تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
الفصل 20 — رواية جبل النار الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي
ظلت فايزة تسلط عينيها على باب الغرفة تنتظر خروجهم.
فقال فريد:
_ في إيه يا فايزة، هتفضل عينك على الأوضة كده؟
ردت بضجر:
_ أعمل إيه، قلقانة أوي.
طمأنها فريد بثقة:
_ إن شاء الله خير، هايدي عاقلة وهتعرف تصلح أمورها. غير إن حازم عرف قيمتها بجد. ياريتها كانت عملت كده من الأول، بس أنا اللي ضغطت عليها بحجة إنها تحافظ على بيتها.
نفت فايزة حديثه:
_ هايدي حافظت على بيتها لأنها بتحبه، مش عشان ضغطك عليها. وصدقني هي حاليًا بتكابر، بس من جواها نفسها ترجع معاه دلوقتي.
تفاجأ كلاهما بأصواتهم العالية. فلم ينتظر أحد منهم ودخلوا الغرفة.
_ في إيه يا ولاد؟
رد حازم بامتعاض:
_ الهانم طالبة الطلاق.
تطلع إليها فريد بحنق:
_ صحيح الكلام ده؟
ردت بعناد:
_ آه يا بابا، صحيح.
تطلع فريد إلى زوجته وقال بحدة:
_ عقلي بنتك يا فايزة.
تطلع إلى حازم:
_ وأنت يا حازم، تعالى معايا.
في المكتب.
جلس فريد بجوار حازم وتحدث بعقل:
_ اللي أعرفه يا حازم إن أي راجل في الدنيا كلها بيتمنى عزوة وأولاد يملوا عليه البيت. فلما تيجي أنت تقول مش عايز الحمل ده ولازم ينزل، يبقى أكيد في سبب قوي له. فإذا أمكن يعني، تحكيلي إيه السبب.
لم يعد هناك داعي للكتمان. فقال بثبوت:
_ يا عمي، الموضوع ده صعب عليا أكتر منها، بس في سبب قوي يخلينا نعمل كده.
قطب فريد جبينه بحيرة وسأله:
_ يحق لي أعرف السبب ده؟
أومأ له، ثم تحدث بصعوبة:
_ بصراحة، هايدي مينفعش تخلف تاني.
قطب جبينه مندهشًا وسأله:
_ يعني إيه؟ ياريت توضح أكتر.
تنهد حازم بتعب وقال:
_ للأسف، هايدي في التوأم أصرت إنها تولد طبيعي، مع إن حالتها كانت صعبة زي ما الدكتورة قالت قدامك. وده سبب لها مشاكل في الرحم، يعني مش هيتحمل ولادة تانية ولا هيتحمل حجم جنين أصلاً.
تألم فريد لحالة ابنته وتمتم:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب يا ابني، ليه مصرحتش هايدي بالحقيقة دي؟
اخفض عينيه بحزن عميق وقال:
_ لأن الخبر ده هيبقى صدمة كبيرة أوي عليها. وعشان كده كتمته جوايا ومقولتش لحد عشان أضمن إنه ميوصلش ليها.
تأكد الآن من حقيقة مشاعر حازم تجاه ابنته.
_ بس يا ابني، أنت لازم تقولها.
هز رأسه بنفي:
_ لأ، مش لازم تعرف.
_ يعني هتسيبها كده على عماها؟ طيب والحمل هتعمل فيه إيه؟
تنهد حازم بتعب وتمتم رغم صعوبة نطقها:
_ لازم أخلص منه.
_ إزاي؟
نهض حازم وهو يقول بثبوت رغم شعور الألم بداخله:
_ لما ييجي وقته، هعرفك.
خرج حازم دون أن يضيف كلمة أخرى وهو يشعر بغصة مؤلمة في قلبه. لا يعرف إذا كان منها أو عليها.
استقل سيارته وانطلق إلى المشفى كي ينهي ذلك الأمر.
***
في القاهرة.
جلس حسين في بهو المنزل يتطلع إلى ابنه الذي يترجل من الدرج حاملاً حقيبته في وجوم تام.
وشاهي جالسة بجواره تضع قدم فوق الأخرى تهزها بكل أريحية. ونظرات التشفي التي ترمق بها سليم هي السائدة الآن. فالأمس علم أن والده سجل الفيلا باسمها، ولم يتبقى سوى بعض الممتلكات التي لازالت باسمه.
توقف سليم أمامه وهو يسأله بفتور:
_ أنا ماشي.
لوهلة، ظهرت نظرة رجاء بعين حسين، لكن لم تلبث كثيرًا وحل محلها الجمود.
_ برضه مش ناوي ترجع؟
رد باقتضاب وهو يتطلع إلى شاهي التي ترمقه بتشفي:
_ لأ.
حافظ حسين على جموده وضغط على يديه يمنع تلك الرجفة التي أصابته في الآونة الأخيرة.
_ اللي تشوفه. بس ياريت الزيارة الجاية تكون أطول من كده.
أومأ له سليم وحمل حقيبته خارجاً بها من ذلك المنزل. لكن تلك المرة بلا عودة.
في منزل سليم بأمريكا.
عاد سليم وهو يشعر باشتياق شديد لها. فرغم رفضها التام له، إلا أنه حقاً يشتاق إليها إن غابت عنه ولو ليوم واحد.
قريبًا سيأتي الوقت المناسب ويخبرها بالحقيقة، لكنه ينتظر منها أن تقبله كما هو.
لم يخبرها بعودته لأنها لم تسأله مرة واحدة في كل المكالمات التي دارت بينهم، والتي كانت أغلبها مقتطبة.
جلس على الأريكة بارهاق وتطلع بعينيه إلى غرفتها. شعر برغبة ملحة أن يدلف إليها وينهي ذلك الخلاف معترفًا بكل شيء، لكن لم يحن الوقت بعد.
تطلع في ساعته فوجدها الواحدة ليلاً، فقرر الدخول إلى غرفتها للاطمئنان عليها ثم يعود إلى غرفته.
فتح باب الغرفة لكنه أجفل حينما لم يجدها. انقبض قلبه بخوف ودنى من المرحاض يطرقه، لكن ما من مجيب.
خرج مسرعًا وقلبه ينبض بقوة، ثم توجه إلى باقي الغرف، لكن لا أثر لها.
أخذ هاتفه من على الطاولة وقام بالاتصال بها، لكنه تفاجأ به بغرفتها.
خرج مسرعًا من شقته وتوجه إلى الشقة المقابلة لهم يطرقها.
خرجت له فتاة لم يتعدى سنها العشرون عامًا.
_ أهلاً سليم، حمد لله على السلامة.
حاول سليم الابتسام:
_ الله يسلمك. هي وعد عندكم؟
_ لأ، دي لسه راجعة شقتكم من شوية. خير، في حاجة؟
ازداد الخوف بداخله.
_ لأ، مفيش. آسف على الإزعاج.
عاد إلى شقته. ولا يعرف لما ساقته قدماه إلى غرفته. وبالفعل وجدها مستلقية على فراشه تحتضن منامته التي تركها على الفراش وقت ذهابه.
بأقدام واهنة تقدم منها وهو مأخوذ بسحر تلك اللحظة. مستلقية على جانبها بمنامة قطنية قصيرة، وخصلاتها المتماوجة مستلقية على الوسادة بجوارها وأخرى على جانب وجهها، والباقي يرسو بأريحية على منامته هو.
شعر برغبة ملحة بأن ينضم إليها ويشاركها ذلك الفراش كما تمنى طوال تلك الأعوام. ولم يتردد لحظة واحدة في ذلك.
فجلس بكل حذر على الجانب الآخر بعد أن خلع سترته وحذاءه. ثم استلقى واضعًا رأسه على الوسادة ويرمقها بمشاعر لم يعد باستطاعته التحكم بها.
أخذ يتطلع إلى محياها، يتنقل بعينيه بين ملامحها ببطء حتى وصلت لثغرها. وقد كانت نظرة خاطئة منه، إذ شعر بتدفق الدماء بأوردته حتى هدرت بقوة. وتساءل: هل إذا دنا منها أكثر وذاق مذاقها بقبلة خاطفة، ستشعر به؟
تفكيره بشأن تلك البادرة جعلت الدماء تندفع أكثر حتى أنفاسه أصبحت ثقيلة.
رفع أنامله ليبعد بها تلك الخصلة المتمردة عن وجهها، فيتصلب جسده عندما يجدها تفتح عينيها وتنظر إليه بهيام. تعجب منه، ردد اسمه بخفوت، ثم عادت لسباتها.
لكن صوتها الرخو محى على تعقله ووجد نفسه يدنو منها يتنفس أنفاسها، مكتفياً بذلك كي لا يهدم تلك اللحظة.
فأغمض عينيه يناشد النوم بجوارها.
***
ظل داغر يتقلب على جمر ملتهب كلما تذكر رؤيتها له وهو قابعًا أسفل قدميها يبحث عن ضالته. كيف لم ينتبه لدخولها؟ ما كان عليها أن تراه بذلك الضعف.
اعتدل في فراشه وأخذ يتحسس المنضدة حتى عثر على سجائره وأشعل أحدها بغضب شديد.
لعن عجزه ولعن قلبه الذي أساء الاختيار من البداية.
أسئلة كثيرة يود إجابتها، وأولها: يريد أن يعرف لماذا تعمل كممرضة، ولما أخفت هويتها؟ هل هربت من أهلها؟ هل جعلته يعشقها كي ينتشلها من براثين والدها؟ وعندما علمت بعجزه لجأت لذلك الطبيب؟
يكاد يجن ولا أحد يستطيع الوصول للحقيقة. إلى متى سيظل على ذلك الحال؟
ضغط على ساعة يده فعلم أنها الخامسة صباحًا.
نهض من فراشه وأخذ يتحسس طريقه دون عصاه. لن يلجأ لها بعد الآن. لا يجب أن تراه عاجزًا مستندًا على عصا.
خرج من الغرفة وتوجه للخارج فتلفحه نسمات باردة أشعرته برعشة تكتنفه.
ظل يسير على الرمال حتى وصل للمياه ورائحة اليود تخترقه.
أخذ نفسًا عميقًا وجاءته رغبة بالذهاب برحلة على متن يخته الذي يقف على بعد عدة أمتار منه. عامان لم يبحر به ولم يعد بإمكانه فعله. لكنه قرر أن يكون دافعًا له كي يشفى من ذلك الداء.
عليه الذهاب لتحديد العملية الأخيرة. رغم أن الطبيب أخبره بأن الأمر يعد نفسي ولا يحتاج إليها، لكنه لن ينتظر.
أما هي، فقد جفاها النوم وظلت تفكر فيه تارة، وتارة أخرى تتأمل طفلهم. تفكر في مصيره عندما يكبر ويسألها عن والده. لقد رفضت عرض حازم لها بأن يتبناه، لن تنسبه إلا لوالده.
لم تكد تغمض عينيها حتى سمعت طرقًا على باب المنزل. نظرت في ساعتها فتجدها السابعة صباحًا.
فتحت الباب فإذا به سائقه يقول باحراج:
_ أنا آسف إني جاي في وقت زي ده، بس كابتن داغر بعتني عشان أجيبك دلوقتي.
لم تفهم أسيل شيء، فقد طردها أمس ويأتي اليوم ليعيدها.
_ بس أنا سبت الشغل...
قاطعها برجاء:
_ أرجوكي تعالي معايا، تقولي الكلام ده بنفسك لأنه مش هيقتنع بأي أعذار.
وافقت أسيل مسرعة عندما سمعت بكاء طفلها وقد لفت نظر السائق، فقالت بوجل:
_ طيب، استناني في العربية وأنا جاية دلوقتي.
وافق صالح وأغلقت هي الباب ودلفت مسرعة لغرفتها. حملت صغيرها والذي أخذ يبكي باعياء. دخلت على أثره أمينة تسألها بقلق:
_ ماله؟ في إيه؟
قالت أسيل بقلق:
_ مش عارفة، بس جسمه سخن أوي.
جثّت أمينة جبينه فتجد أنه حقًا محموم.
_ لا، ده سخن أوي. خلينا نتصل على هايدي تيجي تشوفه.
طرق الباب مرة أخرى فارتبكت أسيل حينما سألتها أمينة:
_ مين اللي بيخبط ده؟
ردت أسيل بتلعثم:
_ ده... ده... السواق.
قطبت جبينها بدهشة وسألتها:
_ سيباه مستني ليه؟ اعتذري النهاردة.
ارتبكت أسيل أكثر وردت باحراج:
_ مش هينفع.
_ هو إيه اللي مش هينفع؟ وبعدين أنتِ مش قولتي إنك سبتيها؟
زدردت لعابها بصعوبة وتمتمت بتشتت:
_ مش عارفة، بس هو مصمم.
هتفت أمينة باستنكار وهي تأخذ منها الطفل:
_ أسيل، اطلعي اعتذري وعرفيه إنك مش هتروحي وتعالي اقعدي جنب ابنك، هو محتاجلك أكتر من أي حد.
أخذت أسيل تفكر في حل. هي لن تستطيع ترك ابنها بتلك الحالة، وأيضًا تريد أن تكمل خطتها.
حسمت أمرها عندما سمعت الطرق مرة أخرى فقامت بفتح الباب وقالت باعتذار:
_ زي ما قولتلك، مش هقدر أتوجد النهاردة وبكرة الصبح هكون موجودة.
وافق مجبرًا وذهب.
أما أسيل فعادت مسرعة إلى طفلها وقد ازداد قلقها عليه.
_ دادة، اتصلي على هايدي بسرعة خليها تيجي تشوفه.
قامت أمينة بمهاتفة هايدي وأخذت أسيل ابنها لتضع رأسه أسفل المياه كي تهدأ حرارته حتى مجيء هايدي.
جاءت هايدي وهي تسألهم بقلق:
_ ماله إياد؟ قلقتوني.
قالت أسيل بوجل:
_ سخن أوي ومش مبطل عياط.
قامت هايدي بمعاينته ثم قالت بقلق:
_ الحرارة مرتفعة أوي، لازم نعمله كمادات عشان تهديها مع العلاج.
أخرجت بعض الأدوية من حقيبتها وتابعت:
_ والعلاج ده هيساعد معانا، خلينا ندهوله.
بعد وقت، هدأ بكاؤه واستسلم الصغير للنوم بفعل الأدوية. فتطلعت أسيل إليها بقلق:
_ نومه ده عادي؟
ابتسمت هايدي وقالت بتعاطف:
_ آه عادي، متقلقيش. إن شاء الله لما يصحى هيكون أحسن بكتير.
تمتمت أسيل بامتنان:
_ متشكرة أوي يا هايدي، تعبتك معايا.
ربتت على يدها قائلة:
_ متقوليش كده، إحنا أخوات.
نظرت لإياد وتابعت:
_ وإياد زي علي وعمر بالظبط.
ظلت هايدي معها حتى هدئت حرارته.
_ الحمد لله، الحرارة نزلت وبقى أحسن بكتير. مضطرة أمشي عشان عندي شيفت في المستشفى. لو حصل أي حاجة، كلميني.
وافقت أسيل قائلة:
_ متشكرة أوي، مش عارفة لولا وجودك كنت هعمل إيه.
ردت هايدي بمغزى:
_ كنتي هتعملي اللي العقل يقولك عليه، إن أبوه يعرف بوجوده.
رمشت أسيل بارتباك وتمتمت برهبة:
_ باباه مسافر زي ما قولتلك و...
قاطعتها هايدي:
_ مفيش داعي إنك تخبي عليا، أنا عارفة كل حاجة. وعشان متظلميش حد، أنا سمعت حازم وهو بيتكلم في الفون مع طنط.
أمسكت ذراع أسيل لتجلسها على الأريكة وتجلس بجوارها:
_ أسيل، وخليني أندهلك باسمك الحقيقي. ابنك لو قدرتي تخبيه عن الدنيا دلوقتي، بكرة مش هتعرفي. وكمان حرام عليكي إنك تسيبيه من غير هوية. قوليلي لما يكبر ويحتاج يروح مدرسة، هتعملي إيه؟ هتسجليه باسم والدك؟ ولو عملتي كده الناس هتبصله على إنه ابن حرام، طالما اتسجل باسم جده يبقى مجهول النسب. ولما يكبر ويفهم، نظرته ليكي هتكون إزاي؟ صحيح ده كان غصب عنك، بس هو ملوش ذنب.
رمقتها أسيل بحيرة:
_ عايزاني أعمل إيه؟
ردت هايدي بعقل:
_ تروحي لأبوه وتعرفيه إنه له ابن ولازم يحمل اسمه.
انقبض قلب أسيل بخوف وتمتمت باستنكار:
_ وإن أخده مني؟
ردت بثقة:
_ ميقدرش، لأنه في حضنك وسهل أوي إنك ترجعيه لحضنك بعد ما يسجله باسمه.
قطبت أسيل جبينها ببخوف وغمغمت باعتراض:
_ أنتي بتتكلمي كده عشان متعرفيش حاجة، متعرفيش الإنسان ده غدار قد إيه؟ أنا اللي شفت غدره وانكويت بيه لحد النهارده. وصلني لسابع سما وكنت مستعدة أقف قدام الدنيا كلها عشانه، بس اتفاجئت بيه بيغدر بيا من غير رحمة. صدقيني لو كان ينفع كنت عملتها، بس ده إنسان حقير وسهل أوي ياخده مني ويسافر زي ما دبحـ.ـني وسافر من غير حتى ما يعرف إيه اللي حصلي.
_ مهما كان يا أسيل، أنتِ مجبرة تروحيله طالما وافقتي تحتفظي بحملك. فكري في كلامي كويس، لأن مفيش حل غيره.
ربتت على يدها ثم تركتها وغادرت إلى المشفى.
حل عليها الليل وهي تفكر في حديث هايدي معها. هي محقة، عليها أن تتنازل لأجل طفله. لكن كيف؟ كيف باستطاعتها الوقوف أمامه وإخباره بأنها حملت منه واحتفظت به؟ ماذا إن رفض تصديقها واتهمها بالكذب؟ وهي لن تقبل أن يرفض نسبه أو أن يطالب بعمل تحليل له كي يتأكد. ماذا أيضًا إن أجبرها على الزواج منه؟
انتبهت أسيل لتلك الكلمة. الزواج. ماذا إن أوقعتـ.ـه في شباك حور وجعلته يتزوج بها؟ سيكون باستطاعتها إثبات نسب طفلها دون إخباره. لكن أيضًا كيف ذلك؟ وحينها سيسجل باسم حور، وهي لا تملك هوية بذلك الاسم.
أغمضت عينيها تحاول التفكير في حل لتلك المعضلة. ولم تجد سوى تلك الطريقة كي تحتفظ بطفلها.
أما هو، فقد ظل طوال النهار على جمر ملتهب منذ أن رفضت المجيء اليوم. خرج من الغرفة عندما ازداد شعوره بالاختناق جراء غيابها. هل تعمدت ذلك ردًا على طرده لها؟ أم أنها حقًا متعبة ولم تستطع العمل اليوم.
عاد ذلك الاشتياق يقتحمه من جديد، ولكن تلك المرة أشد وأقوى. لقد ظن لوهلة أنه استطاع إخراجها من قلبه، لكنه اكتشف بأنه كان مخطئًا.
خرج من المنزل وهو ينادي سائقه:
_ عم صالح.
أسرع إليه صالح:
_ نعم يا داغر بيه.
_ جهز العربية وتعالى.
***
أخرج خليل الكارت من سترته وقام بوضعه بهاتفه، فوجد مقطع فيديو يصور ردهة منزله.
أخذ يمرر الوقت حتى وصل لوقت انتظاره لداغر وحبيبته. هم بتسريعه، لكنه انتبه لمجيء العاملة.
_ خليل بيه، في واحدة ست بره عايزة حضرتك ضروري.
تعجب خليل ثم قال لها:
_ خليها تتفضل.
ذهبت العاملة وعادت بعد قليل تتقدم سيدة في عقدها الأربعين. فقال بترحيب وهو ينهض ليستقبلها:
_ أهلًا وسهلًا.
قالت السيدة بإحراج:
_ أنا آسفة إن كنت جيت في وقت غير مناسب، بس الموضوع مهم جدًا.
أشار لها بالجلوس:
_ طيب، اتفضلي اقعدي.
جلست المرأة على المقعد قبالته وقالت:
_ أنا أبقى مرات محمد السيوفي اللي البنك حجز على مصنعه. وسمعت إنهم عرضوا عليك تمسكه.
حمحم خليل بإحراج:
_ أنا...
قاطعته بثبوت:
_ شكري حكالي إنك رافض، بس أنا جاية لحضرتك أطلب منك إنك أنت اللي تمسكه.
سألها بحيرة:
_ اشمعنى أنا؟ في غيري كتير وهيكونوا أنسب مني.
أومأت له وهي تخفض عينيها بحزن:
_ يمكن يكون كلامك صحيح، بس أنا عايزة حد يكون نزيه. أنت عارف طبعًا البنك لما بيحجز على حاجة بيموتها عشان بعد كده يشتريها بالبخس. وعشان كده أنا عايزة حضرتك اللي تمسكه عشان توقفه على رجله من تاني، يمكن أقدر أرفع عنه الحجز وأرجعه.
رد خليل بتردد:
_ بس أنا ليا ظروف خاصة بأني مقدرش أستمر في الإقامة هنا في القاهرة.
_ وأنا مش هضغط عليك، بس عايزة أقولك كلمتين وأمشي بعدهم. أنا لما اتجوزت محمد السيوفي كان أكبر مني بعشرين سنة، والظروف وقتها اللي أجبرتني عليه. خلفت منه اتنين، زين عمره ١٧ سنة ونور عمرها عشر سنين. بعد موت باباهم مبقاش ليهم حد غيري. وإخواتهم من أبوهم مسافرين وعمرهم ما فكروا في يوم يكلموهم ويطمنوا عليهم، وخاصة لما عرفوا إن أبوهم كتب لي المصنع باسمي. ويمكن هما اللي ورا اللي حصل للمصنع. أنا حياتي وحياة ولادي دلوقتي متوقفة على المصنع. لو عايز تساعدني، توافق وتمسكه أنت، وهيكون جميل عمري ما هنساه.
نهضت وهي تتابع:
_ فكر كويس ورد عليا.
أخرجت بطاقة من حقيبتها وناولتها له:
_ ده الكارت بتاعي فيه كل أرقامي. اتصل عليا في أي وقت. بعد إذنك.
خرجت المرأة وتركت خليل يفكر في طلبها. هو يود حقًا مساعدتها، لكن أيضًا لن يستطيع ترك ابن أخيه في ظروفه تلك. وخاصة بأن عليهم السفر لإجراء عملية أخرى.
فقرر بالأخير أن يعرض الأمر على داغر ويطلب منه البقاء معه في القاهرة.
***
عادت السخونة لطفلها مما جعل خوفها عليه يزداد أكثر. قامت بالاتصال على هايدي وقالت بلهفة:
_ هايدي، إياد جسمه سخن تاني.
_ عادي يا قلبي إنها ترجع، خليكي ماشية على الكمادات والعلاج اللي عندك وهيكون كويس. ولو عايزة تطمني أكتر، هبعتلك اسم نوع على الواتساب هيساعد أكتر.
قامت هايدي بإرسال اسم الدواء وتذكرت أسيل أنها وحيدة بالمنزل، فقد خرجت أمينة لشراء لوازم المنزل.
نظرت لطفلها الذي مازال غافيًا، فقررت الذهاب والعودة قبل استيقاظه.
خرجت مسرعة وأغلقت الباب خلفها وهي تسرع الخطى كي تعود بأسرع وقت.
توقفت السيارة أمام منزلها وقال السائق:
_ وصلنا يا فندم.
أومأ له داغر وترجل من السيارة وهو يسأله:
_ على بعد قد إيه؟
رد السائق:
_ عشر خطوات لحد الباب.
أغلق باب السيارة وبدأت خطواته بالعد حتى وصل للباب. هم بطرقه، لكنه توقف عندما سمع بكاء صغير مما جعله يندهش.
سأل سائقه:
_ أنت متأكد إن ده البيت؟
أومأ السائق:
_ أيوه هو، أنا كنت هنا الصبح وشوفتها بنفسي.
طرق الباب وانتظر حتى يجيبه أحد، لكن لا يوجد سوى البكاء.
تدخل السائق:
_ في جرس للباب.
ضغط عليه، لكن لا من مجيب وبكاء الطفل يشتد أكثر.
لا يعرف لما لامس بكاء ذلك الطفل المجهول قلبه، فقال لصالح:
_ مفيش باب تاني؟
التف صالح حول المنزل فلم يجد. عاد إليه يخبره:
_ مفيش غير الباب ده.
ازداد بكاء الطفل الذي يمزق قلب داغر مما جعله يقول بأمر:
_ اكسر الباب.
تطلع إليه بذهول:
_ بس يا فندم.
هتف بلهجة حازمة:
_ قولتلك اكسر الباب.
وافق صالح على مضض وعاد داغر للوراء قليلاً كي يوسع له المجال. وعند أول محاولة انفتح الباب وقال صالح:
_ الباب اتفتح.
دلف داغر بعصاه وأخذ يتحسس الطريق وهو يصغي إلى صوت ذلك الطفل. لا يعرف المكان، لذلك أخذ يتخبط مرات متتالية حتى بالأخير اصطدم بطاولة صغيرة فسقطت على الأرض.
أسرع إليه صالح:
_ أنت كويس يا ابني؟
رد داغر بثبوت:
_ آه كويس، متقلقش. هو الصوت جاي من فوق صح؟
أيد صالح:
_ آه جاي من فوق. تحب أطلع أنا؟
قلبه رفض قبل عقله وتمتم بثبات:
_ لأ، أنا اللي هطلع. السلم على شمالي؟
أومأ صالح:
_ أيوه على شمالك، خطوة واحدة.
تتبع الصوت حتى ساقته قدماه إلى أولى درجات السلم. فتردد كثيرًا، لكن قلبه أجبره على المسير. فأخذ يصعد الدرجات وهو يجد صعوبة شديدة به. لذا نادى صالح الذي أسرع إليه:
_ لو سمحت، هات الـ Stick اللي في العربية بسرعة.
أومأ صالح وأسرع بإحضارها واعطاها له وسأله:
_ تحب أجي معاك؟
رفض داغر:
_ لأ، خليك أنت.
أخذ داغر يقيس المسافات حتى وصل للأعلى وأخذ يتابع مكان الصوت وهو يشعر بألم عجيب في قلبه. شعور لم يختبره من قبل. وكأن صوت البكاء يسحب روحه منه.
أخذ يتحسس الجدران كي يصل للباب، لكنه تعثر وكاد أن يسقط. استند على عصاه التي كرهها في تلك اللحظة وكره عماه الذي جعله لا يستطيع القيام بأبسط الأشياء.
فجأة شعر بألم حاد في عينيه مما جعله يغمضها بحدة كي يهدئ ذلك الألم. ليس الآن، وصوت ذلك الطفل يمزق نياط قلبه.
فتح عينيه بصعوبة فيتفاجأ بوميض أبيض ظهر أمامه، لكنه اختفى في لحظة.
ازدرد جفاف حلقه بوجل. ثم أغمض عينيه يحاول معرفة ذلك الضوء الذي ظهر أمامه، لكن لم يجد سوى الظلام. ظن أنها مجرد عرض للحظة، ثم عاد يتحسس الجدران حتى استطاع بعد عناء الوصول للباب.
أخذ نفسًا عميقًا يهدئ به مشاعره الثائرة، ثم طرق مرتين ربما يجد إجابة، لكن لا شيء سوى البكاء.
فتح الباب ودخل وهو يتحسس بعصاه الغرفة وقد عاد إليه ذلك الوميض مرة أخرى، لكن تلك المرة بوضوح أكثر جعل ضربات قلبه تتسارع بقوة.
أعاد الكرة وأغمض عينيه وفتحها، لكن لم يجد سوى الظلام. ما هذا الذي يحدث له؟
واصل تحسسه حتى صدم بالفراش الذي يبكي عليه الطفل. ثم بيد مرتعشة لا يعرف سببها، تحسس الفراش حتى وصل له. فينتفض قلبه عندما قام الطفل بالتشبث به وقد علت وتيرة أنفاسه.
ازدرد لعابه بصعوبة وقام بحمله. فيلامس وجنة الطفل الناعمة وجنته الملتحية قليلاً، فتهتز بؤبؤ عينيه بشعور عجيب يكتنفه لأول مرة.