تحميل رواية «جحيم الغيرة» PDF
بقلم اماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عارفه يا منى أنا كل أما بسمع معاناة اختي مع جوزها بحس بسعادة كبيرة أوي أوي جوايا، وخاصة وهي بتتكلم عن جوزها وإنه إزاي مضيق عليها في المصاريف. طيب وإنتي علاقتك إيه بجوز أختك وليه تفرحي بكده؟ لأنه كل أما بيقصر معاها بيثبت لي إنه بيحبني وعايزني. يانهارك أسود! إنتي مجنونة بتحبي جوز أختك؟ وفيها إيه، راجل وبيتحمل المسؤولية وعايش معاها خمس سنين قبل ما يعرفني، وكان مريّها الهنا كله. ليه ما يبقاش ده كله بتاعي؟ أنا أحلى منها وأجمل منها وأستحق العيشة دي. بس متجوز أختك يا مجنونة. بس بيحبني أنا. طالما بيحبك...
رواية جحيم الغيرة الفصل الأول 1 - بقلم اماني سيد
عارفه يا منى أنا كل أما بسمع معاناة اختي مع جوزها بحس بسعادة كبيرة أوي أوي جوايا، وخاصة وهي بتتكلم عن جوزها وإنه إزاي مضيق عليها في المصاريف.
طيب وإنتي علاقتك إيه بجوز أختك وليه تفرحي بكده؟
لأنه كل أما بيقصر معاها بيثبت لي إنه بيحبني وعايزني.
يانهارك أسود! إنتي مجنونة بتحبي جوز أختك؟
وفيها إيه، راجل وبيتحمل المسؤولية وعايش معاها خمس سنين قبل ما يعرفني، وكان مريّها الهنا كله. ليه ما يبقاش ده كله بتاعي؟ أنا أحلى منها وأجمل منها وأستحق العيشة دي.
بس متجوز أختك يا مجنونة.
بس بيحبني أنا.
طالما بيحبك ما اختاركش ليه من الأول؟
عشان وقتها أنا كنت بفكر في مستقبلي ومكنتش عايزة أتزوج، إنما ملقتش فايدة من الشغل فقررت أتزوج وأقعد في البيت.
ومن قلة الرجالة ملقتيش غير جوز أختك؟
كل اللي أعرفهم مش بتوع جواز، واللي عايزين يتجوزوا مش معاهم فلوس. وهو جوز أختك اللي معاه؟ مانتي مش سامعاها وهي بتحكي إزاي بطل يصرف عليها.
منى إنتي مش واخدة بالك الملابس الماركات اللي بقيت ألبسها ولا الدهب اللي بقيت ألبسه؟
هو ياسين اللي بيجيب لك كل ده؟
أه، هو كل ده عشان يرضيني. وكمان حكمت عليه من هنا لحد ما يطلق فردوس ما يقربش منها ولا يلمسها، ومن ساعتها بقى هو ينام في أوضة وهي في أوضة. ومش بس كده، بقى يتعمد يضربها عشان تيجي تغضب عند ماما ويعرف يكلمني براحته، وكل اللي بيعمله معاها ده عشان يرضيني.
وإنتي بتبقي مبسوطة بكده؟
أه طبعاً، بحس إني ست ومرغوب فيها، وإن ممكن ألاقي اللي يبيع العالم كله عشاني. عشان كده أنا هتجوزه.
بس ده راجل ما يتأمنلوش.
لأ، ده أهبل. أنا اللي عرفت أجيبه على ملي وشه.
يعني خطفتيه من أختك؟
هو عيل؟ أخطفه ده راجل كبير يا منى. يعني الموضوع لو مش على هواه مش هيعمله. بالعكس، ده مصدق إني شاورّت له بصبعي الصغير وجه تحت رجلي، وسايبني أمشيه زي ما أنا عايزة.
مش حاسة بالذنب؟
بالعكس، حاسة بانتهاش جوايا. كل شكوى بتشتكيها فردوس من عمايل ياسين بتدخل على قلبي تفرحه.
ليه الكره ده كله ليها؟
أوعى تكوني فاكرة فردوس بريئة. لا، دي ساهتانه طول الوقت عاملة نفسها الطيبة وأنا الشريرة. تعرفي بابا قبل ما يموت قسم الورث وهو عايش خاف إني ممكن آكل حقها. كلهم شايفيني ظالمة وإني بغير منها، رغم إني مكنتش كده. بالعكس، كنت بحبها.
وهي عمرها ما حاولت تدافع عني. بالعكس، كانت مبسوطة بكلامهم أو إنهم يمدحوها.
ما يمكن عملتي حاجة خلتهم يشوفوكي كده؟
خالص على فكرة. كنت بنت طبيعية جداً، بحب ألعب وأجري وأعيش حياتي. إنما فردوس هادية وبتحب قعدة البيت.
يبقى كده الذنب ذنب أهلك إنهم كانوا بيفرقوا في التربية. هي مالهاش ذنب. وأنا مكنش ليّا ذنب. أنا نفسي أشوف قهرتهم وأنا باخد مكان أختي في كل حاجة. ياااااااااه، ده أسعد يوم في حياتي.
وأنا شايفاهم واقفين مصدومين، مش مصدقين اللي بيحصل.
طيب ليه فردوس مستحملة ياسين كل ده؟
عشان هو رافض يدّيها حقها، عايزها تتنازل عن القايمة بتاعتها.
طيب ما تخليها تاخد حاجتها على الأقل يجبلك كله جديد.
لأ، أنا عايزة كل حاجة تخصها. عايزة مطبخها اللي اختارته بنفسها واللي كانت بتقضي وقتها تمارس فيه هواياتها المفضلة، أوضة نومها اللي قضت أجمل أيامها فيها، أوض نوم أولادها اللي كانت بتختارها بعناية. عايزة آخد كل حاجة تخصها. حتى اللبس والملايات. عايزة كل حاجة يا منى، كل حاجة.
فضلت منى باصة لصاحبتها بقله حيلة.
في صغرها كانت دايماً ابتهال بتعاني من تفرقة أبوها وأمها بينها وبين أختها، لحد ما اتولد بداخلها حقد كبير تجاه أختها.
في بيت فردوس، كانت قاعدة تذاكر لأولادها، وفجأة سمعوا صوت الباب بيفتح. شعر الأولاد بفزع وانكمشوا لحضن والدتهم. بدأت فردوس تهديهم.
اهدوا، اهدوا، ما تخافوش. من النهاردة ما فيش حاجة هتخوفكم تاني.
ليه يا ماما؟ هتعملي إيه؟
قالوها الأولاد بخوف.
مش هعمل حاجة. ادخلوا إنتوا أوضتكم والعبوا، وما تحاولوش تسمعوا أي حاجة عشان ما أزعلش منكم.
حاضر يا ماما.
دخل الأولاد أوضهم، ودخل بعدها ياسين. بص ياسين اتجاه فردوس بتهجم واشمئزاز.
مش ناوية تخلي عندك كرامة وتطلقي بقى؟
ياسين، ما تبقاش ظالم. طيب، حتى أديني الحاجة اللي جبتها.
ما فيش حاجة هتاخديها. هتطلعي بشنطة هدومك وهدوم عيالك، غير كده هفضل معلقك لا طايلة سما ولا أرض، وهمسّيكي بعلقة وأصبحك بعلقة، وغير اللي هعمله في الأولاد.
طيب هتستفاد إيه لما أنا والأولاد نكرهك؟
وأنا مستفاد إيه من حبكم غير إني شايل مسؤوليتكم وبصرف عليكم.
اتقي الله، إنت مش بتصرف علينا بقالك ياما.
ومش هصرف، والوضع هيزيد سوء. عشان كده يا فردوس انفدي بجلدك.
سكتت فردوس، وهي بتحاول لآخر لحظة إنها تطلع منه بأي شيء يساعدها هي وأولادها الفترة الجاية. بصت باتجاه أوضة الأولاد وتنهدت بوجع، فهي مجبورة للبعد عنه بسبب أولادها. لولاهم ما كنتش هتسيب حقها لحد ما تاخده، لكن الأولاد مالهمش ذنب.
في الفترة الأخيرة زادت قسوته عليهم، مع كل مرة بترفض فيها فردوس إنها تتنازل عن حقوقها في سبيل الطلاق. ووصل الأمر في الأسبوع الأخير إنه بيقفل عليهم الباب قبل ما ينزل عشان يتأكد إنهم مش هيخرجوا من البيت ولا يشتروا أكل.
كان ياسين بيضغط على فردوس بكل الوسائل. كثيراً من الأوقات ما يضربهم بدون سبب حتى تخرج فردوس من شعورها وتمضي تنازل عن جميع حقوقها وما تطلبوش في المستقبل بأي حقوق.
حاضر يا ياسين، بس صدقني هتندم على عمايلك دي في المستقبل. أنا موافقة على إني أبريك من كل حاجة وعن حقوقي، بس ده مش عشان أنا بحبك أو متمسكة بيك عشان كده كنت رافضة الطلاق. لا، أنا كنت رافضة إني أطلق وأتنازل عن كل حاجة، إنما دلوقتي لا، خلاص. ولادي عندي أهم من أي حاجة تانية.
شوف إنت عايزنا نروح للمأذون امتى وأنا موافقة أمضي على أي ورق مقابل إني أخلص منك.
بس هعمل كل ده على شرط.
إنتي في موقف ما ينفعش تتشرطي فيه.
اعتبره السبب الوحيد اللي هيخليني أقبل إني أتنازل عن كل حاجة.
قولي.
تتنازل عن حضانة الأولاد.
أنا كده كده مش عايزهم، مش ناقص مسؤوليات. المهم بكرة نروح للمحامي نخلص الأوراق اللي تضمن إنك ما تطلبنيش بأي حاجة، وأنا كمان همضيلك على تنازل عن حضانة الأولاد. وبعد كده نروح للمحامي وأطلقك طلاق بيني وبينك، ما لهوش رجعة. وتكوني مجهزة شنطة هدومك وهدوم العيال وأي حاجة تانية. ما تفكريش تلمسيها، إنتي فاهمة؟ حتى الدهب.
حاضر، اتفقنا.
قالتها قدامه، ومن جواها بتحسبن عليه وبتدعي عليه بسبب عمايله فيها وفي أولادهم. ما قدرتش تقولها قدامه عشان عارفة وواثقة إنه هيمد إيده عليها ومش هيسكت لها.
دخلت أوضة الأولاد وبدأت تجمع لبسهم وحاجتهم المهمة، وبعدها دخلت أوضتها وبدأت تلم كل حاجاتها وأوراقها وشهادات ميلاد أولادها عشان في المستقبل ما تحتاجلوش. وكانت حريصة إنها تاخد صورة بطاقته عشان لو احتاجتها في أي أوراق تكون خاصة بأولادها في المستقبل ما تكونش مضطرة ترجع له مرة تانية.
وفي وسط ما كانت بتلم حاجتها، شافت ألبوم صورهم القديم، وأخدت كل الصور منه وقامت بحرقها عشان ما يكونش له أي ذكرى جواها.
وفي نفس الوقت، دخل ياسين البلكونة واتصل بابتهال وبلغها إن أخيراً هيطلق فردوس وأنها قبلت بشروطه. فرحت ابتهال وحست بانتصار.
أخيراً يا دي كانت لازقة!
أخيراً يا حبيبتي. عارف يا ياسين، هموت وأشوف شكلها لما تعرف إنك عملت كل ده عشاني. نفسي الأيام تجري بسرعة عشان أشوف شكلها لما تعرف، ومنظرها وهي جاية بكرة وجارة شنطة هدومها.
رواية جحيم الغيرة الفصل الثاني 2 - بقلم اماني سيد
في اليوم التالي، راحت فردوس مع ياسين للمحامي، وبعدها راحوا للمأذون.
كان معاهم أولادهم، ولم يهتم ياسين بنفسية الأولاد أو أنهم يرون أباهم يبيعهم هو وأمهم من أجل نزواته.
كانت فردوس من داخلها تحس بقهر؛ لماذا يفعل زوجها معها هكذا؟ ما الذي وصله لهذه المرحلة، أن يبيع أولاده وامرأته؟ من أجل ماذا كل هذا؟
بعدما خلصوا كل الإجراءات ونزلوا في الشارع أمام مكتب المأذون، قررت فردوس أنها تعرف منه السبب، وتمنت أنه يجيبها ويريحها؛ لماذا يفعل معها هكذا؟
وقفت فردوس قصاد ياسين وبدأت تكلمه بجدية.
"ياسين، خلاص طلقنا وعملت لك اللي أنت عايزه، صح؟"
"آه."
"طيب، عايزة أسألك سؤال؛ أنت ليه بتعمل معايا كده؟ ليه رميتني أنا وأولادك بالطريقة دي؟"
"هنبدأ بقى جو الشحاتة وتعكير مزاجي؟"
"لأ، مش شحاتة ولا تعكير مزاج، بس من حقي أعرف؛ ليه قلبت علينا مرة واحدة كده؟"
"بكرة تعرفي. أنا ما عنديش وقت أضيعه معاكي."
وسابهم في الشارع وركب عربيته ومشى.
وبعدها فردوس وقفت تاكسي وأخذت أولادها وراحت على شقة مامتها.
***
في منزل ابتسام، والدة فردوس.
اتصلت ابتسام بفردوس عشان تطمن عليها، وردت عليها فردوس وكان باين في صوتها إنها ماسكة نفسها عن العياط. كان صوتها مخنوق، ولو حد قالها "مالك" هتبدأ في نوبة بكاء صعب الانتهاء منها.
"ها يا فردوس، عملتي إيه؟"
"خلاص، كل حاجة خلصت، وأنا دلوقتي في العربية وجيالك أنا والأولاد."
"تنوري بيت أبوكي يا حبيبتي. هروح أجهز لك أوضة ليكي عشان ترتاحي فيها، عشان أكيد جاية تعبانة."
قفلت ابتسام مع بنتها ودخلت أوضة ابتهال، لاقتها ماسكة الموبايل وبتتكلم فيه.
بدأت ابتسام تدي أوامرها لبنتها عشان تنفذها كالعادة.
"ابتهال، يلا بسرعة قومي فضي الأوضة دي."
"ليه؟"
"أختك جاية وهتقعد معانا على طول."
"طيب، ما في غرفتين تانيين في الشقة، إشمعنى الأوضة بتاعتي؟"
"دي كانت أوضتها قبل الجواز، والأوض التانية محتاجة تنضيف. إحنا هنفضلها دي الأول، وبعدين نروق الأوضة بتاعتك القديمة لولادها."
"وأنا أقعد فين؟ في الشارع؟"
"لأ، خدي الأوضة الصغيرة."
"بتاعت الناني؟"
"مبقاش في ناني خلاص من زمان. وبعدين ماهي موجودة في الشقة. مش بقولك انقلي الشارع اللي ورا."
"أنا لو روحت الشارع اللي ورا يبقى أكرملي. بصي من الآخر كده، أنا لا هروق ولا هفضّي مكاني لحد، وما تنسيش إن ليا في الشقة دي زيك أنتِ وبنتك، ومش مطالبة أسيب أوضتي عشان بنتك اتطلقت وجاية تعيش معانا."
"وإنتي عرفتي منين إنها اتطلقت؟"
"واحدة هتعيش مع أهلها على طول، تتفهم إزاي."
"ابتهال، كلمة ومش هتنيها؛ هتسيبي الأوضة دي لأختك وهتروحي الأوضة الصغيرة، وهتنضفي معايا الأوضة التانية لولادها."
"لأ هنضف ولا هنقل. أنا قاعدة في نصيبي في بيت أبويا. مش عاجبك، قاعديها في أوضتك، على الأقل أوضتك أكبر."
"إنتي مستخسرة الأوضة في أختك؟ منك لله يا شيخة، مش كفاية كسرة قلبها وهي مطلقة وبقت بطولها بعيالها."
"مش مشكلتي إنها مش مالية عين جوزها."
بمجرد ما انتهت ابتهال من الكلمة، قامت والدتها بضربها على وجهها بشدة.
"إنتي بنت قليلة أدب، وأنا معرفتش أربيكي. أوعي أسمعك أقول الكلام ده. قدامها بإذن الله تجرب إحساسها ويحصّلك اللي حصل لها."
نظرت ابتهال لوالدتها بقهر من رد فعلها، وازداد داخلها شعور الانتقام من أمها ومن أختها.
بدأت نظرات ابتهال تزداد شراسة، مما جعل والدتها تخشى رد فعلها.
نظرت ابتهال لوالدتها بقوة وتكلمت بصوت هادئ وحاد ممزوج بالشراسة.
"اطلعي بره الأوضة بتاعتي حالا."
خرجت والدتها مسرعة وهي تتمتم بصوت واطئ، ولكن ابتهال سمعته.
"بنت عاقة، منك لله. بإذن الله تجربى قهر قلبها."
جلست ابتهال مرة أخرى على السرير، ووضعت يدها على خدها وحاولت كتم الدموع حتى لا تدخل أمها مرة أخرى وترى ضعفها.
قامت ابتهال وأخرجت من الدولاب أجمل هدوم ليها، ودخلت المرحاض، أخذت شاور، وبدلت ملابسها، وخرجت للصالة منتظرة لحظة وصول أختها، حتى ترى نظرات الوجع بعينيها التي لطالما كانت هي تعاني منها، إما بسببها أو حول شيء يخصها، ولكن مأساتها دائمًا كانت لها علاقة بها.
الآن تبدلت الأدوار، وأصبحت أختها هي التي تمتلك تلك النظرات؛ نظرات الوجع والحزن والقهر.
ستجلس وتتحدث معها لتملأ عينيها بذلك الوجع الذي تملك من أختها، وتسمع شكواها لتهدأ تلك النار التي بداخله.
بعد فترة، وصلت فردوس، وطلع البواب الشنط. كانت ابتهال قاعدة ومعها كوباية النسكافيه، منتظرة الفيلم يبدأ قدامها.
خرجت والدتها وحضنت فردوس وفضلت تهدّي فيها وتواسيها، وبدأت فردوس العياط بقوة وقهر.
لكن كان صوتها بالنسبة لابتهال معزوفة موسيقية بتهدي الأعصاب.
مقدرتش ابتهال تمسك ابتسامتها، وقامت وراحت لأختها بحجة إنها بتواسيها.
"ادخلوا يا ولاد اتفرجوا على التلفزيون، وإنتي يا فردوس بطلي عياط وتعالي احكيلي حصل إيه."
"إنتي خارجة يا ابتهال؟"
تكلمت مامتها وسبقت كلام ابتهال.
"لأ يا حبيبتي، حتى لو خارجة، كل مشاويرها تتأجل وتقعد معاكي."
تجاهلت ابتهال كلام والدتها وقررت إنها تعكس كلامها.
"آه، عندي تمرين كمان ساعتين كده، وبعدها خارجة مع صحابي نغير جو."
"خدي أختك معاكي."
"لأ، أختي ماتعرفش صحابي ولا عمرها راحت جيم، آخدها معايا ليه؟ هي عيلة صغيرة؟ تبقى تروح لوحدها أو جوزها يوديها."
بصتلها أمها بغيظ.
"إنتي بتستعبطي؟ ما إنتي عارفة ظروفها."
"آه معلش، منا معرفش التفاصيل. طيب احكيلي يا فردوس حصلك إيه؟ يمكن أساعدك."
"أبدا يا ابتسام، جوزي مش عايزني أنا ولا العيال، وبطل يصرف علينا، واجبرني على الطلاق، ومش بس كده، ده خلاني اتنازل عن كل حاجة."
تكلمت ابتهال بشماتة، ولكن كانت متدارية خلف حديث ممتلئ بالمواساة.
"معلش يا فردوس، ما يمكن بطل يحبك وبقى يحب واحدة تانية، أصل ما فيش راجل يكره مراته بالشكل ده غير لو حب واحدة تانية."
"معقول؟"
"أكيد. الراجل لما مراته ماتبقاش مالية عينه، بيدور على اللي ناقصه بره، وإنتي..."
قالت الكلمة وسكتت بسبب تدخل مامتها في الكلام.
"إيه القرف اللي بتقوليه ده؟ إنتي اختك تملي عين أي حد، هو اللي راجل وسخ وعينه زاّيغة."
"ده عشان هي بنتك بتقولي كده. بصي الفرق بيني وبينها، وإنتي تعرفي مين اللي ينبص له."
"أختك طبعًا تكسب. إنتي فيكي إيه إنتي؟"
"لأ، بشتغل وليه مركزي ومعايا عربية وشقة وفلوس ودهب، معايا كل حاجة. بنتك معاها إيه غير حبك ليها؟"
"يبقى خلي حبك ينفعها. أنا حبيت أنصحها، ولكن للأسف كلامي ما عجبكوش، فماتزعلوش بقى."
قالت كلامها بطريقة مليانة بالوعيد والاستهزاء، وبعدها سابتهم وخرجت تقابل ياسين، منفذها الوحيد للانتقام من أختها وأهلها.
فضلت والدتها تنادي عليها عشان ماتخرجش، لكن ابتهال تجاهلتهم وخرجت.
بصت فردوس لمامتها.
"هي مالها ابتهال؟ وبعدين جابت الحاجة دي كلها إزاي وإمتى؟ ده مرتبها يا دوب بيكفي قسط الشقة ولبسها اللي مش بيخلص."
"أنا أعرف أختك دي، محدش يعرف عنها حاجة. حتى موضوع الشقة، القسط اللي هي جابته دي معرفتش عنها حاجة غير وأنا بدور في دولابها بالصدفة شفت العقد، ولما سألتها ردت عليا بالعافية، ولحد دلوقتي معرفش مكانها ولا مساحتها ولا أي حاجة عنها. والعربية بتاعتها من حوالي كام شهر كده بدلتها بعربية جديدة، ولما شفتها صدفة وهي بتركن، قالت لي بدلت القديمة بالجديدة ودفعت فرق في البنك."
"تصديقي بقيت أحسدها، يا ريتني كنت عملت زيها."
"إنتي عبيطة؟ ده هي اللي طول عمرها بتغير منك. سيبك منها، أنا روقت لك الأوضة اللي في الوش، والأوضة الصغيرة هدخل أجهزها لك عشان الأولاد. قومي ارتاحي إنتي، وأنا هخلص الغدا وأصحيكِ تاكلي."
***
خرجت ابتهال وراحت تقابل ياسين في إحدى الكافتريات.
كان ياسين قاعد مستنيها على إحدى الطاولات. أول ما شافها قام وقرب منها يستقبلها.
استقبلته ابتهال بابتسامة مزيفة وقعدت معاه.
"إيه الأخبار؟"
"عملت كل اللي طلبتيه مني. هنتجوز إمتى؟"
"لما عدتك تخلص."
"نعم؟ أنا راجل ماليش عدة، إنتي فكراني ست ولا إيه؟"
"ياسين، ركز يا بابا، إنت طلقت أختي مش بنت خالتي، يعني ماينفعش نتجوز غير لما العدة تخلص."
"بس أنا طلقتها بلا رجعة."
"أيا كان طلاقك وسببه إيه، طالما في عدة يبقى ماينفعش لا تتجوز أختها ولا عمتها ولا خالتها غير بعد انقضاء العدة."
"أنا أول مرة أعرف إن الراجل ليه عدة. طيب أعمل إيه دلوقتي؟"
"أبدا، إنت عملت اللي مطلوب منك، وكل المطلوب دلوقتي إنك تستنى فترة العدة تخلص. بس عارف لو عينك زاغت كده ولا كده، قصص وروايات أماني سيد."
"وأنا أقدر. إنتي بس اللي ماترجعيش في كلامك."
"ماتخافش، بس عايزاك تنزل بوستات فيها رومانسية وكلام حلو من غير ماتحط اسمي، عايزة وتكتب إنك في العلاقة عشان أضمن إنك ماتبصش لحد غيري ولا عينك تزوغ كده أو كده. اعمل حسابك إني مراقبة الأكونت بتاعك كويس قوي."
"حاضر يا روح قلبي، هعمل كل اللي إنتي تطلبيه."
فضلت ابتهال قاعدة معاه فترة بسيطة عشان تأكد عليه طلباتها، وخصوصًا إنه يكتب إنه ارتبط على الفيس بوك، لأنها عارفة ومؤكدة إن أختها هتراقب ياسين، وهي عايزة تكسرها مرة لما تعرف إنه اتخطاها في نفس يوم طلاقهم، ومرة تانية لما تعرف إنه فضلها عليها.
خلصت ابتهال كلامها مع ياسين وركبت عربيتها عشان تروح الجيم.
وطول الطريق كانت بتفتكر ذكريات الطفولة، عشان لو قلبها حَن على أختها، الماضي يفكرها.
يا ترى إيه الماضي اللي وصلهم لكده؟
رواية جحيم الغيرة الفصل الثالث 3 - بقلم اماني سيد
عمرى ما هنسى اليوم اللى عمتى قررت تبعتنى لبابا وماما فيه عشان كانت مسافره وكانوا بيتكلموا من غير ماياخدوا بالهم أنى وصلت.
ـ بقولك يا جبر خلاص فردوس الدكتور قال إنها هتخف والعلاج بدأ يظهر نتيجه. يبقى كده مش هنحتاج ناخد كلية ابتهال ونعمل عمليات ومصاريف وهيكون فيه خطورة على فردوس.
ـ اه الحمد لله أنا مكنتش مصدق لما الدكتور قال إن فردوس هتخف خلاص ومش هنحتاج ناخد كلية ابتهال نديها لها.
ـ المهم خليها تفضل عند اختك أنا مش عايزة حاجة تعطلني عن فردوس عايزة يبقى كل وقتي ليها وكده كده ابتهال خلاص مابقاش منها فايدة.
ـ ياريتنا ما اتسرعنا وخلفناها ويوم ما نخلف تاني تبقى بنت ياريتها كانت ولد.
ـ أهو بقى حمل زيادة علينا.
بصيت وقتها لعمتي اللي أخدتني ومشيت من غير ما يحسوا بينا، لما جسمي بدأ يرتعش من الخوف منهم.
رغم إني كنت طفلة إلا إني فهمت كلامهم، معقول معقول كانوا مخلفيني بس عشان ياخدوا الكلية بتاعتي يدوها لأختي.
أخدتني عمتي وقعدنا في محل عصير وجابتلي عصير أشربه وطبطبت عليا.
ـ انسى اللي سمعتيه، هما بس صعبان عليهم فردوس عشان مريضة وبيتصرفوا من غير ما يفكروا. عارفة لو تعبتي ولا حصلك حاجة برضه هيخافوا عليكي زي ما بيخافوا على فردوس. أهلك سايبينك معايا عشان خايفين ما يعرفوش يهتموا بيكي لأنهم كل يوم في المستشفى مع أختك.
وقتها كنت بريئة وصدقت كلام عمتي إنهم فعلاً بيحبوني، لكن في نفس الوقت الكلام فضل في دماغي وكول الوقت بفكر هل لو أنا تعبت هيحبوني زي أختي كده.
بقيت أنام وأحلم بكوابيس إنهم بياخدوا أعضائي من جسمي ويحطوها في جسم أختي.
عمتي بعد ما شافت حالتي قررت إنها تاخدني معاها السفر لأنها خافت عليا وكمان خافت من طريقة تعامل أهلي معايا وقالت يمكن لما فردوس تتعافى نهائي يحبوني زيها ويفتكروا إن ليهم بنت.
لكن اللي حصل العكس.
كتر البُعاد بيعلّم الجفا.
فضلت قاعدة عند عمتي وجوزها لمدة سنتين أسافر معاهم وأرجع معاهم زياراتي لأهلي محدودة وبتكون وسط الزيارات العائلية. مكنتش بشوف منهم اهتمام خالص كأني مش بنتهم بنت حد تاني وجاية معاه زيارة.
بقيت أقول لعمتي يا ماما وخلاص اعتبرتها ماما فعلاً وجوزها بابا. لكن للأسف بعد فترة جوز عمتي مات.
وقتها حسيت إن بابا هو اللي مات. وروحنا أنا وعمتي عشنا في بيت جدتي فترة لحد ما جالها هريس تاني. وقتها جدتي قررت إنها ترجعني لأهلي يمكن لما أرجع وأعيش معاهم يبقوا حنينين عليا.
ولكن للأسف وقتها بقى عندي ٨ سنوات واختي ١١ سنة.
روحت عشت معاهم وللأسف كانت أسوأ أيام حياتي.
كانوا بينسوني يقعدوا يتغدوا ويسبوني. بينسوا إن عندهم بنت. مس فاكرين غير فردوس. في الأعياد ينزلوا يجبولها اللبس الجديد ويدوني من لبسها القديم.
وكانت حجتهم: لبس أختك جديد ومالحقتش تلبسه، البسيه. ولما يدوب نجيبلك غيره.
كل حاجة كنت باخد حاجتها القديمة لدرجة إنها نفسها بقت تيجي تديني حاجاتها القديمة كأني طفلة يتيمة بتشفق عليها.
وكان ممنوع إني آخد حاجاتها عشان ما أبوظهاش.
كنت لما أزهق وأدخل ألعب معاها ونتخانق زي أي أختين، ألاقيهم جم في صفها ويضربوني.
مكنتش بحب البيت خالص كنت بهرب عند صحابي وجدتي لحد ما توفت ووصت عليا أعمامي.
وقتها كان أكتر عم بيزورنا عمي عماد وبيبقى معاه ابنه عمران كان عنده ١٥ سنة.
كنت بحبهم قوي كانوا دايماً يجبولي هدايا ولبس كنت بشوف فيهم العوض.
كان عمران بيحب يلعب معايا قوي لأنه كان أقرب ليه من فردوس بحكم إني كنت بشوفه لما بيزور جدتي وعمتي لما كنت قاعدة معاهم.
كنت بستنى معاد زياراتهم عشان ألعب معاه وأستنى الحلويات اللي عمي بيجبهالي.
بعد كام زيارة بدأت فردوس تحس بغيره من اهتمام عمي وعمران بيا.
بدأت توقع بيني وبين عمران عشان يبطل يلعب معايا. اتعودت إن الاهتمام يكون بيها هي بس.
كنت طفلة محدش علمني آخد حقي، كنت بنسحب بهدوء.
بقيت أشوفهم يلعبوا مع بعض أبدأ أنسحب وأدخل الأوضة بتاعتي.
بقيت أعوض ده إني أعمل أصدقاء يعوضوني وللأسف كل صداقة أعملها تنتهي للمرحلة اللي فيها، وخاصة لو الأصدقاء دول عندهم أخوات بنات.
بدأت أصاحب أصدقاء مايكونش عندهم إخوات. بقيت محبوبة بره البيت وبقيت شاطرة أشطر من فردوس بكتير وعندي أصدقاء أكتر منها.
الموضوع اتحول معايا لتحدي إني أبقى أحسن منها في كل حاجة لكن مكنتش بأذيها.
وكنت لما بشوف عمران في أي مكان كنت بتجاهله لأنه هو اختار أختي واختار يصدقها ويلعب معاها ويبطل يلعب معايا رغم إنه عارف إني مكنش ليا صحاب غيره.
بعد مرور عدة سنوات.
بدأ عمران يحاول يقرب مني تاني لكن كنت بصده خلاص مش عايزاه. هو صدقها وسمع كلامها وسابني لوحدي. دلوقتي لما مرت السنين وبقى عندي أصحاب غيره جاي تاني يقرب مني، لا خلاص مش عايزاه.
وقتها بقى عندي ١٦ سنة وفردوس ١٩ سنة ودخلت تجارة وعمران ٢٢ سنة وكان بيدرس طب أسنان.
حاول عمران كتير بكل الوسائل إننا نرجع أصدقاء تاني وقولت خلاص نرجع أصدقاء تاني وكانت أكبر غلطة عملتها.
اتعلقت بيه وحبيته بس للأسف كان حب من طرف واحد. فضلت أحبه من طرف واحد لحد ما خلص دراسة. حبيت أدخل طب أسنان زيه لكن للأسف فردوس هانم مكنتش عايزة حد يبقى أحسن منها أو إن أهلي يحسوا إني أشطر منها واتسببت إني أدخل تجارة زيها.
فضلت مكتئبة أسبوعين ورافضة الأكل.
حاولوا كتير يكلموها لكن بدل ما يقنعوها إن دي حياتي. هي أقنعتهم إن الناس هتفضل تقارن بيني وبينها ويقولوا عليه أشطر منها وإنهم كده مش هيبقوا عادلين.
وطبعاً كالعادة دخلت تجارة واتصاحبت على ناس وكنت بنجح بتقدير عالي.
وعمران كان وقتها فتح عيادة لنفسه وجه عشان يتقدملي.
بدل ما بابا يفرح لا قالوا اتجوزوا فردوس هي الكبيرة وضغط عليه.
وبدل ما عمران يدافع عني لا ساب كل حاجة وسافر.
وبعدها أهل أصحابي اتوسطولي إني أشتغل في بنك مع بنتهم وفعلاً اشتغلت في بنك اللي كان شغال فيه ياسين وكانت فردوس بتجيلي الشغل كتير واتعرفت على ياسين واتخطبوا واتجوزوا وخلفت وفضلت أنا عايشة مع بابا وماما.
جه بابا قبل ما يموت قسم الورث علينا بالتساوي وطلب مني أسامحه وهو على فراش الموت لكن للأسف كان صعب ٢٥ سنة من عمري عمره ما فكر يحضني أو يفرحني بهدية أو عيد ميلاد زي فردوس.
مات جبر لكن أنا مزعلتش عليه حسيته واحد غريب مات.
أخدت نصيبي حطيته في مقدم شقة.
إحساس الأمان مش موجود الله أعلم ممكن يحصل إيه في المستقبل.
وبعد فترة جبت عربية صغيرة قسط تبع البنك.
وبعدها فوجئت بخبر خطوبة عمران.
وقتها حسيت بنار جوايا وإن السبب في بوظان حياتي عايشة ومتهنية.
قررت أبوظلها حياتها زي ما بوظتلي حياتي وخلتني أعيش عيشة مش حباها. خليها بقى يجربوا يعني إيه وجع قلب طفلة ومراهقة وانسة ناضجة. ماسبونيش في أي مرحلة من مراحل حياتي تعدي بخير.
بارت انهاردة مش معناه تحيزي خالص لابتهال أو إن اللي عملته صح.
بس كان توضيح لسبب عملة ابتهال مع فردوس.
رواية جحيم الغيرة الفصل الرابع 4 - بقلم اماني سيد
فاقت ابتهال من شرودها على صوت الموبايل. كانوا أصدقاؤها يرنّون عليها لأنها تأخرت. ردت عليهم ابتهال بسرعة، لتجدها فرصة تخرج بها من ذكرياتها.
ـ الو يا منى، أنا طالعة أهو خلاص، وصلت.
ـ تمام، بس صاحبة الجيم بتسأل عنك.
ـ ليه؟
ـ مش عارفة، هي مستنياكي.
ـ طيب، أنا هدخلها الأول وبعدين أطلع أبدأ تمرين.
وصلت ابتهال الجيم ودخلت على غرفة صاحبة الجيم وسلمت عليها.
ـ اقعدي يا ابتهال، عايزكي في موضوع مهم.
ـ اتفضلي.
ـ إنتي عارفة إن كابتن سماح مشيت، صح؟
ـ آه، للأسف.
ـ أنا كنت عايزكي تمسكي الجيم بدالها.
ـ أنا؟
ـ آه، أنا بشوفك في التمرين، عندك طاقة وحماس كبير أوي من أول يوم جيتي فيه هنا من سنتين. يعني إنتي عارفة التمرين بيمشي إزاي والحركات صح، وكمان بشوفك بتساعدي الناس الجديدة إنها تعمل التمارين صح وبتشجعيهم، فبصراحة مش هلاقّي أحسن منك.
ـ بس يا كابتن، أنا بشتغل.
ـ وأنا مش هعطلك، أنا عايزياكي أربعة أيام في الأسبوع من الساعة ٧ للساعة ٩. ها، قولتي إيه؟ وهتاخدي مرتب حلو. وأعتقد ده مش هيأثر على شغلك، لأن منهم يوم الجمعة والسبت، ودول إنتي إجازة فيهم.
سكتت ابتهال تفكر في العرض اللي اتقدم لها، ولقيته فرصة عشان تقعد فترة أطول بره البيت.
ـ تمام يا كابتن، أنا موافقة.
ـ طيب، يلا بقى نطلع نفرحهم.
طلعت ابتهال مع صاحبة الجيم، وعرفت البنات إن ابتهال هي اللي هتكمل معاهم. وهما فرحوا أوي بيها وهنوها، وبدأت في تدريبهم، وبعدها خلصت ووصلت البيت.
دخلت البيت لقت مامتها وفردوس قاعدين بيتفرجوا على التلفزيون. تجاهلتهم ودخلت المطبخ، لقت مامتها عاملة سمك. دخلت أوضتها وطلبت أكل دليفري.
بعد فترة بسيطة وصل الأكل، وخرجت ابتهال وحاسبت الدليفري وأخدت الأكل منه. وهي في طريقها لأوضتها، وقفتها أمها.
ـ هو كل الأكل اللي جوه ده مش مكفيكي ورايحة تطلبي دليفري؟ ده بدل ما تحطي فلوس الأكل اللي بتحبيه من بره ده في البيت.
ـ أولاً، إنتي معاشك على معاش بابا كبير ومش محتاجة أساعدك.
ـ ثانياً، إنتي عاملة سمك تونة وأنا مابكلوش.
ـ ليه يا صغننة، مش هتبطلي دلع؟
ـ لأ، عندي حساسية منه وإنتي عارفة كده، ومش مشكلتي إنك بتنسيه.
ـ بس أختك بتحبه.
ـ طيب، المفروض أعمل إيه؟ آكله وأنتحر عشان أبسطك؟
ـ إنتي ماتعرفيش تتكلمي عدل، غورى في داهية من قدامي، سديتي نفسي.
تنهدت ابتهال بملل وسابتها ودخلت أوضتها، وهي بتعد الأيام اللي هيعرفوا فيها سبب طلاق أختها إيه. خلصت أكل وخرجت تقعد معاهم عشان تتأكد إذا كانت أختها شافت البوستات بتاعت جوزها ولا لأ.
خرجت ابتهال الصالة وراحت قعدت معاهم، وبدأت في الكلام بشكل عام.
ـ إيه يا فردوس، مرتاحة في القاعدة هنا؟
ـ أه طبعاً، ماما حبيبتي مريحاني ومش مخليني أعمل حاجة، حتى الولاد هي بتقعد معاهم.
ـ لما القاعدة هنا حلوة كده، ماطلقتيش ليه من زمان؟
اتكلمت أمها بعصبية.
ـ إنتي جاية تقعدي معاها تعصبيها؟ روحي أوضتك.
ـ أنا أاقعد مكان ما أحب، شقتي.
ـ مش بتاعتك لوحدك، أختك ليها فيها.
ـ أدي بالظبط.
ـ طيب إيه رأيك بقى إني هكتبلها نصيبي وهيبقى نصيبها أكبر، يعني لو حبت تتصرف فيها تقدر تتصرف فيها بدون ما ترجعلك، وفلوسك تبقى ترميهالك في المحكمة.
ابتهال من داخلها كانت عارفة إن أكيد في يوم من الأيام هيحصل معاها كده، عشان كده قررت إنها تشتري شقة أول ما أخدت نصيبها من ورث باباها، وبقت تضغط نفسها بأقساط عشان تضمن إنها تلاقي مكان في المستقبل.
ـ وإنتي فاكرة كده إنك هتضايقيني؟ طيب اتكلمي في حاجة عدلة. إنتي أصلك ماشوفتنيش شقتي عاملة إزاي دي جنبها ولا حاجة. وغير كده، ياترى بنتك هتجيلها الفلوس اللي هتشترى نصيبي بيها منين؟
ـ أنا هساعدها.
ـ طيب، لما تبقي تجمعى بقى تمن نصيبي، أبقى هاتيه وأنا أمشي. ومن هنا لحد ما ده يحصل، اقعد مكان ما أحب وأقول اللي أنا عايزاه. وبعدين يا فردوس، محدش بيسمع صوتك ليه؟ إنتي مش بتعرفي تتكلمي؟
ـ وأنا أتعب نفسي وأتكلم ليه؟ طالما ماما بتتكلم بالنيابة عني.
ضحكت ابتهال بسخرية وتريقة على أختها.
ـ إلا صحيح يا فردوس، جوزك، قصدي طليقك، ماتصلش بيكي ولا منفضلك؟ أصل شفت كده على الفيس منزل كام بوست رومانسي وإنه في علاقة.
شحب وجه فردوس ومسكت التليفون وبدأت تشوف البوستات، وحست بغيرة. ليه جوزها عمل معاها كده؟ ليه حب غيرها أكتر منها؟ بصت لأمها بدموع، وأخدتها أمها في حضنها وطبطبت عليها.
في الجهة الأخرى كانت ابتهال قاعدة بتكلم نفسها.
جربي الوجع لما تحسي إن اللي بتحبيهم مش بيحبوكي وبيفضلوا غيرك عليكي. زمان مكنش فيه حضن بيطبطب عليا، على الأقل إنتي أمك معاكي بتطبطب عليكي.
كانت ابتهال بتبصلهم ومن جواها مش عارفة تفرح لإنها السبب في ده، ولا تزعل على حالها إن محدش حس بيها، إنها مجربتش حضن الأهل ولا الاحتواء ده. سابتهم ابتهال وقامت عشان محدش يشوف في عينيها نظرة الضعف أو الحنين، ولا الدمعة اللي خانتها وظهرت في جفنها.
أثناء مرورها من قدامهم، تمتمت والدتها بصوت مسموع.
ـ هديتي كده، منك لله.
تجاهلتها ابتهال ومردتش عليها. أهم حاجة دلوقتي إنها متظهرش ضعفها ولا تشمتهم فيها.
مرت الأيام واتصالات ابتهال قلت بياسين، وبدأ ياسين يبعت رسايل لابتهال يسهالها عن بعدها عنه. وكان جوابها دايما إنها انشغلت في شغل جديد، بالإضافة إنها على وشك الترقية في شغلها، وهي من ساعة ما نقلت في الفرع ده وهي بتحاول تثبت نفسها بكل الوسائل.
مرت الأيام وعدى شهر، كانت بتتفادى ابتهال إنها تقعد مع أختها أو أمها، بتضيع وقتها في الشغل والخروج مع أصدقائها. وبعد مرور شهرين، وبعد إلحاح كبير من ياسين، قررت تقابله. هي بدأت تحس إنها ورطت نفسها معاه، لأنها مابتحبوش، بس ده الشيء الوحيد اللي هيوجعهم، عشان كده مستحملاه.
في أحد الكافتريات، قابلت ابتهال ياسين بابتسامة مزيفة.
ـ إزيك يا ياسين، عامل إيه؟
ـ أنا كويس الحمد لله، بس حاسس إنك بتهربي مني.
ـ مش بهرب منك ولا حاجة، بس أنا دلوقتي مركزة في شغلي والجيم، عشان كده بعدت شوية، وبعدين هانت خلاص.
ـ طيب، أنا عايز أتأكد إنك لسه عند وعدك.
ـ حاضر، بكرة هكلم عمي وأخليه يقابله.
ـ متأكدة؟
ـ متأكدة إني هكلمه وأظبط معاه الموضوع. مش سهل.
ـ ماشي يا ابتهال، وأنا معاكي للآخر، بس افتكري إني عملتلك كل اللي إنتي عايزاه.
ـ فاكرة، ماتقلقش.
انتهت ابتهال من مقابلتها معاه وروحت البيت، لقت مامتها وفردوس بيضحكوا وبييهزروا على غير العادة.
ـ السلام عليكم.
ـ وعليكم السلام، كويس إنك جيتي بدري.
ـ خير؟
ـ عمك عازمنا كلنا بكرة، ومأكد إنك لازم تيجي معانا.
ـ طيب، أنا كده كده كنت هروحه بكرة، كنت عايزه في موضوع مهم.
ـ موضوع إيه؟
ـ بكرة لما نروح هتعرفي.
ـ إيه يا بايرة، جايلك عريس ولا إيه وخايفة تقولي لنحسدك؟
ـ بايرة، هه، أنا بايرة، طيب مش أحسن لما أجلك وأنا جارة خبثي معايا.
ـ إنتي إيه، ماتعرفيش تسمعي من غير ما تردي؟ الغيرة دايماً وكلاكي كده من أختك.
ـ وياترى بقى هغير منها ليه وعلى إيه؟ ها، تقدري تقوليلي إيه بنتك متفوقة عليا فيه أو أحسن مني فيه؟ أنا بشتغل بدل الشغل اتنين، عندي شقة وعربية ورصيد في البنك، ليه صحاب، عندي كل حاجة، هغير منها ليه؟
ـ عشان عندك عقدة نقص، لأننا بنحبها أكتر منك وإنتي مش قادرة تنسي ده، إننا بنفضلها عليكي.
غصب عنها الدموع كانت هتخرج. تصنعت ابتهال الضحك الشديد عشان أمها وأختها يفتكروا دي دموع من كتر الضحك.
ـ طيب قولي حاجة عدلة، أغير منها. أغير من حبكم ده لو كان نفعها، إنما أغير من فاشلة ليه؟
وسبتهم ودخلت الحمام وقفلت على نفسها وفضلت تعيط. مهما كانت فاكرة إنها تخطت الماضي، إلا إنها كل مرة بتتاكد إنها لسه مخرجتش منه، مع أول مواجهة بيبان الضعف.
ياترى رد فعلهم إيه لما يعرفوا بكرة؟
ياترى عمها عايزهم ليه ضروري؟
رواية جحيم الغيرة الفصل الخامس 5 - بقلم اماني سيد
يوم في بيت ابتهال.
لبسوا وجهزوا وبدأوا يتوجّهوا لبيت عمها جبران، وركبوا مع ابتهال في عربيتها الجديدة. كان الصمت مسيطر في السيارة، فقامت ابتهال بتشغيل الراديو حتى تسليها في الطريق. وكان الحديث بينهم محدود للضرورة فقط.
وصلوا أخيراً منزل جبران واستقبلهم الجيران بترحاب شديد، خاصة ابتهال، فهي وصية أمه له. وكان كثيراً ما يرى الظلم الذي يقع عليها. وعندما يتحدث مع جبر، دائماً كان رد أخيه: "إن فردوس مريضة وممكن في أي وقت تتعب تاني".
جلسوا جميعاً في الصالة وبدأت زوجة جبران تقدم لهم المشروبات. وبعد مرور وقت صغير، خرج عمران يستقبلهم ويسلم عليهم. استقبلته ابتسام بترحاب وتهليل هي وفردوس، وعرفّته على أبنائها.
في ذلك الوقت، حلت الصدمة على ابتهال. هي لم تكن تتوقع حضوره. مجرد سماع صوته ووقوفه أمامها جعل يدها ترتعش وقلبها ينبض بقوة، كأنها كانت تجري في سباق طويل. ظلت تحاول جاهدة تهدئة نفسها، لكنها لم تستطع وأصبحت يدها مثل قطعة من الثلج.
اقترب منها عمران ليلقي السلام عليها، لكنها لم تعطيه يدها خشية أن يشعر بها. ولكن عمران لاحظ تلك الرعشة، فسحب يده ببطء وتحدث بمشاكسة:
"على فكرة إيدي مافيهاش جرب."
"بس ما بسلمش على رجالة بالإيد."
"وماله، انتي عاملة إيه؟"
"الحمد لله، وألف مبروك على الخطوبة."
"الله يبارك فيكي، عقبالك."
"قريب أوي بإذن الله."
انقلب وجه عمران من ذلك الرد وذهب ليجلس بجانب والده.
بدأت ابتسام تتحدث عن فردوس وطريقة طلاقها من زوجها:
"شفت الواطي يا جبر عمل إيه؟ بهدل بنتي وضربها وحرمها من المصروف وكان بيحبسها في الشقة. وفضل يضغط عليها لحد ما خلاها تتنازل عن كل حاجة وتطلق، وفي الآخر يروح يحب في واحدة تانية."
"وانتي اتنازلتي عند محامي يا فردوس؟ مضيتي ورق؟"
"آه، ده كان شرطه يا عمي وعشان أخلص وافقت."
تحدث عمران بود:
"ما تقلقيش يا فردوس، حتى لو مضيتي، فإنتي ليكي نفقة العيال ودي سهل أجبهالك. أعرف محامي شاطر ممكن يظبطلك كل حاجة."
"بجد يا عمران؟"
"آه بجد، وهحاول كمان أجيبلك حاجتك منه بس محتاج شوية وقت."
تكلمت ابتسام بعشم:
"طول عمرك كبير وسند لينا، ربنا يعلم معزتك في قلبي إيه. وكان نفسي تبقى أنت جوز فردوس، بس يلا بقى."
"نصيب يا مرات عمي، وفردوس تبقى أختي."
ظلت ابتهال صامتة حتى يسألها عمها عن أحوالها، ووقتها ستفجر تلك المفاجأة وما يزيد سعادتها وجود عمران.
"خلاص يا ابتسام، ماتقلقيش. عمران هيساعد فردوس، اعتبري مشكلتها اتحلت. وكمان خليها تروح تخلص ورق المعاش وتاخد معاش أبوها، هي أولى بيه والمعاش هيساعدها كتير."
"بتروح وعمالة تلف حوالين نفسها ومش عارفة تعمله."
"خلاص، هعدي عليكم بكرة الصبح آخدها أوديها وأرجعها تاني."
"ربنا ما يحرمنا منك يا عمران يارب."
نظر لها عمها بحنية:
"وانتي يا ابتهال، عاملة إيه؟"
"أنا بخير يا عمي، وكنت جايلالك النهارده في موضوع مهم."
"خير، سامعك."
"أنا جايلى عريس."
"بجد؟ طيب حد نعرفه؟"
"آه، ياسين طليق فردوس."
صمت تام حل على المكان، الجميع ينظر لبعض، هل ما سمعوه حقيقة؟
"إنتي قولتي إيه؟" قالتها ابتسام بتوعد.
"إيه؟ بقول ياسين عايز يتجوزني على سنة الله ورسوله، لا هعمل حاجة حرام ولا غلط."
"إنتي اتجننتي صح؟ دوناً عن كل الناس ملاقيتيش غير ده."
تحدثت فردوس بقهرة وغيره:
"مش جديدة عليكي، طول عمرك تاخدي البواقي بتاعتي. مبروك عليكي."
كادت أمها أن تتهجم عليها، لكن وقف عمها في المنتصف.
"اقعدي يا ابتسام، اقعدي. محدش يكلمها."
ثم أشار لها:
"تعالي يا ابتهال، عايز نتكلم لوحدنا."
دخل جبران مع ابتهال غرفة عمران، ودخل عمران خلفهم. لكن ابتهال رفضت تتكلم في وجوده. وضغط عليه جبران وخرجه.
"اقعدي يا ابتهال."
"اتفضل يا عمي."
"إنتي فعلاً عايزة تتجوزي ياسين؟ إنتي شفتي عمل إيه مع أختك وممكن يعمل معاكي كده."
"ماتقلقش، أنا هعرف أأمن نفسي منه كويس."
"إنتي فعلاً عايزاه؟ بتحبيه؟ سؤالي ده مهم، بتحبيه يا ابتهال؟"
صمتت ابتهال، لا تعلم ماذا تقول. ظل جبران ينظر لها في صمت، فهو كان على يقين أن ذلك اليوم سيأتي، اليوم الذي ستقرر فيه ابتهال أخذ حقها منهم جميعاً. فالضغط يولد الانفجار. فهي كانت بالنسبة لأهلها طفل زجاجي، كان اهتمامهم الكامل بفردوس وتسبب في صدمة لديهم من أن يعود ذلك المرض إليها مرة أخرى. فحتى بعد شفائها، كانوا دائماً يرون أن صحتها ضعيفة، فأصبح ذلك وسواس دائم لهم جعلهم لا يرون ابتهال، وخاصة بعدها عندهم. لم تكبر أمامهم، فأصبحت مشاعر عاطفة الأبوين فقط لفردوس، وأصبحت ابتهال منافس لها، ولا يحق لها المطالبة بأي حقوق أو التفوق عليها.
حاولت زوجته كثيراً التحدث مع ابتسام، لكن للأسف دائماً ما تجيبها أن المشاعر ليست بيدها، وأنها كثيراً حاولت لكنها لم تستطع.
فاق من شروده على رد ابتهال:
"الحب مش كل شئ، بس إحنا مناسبين لبعض."
"طيب لو قولتلك أنا مش موافق عشان خايف عليكي؟"
"خاطرك على راسي يا عمي، بس ارتباطي من ياسين هيفرق معايا. أنا مقتنعة بيه وشايفاه مناسب."
"خلاص يا ابتهال، هعملك اللي انتي عايزاه، بس أنا اللي احدد تاريخ الخطوبة والجواز، اتفقنا."
"اتفقنا."
هي مش فارق معاها ارتباط أو جواز، بس هي عايزة تغذي بداخلها إحساس الانتصار عليهم.
خرجوا من الأوضة وعادوا للجلوس معهم مرة أخرى.
"ها يا جبران، كلمتها؟"
"آه، هي مش صغيرة وعارفة هي عايزة. ودي حياتها وهي مش هتعمل حاجة حرام. أنا هاخد رقم ياسين وهتكلم معاه بنفسي. إنتوا ليكم راحل المفروض ترجعوله."
"يعني إيه؟ عشان ترضيها تقهري أختها؟"
"ربنا ما يجيب قهر. وبعدين فردوس عايشة كويسة معاكي ومش ناقصها حاجة، وعمران قالك هيجيبلك حقها."
"بس أنا مش موافقة يا عمي."
"دي مش حياتك يا فردوس عشان تقرري فيها، أظن إنتي فهماني."
جذبت فردوس والدتها وغادرا منزل عمها متوعدين لابتهال. فبدأت الشكوك تهاجمهم أن ابتهال سبب طلاق فردوس.
نظر جبران لابتهال بحنية:
"ما تقلقيش، أنا معاكي واللي انتي عايزاه هيتم."
"طيب، أستأذن أنا يا عمي."
"خليكي بايته معانا، مش هيسبوكي في حالك."
"ما تخافش عليه، خاف عليهم مني."
"يا بنتي اسمعي الكلام وباتي معانا النهارده بس."
"لأ، معلش مرة تانية."
تركتهم ابتهال لتذهب لمنزلها، فهي على يقين أنهم منتظرينها حتى يؤنبوها، ولكن هي مستعدة لهم وستكمل ما بدأته.
في منزل جبران، كان عمران يتحدث مع والده بعصبية:
"إزاي يا بابا توافق بكده؟ كنت أمنعها وهي هتسمع كلامك. وإزاي هي تفكر أصلاً تعمل كده في أختها؟ دي مريضة."
"ما تشغلش بالك بيها يا عمران. ضروري عايزك تشوفلي دكتور نفسي."
"ابتهال مش مجنونة وعارفة هي بتعمل إيه."
"تصدق اللي عملك دكتور ظلمك. ابتهال عقلها يوزن بلد، بس الماضي مأثر عليها. لازم تتخطاه عشان تعرف تكمل حياتها. ولو إحنا عاندناها الموضوع هيقلب عكسي. ابتهال بدأت تفتح الماضي والله أعلم هتعمل إيه وممكن عقلها يوصلها لإيه. أنا ياسين هعرف أتعامل معاه وأثبته بالكلام، إنما ابتهال اللي محتاجة فعلاً علاج الأول."
رواية جحيم الغيرة الفصل السادس 6 - بقلم اماني سيد
وصلت ابتهال المنزل وكانت الابتسامه مرسومه على وجهها، فهي على يقين بأنهم لن يتركوها.
صعدت السلالم ببطء وهي تدندن، وعندما وصلت للمنزل فتحت الباب وأغلقته بقدمها.
نظرت أمامها وجدت أمها وبجانبها فردوس ونظرات الشر واضحة على وجههم.
نظرات فردوس تتحدث عن ما بداخلها، أصبحت نظرات الغيرة ظاهرة في عينيها والسؤال واضح.
بينما كانت نظرات ابتسام غل وحقد، ولكن ما جعل الابتسامة تزداد على وجهها نظرات الهزيمة المشتركة بينهم.
ابتدأت فردوس بالحديث:
ـ طلعتي حقيرة.
دوناً عن رجال العالم كله ملاقتيش غير ياسين.
ظلت ابتهال على وضعها، الابتسامة لم تفارق وجهها ونظرات الانتصار تملئ عينيها.
ظلت صامته، لم تتحدث، تريد فقط أن ترى انفجار فردوس أمامها لتشعر بلذة الانتصار.
ـ يعني طلعتي انتي السبب في طلاقي.
اسمعيني ياسين، اشمعنى مانتي طول عمرك بتحبي عمران؟ ليه ماعملتيش خطتك دي عليه؟ اشمعنى ياسين؟
ـ وانتي زعلانه ليه؟ مش كنتي بتشتكي منه ديما؟ اديني شاورتله بس وجالي بيزحف.
اتكلمت ابتسام محاوله كسر غرورها، فهي ترى انهيار فردوس أمامها وتخشى أن تمرض مرة أخرى.
ـ عارفه يا ابتهال أنا موافقة على جوازك من ياسين، مبروك والله من قلبي بقولك مبروك.
تلك الكلمات جعلت الابتسامة تهدأ من وجه ابتهال.
فُرضُخُ والدتها بتلك السرعة زرع داخلها شكوك، ونظرة الهزيمة التي تحولت لخبث جعلت القلق يتسرب داخلها.
نظرت لهم ببرود وتحدثت بابتسامة مصطنعة:
ـ الله يبارك فيكي، بس موافقة من عدمها مش محتاجاها، وفروها لنفسكم حظ أفضل المرة الجاية.
ابتسمت ابتسام ونظرات الهزيمة بدأت تتبدل بنظرات انتصار.
ـ قريب يا ابتهال هيكون في مرة تانية، بس العريس التاني حاجة تانية خالص.
مبروك عليكي ياسين.
ثم نظرت لفردوس:
ـ وانتي يا فردوس خشي نامي، الكلام مش هيفيد خلاص.
دخل كل واحد منهم غرفته.
في غرفة فردوس كانت تتأكل من الغيرة، ليس حباً في ياسين ولكن لأنه تركها ورحل من أجل أختها التي تتفوق عليها في كل شيء.
حتى عندما ظنت أنها تفوقت على ابتهال وارتبطت بياسين اعتقاداً منها أن هناك إعجاب بينهم، لكنها اكتشفت أن الإعجاب من البداية كان من طرف ياسين فقط.
وعندما تحدث مع ابتهال قبل التقدم للزواج من فردوس، رفضته ابتهال وأغلقت المجال له في الحديث.
وبعدها أراد أن يجرحها فتزوج من فردوس وأصبح يدللها في وجود ابتهال لعله يجعل ابتهال تشعر بالغيرة، ولكنه دائما كان يجد من طرفها اللامبالاة.
فأصبح بعد أول سنة يتعامل مع فردوس ببرود تام، فقط يعطيها من المال ما يكفي.
ولم يكتفي بذلك بل صرح لها أنه من البداية كان يريد ابتهال، فهي ناجحة ومحبوبة من الجميع ولها مستقبل عكسها هي.
لم تمتلك من المؤهلات ما يجذبه إليها.
أخفت فردوس ذلك الأمر عن ابتهال ظناً منها أن ابتهال ستشمت بها.
لكن لما بعد كل تلك السنين ارتبطت ابتهال مرة أخرى بياسين؟
ومنذ متى ارتبطت به؟
فهو معاملته معها سيئة، ولكنه لم يكن يطلب منها الطلاق بشكل صريح والتنازل عن حقوقها.
بدأت تأخذها الذكريات لـ ٦ أشهر مضت عندما طلب منها ياسين الطلاق، وذلك متقارب لنفس الموعد الذي أعلن فيه عمران خطوبته.
هل من الممكن أن ابتهال مازالت تحب عمران؟
إلى هنا وقفت رأسها عن التفكير، فما علاقة ياسين بعمران؟
فكان من الممكن أن ترتبط بأي شخص آخر.
شعرت بصداع شديد يجتاح رأسها، فقررت التوقف عن التفكير اليوم، فهي تحتاج للنوم والراحة.
ولكنها عزمت النية على التأكد من مشاعر ابتهال لعمران حتى ترد لها ما فعلته بها.
******&******&********&*********
في الغرفة المجاورة لها كانت تجلس والدتها تنظر من الشرفة وبيدها فنجان قهوة تعيد أحداث اليوم أمامها.
كيف لابتهال أن تتغير بذلك الشكل؟ لم تكن هكذا.
دائماً ما كانت تتجاهل كل ما يحدث وتصمت وتركز في أهدافها.
أخذها التفكير للماضي.
لم يكن حملها هين، فهي ظلت خمس سنوات لم تُنجب، ثم كرمها الله بفردوس وسمتها فردوس لأنها كانت جنتها في الأرض.
رفضت أن تنجب بعدها حتى لا يأتي طفل ويشاركها في الدلال.
وكان دائماً ما يلح عليها جبر أن تنجب له ولداً، ولكنها كانت تؤجل معه ذلك الموضوع ودائماً ما تتحجج بصغر سن فردوس وأنها تحتاج لرعاية.
بعد ما تمت فردوس سنتين بدأ التعب يظهر عليها واكتشف أن ابنتها تعاني من مرض في الكلى وبدأت معها رحلة العلاج.
والدكاترة أخبروها أنها عندما تكبر من المحتمل أن تحتاج لتغيير الكلى.
ووقتها قررت أن تنجب طفلاً آخر ليساعد فردوس لأنها لم تتطابق معها.
وبالفعل أنجبت ابتهال وكثيراً ما كانت تبتهل لله حتى يشفي فردوس، وعندما أنجبت ابتهال قامت بتسميتها ذلك الاسم.
حاولت كثيراً أن تعدل بينهما في التربية، ولكن فردوس كانت مريضة عكس ابتهال.
فكانت فردوس تحتاج لعناية أكثر، فابتهال فقط تحتاج لتأكل وتنام.
عندما اشتكت لجبر من عدم استطاعتها لتحمل مسؤولية الطفلين كان دائماً ما يواسيها.
وتكرر الحديث أمام أخت جبر التي قررت أن تأخذها، فلم يعجبها وضع ابتهال وإهمال ابتسام لها.
ولكن أعطت العذر لابتسام بسبب مرض ابنتها.
وبالفعل أخذتها معها لمدة خمس سنوات، وقتها لم تكن مريم (عمت ابتهال) متزوجة.
وعندما تزوجت لم تتركها وأخذتها معها، وساعدها على ذلك حب زوجها لابتهال.
ولكن للأسف توفى زوجها وبعدها عادت مرة أخرى للجلوس مع والدتها إلى أن تزوجت.
في ذلك الوقت عادت ابتهال للعيش معي مرة أخرى.
حاولت كثيراً التقرب منها ولكن كان هناك شيء ناقص، هناك حاجز بعد تلك السنوات جعلت مشاعر الأمومة تقل تجاهها.
حاولت كثيراً وتحدث الجميع معي ولكن الأمر لم يكن بيدي.
فدائماً فردوس ما كانت تجذب انتباهي بأحاديثها بطلباتها، عكس ابتهال لم تكن تطلب شيئاً.
طلباتها كان أعمامها وجدتها هم من يشتروها لها بسبب جلوسها معهم، كانوا على علم بمقاساتها وبما تحب وبما لا تحب.
دائماً كنت أرى في أعينهم نظرات الحب لابتهال أكثر من فردوس.
حاولت أن أجعلهم يعاملون الأختين بنفس الطريقة ولكن لم أستطع.
فهم يميلون كل الميل لابتهال.
وهذا الشيء ما كان يحزن فردوس ولم أنكر أني كنت أشعر بالحزن تجاهها لذلك كنت أحاول تعويضها بأن أعطيها مشاعر أكثر وأكثر.
وعندما أصبحوا في سن المراهقة، دائماً ما كانت ابتهال تفوق فردوس في الدراسة وبناء الأصدقاء.
وذلك الشيء جعلني أشعر أكثر بالشفقة على فردوس.
رغم كل شيء فردوس أصدقائها قليلون عكس ابتهال.
لو ينظر الجميع من عيني سيجدوا أن فردوس دائماً ما تحتاج لحب وشفقة أكثر من ابتهال.
حتى عند وفاة والدها أعطى كلاً منهم نصيبه بشكل عادل.
ولكن ذلك لم يكن عادلاً، فردوس لم تمتلك من الحياة خبرة ابتهال لتعمل أو تشتري شقة وسيارة.
فكان ذلك ظلم لفردوس، كان يجب عليه أن يؤمن مستقبل فردوس لأنها من الممكن في أي لحظة أن تمرض مرة أخرى.
كان من المفترض أن يكتب لها الشقة على الأقل.
حتى في زواجها كنت أرغب في زواجها من عمران لأنني كنت أعلم أنه سيصونها، ولكنه رفض وسافر ولم نعلم متى سيعود.
وعندما تزوجت ياسين شعرت براحة خاصة عندما كنت أراه يدللها، ولكن لسوء حظها إنه كان يفعل ذلك من أجل ابتهال.
عندما علمت فردوس ذلك شعرت بحزن عميق وكانت تطلب مني أن لا أخبر ابتهال حتى لا تشمت بها.
وظلت معه في تلك الحياة البائسة لعله يحبها، فهي لم يكن أمامها خيار آخر غيره.
ومرت السنوات بشكل روتيني إلى أن بدأ يلح عليها ياسين في الطلاق.
وبدأ يضغط عليها بكافة السبل إلى أن وافقت.
وعادت للعيش معنا مرة أخرى بسبب أختها.
للأسف حياة فردوس محزنة بسبب ابتهال، ليتني لم أنجبها ولم تكن موجودة، لم يكن حدث كل ما حدث.
فردوس فتاة رقيقة مريضة لا حول لها ولا قوة، عكس ابتهال.
******&******&******&*******
في غرفة ابتهال كانت تجلس مسطحة على التخت تنظر لسقف الغرفة تفكر في حديث والدتها معها.
هناك خوف يسري في جسدها لم تعلم لما اجتاحها ذلك الشعور الآن.
جلست في مكانها وضمت ساقها لصدرها كأنها تحتضن ذاتها، ووضعت رأسها بين ركبتيها محاولة أن تطمئن نفسها.
تلك حركة لا شعورية دائماً ما تفعلها عندما تقلق من شيء.
في الماضي عند انتظارها لظهور نتيجتها كانت تفعل ذلك وقت البرق والرعد الشديد، تفعل ذلك فهي دائماً في ذلك المنزل كانت تبقى بمفردها.
ازدادت القشعريرة بجسدها عندما تذكرت عمران وحديث والدتها عنه.
شعور لا إرادي بالحنين والشوق يجذبها إليه، ولكنها لم تسامحه على غيابه عنها.
شعور الوحدة بدأ يتسرب إليها مجدداً، يصاحبه ندم على قرارها بارتباطها بياسين، ولكن قد فات وقت الندم.
نظرات عمران وفردوس وابتسام كفيلة بأن تجعلها تقذف نفسها في النار وليس الزواج من ياسين.
بعد فترة وجدت الهاتف يرن برقم غريب.
نظرت للساعة وجدتها الثالثة صباحاً.
وضعت الهاتف على وضع الصامت، ولكن وجدته يرن مرة أخرى.
لم تجيب عليه، وبعدها وجدت رسالة.
ـ ياترى مين بيتصل بيها في الوقت ده؟
ـ هل ابتسام كان معاها حق في اللي عملته في ابتهال؟
رواية جحيم الغيرة الفصل السابع 7 - بقلم اماني سيد
قامت ابتهال بغلق الهاتف وخلدت للنوم. هي لن تجيب على هاتفها في وقت كهذا، أياً كان المتصل بها.
عندما أغلقت الهاتف، وضع عمران هاتفه جانباً. لم يستطع عمران النوم، وظل يفكر: هل حقاً أصبحت ابتهال تحب ياسين؟ أم فعلت هذا بهدف الانتقام منها؟
مشاعر الغيرة تأكله من الداخل والحيرة. هل حقاً ابتهال تغيرت بهذه الطريقة؟ هل ستسمعه وتتقبل دوافعه، أم أن الانتقام أعماها عن أي شيء؟ وماذا لو حقاً أصبحت تحب ياسين؟
عند هذه النقطة، قام من مجلسه وظل يدور في الغرفة، وبعدها خرج للشرفة، لعل الهواء يهدئ ما بداخله.
مسك الهاتف مرة أخرى وأعاد الاتصال بابتهال أكثر من مرة، لكن مازال الهاتف مغلقاً.
عندما أتى الصباح، ارتدى ملابسه وتوجه لمنزل جبر حتى يأخذ فردوس ويساعدها في الانتهاء من إجراءات المعاش، وبعدها سيأخذها للمحامي حتى تستطيع أن تأخذ حقوق أبنائها.
في منزل جبر، كانت ابتهال تستعد للذهاب لعملها وأوشكت على الانتهاء، فسمعت صوت طرق على الباب. فتحت ابتهال الباب فوجدت عمران أمامها.
توقفت قليلاً صامتة، محاولة السيطرة على مشاعرها.
لما تشعر بتلك البرودة التي تسري في عروقها؟ برودة مش بس في أطرافها... لا، دي برودة من نوع تاني، برودة في الروح. كأن الدنيا كلها سحبت منها الدفء، وسابتها تواجه كل حاجة لوحدها.
بتتمنى من جواها... نفسها يضمها ويخبّيها جواه. نفسها يحط إيده على راسها ويقول: "أنا جنبك، متخافيش"، زي زمان... زمان لما كان صوت طبطبته بيطمنها أكتر من ألف وعد.
عمران... عمران الشخص الوحيد اللي الماضي بيحنّي له. الوحيد اللي لما بتفتكر ضحكته، قلبها بيرقّي. بتتمنى لو الزمن يرجع بس علشانه. مش علشان تعيد أيامها... لكن علشان ترجع تحس بالأمان اللي كان معاها لما كان هو جنبها.
كانت بتشوفه ضهرها، سندها وسط عالم عمره ما شافها غير بنظرة لوم. هو بس اللي شاف فيها طفلة محتاجة حضن، مش مجرمة بتداري جرحها بالتمرد.
بس دلوقتي... فينُه؟ فين السند لما القلب وقع؟ فين الطبطبة لما الحيطان كلها وقعت فوق دماغها؟ هو مشي... سابها لوحدها، في لحظة كانت أكتر واحدة محتاجة فيها حد يقولها "أنا معاكي".
هي مشتاقة له... مشتاقة لنظرة فيها حنية. لكلمة "وحشتيني" خارجة من قلبه. لحضن يدفّي البرد اللي ساكن فيها من سنين. بس مش قادرة تقول. ولا قادرة تعاتب. ولا حتى قادرة تبكي... لأن الدموع جفّت من كتر القهر.
بينما عمران لم يكن حاله أفضل من حالها. شعور الاشتياق يملئه، ود لو يضمها، لو يطمئنها. يتمنى الآن أن يجلس بجانبها كما كان بالماضي ويسمع أوجاعها وهي تشتكي له ما تعانيه من ظلم.
"عايزها تقعد معايا، أكلمها، أطمن عليها."
قاطع ذلك التواصل صوت ابتسام وهي:
"جيت في معادك مظبوط يا عمران، تعالى افطر، تكون فردوس جهزت."
"حاضر."
دخل عمران وكاد أن يتحدث مع ابتهال، لكنها تركته ودخلت غرفتها. انتهى من الطعام هو وفردوس سريعاً، وكانت ابتهال في غرفتها تنتظر خروجهم حتى تخرج من غرفتها.
"مش يلا يا عمران؟"
"نستنى طيب يا ابتهال نوصلها في سكتنا."
"ابتهال مش هترضى، معاها عربية بتروح وتيجي بيها."
صمت عمران، لم يعد لديه حجة. خرج هو وفردوس، وبعدها بقليل خرجت ابتهال.
وأثناء ذهابها للعمل، اتصل بها عمها ليطمئن عليها.
"ازيك يا لولو، عاملة إيه؟"
"بخير يا عمي الحمد لله."
"حد عملك حاجة امبارح؟"
"لأ ماحصلش حاجة، أنا دخلت نمت."
"طيب ابعتيلي رقم ياسين عشان أتكلم معاه."
"حاضر، أول ما أوصل الشغل هبعتلك الرقم على طول."
"لو غيرتي رأيك في أي وقت، أنا معاكي يا ابتهال، اعتبريني أبوكي يا حبيبتي. ربنا يعلم إني بعزك وبحبك وغلاوتك في قلبي زي عمران. ماتنسيش إني ربيتك مع عمران."
"حبيبي يا عمو، حاضر."
وبالفعل، عندما وصلت ابتهال عملها، أرسلت لعمها رقم ياسين.
في السيارة، انتهى عمران من جميع إجراءات الورق الخاصة بفردوس، وكانت فردوس فقط تمضي على الأوراق. كانت الإجراءات بسيطة، كيف لها أن لا تستطيع أن تفعل مثل هذه الأشياء بمفردها. لم يريد أن يعلق، ولكن سيحاول أن يساعدها حتى تستطيع الاعتماد على نفسها.
"بقولك يا فردوس، إحنا كده خلصنا خلاص إجراءات المعاش. باقي إنهم يكلموكي عشان تروحي تاخدي الفيزا اللي تقبضي بيها. هتعرفي تروحي ولا محتاجة أوصلك؟"
"لأ هعرف بإذن الله."
"طيب حلو أوي، تعالي نشرب حاجة في أي مكان وبعد كده نطلع على المحامي ونشوف هيقولك إيه، ولو اتفقتي ابقي اعمليله توكيل."
"حاضر."
وبالفعل، ذهبوا لأحد الكافتيريات وجلسوا وطلبوا بعض المشاريب.
بدأت فردوس تسأله عن حياته في الخارج وعن خطيبته.
"أنت خلاص يا عمران هتستقر هنا في مصر؟"
"آه الحمد لله."
"طيب وناوي على إيه؟"
"الفترة اللي فاتت دي كلها كنت بأسس مركز طبي زي مستشفى بس صغيرة كده، وكنت بجهزها بأحسن الأجهزة الحديثة."
"بس أنت طولت جامد في الغربة."
"للأسف غصب عني، كان ورايا قروض وديون لازم أسدها والحمد لله خلصتها. أنا الفتره اللي فاتت كنت بشتغل من نار، مكنتش بنام، ولسه قدامي شوية على ما أفتح المركز ويشتغل."
"هيبقى عيادات أسنان بس؟"
"لأ، نساء وتوليد وباطنة وقلب وأسنان طبعاً، وعيادات أطفال، وكمان فيه معمل تحاليل. أنا بقالي ٦ سنين ببني فيه."
"الحمد لله إنك خلصته."
"إيه رأيك تشتغلي فيه؟"
"أنا مش دكتورة."
"محتاج حد في الاستقبال، وهيكون معاكي واحدة تعلمك الشغل. أنا قدامي شهر وأفتح المركز، ها إيه رأيك؟"
"بجد؟ أكيد موافقة طبعاً."
"طيب وخطيبتك بقى دكتورة معاك؟"
"ماتستعجليش، بكرة هتعرفي كل حاجة. مش يلا بقى نروح للمحامي؟"
"لأ خليها بكرة."
"طيب لازمتها إيه، مانخلص كل حاجة في يوم واحد؟"
"لأ بجد عندي صداع غريب، معلش خليها بكرة عشان خاطري."
"حاضر. يلا بقى أوصلك."
وبالفعل، قام عمران بإيصالها للمنزل. وعندما وصلت للمنزل، ظلت تقص على والدتها جميع ما تم مع عمران.
"جدعة يا فردوس، طلعتي شاطرة. كده يوم يجر التاني ومشوار يجر مشوار، وواحدة واحدة تقربوا من بعض تاني."
"وأنا كمان قبلت الشغل عشان أبقى معاه طول الوقت."
"شاطرة، عايزاكي بقى تركزي في شغلك وتنجحي فيه وتعملي صداقات."
"ماتقلقيش، أنا ناوية أستغل الفرصة كويس أوي."
في منزل جبر، أخذ الرقم من ابتهال وقام بالاتصال بياسين وطلب أن يقابله، وبالفعل وافق ياسين واتفق معه أن يقابله بعد العمل.
بعد انتهاء اليوم، ذهب ياسين ليقابل جبران في إحدى الكافتيريات، ورفض جبران أن يأخذ معه عمران لأنه لم يتوقع رد فعل عمران.
رواية جحيم الغيرة الفصل الثامن 8 - بقلم اماني سيد
جلس جبران على طاولة بجانب الزجاج، ينظر من حين لآخر في ساعته. بدا عليه الهدوء، لكن أصابعه كانت تدق بخفة على حافة الكوب، كأنه يعدّ اللحظات.
بعد وقت قليل جاء ياسين واعتذر منه عن التأخير.
"أنا آسف على التأخير بس الطريق كان زحمة."
"ما فيش مشكلة، أنا مبقاليش كتير قاعد... اتفضل اقعد."
"حاضر."
"خير يا ياسين؟ ابتهال بلغتني إنك عايزني."
بدأ التوتر يظهر على وجهه، فهو ظن أن ابتهال أخبرته بكل شيء وهو وافق. بدأ يتحدث بصوت يكاد يكون مهزوزًا من التوتر.
"أنا عايز أطلب إيد ابتهال."
"طيب وفردوس؟"
"إحنا انفصلنا."
"بس لسه في بينكم أولاد وهي نفسها لسه ما أخدتش حقوقها منك. إزاي عايز تتجوز وأنت لسه ما اديتش فردوس حقوقها؟"
"فردوس اتنازلت عن كل حاجة."
"تنازلت تحت ضغط منك مش طيب خاطر منها. وده غير ولادك اللي أنت راميتهم من غير ما تصرف عليهم. بس لو مش عايز تصرف عليهم ومش عايزهم، إحنا أولى بيهم وهنربيلك ولادك ونصرف عليهم."
ضغط جبران على تلك الكلمة حتى يجعله يفوق ويتذكر أن له أولاد. ظهر التوتر على ملامح ياسين، فرغم حديث جبران الهادئ إلا أن تحته تجريح مبطن.
"لا طبعاً ولادي أنا هصرف عليهم وكفيل بيهم."
"طيب وفردوس وحقوقها؟"
"بصراحة أنا هتجوز على العفش والحاجة دي."
"خلاص اديها تمن الحاجة."
"بص يا ياسين، أنت لو شخص فقير ومحتاج أنا كنت أديك العذر، لكن أنت بتشتغل ومرتبك عالي وغير كده عندك ورث من أهلك، يعني من الآخر حقوق فردوس مش هتفرق معاك، بس أنت قاصد إنك ما تديهاش، عشان كده عايزك تبقى صريح معايا. هي دي رغبة ابتهال؟"
"بصراحة آه. وبعدين أنا مش وحش كده، ابتهال أنا اشتريتلها هدايا وغيرتلها العربية تقريبًا بتمن قايمة فردوس."
"الفلوس اللي صرفتها على ابتهال ابعتها لي وأنا هردها لك ومش عايزها تعرف حاجة عن الموضوع ده."
"بس أنا مش عايز حاجة، أنا بقولك كده عشان ما تفكرش إني بخيل."
"أنا فاهم، بس ابتهال في مقام بنتي وأنا أولى بيها، وخاصة إن ما فيش أي رابط بينكم عشان تيجيبلها حاجة أو تصرف عليها. لما يبقى في نصيب ابقى هات لها اللي أنت عايزه. والأهم من ده حقوق فردوس تاخدها. وإذا كان على إقناع ابتهال أنا هقنعها، بس ده شرطي عشان أوافق."
"أنا مش عارف هتوافق ولا لأ."
"أنا هتصرف، وأتمنى من هنا لحد ما العدة بتاعتك تخلص ويبقى فيه ارتباط رسمي ما يكونش في كلام بينكم، وبخصوص أختها أنا هكلمها."
"خلاص وأنا موافق على أي حاجة هتقرروها."
"تمام، على بركة الله."
انتهى جبران من حديثه مع ياسين واتصل بابتهال وطلب منها أن تأتي له بعد عملها ووافقت ابتهال. واتصل بها ياسين وأخبرها بعض من حديث جبران ولم تعلق عليه ابتهال.
في منزل جبران، كان يجلس مع ابنه وزوجته يتحدثون بأمور مختلفة. وطلب جبران من زوجته أن تزود من الطعام لأن ابتهال ستأتي لهم اليوم. وافقت زوجته وذهبت لتحضير الطعام. وجلس جبران برفقة ابنه.
"ها، خلصت ورق فردوس؟"
"آه تقريبًا كل حاجة خلصت، بس هي مش هتاخد المعاش غير لما العدة تخلص وهتاخدها بأثر رجعي. أصلًا المشوار كان بسيط، مش عارف فردوس إزاي معرفتش تخلص حاجة زي دي لوحدها. وغير كده هما قالولها إنهم بلغوها بالكلام ده قبل كده، يعني زيارتي معاها كانت تحصيل حاصل."
"معلش، فردوس متعودة كل حاجة تيجي لها لحد عندها."
"عشان كده أنا قولتلها تشتغل معايا في المركز."
عندما سمع جبران تلك الكلمة انقلب وجهه، مما جعل عمران يشعر إنه أخبره شيئًا خاطئًا.
"مالك يا بابا؟ أنت اتضايقت ليه لما قولت إن هشغل فردوس عندي؟"
"وليه خليتها تشتغل معاك؟"
"عشان تتعامل مع ناس وتاخد خبرة في حياتها، بحاول أساعدها."
"هو أنت جواك مشاعر لفردوس؟"
"لأ طبعاً، زي أختي."
"أتمنى توصلها كده وتكون حريص دايما إنك تقولها أنتِ أختي."
"ليه يا بابا؟"
"هتعرف بعدين."
"صحيح، قابلت الزفت ده؟"
"آه وهيرجع لفردوس حقوقها."
"طيب وكان عمل فيها كده ليه من الأول؟"
"مش مهم. المهم جبت لي رقم الدكتور النفسي اللي قولت لك عليه؟"
"جبت لك رقم دكتورة."
ابتسم جبران على غيره ابنه التي مهما حاول أن يداريها ستظل واضحة.
"طيب هات رقمها عشان أكلمها الأول وأتفرغ أشوف كنت بتعمل إيه."
أخذ جبران رقم الطبيبة وتحدث معها وقص عليها تاريخ ابتهال وما فعلوه معها أهلها. وظلت الدكتورة تستمع إليه وتدون بعض الأشياء.
"أستاذ جبران، بصراحة الوضع مؤسف جداً، بس عايزة أقول لحضرتك حاجة."
"اتفضلي."
"كلهم محتاجين علاج يمكن أكتر من ابتهال، وأول واحدة محتاجة تدخل هي ابتسام وبعدها فردوس، لأن أكتر واحدة محتاجة علاج هي ابتسام."
"أنا كنت فاكر إنها ابتهال."
"لأ. ابتهال بكل اللي عملته الفترة الأخيرة ده رد فعل لكبت سنين عدت. وعلى فكرة اللي أنا شبه متأكدة منه إن ابتهال قبل محاولتها للانتقام من أهلها حاولت تنتحر. أوقات لما بنوصل لحافة الهاوية ونلاقي اللي وصلونا للمرحلة دي مبسوطين، وقتها بننسى أي حاجة وبنبقى عايزين ندوقهم اللي دوقوهولنا."
"طيب هي ممكن تنتحر؟"
"طول ما هي بتنفذ هدف في دماغها لأ، لكن ده ما يمنعش إنها تفكر في كده. عشان كده ما تحاولش توقفها أو تضغط عليها، سيبها لحد ما أتكلم معاها. بس حاول تقرب منها وخليني أقعد مع أمها وأختها الأول."
"طيب، إني أقنعهم بكده هيبقى صعب أوي."
صمت قليلاً يفكر كيف يجمعهم بها.
"دكتورة، في طريقة واحدة هتخليهم يقبلوا يقعدوا معاكي كلهم مع بعض، بس للأسف هنكذب عليهم، بس كذبة بسيطة وهدفها نبيل."
"إزاي؟"
"أنا ابني كان خاطب وللأسف محدش يعرف خطيبته لأنه خطب بره مصر، عشان كده هقدمك لهم إنك خطيبته."
"بس أنا مخطوبة فعلاً."
"طيب حلو أوي، إحنا هنقولهم الحقيقة بعد كده، بس الأول لازم يثقوا فيكي. أنا معرفش هما بيفكروا إزاي أو إيه رد فعلهم."
ظلت وفاء (الطبيبة) مترددة كثيراً، ومع ضغط جبران الكبير لها رضخت لطلبه.
"بص يا أستاذ جبران، أنا في العادي بحب أكون صريحة مع المرضى بتوعي، ودي أول مرة هلجأ للحيلة دي، لأن شايفه إنهم فعلاً محتاجين علاج في أقرب وقت. وللأسف مسئوليتي الطبية تحتم عليّ إن لما أشوف حد محتاج مساعدة أساعده. مبالك بقى دول تلاتة. خلاص تمام أنا موافقة."
"خلاص، آخر الأسبوع كمان يومين أنا هعزمهم عندي بحجة إني هعرفهم على خطيبة ابني وأعرفهم بيكي، وأنتي اتكلمي معاهم براحتك."
"خلاص اتفقنا."
وبالفعل اتصل جبران على ابتسام وقام بدعوتها للغداء وفرصة ليعرفهم على خطيبة عمران.
عندما تلقت ابتسام الخبر شعرت بحجر نزل على قلبها. لم تظهر دهشة ولا حتى اعتراض، لكنها شعرت وكأن شيئًا ينتزع منها ليس يخصها بل يخص ابنتها. كانت تشعر بالغيرة على ضياع حلم رجل أرادت مرارًا وتكرارًا أن تزوجه لابنتها، حلم كانت تراه واقع. كادت أن ترفض تلك العزومة ولكن أخذها الفضول لترى ما هيئة تلك الفتاة وتقارنها بابنتها. تريد أن تعرف هوية تلك الفتاة، شكلها، من هي؟ أنهت المكالمة مع جبران ودخلت لغرفة فردوس لتبلغها بذلك الخبر.
رواية جحيم الغيرة الفصل التاسع 9 - بقلم اماني سيد
دخلت ابتسام غرفة فردوس وأبلغتها بعزومة عمهم كي يعرفهم على وفاء خطيبة عمران.
عندما سمعت فردوس كلام والدتها، شعرت بأن هناك من ينتزع شيئًا من يدها مرة أخرى. شعرت بمن يريد أن يأخذ شيئًا من ممتلكاتها، هي لم تحب عمران، ولكن داخلها نما شعور بأنه أصبح ملكًا لها ولا يحق لأحد أن يأخذ شيئًا منها دون أن تتركه.
قاطعت ابتسام شرودها:
"ها، هتروحي ولا هتعملي إيه؟"
تحدثت بابتسامة خبيثة:
"آه طبعًا هروح، كلنا لازم نروح ونلبس حلو ونشرف ابن عمنا قدام عروسته، ولا إيه."
"إنت بتتكلمي جد؟"
"آه طبعًا، إيه رأيك ننزل النهاردة نتمشى ونشتري لنا شوية حاجات كده أهو نغير جو ونعمل نيو لوك."
"تمام، موافقة. يلا جهزي."
انتهت ابتهال من عملها وذهبت لمنزل عمها. بدأ يتحدث معها حول ياسين.
"أنا قابلت ياسين النهاردة."
"طيب، إيه رأيك أو قالك إيه؟"
"بصي يا ابتهال… رأيي إنك خسارة فيه. بس أنا هعمل لك اللي إنتي عايزاه… مش علشانه، لا، علشان ما أسيبكيش لوحدِك… ولا هو يحس إنك مالكيش ضهر."
سكت لحظة ثم أضاف بهدوء حاسم:
"بس… أنا شرطت عليه يرجع لفردوس حقوقها."
شحب وجه ابتهال، وغامت عيناها بالغضب. عن أي حقوق تتكلم؟ فردوس أخذت كل شيء! أخذت حقوقها… وأخذت حقوقي معها. ولما جيت أسترد حقي، قرروا يسرقوه مني تاني! لأ… مستحيل أقبل.
"لا يا عمي، فردوس بقالها 30 سنة واخدة حقوقها وحقوقي كمان."
شعر جبران بوخز الألم في نبرتها. كان يدرك جيدًا أنها على وشك الانفجار… وإذا ضغط عليها الآن، فستنفلت الأمور من بين يديه. فليتأنى.
"ابتهال… أنا مش برجع لفردوس حقها علشانها."
"أمال علشان مين؟"
"علشان ولادها. فيه طفلين في النص."
صمتت ابتهال… كأن سهمًا مسمومًا استقر في صدرها. لأول مرة، شعرت بوخزة غريبة… هي لم تفكر في هؤلاء الأطفال قط. مثلما لم يفكر أحدٌ فيها وهي صغيرة. هل تسرعت؟ هل تتنازل عن "حقوقها" لأجل أولاد أختها؟ هل تعيد نفس الدائرة؟ هل تضحي من جديد… فقط لأن فردوس في الصورة؟ لكن هذه المرة ليست فردوس وحدها… بل طفلان لا ذنب لهما. ومع ذلك… إذا تنازلت ولو قليلاً، سيأكلها الجميع حيّة. وأولهم فردوس التي لا تعرف سوى الأخذ.
سحب جبران نفسًا عميقًا، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن يقولها، وهو يراقب ارتجافة يد ابتهال فوق ركبتيها.
"ابتهال… أنا مش هظلمك، ولا هطلب منك تتنازلي عن حاجتك. لكن لازم تسألي نفسك سؤال واحد: إنتي عايزة تنتقمي من فردوس…؟ ولا من العيلة كلها؟"
رفعت رأسها ببطء، عيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد.
"أنا مش بناقش "انتقام". أنا عايزة حقي… اللي اتولد معايا، واتسحب مني يوم بعد يوم."
اقترب منها جبران، جلس بجانبها، وصوته انخفض لكن نبرته كانت راسخة.
"أيوه… وأنا موافق إن ليكي حق، ويمكن أكتر من اللي إنتي بتطلبيه. بس لما الحق يدخل في سكة ولاد، الموضوع ما بيبقاش أبيض أو أسود."
أطرقت ابتهال برأسها، نظرت للأرض كأنها تبحث عن شيء ضاع منها من سنين… ثم تمتمت بصوت منخفض يكاد يُسمع:
"هما فكروا فيّ وأنا طفلة؟ لما كنت بمد إيدي وميبقاش ليا؟ لما كنت بشوف فردوس بتلبس الجديد… وأنا بنلبس بواقيها؟"
رفعت نظرها نحوه فجأة، بصوت محمّل بالقهر:
"كنت فين يا عمي لما كانت بتتدلع وأنا بتشحت الاهتمام؟"
لم يرد جبران… شعر بمرارة في حلقه، وعجز أمام تلك الحقيقة التي يعرفها جيدًا، لكنه لم يملك يومًا القدرة على تصحيحها.
"أنا آسف يا ابتهال… والله العظيم آسف. بس أنا دلوقتي بحاول ما أكررش الغلط ده تاني… على الأقل، ولادها ميتربوش على ظلم جديد."
أغمضت عينيها، شعرت بجدار داخلي يتصدع… لكنها لم تنكسر. اعتادت أن تتماسك… أن تبتلع الألم في صمت.
"طيب يا عمي… اديني شوية وقت. مش هقرر دلوقتي… بس أوعدك إني هفكر بعقل. وهعمل حساب ليهم."
هز رأسه بتقدير، ووضع يده على كتفها بلطف.
"أنا وراك مهما كان قرارك… بس كنت محتاج تعرفي الصورة كلها."
"صحيح فيه حاجة كمان…"
"خير."
"بعد بكرة عازمكم عندي عشان أعرفكم على خطيبة عمران."
تجمدت ملامح ابتهال، كأن الهواء في الغرفة توقف فجأة.
"خطيبته؟"
"أيوه… عايزها تتعرف على العيلة، وتاخدوا انطباع. وجودك مهم…"
صمتت… كلمات بسيطة، لكن وقعها كان زي السكين. "خطيبته؟"… الكلمة دارت في دماغها كأنها صفعة ما اتجهزتش لها رغم معرفتها بأنه خاطب.
"طب… وفردوس؟ هتيجي؟"
"أكيد. وابتسام كمان."
هزت رأسها ببطء، لكنها كانت داخليًا على وشك الانفجار… مش بس عمران ارتبط… لكن كمان لازم تحضر، وتبتسم، وتشوفه بيغازل واحدة تانية… وهي؟ تتفتت من جوّا، من غير ما حد يحس.
"حاضر يا عمي هحضر، أنا لازم أمشي دلوقتي عشان عندي تمرين. نتقابل بعد بكرة بإذن الله."
خرجت ابتهال من منزل عمها.
شرت بدمعة واحدة تسربت على خدها، مسحتها بعنف.
"لأ… أنا هحضر. وهشوف خطيبته وهباركله كمان."
ذهبت ابتهال للتمرين وأخرجت جميع طاقتها، وبعدها ذهبت للمنزل وخلدت للنوم مباشرة.
مر اليومان بدون أحداث جديدة. كانت فيهم فردوس تتجهز للعزومة لتبدو أجمل من عروسة.
وفي منزل جبران، اندهشت الأم من تلك العزومة، فأخيرًا ستتعرف على خطيبة ابنها، فهي ظنت أنه كان يكذب عليها في أمر خطوبته.
في غرفة عمران، كان والده يجلس معه ويحاول إقناعه بموضوع خطوبته بوفاء. رفض عمران في البداية، ولكن عندما عرض عليه وضع ابتهال وفردوس وحقيقة أن ابتهال ممكن أن تصاب باكتئاب يجعلها تنهي حياتها، رضي لقرار والده وقرر أن يساعده.
بعد مرور يومين، ارتدت فردوس تلك الملابس الجديدة ووضعت مكياج هادئ هي ووالدتها. بينما ابتهال اكتفت فقط بوضع كحل وماسكرا لتحديد ملامحها، وملابس بسيطة عبارة عن بنطال وقميص، لكن ألوانهم تناسبت مع بشرتها وأعطتها لمسة رقة.
ذهبوا جميعًا لمنزل جبران في سيارة ابتهال. وكانت فردوس وابتسام تتخيلان شكل وفاء وخمنتا أنها طبيبة.
في منزل جبران، قامت والدته بتجهيز سفرة عليها كل ما لذ وطاب من المأكولات، وبعدها أتت وفاء وهي ترتدي ملابس أنيقة ولكن بسيطة.
جلست والدة عمران لتتعرف على وفاء وتتحدث معها. وبعدها أتى الجميع ورحب بهم جبران وقام بتعريفهم على بعضهم البعض وأخبرهم أن وفاء تعمل طبيبة نفسية.
جلسوا جميعًا على طاولة الطعام وكان الوضع مشحون بالتوتر بين الجميع. كانت وفاء تنظر للجميع وتحاول ترجمة نظراتهم. كانت ابتهال تحاول إخفاء نظراتها وتنظر في جميع الاتجاهات بشكل عشوائي حتى لا تأتي عينيها بعين عمران. عكس عمران الذي كانت نظراته مثبتة عليها أغلب الوقت وبها لمعة حب لم يستطع إخفاءها.
وفاء لاحظت اللمعة الغريبة في عينين ابتهال… وشافت اللي اختفى من عينين عمران لما شافها.
"صحيح يا دكتورة وفاء أو وفاء بقى، إنتي خلاص هتبقي من العيلة."
كانت تقولها بطريقة داخلها شماتة في أختها.
"أنا دكتورة أمراض نفسية وحاليًا بفتح مركز علاج للأطفال اللي بيعانوا من مشاكل أسرية."
تحدثت ابتسام بسخرية:
"وياترى بقى بتعرفي تفهمي الأطفال أو هما بيعرفوا يعبروا عن مشاعرهم؟"
عمران قال بهدوء:
"وفاء بتفهم الناس من أول نظرة."
"بلاش تمدحني أوي كده."
ثم نظرت لابتسام وأكملت:
"مش كل الناس بتحب اللي بيشوفهم على حقيقتهم."
وساد صمت بعد تلك الجملة. بدأت الغيرة تظهر على وجه ابتهال وحاولت تمالك نفسها والتركيز في ذلك الطبق الذي أمامها. بينما ابتسام لم يعجبها ذلك الحديث.
"قصدك إيه؟" قالتها ابتسام بترقب.
"ما قصدش حاجة، قصدي إني طبيعة عملي كدكتورة بتخليني أحلل كل الشخصيات اللي حواليا من حركة إيديهم من نظرات عينيهم."
"وياترى بقى عرفتي تحللينا؟"
"أنا مش جايه هنا عشان أحللكم، أنا جايه أتعرف على أهل خطيبي."
لم تستطع ابتهال تمالك نفسها أو تسيطر على الغيرة التي تنهش قلبها، فقررت الانسحاب بطريقة محاولة منها أن لا يشعر بها أحد.
"الحمد لله أنا شبعت، هروح أعمل مكالمة شغل ضروري عن إذنكم."
ثم تركتهم ورحلت قبل أن يوقفوها، مما جعل وفاء تتأكد من داخلها أن ابتهال ما زالت تحمل مشاعر قوية تجاه عمران.
انتهوا من الطعام وجلست وفاء تسمع أحاديثهم وتشاركهم بعض الأسئلة التي تبدو عفوية، وكانت تخص ابتسام بأسئلة عن فردوس وابتهال. ولكن الغريب الذي استغرب اه جميع الحضور هو رد ابتسام الغير متوقع.
انتهوا من الطعام وجلست وفاء تسمع أحاديثهم وتشاركهم بعض الأسئلة التي تبدو عفوية، وكانت تخص ابتسام بأسئلة عن فردوس وابتهال. ولكن الغريب الذي استغرب اه جميع الحضور هو رد ابتسام الغير متوقع.
رواية جحيم الغيرة الفصل العاشر 10 - بقلم اماني سيد
انتهوا من الطعام وجلست وفاء تسمع أحاديثهم وتشاركهم بعض الأسئلة التي تبدو عفوية، وكانت تخص ابتسام بأسئلة عن فردوس وابتهال.
في ذلك الوقت، كانت ابتهال واقفة في الشرفة. عندما كانوا جالسين، سأل جبران عن ابتهال وأبلغته زوجته أنها واقفة في الشرفة. كاد أن يذهب إليها، لكن أوقفه عمران وقرر هو أن يذهب إليها بنفسه.
ذهب إليها عمران، وجدها واقفة تنظر من الشرفة. وقف عمران خلفها بصمت لثوانٍ، يراقب ملامحها من الخلف، حجابها يتحرك مع نسمات المساء، ونظرتها غارقة في عالم بعيد. لم تكن تلاحظ وجوده حتى قال بهدوء:
"بتحبي الهوا كده؟ ولا بتهربي من الجو اللي جوا؟"
التفتت إليه ببطء، لم تبتسم، ولم تنطق، فقط نظرة عينيها كانت كافية لتخبره كم هي مرهقة من الداخل.
اقترب منها قليلًا، وأسند ذراعيه على حافة الشرفة بجانبها:
"الناس مستنياكي تحت."
"وليه مستنياني؟"
"علشان تبقي وسطهم. علشان تفتكري إنك مش لوحدك."
"بس أنا فعليًا لوحدي، حتى لما أكون وسطهم."
تنهد عمران، وحاول أن يحتفظ بهدوئه، وكأنه يزن كلماته بعناية:
"ابتهال، إنتي عارفة إن ده مش حقيقي."
"حقيقي جدًا، إنت بس مش شايف."
سكتت لثوانٍ، ثم نظرت له نظرة مباشرة:
"هي (وفاء) كويسة؟"
تفاجأ بالسؤال، لكنه حاول إخفاء توتره بابتسامة خفيفة:
"آه، جدًا. مهذبة، وبتعرف تتكلم."
"شكلك اخترت صح."
"بس أنا ما اخترتش."
رمشت بعينيها، لم تفهم. أكمل بهدوء:
"كل حاجة بتحصل دلوقتي، ليها سبب. وإنتي السبب."
"أنا؟ وأنا مالي؟"
كاد أن يسألها عن ياسين ويتحدث معها، قاطع حديثهم فردوس.
"إيه يا عمران، روحت تناديها؟ وقفت جنبها."
"عمي باعتني عشان أناديكم."
لم تجبها ابتهال، ولكن تحركت لمكان جلوسهم، وتحرك خلفها عمران.
"إحنا كنا جايين، يلا بينا."
توجهوا جميعهم لغرفة الجلوس. وأثناء دخولهم، ابتسمت وفاء وتحدثت بعفوية لابتسام:
"رغم إن فردوس وابتهال أخوات، إلا إن ابتهال أقرب لكِ في الشكل واسمها قريب ليكي. أكيد هي الأقرب لكِ، صح؟"
رفعت ابتسام وجهها تلقائيًا ونظرت نحو ابتهال، التي قابلتها بنظرة ثابتة، ثم حرّكت رأسها للجانب الآخر، لكن ملامحها ظلت واضحة أمام عين أمها.
لسبب لا تعرفه، بدأت ابتسام تدقق في ملامح ابنتها... كأنها تراها لأول مرة.
جبهتها، عينيها، ذلك الميل الطفيف في الابتسامة حين لا تكتمل.
وفاء استكملت الحديث بنبرة خفيفة:
"وياترى بقى، واخدة طبعك كمان زي الشبه كده؟"
قاطعتها فردوس بسرعة، في محاولة لاستعادة الأضواء:
"لا لا، أنا شبه ماما أكتر."
ردّت وفاء بابتسامة خفيفة:
"في الطبع؟ ممكن... لكن من ناحية الشكل، لا... ابتهال أقرب."
نظرة ابتسام لم تغادر وجه ابتهال، وكأن عقلها يكتشف شيئًا لم يره من قبل.
قالت بهدوء، بدون أي خلفية عاطفية، فقط ملاحظة ناعمة:
"فعلاً... خدودها، عينيها... في حاجات قريبة مني."
ما قالته لم يكن بتأثر، ولا دفء... لكنها كانت المرة الأولى التي تعترف فيها بشيء يخص ابتهال من غير مقارنة، ومن غير مبرر.
ابتهال لم ترد، لكنها سمعت واحتفظت بالجملة دي جواها، وتظاهرت أن الحديث لا يعنيها.
جلست وفاء بتلقائية بجوار ابتسام، وقالت بابتسامة ناعمة:
"واضح إن عندك شخصية قوية يا طنط."
ابتسام رفعت رأسها بشيء من الفخر:
"الحمد لله... بحب أكون واضحة."
وفاء هزت رأسها:
"باين... وكمان عندك قدرة على الحسم... تعرفي تميّزي كل واحدة من ولادك بطريقتها."
ابتسام ضحكت:
"كل واحدة ليها طبعها... وأنا بتعامل مع اللي يستاهل."
قالت الجملة بمنتهى العفوية... لكن وفاء التقطتها بخبرتها:
"آه طبعًا، بس ساعات اللي "ما يظهرش" احتياجه... يكون محتاج أكتر من اللي بيطلب."
ابتسام ردت بجفاف بسيط:
"اللي عايز حاجة يقول."
وفاء، بابتسامة متماسكة:
"مش دايمًا."
"فيه ولاد... بيصمتوا احترامًا. أو خوفًا من المقارنة. بس وجعهم ما بيختفيش... بالعكس، بيزيد بصمتهم."
سكتت لحظة، ونظرت لها نظرة شبه عابرة:
"أوقات في بيت واحد... بنت تبقى دايمًا في الحضن، والتانية واقفة على الباب."
ابتسام تغيرت ملامحها، وقالت بهدوء، لكن فيه شكة ضيق:
"كل واحدة بتاخد مكانها بطريقتها."
وفاء، وهي تقوم، قالت بنبرة باردة ناعمة:
"أحيانًا المكان بيتاخد... وأحيانًا بيتمنّع."
شعرت ابتسام أن هناك شيء خلف حديث وفاء. هل حكى لها عمران شيئًا أو جبران؟
نظرت ابتسام للجالسين وتحدثت بمرح مصطنع:
"دكتورة وفاء، هو انتي جاية تحللينا ولا إيه؟"
"لأ خالص، هو الكلام بيجيب بعضه. عمومًا لو اتضايقني من كلامي أغيره، مع إنّي شايفه إنه كلام عادي. أو يمكن عشان عندي حالة بتعاني من التفرقة في التربية وواخدة كل تفكيري."
"وياترى البنت دي ليها أخت بنت برضوا؟"
قالتها ابتسام بإستهزاء.
فهمت وفاء تلميح ابتسام، لكنها أنكرت.
جلست وفاء بهدوء، ترفع فنجانها من على الطاولة وتتكلم بنبرة دافئة، لكنها محسوبة:
"بالعكس، كانوا بيقارنوا البنت بأخوها دايمًا لأنهم بيفضلوا خلفه الأولاد، وبيفضلوا يقولوها: 'شوفي أخوكي نجح إزاي؟'، 'اتعلم إزاي؟'، بس محدش بيسألها: 'وإنتي محتاجة إيه؟'، 'حاسة بإيه؟'."
تنهدت بخفة، كأنها بتحكي عن حالة مشهورة في عيادتها، لكن الحقيقة أنها بتتكلم عن اللي شايفاه في البيت ده بالضبط.
"للأسف، الأهل ما بيقصدوش، بس بيكونوا سبب في شرخ كبير. شرخ بيكبر مع الأيام. وفي الآخر، الأخوات يبقوا مقاطعين بعض، أو يمكن بيكرهوا بعض فعلًا. مش عشان هما وحشين، بس لأن حد زمان خلى كل واحد فيهم يحس إنه أقل."
سكتت ثوانٍ، ثم نظرت قدامها، وقالت بنبرة أهدى:
"الأهل لما بيموتوا، فيه اللي بيسيبوا ورث... عقارات، فلوس، دهب... بس فيه نوع تاني من الورث... ما حدش بيكتبه في عقود، لكن بيعيش جوه الولاد. حب الأخوات لبعض."
نظرت لابتسام بسرعة خاطفة، ثم كملت:
"كل حاجة ممكن تنهار... البيت، الفلوس، العلاقات. بس اللي ما بيتهزش هو الأخ اللي بيحضن أخته، والأخت اللي تمسح دمعة أختها من غير ما تتكلم."
ابتسام كانت ساكتة، بس وشها اتغير. مش ضعف، لكن فيه حاجة اتحركت جواها، حاجة مش مألوفة ومش مريحة.
وفاء أنهت كلامها، بهدوء.
"ربنا لما بيرزق الأم بطفل بتسعى الأم أنها تنجب طفل تاني، مش عشان تقارن بينهم لأ عشان يكونوا سند لبعض ومحدش منهم يتربى لواحده."
كلام وفاء عامل زي مرآة فجأة اتفتحت في وش كل واحد فيهم... وكل واحد شاف حاجة ما كانش عايز يواجهها.
سقطت كلمات وفاء بهدوء، لكن وقعها كان كصفعة خفيفة على وجه الحقيقة.
ساد الصمت في الغرفة.
صمت غريب، مش مريح، لكنه ما كانش جارح.
كل واحد منهم انسحب لداخله... انشغل بحواره الشخصي، بأسئلته اللي ما اتقالتش.
لكن عند ابتسام، كان الأمر مختلف.
حديث وفاء... سقط عليها كـقلم حاد انزلق من يد الزمن وارتطم بوجهها.
لم يكن مؤلمًا... لكنه كان كافيًا ليفتح شقًّا صغيرًا في جدار قناعتها.
نظرت وفاء بهدوء لوجوه ابتهال وفردوس، ثم نظرت إلى ابتسام.
الشرود على ملامحهم كان كافي.
هي لم تكن بحاجة لاعتراف، ولا لكلمة "عندك حق".
كانت فقط تريد أن تصل رسالتها.
وقد وصلت.
بعد انتهاء حديثها قررت الانسحاب وتنتظر أن يتواصلوا هم معها.
"عن إذنكم يا جماعة، أنا اتأخرت ولازم أمشي."
تحدثت والدة عمران:
"خليكي شوية كمان، اليوم ضاع بسرعة ومالحقتش أتكلم معاكي ولا أعرف اتعرفتي إزاي على عمران."
"معلش يا طنط، خليها مرة تانية، أنا لازم أمشي دلوقتي."
"طيب، عمران يوصلك؟"
"لأ، أنا هعرف أمشي لوحدي."
وبالفعل تركتهم ورحلت. وبعدها انصرفت ابتسام مع أبنائها.
حاولت فردوس كسر الصمت بالحديث عن وفاء، ولكنها لم تستطع لأن والدتها كانت شاردة طول الطريق.
فالتزمت الصمت.
جلست ابتسام في غرفتها تعيد حديث وفاء مرارًا وتكرارًا داخلها.
وظلت تعيد الماضي أمامها مرة أخرى، وتأكدت أنها صنعت فجوة كبيرة بين بناتها. فجوة لم تستطع غلقها مهما فعلت.
ظلت تتذكر ملامح ابتهال أمامها مرة أخرى، ووقفت أمام المرآة لتقارن بين وجهها ووجه ابنتها، لكنها لم تستطع تذكر ملامح ابتهال جيدًا.
لهذه الدرجة لم تنظر في وجه ابتهال أو تعلم عنها شيئًا.
في غرفة ابتهال.
ظل هاتفها يرن مرة أخرى بذلك الرقم المجهول.
أخذها الفضول هذه المرة لتعلم هوية المتصل، فأجابت على الهاتف.
"ألو."
"أخيرًا رديتي."
"عمران؟"
"آه أنا."
"خير؟ إحنا كنا عندكم النهارده."
"حبيت أطمن وصلتوا بالسلامة."
"آه الحمد لله."
"مكملناش كلامنا النهارده."
"إحنا مافيش بينا كلام من زمان يا عمران."
"لأ فيه، بس مكنش كمل."
"كل حاجة انتهت من زمان يا عمران، والعتاب مش هيفيد بحاجة. إنت ارتبطت وأنا كمان ارتبطت، يعم كلامنا خلاص معدش ليه لازمة."
"طيب خلينا نتقابل وبعدها قرري كل حاجة."
"مش هيفيد يا عمران، صدقيني، غير إنه هيفتح حاجات اتقفلت من زمان."
"بس أنا مافيش حاجة جوايا اتقفلت يا ابتهال، وواثق إنك إنتي كمان زيي."
"ماتقفلتش إزاي؟ أمال الدكتورة الحلوة الجميلة اللي كانت قاعدة النهارده واتعزمنا عندكم عشان نتعرف عليها تبقى إيه؟"
"مش زي ما إنتي ما فاكرة. بصي، أنا بكرة هعدي عليكِ ونتكلم."
"لأ يا عمران، لا بلاش تفتح لي حاجة أنا بالعافية قافلاها."
"بس أنا مش قافلها. أنا من ساعت ما بعدت وأنا كل يوم أقول بكرة، بس بكرة ما كانش بيجي."
صمت قليلاً وأكمل بعدها:
"أنا عارف، أنا عارف إني غلطت وإنك دفعتي التمن لوحدك، بس ما ينفعش تنتهي كده."
"إنت عايز إيه يا عمران؟"
"نتقابل بس لو نص ساعة، عشان خاطري وعشان الماضي اللي لسه جوانا يا ابتهال."
صمتت ابتهال عاجزة عن الرفض، لكنها أيضًا لم تكن تملك القبول.
انكمشت أصابعها حول الهاتف، كأنها تمسك شيئًا خافتًا... شيئًا مؤلمًا، لكنه حي.
صوته، طريقته، كلماته اللي خرجت متكسرة، كلها فتحت نوافذ مغلقة جواها من سنين.
في لحظة، عادت مشاهد كثيرة لمخيلتها... ضحكته، خلافاتهما الصغيرة، رسائله، وصوته وهو بينادي اسمها كأنه بيدوي في قلبها.
لكن فوق كل ده، عادت لحظة الانكسار... اليوم اللي اختار فيه يرحل... ويسيبها تصارع وحدها.
هي اتعلمت تكتم.
اتعودت تمشي مستقيمة رغم الانحناءات اللي جواها.
بس دلوقتي... كلامه رجّ المشي جواها، رجّ الجدران اللي بنتها عشان تعيش.
كانت تشعر أن جدارًا قد بدأ يتشقق... أن القرار اللي ظلت متشبثة به، بدأ يتسلل الشك إليه.
عيناها امتلأت بالدموع، لكنها لم تبكِ.
مجرد وجع صامت... كأن روحها بتقول: "ليه دلوقتي؟ ليه بعد ما حاولت أنسى؟"
لكن رغم كل شيء... رغبة واحدة كانت واضحة جواها: أن تسمع صوته... للمرة الأخيرة.
أن تنهي الحكاية بيدها... مش بموته داخلها.