تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
الفصل 36 — رواية جبل النار الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رانيا الخولي
رمشت أسيل بخجل عندما أنزلها داغر على الأرضية المفروشة بالورود.
مما جعل نظراتها تهتز عندما وجدته يتطلع إليها بعشق ورغبة.
وصوته الحاني يتمتم:
_ مش مصدق إنك أخيراً بقيتي في حضني وملكي.
تاهت عينيها في بحور عينيه.
وقد حاولت بقدر المستطاع طرد تلك المخيلات التي تقتحم رأسها وتجبرها على الابتعاد.
لا تريدها أن تعكر صفو تلك اللحظة.
أحاط خصرها بذراعيه برقة كأنه يخشى عليها من حدة يديه وقربها منه أكثر.
متابعاً بوله:
_ عشت سنين بستنى اللحظة دي ولما جات.
طافت عينيه على ملامحها وتابع بهمس وعينيه تتلكأ على شفتيها:
_ خايف أموت على إيديكي من الفرحة.
وضعت يدها على فمه وهي تقول بلهفة:
_ أوعى تقول كده تاني، أنا أموت لو جرالك حاجة.
أمسك يدها التي تضعها على فمه وقبلها بحب جارف مغمضاً عينيه متأثراً بمشاعره.
عندما تابعت:
_ أنت عمري اللي بقيت عايشة ومن غيرك أموت.
فتح عينيه كي يتوه أكثر في بحور عينيها وتمتم بشغف:
_ انتِ حبيبتي يا أسيل من يوم ما شوفتك واقفة بجانب سور السفينة وانتِ ملكتي كل كياني.
حاوط وجهها بكفيه وعينيه تنظر لثغرها هامساً أمامه حتى داعبت أنفاسه أنفاسها:
_ ومن وقتها وأنا بحلم باللحظة اللي تكوني فيها مراتي، كنت بتعذب أوي كل ما أفاتحك في جوازنا وتأجلي.
طبع داغر قبلة صغيرة على جانبه وتابع:
_ كنت بلاقي صعوبة رهيبة وأنا بتحكم في مشاعري كل ما نبقى لوحدنا، لأنك كنت روحي اللي لازم أحافظ عليها، لأن مفيش حد بيأذي روحه يا روحي.
ترقرق الدموع بعينيها متأثرة بكلماته.
لكنه منعها:
_ هشش مش عايز أي دموع الليلة دي، مش عايزين أي حاجة تبوظ فرحتنا.
ملس إبهامه على شفتها التي ترتجف وتمتم بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من مشاعر عشق ألهمت قلوبهم:
_ لو خفتي من الدنيا كلها أوعى تخافي مني لأنك أغلى حاجة في حياتي.
مال عليها ليطبع قبلات خاطفة على جانب ثغرها قبل أن يحتويه بعشق جعل ضربات قلبه تهدر بقوة.
رفعت أسيل ذراعيها تضعها على صدره تتشبث بقميصه وتغمض عينيها بقوة.
عندما عادت تلك الذكريات بأشدها إليها مما جعل جسدها يرتجف.
حاولت بصعوبة السيطرة عليها لكن لم تنجح بذلك.
كانت تترقب كل حركة له وكأن تلك اللحظات السعيدة التي تعيشها معه الآن ستنقلب على عقبيها وتجد ذلك الوجه الآخر يدمر كل شيء.
وكأنه شعر بما تعانيه إذ أبعد وجهه عنها يتطلع إلى عينيها بلوعة وتمتم بعتاب ألهب قلبها:
_ لسه خايفة مني؟
رفعت عينيها إليه فوجدته يرمقها بعينين يغشاها العشق والخوف في آن واحد.
خفضت عينيها لا تعرف بماذا تجيب.
هي تريده كما يريدها لكن الخوف حقاً يفعم قلبها.
لكن استطاع بكلمات مقتضبة أن يهدئها قليلاً وهو يقول بصدق لامس قلبها:
_ أنا بعشقك.
استطاعت كلماته أن تهدئ من روعها وعاد يأسر شفتيها بقبلة متمهلة متأنية حتى استسلمت له.
كان صبوراً إلى أقصى حد عليها ولا يلومها على ذلك.
فقد تذكر كل شيء وكيف أنه أخذها بعنف لن يستطيع أحد تحمله.
والمرة الأخرى كانت مشاعره متضاربة ما بين أن حبيبته بين يديه وبين استيائه من غدرها به وقد فقد السيطرة على نفسه حينها.
مرات عديدة لذا لا يلومها على رفضها الذي يظهر مع كل خطوة تخطوها نحو علاقتهم.
فأخذ يمطرها بوابل من الكلمات المعسولة والمطمئنة لها.
حتى بالأخير استسلمت له.
في غرفتهما.
ظل كلاهما يعدا قطرات المطر التي تتقاذف على زجاج النافذة بسعادة عارمة وهو يحتويها بذراعيه داخل أحضانه على الفراش.
ضحكت أسيل عندما زادت القطرات مما جعلها تكسب الرهان.
تطلعت إليه بسعادة وهي تجذب الغطاء على وجهها:
_ كده بقى أنام براحتي.
جذب الغطاء عن وجهها وقال بجدية مصطنعة:
_ أنتِ هتخمنيني من أولها، أنا قولتلك لو زادت هسيبك تنامي بس دي وقفت خالص.
زمت فمها بغيظ منه:
_ أنا اللي بخمن ولا أنت، وبعدين هي أه وقفت بس زادت قبل ما تقف.
تطلع إليها بغيظ منها:
_ تصدقي بالله أنا غلطان إني وافقتك من الأول على الرهان لأنك عيلة.
ضحك داغر عندما وجدها تزم فمها وتقذفه بالوسائد حتى أنه لم يستطيع أن يمنعها:
_ أنا اللي عيلة ولا أنت يا قليل الأدب.
تظاهر داغر بالجدية وأخذ منها الوسادة ليلقيها بعيداً:
_ قليل الأدب، أنتِ بتقولي لمين كده؟
قالها داغر مدعي الصدمة فقالت بتأكيد وقد توقفت عن ضربه:
_ ليك أنت.
رفع حاجبيه متسائلاً:
_ أنتِ قد الكلمة دي؟
هزت رأسها بتأكيد:
_ آه قدها، هتعمل إيه؟
وجده يتطلع إليها بخبث فهمته وخاصة عندما رد بمكر:
_ لو على العمايل فأنا هعمل كتير.
وقبل أن تلوذ بالفرار من جواره أسرع بجذبها إلى حضنه ليأسر شفتيها بقبلة أطاحت بتعقل كلاهما.
حاولت الفرار منه لكنه أحكم قبضته حولها ثم أخذها لعالمهم الخاص.
صعد داغر على متن اليخت كي يقوم بتحريكه متجهاً إلى وجهتهم.
فقد نامت أسيل غصباً عنه ولم يريد أن يضغط عليها أكثر من ذلك.
شعر بحنين جارف إلى طفله وكم أراد أن يعود ليأخذه معهم.
لكن اليخت أو الجزيرة ليس مكان آمن له.
سيصطحبه معهم فور عودتهم إلى منزل عمه بالقاهرة وسيظل هناك حتى موعد عودته للعمل.
يعلم جيداً بأن عودتهم لذلك المنزل سيكون صعباً على حبيبته وصعباً عليه أيضاً بعد أن عرف ما حدث.
لكن عليه ذلك كي تواجه مخاوفها.
فمازالت حتى بعد معرفتها الحقيقة تترقب كل خطوة منه وهي بين ذراعيه.
لولا كلمات الغزل التي لم يكف عنها كي يجعلها تهدأ وتنتهي تلك الرجفة التي تنتابها.
ابتسم بحب عندما شعر بيديها تحتضن خصره وتضع رأسها على ظهره وتمتمت بخفوت:
_ وحشتني.
ترك تارة القيادة واستدار ليتطلع إليها وتشرق شمسه بابتسامتها التي أضاءت روحه.
أبعد خصلاتها عن وجهها وتمتم بعشق:
_ مش قولتي هنام؟
هزت كتفيها بدلال:
_ مجاليش نوم وأنت بعيد عن حضني قلت آجي أنام جنبك على الكنبة زي ما كنت بتعمل زمان.
ابتسم داغر للذكرى:
_ يااا يا سيلا على الأيام دي، كنت بحلم امتى تكوني مراتي.
كنت كل ما نجتمع مع بعض لوحدنا كنت بلاقي صعوبة كبيرة عشان أتحكم في مشاعري ناحيتك لو كنت حسيتي بيا وقتها كنت هترحميني.
ضحك داغر عندما ضربته على كتفه وتمتمت بحنق:
_ قليل الأدب..
رفع حاجبيه بمكر:
_ تااااني؟
جذبته أسيل من أذنه وهي توبخه كطفل صغير:
_ اعمل فيك إيه دماغك ديما شمال.
تظاهر داغر بالألم وقال:
_ غصب عني دي حاجة مش بإيديا تقدري تقولي كده مرض بعيد عنك.
تركته لتتوجه ناحية الأريكة لتستلقي عليها:
_ ربنا يشفيك.
تطلع إليها بمكر:
_ هو أنتِ فكرك إني هعرف أشوف قدامي وأنتِ جانبي كده؟ يا تيجي تقفي جانبي يا تنزلي تنامي تحت.
استدارت أسيل كي توليه ظهرها وهي تشعر برغبة شديدة في النوم فتثاءبت قائلة:
_ خلاص مش هخليك تشوفني.
وفي لمح البصر انتظمت أنفاسها وغرقت في سبات عميق.
ابتسم برضا ثم ترجل للأسفل ليأخذ لها الغطاء ويضعه عليها.
مال ليطبع قبلة حانية على وجنتها وكم أراد في تلك اللحظة أن ينام بجوارها لكن عليه أن يؤجل كل ذلك حتى يصل للجزيرة أولاً.
أصبحت العلاقة بين خليل وسيلين مشاركة في كل شيء.
متعلل كلاهما بعدم استطاعتهم العودة إلى منازلهم للغداء.
فيتناولوا طعامهم معاً في كافتيريا المصنع.
وأثناء تناولهم الطعام سألته سيلين كأنها تفتح مجال للحديث:
_ داغر ومراته أخبارهم إيه رجعوا ولا لسة.
رد خليل بقلة حيلة:
_ رجع يا ستي وأخد مراته وراحوا يقضوا شهر العسل مفكرش حتى ييجي يسلم عليا، يظهر إن كل ده كنت بربي لغيري.
ضحكت سيلين وقالت:
_ هي دي سنة الحياة مهما كان معاك أولاد بييجي علينا الوقت اللي كل واحد ينشغل بحياته ويديها كل أولوياته.
أومأ لها:
_ يعني اللي خلف في الآخر زي اللي مخلفش.
شعرت سيلين بالإحراج وتمتمت معتذرة:
_ أنا مكنتش أقصد….
قاطعها خليل بصدق:
_ صدقيني الموضوع ده عمره ما شغلني من وقت ما مراتي الله يرحمها قالت إن العيب منها وإنها مش هتقدر تخلف وأنا شيلت الموضوع من دماغي وبصراحة داغر في وقتها كان معوضني عن الحرمان ده عشان كده إحنا كمان عوضناه عن حرمانه بأمه وأبوه، عشنا مع بعض أسرة مترابطة، وخصوصاً أنه رفض يسافر مع والده وأصر إنه يفضل معانا.
لما مراتي ماتت وعرفت إن العيب كان مني أنا مفرقش معايا ولا حسيت بالذنب لأني محسستهاش لحظة واحدة إني ظلمتها حتى لو بنظرة.
تطلعت إليه بتقدير وقالت باطراء:
_ بجد أنت شخصية جديرة بالاحترام أوي يا خليل بيه ونادر وجودك دلوقتي.
رفع حاجبيه متسائلاً:
_ مش شايفة إنك مبالغة حبتين؟
هزت رأسها بنفي وتحدثت بثقة:
_ دي حقيقة أنا شايفاها وواثقة منها.
أراد خليل أن ينهي الحديث لأنه حقاً لا يحب ذلك الإطراء وقال بثبوت:
_ مش هجادلك لإني مش بحب الجدال.
على العموم الرسول عليه الصلاة والسلام قال (الخير هيفضل في أمتي ليوم الدين).
أيدت حديثه:
_ عليه الصلاة والسلام، فعلاً الدنيا لسه بخير طالما فيها زيك.
أومأ لها وقام بتغيير الحديث:
_ الولاد أخبارهم إيه؟
_ كويسين الحمد لله ديدا مصرة إنها تدخل شرطة ومعتز رافض بيقولها انتِ بنت وده مجال للشباب مش ليكي انتِ، وبصراحة محتارة.
مش عايزة أكسر كلمة معتز عشان مهزقش ثقته في نفسه ويحس إن كلمته مش مسموعة وخصوصاً في سنه ده وبرضه مش عايزاه يكون متحكم أوي في حياتها.
تحدث خليل بحكمة:
_ الأفضل إنك تقنعي معتز برأي أخته وتتركي الرأي الأخير له بمعنى إن دي رغبتها ومش عايزين ومينفعش نكسر رغبتها بس لو انت مصر تمام، وقتها مش هيقدر يرفض لأنك كبرتيه قدام نفسه وقدام أخته فمش محتاج يثبت كيانه طالما أنتم شايفينه كده.
أيدت رأيه بنظرة منها وقد أثبت ذلك الرجل بأنها أحسنت تلك المرة الاختيار.
أوقف داغر اليخت أمام الممر بعد رحلة استمرت ساعة.
تطلع إلى تلك النائمة بعشق جارف يتأمل ملامحها التي لا تكتفي عيناه من النظر إليها.
تقدم منها ليجثو على ركبتيه بجوارها وملس أنامله على وجنتها فتشعر به تلك النائمة ترمش بعينيها قبل أن تفتحها على تلك العيون التي سقطت صريعة لها فور رؤيتها:
_ صباح الورد.
ابتسمت بخجل من نظراته وتمتمت بشجن:
_ أجمل صباح صحيت عليه.
اتسعت ابتسامته للسعادة الواضحة عليها وقال بحب:
_ وأنتِ أجمل حاجة شفتها عيني، بحبك يا أسيل.
أغمضت عينيها تحاول الثبات أمام تلك المشاعر التي اقتحمتها بنظراته وكلماته المعسولة.
امسكت كفه الذي يملس به على خدها وقامت بتقبيله بحب وهي تتمتم بخفوت:
_ خايفة يكون كل ده حلم، بس لو حلم مش عايزة أفوق منه.
هز رأسه بنفي وتمتم بوله:
_ لا حقيقة بس هنخليها حقيقة زي الحلم هنعيش مع بعض أجمل لحظات وهعوضك عن كل ثانية عيشتيها بعيد عني.
مال على ثغرها يطبع قبلة حانية بجانب شفتيها قبل أن يأخذها إلى تلك الفقاعة الوردية التي لا يدخلها سواهم.
سار داغر على الممر وهو يحتضن أسيل وكأنه يخشى أن تهرب بعيداً عنه ولو حتى خطوة واحدة.
صرخت عندما با بغتها داغر بحمله لها وهو ينزل من الممر على الأرض الخضراء.
أخفت وجهها في عنقه وتمتمت بسعادة:
_ أنت مجنون.
ضحك داغر بسعادة أكبر وتمتم بتوعد:
_ هو انتِ لسه شفتي جنان اصبري بس عليا.
حاوطت عنقه بذراعيها وتمتم بحبور:
_ بحبك يا داغر.
_ وأنا بموت فيكي يا قلب داغر.
صعد درجتين حتى وصل لباب المنزل الصغير الذي استأجره لها ليقضوا به رحلتهم.
أنزلها أمام الباب وقال بثبوت:
_ ثواني.
أخذ الشريط الوردي الموضوع على الباب الزجاجي ثم وضعه على عينيها فسألته:
_ حبيبي بتعمل إيه؟
ربط الشريط بحنو وهمس بجوار أذنها:
_ مفاجأة يا عيون حبيبك.
فتح الباب وقادها للداخل ثم أغلق الباب بقدمه وقال هامساً وهو محتضنها من الخلف:
_ تحبي تفتحي عينيكي هنا ولا في الأوضة؟
هزت كتفيها بدلال:
_ وإيه الفرق؟
قربها لصدره أكثر:
_ لااا الفرق كبير أوي تحبي تجربي.
هزت رأسها بنفي:
_ لأ متشكرة خلينا هنا.
طبع قبلة خاطفة على وجنتها قبل أن يرفع الشريط عن عينيها فتتفاجئ أمامها بمنزل صغير بجدران زجاجية وستائر بيضاء سائدة كحال كل شيء به.
تطلعت إليه بانبهار وعينيها تستكشف المكان بذهول.
كل شيء به باللون الأبيض حتى جدران الغرفة الوحيدة به.
وكذلك المدفأة الجانبية.
كما كانت أزهار التوليب البيضاء تحيط المنزل من كل جانب حتى زهور الأقحوان تتراقص مع النسمات الهادئة برائحة اليود.
استدارت لتنظر لداغر وتمتمت بعدم استيعاب:
_ أنا مش مصدقة نفسي معقول الجمال ده؟
ابتسم بسرور عندما لاحظ انبهارها وتمتم بعشق:
_ وأكتر كمان أنا هعيش بس عشان أسعدك يا عمري.
استدارت له لتنظر داخل عينيه التي تسحرها وتمتمت بعيون دامعة:
_ داغر أنا…..
لم تجد الكلمات التي تصف بها امتنانها لكل ما يفعله لأجلها.
رفع داغر أنامله ليتلاعب بخصلاتها وتمتم بوله:
_ متقوليش حاجة، أنا شايف وقاري في عينيكي كل حاجة، بس لو استمريتي على كده هتهنجي مني لسه قدامك مفاجأت كتير.
لفت ذراعيها على عنقه تحتضنه بشدة ولم تستطيع حينها منع دموعها من النزول وهي تشدد من احتضانه.
شعر داغر بدموعها على عنقه مما جعله يبعدها عنه بقلق فوجد عينيها تنهمر منها الدموع بغزارة فأحتوى وجهها بكفيه يسألها بلهفة:
_ مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟
أغمضت عينيها كي تتخلص من الدموع المتعلقة بأهدابها وتمتمت بخفوت:
_ بعيط على السنين اللي ضاعت وأنت بعيد عني.
مسح دموعها بابهامه وتمتم بحنو:
_ قولتلك هعوضك يا عمري لدرجة إني هنسيكي كل لحظة عذاب عيشتيها بعيد عني.
هزت رأسها بألم:
_ خايفة الدنيا تستكتر عليا الفرحة دي.
ابتسم لها وهو يقول بثقة:
_ طول ما أنا جنبك اطمني ومتخافيش من حاجة.
عادت لحضنه ليكتنفها شعور الأمان من جديد.
كانت تستمع لنبضاته كأنه لحن موسيقي أطرب أذنها.
طبع قبلة متملكة على رأسها ثم تمتم بوله:
_ هنفضل كده كتير؟
أومأت له دون أن ترفع رأسها إليه:
_ مش عايزة أسيب حضنك.
فقال هو بمكر:
_ ولا أنا كمان مش عايز أسيبه، بس عايزه بطريقة مختلفة.
رفعت وجهها وزمت فمها بغيظ:
_ أنت منحرف.
هز رأسه بنفي:
_ بصراحة دي المرة الوحيدة اللي غرضي شريف تعبت بس من الوقفة وعايز نقعد على الكنبة.
رمقته بشك فهز رأسه بثقة أن تصدقه فقالت:
_ ماشي هصدقك.
أمسك يدها وجلس بها على الأريكة الوثيرة ثم سألها:
_ تشربي إيه؟ ميكس ولا بلاك؟
نهضت أسيل:
_ خليك أنت أنا هعمله.
نهض معها وهو يقول بخبث:
_ خليني أساعدك أصل المكان غريب عليكِ ومش هتعرفيه.
رفعت حاجبيها تتصنع الدهشة:
_ لا والله.
أومأ بتأكيد:
_ آه طبعاً تعالي.
جذبها من يدها وتقدم من المطبخ الذي صمم بإتقان في أحد الأركان ثم قال بجدية مصطنعة:
_ عيبه الوحيد أنه ضيق مينفعش اتنين يقفوا فيه إلا إذا كانوا حاضنين بعض.
ضحكت أسيل وسألته:
_ إزاي بقى؟
_ كده.
احتضنها من الخلف ووقف بها أمام الغلاية الكهربائية ليأخذها ويضعها أسفل المياه يتحرك بها وهو يحتضنها بقوة وكأنه يخشى أن يتركها لحظة واحدة.
فتحت أسيل نافذة المطبخ التي تطل على حديقة مليئة بالزهور فتداعب نسائم الربيع خصلاتها التي داعبت وجه داغر وهو مازال محتضنها فيغمض عينيه مستمتعاً بعبيرها.
الذي يسحره بعطره الآخذ، فقد أصبحت كالخمر كلما ارتوى منه كلما ازداد شعوره بالظمأ.
استدارت بين يديه ليفتح عينيه على تلك العيون الذي أيقن الآن أن عاجلاً أم آجلاً ستكون سبباً في هلاكه.
كانت تحدثه وهو غير منتبه لحديثها بل كان في عالم آخر وعينيه تجوب ملامحها بشغف ووله.
هي العالم وما به من ملذات.
تجمع فقط بداخلها فلم يعد يرغب شيئاً بعد الآن غيرها.
توقفت عيناه على شفتيها التي تحركها بالحديث الذي لا يسمع منه شيء.
صب كل حواسه على تلك الحورية المتمثلة أمامه ومن خلفها بحره الهادئ يرسل إليه نسماته برائحة اليود ماراً بطريقه إلى نسمات الياسمين مقتحمين وحدتهم.
أخذ نفس عميق من تلك النسائم التي اختلطت برائحة اللافندر التي تنبثق منه.
انتهت عند تلك النقطة قوة تحمله ولم يعد يطيق صبراً فمال يحملها بين يديه ودلف بها تلك الغرفة التي تزينت بإتقان للعروس.
نهض الطبيب من مقعده بعد معاينته لهايدي.
وحازم يمسك يدها بدعم حقيقي.
ساعدها على النهوض ثم أشار لهم الطبيب بالجلوس وقال:
_ تفضلوا بالجلوس.
جلسوا منتظرين حديثه بترقب حتى قال:
_ دعوني أكون صريحاً معكم، الحالة صعبة لكن علاجها ليس مستحيلاً قد يستغرق بعض الوقت لكن بالنهاية سيكون باستطاعتك الإنجاب.
تطلعت لحازم بسعادة وقد بادلها هو بابتسامة متحفظة كي لا يشعرها بأن الأمر يفرق معه.
وفي حقيقة الأمر هو يود أن يكون له عائلة كبيرة يعوض بها حرمانه لكن لن يظهر بذلك كي لا تشعر بالحزن.
تابع الطبيب:
_ ستتابعين معي خلال فترة وجودي بمصر وبعد سفري راسليني بالفحوصات.
أومأت هايدي وخرجا معاً من المشفى وقد شعرت بالأمل بعد أن فقدته.
قالت بغيظ:
_ لو كنت عرفتني من الأول كان زمانا معانا أربعة.
ضحك حازم وهو يفتح لها باب السيارة:
_ أربعة مرة واحدة.
أومأت له وقالت بحدة محبب:
_ آه عندك مانع؟
تمتمت بكل ما يحمله بداخله من حب لها:
_ وأنا أقدر برضو كل اللي نفسك فيه هعمله.
احتواها بحب ليقبل رأسها ثم تمتم بمكر:
_ أنا بقول نروح البيت أحسن لأني ممكن أتهور دلوقتي.
ضحكت هايدي بعلو جعلت حازم يحرك السيارة كي يعود بها إلى منزلهم.
في الغرفة.
كانت أسيل تضع رأسها على صدره في سكون تام.
مما أقلق عليها داغر فسألها:
_ مالك ساكتة ليه؟
أغمضت عينيها وقد داهمتها ذكريات تلك الليلة والتي علمت جيداً بأن لا شيء مما يفعله سيمحيها من ذاكرتها.
ازداد قلقه عندما لم يجد منها رداً فابعد رأسها عن صدره واستلق بجانبه ينظر إليها فيتفاجئ بدمعة سقطت على وجنتها مما جعله يلتاع عليها:
_ مالك يا سيلا أنا ضايقتك من غير قصد؟
لم تستطع فتح عينيها ورؤية قلقه عليها في عينيه.
لن تخبره حتى لا تقهره أكثر فقالت بكذب وهي تفتح عينيها:
_ مفيش بس إياد وحشني، وكان نفسي ييجي معانا.
يعلم جيداً بأنها لا تخبره الحقيقة لكنه سايرها قائلاً:
_ أنا كمان وحشني أوي بس تفتكري المكان ده أمان لطفل عمر سنتين وأنا قولتلك إن وقت ما نرجع هنسافر القاهرة نقضي شهر كمان مع عمي لإني بصراحة قصرت معاه أوي وعايز أقعد معاه لحد ميعاد السفر.
رفعت عينيها إليه بصدمة:
_ سفر؟
أكد داغر:
_ آه عشان شغلي، ما أنا قولتلك إني رجعتله.
ظهر القلق واضحاً عليها وسألته بتوجس:
_ هتغيب عني كتير؟
زم فمه بأسف:
_ معرفش، ده بيبقى حسب.
اخفضت عينيها بحزن فوضع أنامله أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه وقال بابتسامة يخفف عنها حزنها:
_ وبعدين يا ستي احنا لسه قدامنا شهرين أوعدك إني هزهقك فيهم وأخليكي تقولي خلاص زهقت منك.
ابتسمت وهي تهز رأسها بنفي:
_ مستحيل أزهق منك.
رفع حاجبيه بمكر:
_ واثقة؟
أومأت له بتأكيد:
_ واثقة أوي أوي.
تمتم ببراءة مصطنعة وهو يجذب الغطاء عليهما:
_ خلاص بما إنك مش هتزهقي يبقى اتحملي.