إيه؟
جميلة بتساؤل: عملتي الكنافة زي ما قولتلك؟ طب فيه قطايف من أمبارح ولا لا؟
جزت والدتها على أسنانها بغيظ ولم ترد، فأكملت جميلة طعامها.
نظرت لها والدتها بقلة حيلة: طب حتى علشان تقدري تصلي التراويح ده أنتِ بقيتِ بتنهجي من الركعة الرابعة!
نظرت لها جميلة بحزن وتوقفت عن الطعام، فقال والدها بعتاب: ما تسيبيها تأكل يا أم جميلة يعني هى كانت بتأكل من أكل حد؟ مالك كدة من الصبح عمالة تقولي لها كلام يزعلها؟
تركت والدتها طعامها بضجر: أنا مقولتش حاجة مش لمصلحتها أنت شايف الوضع حتى ده غلط على صحتها وهى ولا على بالها.
قالت جميلة بتذمر: يا ماما مش للدرجة دي حضرتك بتتكلمي ولا كأني ٢٠٠ كيلو ومش بقدر أتحرك من مكاني! أنا مقتنعي بوزني على فكرة وهو مناسب ليا ومش تخينة أنا جسمي مليان بس لو بتعب من الراكعة الرابعة ف ده بسبب الزنقة وعلشان الإمام بيطول وأنا رجلي بتوجعني.
زفرت والدتها بملل: الحجج بتاعتك مش بتخلص، كلي يا أختي يعني أنا هخلص منك ولا من أبوكِ.
ضحكت جميلة وهى تلقي إليها بقبلة ثم أنهت طعامها لتنهض وتستعد لصلاة التراويح مع صديقتها المفضلة.
استعدت بسرعة ثم هبطت لصديقتها التي تنتظرها أسفل المنزل، ما إن رأتها حتى هتفت: وأخيرا! هو ده اللي بسرعة بتاعك يا ست جميلة؟ العشاء هتأذن أهى.
اعترضت جميلة بعفوية : ما أنا خلصت أكل وقومت علطول أعمل إيه تاني مكنوش خمس دقائق يا ست ياسمينا!
رفعت ياسمينا حاجبها: يا سلام؟ طب يلا يلا نلحق الصلاة يا حلوة.
مشت جميلة بجانبها بثقة: طبعا حلوة وليا نصيب من أسمي كمان.
وصلوا وبدأوا الصلاة على الفور ولكن بسبب إطالة القراءة من الإمام بدأت رجلها تؤلمها في منتصف الصلاة، تحاملت على نفسها بشدة حتى انتهى.
جلست تمدد قدمها أمامها وهى تأن بألم وتدلكها.
سألتها ياسمينا بقلق: مالك؟ بتوجعك أوي؟
أومأت جميلة برأسها: أيوا بجد مش عارفة الإمام بيطول أوي كدة ليه من غير ما يدينا راحة حتى في النص.
سمعوا صوت يهمس من خلفهم بسخرية: الإمام برضو اللي بيطول ولا كتر الأكل كبس على نفسك لو ترحمي نفسك شوية.
ألتفتت لها جميلة تقول بإبتسامة ثابتة: بتقولي حاجة يا طنط؟
قالت السيدة بإرتباك: لا يا حبيبتي مش بقول حاجة ده أنا تعبت شوية علشان طولنا النهاردة.
ازدادت إبتسامة جميلة اتساعا: تعبتي من إيه يا طنط من كتر القعدة على الكرسي طول الصلاة مثلا؟ ده حضرتك حتى لسة صغيرة في السن مش كبيرة لدرجة تقعدي على الكرسي ولا عندك أي مرض يمنعك وستات أكبر منك كانوا واقفين كمان.
أحمر وجه المرأة من الإحراج فنهضت جميلة وغادرت مع ياسمينا التي قالت لها بغيظ ما إن خرجوا: طب حتى كنتِ سيبيني أرد عليها دي ست قليلة الذوق وكان مش محترمة حُرمة المسجد اللي كنا فيه.
ضحكت جميلة: كبري دماغك أنا بقيت أكبر دماغي من زمان طالما واثقة من نفسي وعارفة أنه كلامهم مفيش فيه حاجة صح وبعدين هو أنا بأكل من أكلها ولا كانت بتدفعي لي حاجة من جيبها!
ضحكت ياسمينا أيضا: لا.
كانت يتمشان معا وأوشكا على الوصول إلى البيت حين رمى أحد الأطفال عليهم شيئا فرقع بشدة.
صرخوا من الخضة وقالت جميلة بغضب: أنت يا طفل أنت وهو لو ملمتوش نفسكم والله لأكون جايبة علبة أجري بيها وراكوا!
شدتها ياسمينا: تجري ورا مين أنتِ كمان، تعالي هنا!
جميلة بغيظ: ورا العيال اللي متربتش دي بيرموا عليا ويخضوني ده بدل ما يخلوني ألعب معاهم!
زفرت ياسمينا بحنق وشدتها: يلا بدل ما أنا اللي ألعب بالصواريخ في وشك.
ذهبت معها جميلة حتى وصلوا لبيتهم فقالت جميلة بتذمر: شدتيني ليه يا بنتي كنت ناوية ازعق لهم!
لكزتها ياسمينا في كتفها: من دورك دول علشان تعملي شوية العبط بتوعك.
ضحكت جميلة وقالت بمرح: بنسلي وقتنا شوية يا أستاذة ياسمينا بدل ما نروح علطول لسة بدري.
تطلعت لها ياسمينا بتردد وقالت بحذر: هو أنتِ مش بتزعلي لما بتسمعي الكلام ده؟
عقدت جميلة حاجبيها بحيرة: كلام إيه؟
المتعت عيناها بالفهم وقالت بلامبالاة: ااه قصدك عن وزني وكدة؟ يا بنتي كبري دماغك وبعدين أنا مرتاحة وبحب نفسي كدة وعارفة أني مش تخينة كدة كدة الناس مش بيعجبها العجب دول مطبقين علينا مثل الصحاب الإزازة والكوباية بحكم أنه الصحاب لازم يكونوا واحدة رفيعة وواحدة تخينة.
ثم ضحكت فأبتسمت لها ياسمين، شبكت جميلة ذراعها بذراع ياسمينا وتابعت بنبرة حالمة: وبعدين أنا مش هاممني أي حد من دول، أنا بس مستنية قرة عيني تعرفي يا بت يا ياسمينا أنا بقعد أحلم كدة باللحظة اللي هنتقابل فيها زي الروايات كدة، لو مثلا كان هو سايق العربية وأنا عديت من قدامه وأنا مش واخدة بالي ووقفها على آخر لحظة قبل ما يخبطني وطبعا هينزل يزعق بس أول ما يشوفني هينبهر ويتنح كدة من جمالي.
نظرت لها ياسمينا رافعة حاجبها بإستنكار وعلى شفتيها إبتسامة ساخرة.
أكدت لها جميلة بإقتناع: ايوااا يا بنتي طبعا وممكن بقا يحصل بيننا موقف فنتخانق وهو يصر يلاحقني ويحاول يتجوزني غضب عني أو يفضل ورايا يقنعني وأنا أرفض ويغير عليا من إبن الجيران ولما تحصل مشكلة هوبا أوافق ونتجوز ونخلف و…
كانت مسترسلة في حديثها تتحدث بحالمية كبيرة حين قاطعها اصطدام كرة قدم برأسها بقوة لدرجة أنها أغمضت عيونها من صدمتها وانحنت قليلا من الم رأسها الشديد.
أمسكت رأسها بيدها وقالت بألم: اااه إيه ده؟
حدقت جميلة إليها بعيون نارية تود لو تضربها في رأسها حتى تشعر بألمها وتتوقف عن هذا الضحك المستفز.
ألتفتت حولها وهى تقول بغيظ: مين البني آدم الغبي قليل الذوق اللي عمل كدة؟
أشار لها طفل من الواقفين ناحية شخص فألتفتت بعصبية حتى ترميه بكلمات لاذعة على فعلته إلا أنها حين نظرت له وتبينت هويته سيطر الذهول عليها.
جميلة بدهشة: أنت؟
رواية جميلة الفصل الثاني 2 - بقلم ديانا ماريا
حدقت جميلة بدهشة وهتفت: أنت!
كان الشخص الواقف هو شاب وسيم يقف بعيدا بجانب مجموعة الأطفال. كانت تعرف هذا الشاب منذ الصغر، إنه جار لهم في المنطقة ولكنه سافر ليكمل تعليمه الجامعي في الخارج منذ تسع سنوات وبعدها عمل في نفس الدولة التي درس بها.
احمر وجه جميلة من الخجل أمامه، لم تنس أنها في يوم من الأيام كانت تشعر بالإعجاب نحوه، فهو يكبرها بثلاث أعوام وكانت كثيرا ما تلتقيه لأنهم جيران.
قالت بإرتباك: اا..أنت اللي عملت كدة يا وسيم؟
عقد وسيم حاجبيه بإستغراب وسارع يقول بنفي وبنبرة جدية: لا أبدا حضرتك، أنا لسة جاي دلوقتي ومش بلعب كورة أصلا.
رفعت جميلة حاجبيها بحيرة: أمال مين؟
ظهر فجأة شخص من وراء وسيم يضحك: أنا يا جميلة اللي عملت كدة، معلش مكنش قصدي.
حدقت جميلة أمامها بدهشة وهتفت بغيظ: أنت!
نظر لها قاسم وعلى فمه ضحكة يحاول كتمها وعينيه تلتمع بالمرح: أيوا، مالك مستغربة ليه؟ كنا بنلعب وجت فيكِ من غير قصد.
جزت على أسنانها وهى تحدق له بحقد. نظرت حولها بجنون ثم لمحت الكرة وأمسكتها لترميها عليه بحدة، إلا أنه تفاداها ببراعة وألتقطها بيده مما زاد من غيظها.
وضعها تحت ذراعه وهو يرفع حاجبه متعجبًا: مالك مضايقة كدة يا جميلة؟ إحنا كنا بنلعب وأنا شوطتها جامد شوية.
تابع بنبرة متلاعبة وعيونه تلمع بالعبث: مكنتش كورة جت في دماغك من غير قصد يعني، خلي عندك روح رياضية شوية.
كانت على وشك الصراخ به حين شدتها ياسمينا من ذراعها وهى تهمس لها: جميلة أهدي، مينفعش اللي بتعمليه ده، إحنا في الشارع والناس بدأت تتفرج.
تنبهت جميلة فجأة لما يحدث ونظرت حولها، حتى أنها نظرت لوسيم الذي كان يراقب الموقف بعدم رضا. أصبح وجهها قرمزيا من الإحراج خصوصا أمام وسيم. اخفضت عيونها للأرض وهى تشد على يد ياسمينا قبل أن تومئ برأسها وتقول بصوت منخفض: حصل خير.
ألتفتت لتغادر مع ياسمينا قبل أن تتجمد مكانها حين صاح بصوت ضاحك: ده حتى كنا صغيرين وبنلعب سوا وأنتِ عارفة إزاي بتيجي غصب لما كنا نتحمس في اللعب وكانت بتخبط في الناس، حتى أنتِ ساعات لما أي حد يضايقك تخليه معدي وتشوطيها في دماغه أو ترميها عليه وتقولي غصب عنك.
ببطء استدارت له وهى ترمقه بنظرات نارية ودت لو تصرعه أرضا، أما هو فغمز لها وتابع ببراءة: أنا بفكرك بس، إحنا مش بينا غير كل ود، أكيد ف مش عايزك تزعلي.
ازدادت نظراتها خنقا وشدت على يدها بقوة. سارت بسرعة ورائها ياسمينا التي حاولت ألا تضحك حتى لا تزيد من غضب جميلة.
ضحك قاسم على تعبيراتها وضيقها منه الذي لم يتغير رغم مرور السنوات، فقد كان يستمتع بمشاكستها حين كانوا أطفالا. نظر جانبه ليجد وسيم ينظر له بتجهم.
توقف قاسم عن الضحك وقال بتعجب: في إيه يا بني مالك؟ وبعدين مش بتضحك ليه يا وسوم فرفش كدة! ما تيجي تلعب معانا؟
هز وسيم رأسه وحدق إلى قاسم بإستنجهان: بطل حركات العيال الصغيرة دي، وبعدين لعب إيه أنت مش مكسوف وانت بتلعب مع عيال طول ركبتك!
غادر وسيم بعد أن رمقه بنظرة إشمئزاز، بينما حدق له قاسم بتعجب ثم هز رأسه بلامبالاة.
ألتفت لرفاقه وهو يقول بحماس: آخر شوط واللي هيخسر عليه السحور لمدة يومين.
كانت جميلة تسير ذهابا وإيابا وهى تحدث نفسها بغيظ.
كانت ياسمينا تجلس أمامها على السرير في غرفتها وتراقبها وهى تكتم ضحكتها. نظرت لها جميلة وصاحت بها بحنق: أنتِ بتضحكي على إيه؟ ياسمينا متستفزنيش!
ربتت ياسمينا على المكان بجانبها بعفوية: طب تعالي اقعدي بس واهدي علشان نتكلم.
ألقت بنفسها بجانبها وهى تصيح بحرقة: شوفتي اللي حصل؟ شوفتي الغبي ده أحرجني إزاي قدام الناس وقدام وسيم!
رفعت ياسمينا حاجبها ولكنها أجابتها: ماهو قالك مكنش قاصد يعني محصلش حاجة تستاهل كل الغضب ده.
نظرت لها جميلة بعيون تتقد بالشرر: ميستاهلش؟ اسكتي أنتِ متعرفيش حاجة، ده أنا بقا متأكدة أنه قاصد. اسأليني أنا، أنتِ متعرفيش قاسم زي ما أنا أعرفه، طول السنين اللي فاتت وأحنا صغيرين مكنش بيفرح غير لما يضايقني ويغيظني أو يعمل فيا مقلب. حتى لما كبرنا وبقى كل واحد في حاله لازم يبقى مستفز كدة دايما، أنا بقا هعرف أردها له إزاي، صبره عليا بس!
أبتسمت ياسمينا وعيونها تلمع بمكر: بس أنتِ مش مضايقة من اللي عمله قاسم أد ما مضايقة أنه عمله قدام وسيم.
حدقت بها جميلة بإرتباك وقالت بتلعثم: ااا أكيد هتحرج يعني قدامه شخص مشوفتهوش بقالي سنين ويوم ما أشوفه يبقى شكلي قدامه وحش كدة مش حاجة يعني.
رفعت ياسمينا حاجبيها بإستنكار ممزوج بدعابة: اااه قولتيلي، خلاص فهمت.
عقدت جميلة حاجبيها بضيق: قصد كلامك ده إيه؟
ضحكت ياسمينا: قصدي أني فهمت، هو أنا قولت حاجة تاني؟
نهضت من مكانها تستعد للمغاردة: أنا همشي أنا بقى قبل ما الوقت يتأخر.
نهضت جميلة معها لتوصلها: تمام أبقي اتصلي عليا صحيني على السحور.
أوصلتها لآخر السلم فقالت ياسمينا: خلاص خليكِ بقا.
رفضت جميلة قائلة: لا يا بنتي هوصلك للآخر، كدة كدة هشوف حد يجيب لي زبادي.
أومأت برأسها وودعتها ثم ذهبت. كانت جميلة تراقبها بإبتسامة حين لاحظت أن قاسم عائد من بعيد. اختفت ابتسامتها، فكرت بسرعة ثم نظرت حولها وجدت بضعة أحجار صغيرة على الأرض فألتقطتها بسرعة ثم أسرعت تصعد لغرفتها.
وصلت وهى تتنفس بسرعة ثم ركضت مباشرة لبلكونة غرفتها. حاولت أن تختبئ قدر المستطاع دون أن تظهر له وفي نفس الوقت تتمكن من الرؤية. حين أقترب من باب منزله وكان على وشك فتحه والصعود، بسرعة ألقت عليه حجر من الخلف أصاب ظهره. اختبأت بسرعة قبل أن يراها. أما هو أصدر صوتا متألما قبل أن ينظر خلفه بذهول ويهتف: إيه ده؟ مين السئيل اللي رمى عليا الطوبة؟
كتمت ضحكتها وهى تضع يدها على فمها. رفعت رأسها ببطء فوجدت وجهه عابس. هز رأسه قبل أن يستدير ليصعد مجددا، فقامت بسرعة برمى حجر آخر خلف رأسه.
صرخ بصوت عالي وهو يضع يده خلف رأسه ويتلفت حوله بجنون بحثا عن من يرميه بهذه الحجارة.
قال بغيظ: والله لو مسكتك ياللي بترمي لأعلقك.
عضت شفتيها في محاولة لكتم ضحكتها حتى لا تكشفها. رفعت رأسها ببطء حين رأته ينظر لأعلى ناحية بيتها. أنزلت رأسها بسرعة ووجهها أحمر وقلبها ينبض بسرعة. خافت أن يكون اكتشف أنها من فعلت هذا لذلك عادت لغرفتها وهى تحبو على يديها وقدميها حتى لا تصدر صوتا يلفت انتباهه.
حين عادت لغرفتها جلست على السرير وهى تطلق زفرة ارتياح وضحكت حين تذكرت مظهره. ربما يكون إنتصار تافهة ولكنه أرضاها. تتمنى فقد ألا يكتشف أنها من فعلت هذا. تمددت على سريرها حتى تنال القليل من الراحة قبل أن تستيقظ مجددا لتتابع ليلتها.
اليوم التالي وقبل ميعاد الإفطار بقليل طلبت منها والدتها الذهاب لإحضار بعض الأغراض للمنزل. حين كانت تهبط على السُلم ووصلت للدرجة الأخير، ظهر فجأة من العدم شخص أمامها.
شهقت بقوة واتسعت عيونها من المفاجأة ثم وضعت يدها على قلبها من الخضة.
ضحك قاسم بخفة وقال بإستغراب مصطنع: إيه ده أنتِ اتخضيتِ؟
عقدت حاجبيها بغيظ ونظرت له بإزدراء ثم هتفت بغضب: أنت إيه يا بتاع أنت اللي عملته ده! إزاي تطلع قدامي كدة وتخضني؟
اتسعت عيونه ببراءة مزيفة: بس أنا مكنتش أعرف يا جميلة أنك هتتخضي مني، هو أنا كنت عفريت يعني!
زفرت بحنق ثم قالت بنفاذ صبر: وأنت جاي قدامي ليه أن شاء الله؟
وضع يده على السلم وقال بنبرة ظريفة قاصدا إستفزازها: بقيتي عصبية الأيام دي خدي بالك، ده حتى إحنا متقابلناش بقالنا كتير المفروض تعامليني كويس عن كدة.
نفخت مرة أخرى قبل أن تقول بعصبية: أخلص بقا وأنت عارف أنه عيب نقف كدة مع بعض، يإما تقول عايز إيه يا إما توسع علشان هتأخر.
نظر حوله بتفكير: أصل أمبارح وأنا مروح حصل حاجة غريبة أوي، فجأة لقيت عيل رزل رخم ومترباش حدف طوب عليا وأنا داخل البيت.
ارتبكت بشدة وحاولت إخفاء إرتباكها وقالت بتعلثم: طب…طب وأنا مالي؟
نظر لها مباشرة في عينيها بتدقيق وقال: قولت أسألك يمكن تعرفيه أو مش يمكن يطلع أنتِ اللي عملتي كدة؟
رواية جميلة الفصل الثالث 3 - بقلم ديانا ماريا
أحمر وجهها بشدة وحاولت التظاهر بالغضب:
"أنت بتقول إيه؟ أنت اتجننت؟"
رفع حاجبيه فتابعت بإرتباك حاولت أن تخفيه خلف عصبيتها:
"هو أنت فاكر أنه كل الناس لسة تصرفاتها تصرفات أطفال زيك ولا إيه؟"
عقد ذراعيه أمام صدره:
"إيه كل الثورة دي؟ علشان مجرد سؤال؟"
حدقت إليه وقالت بنفاذ صبر وهى تشاور بيدها:
"أنا مش فاضية للعب العيال ده، ووسع من هنا عايزة أنزل."
نظر لها بإستخفاف وتنحى من أمامها، فهبطت بسرعة حتى خرجت إلى الشارع. حين نظرت خلفها وتأكدت أنها اختفت عن أنظاره، أطلقت نفسا عميقا يعبر عن ارتياحها. من حسن حظها أنها استطاعت الخروج من المأزق دون أن يكتشف أنها من كان وراء ذلك.
أحضرت الطلبات التي أرادتها والدتها بسرعة ثم عادت لأن أذان المغرب لم يبقى عليه سوى دقائق. كانت عائدة ورأته يقف قريبا من مدخل منزلهم، يقف متكئا على الجدار وينظر نحوها بإبتسامة زادت من توترها. نظرت إلى الأرض وهى تقترب من منزلها وهو يتتبعها بنظراته. رفعت نظراتها لتحدق فيه بحدة حتى لا يضايقها أكثر من ذلك، إلا أنها سرعان ما اتسعت عيونها بقوة حين فجأة أصابه كيس من مشروب التمر الذي يوزعه الناس أثناء الإفطار. شهق قاسم بقوة ونظر لنفسه بصدمة حيث اتسخ التيشيرت الذي يرتديه بأكمله.
حدقت به جميلة لثانية قبل أن تنفجر في الضحك بشدة. حاولت التحكم في ضحكاتها ووضعت يدها على فمها بسبب صوت ضحكها العالي، إلا أنها لم تستطع وهى تراه ينظر لها مغتاظا وينظر لنفسه في ذات الوقت والضرر قد طال وجهه وبنطاله أيضا. سرعان ما رسمت إبتسامة على وجهها وهى تنظر له نظرة أن هذا هو ما يستحقه تماما وصعدت لمنزلها وهو يبحث عن من فعل به هذا ليتشاجر معه.
أمضت بقية اليوم كما المعتاد ثم ذهبت إلى صلاة التراويح كالعادة مع ياسمينا، أنهما يحاولون الحفاظ عليها خصوصا أن العشر الأواخر قد اقتربت. بعد أن انتهوا من الصلاة جلسوا يستمعون لخطبة الشيخ حين انتبهت جميلة لشئ ما.
انتظرت حتى انتهى الشيخ ثم همست لياسمينا بصوت منخفض:
"شوفي مين اللي قاعدة هناك دي."
عقدت ياسمين تنظر إلى الناحية التي تقصدها جميلة بفضول:
"مين؟"
نظرت لها جميلة بعيون لامعة:
"والدة وسيم."
حدقت إليها ياسمينا بمزيج من المكر والملل:
"وبعدين؟ مالها مامته يعني بتصلي عادي!"
قالت بنبرة حاولت أن تكون عادية:
"أنا شوفتها قولت نروح نسلم عليها لأني بقالي كتير مشوفتهاش وكمان أقولها حمد لله على السلامة لأستاذ وسيم."
سخرت ياسمينا قائلة:
"يا حنينة! ومن أمتى الود ده كله؟"
زفرت بقوة وردت حانقة:
"ياسمينا أنتِ مالك بقيتي تعلقي على كل كلمة ليا كدة ليه؟ أنا بقيت اتضايق على فكرة."
صمتت ياسمينا ولم ترد وهى مازالت ترمقها بنفس النظرة. أمسكت جميلة بيدها بنفاذ صبر:
"يلا تعالي."
ذهبتا ليجلسا بجانب سيدة ذات ملامح ترتاح لها العينان تقرأ القرآن في هدوء. نظرت بجانبها حين جلسوا جوارها.
أبتسمت لها جميلة:
"ازيك يا طنط عاملة إيه؟"
أغلقت السيدة المصحف وقالت مبتسمة بترحيب:
"الحمد لله في نعمة، ازيك أنتِ يا جميلة عاملة إيه يا حبيبتي؟ ثم نظرت لياسمينا: وأنتِ يا ياسمينا أخبارك؟ فينكم يا بنات من زمان مشوفتكمش."
أبتسموا لها بمودة وردت جميلة قائلة:
"والله يا طنط زي ما حضرتك عارفة الشغل وشغل البيت وحاجات كتيرة، إحنا أول ما شوفناكِ قولنا نيجي تسلم عليكِ. ثم صمتت للحظة وتابعت بنبرة خجولة قليلا: ونبارك لك على سلامة أستاذ وسيم."
سارعت ياسمينا تقول حتى ترفع الحرج عن جميلة:
"حمدا لله على سلامته أكيد حضرتك فرحانة أنه رجع."
نظرت لهم بسعادة:
"الله يسلمكم يا بنات والله أنا فرحتي مش سيعاني الحمدلله."
ردت جميلة بدفئ:
"ربنا يفرحك دايما يا طنط."
قالت ياسمينا:
"إحنا شوفناه أمبارح وأحنا راجعين من الصلاة."
أومأت والدته بفخر:
"هو رجع من تلت أيام حبيبي والحمد لله خلاص هيستقر هنا هو خلص دراسته واشتغل وخد الخبرة اللي محتاجها من هناك ورجع علشان يفتح شغل خاص بيه هنا ويبقى معايا."
أبتسموا لسعادتها الواضحة لكنها فجأة تنهدت بتفكير فعقدوا حاجبيهم يرمقون بعض بحيرة قبل أن تسألها جميلة:
"مالك يا طنط؟"
قالت والدة وسيم بتمني:
"دلوقتي بس فاضل أشوف له عروسة وأجوزه علشان اطمن عليه وأشوف عياله زي ما بحلم."
تبادلوا النظرات وياسمينا تنظر بإبتسامة كبيرة لجميلة التي حدقت لها بتحذير حتى لا تلفت الأنظار.
ربتت جميلة على كتفها:
"أن شاء الله خير يا طنط."
أبتسمت لهم:
"ابـقوا طمنوني عليكم دايما يا بنات."
نهضوا بعدها وغادروا. توالت الأيام ولم تكن آخر مرة تقابل بها جميلة والدة وسيم إذ كانت تراها في كل مرة تذهب بها إلى صلاة التراويح وبعد إنتهاء الصلاة تجلس معها وتتبادل الأحاديث. لاحظت ياسمينا تطور الأمر بقلق وعدم رضى فقررت أن تحدث صديقتها في أسرع وقت.
حين كانوا عائدين قالت ياسمينا بجدية:
"جميلة عايزة أتكلم معاكِ في موضوع."
قالت جميلة بعفوية وهى تنظر لها بإبتسامة:
"موضوع إيه؟"
توقفت ياسمينا عن السير فتوقفت جميلة أيضا أمامها:
"أنتِ مش ملاحظة أنه أنتِ قربتي جامد من والدة وسيم؟"
ضحكت جميلة لتذكرها وقالت بإستغراب:
"أيوا بس دي حاجة حلوة يا ياسمينا مالك كدة بقا؟"
عقدت ياسمينا ذراعيها:
"بجد دي حاجة حلوة؟ ليه؟"
عقدت جميلة حاجبيها بحيرة:
"ليه إيه؟ وتابعت بنفاذ صبر: هو مش أنتِ عارفة اللي فيها ولا إيه؟"
قالت ياسمينا بعبوس:
"علشان عارفة اللي فيها بكلمك جميلة أنتِ صاحبتي من زمان أوي وعلشان كدة لما أشوف وضع أحس أنه غلط عليكِ لازم أقولك!"
حدقت إليها ياسمينا بعدم رضا:
"قصدي أنه افرضي بعد كل ده وكل الأحلام اللي أنتِ عايشها مجاش أتقدم ليكِ؟ ولا كان بيفكر فيكِ زي ما بتفكري فيه؟ افرضي لما يجي يختار، يختار واحدة تانية غيرك؟"
صُدمت جميلة من كلام صديقتها وكأنه إحتمال لم تفكر به أو يخطر على بالها قط. حين رأت ياسمينا حالتها اقتربت منها ووضعت يدها على ذراعها بعطف:
"جميلة أنا مش قصدي أكون قاسية عليكِ الموضوع كان في البداية باين هزار أو حنين بإعجاب سابق لكن لما حسيت انك خلاص اتعلقتي بيه والموضوع اتطور أوي كدة لدرجة أنه بقيتي مخصوص تروحي الجامع علشان تشوفيها وده غلط مقدرتش أسكت أنتِ صاحبتي وواجب عليا انبهك علشان لو فضلتي تحلمي من طرف واحد وجه يوم حصل العكس هتدمري ودي كان غلط مني أني أجاريكِ فيه من الأول بس لازم أحذرك قبل ما قلبك ينكسر طالما مفيش دليل أنه هو بيبادلك نفس المشاعر."
اختنقت جميلة بدموعها وقالت بصوت متحشرج:
"خلاص يا ياسمينا فهمت!"
حدقت إليها ياسمينا بحنية وشفقة:
"أنا آسفة يا جميلة بس كان لازم أحط الإحتمال ده في بالك وأحذرك علشان تبقي عاملة حسابك بدل ما كل حاجة تطلع على الفاضي في الآخر."
لم تتحمل جميلة أكثر من ذلك فأبتعدت عنها وهى تقول بحنق:
"قولـتلك خلاص فهمت!"
استدارت حتى تذهب وياسمينا تنظر لها بحزن حين صرخت جميلة فجأة وهى تقع على الأرض وياسمينا تنظر لها بذهول.
رواية جميلة الفصل الرابع 4 - بقلم ديانا ماريا
أسرعت إليها ياسمينا وركعت على الأرض بجانبها تقول بقلق:
حصل إيه؟ مالك؟
أغمضت جميلة عيونها بقوة وقالت بألم:
لما وقعت حسيت بحاجة دخلت في رجلي.
حاولت ياسمينا رفع العباءة لترى الوضع فإذا بقطعة زجاجية في عضلة الساق وتنزف بقوة.
شهقت ياسمينا بقوة:
يا نهار أبيض وايه اللي جاب الإزازة دي هنا!
حدقت لها جميلة بحنق:
وأنا ايش عرفني يا ياسمينا! اتصرفي مش قادرة من الوجع بالله عليكِ.
نظرت ياسمينا حولها فلم تجد أحدا تستنجد به ليساعدهم، ربتت على كتف جميلة:
ثانية واحدة هروح أشوف حد يساعدنا واجي.
أمسكت جميلة بيدها بخوف وهى تبكي من الألم:
متسبنيش لوحدي يا ياسمينا الوقت متأخر والمكان فاضي أنا خايفة.
نظرت لها ياسمينا بعطف:
معلش يا حبيبتي علشان نلحق الجرح اللي في رجلك.
تركتها ياسمينا بسرعة وهى تركض حتى وصلت لأول الشارع وهى تنظر حولها بلهفة، رأت قاسم يأتي من بعيد.
نادته بصوت عالي مذعور:
قاسم تعالى بسرعة ألحق جميلة!
حدق لها قاسم بذهول للحظة ثم ركض لها حتى وصل لها بسرعة.
قال بقلق:
مالها جميلة؟
أشارت له لأخر الشارع حيث تقبع جميلة:
هناك وقعت ورجلها اتعورت من حتة إزازة مكسورة وعمالة تنزف.
نظر قاسم للمكان الذي تشير إليه وركض لها وياسمينا ورائه، حين وصلوا كانت جميلة تستند برأسها على الجدار الذي بجانبها وهى تغمض عيونها.
جلست ياسمينا بسرعة بجانبها:
جميلة!
لم ترد فهزتها ياسمينا بدون فائدة، نظر قاسم وياسمينا لبعضهما بقلق.
قالت ياسمينا بهلع:
شكلها أغمى عليها هنعمل ايه؟
نهض قاسم بسرعة وعيناه لا تفارق وجه جميلة:
أنا هروح أجيب تاكسي بسرعة علشان نوديها المستشفى نلحقها.
ركض من أمامها بسرعة بينما ياسمينا عادت تضرب وجه جميلة بخفة لعلها تستجيب دون رد فعل منها، ضمتها لها وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
عاد قاسم بسرعة وقد أوقف على باب الشارع سيارة الأجرة لأن الشارع لا يتسع لها.
وقف أمامهما يتنفس بسرعة:
جبت التاكسي يلا.
حدقت له ياسمينا بحيرة:
طب جميلة مغمى عليها هنعمل ايه؟
نظر لجميلة وهو يقول بتردد:
ماهو….ماهو مينفعش…
اصمت وهو يقبض على يديه بشدة ثم فجأة انحنى ورفعها بين ذراعيه وهو يضمها بحذر خشية أن تقع ثم أسرع بها تجاه سيارة الأجرة المنتظرة وياسمينا اتي أفاقت من ذهولها سريعا تلحق به، وضعها في المقعد الخلفي بحذر وبرفق وياسمينا تسندها من الطرف الآخر ثم صعد بجانب السائق يأمرها بحدة أن يسرع للمستشفى.
في المستشفى أجروا لها كل اللازم وقاموا بتضميد الجرح الذي لحسن الحظ لم يحتج للخياطة ثم أخبروهم أنها ستفيق خلال ساعة لا أكثر، دلفت ياسمينا للغرفة التي بها بينما بقى قاسم بالخارج ينتظر.
أفاقت جميلة بعد قليل وهى تنظر حولها بتعب:
أنا فين؟
نظرت لها ياسمينا بحزن:
أنتِ في المستشفى يا حبيبتي، أغمى عليكِ وجيبناكِ هنا علشان يعالجوكِ.
عقدت حاجبيها بحيرة:
أنتِ ومين؟
أبتسمت ياسمينا:
وقاسم، لقيته في وشي ف ناديت عليه وهو اللي جري بينا على هنا.
زفرت جميلة بعصبية:
قاسم! ملقتيش غير قاسم يا ياسمينا!
رفعت ياسمينا حاجبها بتعجب:
اه ماله قاسم؟
كشرت جميلة:
أنا مش هخلص من سخريته ورخامته عليا.
نظرت لها ياسمينا بجدية وقالت بعتاب:
إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا جميلة؟ ده وقته الكلام ده؟ وبعدين رخامة إيه كتر خيره الرجل ساعدنا وجه معانا المستشفى وواقف مستني برة مع أنه الموضوع ميخصهوش أصلا كان ممكن يوقف لينا تاكسي ويمشي لكن كمل معانا ومسبناش لوحدنا ومش راضي يدخل علشان راحتك بس عايز يطمن عليكِ وتقولي كدة! ده الله أعلم لو مكنتش لقيته ماشي بالصدفة كنت لحقتك ازاي!
خجلت جميلة من نفسها واحمر وجهها ونظرت لياسمينا نظرات مليئة بالذنب:
أنا آسفة يا ياسمينا أنا الظاهر أعصابي تعبانة بس فعلا معاكِ حق كتر خيره، ناديه أنا عايزة أشكره.
ربتت ياسمينا على يدها بصمت ثم نهضت لتنادي قاسم، دلف قاسم بتوتر ووقف بعيدا عند الباب يسألها بصوت هادئ:
عاملة إيه دلوقتي؟
ردت جميلة بخفوت:
الحمد لله بقيت أحسن بكتير، شكرا جدا يا قاسم على اللي عملته معايا كتر خيرك.
قال بصوت جدي لم تعتده منه:
مفيش داعي للشكر يا جميلة، ده واجبي وواجب أي حد في نفس الموقف.
ثم تابع بشبه إبتسامة مرحة:
علشان تاخدي بالك أنتِ بتمشي فين بعد كدة.
أبتسمت إبتسامة خفيفة ولم تغضب منه، بقيا يتبادلان النظر لثواني قبل أن يشيح قاسم بنظراته بعيدا وهو يحك رقبته بإحراج:
أنا هستناكم برة لحد ما تخلصوا علشان نمشي.
ألتفتت جميلة بذعر لياسمينا:
أكيد ماما وبابا زمانهم قلقانين عليا دلوقتي!
قال قاسم بهدوء:
متخافيش أنا كلمت ماما تروح لمامتك وتقولها وكمان تقولها أنه خلاص خارجين مروحين في الطريق.
تنهدت جميلة براحة ثم خرج قاسم لتساعدها ياسمينا على النهوض والاستعداد للمغاردة، استقلوا سيارة الأجرة عائدين كان قاسم يجلس بهدوء بجانب السائق في الأمام يسند ذقنه على يده وهو ينظر للطريق بينما جميلة تميل على كتف ياسمينا برأسها وياسمينا تضمها لها حتى ترتاح قليلا.
استقبلهم والد جميلة الذي كان عائدا من عمله للتو، وشكر قاسم بشدة على صنيعه ولكن قاسم أعترض بأن ما فعله لا يستحق ذلك الشكر ولم يكن ذلك أكثر من تصرف طبيعي.
مرت الأيام وجميلة في بيتها لا تستطيع الخروج بسبب إصابة قدمها حتى لم يعد إلا ثلاثة أيام على العيد وفي تلك الأيام لم تنقطع ياسمينا عن زيارتها ولا لمرة واحدة.
جلست ياسمينا أمامها تسألها بعفوية:
عاملة إيه النهاردة؟ قدرتي تمشي عليها؟
تنهدت جميلة بملل:
أيوا بتمشى في الشقة عادي وبعدين بقعد قبل ما أتعب بس الموضوع ملل أوي.
أبتسمت لها ياسمينا بتعاطف:
معلش يا حبيبتي هانت.
عبست جميلة بحزن:
كام نفسي أصلي التهجد معاكم.
مسحت ياسمينا على ضهرها بحنان:
ربنا مقدر كدة وأكيد هو عالم ومتقبل منك متزعليش نصيب.
نظرت لها ياسمينا فجأة وضربت على يدها بخفة:
صحيح نسيت أقولك، قاسم سألني عليكِ؟
نظرت لها جميلة بدهشة:
قاسم! ويسأل عليا بتاع إيه يعني؟
ضحكت ياسمينا:
كان بيطمن بقيتي عاملة إيه دلوقتي ورجلك خفت ولا إيه!
هزت جميلة رأسها بلامبالاة ف تابعت ياسمينا:
ومامة وسيم سألت عليكِ لم غيبتي عن الصلاة.
انتبهت لها جميلة بإهتمام:
وأنتِ قولتي ليها إيه؟
ردت ياسمينا بهدوء:
قولت لها على اللي حصلك فقالت أسلم عليكِ بالنيابة عنها وأنها هتيجي تزورك قريب.
أومأت جميلة برأسها بصمت، قالت ياسمينا:
أنتِ لسة بتفكري في الموضوع إياه؟
نظرت لها جميلة بحزن:
لا يا ياسمينا أنا بحاول دلوقتي أنسى بعد ما فوقت من الوهم اللي كنت فيه.
أمسكت ياسمينا يدها وقالت بندم:
أنا مش ندمانة على الكلام اللي قولته لكن ندمانة لأني حاسة أنه اللي أنتِ فيه أنا سبب فيه.
حدقت لها جميلة بدهشة ثم هتفت بها بإستغراب:
أنتِ عبيطة يا بت! أنا اللي مخدتش بالي وكنت هبلة ووقعت أنتِ ذنبك إيه! على رأي قاسم كان لازم أخد بالي أنا ماشية فين؟
رفعت ياسمينا حاجبها وقالت بإبتسامة ماكرة:
دلوقتي بتاخدي برأي قاسم؟
نظرت لها جميلة بغيظ وضربتها على كتفها:
ده وقته يعني!
ضحكت ياسمينا على مظهرها ثم جلست قليلا وبعدها غادرت لمنزلها، في ثاني يوم العيد استطاعت جميلة أخيرا الوقوف كفاية على قدمها للخروج.
حين خرجت للشارع ورأت المناظر المبهجة للعيد، استطاعت أخيرا أن ترسم إبتسامة حقيقية مبهجة على وجهها، كانت تتجول قليلا وتنظر حولها بفرح بإنتظار مجئ ياسمينا حتى يتنزهوا سويا.
كانت شاردة تتطلع أمامها ببهجة حين انتبهت فجأة لوقوف شخص أمامها، خرجت من تأملها لتجد أن الشخص ماهو إلا قاسم.
أبتسم لها أما هى نظرت له بتعجب.
قال لها بصوت هادئ:
أزيك يا جميلة عاملة إيه؟
قالت بصوت متوتر لوجوده الذي فاجأها:
الحمد لله بخير.
مد لها يديه فتطلعت لهما لتجد بوكيه من الورود الحمراء بينهما، نظرت له بدهشة:
إيه ده؟
ازدادت إبت
رواية جميلة الفصل الخامس 5 - بقلم ديانا ماريا
جمدت جميلة مكانها وعيونها تتسع في صدمة ما تسمعه منه، للحظات نظرت له فقط بدون أن تستطيع أن تنطق كلمة واحدة.
توتر قليلا لكنه قال بنبرة ثابتة وعيونه مازالت تنظر لها بنفس المشاعر: أنا فضلت مستنى لحد الوقت المناسب علشان تبقي مستعدة، أنا مش بعرف أقول كلام مزخرف بس أنا إنسان بسيط بحب الحياة البسيطة الهادية المريحة يا جميلة بحلم بواحدة تكمل معايا حياتي وأقاسم معاها الحلوة والمرة، تكون الايد اللي بشد عليها في أوقاتي الصعبة قبل الحلوة، تكملني واكملها ونبقى إحنا الاتنين واحد، وأنتِ الإنسانة دي يا جميلة.
رفعت بصرها له غير مصدقة وأنفاسها تتسارع أما هو فتابع بحب ولهفة: بحلم تكوني الإنسانة اللي تكمل معايا بقية حياتي وتشاركني الحياة والأحلام دي، أنا اترقيت في شغلي ودي حاجة كنت مستنيها بردو وبقى منصبي أحسن ومرتبي أكبر صدقيني عمري ما هخليكِ محتاجة حاجة أو نفسك في حاجة هعمل اللي عليا دايما علشان أخليكِ مبسوطة، الحلم ده مش من يوم ولا من اتنين يا جميلة ده من زمان وكان مجرد أمنية جوا قلبي لحد ما يجي اليوم المناسب اللي أقدر أصرح بيه بكل مشاعري وأقول أني بحبك بجد ونفسي اتجوزك.
كانت تنظر له غير مصدقة تحاول استيعاب كلماته التي تنفذ مباشرة داخل عقلها، صمتت وطال صمتها حتى أصبح ثقيلا على قاسم الذي بدأ التوتر يزحف له وهو ينتظر ردها بفارغ الصبر.
قال بقلق وقد عبست قسماته قليلا: قولتي إيه؟
رفعت بصرها له ازدردت ريقها بصعوبة وهى تشعر أن هناك كتلة كبير تسد حلقها ثم قالت بصوت مرتعش: اا…قاسم …. أنا عمري ما توقعت منك كدة.
أبتسم بخفة وعيونه تناظرها بقلق: أيوا ما أنا كنت مستني الوقت المناسب زي ما قولتلك، بس صدقيني أنا صادق في كل اللي بقوله وربنا شاهد على كلامي.
تجمعت الدموع في عينيها وهى تنظر له بعجز، تشعر بأنه لا يوجد أي كلام يستطيع أن يسفعها لترد عليه.
هزت رأسها ببطء وقالت بنبرة خافتة مهزوزة: أنا…. أنا آسفة.
التعبير الذي ظهر على وجهه لا شئ يكفي كي يعبر عنه بالكلمات وقد اقسمت جميلة داخلها أنها لن تنساه طوال حياتها، حيث فقد وجهه كل لون وشحب بشدة وهو يناظرها بعدم تصديق وصدمة، يديه ارتخت قليلا عن بوكيه الذي يمسك به، نظر حوله بتوهان وشرود لا يستوعب ما قالته للتو، عاد ينظر لها مجددا وقد احمرت عيناه بشدة كأنه يحبس الدموع فيهما.
قال بصوت لا حياة فيه: ليه؟
أغمضت عيونها بقوة وهو تخفض رأسها بينما تابع بنبرة ضعيفة: لو كنت بضايقك قبل كدة فأنا كنت بهزر معاكِ أنا عارفة أنها حركات رخمة شوية بس مكنش قصدي بيها حاجة وحشة والله، ولا تكوني مش مصدقة أني بحبك يا جميلة؟
صمتت، لم تجد عندها كلمات ترد بها عليه أما هو فقال بصوت فارغ: على العموم ربنا يوفقك، آسف أني ضيعت وقتك.
ثم ذهب من أمامها وهى تراقبه بنظرات متحسرة لا تعلم لما يؤلمها قلبها بشدة وهى تراه يرحل هكذا، أم هذا الم الشعور بالذنب لأنها كسرت قلبه؟
أرادت العودة لغرفتها والبكاء بشدة وهذه الرغبة تزداد لدرجة لا يمكن تحملها، فجأة وقف أمامها شخص فرفعت بصرها لتجد وسيم.
قالت بدهشة وهى تحاول أن تجعل صوتها ثابتا: وسيم؟
قال وسيم بجدية: أزيك يا جميلة عاملة إيه؟
أبتسم لها: أولا ألف سلامة عليكِ، ثانيا كنت عايزك في موضوع كدة.
عقدت حاجبيها بإستغراب: موضوع إيه؟
قال بجدية: هتعرفي قريب المهم شوفتك فقولت أقولك ألف سلامة عليكِ و كمان….
لم تسمع جميلة بقية حديثه، حين حادت عيناها رغم عنها بعيدا عن وسيم وهو يتحدث وجدته واقفا هناك بعيدا، عيونه تحدق لها بشدة وداخلها تعبير مزيج من الألم والاحتقار، يده تقبض بشدة على الورد الذي يمسك به، ظلت جميلة تنظر له وقد عاد لها نفس الألم غير قادرة على أن تشيح ببصرها عنه.
قال وسيم فجأة: جميلة أنتِ سامعاني؟
حدقت له بإرتباك: اه بس بدأت أتعب شوية من الوقفة.
قال بعبوس: تمام ارتاحي وأنا همشي دلوقتي، سلام.
حين ذهب نظرت مجددا لمكانه لتجده قد اختفى ولكن بوكيه الورد مازال هناك ملقى على الأرض بجانب القمامة.
رواية جميلة الفصل السادس 6 - بقلم ديانا ماريا
كانت في غرفتها بعد أن عادت تبكي بحرقة وهي تجلس على سريرها.
دَلفت لها ياسمين ببشاشة: كل سنة وأنتِ طيبة يا جوجو.
رفعت جميلة وجهها لياسمين التي توقفت مكانها مصدومة، ثم أسرعت نحوها تقول بقلق: مالك في إيه؟
عادت تبكي مجدداً وهي تغمض عينيها وترتمي في أحضان ياسمين التي ضمتها لها والقلق يزداد في نبراتها: في إيه يا جميلة؟ ردي عليا!
قالت بشهقات من بين بكائها: ق…. قاسم.
عقدت ياسمين حاجبيها باستغراب: ماله قاسم؟
حاولت أن تتكلم ولكن خرج صوتها غير واضح بسبب البكاء: ات… اتقدم لي و… رفضته!
أبعدتها عن حضنها بذهول وهتفت بعدم تصديق: إزاي! وأمتى!
تنهدت جميلة بعمق والدموع ما زالت تنحدر على وجهها: مش قادرة أتكلم يا ياسمين احضنيني دلوقتي وبس.
ضمتها ياسمين لها مجدداً وهي تفكر وتتساءل بحيرة عما حدث وما أوصل جميلة لهذه الحالة.
حين هدأت ابتعدت عنها وهي تمسح دموعها، ربتت ياسمين على كتفها: قومي اغسلي وشك وتعالي نتكلم.
أومأت جميلة برأسها وهي تنهض لتغسل وجهها ثم عادت تجلس أمامها ياسمين.
قالت ياسمين بجدية: حصل إيه بقا؟ أحكي لي.
بدأت تسرد لها ما حدث ومجيء قاسم لها مع باقة الورود ثم تقدمه بالزواج لها ورفضه، غشت الدموع عينيها حين تذكرت ردة فعله ثم حديثها مع وسيم انتهاء بنظرة قاسم لها.
ظلت ياسمين صامتة لعدة دقائق فقالت جميلة بحنق: قولي أي حاجة ردي عليا! متسكتيش كدة.
قالت ياسمين بصوت هادئ: أنا مش عارفة أقولك إيه يا جميلة أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده!
ثم تابعت بعدم تصديق: بقى قاسم يبقى جواه كل ده وساكت! طب وأنتِ رفضتيه ليه يا جميلة؟
حدقت بها جميلة باستنكار: وأنتِ كنتِ عايزاني أوافق!
ردت ياسمين بتعجب: ومتوافقيش ليه بقا؟ ماله قاسم؟
هتفت جميلة بها باندفاع: أوافق إزاي بس وبعدين أنا بكرهه!
اتسعت عيون ياسمين بعدم تصديق وقد أفلتت منها ضحكة: بتكرهيه؟ إيه اللي بتقوليه ده؟
نظرت لها جميلة بارتباك فتابعت ياسمين بعقلانية ممزوجة بالعتاب: الكره كلمة كبيرة أوي يا جميلة متقدريش تقولها كدة بالساهل وبعدين قاسم عمل إيه يستاهل الكره؟ علشان شوية حركات تافهة يعني؟ هي أه تضايق لكن عمرها ما تصل للكره يا جميلة أنا مستغربة كلامك ده مش طبعك أبدا والرجل معملش حاجة غلط للدرجة دي.
صمتت جميلة وهي تعتب على نفسها كذلك ف قالت ياسمين بمكر: وبعدين ما يمكن تكوني بتحبيه وأنتِ مش واخدة بالك؟ الكره بيتقلب حب بسهولة جدا على فكرة.
صاحت بها جميلة بفزع: إيه اللي أنتِ بتقوليه ده!
ضحكت ياسمين بمرح ولكنها نظرت لها بجدية: بعيداً عن كل ده أنا بوعيكِ للمنطق يا جميلة وبعدين ده جه لحد عندك وطلبك للجواز وكان بيوعدك أنه دايماً هيخليكِ مبسوطة ده يتكره بالله عليكِ؟
حدقت بها جميلة بعيون مليئة بالدموع والشعور بالذنب فضمتها ياسمين: وأنتِ كمان مش شايفة نفسك زعلانة عليه أوي كدة، أنا مقدرة لغبطتك لكن ياريت تكوني متأكدة من قرارك.
ابتعدت عنها جميلة مجدداً تقول بتوتر: و… وسيم جه وكلمني.
ارتفعا حاجبا ياسمين بدهشة: وقالك إيه؟
رفعت جميلة كتفيها بحيرة: كان بيقولي ألف سلامة وبس تقريبا قالي حاجة كمان بس أنا مسمعتش.
كانت ياسمين على وشك الكلام حين دلفت والدة جميلة.
قالت بنبرة ترحيب: أزيك يا ياسمين يا حبيبتي؟ كل سنة وأنتِ طيبة وبخير.
أبتسمت لها ياسمين ونهضت لتسلم عليها: الحمدلله بخير يا طنط وأنتِ طيبة و بخير.
قالت والدة جميلة بفرح: بصي بقا أنتِ مش غريبة فأنا هتكلم قدامك.
ثم نظرت لجميلة وتابعت: جاي لك عريس بكرة يا جميلة.
حدق جميلة وياسمين ببعضهما بذهول ثم هتفت جميلة: عريس إيه يا ماما؟
جلست بجانبهم على السرير وهى تقول بسعادة: وسيم صادق عارفاه؟
تبادلت جميلة و ياسمين نظرات سريعة ثم قالت جميلة بهدوء: اه.
أومأت والدتها بحماس: هو ده، كلم والدك وأن شاء الله هيجي بكرة.
قالت جميلة بضيق: طب مقولتليش ليه يا ماما؟
مسحت والدتها على رأسها بحنان: يا حبيبتي هو الرجل خد ميعاد من أبوكِ، أنتِ أقعدي وقرري ومحدش عمره غصبك على حاجة صح؟
أومأت جميلة بصمت فقبلت والدتها رأسها ثم خرجت من الغرفة.
أمسكت ياسمين يديها بعدم استيعاب: صح اللي أنا سمعته ده يا جميلة مش كدة؟
هزت جميلة رأسها بصمت فحدقت بها ياسمين بتعجب: مالك يا جميلة؟ أنتِ مش مبسوطة ولا إيه؟ مش ده اللي كنتِ عايزاه؟
أبتسمت جميلة ابتسامة باهتة وقالت بنبرة فارغة: أيوا أكيد مبسوطة بس الدهشة بس.
تفحصتها ياسمين بنظراتها بدقة: مش باين، أنتِ مش مبسوطة يا جميلة.
تنهدت جميلة: مش عارفة يا ياسمين بس حالياً أنا متلخبطة وعايزة بس أريح بالي شوية.
أمسكت ياسمين بيدها بعطف: بتفكري في قاسم صح؟
تصدقي أنا كمان صعبان عليا أوي يا جميلة قاسم شاب ممتاز وكويس وحنين أوي بعيداً عن الجانب الطفولي شوية بتاعه بس نصيب.
حين غادرت ياسمين لم تتمكن جميلة من النوم ليلتها جيداً بل حين تغمض عيونها تجدها تنظر لوجه قاسم حين رفضته والدموع التي رأتها في عيونه ثم يتحول الحزن لغضب واحتقار.
في اليوم التالي أتت ياسمين حتى تساعدها للاستعداد وكانت معاها حين أتى وسيم مع والدته ولكن لا تعلم لما لا تشعر بتلك السعادة التي تخيلتها حين تأتي هذه اللحظة ولا الحماس المفترض لهذا اللقاء.
وضعت ياسمين يديها على كتفي جميلة: زي القمر يا روحي، ربنا يوفقك يارب.
أبتسمت لها جميلة ابتسامة هادئة ثم خرجت لتجلس معهم، لم يمر قليل من الوقت حتى تركوهم وحدهما ليتحدثا سوياً.
قال وسيم بابتسامة: أزيك يا جميلة عاملة إيه؟
أجابت بصوت خافت: الحمد لله بخير.
تابع وسيم بنبرة جدية: فيه أي حاجة عايزة تسأليها ليا؟
تطلعت له جميلة: أنت اخترتني ليه؟
اتسعت عيونه بدهشة ثم ضحك: إيه السؤال ده؟
ردت جميلة بإصرار: مهم ليا لو سمحت جاوب.
برغم تعجبه قال ببساطة: علشان أنا محتاج إنسانة تكون شريكة حياتي وزوجة ليا وأم لأولادي وأنا شايفك الإنسانة المناسبة لكدة.
لم تعجبها إجابته نوعاً ونظرت أمامها وترأى أمام عينيها وجه وهو يقول”بحلم تكوني الإنسانة التي تكمل معايا بقية حياتي وتشاركني الأحلام دي، أنا بحبك بجد ونفسي أتجوزك”.
أفاقت من شرودها على صوت وسيم المتعجب: جميلة! جميلة روحتي فين؟
انتبهت له جميلة: ااا أنا آسفة سرحت.
حدق لها بعدم رضا وقال: طب قولتي إيه؟
ازدردت ريقها وقالت بصوت ثابت: هفكر وأن شاء الله خير.
أبتسم وسيم بثقة: وأنا واثق من الرد.
عقدت حاجبيها باستغراب أما هو تابع: على العموم عايز أقولك لو عملنا خطوبة هتبقى على الضيق بين عائلتي وعائلتك بس وأن شاء الله بعد الجواز إحتمال أسافر تاني بس هتكوني أنتِ هنا وممكن في المستقبل تيجي لي زيارات مع الأولاد.
كاد فك جميلة يتدلى من عدم التصديق وردت بارتباك: اااه ثانية واحدة إيه ده؟ وبعدين مين قالك أني وافقت أصلا؟
رفع حاجبه وقال بنبرة بها بعض الغرور: ومتوافقيش عليا ليه؟ هو مش شكر في نفسي لكن أنا عارف أني فرصة كويسة لأي حد وخصوصا بنت زيك.
لم تستطع الرد عليه لثواني بسبب صدمتها التي تزداد: بنت زيي؟
رد بلامبالاة : أيوا يعني معلش في الكلام بس يا جميلة أنتِ فرصك قليلة في الجواز أولا عذراً الرجل بيفضل البنت الرفيعة عنك وجمالك مش مبهر ثانيا أنتِ بنت بسيطة أوي يعني معندكيش إنجازات ولا طموح عايشة كدة مش زي صاحبتك ياسمين حتى.
مع كل كلمة تقع على مسامعها كانت لا تجد كلاماً تصف به ما تسمعه، حدقت به بصدمة وأدركت الآن أنها لا تعرفه ولم تعرفه قط، من كان يتخيل أن تحت تلك الواجهة الأنيقة المتحضرة تفكيراً كهذا!
كانت كأنها تراه أمامها للمرة الأولى، إنساناً غريباً بالكامل وهو بالفعل كان هي من خدعت نفسها على أسس واهية.
بعيون تلمع بالغضب: وأنت مين فهمك بقا أنت العريس اللقطة اللي مفيش منك اتنين يا أستاذ وسيم؟ ده بردو نفس الجهل بتاعك اللي مخليك مفكر أني عايشة كدة من غير هدف؟
نهض بعصبية: جميلة أنا مسمحلكيش…
قاطعته وهي ترفع يدها أمام وجهه: أنا اللي مسمحلكش يا أستاذ وسيم تيجي هنا في بيتي وتهيني بكلام زي ده وكأنك بتشفق عليا وتمن عليا لما تطلب تتجوزني!
نظرت له باحتقار وقالت بكبرياء: ومع أنه ميهمنيش أنك تعرف بس أنا عايزة أقولك أنه أنا مناقشة الماجستير بتاعتي بعد يومين مش من غير إنجازات زي ما بتقول ومع أنه الإنجازات مش بتتقاس بالحاجات دي لكن ده لمعرفتك بس غير كدة كلامك وكلام أي حد في الزبالة ميهمنيش.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بنبرة جامدة: اتفضل برة يا أستاذ وسيم، أنت مرفوض!
رواية جميلة الفصل السابع 7 - بقلم ديانا ماريا
كان وشك الذهاب حين نادته مرة أخرى وقالت بإبتسامة واثقة:
"ومعاك حق أنا جمالي مش مبهر بس أنا شايفة نفسي أحلى واحدة ولو أنت مش قادر تشوف ده فيه غيرك اللي شايفني جميلة حتى لو أنا من غير ملامح."
مع نهاية الجملة اهتز صوتها قليلا وهى تتذكر قاسم. غادر وسيم بوجه غاضب بينما اعتذرت جميلة لوالديها أنه لم يناسبها ودلفت بسرعة لغرفتها.
كانت ياسمينا تجلس على السرير في إنتظارها حين دلفت جميلة وهى تغلق الباب بقوة ثم ترتمي في أحضان ياسمينا تبكي بقوة.
ظلت ياسمينا مكانها مصدومة لثواني قبل أن تهتف بها بهلع:
"حصل إيه؟ مالك؟"
لم ترد جميلة وبكاؤها يزداد بقوة وهى تمسك بكتف ياسمينا الذي تستلقي عليه وتشد.
مسحت ياسمينا على ظهرها بقلق إلا أنه كلما ازداد بكاؤها وعلت شهقاتها التي كتمتها في كتف ياسمينا.
قالت بحسرة من بين بكاؤها بصوت متقطع:
"اا… أنا غ…غلطت… غلطة…ك..كبيرة أوي."
ياسمينا بحيرة وتساؤل:
"غلطة إيه بس أهدي واحكي لي."
لم تستطع الكلام بسبب شدة البكاء فحضنتها ياسمينا تهدئ من روعها قليلا، حين هدأت قليلا وتوقفت عن البكاء.
سألتها ياسمينا بهدوء:
"حصل إيه بقا يا حبيبتي؟"
همست جميلة بندم:
"كنت غبية يا ياسمينا غبية أوي بجد."
لم ترد ياسمينا استعجالها بالبوح ولكنها لم تطق صبرا:
"طب ليه؟"
تنهدت وهى تبتسم بسخرية:
"أد إيه الواحد كان مغفل ومستغفل نفسه، الحكم على المظاهر ده عامل كأنك عمال توصف اللي قدامك وأنت أعمى!"
حدقت لياسمينا وقالت:
"وسيم مكنش جاي يتقدم لي كان جاي يشفق على جميلة اللي محدش هيبص لها."
عقدت ياسمينا حاجبيها بإستغراب:
"يعني إيه؟"
سردت لها جميلة ما حدث وما دار بينها وبين وسيم وكيف أنها طردته في النهاية.
نهضت ياسمينا بعصبية:
"هو فين الجاهل ده علشان اكسر دماغه!"
أمسكتها جميلة من ذراعها تقول بتعب:
"أقعدي أنا خلاص قولتله اللي يستاهله."
جلست ياسمينا وهى تنتفض من الغضب:
"إيه البني آدم ده! هو فيه كدة في الدنيا!"
ردت جميلة بتهكم:
"ده مفيش إلا كدة."
حدقت لها ياسمينا بحزن:
"متزعليش يا جميلة والحمد لله عرفتي حقيقته من الأول ربنا كشفه علشان ينور بصيرتك ومتفضليش مخدوعة فيه، ده كان لازم يحصل علشان متفضليش متعشمة في وهم، ربنا مش بيعمل حاجة وحشة."
نظرت لها بعيون دامعة:
"الحمد لله."
ثم بكت من جديد بندم:
"أنا رفضت قاسم علشانه، أنا مش مصدقة أني رفضته علشان ده!"
قالت ياسمينا بعطف:
"يمكن ملكيش نصيب فيه متزعليش."
ثم تابعت بحكمة:
"بس الأهم دلوقتي تلتفتي لنفسك وبس يا جميلة أنتِ دلوقتي متلغبطة ومشاعرك هتبقى متلغبطة ومش واضحة مش علشان اتصدمتِ في وسيم تحولي مشاعرك لقاسم لمجرد أنه العكس، ادي نفسك وقت علشان جرحك يخف علشان تكون رؤيتك للأمور واضحة وصريحة ولو قلبك مال لقاسم يبقى لأنك حبتيه هو مش حبيتي حُبه ليكِ."
فكرت جميلة قليلا في حديثها ووجدت أنها محقة رغم كل شئ عليها أن ننتبه لنفسها وتركز على القادم من حياتها.
بعد مغادرة ياسمينا ظلت جميلة جالسة مكانها لفترة قبل أن تنهض وتبدل ملابسها، وقفت أمامها خزانتها وأخرجت شيئا من ركن بعيد بها، كان باقة الورود التي أحضرها قاسم، لا تعلم يومها ما حدث لها لتذهب وتأخذها من جانب القمامة وتحتفظ بها في مكان مخبأ في خزانتها ولكنها وجدت قدميها رغما عنها تتجه لها ويديها ترفعها وأخذتها لتضعها في خزانتها، لقد ذبلت الورود ربما مثلما تشعر في هذه اللحظة بالذات، ذبلة، باهتة ومتعبة بشدة.
تمددت على السرير ووضعت الورود بجانبها وهى تنظر لها وعقلها يسترجع كلمات قاسم مرة بعد مرة حتى نامت أخيرا.
في الأيام التالية حاولت أن تخرج من أزمتها وتركز على حياتها إلا مناقشتها تأجلت لمدة ثلاثة أسابيع بسبب أمر طارئ لأحد الأساتذة المناقشين لها مما سبب لها مزيدا من الإحباط.
لم تخرج من بيتها كثيرا، كانت تجلس في بيتها وغرفتها أغلب الوقت وكانت ياسمينا جلسيتها الوحيدة في وحدتها.
ورغم كل توقعاتها احتل قاسم كل أفكارها يوميا، لا تعرف ما المختلف حتى لا تفكر بيه بشكل آخر، عندما كانت تقف في بلكونة غرفتها وتراه قادما أو ذاهبا يبدأ قلبها بالنبض بشكل غريب عليها حتى أنه يؤلمها أحيانا، لقد بدا متغير بشكل كبير، الإبتسامة البشوشة والوجه المرح اختفوا وحل مكانهم وجه جدي لا يوجد به أي شكل من أشكال الإبتسامة، العيون التي نظرت لها ذات مرة بحب أصبحت خالية من أي تعبير.
كانت ترغب في الذهاب إليه والاعتذار منه ولكنها لم تجرؤ قط أن تفعل وبأي حق تفعلها؟
مرة سمعت والدته تتحدث مع والدتها أنها قلقة عليه فبرغم عمله الجاد وجديته إلا أنه أغلب الوقت منعزل مع نفسه ولم يعد يخرج غير للعمل ولا حتى مع أصدقائه كما أنه لا يمزح كالسابق، في تلك الليلة راقبت عودته خلسة من العمل من شرفتها كالعادة وحزن كبير يحتل قلبها، تتمنى لو تعود بالزمن، تتمنى لو يمكنها أن تغير شيئا ما، تتمنى لو كانت الأمور مختلفة.
بقى على يوم المناقشة يوم واحد أخيرا وقد جهزت كل شئ حتى تتجنب حدوث الأخطاء وتدعو الله أن تمر على خير، كانت قلقة بشدة لا تستطيع الهدوء ومتوترة، لم تقدر أن تجلس هكذا في غرفتها فخرجت إلى البلكونة تستنشق بعض الهواء النقي عله يقلل من اضطرابها قليلا.
رأته حينها عائدا من عمله ولكنها استغربت لأنه أبكر من المعتاد، كان هناك مجموعة من الأولاد والشباب يلعبون الكرة في الشارع.
قام أحدهم بالنداء عليه بشكل صاخب:
"إيه يا عم قاسم، مختفي كدة وناسينا حتى مبقتش تلعب معانا ليه؟"
ألتفت لهم وابتسم:
"معلش الشغل واخد وقتي الفترة دي."
قال أحدهم بمرح:
"طب ما تيجي شوط معانا دلوقتي أنت فاضي أهو."
أبتسم لهم ثم تقدم وهو يقترب منهم، وضع قدمه على الكرة وهو يقول:
"والمكسب على إيه؟"
ضحكوا ثم قال أحدهم:
"الكسبان اللي يطلب ساعتها."
بدأ اللعب معهم وهى واقفة تراقبهم، كان بين حين والآخر يرفع بصره لها وينظر لها بنفس الغضب والعتاب لدرجة أنها أرادت أن تختفي من أمامها رغم كل ذلك لم تقدر أن تعود لغرفتها وبقيت مكانها.
حين كان منهكما في اللعب وهى تراقب بإهتمام، رفع نظراته لها هذه المرة كانت عيناها تناشداه بصمت واعتذار أن يسامحها، شرد بها قليلا ولم ينتبه للاعب الآتي نوعه بقوة حتى يختطف منه الكرة، اصطدم بقاسم بقوة وهو يحاول أن يأخذ منه الكرة إلا أن وقاسم يحاول التصدي له زلقت قدمه وانثنت ساقه تحته وهو يسقط على الأرض.
حين سقط على الأرض صرخ بشدة من الألم وهو يمسك بساقه اتسعت عيون جميلة بصدمة وهى ترى ما يحدث ثم صرخت بفزع:
"قاسم!"
رواية جميلة الفصل الثامن 8 - بقلم ديانا ماريا
لم تعد قدماها تحملانها وهي تراه ممددًا على الأرض يصرخ. تجمع الناس حوله يحاولون أن يروا مدى سوء إصابته. لم تنتظر جميلة أكثر من ذلك وركضت بسرعة إلى باب الشقة تفتحه وتكمل ركضًا على السلم حتى وصلت لبوابة العمارة.
قابلتها ياسمينا التي أسرعت لها بفزع حين رأت وجهها المرتعب الباكي.
ياسمينا بفزع: في إيه يا جميلة؟
قالت بنبرة باكية وحرقة: قاسم وقع في الشارع، أنتِ مشوفتيهوش؟
عقدت ياسمينا حاجبيها بذهول: لا فين؟
أسرعت جميلة من أمامها: تعالي مش وقته الكلام ده!
تبعتها ياسمينا بسرعة حتى تقدموا ورأوا أناسًا يحملون قاسم ثم يضعونه في سيارة أحدهم حتى يسرعوا به للمستشفى.
كانت جميلة على وشك التقدم بغير وعي حين أمسكتها ياسمينا من يدها بسرعة: أنتِ رايحة فين؟
ردت جميلة: رايحة أشوفه.
اتسعت عيون ياسمينا وهمست بعدم تصديق: أنتِ اتجننتِ! رايحة فين أنتِ لا تقربي له ولا حاجة رايحة بصفة إيه؟
حدقت لها جميلة بألم وكأنها انتبهت توًا لهذا الأمر وراقبت السيارة وهي تغادر للمستشفى بقلب مثقل.
عادت لغرفتها مع ياسمينا التي أعادتها رغما عنها قبل أن ينتبه أحد من عائلتها لها، رغم أن جميلة كانت ثابتة مكانها ما زالت تنظر إلى مكان سقوطه.
ارتمت على سريرها تبكي فجلست ياسمينا أمامها تقول بحيرة: طب حصل إيه فهميني؟
قالت من بين بكائها: كانوا بيلعبوا كورة وفيه واحد وقعه جامد وهو مسك رجله وقعد يصرخ من الوجع.
بقيت تحدق إليها بتشويش ثم سألتها: طب أنتِ بتعيطي كدة ليه؟
حدقت لها جميلة باستغراب: هو ده سؤال يا ياسمينا؟
حدقت ياسمينا إليها بتركيز: طبعًا! أنتِ بتعيطي عليه ليه مع أنه رفضتيه أصلا لما جالك ومفيش أي صلة ولا علاقة بينكم ومعتقدش يعني ده عياط واحدة على جارها!
صمتت جميلة بارتباك وهي تنظر أمامها بتيه ولم ترد.
فتابعت ياسمينا: أنتِ بتحبيه يا جميلة؟
صُدمت جميلة من السؤال وهذه المرة لم تسارع للإنكار بل بقيت تنظر أمامها بعدم استيعاب ويظهر عليها التفكير العميق.
رفعت نظراتها لياسمينا وقالت بعدم تصديق: طب إزاي؟
ابتسمت ياسمينا ووضعت يدها على كتفها: دي بقا مفيش فيها إزاي خالص وعارفة حاجة؟ معتقدش أنه حب من اليومين دول وبس لا يمكن من زمان كمان.
عقدت جميلة حاجبيها بعدم فهم: يعني إيه؟
هزت ياسمينا كتفيها: يعني أنتوا يعتبر عِشرة طويلة ممكن الحب مكنش لسه جه بس أكيد كنتِ عارفة أنه رغم كل الحركات اللي بتتضايقي منها أنه ده إنسان كويس ومهما كان سنه يُعتمد عليه. فاكرة لما كنتِ بتعيطي عشان ولد ضايقك وأنتوا في أولى إعدادي وسرق منك حاجاتك وهو راح ضربه ورجع الحاجة ليكي؟ ولما كبرتوا بقا ورجعتوا تتقابلوا الفترة دي ويظهر قدامك الحب جه لوحده رغم ضيقك منه بس إعجابك بوسيم كان عامل زي الغشاوة على عينيك.
بقيت جميلة تفكر قليلًا في كلامها ثم تنهدت: يمكن بس هو مش هيسامحني يا ياسمينا أنا خسرته خلاص، أنتِ مش بتشوفي نظراته عاملة إزاي، النظرات دي بتجرحني أوي.
قالت ياسمينا بتشجيع: هيسامحك يا جميلة هو بيحبك، بس هو مجروح حاليًا.
قالت جميلة بأمل: تفتكري؟
أومأت ياسمينا وهي تبتسم، فعانقتها جميلة وهي تبكي مجددًا. ربتت ياسمينا على ظهرها بحنان لمواساتها.
سمعوا خطوات والدتها تقترب من الغرفة فمسحت جميلة دموعها بسرعة وهي تبتعد عن ياسمينا.
دلت والدتها بوجه حزين: عرفتوا اللي حصل يا بنات؟
أجابوا نفيًا فتابعت والدتها: قاسم محمد جارنا رجله اتكسرت وفي المستشفى.
هبط قلب جميلة من الأسى فنظرت لها ياسمينا بسرعة بتحذير حتى لا تشك والدتها، ثم سألتها: طب هو عامل إيه دلوقتي؟
قالت والدة جميلة بشفقة: في المستشفى وهيقعد فيها كام يوم بس أمه زعلانة.
ثم نظرت لجميلة: أنا قولت لأبوكِ يا جميلة وهنروح كلنا كمان شوية المستشفى عشان نزوره ده واجب أمه ست أصيلة ومحترمة وهو شاب محترم جدًا.
أومأت جميلة برأسها: حاضر يا ماما هقوم أجهز.
غمزت لها ياسمينا وحين غادرت والدتها قالت: أهي دي فرصتك بقا.
قالت جميلة بتعجب: فرصة إيه؟
زفرت ياسمينا بحنق: يا غبية عشان تعتذري له وتبيني أنه أنتِ مهتمة بيه يعني.
قالت جميلة برفض: أنا مقدرش أعمل كدة، مقدرش أقوله أني بحبه.
حدقت لها ياسمينا ببرود ثم ضربتها على رأسها: ومين قالك أنه هتعملي كدة.
ردت جميلة بنفاذ صبر: أمال هعمل إيه؟
قالت ياسمينا بجدية: يعني أنتِ ببساطة لو جات فرصة تتكلمي معاه لوحدكم هتعتذري منه على اللي حصل وأنه مكنش قصدك تجرحيه وطبعًا أنتِ رفضتِ وسيم وده أكيد بقى معروف ف هو ممكن يحاول تاني.
جميلة بحزن: وهيحاول تاني إزاي بعد ما رفضته!
ياسمينا بملل: اعملي كدة وخلاص وسيبيها على ربنا، قومي يلا وأنا همشي.
تجهزت جميلة بشوق وتوتر لأن تذهب وتراه وتطمئن عليه، لا تعلم متى أحبته ولكن هذا الشوق والقلق الذي يسيطر عليها يؤكد لها ذلك بقوة وكل ما كانت تشعر به الفترة الماضية يتثبت لها صوابية ذلك بكل طريقة ممكنة.
حين وصلوا المستشفى أخبرتها والديها أنها ستسبقهم لأعلى حتى تعرف في أي غرفة هو، بينما والدتها تنتظر والدها حتى ينتهي من ركن سيارته.
صعدت لغرفته والتوتر يزداد داخلها وكل الاحتمالات تعصف برأسها ولكن حاولت إخمادها وتفكر بأنها ستفعل ما تنويه مهما كان الأمر صعبًا عليها.
وصلت أمام غرفته وهي تحاول أن تهدأ وتسيطر على دقات قلبها المتسارعة، دقت الباب وحين سمعت صوته يأذن بالدخول ارتجفت يدها للحظة على مقبض الباب قبل أن تفتحه.
كان لوحده حين رآها تحولت ملامحه ونظراته للبرود التام، ازداد توترها ولكنها خطت للداخل وهي تقول بخفوت وارتباك: ألف سلامة عليك.
رد باقتضاب: الله يسلمك.
نظرت في أرجاء الغرفة ثم قالت بتساؤل: هي طنط مش هنا؟
رد ببرود: بتخلص حاجة في الحسابات تحت وطالعة.
حاولت الابتسام: يبقى أكيد هتقابل ماما وبابا تحت وهما طالعين.
لم يرد عليها وهو يدير وجهه للجهة الأخرى فشعرت بأن موقفها يزداد صعوبة.
تذكرت حديث ياسمينا وتشجعت وهي تقول بنبرة متوترة: قاسم أنا عايزة أقولك حاجة وياريت تسمعني.
أدار وجهه ناحيته وقال بعنف: وأنا مش عايز أسمعك ولا أشوفك ياريت تتفضلي برة!
رواية جميلة الفصل التاسع 9 - بقلم ديانا ماريا
وقفت مصدومة تحدق به بعدم استيعاب.
"إيه؟"
ضغط بيده على حاجز السرير وهو يرتفع قليلا من مرقده بغضب.
"بقول مش عايزة أشوفك يا جميلة ولا أسمعك بالمرة. أنا مش فاهم أنتِ جاية ليه أساسا!"
وقفت ترتجف وهى غير مستوعبة أو مصدقة عنف أسلوبه معاها.
"ا…. أنا كنت…جاية اتطمن عليك."
أصدر ضحكة ساخرة وهو يدير وجهه الناحية الأخرى.
"وكمان أعتذر لك."
نظر لها بتقطيبة.
"تعتذري؟"
أومأت برأسها وتابعت بنبرة مرتعشة وإندفاع.
"على اللي حصل يومها أنا نفسي أعتذر لك، أنا آسفة وندمانة…"
قاطعها وهو يرفع يده ليوقفها عن الحديث بحنق.
"اوعى تقوليها! اوعى تقولي كدة! بتعتذري مني على إيه؟ مش مهم كسرة قلبي لكن محدش بيعتذر أنه رفض حد يا جميلة ولا وسيم منفعش قولتِ أرجع لقاسم!"
تجمدت نظراتها عليه دون أن تنطق وكل ما فيها مصدوم لكلامه.
"ا… ا… إزاي؟"
أبتسم بسخرية وقال بتهكم.
"إزاي عرفت؟ ليه وهى دي حاجة بتستخبى؟ إزاي ميتعرفش في الشارع أنه وسيم الشاب الذكي الناجح متقدم لجميلة وبعدها هى رفضته! إيه منفعش فقولتِ ترجعي للبديل؟"
قالت بغصة.
"أنت مش بديل أبدا، أنا منكرش أني كنت فاكرة أني معجبة بوسيم بس ده كان مجرد وهم لحاجة جديدة دخلت حياتي وعلى فكرة لما أتقدم لي أنا مكنتش مبسوطة ولا حاجة وكنت هرفضه سواء عرفته على حقيقته ولا لا."
ضحك وعينيه تلمع بالقهر والألم وقال بشدة.
"أنا مش بديل فعلا يا جميلة لما مينفعش وسيم هيبقى قاسم الإحتياط اللي أنتِ عارفة أنه بيحبك، أنتِ عارفة أنا حسيت بأيه لما عرفت أنه أتقدم لك وأنتِ موافقة تقابليه؟"
أغمضت عيونها بقوة فتابع هو بألم ودموع تلمع في عينيه هى لا تراها.
"كأنه نار شعلت بقلبي، وقفت ابص لنفسي في المرايا وقعدت أسأل يا ترى هو أحسن مني في إيه؟ هو فيه إيه زيادة عني؟ كان ناقصني إيه؟ أيوا أنا يمكن تصرفاتي تعبتر تافهة شوية بس بعرف أتحمل مسؤولية وبحبك أكتر منه! في نفس اليوم اللي رفضتيني فيه تقبليه! ليه هو مش أنا!"
فركت يديها ببعضها بينما تابع بحسرة.
"بس الأسئلة دي كلها مفيهاش ليه ولا ليها إجابة لأنه القلب لما بيختار مبيكونش عارف ليه ولا لازم يكون فيه ليه من أصله بس أنا كنت شايفه وشايفك مع بعض ومش شايف حاجة تاني قدامي."
أفلتت دمعة من عينيها وفتحتها لتنظر له، كان وجهه مجهد ونظراته متألمة للغاية.
"أنا كمان كنت محتارة ومشاعري مشوشة أنا مقدرش أوافق لأنه ساعتها هكون بخدعك لكن دلوقتي الحيرة كلها راحت وأنا بقيت متأكدة من مشاعري، أنا عمري ما حبيت وسيم ولو شوية حتى كان مجرد إعجاب أهبل لكن أنا بحب…"
صاح بها بشدة.
"أوعى تقوليها! دي مفيهاش كدبة ولا زيف أنت مبتحبنيش، أنتِ بس علشان عارفة أني أنا بحبك جاية لأني مضمون إزاي عايزاني أصدقك وأنتِ في نفس الجملة إنك كنتِ معجبة بيه!"
ارتعشت وهى تجيب بألم.
"كلامك قاسي أوي، من أمتى وأنت كدة؟"
اراح رأسه على وسادته وقال بدون شعور.
"يمكن خيبة أمل واحدة قادرة تغير الإنسان كله."
حدق لها ببرود.
"أمشي يا جميلة مبقاش فيه بيننا حاجة تتقال خلاص."
انهمرت دموعها وهى تحدق له بعجز قبل أن تلتفت لتغادر وهى تضع يدها على فمها وتبكي، وغادرت الغرفة ولم تره ودمعتان تنحدر على وجهه وهو يغمض عيونه بقوة.
خرجت من الغرفة ثم استندت على الحائط الذي بجانبها وهى تبكي بألم وحزن، لقد خسرته للأبد لم يكن متألما من الرفض بقدر تألمه مما حدث يومها، لن يصدق أنها تحبه بالفعل لشخصه أبدا مهما فعلت كما أن كلامه كان جارحا للغاية وقاسي عليها.
فجأة سمعته صوته يأن بصوت عالي من الألم فعادت بسرعة للغرفة، كان يحاول أن يمد يده لقدمه.
"في إيه؟"
قال بألم وهو يتأوه.
"رجلي بتوجعني أوي مش قادر."
حاول النهوض ولكنه عاد وارتمى على السرير وهو يصرخ بقوة.
"نادي الدكتور بسرعة."
هزت رأسها رأسها بإرتباك وركضت خارج الغرفة تنادي على الطبيب ثم عادت معه ومع ممرضة، فحص قاسم الذي يتألم بسرعة تحت أنظار جميلة التي تبكي بهلع وهى تراقب ما يحدث أمامها.
فحصه الطبيب بسرعة ثم طلب تحضير إبرة مهدئة من الممرضة بسرعة وحقنه بها، أتى الجميع أثناء ذلك فقالت والدته بذعر.
"في إيه يا دكتور؟ أبني حصل له إيه؟"
قال الطبيب بإستعجال.
"الكسر بتاعه التهب ومحتاج راحة وهنعمل إشاعة تانية على الرجل علشان نتأكد أنه مفيش حاجة جديدة فيها."
كانت جميلة مسحت دموعها حتى لا ينتبه والداها لشئ ولكنها لاحظت والدتها تحدق بها بتركيز مما أربكها.
سأل والدها الطبيب بعد أن نام قاسم من أثر المهدئ.
"طب هو هيقعد في المستشفى أد إيه يا دكتور؟"
هز الطبيب رأسه وهو يحدق لقاسم.
"لا هو هيقعد فترة لأنه كسر الرجل بتاعته شديد ومحتاج يرتاح راحة تامة وميقومش من السرير على الأقل لأسبوعين."
حين عادوا للمنزل دلفت والدتها ورائها قائلة بجدية.
"جميلة عايزاكِ في موضوع مهم."
قالت جميلة بإرهاق.
"نعم يا ماما؟"
قالت والدتها بعد أن أغلقت الباب ورائها.
"إيه حكايتك من وسيم؟"
أحمر وجهها بشدة وقالت بتعلثم.
"ح..حكاية إيه؟"
رفعت حاجبها وهى تبتسم.
"يعني هتخبي عليا؟"
تنهدت جميلة بشدة وهى تجلس على سريرها وقالت بإحباط.
"ماما أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي."
جلست بجانبها بحنان وهى تضع يدها على كتفها وتضمها.
"سؤال واحد بس وعايزة إجابته، بتحبيه يا حبيبتي؟"
أجابت جميلة بصوت خافت.
"أيوا لكن خسرته من زمان."
سألت والدتها بذهول.
"ليه؟"
صمتت جميلة وهى تضم نفسها لوالدتها ففهمت وقالت بتفهم.
"خلاص براحتك يا حبيبتي، لازم ترتاحي علشان بكرة وراكِ مناقشة مهمة."
بعد قليل ذهبت من عندها وتركت جميلة لوحدها وهى تسترجع الحديث الذي كان بينها وبين قاسم وبكت بشدة خصوصا من قسوته عليها ولكن هل يمكنها أن تتفهم هذه القسوة؟ أيمكن أن تكون نابعة فقط من الألم؟
في اليوم التالي أتت لها ياسمينا باكرا وسردت لها ما حدث وهى تبكي.
قالت ياسمينا بإنزعاج.
"هو الواد ده غبي؟ طب مقدرة أنه قلبه مكسور لكن أنتِ قلبك من حجر يعني!"
لم ترد جميلة فتابعت ياسمينا بتوبيخ.
"وبعدين تروحي تقولي له أنتِ كنتِ معجبة بوسيم؟ أنتِ من غير عقل خالص؟ حرام عليكِ يا جميلة طب ياريتك حتى كان أسمك ذكية يمكن كان ليكِ من أسمك نصيب!"
ابتعدت جميلة عنها وهى تجيب بحزن.
"معرفش هى طلعت مني كدة فكرت لما أقوله كدة هيصدق أني بحبه بجد والتاني كان مجرد إعجاب وهمي ملوش لازمة."
حدقت لها ياسمينا وكأنها مجنونة.
"يعني لو كان العكس ساعتها رد فعلك كان هيبقى إيه؟"
تنهدت جميلة بتعب وضيق.
"اللي حصل بقا يا ياسمينا!"
ربتت على كتفها بمواساة.
"اللي حصل حصل يا حبيبتي دلوقتي بس ركزي في مناقشتك ولما تعدي على خير إن شاء الله نفكر في الموضوع ده."
قالت جميلة بإحباط.
"حاسة أنه المناقشة دي مبقتش تهمني يا ياسمينا، مبقاش ليها لازمة بالنسبة ليا."
قالت ياسمينا بحكمة.
"جميلة يا حبيبتي أنا متفهمة ألمِك وأنه لسة جديد بس ده مستقبلك، تفتكري إيه يعني اللي هيتحل لما تتخلي عن الحاجة اللي بتحلمي بيها دلوقتي؟ قومي يا حبيبتي اجهزي مبقاش غير ساعة ونص وربنا يحل كل حاجة من عنده."
نهضت جميلة بدون حماس وارتدت ملابسها، وقعت عيونها على شئ محدد فقالت لياسمينا بتفكير.
"بس هنروح أنا وأنتِ مكان الأول يا ياسمينا."
عقدت ياسمينا حاجبيها بإستغراب.
"مكان فين؟"
لم ترد جميلة وهى تنظر لنفس الشئ بإبتسامة باهتة.
قالت ياسمينا بقلق.
"أنا مش عارفة دماغك دي هتودينا فين! إيه اللي جايبنا المستشفى دلوقتي!"
قالت جميلة بعزم وهى تحمل باقة الورود الذابلة بين يديها.
"دي حاجة أنا حاسة بضرورة أني أعملها وهتريحني."
زفرت ياسمينا.
"طب بسرعة علشان منتأخرش إحنا فلتنا من باباكِ ومامتك بالعافية."
حين وصلوا لغرفة قاسم نظرت لها جميلة بتوتر.
"لازم أتأكد أنه نايم الأول ومعندوش حد هنعمل إيه؟"
هزت ياسمينا رأسها بحيرة ولكنهم ابتعدوا بسرعة حين فُتح الباب، زفروا براحة شديدة حين تبين أنها الممرضة.
سألتها ياسمينا عن حالة المريض وقد أخبرتها أنهم أقرباء له، أخبرتها الممرضة أن وضعه على حاله وهو نائم الآن.
أومأت جميلة برأسها وهى تتحفز ثم دلفت بهدوء للغرفة، كان نائما ويبدو عليه آثار التعب، تقدمت ببطء من السرير وهى تحدق له بإبتسامة ثم انتبهت لنفسها واستغفرت الله قبل أن تضع على الطاولة التي بجانبه باقة الورود الذابلة، ثم ألقت عليه نظرة أخيرة متألمة مع إبتسامة باهتة، تنهدت بعمق ثم خرجت من الغرفة وغادرت مع ياسمينا لمكان مناقشة الماجستير.
كانت متوترة ولكن شجعها الجميع وحثها على الهدوء والاجتهاد، بدأت مناقشتها بإرتباك ولكن سرعان ما تابعت بثقة وحماس وهى تراقب أساتذتها يراقبونها بإهتمام وإعجاب.
حين انتهت وأعلن الأساتذة أنهم منحوها الدرجة وحصلت على الماجستير، صفق الجميع لها بفرحة ووالديها ينظرون لها بفخر، كانت سعيدة وهى تحدق في الجميع ولكن تشعر بشيء هام أو بالأحرى شخص بدون فرحتها غير مكتملة.
حين كانت تجول بنظراتها في أرجاء الغرفة بإبتسامة، توقفت نظراتها بصدمة على باب القاعة وتوقفت أنفاسها لثانية وتجمدت إبتسامتها على شفتيها وهى ترى قاسم يقف على باب القاعة، مستند على عكازيه الإثنين بيديه ويحمل في يد منها باقة من الورود الحمراء الجميلة المتفتحة وينظر لها ويبتسم!
رواية جميلة الفصل العاشر 10 - بقلم ديانا ماريا
ظلت عيونها مثبتة عليه غافلة عن كل شئ حولها. لن تستطيع التصديق في البداية حتى ظنت أنها تحلم. آخر مرة رأت بها قاسم كان متألم للغاية ولا يريد رؤيتها مجددا، إذا من هذا الذي يبتسم لها والفخر يلمع بعيونه؟
أدارت عيونها في أرجاء الغرفة مجددا لعل أحد يستطيع أن يؤكد لها حقيقة ما تراه عينيها من عدمه. وجدت ياسمينا تنظر ورائها بصدمة ثم تعود بنظراتها لها وهى تغمزها وتبتسم وتشير لها بيدها بفرحة.
عادت بنظراتها لقاسم الذي حاول أن يتقدم ولكنه توقف مكانه بألم بسبب إصابته. أسرعت تهبط إليه وتتجه ناحيته تحت أنظار أهلها والجميع المذهولين. توجهت له حتى وقفت أمامه.
أخذت نفسا عميقا قبل أن تقول بإرتباك: أنت هنا بجد؟
أبتسم لها: آه بجد. إيه مش شايفاني حقيقة قدامك؟
تجمعت الدموع في عينيها وقالت بغصة: بس أنت قولت أنك مش عايز تشوف....
قاطعها بجدية ونظرات ثاقبة: تتجوزيني؟
شهق الجميع الذي أسرع ورائها بصدمة أما هى حدقت به بعدم تصديق.
هتفت به: إزاي؟ أنا مش مصدقة اللي بسمعه!
أبتسم وهو يتذكر ما حدث قبل ساعة.
أستيقظ من نومه وهو يتقلب حين أدار وجهه ناحية باقة الورود ورآها. رفع رأسه من على وسادته بدهشة ثم اعتدل وهو يحدق بها.
مد يده يلتقطه ببطء ثم وضعه في حضنه. حدق به لفترة من الوقت بعدم استيعاب وهو يتلمسه قبل أن يبتسم وتتسع ابتسامته بقوة. لقد كان هذه باقة الورود التي ألقى بها في القمامة حين رفضته جميلة!
أحس بمشاعر كثير متداخلة ولكن فكرة واحدة مسيطرة عليه هو أنها احتفظت بباقة الورود التي سبق ورفضت صاحبها!
أسئلة كثيرة عصفت برأسه. لماذا احتفظت بها؟ هل كانت معها قبل أن يتقدم لها وسيم؟ هل كانت معاها كل هذه المدة؟ ولكن إجابة واحدة برزت في ذهنه ردا على كل تلك الحيرة.
أتخذ قراره. وضع الباقة مجددا في مكانها السابق ثم تحامل على نفسه وحاول النهوض. كان الأمر صعبا عليه بسبب ألم قدمه وثقل الجبيرة.
استند بيديه على حاجز السرير حتى تمكن من النهوض بصعوبة والوقوف شبه مائل على قدم واحدة ووجه أحمر من شدة المجهود الذي بذله. ترنح بتعب ولكن بقى ممسكا بحاجز السرير حتى لا يقع. حين حاول إفلات يديه والوقوف وحده كان على وشك الانزلاق بسبب عدم التوازن ولكنه عاد فأمسك بالحاجز مجددا وهو شبه منحني. زفر بصوت عالي من التعب.
حينها دلفت عليه والدته التي حدقت له بذعر ثم ركضت له بسرعة: قاسم! قومت ليه يابني من السرير؟
قال بصوت مجهد: ماما ساعديني فيه مكان لازم نروح له دلوقتي بسرعة.
حدقت به والدته بعدم فهم وكأنه يتحدث بلغة لا تعرفها: أنت بتقول إيه يا بني؟ أنا هروح أجيب لك الدكتور يتفاهم معاك!
دخين استدارت لتذهب أمسك قاسم بذراعها وقال بضيق: يا ماما ساعديني أنت. شايفاني عامل إزاي؟
وضعت والدته يدها على رأسها وقالت بيأس: عوض عليا عوض الصابرين يارب. أنت عايز تجنني يابني. مش قادر تقف على رجلك وعايز تروح مشوار!
أمسك بيدها وقال بجدية: يا ماما ده مشوار مهم جدا في حياتي أنت. ليه مش مستوعبة كلامي؟
كانت على وشك الحديث حين دلف الطبيب الذي نظر بدهشة لمريضه الذي يقف بصعوبة على قدم واحد ويستند بيد على حاجز السرير واليد الأخرى على والدته.
قال بدهشة: إيه اللي بيحصل هنا ده؟ ليه قايم من سريرك ده ممنوع.
قالت والدته بحنق: قوله يا دكتور. ده شكله اتجنن عايز يخرج من المستشفى.
زفر قاسم بنفاذ صبر: يا ماما دي حاجة تفرحك ولا أنت. مش عايزاني أتجوز!
حدقت به بإستنكار: جواز إيه ياخويا بالجبس بتاعك ده؟ ولا هتروح تتقدم وأنت بتعرج على رجل واحدة.
حدق بها بملل ثم نظر للطبيب الذي فهم وابتسم: لو سمحت اديني أي مسكن أنا لازم أروح المشوار ده وبعدها هرجع هنا علطول.
أومأ الطبيب برأسه: هديك مسكن وكمان عكاز تمشي بيه بس لازم ترجع بسرعة. خروجك بدري كدة خطر أساسا بس شكلك مش هتسمع من حد ف المناهدة ملهاش لازمة.
قالت والدته بصدمة: أنت عايز تتجوز بجد؟ ده أنا افتكرتك بتهزر علشان تخرج.
أبتسم لها واعتدل ليستند عليها وهو يضع يده حول كتفها: من أمتى بهزر في الحاجات دي يا أم قاسم؟
عقدت حاجبيها بتساؤل وفضول: ومين دي بقى اللي هتخرج علشانها من المستشفى ومقولتليش عليها قبل كدة؟
أبتسم لها ثم قبل خدها: هتعرفيها أهو متستعجليش.
عودة للحاضر وهو يقف أمام جميلة ثم يمد يده لها بباقة الورود التي أخذتها منه بسرعة وهو مازالت تحدق له بعدم استيعاب.
حدق لوالدها بجدية: هى مش أحسن ظروف يعني يا عمى بس أنا طالب أيد جميلة وبدل ما تبقى مناسبة واحدة سعيدة خليها اتنين.
تقدم والدها ووقف بجانبها وقال بجدية: إيه رأيك يا جميلة في الكلام ده؟
احمر وجهها من الخجل وحدقت للأرض بحياء ولم ترد قبل أن يقول قاسم من بين أسنانه: معلش مش وقت كسوف يا جميلة أنا مش قادر أقف.
حدقت له بتأنيب قبل أن ننتبه للألم الذي على وجهه والذي أنباها بمدى صدق حديث وأنه بالفعل يقف بصعوبة.
قالت والدته بإبتسامة سعيدة: أنا مش هلاقي أحسن منك يا جميلة تبقى زوجة لابني. أنت ست البنات غير أدبك وأخلاقك وذكائك كمان.
أبتسمت لها جميلة بسعادة ثم أومأت برأسها موافقة ثم عادت عيونها لقاسم الذي ينظر لها بإبتسامة بلهاء سعيدة على وجهه.
خجلت منه ثم انهالت المباركات عليهم من كل صوب حين تذمر قاسم مجددا من ألم قدمه فساعدوه بسرعة على الجلوس على أحد المقاعد.
صاح فجأة بصوت عالي: إيه رأيك يا عمي نكتب الكتاب بكرة؟
صاح الجميع بدهشة وهم ينظرون له فقال بعفوية: هو أنا قولت حاجة غلط؟
ضحك والد جميلة بشدة: لا يابني بس حتى أدينا فرصة نفكر. نعمل الإجراءات أي حاجة كدة.
رد قاسم: يا عمى دي كلها شكليات صدقني. طالما جميلة وافقت ف نكتب الكتاب ليه نستنى يعني؟
ضحكت ياسمينا بخفوت التي كانت تقف بجانب جميلة وهى تنغزها في كتفها وهمست لها: الله ده مش قادر يصبر خالص.
حدقت لها جميلة بتحذير رغم الخجل الذي يغزوها بأكملها. بعد مناقشة سريعة اتفقوا على أن يحددوا ميعاد كتب الكتاب بعد خروج قاسم من المستشفى وهو الأمر الذي قبله رغما عنه.
عاد للمستشفى مجددا ثم تخرج بعد أسبوع لتحسن حالته وبدأ يصر على والد جميلة لإستعجل إجراءات كتب الكتاب وحين حاول والدها إقناعه بالانتظار طلب منه معرفة رأي جميلة وإذا كانت ترغب بالانتظار فسوف ينتظر بناءا على رغبتها. حين لم تبدي جميلة أي اعتراض وافق والدها على تحديد ميعاده بعد أسبوع.
حين أتى ذلك اليوم أخيرا كانت حينلة تستعد بتوتر كبير بمساعدة ياسمينا التى كانت تراقبها بسعادة وفرح.
كانت تقف أمام المرآة تتأكد من أنها جاهزة حين قالت لياسمينا: شكلي حلو؟
أبتسمت ياسمينا وقالت بتأثر: أحلى من القمر نفسه.
أبتسمت لها جميلة والتفتت ثم عانقوا بعضهم بمحبة كبيرة.
حضر قاسم الذي كان وسيما وأنيقا رغم قدمه التي مازالت في الجبيرة. تم كتب الكتاب على خير وتركوهم لوحدهم.
كانت جميلة تقف بخجل حين تقدم قاسم منها يقول بحب: أنا مش مصدق أنه أحنا اتجوزنا. أنا مكنتش مصدق أساسا أننا اتخطبنا!
رفعت جميلة بصرها له ورغم خجلها قالت بعتاب ولوم: بس كنت قادر تقولي كلام يجرح زي اللي قولته في المستشفى؟
تقدم منها أكثر مما زاد من توترها وسرعة نبضات قلبها. مال برأسه وقبل جبينها بعمق ثم أبتعد وهو يقول بصوت عميق: أنا آسفة يا جميلتي على كل حاجة قولتها ممكن تكون جرحتك.
ثم تابع بإنزعاج ونظرة انتقاد: بس مكنتيش متوقعة أني أقوم أرقص وأنا سامعك بتقولي اللي بتقوليه يعني!
تنهدت وقالت بندم: أنا كنت فاكرة أني كدة بكون صريحة معاك. وأنه في الآخر عرفت إيه الصح يمكن كان تهور وإندفاع مني بس أنا فكرته صح ساعتها.
تنهد ثم قال بصدق ورقة: يمكن إحنا الاتنين عملنا أخطاء بس من اللحظة دي يا جميلة مفيش حد غيرنا في علاقتنا لا شخص ولا حتى سوء ظن. أنا بحبك يا جميلة ولما شوفت بوكيه الورد جنبي لما صحيت ده أداني أمل أنه أنت. فعلا حبتيني لنفسي.
أدمعت عيناها تأثرا فأكمل: صورتك كانت في قلبي وعقلي السنين اللي فاتت دي كلها ودلوقتي مبقتيش مجرد حلم ولا خيال بقيت. حقيقة قدامي وبقى من حقي اصارحك بمشاعري كلها وأتغزل بجمالك براحتي.
ضحكت بسعادة والدموع تنهمر على وجهها: وأنا كمان بحبك والظاهر أني كنت بحبك من زمان أوي بس مكنتش عارفة.
غمرت المشاعر عينيه فتقدمت منه تحيط عنقه بذراعيها وهى تعانقه. أفلت العكازين من يديه ليقعوا على الأرض بينما يحتضنها بشدة بذراعيه وهو يشدد عليها بقوة.
كانت مغمورين بشدة بتلك اللحظات السعيدة والمشاعر المؤثرة حين همس قاسم فجأة: على فكرة أنا كنت قاصد أخبطك بالكورة في دماغك يومها.
طارت عيون جميلة مفتوحة بشدة من فورها ثم عادت برأسها للوراء تحدق به بصدمة: إيه!
تابعت بغيظ وهو تحدق به بعيون نارية وإبتسامة شريرة: أنت شكل وحشتك المستشفى يا روحي وأنا مش هخلي في نفسك حاجة وأرجعلك ليها النهاردة!