خرج خليل من المبنى بعد أن أصر على تقديم استقالته بسبب تضليل العدالة.
عاد إلى منزله في القاهرة والذي غاب عنه لمدة عامين منذ حادث ابن أخيه.
دلف المنزل ليجد فريق من العمال يقوم بتنظيفه، لذا صعد للأعلى.
أبدل ملابسه وخرج ليجلس في حديقة منزله.
أخذ ينظر لأشجار الورود التي زرعها يومًا مع زوجته الراحلة.
توفت منذ ثلاث أعوام وتركت ندبة بداخل قلبه لن تشفيها السنين.
فبعد وفاتها اكتشف بأنها أخفت عليه حقيقة عدم انجابه كي لا تجرحه، وتحملت هي ذلك العبء بدلًا منه.
تذكر حديث الطبيب عندما ذهبت إليه وطلبت منه ألا يخبره بالحقيقة وأن يخبره بأن المشكلة لديها.
أخرجه من شروده أحد العمال التي جاءت إليه.
ناولته شيء صغير وقالت:
_ أنا لقيت الجهاز ده واقع في الأرض يافندم.
تطلع خليل للجهاز بين يديه ثم أشار لها بالانصراف.
نظر إليه بدقة ليكتشف بأنه عبارة عن كاميرا صغيرة توضع لمراقبة دقيقة.
اندهش حقاً من تواجده في منزله، من الذي وضعها ولما في بهو المنزل؟
عقد حاجبيه باندهاش ثم أخرج الميموري منها وهم بوضعه بالهاتف لولا أن جاءه اتصال من المحامي.
أعاد الكارت إلى الجهاز ثم أجابه:
_ السلام عليكم.
_ وعليكم السلام، أنا واقف بالعربية قدام الفيلا.
وضع خليل الجهاز بسترته ورد بترحيب:
_ ادخل انا قاعد في الجنينة.
أغلق الهاتف ونهض ليستقبله.
تقدمت العاملة لتضع أمامهم القهوة ثم سأله خليل:
_ خير ايه الموضوع المهم اللي عايزني فيه؟ ولو هتكلمني في موضوع الشغل ياريت تقفل أحسن.
عاد شكري بظهره للوراء وقال:
_ لا ياسيدي أنا جيلك في حاجة تانية خالص.
_ بنك……كلمني النهاردة وعايز حد يمسك مصنع محمد السيوفي اللي حجز عليها.
ردد خليل الاسم ثم سأله:
_ بس المصنع ده كان كبير اوي ازاي يقع بالسرعة دي؟
رد شكري بعدم اكتراث:
_ ما انت عارف المنافسات بقا، وخصوصاً بعد ما مات مراته وبنته مقدروش يقفوا قصاد حيتان السوق وعشان كدة سقط منهم. المهم هتوافق ولا لأ، أنا شايف انها فرصة بعد ما سيبت شغلك.
تنهد خليل:
_ أنا أصلاً كنت بفكر افتح شركة صغيرة كدة بس كنت استنى لما داغر يعمل العملية.
_ أهي يا سيدي جاتلك لحد عندك وهتبقى انت المسؤول الرئيسي في المصنع ومنه تزداد خبرة بحيث لما تسيبه يكون عندك دراية بكل حاجة.
فكر خليل قليلًا ثم تحدث بجدية:
_ سيبني يومين أفكر وبعدين ارد عليك.
_ أنا مستغرب هتفكر في إيه العرض مش محتاج تفكير.
رد خليل باستنكار:
_ يا شكري أنا ليا ظروف خاصة مقدرش اسيب داغر لوحده فترات طويلة وبعدين ميعاد العملية بتاعته قرب يعني كلها عشرين يوم وهنسافر تاني، احنا رجعنا بس لما الدكتور قال أن الموضوع نفسي فكان عندي أمل انه لما يرجع اسكندرية حالته النفسية تتحسن ويرجع نظره.
تنهد بحزن وتابع:
_ بس للأسف حاسس إن حالته بتسوء أكتر.
تحدث شكري بتعاطف:
_ ان شاء الله نظره هيرجع وهيبقى احسن من الأول، على العموم انا هكلم مدير البنك وهقوله إنك موافق مبدأيًا لحد ما ترجع من السفر.
❈-❈-❈
عاد حازم إلى شقته فيجد الظلام يعمها.
قام بفتح الأنوار فيجدها فارغة.
دلف غرفتهم وقد ساوره الشك في تركها للمنزل.
وقد تأكد شكه عندما فتح الخزانة فوجدها فارغة.
اخرج هاتفه من سترته واتصل عليها وبعد محاولات كثيرة ارضخت في الأخير وأجابته:
_ نعم.
هدر بها منفعلًا من نفسه قبلها:
_ انتي فين ياهانم؟
أجابت هايدي بفتور:
_ أنا عند ماما.
_ وازاي تخرجي من غير ما تعرفيني؟
ردت بنفس هدوءها:
_ مبقتش ملزمة بعد النهاردة استئذنك في اللي هعمله، أنا خلاص اكتفيت لحد كدة وخلي كل واحد فينا يروح من طريق.
ازداد غضبه أكثر وقال بانفعال:
_ يعني ايه بتلوي دراعي؟
_ افهمها زي ما تفهمها مش هتفرق معايا.
انهت جملتها وأغلقت الهاتف مما جعله يضغط عليه حتى ابيضت مفاصله.
عليه أن يتصرف هو في أقرب وقت قبل أن يخرج الأمر عن السيطرة.
ظل حازم يتقلب على جمر ملتهب وهو مستلقيًا على الفراش وحيدًا لأول مرة.
ليلة واحدة وشعر بذلك الفراغ.
فماذا سيفعل عندما ينفذ ما ينوي فعله.
يعلم جيدًا بأنها لن تغفر له مطلقًا حتى لو عادت إليه لأجل الطفلين.
نظر في ساعته فوجدها الثانية عشر، ليلة بطيئة حتى شعر بأن عقارب الساعة توقفت عن العمل.
مسح بكفه على وجهه ونهض ليدلف المطبخ يعد فنجان قهوة.
لكنه أخذ يتخبط به لا يعرف اين تضع القهوة.
فكر بالاتصال عليها ليسألها لكنه تراجع، لا يريد اقلاقها في ذلك الوقت.
شعر بأن منزله الدافئ أصبح شديد البرودة ويفتقر للدفئ الذي كان يكتنفه.
جاءته رغبة في أن يذهب إليها الآن ويعيدها بالإجبار، لكن ليس الآن.
عليه أن يتخلص من حملها أولاً وبعدها سيفكر كيف يعيدها.
❈-❈-❈
وقف داغر أمام شرفته وهو يشعر بالضجر.
لا يعرف لما.
أو هكذا يتساءل ليهرب من الحقيقة، وهي أن قلبه عاد ينبض من جديد.
حقيقة مهما حاول انكارها.
ما زال عاشقًا لها حتى النخاع.
كره ذلك الظلام الذي احجبها عنه وجعلها تستضعفه بذلك الشكل.
لما عادت؟
ولما أيضًا أخفت هويتها عنه؟
أسئلة كثيرة يريد إجابتها ولا يوجد أحد يريحه ويخبره بحقيقة أمرها.
ضغط على ساعة يده ليعرف الوقت، فقد تعدت التاسعة صباحًا ولم تأت.
تذكر حينما ظل منتظرها أمام منزلها ومحاولاته الكثيرة التي باءت دائمًا بالفشل حتى سافر.
عودة للماضي.
خرج من الميناء وتوجه إلى سيارته وهو يشعر لأول مرة بلهفة وشوق إلى القاهرة.
كان يبغض الذهاب إليها قبل معرفتها.
لكن الآن اختلف الوضع تمامًا.
مر اسبوعين تذوق فيهم مرارة الفقد وكأنها ألفت روحه وألفتها.
انطلق بسيارته إلى القاهرة وهو يسرع بها كي يصل إليها بأسرع وقت.
وصل أمام منزلها من الباب الخلفي ثم تطلع إلى العلبة الموضوعة على المقعد المجاور له.
لقد قرر أن في كل رحلة له أن يأتي إليها بإحداهن.
اخرج هاتفه من سترته ثم قام بالاتصال على العاملة التي استطاع بعد عناء الوصول إليها وعندما أجابته تحدث بثبوت:
_ أيوة ياشهد أنا الكابتن داغر.
ارتبكت الفتاة وأخذت تتلفت حولها كي تتأكد من عدم وجود احد معها في المطبخ ثم تمتمت بخوف:
_ حضرتك كدة هتوديني في داهية.
_ مفيش داهية ولا حاجة وزي ما قولتلك كله بحسابه، طلعي الفون لأسيل.
اتسعت عينيها بصدمة وغمغمت باعتراض:
_ لأ طبعاً انت عارف لو حد شم خبر هيعملوا فيا ايه؟ دي ناس مبترحمش.
_ متخافيش انتي بس هتوصلي الفون ليها وخلاص، يا إما ابعتيلي رقمها واخرجي برة الموضوع.
رفضت شهد اقتراحه:
_ لأ خلاص هطلع الفون وربنا يستر.
صعدت الفتاة وهي تتلفت حولها بقلق حتى وصلت لغرفة أسيل.
طرقت الباب فسمحت لها بالدخول وقد كانت تقرأ أحد القصص الإيطالية التي أخذتها معها.
أغلقت الكتاب وهي مندهشة من الارتباك الواضح عليها وسألتها:
_ في حاجة ياشهد؟
تقدمت منها بوجل وهي تشير للهاتف:
_ أصل… أصل يعني…..
تعجبت أسيل وسألتها بحيرة:
_ متتكلمي في ايه؟
تركت الهاتف على الفراش واسرعت بالهرب قائلة:
_ في حد عايز يكلمك.
نظرت أسيل للهاتف ثم اخذته من فوق الفراش ونظرت به فإذا به رقم غير مسجل.
ترددت كثيرًا قبل أن تجيبه لكنها بالأخير وافقت ورفعت الهاتف لأذنها متمتمة بصوتها الرخو:
_ مين؟
تنفس داغر بأريحية وهو يعود بظهره للوراء وتمتم براحة:
_ أخيرًا قدرت أوصلك.
اعتدلت في رقدتها وقد شعرت بضربات قلبها تنبض بشدة عندما علمت صوته وقالت بوجل:
_ ايه اللي عملته ده؟ انت مجنون؟
رد داغر بدهاء:
_ هبقى مجنون لو معملتش كدة.
ردت من بين اسنانها:
_ انت عارف لو حد عرف ايه اللي ممكن يحصل؟
رد داغر ببساطة:
_ هيحصل ايه اكتر من العذاب اللي عشته الفترة اللي فاتت دي.
نهضت أسيل لتوصد الباب جيدًا ثم تحدثت برجاء:
_ كابتن داغر أرجوك…..
قاطعها هو برجاء أشد:
_ ارجوكي انتي تسمعيني، انا خلاص مش قادر أصبر أكتر من كدة. خلينا نتقابل لأن في كلام كتير عايز أقوله.
رغم رغبتها الشديدة بذلك إلا إنها قالت برفض:
_ لو سمحت ياكابتن اللي بتطلبه ده مستحيل وياريت…..
قاطعها بإصرار:
_ ياريت انتي تبطلي مكابرة وتوافقي لأني مش هتراجع.
_ انت متعرفش حاجة.
_ لأ عارف كل حاجة، أسيل أنا أجازتي المرة دي خمس أيام بس وهغيب فيها اسبوعين مش هقدر اسافر من غير ما اشوفك ارجوكي توافقي.
لامس رجاءه قلبها لكن ليس بيدها شيء.
هي ترفض ذلك خوفًا على كلاهما فإن علم والدها فلن يرحمهم.
لذلك التزمت الصمت ربما يفهم من ذلك أنها ترفض وبشدة.
لكنه أبى الرضوخ لذلك وتحدث بلهجة مرحة قليلاً كي يخفف عنها خوفها:
_ أسيل لو رفضتي ممكن تقومي من النوم تلاقيني جانبك على السرير.
شهقت أسيل بصدمة من جرئته وخاصة عندما سمعت ضحكته تدوي في الهاتف وتابع تهديده:
_ والله انا حذرتك وانتي حرة، ها موافقة؟
ترفض وبشدة لكن تحت إصراره وافقت مجبرة فتابع قبل أن تتراجع:
_ هستناكي بكرة الساعة خامسة على أول التقاطع.
اغلق الهاتف قبل ان يسمع ردها.
أما هي فقد شعرت بخوف شديد وعاتبت نفسها على الركض خلف ملذاته.
مضى الوقت بطيئًا على كلاهما حتى جاء موعدهم.
وقفت أسيل أمام المرآة تمشط خصلاتها في شرود.
ماذا إن اكتشف والدها خروجها؟
هل يستحق المجازفة بحياتها؟
أم هو مجرد شاب يلهو.
جلست على الفراش بكمدلأول مرة تصادفها تلك الحيرة.
طوال عمرها تمشي بخطوات ثابتة وتعرف جيدًا إلى أين وجهتها.
لكن الآن لا تعرف اتتبع قلبها الذي يحسها على الذهاب إليه.
أم تتبع عقلها الذي ينهاها عن المجازفة بحياتها.
لا، لن تذهب.
تطلعت إلى هاتفها الذي دونت عليه رقمه وقررت الاتصال به والاعتذار.
وقبل ان تتراجع اسرعت بإرسال رسالة له وكان محتواها"أسفة مش هقدر"
ثم قامت بإغلاق هاتفها.
اغلق هاتفه وألقاه بغضب على المقعد المجار له.
لما عليه أن يتحمل كل ذلك العناء.
إن كان قلبه سيجعله بتلك الحماقة فعليه أن يمحيه من قرارته.
قام بتشغيل محرك السيارة ثم انطلق بها.
حاول كثيرًا اخراجها من قلبه لكن مع كل محاولة يزداد حبها بداخله.
وقف مستندًا بمرفقيه على سياج يخته ينظر لتلاطم المياه على جانبيه.
ماذا يفعل كي يخرجها من حياته؟
هل يستخدم فتاة غيرها؟
لكن لن تفلح تلك الطريقة فقد أصبح يراها في كل فتاة تمر من أمامها.
غمض عينيه بشدة يريد محو صورتها من عينيه لكن بعدًا فقد استوطنت جوارحه ولن تخرج بتلك السهولة.
قام بخلع قميصه ثم قفز في المياه وأخذ يغوص بداخلها ويتعمق أكثر، ذلك المكان الوحيد الذي يستطيع أن يخطفه من شتاته لكن لم يفلح تلك المرة.
أخذ يغوص ويتعمق أكثر لكن لا فائدة.
صعد لسطح المياه عندما شعر بحاجته للتنفس فيخيل إليه صورتها خلف السياج تنظر إليه بابتسامتها الناعمة لكن سرعان ما اختفت وأصبح مكانها فارغًا تمامًا مثل ذلك الفراغ الذي تركته بداخله.
ظل يسبح ويسبح حتى مغيب الشمس وقد توصل إلى أنه أصبح عاشقًا وعليه أن يحارب للفوز بها.
صعد إلى يخته ثم عاد به إلى موضعه امام منزله بالإسكندرية.
ثم قام بتبديل ملابسه وأخذ سيارته وانطلق بها إلى القاهرة.
رن هاتفها مرة أخرى وتلك المرة كانت أمينة بجوارها فنادتها:
_ شهد تليفونك بيرن.
أغلقت شهد الموقد وأخذت هاتفها من أمينة فيظهر الخوف جاليًا على وجهها مما جعل أمينة تسألها:
_ في حاجة ياشهد؟
_ ها… لأ دي واحدة صاحبتي.
خرجت من المطبخ إلى الحديقة ثم أجابت:
_ يابيه انت كدة هتوديني في داهية.
رد داغر بثبوت:
_ متخافيش لو عملتي اللي هقولك عليه.
تلفتت حولها ثم قالت باستسلام:
_ خير يابيه...
صعدت شهد وهي تحمل كوب العصير الذي طلبته أسيل ودلفت غرفتها وهي تقول بثبات رغم خوفها:
_ متشكرة ياشهد حطيه على الكميدون.
ازدردت لعابها بصعوبة ثم وضعته على المنضدة وخرجت مسرعة من الغرفة.
صعدت شهد وهي تحمل كوب العصير الذي طلبته أسيل ودلفت غرفتها وهي تقول بثبات رغم خوفها:
_ متشكرة ياشهد حطيه على الكميدون.
ازدردت لعابها بصعوبة ثم وضعته على المنضدة وخرجت مسرعة من الغرفة.
انهت أسيل قراءتها ثم أغلقت الكتاب ووضعته أسفل الوسادة ثم تناولت العصير.
جالت بخاطرها صوره وذكرياتهم على الباخرة.
تفتقده بشدة لكن عليها الثبات على موقفها حتى لا تعرضه وتعرض حياتها للشقاء.
هي من اخطأت من البداية عندما خففت اللجام على مشاعرها واندفعت دون تفكير.
لذا عليها تحمل عواقب فعلتها.
شعرت أسيل بألم في معدتها ظنت انه ناتج عن رطوبة تعرضت لها.
لكن عندما ازداد أصبح لا يحتمل.
نهضت تبحث في الادراج عن مسكن لها لكنها توقفت عن الحركة إثر ازدياد الألم.
حتى أن صرخة صدرت منها دوت في المنزل بأكمله.
أسرعت إليها أمينة وكذلك سليم الذي يجاور غرفتها على صوتها:
_ مالك ياأسيل في ايه؟
كانت مستلقية على جانبها تنبش في الفراش وغمغمت بألم:
_ بطني بتتقطع.
تقدم منها سليم وتغلبت مشاعر الأخوة على جموده لكنه احجمها وغمغم بفتور مصطنع:
_ لو تقدري تمشي قومي نروح للدكتور.
هزت راسها برفض وتمتمت بألم:
_ مش قادرة اااااه.
انقبض قلبه بخوف ومال عليها يحملها ثم خرج بها من الغرفة وقلبه يتمزق ألمًا عليها لكنه لا يبدي ذلك فقد اعتاد أن يكون حادًا وحازمًا كوالده لذا احتفظ بوجومه وهو يحملها وذهب بها إلى المشفى.
قام الطبيب بالكشف عليها ثم قال لسليم:
_ هي اخدت أي أدوية؟
تطلع سليم إليها ينتظر منها إجابة فنفت أسيل قائلة بألم:
_ لأ.
زم الطبيب فمه بحيرة ثم تحدث:
_ انا هكتبلها على أدوية تهدي الألم وتنيمها شوية والصبح ان شاء الله هتكون كويسة.
بعد ان طمئنهم الطبيب استئذن سليم ليتناول قهوته في كافتيريا المشفى.
ونامت هي بفعل الأدوية.
فتحت عينيها بتثاقل اثر تلك اللمسات الدافئة على وجنتها.
حركت عينيها بوهن لتنظر إليه فوجدته هو ينظر إليها بعينين قلقتين متمتمًا بأسف:
_ انا أسف.
أسبلت عينيها لفهمها مغزى كلماته ومدى تهوره ثم فتحتها بعتاب جعلته يشعر بمدى حماقته وتابع بأسف:
_ مكنتش أعرف إن جسمك ضعيف أوي كدة ومش هتقدري تتحمليها.
ازدردت جفاف حلقها وتمتمت بوهن:
_ جربتها.
أومأ لها مبتسمًا:
_ مرة وانا في الكلية عشان آخد أجازة.
افتري ثغرها عن ابتسامة واهنة:
_ وأخدت؟
هز رأسه بنفي:
_ اخدت جزة بدل الأجازة.
ضحك الاثنين ثم تطلع اليها بحب وندم وقد عاتبه قلبه على فعلته تابع باعتذار حقيقي:
_ أنا آسف ملقتش طريقة غير دي أشوفك بيها، متعرفيش الأيام دي مرت عليا ازاي وحشتيني أوي.
رغم بغضها لفعلته إلا إن قلبها سامحه عندما لاحظت العشق الذي ظهر واضحًا بعينيه.
رفع أناملها الرقيقة لفمه وقبلها بحب قائلاً:
_ متقلقيش الصبح هتكوني كويسة، انا اطمنت من الدكتور.
سألها بمكر:
_ امم هتوافقي نتقابل ولا أشوف طريقة تانية.
تطلعت إلى عينيه التي ترمقها بحب لم ترى مثله من قبل وتمتمت بخفوت:
_ انت طلعتلي منين؟
تنهد بتعب وتمتم بوله:
_ انتي اللي طلعتيلي منين؟ انا كنت راضي بحياتي زي ما هي ومكنتش بفكر في الحب ده خالص جيتي انتي ولخبطتي كل حاجة.
شعرت أسيل بصدق كلماته لذا سقطت حصونها أمام غزو مشاعره ورحبت بعشقه وتلك المشاعر التي اقتحمتها.
ملس بابهامه على وجنتها وتحدث بوله:
_ أنا مسافر كمان يومين ايه رأيك تتحججي بأي حاجة وتيجي الصبح اسكندرية هعيشك يومين مش هتنسيهم العمر كله.
هزت راسها بأسف:
_ صعب.
ابتسم بحب:
_ مش صعب ولا حاجة انا عارف ان والدك عنده فيلا في اسكندرية ودي فرصتك انك تطلبي تسافري عشان تغيري جو.
_ وان معرفتش؟
رفع حاجبيه بخبث:
_ لسة معايا حبوب كتير.
اغمضت عينيها بتعب:
_ تاني؟
حك رأسه بمزاح وقال:
_ متهونيش عليا، بس ياريت انا كمان مهونش عليكِ.
أومأت له:
_ هحاول.
تذكرت أمر أخيها فتطلعت إليه بقلق:
_ داغر لازم تمشي دلوقت قبل سليم ما يرجع.
أومأ لها ثم قبل يدها مرة أخرى وخرج من الغرفة.