تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
الفصل 3 — رواية جبل النار الفصل الثالث 3 - بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل الثالث 3 - بقلم رانيا الخولي
استدارت مسرعة عندما وجدت سليم يدلف المصعد وهو يتحدث في الهاتف.
صدمة أخرى وخطر آخر حاوطها، وتلك المرة في الزاوية.
أولته ظهرها كي لا يراها وقلبها تزداد وتيرته بعنف.
هل هذه نهايتها؟ وإن رأوها ماذا سيكون مصير طفلها؟
مؤكد والدها لن يرحمه كما فعل معها.
تظاهرت هي أيضًا بالعبث بهاتفها كي لا ينتبه إليها، لكنها اندهشت عندما سمعته يقول لمن يحدثه:
_متقلقيش البرج بيبقى عليه حراسة ٢٤ ساعة، مفيش داعي لخوفك، واحتمال بكرة بالكتير هكون عندك._
_ملقتش طيارة لأمريكا النهاردة غير بالليل وكمان الحجز خلص. إن شاء الله هحاول أكون عندك._
كانت واقفة منزوية في أحد الأركان تنتفض رعباً.
لم تستطع الخروج من المصعد، فما إن تستدير لتخرج ستتقابل وجوههم، وحينها لن يردعه شيء عن قتلـ.ـها.
توجه المصعد للدور الثاني حيث ينتظر والدها، وحتى الآن لم تعرف سبب وجودهم.
أخذت وتيرة دقاتها في ازدياد حتى خشيت أن يسمعها أخيها.
كانت يدها ترتعش بقوة مما جعل الهاتف يسقط منها، فينتبه إليها.
ابتعد الهاتف عن أذنه ليسألها:
_في حاجة يا آنسة؟_
هزت رأسها مسرعة ومالت على الهاتف تلتقطه في خوف.
كان يتحدث مع فتاة لذا أخذت كل إحساسه، فلم ينتبه لتلك التي ترتعد بخوف، لو لاحظه لشك بها.
فتنفست الصعداء حينما توقف المصعد وخرج أخيها.
مما جعلها تسقط على الأرض عندما أغلق المصعد خلفه، وضمت ساقيها لصدرها وقد عاد الخوف بأشده إليها.
عادت إليها تلك الذكرى تقتحم مخيلتها، وهي بين يدي والدها يذيقها العذاب بيدين حادتين، ورأسها الذي ضرب في الحائط مرات عديدة بلا شفقة أو رحمة مما سبب لها حالات إغماء مستمرة معها حتى الآن.
والكسور التي تعرضت لها وهو يضرب بلا هوادة، فقط يضرب وصوته المرعب يدوي صداه في أذنها حتى الآن.
وضعت يدها على أذنها تكتم ذلك الصوت وهو يهدر بها بسخط:
_فضحتيني وجبتيلي العار يافاجرة……. مين هو اللي خلص عليكي…… انتي لازم تموتي وأتخلص من عارك…….._
وبعد كل ذلك تجثو على ركبتيها وهي مقيدة على شاطئ البحر، تنظر للمياه التي تتلاطم عليه، فتغمض عينيها بوداع أخير وقدم أخيها التي تهتز على ظهرها تستعد لقذفها.
أصوات تأتي من البعيد، وأيدي تصفعها برفق، تحسها على العودة لوعيها.
لكن لا لا تريد العودة لتلك الحياة الظالمة.
وخز بالإبر وأصوات لا تعرفها، لكنها تأبى العودة، تريد الرحيل، لكن جالت بخاطرها صورة طفلها الذي لا يعرف سواها.
فقاومت وتحدت ذلك الظلام وفتحت عينيها تردد اسمه "إياد".
❈-❈-❈
استيقظ من نومه وهو يشعر بألم شديد في رأسه من تلك الكوابيس التي أصبحت ملازمة له.
نفس الحلم يتكرر معه.
مسح بيده على وجهه.
ثم مد يده يتحسس المنضدة بجواره حتى وصل لهاتفه.
جلس مستندًا بظهره على الوسادة وفتح هاتفه ببصمة الصوت طالبًا رقم عمه، وعندما جاءه الرد:
_ايوة ياعمي صباح الخير._
رد عمه وهو بسيارته:
_صباح النور يا داغر، شكلك لسة قايم من النوم._
مسح داغر بكفه على وجهه وسأل:
_انت فين؟_
_رايح يا سيدي المشوار اللي اتفقنا عليه امبارح، ولا انت بتنسى؟_
زفر داغر بحنق وتمتم مستسلمًا:
_ماشي ياعمي اللي تشوفه، بس حاول متتأخرش._
أغلق الهاتف وألقاه على الفراش بإهمال، ثم فتح الدرج كي يخرج سجائره التي اخفاها عن عمه كي لا يلقيها في القمامة كلما وقعت عيناه عليها.
أخذ واحدة وأشعلها ثم أخذ نفس عميق منها وزفر دخانها، فتجول بخاطره ذكرى مشابهة.
عندما تقابلوا مرة أخرى على سطح السفينة وعلى نفس السياج.
وأثناء حديثهم جاء شخص ليشعل سيجارته بالقرب منها، فأخذت تسعل بقوة.
تطلع إليها بقلق يسألها:
_انتي كويسة؟_
أومأت له بضيق من ذلك الشخص:
_اه كويسة بس بتخنق من ريحة السجاير._
تطلع داغر إلى ذلك الرجل وقال بأمر:
_ارمي السيجارة دي، انت عارف إن ممنوع التدخين على السفينة._
رد الرجل بفتور وهو يكمل تدخينه:
_انا بدخن على البحر وبرمي السيجارة فيه، مش شايف أي مشكلة._
انفعل من رده وقال باحتدام:
_لو مرمتش السيجارة دلوقتي هخلي الأمن يدخلوك أوضتك بالإجبار._
تطلع إليهم الرجل بحنق ثم ألقى السيجارة وابتعد عنهم.
تطلع إليها وسألها باهتمام:
_بقيتي أحسن؟_
أومأت بامتنان:
_اه احسن._
_تحبي نقعد؟_
هزت رأسها بنفي وعادت تنظر للبحر:
_لأ خلينا هنا._
تطلع إلى شعرها الذي قيدته بعصبة، فلم يعد حراً مسترسلاً حول وجهها كما رآه أول مرة.
وكم أراد في تلك اللحظة أن يجذبها ويحرر أسره كي يتناغم مع ذلك الهواء الطلق، لكنه أحجم رغبته كي لا يخيفها منه.
_تعرفي اني لحد دلوقتي معرفش اسمك؟_
تهربت عينيها منه بخجل ثم تمتمت بخفوت:
_أسيل._
استعذب نطق اسمها عندما ردده بينه وبين نفسه ثم قال بثبوت:
_جميل._
_كابتن داغر عايزينك ضروري._
أغمض داغر عينيه بضيق ثم نظر إليها باعتذار:
_أسف._
نظرت إليه بدهشة:
_على إيه ده شغلك._
قال باقتراح:
_طيب إيه رأيك نتعشى مع بعض النهاردة؟_
ظهر الرفض واضحاً دون قوله، لكنه لم يقبل وقال بإصرار:
_وافقي ومش هتندمي، المطعم اللي فوق بيبقى حكاية بالليل._
رغم أن عقلها رفض ذلك، إلا أنها أحبت أن تودع حريتها على الباخرة قبل عودتها إلى المنزل.
أومأت له بصمت مما جعله يقول بسعادة:
_خلاص هستناكي في المطعم، أوعي متجيش._
تركها ورحل دالفاً غرفة القيادة فوجد المساعد يقول بقلق:
_جالنا بلاغ إن في عاصفة هتقوم الليلة وهنضطر نوقف الباخرة لحد ما تمر._
تطلع داغر إلى مؤشرات الرياح، فلاححت ابتسامة على محياه ثم قال آمرًا:
_خليهم ينزلوا المراسي._
أومأ له المساعد وتركه كي ينفذ مهمته.
أما هو فقد أخذ يفكر في خوض مغامرة جديدة يشاركها لأول مرة مع أحد.
أعلن للركاب أن السفينة ستتوقف هذه الليلة بسبب هبوب رياح خفيفة.
_مفيش داعي للقلق._
_العشاء هيكون في أوضكم وياريت محدش يخرج على السطح نهائي._
بدأ الجميع ينسحب بهدوء إلى غرفهم إلا منها.
أرادت أن ترى تجمع السحب الهائل في ذلك الجو البارد.
تشعر ببرودة شديدة، لكنها رفضت أن تدلف غرفتها كي ترتدي معطفاً يحميها من البرودة.
شعرت بالخوف لربما أحد يمنعها من الخروج مرة أخرى.
أخذت تشاهد المنظر وقد بدأت الرياح تهب على سطح السفينة والبرودة تشتد أكثر، حتى أنها أخذت تدلك ذراعيها كي تبث الدفء بها.
انتبهت فجأة لمن يقف خلفها ويضع معطفه على أكتافها، ولم يكن سواه.
التفتت إليه فوجدته يتطلع إليها بعينيه الرماديتين، والتي لم ترى في جاذبيتها من قبل.
ربما لأنها كانت تبتعد عن الجنس الآخر عامة مخافة من أبيها، لكن ذلك استطاع أن يلفت انتباهها بكل سهولة ويسر.
ابتسمت له بامتنان:
_ميرسي._
أومأ لها بابتسامته الساحرة مما جعلها تهرب مسرعة وصوته الأجش يقول:
_كنت عارف إني هلاقيكي هنا، كنت هتعب أوي لو ملقتكيش._
قطبت جبينها بدهشة وسألته:
_ليه؟_
أسند مرفقيه على السياج ناظرًا إلى الغيوم بالأعلى وقال بثبوت:
_كنت هدور في كشف المسافرين عن واحدة اسمها أسيل وأعرف رقم أوضتها عشان تعيش معايا الجو ده._
بدأت السفينة تتراقص مع الأمواج وعينيها هي تتهرب منهم.
مما أعطى له فرصة للتأمل في ملامحها.
تلك الحورية التي خرجت له من المياه لتنثر سحرها على ذلك القلب الصلب، والذي أحاط إياه بسياج من حديد كي لا تستطيع امرأة خرقه.
تلك الصلابة لانت عند نظرة واحدة منها.
لم يصل لمرحلة العشق، لكن ما يعرفه بأنه وضع قدمه على أولى درجاته.
ساد الصمت بينهم وكأن لا أحد منهم يريد اختراقه، أو ربما ينتظر كل منهما أن يبدأ الآخر.
وكان هو من اخترق صمتهم قائلًا:
_تحبي نطلع فوق؟_
شعرت بالقلق لأول مرة عندما جاءت موجة عالية حركت السفينة، فقالت بقلق:
_مفيش خطر؟_
_هو لو فيه خطر هطلبه منك ليه، وبعدين عيبه في حقي أوي، أنا بقالي سنين طويلة في البحر وعارف كل حركاته._
ضحكت أسيل مما جعله يشرد بضحكتها.
كل شيء بها يلفت انتباهه ويجعل ضربات قلبه تنبض بالسعادة.
أشار لها بالتقدم وظل يراقبها خوفًا عليها من السقوط حتى صعدوا إلى أعلى السفينة.
الرياح أشد بالأعلى مما جعلها تتشبث بالسياج، ولم تفلح تلك العصبة بإحكام خصلاتها.
وظل يتهرب خصلة تلو الأخرى حتى سقطت وهو يشاهد في صمت مطبق.
كانت تنظر للأفق منبهرة بالأجواء حولها، وهو منبهر من تلك الفتاة التي جذبته بعفويتها وعدم تصنعها.
ماذا سيفعل عندما تنتهي رحلتهم ويعود كل منهم لحياته.
هو لعمله الذي يجبره على التغيب أيام طويلة.
وإذا عاد يعود إلى الإسكندرية.
هو لا يتحمل الآن عودتها إلى الغرفة، فكيف يتحمل فراقها.
هذا ما كان يخشاه، وهذا ما جعله يحصن قلبه جيداً.
عاد لواقعه وهو مازال يدخن سيجارة تلو الأخرى، وكأنه يريد حرق ذكرياته كما يحرق سيجارته.
لكن هيهات، فقد حفرت بداخله ولن يستطيع التخلص منها سوى بالثأر.
سينتقم منها أشد انتقام وسيجعلها تسقط تحت أقدامه تطلب منه الرحمة، لكن حينها لن يكون لديه قلب يغفر به.
أطفأ السيجارة في المطفأة بغضب جحيمي ثم أمسكها وقذف بها، فتنصدم بالجدار وتتناثر أجزاؤها في كل مكان.
لكن لم تخمد حركته تلك لهيبه، بل تشتعل أكثر وأكثر.
لما كل هذا العذاب الذي يعيشه؟
وإلى متى؟
طرق الباب ودلف منها محسن وهو يسأله بقلق:
_في حاجة يا ابني؟_
حاول ضبط أعصابه وتمتم بثبات:
_مفيش حاجة ياعم محسن، الطفاية بس اتكسرت مني._
تطلع محسن إلى موضعه على الفراش وإلى الزجاج الذي لف الغرفة بأكملها، فعلم أنه فعل ذلك من شدة غضبه.
_طيب خليك متتحركش لحد ما ابعت للبنات تيجي تنضف المكان من الإزاز ده._
خرج محسن ورفع داغر الغطاء ثم ارتدي خفه وتحسس طريقه حتى وصل للمرحاض.
وقف أمام الحوض وتطلع بظلامه للمرآة، والتي كلما واجهها تقتحم تلك الفتاة مخيلته.
لا يستطيع التخلص منها.
وكأنها توغلت داخل أوردته فأصبحت جزء لا يتجزأ به.
ماذا يفعل حتى يستطيع التخلص منها؟
وإذا أراد الانتقام كيف ذلك وهو لا يعرف عنها شيء؟
استخدم معارفه وكل شيء حتى يستطيع الوصول إليها، لكن لا أثر لها.
مال ليضع رأسه أسفل المياه الباردة، ربما بذلك يهدئ من ثورانه، لكن لا فائدة.
مازال ذلك الخائن ينبض له.
مازال عاشقاً لمن تخلت عنه ولاذت بالهرب فور أن علمت بإعاقته.
النيران تشتعل بداخله والمياه الباردة لا تجدي نفعاً.
مر وقت طويل وهو يضع رأسه أسفل المياه حتى رفعه بعد وقت طويل، ناظرًا للمرآة.
هل مازال يراها؟
رفع يده يتحسس موضع المرآة ويقوم بمسحها بيده، ربما تكون طريقة منه لمحوها.
لكن جاءته الإجابة بأسرع وقت.
بأن لا فائدة ترجى وليس له سوى الصبر.
كانت المياه تتساقط من خصلاته على صدره العاري ولم يشعر ببرودتها.
ما دامت تلك الفتاة بداخله، فستظل دماءه تغلي كبركان ثائر.
❈-❈-❈
وضعت حور الكوب على المنضدة بجوارها بتعب، فسألتها إحداهن:
_ها بقيتي أحسن دلوقتي؟_
أومأت لها وقد بدأت تسترد وعيها وسألتها بوهن:
_إيه اللي حصل؟_
نهضت زميلتها كي تنزع المحلول من يدها بعد انتهاءه وقالت:
_كالعادة حالة الإغماء اللي بتتعرضي ليها، بس المرة دي طولت أوي._
_هي الساعة كام دلوقتي؟_
خلعت الجهاز من يدها وهي تجيبها:
_إحنا بقينا الصبح ميعاد انصرافك._
نهضت من السرير لتستعد للذهاب، لكن سهى منعتها قائلة:
_انتي رايحة فين بحالتك دي، اصبري شوية لحد ما تفوقي._
نهضت حور بإصرار قائلة:
_لأ، أنا لازم أروح._
دنت منها لتساعدها على السير:
_طيب خليني أساعدك._
عادت حور إلى المنزل وتوجهت إلى غرفتها كي لا يلاحظ أحد حالتها.
أخذت حماماً دافئاً ثم اندست تحت الفراش لتسمح لدموعها بالعنان.
مازال الخوف يفعم قلبها.
وكلما حاولت نسيان الماضي يأتي إليها بأشده.
ماذا ستفعل لو علموا بوجودها؟
لن يرحمها أبيها مهما ترجته، وربما أيضاً يؤذي طفلها إن علم بوجوده.
بعد مرور وقت طرق الباب ودلفت أمينة التي تفاجئت بمجيئها:
_حور انتي رجعتي امتى؟ أنا قلقت عليكي وقلت إيه اللي آخرك._
مسحت دموعها مسرعة واعتدلت في فراشها قائلة:
_أصلي جيت بدري النهاردة وطلعت أوضتي على طول، قلت بلاش أقلقكم._
أومأت لها بتفاهم:
_طيب لسة مصرة تفضلي لوحدك؟ حازم تحت وعايزك تقضي اليوم معاهم._
_معلش سيبوني على راحتي._
تنهدت أمينة بيأس منها:
_خلاص براحتك بس أنا هاخد إياد معايا ومتخافيش محدش هياخد باله منه._
تركتها أمينة وخرجت من الغرفة فوجدت حازم واقفاً على أحر من الجمر.
تنهدت بيأس من ابنها الذي مازال ينتظر أملاً زائفاً ويترك زوجته التي تفعل كل ما بوسعها لإسعاده.
دنت منه وهي تقول بروية:
_يلا نمشي إحنا عشان هي جاية تعبانة ومش هتقدر تيجي معانا._
سألها بلهفة:
_ليه مالها؟_
_مفيش هي بس عايزة تنام لأنها منمتش امبارح كويس._
أومأ لها وحمل إياد وخرج مع والدته وذهب بهم لمنزله.
كانت هايدي سعيدة بوجوده معهم بمعزة صافية واهتمت به طوال مكوثه معهم.
دلف حازم المطبخ مقبلاً وجنتها وقال:
_تحبي أساعدك؟_
ابتسمت هايدي وقالت:
_اه ياحبيبي حط الأطباق على السفرة وخلاص._
قام بمساعدتها وهو ما يفعله دائماً في يوم إجازته، يساعدها في كل شيء، فهي تعمل طبيبة مثله ولا تسمح بأن يأتي أحد لمساعدتها، لذا هو يساعدها كما تساعده هي في كل شيء.
تعلم جيداً بأنه يفعل ذلك لشعوره بالخيانة تجاهها، وكأنه بتلك الطريقة يكفر عن ذنبه بحقها، ولا يعرف أنها لا تريد سوى قلبه.
كانت أمينة تنظر إليهم برضا وتمنت أن ينزع الله حب حور من قلبه لأجل زوجته التي لا تفعل شيئاً سوى إسعاده.
قد تكون مبالغة في اهتمامها به، حتى عندما تسمح له بمساعدتها تسمح له فقط بالأشياء البسيطة، وهذا يعد خطأ كبيراً من وجهة نظرها.
عليه أن تشعره بالفقد كي يشعر باحتياجه لها، لكنه الآن ينعم بذلك الاهتمام ولا يشعر بالنقص.
جلسوا جميعاً على طاولة الطعام والتوأم يتسابقون على إطعام إياد، والذي كان بدوره سعيد بوجوده معهم.
تطلعت هايدي إلى إياد بحب وقالت:
_كل ما أشوف إياد أحن للأطفال._
تطلعت لحازم الذي يتناول طعامه دون انتباه لها وسألته:
_ايه رأيك ياحازم لو نجيب بيبي تاني؟_
انتبه حازم لكلمتها الأخيرة فتطلع إليها بامتعاض قائلاً:
_أنا قلت إن العذاب اللي شوفتيه مع عمر وعلي هيخليكي تنسي الموضوع ده خالص._
_لأ طبعاً انت عارف أنا بحب الأطفال قد إيه وبعدين ده تخصصي._
ترك الملعقة من يده ورد بعدم اهتمام وهو ينهض من مقعده:
_خليها لما الولاد يدخلوا المدرسة._
تركها دالفاً المرحاض فتطلعت في أثره بنظرة يملؤها العتاب.
ربتت أمينة على يدها وقالت بحنان:
_هو أكيد خايف عليكي، عارف إنك مضغوطة في البيت والمستشفى._
أخفت هايدي تلك الغصة بداخلها وقالت بابتسامة زائفة:
_أكيد._
نهضت لتحمل الأطباق وتضعها في المطبخ.
أما أمينة فدلت غرفة المكتب خلف ابنها وقالت باحتدام:
_وبعدين معاك ياحازم، انت هتفضل كاسر بخاطرها لحد امتى._
عقد حاجبيه باندهاش وهو يجلس خلف مكتبه:
_أنا يا أمي؟ ليه؟ هعمل إيه أكتر من اللي بعمله؟_
جلست أمينة على المقعد قبالته وقالت بحيادية:
_أنا عارفة إنك مقصرتش معاها في حاجة، بس أحيانًا ردك عليها بيجرحها. هي نفسها تخلف تاني ليه بقا بترفض بقلة الذوق دي؟_
تنهد بتعب وعاد بظهره للوراء:
_مينفعش دلوقتي على الأقل، وقلت الكلام ده أكتر من مرة._
_ليه؟_
تهرب حازم برتابة:
_ياستي أنا مش عايز حاجة تشغلها عن علي وعمر، هما برضه لسه مكملوش خمس سنين._
_بس هي نفسها في…_
قاطعه حازم بحزم:
_ماما خلاص خلينا نقفل على الموضوع ده._
كانت تود أن تواجهه بحقيقة رفضه، لكنها فضلت الصمت تحسباً لوجود زوجته.
❈-❈-❈
استيقظت حور إثر تلك اللمسات الناعمة التي تداعب وجهها.
فتحت عينيها بتثاقل، فيقع بصرها عليه وتقابل عينيها الصافية بعينيه التي تنثر سحرها على كل من يراها.
ذلك الحبيب الذي استوطن قلبها دون أي مجابهة كي تحرر قلبها من استيطانه.
لاح العتاب بعينيها وكأنه أبلغ من الكلام.
عاتبت عشقه الذي خدعها به.
وقلبه الذي أضعف قلبها بهوى الروح.
وعيونه… آااااه من تلك العيون التي تأسر بسحرها الأبصار، فتجعلها خاضعة لها كي لا ترى غيرها.
وقد كان له ما أراد وجعلها رغم قسوته، إلا إن قلبها مازال ينبض له كلما تذكرت أوقاتهم معاً.
مازالت تعشقه ومازال الحب مستوطن أوردتها يسير بدمائها.
رفعت يدها تتحسس تلك العينين، لكن انتهى كل شيء فور عودتها لواقعها المرير.
فتجد نفسها وحيدة منبوذة ملقبة بالخاطئة من أهله.
نهضت تهرب من ذكرياتها والتي زادت تلك الأيام ولا تعرف لما.
فضلت العمل بالليل كي تعود في الصباح منهكة وتلوذ بالفرار للنوم، لكن لم يفلح شيء معها.
رن هاتفها ولم يكن سوى مدير المستشفى التي تعمل به.
لابد أنه غاضب منها لتركها المشفى دون أن تخبره.
ردت عليه فتجده يبدأ هو:
_أيوة ياحور انتي فين؟ بعتلك تاني قالوا إنك تعبتي وروحتي البيت._
اعتدلت حور في الفراش وتمتمت:
_أنا تعبت شوية ومقدرتش آجي لما لقيت بابا في المستشفى، هو كان في حاجة؟_
رد عاصم بعدم اكتراث:
_مفيش، هو كان عازم نفسه عندي على العشاء وشكل مراته كان عندها برد في معدتها فحبت تدلع شوية، لكن متقلقيش أنا كنت مأمن كل حاجة وعشان كده طلبت من الممرضة إنها تبعتك المكتب اللي فوق، المهم أول ما توصلي تجيني المكتب عشان عايزك ضروري._
أغلقت الهاتف ووضعته على المنضدة.
ثم خرجت من الغرفة فتجد المكان معتماً.
يبدو أنهم لم يعودوا بعد.
أضاءت الأنوار ودلفت المطبخ كي تحضر طعامها، لكنها لم تشعر بالجوع، لذا قررت الذهاب للمشفى.
قامت بتبديل ملابسها وذهبت إليها متجهة إلى مكتب المدير كما طلب منها.
سمح لها بالولوج بعد أن طرقت الباب ودخلت ليشير لها بالجلوس على المقعد:
_تعالي ياحور أقعدي._
جلست قبالته وهي تسأله:
_خير يا دكتور._
_شوفي ياستي واحد صاحبي ابنه عمل حادث وللأسف أصبح كفيف وهو بيضطر يسافر القاهرة كتير عشان شغله ومحتاج ممرضة تكون جانبه._
رمشت بعينيها مرات متتالية وتمتمت:
_بس انت عارف إني مقدرش أسيب ابني وخصوصاً….._
قاطعها بإصرار:
_ابنك انتي سيباه مع دادة أمينة يعني مفيش قلق عليه، وبعدين ده صديق عمري ومش عايز أبعتله أي واحدة وخلاص، وإنتي برضه عارفة معزتك عندي قد إيه وعشان كده اخترتك انتي ومتخافيش المكان بعيد ومحدش فيه هيعرفك._
لم تجد حل آخر بعد أن رأت والدها في المشفى، لذلك وافقت مجبرة كي تبتعد عن المنطقة قليلاً.
تابع عاصم حديثه:
_هو اسمه خليل الحسيني وعايش هنا في إسكندرية في……. لمدة شهرين وهيرجع تاني أمريكا عشان يعمل العملية الأخيرة._
رددت حور الاسم لتمر لحظات قبل أن تستوعب الموقف و…..