تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
الفصل 11 — رواية جبل النار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رانيا الخولي
تصلب سليم في وقفته عندما وجدها أمامه تقف أمام المقود غير منتبه لوجودها.
زدرد لعابه بصعوبة وهم بالعودة لكن قدماه أبت ذلك وكأنها ترفق بقلبه الذي أرهقه الشوق.
بدا أنها كانت شاردة مثله حتى لم تنتبه لفوران اللبن وانسكب أغلبه على المقود.
انتبهت له أخيرًا وقامت برفعه عن النار دون حاجز بينه وبين يدها فتصدر منها صرخة جعلتها هزت ذلك الجبل الصامت.
استدارت ناحية المبرد كي تخرج ثلجًا تضعه على يدها كي يلطف الحرق قليلًا.
وما إن استدارت حتى صدرت منها صرخة عندما وجدته أمامها.
فتمتمت باعتذار:
_ أنا آسفة بس اتفاجئت بحضرتك مش أكتر.
همت بالتحرك لكنه أوقفها بحزم:
_ خليكي مكانك.
اهتزت نظراتها عندما وجدته يقترب منها ناظرًا إلى يدها التي أصيبت بحرق طفيف لكنه شعر به يكوي قلبه.
أخفت يدها خلف ظهرها عندما مد يده ليدها فبوغت بفعلتها ورفع عينيه إليها قائلًا:
_ وريني إيدك.
ازدردت جفاف حلقها وتمتمت باهتزاز:
_ مفيش حاجة، دا حرق بسيط.
تطلع إليها لحظات قبل أن يقول بلهجته الحازمة:
_ قلت وريني.
لن تستطيع الوقوف أمامه بنفس صموده لذا حسها عقلها على أن تلوذ بالفرار من أمامه لكن قلبها الأهوج أراد أن ينعم بلحظة مسروقة من الزمن معه.
رفعت يدها المصابة وتمتمت برهبة:
_ بسيط.
نظر إلى أناملها المصابة ثم تحدث بأمر:
_ تعالي ورايا.
بأقدام كالهلام سارت وعد خلفه فوجدته يتجه إلى غرفته.
فكرت في التراجع لكنها تعرفه جيدًا لن يتركها تهرب منه كما فعل من قبل.
دلفت الغرفة وتركت الباب مفتوحًا لكنه تحدث بأمر:
_ اقفلي الباب.
أغلقت الباب منصاعة إليه ثم أشار لها بالتقدم بعد أن خرج من المرحاض يحمل قنينة صغيرة.
تقدمت منه بأرجل مهتزة وتطلعت إليه فتجد أنه يجاهد كي يبعد نظراته عنها.
جبل الجليد كما أطلقت عليه ولا تدري شيئًا عن النيران التي تشتعل بداخله.
بحنو بالغ فقد السيطرة عليه قام بوضع الدهان عليه فتتلامس أناملهما وكلاهما يتظاهر بالصمود أمام الآخر.
كلاهما يشعر بنفس الشوق وبنفس الألم لكن ليس بوسعهما فعل شيء.
هذا قدرهم وعليهم أن يرضخوا له.
دق ناقوس الخطر عندما استسلموا لنظراتهم فتتقابل العيون بعتاب أقسى من الكلام.
طافت عيناه بملامحها التي أرهقته وجعلته لا يرى غيرها.
وكأنها ساحرة ألقت تعويذتها على قلب لم يعرف الحب إلى قلبه سبيلًا.
وبدون إرادة منه احتوى يدها الواهنة بين يده وأصبحت لغة المشاعر هي السائدة بينهما.
نزلت نظراته إلى عينيها بسوادها القاتم كما حال خصلاتها وترجلت بتباطؤ حتى وصلت لثغرها بطلاءه الطبيعي.
وهنا عاد الناقوس يدق بشدة منبهًا إياهم لخطر مدمر لذا عاد يرسم الجمود على ملامحه وغمغم بأنفاس مضطربة:
_ اطلعي برة.
بوغتت بأمره وهمت بالتحدث لكنه منعها بحزم:
_ اطلعي واقفلي باب أوضتك كويس وإلا مش هكون مسؤول عن اللي ممكن يحصل.
لم تفهم مقصده لمدى براءتها.
وأخفضت عينيها بقهر ثم انسحبت من أمامه وخرجت من الغرفة.
فلم يجد أمامه سوى الطاولة الرخامية كي يخرج بها غضبه فأطاح بها لتتهشم على الأرض وحينها عاد لوجومه.
هكذا أنشأ وهكذا شبأ لا يظهر مشاعره ولا يبديها لأحد حتى لو ملك روحه.
المشاعر ضعف وهو لا يريد أن يظهر ضعيفًا، عليه أن يكون دائمًا موضع قوة.
***
ظلت أسيل مستلقية على الفراش لا تدري شيئًا من حولها وداغر جالسًا بجوارها يمسك يدها بقلق.
يعاتب نفسه على تهوره وأنه السبب في مرضها.
وضع يده على جبينها فلاحظ أنها هدأت قليلًا.
ملس بأنامله على وجنتها غزاها احمرار خفيف من شدة الحرارة.
لا يعرف ماذا فعلت به حتى أسقطته صريعًا لها.
لقد وصل عشقه لها حد الجنون وكأنها أصبحت قطعة من روحه إن فارقته قد تفارق روحه معها.
قرب يدها من فمه يطبع عليها قبلة بث فيها مدى عشقه لها.
لن يتركها تبعد عنه وسيفعل المستحيل كي تكون له.
ترك يدها عندما دلف چاك وهو يحمل الحساء وقال لداغر:
_ اجعلها تستيقظ كي تتناول الحساء فالأدوية التي تناولتها تحتاج لغذاء جيد.
شكره داغر وتناوله منه ثم وضعه جانبًا كي يوقظها أولًا.
فقد قاربت الشمس على المغيب وهم ما زالوا على متن الجزيرة.
قد هدأت الحرارة لكن ما زال جسدها لا يقوى على الحراك.
_ أسيل قومي يا حبيبتي عشان تاكلي.
غمغمت أسيل بوهن:
_ يا دادة سيبيني عايزة أنام.
وضع يده أسفل ظهرها يجبرها على النهوض وقال بغيظ:
_ لا أنا عم عثمان مش دادة يلا اشربي الشربة دي عشان تفوقي شوية.
حاولت الرفض لكنه أصر ووضع الوسادة خلف ظهرها فتمتمت بوهن:
_ مش قادرة يا داغر أرجوك سيبني أنام.
_ معلش لازم تاكلي عشان العلاج اللي أخدتيه.
وافقت مجبرة ثم أصر داغر على أن يطعمها بيده رغم تمنعها وجعلها تتناوله بأكمله.
وضع الطبق جانبًا ثم سألها:
_ ها أحسن دلوقتي؟
أسندت رأسها على الوسادة خلفها وقد بدأت تسترد وعيها قليلًا وقالت بوهن:
_ حاسة بألم شديد قوي في جسمي.
_ ده من أثر السخونة بس الحمد لله هدت شوية.
وضعت يدها على رأسها تشكو من ألمه ثم سألته:
_ هي الساعة كام دلوقتي؟
نظر بساعة يده وتفاجئ بأنها تعدت الخامسة:
_ الساعة خمسة ونص.
شهقت بصدمة وسألته:
_ معقول أنا نايمة كل ده، أنا لازم أرجع دلوقتي.
همت بالنهوض لكن الدوار أشتد بها ولم تقوى على الحركة.
_ اهدي يا أسيل للأسف مينفعش نرجع دلوقتي.
ردت بإصرار رغم وهنها:
_ لأ لازم أرجع دادة هتقلق عليا وممكن تتصل على سليم تقوله.
لم يفكر في ذلك الأمر حقًا لكن أيضًا لن يستطيعوا العودة الآن وهي بتلك الحالة ستزداد حالتها سوء.
_ أنا هتصرف وأتواصل مع حد يروح لها البيت ويعرفها.
وافقت أسيل مجبرة بسبب الألم الذي اجتاح كامل جسدها.
عدل داغر من وضع الوسادة خلفها عندما لاحظ رغبتها في النوم وقال بحنو لم ترى مثله من قبل:
_ نامي ومتقلقيش من أي حاجة.
أومأت أسيل وهي تحاول فتح عينيها بصعوبة، فقد أغدقها باهتمام افتقدته حقًا.
جذب داغر عليها الغطاء عندما استسلمت للنوم وخرج هو ليطلب من چاك الاتصال له بأحد معارفه.
***
ظلت أمينة تزرع الردهة ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ فقد تأخر الوقت ولم تعود حتى هاتفها قيد الإغلاق.
لم يكن أمامها سوى الاتصال بحازم كي يتصرف هو.
اسرعت بفتح الباب عندما سمعت صوت السيارة بالخارج فظنت أنها عادت لكن خاب أملها عندما وجدته حازم الذي ترجل من السيارة وتقدم منها يسألها بقلق:
_ خير يا أمي في إيه؟
أخطأت حينما بعثت له لكن ليس أمامها غيره فقالت بريبة:
_ أصل بصراحة أسيل خرجت من الصبح ومرجعتش لحد دلوقتي.
تطلع حازم في ساعته ليجدها تعدت الثامنة.
سألها بقلق:
_ مقالتش هي رايحة فين؟
ازدردت جفاف حلقها بوجل لكن ليس بوسعها فعل شيء سوى مصارحته:
_ أصل.. أصل.. يعني.
تحدث حازم بنفاذ صبر:
_ أصل إيه وفصل إيه ما تقولي يا أمي؟
_ بصراحة أسيل اتعرفت على كابتن بحار وهي راجعة، ومن وقت ما جات هنا وهما بيتقابلوا، بس النهاردة من وقت ما خرجت الصبح مرجعتش.
كان حازم يستمع لها وشياطين الدنيا تتراقص أمامه من شدة غيرته وقال باحتدام:
_ وإنتي إزاي يا أمي تسمحي بالمهزلة دي؟
تحدثت أمينة بقلة حيلة:
_ اعمل إيه بس، البنت لأول مرة بشوف السعادة في عينيها ومن كلامها عنه حسيت إنه إنسان كويس وفعلاً بيحبها.
أهاجت أعصابه أكثر من حديثها عنه وسألها بانفعال:
_ اسمه إيه؟
_ معرفش كل اللي أعرفه عنه اسمه داغر وكابتن سفينة مش أكتر.
خرج حازم من المنزل وهو لا يرى أمامه من شدة غضبه وتوجه إلى الميناء كي يعرف معلومات عنه.
وجد أحد الأمن واقفًا على البوابة الرئيسية فتقدم منه يسأله:
_ لو سمحت السفينة اللي هتطلع مين الكابتن اللي هيبحر بيها، لأني عندي فوبيا من البحر وعايز أسافر وأنا مطمئن.
رد الرجل برحابة:
_ من حظك الكويس بقا إن كابتن داغر هو اللي هيطلع على السفينة الجاية دي وده بقا أفضل قبطان في الميناء كلها.
استدرجه حازم أكثر:
_ بس أنا سمعت عنه إنه يعني أخلاقه مش كويسة…
قاطعه الرجل بنفي:
_ لا كابتن داغر ده حاجة تانية شخصية محترمة جدًا وابن ناس أكابر وعيلة كبيرة في إسكندرية.
_ هو ساكن فين؟
هز الرجل رأسه:
_ مش عارف بصراحة.
(أشار على أحد العمال) بس عم حسن هو اللي عارف العنوان.
نظر إلى حيث يشير فوجده رجل كبير السن ويغلق أحد الأبواب فتقدم منه يسأله بتهذيب:
_ إنت تعرف عنوان الكابتن داغر أصلي عايزه في موضوع مهم جدًا.
رد الرجل بقلق:
_ خير يا ابني في حاجة.
حمحم حازم باحراج وقال:
_ حاجة خاصة مش هينفع أتكلم فيها بس حقيقي الموضوع مهم.
وافق الرجل وأملاه العنوان بحسن نية وانسحب حازم متوجهًا إليه.
ذهب إلى المنزل الكبير وسأل حارس الأمن:
_ السلام عليكم.
رد الحارس السلام ثم سأله:
_ كابتن داغر موجود؟
_ لأ مش موجود من وقت ما خرج الصبح باليخت وهو مرجعش.
زم حازم فمه يحاول السيطرة على غضبه ثم سأله:
_ هو متعود يغيب كده في البحر.
_ ده العادي بتاعه، تحب تسيبله رسالة لما يرجع؟
_ لأ أنا هجيله مرة تانية.
عاد حازم إلى المنزل وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب.
سألته أمينة ما إن دخل المنزل:
_ عملت إيه يا حازم؟
أجاب حازم وهو يجلس على المقعد مستندًا على مرفقيه:
_ ملوش أثر، وإنتي إزاي يا أمي توافقي على المهزلة دي.
_ اعمل إيه بس، أنا لما شفت السعادة اللي باينة عليها مقدرتش أمنعها، أول مرة أشوفها مبسوطة كده.
اشتعلت نيران الغيرة بقلب حازم ونهض يوليها ظهره قائلًا بانفعال:
_ بس ده برضه ميديكييش الحق إنك تسيبيها تعمل كده.
استدار لوالدته وسألها بانفعال أشد ناتج عن غيرته:
_ نعرفه منين عشان تثقي فيه بالشكل ده وتسيبيها تخرج معاه كل يوم.
رمقته أمينة بضيق:
_ إحنا هنفضل نتكلم كتير وسايبين البنت كده.
انتبه كلاهما لصوت الباب فذهب حازم لفتحه فإذا به شاب يقول:
_ مش ده منزل الآنسة أسيل؟
رمقه حازم بشك وسأله:
_ إنت مين؟
رد الشاب بتهذيب:
_ أنا جاي من طرف كابتن داغر طلب مني أطمنكم عليها لأن المركب عطلت بيهم والصبح إن شاء الله هيوصلوا بالسلامة.
زم حازم فمه يحاول ضبط أعصابه فأومأ للشاب الذي انصرف مستقلاً سيارته وانطلق بها.
***
عاد داغر إليها فيجدها ما زالت غارقة في سباتها.
وضع يده على جبينها فوجد الحرارة انخفضت أكثر.
شعرت به أسيل وفتحت عيونها بتثاقل وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
أمسك داغر يدها وأسرها بين يديه ينظر إليها بحب لم يشعر بمثله من قبل.
نعم عرف الكثير والكثير لكن هذه وجد بها كل ما أراده.
ظل على حاله حتى أشرقت شمس الصباح تحاول التسلل خلسة من بين الستائر التي حجبتها عنه.
تململت أسيل في نومتها وفتحت عينيها لتجد عينين كغيوم السحاب آسرة تنظر إليها بعشق جارف.
انشق ثغرها بابتسامة مشرقة أشرقت معها شمسه.
فتمتم داغر بحنو وهو يقبل يدها:
_ صباح الورد.
أسدلت جفنيها تومئ له ثم سألها:
_ بقيتي أحسن دلوقتي؟
خرج صوتها متحشرجًا من أثر التعب:
_ أحسن بكتير.
(أخفضت عينيها بإحراج) تعبتك معايا.
_ متقوليش كده وبعدين أنا السبب في التعب ده لو مكنتش نزلتك المايه مكنش حصل اللي حصل.
تطلعت أسيل لساعة يدها فوجدتها قد تعدت الثامنة صباحًا.
نهضت رغم تعبها وهي تغمغم:
_ أنا لازم أرجع دلوقتي عشان دادة زمانها قلقانة عليا.
***
ساعدها داغر للصعود على متن اليخت ثم أعد لها مشروبًا ساخنًا كي يدفئها.
طرق الباب فسمحت له بالدخول.
دلف داغر بابتسامة مشرقة أشرقت روحها.
_ عاملة إيه دلوقتي؟
اعتدلت أسيل في رقدتها فسحب هو مقعدًا ليجلس عليه بجوارها فتمتمت بامتنان:
_ متشكرة قوي على اهتمامك ده.
رفع حاجبيه متسائلًا بمكر:
_ إنتِ شايفه ده اهتمام؟ أصل أنا شايفه حاجة تانية.
ناولها الكوب وهي سألته بحيرة:
_ حاجة تانية إزاي؟
ابتسم وقال بخبث:
_ حب مثلًا.
تطلعت للكوب بين يديها وقالت بحزن:
_ بالنسبة ليا أنا معرفش أفرق بين الاتنين….
رفعت عينيها إليه…..
_ لأني مجربتش حاجة منهم.
كل شيء وكل حديثها يؤكد أنها مرت بحياة صعبة للغاية وكعادته بها لن تبوح بشيء لذا غير مجرى الحديث قائلًا:
_ بقولك خلصي الكباية دي ونامي وأنا هطلع فوق لأن الشيطان شاطر وبدأ يلعب في دماغي.
أومأت له بابتسامة فخرج من الغرفة وانهت هي مشروبها وعادت للنوم.
أوقف سيارته أمام المنزل وتطلع إليها بأسف قائلًا:
_ للأسف الرحلة خلصت ومعرفناش نستمتع بيها.
ابتسمت أسيل وتمتمت بوهن:
_ يبقى نعوضها مرة تانية.
تمتم باستياء:
_ تتعوض فين بقا، أنا مسافر بكرة الصبح ومش هاجي إلا بعد ١٥ يوم، ومؤكد هلاقيكي رجعتي القاهرة وهناك مش هنعرف نتقابل.
تناست أسيل ذلك الأمر فقد تلاشى كل شيء من تفكيرها تلك الفترة التي قضتها معه فقالت بأمل:
_ هحاول أقنع بابا وأجي تاني قبل ما ترجع.
افتر ثغره عن ابتسامة:
_ بجد؟
أومأت له وهمت بالترجل لكنه تحدث برجاء:
_ هستناكي بكرة في المينا أشوفك قبل ما أسافر.
اهتزت نظراتها وتمتمت برفض:
_ مش هينفع أنا مش بحب لحظات الوداع دي، وبعدين دادة مش هتوافق بعد اللي حصل.
نظر إليها برجاء:
_ نفسي تكوني آخر شيء جميل أشوفه وأنا مسافر.
اتسعت ابتسامتها ولم تستطع الرفض حينها فقالت بتسويف:
_ هحاول.
همت مرة أخرى بالترجل لكنه امسك يدها ليطبع قبلة حانية على باطنها وتمتم باشتياق:
_ هتوحشيني.
أومأت له بعينيها ثم ترجلت من السيارة فتتفاجئ بحازم يخرج من بوابة المنزل وحينها شعرت بأن دلو من الماء البارد سقط عليها.
ازدردت لعابها وانتبهت لتوقف سيارة داغر فعلمت حينها بأن لم تتصرف بحكمة ستقوم مشادة بين الاثنين.
همت بالتحرك لكنها شعرت بأن قدمها كالهلام لا تقوى على السير.
لكن تحاملت وناشدت قوتها الواهنة أن تساعدها على الهرب من مشادة العيون تلك.
سارت بضع خطوات لكنها كانت تقربها من حازم الذي وجه نظراته إلى داغر والذي بدوره ترجل من السيارة كي ينادي عليها:
_ أسيل.
التفتت إليه بأعين مهتزة وتطلع هو إلى حازم متحدثًا بلهجة واضحة التحدي:
_ ابقى طمنيني عليكي، وإن احتاجتي أي حاجة كلميني أنا.
هزت رأسها بإيماءة بسيطة ثم واصلت سيرها حتى مرت من جوار حازم الذي أمسك ذراعها يمنعها من الدخول مما أشعل نيران الغضب في قلب داغر وخاصة عندما قال لها:
_ كنتي فين؟
أجفلت أسيل عندما سمعت صوت صفق باب السيارة تلاها يد جذبتها بكل قوة لتخفيها خلف ذلك الظهر العريض وصوته الهادر يدوي:
_ إن إيدك اتمدت عليها تاني أقسم لك إني هخليك تتحسر عليها.
لم يصمت حازم أيضًا وصاح به:
_ إنت واقف قدامي وبتهددني بصفتك إيه؟
بوغت داغر بسؤاله وأراد في تلك اللحظة أن يخبره بأنه مالك قلبها لكنه تراجع عندما سمع ذلك الصوت الحازم:
_ أسيل.
التفتت أسيل لأمينة التي وقفت تنظر إلى الموقف باستياء فجذبت يدها من يد داغر وأسرعت بالولوج للداخل.
تقدمت منهم وتطلعت إلى حازم قائلة بحزم:
_ اتفضل يا حازم لأنك اتأخرت على المستشفى.
هم بالاعتراض لكنها أصرت بحزم:
_ قلت يلا.
استقل سيارته وهو ينظر لداغر بتوعد ثم انطلق بها.
نظرت أمينة إلى داغر وتحدثت بتروٍ:
_ متشكرة قوي إنك تعبت نفسك ووصلتها لحد البيت، لحد هنا واتفضل إنت كمان.
استطاع داغر التحكم بأعصابه وعدم خوض جدال معها كي لا يخسرها فانسحب بهدوء وعاد إلى سيارته.
دلفت أمينة غرفة أسيل فوجدتها جالسة على المقعد ويبدو عليها التوتر.
وعندما رأتها أسيل أسرعت إليها:
_ عملتي إيه يا دادة؟
رمقتها بعتاب:
_ إيه اللي إنتي عملتيه ده يا أسيل؟ دي آخرت ثقتي فيكي؟
رمشت بعينيها وقد أخجلها عتاب أمينة ثم تمتمت:
_ كان غصب عني يا دادة، أنا تعبت قوي ومقدرش يرجع بيا إلا لما خفيت.
_ وبيتي معاه فين؟
نفت أسيل سريعًا وبررت قائلة:
_ الموضوع مش كده خالص، كل الحكاية إني تعبت….
قاطعتها أمينة باحتدام:
_ تعبتي يبقى يرجعك ويجيبك هنا أو يوديكي المستشفى إنما إنه يبيتِك معاه ده غلط وغلط كبير قوي كمان، إزاي جاتلك الجرأة وتسمحي لنفسك بده.
بررت أسيل لنفسها قبل أن تبرر لها:
_ أنا مكنتش في وعيي لأني كنت سخنة قوي.
تلاعب الشك في قلب أمينة حتى تداركته أسيل وصححت قائلة:
_ بس مكنش لوحدنا، الحارس بتاع المنارة كان موجود، وبعدين أنا مش صغيرة وأقدر أحافظ على نفسي كويس قوي.
ردت أمينة بتهكم:
_ وكنتي هتحافظي على نفسك إزاي بقا وإنتي بتقولي مكنتيش في وعيك.
أخفضت أسيل عينيها مما جعل أمينة تهدئ من انفعالها عليها وتقدمت منها لتقول بروية:
_ يا أسيل أنا خايفة عليكي، واللي بتعمليه ده غلط، حياة الجامعة اللي عيشتيها في إيطاليا غير الحياة هنا، هنا كل خطوة محسوبة عليكي وغلطة زي دي كانت ممكن تضيعك، إيه اللي كان يضمنلك إنه ميغدرش بيكي وأديكي بتقولي مكنتيش في وعيك.
نفت أسيل بثقة:
_ داغر مستحيل يأذيني.
_ وعرفتِ إزاي، من التلات أيام اللي قضيتيهم معاه في البحر وإنتي راجعة ولا الأربع أيام اللي خرجتيهم معاه هنا؟
تنهدت بتعب وتابعت بنصح:
_ يابنتي أنا خايفة عليكي الدنيا مبقاش فيها أمان وده شاب حتى لو بيحبك وخايف عليكي ممكن يكون من النوع اللي بيضعف قدام رغباته ووقتها محدش هيجيب لوم عليه، اللوم كله هيكون عليكي.
تعلم جيدًا أنها لن تقتنع بنصحها لذا قالت بلهجة لا تقبل نقاش:
_ إحنا هنرجع القاهرة النهارده.
حاولت أسيل الاعتراض لكن أمينة عارضت بحزم:
_ مش عايزة أسمع حرف تاني أنا قلت هنرجع يبقى نرجع.
استسلمت أسيل لها وغادروا المكان بعد أن بعثت إليه رسالة تخبره بضرورة سفرهم للقاهرة.
استمر غيابه عشرون يومًا ذاقت فيهم عذاب الاشتياق ولم يكن حاله أفضل من حالها وهو يعد الدقائق حتى يعود لها.
عاد والدها من سفره مع زوجته مما جعل أسيل تستاء من وجودها.
فقد تزوج ابنة عمه بعد أن طلق والدتها.
دلفت مع والدها وهي تتأبط ذراعه بذلك الكبرياء والشموخ المعروف عنها والتي تبالغ به في وجودها كأنها تخبرها بأنها هي الأحق به وأن والدتها لم تكن سوى غلطة دفع ثمنها.
لذلك تبالغ في ملابسها الباهظة الثمن والعمليات التجميلية التي ذهبت إلى الخارج كي تعود ابنة العشرين عامًا وقد كان لها حقًا ما أرادت.
تقدمت منها وهي تطرق بحذائها ذي الكعب العالي فيصدر صوت اشمئزت منه أسيل ثم خلعت نظارتها فتظهر تلك الرموش الكثيفة حول عينيها التي تنظر إليها ببغض لم تستطيع ابتسامتها إخفاءه:
_ إزيك يا أسيل كان نفسي أكون موجودة لما رجعتي بس كنت في أمريكا بعمل شوبنج وكنت مستنية بابي ييجي ياخدني.
أومأت أسيل بعينيها ثم تركتها وتقدمت من والدها لتقبله وبادلها هو بفتور كعادته:
_ حمد الله على السلامة يا بابا.
وقفت شاهي تتطلع إليها وهي تقبل والدها والذي لم يهدئ فتوره معها تلك النيران التي تشتعل كلما وجدتها تقترب من والده.
تلك النسخة المصغرة من ليندا عليها أن تختفي من الوجود.
استأذن حسين وهو يقول باقتضاب:
_ أنا داخل المكتب.
تركهم دون أن يضيف كلمة أخرى وانتظرت شاهي حتى دلف وأغلق الباب خلفه فتتقدم من أسيل قائلة بتهكم:
_ أنا قلت هترفض ترجع تاني بعد ما نفدتي بجلدك من هنا.
تحلت أسيل بالهدوء والذي تعلم جيدًا كم يستفزها وقالت ببرود:
_ عادي يا طنط ده بيتي ومصيري هرجعله.
أشعلت غضبها بتلك الكلمة وقالت باحتدام:
_ أنا مش نبهتك كتير متقوليش الكلمة دي؟
واصلت أسيل برودها:
_ أومال هقولك إيه، فرق السن بينا مش قليل فلازم أندهلك يا طنط.
تقدمت منها تمسك ذراعها تهزها بغضب:
_ إنتي قليلة الأدب وإن كانت ليندا معرفتش تربيكي أنا اللي هعملها.
رفعت أسيل حاجبيها بدهشة مصطنعة:
_ كل ده عشان قولتلك يا طنط؟ مش بدل ما أقولك يا ماما إنتي ناسيه إنك أكبر منها بسنة؟ يعني لو كنت اتجوزتي في سنها كان زمانك مخلفة أكبر من سليم.
لم تتحمل شاهي حديثها وهمت برفع يدها لتصفعها لكن يد أسيل أوقفتها وهي تضغط على معصمها بقوة وتقول بتحذير:
_ أياكي تكرريها تاني لإني مبقتش أسيل بتاعة زمان.
تركت يدها وصعدت الدرج متجهة لغرفتها ونظرات شاهي الحانقة تكاد تقتلها بحدتها.
حقًا لم تعد تلك الفتاة الضعيفة التي كانت تتحكم بها وبمصيرها.
عليها أن تكسر شوكتها كي تعود كما كانت وتتخلص منها بأقرب وقت كما تخطط لأخيها.
ألقت نظارتها وتلتها الحقيبة ثم نثرت خصلاتها ودلفت غرفة المكتب وهي تدعي البكاء.