تحميل رواية «في ظلال الوادي» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
1 - "أرض الوادي حيث لا ينجو أحد!"وقفت في شرفة غرفتها الواسعة تطالع الخضرة الممتدة من حولها، تتابع بنظرات شاردة نسمات الهواء وهي تداعب أوراق الأشجار برفق آسر، فتتمايل الأغصان كأنها تشاركها صمتها وتأملها، وعلى الرغم من سكون ملامحها وصفائها الظاهر، إلا أن شرودها كان أعمق من مجرد تأمل عابر؛ صفاء يشبه صفاء زرقة عينيها، تلك الزرقة التي كانت تتعلق من بعيد بمشهد ركض الخيول في المساحة الفسيحة التي تلي الحديقة الصغيرة بمسافة قصيرة، حيث تنطلق بخفة وحرية، كأنها تُجسد ما تعجز هي عن بلوغه!قبضت بيديها الصغيرتي...
رواية في ظلال الوادي الفصل الأول 1 - بقلم زيزي محمد
"أرض الوادي حيث لا ينجو أحد!"
وقفت في شرفة غرفتها الواسعة تطالع الخضرة الممتدة من حولها، تتابع بنظرات شاردة نسمات الهواء وهي تداعب أوراق الأشجار برفق آسر، فتتمايل الأغصان كأنها تشاركها صمتها وتأملها، وعلى الرغم من سكون ملامحها وصفائها الظاهر، إلا أن شرودها كان أعمق من مجرد تأمل عابر؛ صفاء يشبه صفاء زرقة عينيها، تلك الزرقة التي كانت تتعلق من بعيد بمشهد ركض الخيول في المساحة الفسيحة التي تلي الحديقة الصغيرة بمسافة قصيرة، حيث تنطلق بخفة وحرية، كأنها تُجسد ما تعجز هي عن بلوغه!
قبضت بيديها الصغيرتين على السور الحديدي البارد، وكأنها تستمد منه ثباتًا تفتقده في داخلها، وغاصت في أفكار متشابكة لم تشعر معها بمرور الوقت، ولا بباب غرفتها وهو يُفتح بهدوء، ولا بدخول خادمتها "صفية" التي حاولت مرارًا أن تستعيد انتباهها دون جدوى، نادتها بصوت خافت ثم أعلى قليلًا، لكن "چيني" ظلت أسيرة أفكارها حتى اضطرت صفية أخيرًا إلى الاقتراب منها، فوضعت يدها على كتفها وربتت برفق، فلامست خصلات شعرها البنية القصيرة المنسدلة عند كتفها.
التفتت "چيني" فجأة بفزع، واتسعت عيناها وهي تقول بلهجتها الفرنسية المتأثرة بالدهشة:
-يا ألهي! صفية، هل جننتِ؟! لقد أفزعتيني حقًا!
تراجعت "صفية" خطوة إلى الخلف وهي تبتسم ابتسامة متحفظة، تحمل شيئًا من الحرج وشيئًا من الطاعة، ثم قالت بلهجتها البسيطة غير الفاهمة لما قيل:
-والله يا ست هانم أنا مافهماكي بتقولي إيه، بس شكلك اتخضيتي.
زفرت "چيني" بقوة كأنها تُفرغ ذلك القلق العالق بصدرها، ثم رفعت يدها تعيد خصلات شعرها إلى الخلف، وجلست فوق أحد مقاعد الشرفة الخشبية، محاولة استعادة هدوئها المعتاد، ذلك الهدوء الذي طالما تميزت به، في تلك الأثناء دخلت "صفية" إلى الغرفة وعادت سريعًا وهي تحمل وشاحًا خفيفًا، ثم وضعته فوق رأس "چيني" بعناية.
تذمرت "چيني" على الفور وقد انعقد حاجباها بضيق واضح، وقالت بنبرة معترضة:
-صفية! في إيه؟ أنا قاعدة في اوضتي، ليه تلبسيني طرحة؟
زمت "صفية" شفتيها في ضيق ثم أجابت بجدية لا تخلو من العتب:
-يعني يا ست چيني بقالك أربع سنين متجوزة البارون، ومش عارفة إنه مابيطقش يشوفك من غير طرحة، وزرابينه بتطلع على اللي خلفونا.
ارتسمت ابتسامة دلال هادئة على شفتي "چيني"، وقالت بنبرة رقيقة تكاد تهمس:
-عاصم لا يمكن يزعقلي، ولو طلبه بيطلبه بهدوء وبأدب.
لوت "صفية" شفتيها بامتعاض، وتبدلت ملامحها إلى الجمود ثم قالت بنبرة صريحة لا تعرف المواربة:
-عشان هو بيعمل دايمًا لصلة القرابة وأنك بنت عمه، لكن هو لا يعرف أدب ولا هدوء لا مؤاخذة....
صمتت "صفية" قليلًا كأنها تزن كلماتها بعناية، ثم قالت بنبرة منخفضة تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا، أشبه بهمسة مسمومة:
-عارفة يا ست چيني لو غلطتي غلطة واحدة بس! عارفة المؤدب والهادي اللي بتقولي عليه ده! يوم ما هيحب يعاقبك هيدفنك مكانك، وأبوكي نفسه مش هيقدر يشفعلك، كل ولاد عزام كده...
توقفت مجددًا وازداد ثقل الصمت بينهما، قبل أن تقترب خطوة أخرى وتتابع بصوت سوداوي كأنه يخرج من أعماق الوادي نفسه:
-قلبهم أسود، ميعرفوش حاجة عن الرحمة، لا عندهم عزيز ولا غالي، ولا بيخافوا من حد، ولا بيهابوا إلا شرهم، يعملوا لبعض ألف حساب، بس على غيرهم يدوسوا عليه بالجزمة في سبيل مصلحتهم، متعرفيش ليهم أول من آخر، لو ضحكوا في وشك اعرفي أنهم بيدبروا ليكي فخ، ولو شرهم بان إعرفي أن نهايتك جاية جاية.
شعرت "چيني" بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، فنهضت على الفور وأدارت ظهرها لصفية محاولةً إخفاء ارتجافها، وقالت بنبرة اتخذت من اللامبالاة درعًا هشًا:
-أنتي بتأفوري صفية على فكرة، أنا قعدت هنا أربع سنين مشوفتش حاجة عن اللي بتقوليه ده، وعلى طول وادي العرين هادي ومن غير مشاكل.
أسندت "صفية" ظهرها إلى ظهر المقعد خلفها، وأطلقت تنهيدة قصيرة، كأنها تحمل أوجاع سنوات لا تُحصى، ثم قالت بصوت خفيض:
-ما هو يا هانم، أهالي الوادي غلابة والبارون بيحكمهم بأيد من حديد، في خيالك يعني الأهالي دول هيغلطوا، لا طبعًا هيعملوا ألف حساب عشان عارفين إن في أقوى منهم، احنا غلابة اوي يا هانم.
التفتت "چيني" إليها بعصبية مكبوتة، وقد بدأ هذا الحديث يُربك معدتها ويعبث بصورة زوجها "عاصم عزام" في رأسها، ذلك الرجل الذي يجمع بين لقب الزوج وحاكم وادي العرين، وقالت بحدة حاولت إخفاءها:
-انتي جاية عايزة إيه صفية؟ أنا مكنتش عاوزاكي في حاجة!
مدت صفية كفها أمامها، وتلونت ابتسامتها من هادئة إلى ماكرة، وقالت بلا مواربة:
-إيدك يا ست هانم على فلوس الشهر، البت أختي لا مؤاخذة تعبت وبتفرهد بسرعة والشهر عندها بيمر في ثانية كده، فقولت أسكتها واحط الجزمة في بوقها، أصلها بوقها لو متقفلش واتراضت، الخراب هيجي على دماغنا لامؤاخذة!
ابتلعت "چيني" ريقها بتوتر ظاهر، غير أنها تماسكت سريعًا، واستدعت ذلك البرود المصطنع الذي أتقنته بمرور السنين، ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتيها، وانحنت قليلًا نحو "صفية" بجذعها العلوي، وقالت بنبرة ناعمة تحمل سخرية جارحة:
-انتي غلبانة أوي صفية....
ثم هتفت بلهجتها الفرنسية سريعًا، وهي تحدق في عيني "صفية" اللتين كانتا ترسلان شرارات الماضي وقراراته العبثية:
-ولكن أكثر إمرأة لديها الاستعداد الكامل لأن تعبد المال!..قذرة.
قالت كلمتها الأخيرة بابتسامتها الجميلة الرقيقة، وكأنها تُلقي شكرًا لا سبة في وجهها، فأخفت لحظة انكسار عابرة تسللت من معقل ثباتها وهدوئها، ثم استدارت دون أن تنتظر ردًا، واتجهت إلى غرفتها أخرجت رُزمًا من المال، وأشارت إليها بجدية قاطعة:
-خدي الفلوس دي لأختك وبزيادة، عشان نضمن بس إن الجزمة تفضل في بوقها.
ارتسمت على وجه "صفية" ابتسامة صفراء، فأخذت المال وضمته إلى صدرها، ثم قالت بنبرة عملية:
-البسي بقى يا ست هانم العباية وانزلي تحت عشان زمان عاصم باشا على وصول عشان ميعاد الغدا.
أومأت "چيني" بهدوء مصطنع، بينما تحركت صفية نحو الباب، وما إن اختفت خلفه حتى زفرت "چيني" بقوة، كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت، جلست فوق فراشها وبدأت تهز ساقيها بعصبية واضحة، بينما انهمرت عليها ومضات من الماضي رغمًا عنها… وجوه...أصوات، ووعود قديمة، كانت تظن أنها دفنتها، لكنها عادت الآن تطفو على السطح، تمامًا كما لو أن وادي العرين لا يسمح لأسراره أن تموت.
**
مسحت "چيني" دموعها بعنف، كأنها تحاول اقتلاع ضعفها من جذوره، وقالت بصوت متهدج يفيض توسلًا لصفية التي كانت متسمرة في مكانها، لا تُدرك تمامًا ما يحدث حولها:
-أرجوكِ صفية اقبلي وساعديني.
حركت "صفية" رأسها نفيًا، وقد بدت على ملامحها الحيرة أكثر من القسوة، إذ لم تستوعب لهجة "چيني" الفرنسية تمامًا، ثم قالت بصوت يغمره التوتر والارتباك:
-أنا مش فاهمة انتي بتعيطي ليه يا ست هانم؟ المفروض تفرحي...ولا تكونشي دي دموع الفرحة وأنا مش فهماكي؟!
استدارت "چيني" ببطء، ونظرت خلفها إلى مَن يقف هناك بنظرات غامضة مضطربة، كأنها تبحث في الوجوه عن خلاص أخير، أو عن علامة واحدة تُنقذها من المصير الذي يطبق عليها، ثم عادت بنظرها إلى صفية وقد ازداد رجاؤها وضوحًا، وقالت بصوت منكسر لا يحتمل التأجيل:
-صفية ساعديني وأنا لا يمكن أنساكي أبدًا، بس أنا مش هقدر أعمل كده...مش هقدر صفية، صدقيني، خلاص فات الآوان.
وساد صمتٌ طويل بينهما، صمت بدا وكأنه يبتلع الكلمات والدموع معًا، بينما ظلت "چيني" واقفة في مكانها، معلقة بين خوف ينهش قلبها، ورجاء أخير يتشبث بخيط واهٍ من الأمل، لا تعرف إن كان سينقذها…أم سيقطع آخر ما تبقى لها من قوة.
**
عادت "چيني" إلى واقعها فجأة، وكأن أحدهم نزعها قسرًا من أعماق ذاكرتها، فرفعت بصرها إلى الأمام بنظرة شاردة يكسوها حزن مؤلم، حاولت أن تُنظم أنفاسها المتسارعة، وأن تُعيد السيطرة إلى صدرها المضطرب، ثم نهضت بهدوءٍ مدروس وارتدت عباءتها الزرقاء دون أن تُغلقها، متحدية بذلك رغبة عاصم المتحكم بكل تفصيلة في حياتها، ما دامت جالسة داخل حدود أرضه وتحت سقف قصره.
وضعت الوشاح الأزرق الخفيف فوق خصلات شعرها البنية التي انسدلت من أسفله بعفوية محسوبة، ثم انطلقت تهبط من الطابق الثاني بخطوات رشيقة، تُلقي بنظرات عابرة على العاملين الذين يتحركون بنشاط محموم، الجميع في موقعه استعدادًا لقدوم "عاصم"، وكأن حضوره حدث يُعيد ترتيب المكان والأنفاس معًا.
جلست في مقعدها المخصص، وأمامها طبق الطعام الصحي الذي اختارته بعناية ذلك اليوم، ملتزمة بنظامها الغذائي الصارم، فهي تخشى السمنة وتعشق جسدها وجمالها، فهما سلاحها الوحيد للبقاء في موقعها الحالي؛ موقع لا يمنحها الرضا الكامل، لكنه على قسوته يظل أرحم من بدائل أخرى لا تجرؤ حتى على تخيلها.
وفجأة انتبهت إلى وقع خطوات قوية ترتطم بالأرضية الرخامية الصلبة، خطوات تحمل معها ثقل السلطة وهيبتها، التفتت تنظر إلى زوجها؛ ذلك الرجل ذو الوجه المتبلد، والنظرات الحادة المشبعة بقسوة تشبه قسوة الأرض التي ترعرع عليها، والتي أنجبت رجالًا من طراز عائلته، كان يسير بخطى ثابتة تشبه خطوات الملوك، لا يهاب شيئًا وكأن الكون بأسره يسير وفق أهوائه، رافعًا أنفه بكبرياء لا يسمح لأحد أن يتجاوزه.
جلس في مقعده المخصص له، أمام طاولة كبيرة عامرة بشتى أنواع الطعام والفاكهة، دون أن ينطق بكلمة ودون أن يُلقي عليها حتى نظرة ترحيب، شرع في تناول طعامه بصمت بارد، كأن وجودها لا يستحق الاعتراف.
التوى فمها ببسمة جانبية ساخرة، وانسابت من شفتيها كلمات بلهجتها الفرنسية، متعمدة أن لا يفهمها:
-عديم الذوق والأدب.
قالتها بهدوء ناعم وكأنها تُلقي وردة لا سُمًا، لكنها كانت تعلم جيدًا أن هذه الكلمات الصغيرة هي كل ما تبقى لها من تمرد صامت داخل قصر لا يعترف إلا بالقوة.
رفع بصره نحوها وترك ملعقته معلقة في الهواء، وحدجها بنظرات قوية نافذة، كأنه التقط معناها للتو، فهمت "چيني" تحوله المفاجئ في الحال فحمحمت بخفة مصطنعة، وقالت برقة محسوبة:
-سوري عاصم، مخدتش بالي، كنت بقول أنهم ظابطين الأكل اوي النهاردة.
أبعد نظره عنها ببطء لا يتناسب مع العاصفة المشتعلة في عينيه البنيتين القاتمتين ثم عاد إلى طعامه في هدوء شديد، وهو يتأمل الطاولة الكبيرة التي لم يشاركه الجلوس إليها سوى زوجته وابنة عمه "چيني"، بعدما تفرق شمل العائلة، وضرب القدر ضربته القاصمة فقسم أرض الوادي إلى شطرين يفصل بينهما سور شاهق، كأنهما بلدين غريبين، لكل منهما طباعه وقوانينه…حتى قلوب البشر لم تسلم من ذلك الانقسام.
انتبه "عاصم" فجأة إلى يدها وهي تنساب فوق ذراعه بهدوء، بينما ارتسمت ابتسامة دلال على ثغرها الوردي، وقالت بنبرة تحمل عتبًا ناعمًا:
-عاصم هو أنا كأني مش موجودة قدامك خالص، أنا مبحبش التجاهل.
لم يتغير الجمود المرسوم على ملامحه، لكن عينيه انخفضتا إلى حيث استقرت يدها فوق كفه، ثم قال بنبرة صلبة حادة:
-شيلي إيدك.
سحبت يدها على الفور، وابتسامتها لا تزال معلقة على شفتيها، كأن الإحراج لم يمسها أو لعلها اعتادت هذا الجفاء، لا سيما حين تابع هو بصوت منخفض محذر، لم يرفعه قيد أنملة وكأنه يكتفي بخشونة باردة تُضاعف وقع كلماته:
-أنا قايلك قبل كده، متتعديش حدودك معايا برة أوضتنا.
وسقطت كلماته بينهما كسكين غير مرئي، حاد بما يكفي ليترك أثره دون أن يُراق دم، بينما ظلت "چيني" تنظر إليه بثبات مصطنع، وكأن ما يقوله لا يعنيها، فتابع حديثه وهو لا يزال يتناول طعامه بنبرة مقتضبة:
-عايزة إيه؟
وكأنها كانت تنتظر تلك الجملة تحديدًا، فانطلقت تقول برجاء هادئ تختار كلماتها بعناية بالغة:
-عايزة أروح أزور ماما بليز يا عاصم، وحشتني اوي وأنا بقالي كتير مشوفتهاش!!
واصل تناول طعامه وكأنه لا يسمعها، ولم يُبدِ رفضًا أو قبولًا، فعاودت المحاولة بأسلوب مراوغ، تتسلل إلى عقله رويدًا تحاول اختراق صلابته بحذر:
-وأنا اوعدك مش هخرج ولا هروح في مكان، وهقعد مع ماما في البيت، بس بليز عايزة أشوفها.
رفع بصره نحوها فجأة ثم قال بهدوء لم تتخيل يومًا أن تسمعه بهذه البساطة الحاسمة:
-سافري وخدي صفية معاكي وده شرطي عجبك تمام، مش عجبك كأنك مقولتيش حاجة وكملي أكلك، أنا خلصت.
ثم نهض وهو يتنفس بهدوء، كأنما أنهى واجبًا ثقيلًا فحسب، وتعابير وجهه توحي بعدم تقبله لوجودها معه في المكان ذاته، رفعت حاجبيها في عدم تصديق، وقد أدركت في تلك اللحظة أن وجودها في حياة عاصم ليس أكثر من واجهة يحتفظ بها لسر دفين لا تعلمه، وأن ما بينهما لا يمت للمودة أو الحب بصلة، حتى حين يتشاركان الفراش، ينام في أقصاه تاركًا بينهما مسافة واضحة، أوسع من مجرد بُعد جسدي.
ألقت وشاحها بعيدًا وأخذت تتنفس بعنف، ثم تمتمت بلهجتها الأم وهي غاضبة:
-ما له يُلصق بي تلك المستفزة أينما ذهبت؟! لكن چيني لا تغضبي، المهم أنه وافق أخيرًا، وعليكِ الانطلاق سريعًا بعيدًا عن أسواره.
لذا رفعت صوتها تنادي "صفية"، التي حضرت مسرعة وعلى وجهها قلق ظاهر:
-نعم يا ست هانم!
باشرت "چيني" تناول طعامها من جديد، ثم قالت بأمر لا يحتمل النقاش، وقد بدا الامتعاض جليًا على ملامحها:
-حضري نفسك وادي باسبورك للمحاسب عشان يحجزلنا في أقرب وقت عشان هنسافر فرنسا لمامي.
زمت "صفية" شفتيها في ضيق واضح، ولم يُعجبها ما سمعت فقالت بهدوء حذر:
-لازم يعني يا ست هانم أسافر، ما تاخدي أي واحدة غيري..
ابتعدت "چيني" عن طعامها وقالت باعتراض حاد:
-انتي أصلاً تتمني تيجي معايا يا صفية؟ وبعدين أنا لو عليا مش عايزكي معايا، بس عاصم هو اللي قال، جهزي نفسك عشان مقولش لعاصم إنك معطلاني.
نهضت بهدوء وصعدت نحو غرفتها وهي ترفع هاتفها وتجري اتصالًا بوالدتها، بينما ظلت صفية تنظر إلى أثرها بضيقٍ ظاهر ثم تمتمت بغيظ:
-اه يا اختي مش عايزاني، وفي نفس الوقت تتمني أكون موجودة عشان تخرجي انتي وأمك العايقة تسهروا وتسيبوني مرزوعة في البيت.
زفرت بقوة وقد أثقلها القهر، ثم اندفعت نحو المطبخ وهي لا تزال تتمتم:
-ما كان مانع تروح لأمها ومريحنا، يا غلبك يا صفية..
توقفت فجأة ثم نادت على صديقتها في العمل، وقالت بنبرة يغلب عليها الضيق:
-بت يا نادرة أنا رايحة مشوار وجاية بسرعة.
ثم خرجت من القصر بخطوات مسرعة، تشد وشاحها الأسود حول وجهها وكأنها تحتمي به من أعين تترصد أو من أفكارها التي تثور في رأسها، كانت تخطو بثقة حاسمة نحو مدخل البلدة وكأن كل خطوة تُفرغ جزءًا من الغضب المتراكم في صدرها، أخرجت هاتفها بيد مرتجفة، وشرعت تجري اتصالًا بزوجها "شوقي"، الذي لم يُجب إلا بعد عدة محاولات زادت من احتقانها.
وما إن جاء صوته عبر الهاتف حتى انفجرت فيه دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لتطلق العنان لكل ما كتمته، انهالت عليه بالسباب والكلمات اللاذعة، دون أن تترك له مجالًا للرد، تفرغ فيه نوبة الغضب التي استبدت بها منذ أن علمت بأمر سفرها القسري مع "چيني"، لقد كانت كلماتها حادة كالسكاكين، مشبعة بالمرارة والضيق، تختلط فيها الشكوى بالاتهام، والخذلان بالسخط، بينما ظل صوتها يتردد في الطريق الخالي وهي تقول:
-بقولك قابلني دلوقتي حالاً، صحابك إيه يا اخويا بلا قرف، أصل ورب الكون ما أديك جنية واحد وعليا وعلى أعدائي.
***
في القاهرة بإحدى المناطق الهادئة التي يبدو على قاطنيها أنهم من ميسوري الحال، عادت "عائشة" من عيادتها مبكرًا على غير عادتها، فهي تعمل طبيبة أطفال، وتقع عيادتها على مقربة من مسكنها حيث تعيش مع خالتها الحبيبة "شريهان" وطفليها الصغيرين "ليلة وعمر"، اللذين لم يتجاوزا الخامسة من عمرهما بعد.
فتحت باب شقتها وهي تحمل أكياسًا ثقيلة مليئة بالحلوى والفاكهة، وما إن خطت إلى الداخل حتى استقبلها "عمر"، ممسكًا بلعبة «سوبر مان»، يركض بها في أرجاء الشقة الفسيحة دون كلل، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف فجأة، واتسعت ابتسامته وهتف بسعادة غامرة:
-مامي حبيبتي وحشتيني أوي.
ابتسمت "عائشة" بحب خالص، وانحنت لتحمله بين ذراعيها، تقبله بقوة وتغمره بحنانها، وتدفن وجهها في خصلات شعره الكثيفة الناعمة، ثم قالت بصوت مبهج لا يُخرجه إلا لطفليها الحبيبين:
-روح قلبي وحياتي وعمري كله يا عموري، وحشتني انت اكتر، بس يا بكاش أنا مغيبتش عنكم إلا خمس ساعات بس ورجعت بسرعة.
وقبل أن يُكمل "عمر" ضحكاته، دوى صوت خالتها "شريهان" من خلفه، بنبرتها الآمرة العابسة التي لا تتناسب أبدًا مع روحها المرحة:
-واد يا عمورة روح لم الألعاب دي، عشان محطش السيخ المحمي في صرصور ودنك.
وضع "عمر" يده فوق أذنه برعب مصطنع، وهو يكتم ضحكته بصعوبة:
-لا صرصور ودني لا يا تيتة شيري، خليها تسيب صرصور ودني في حاله يا مامي.
رفعت "عائشة" نظرها نحو خالتها، التي تجاوزت الخمسين من عمرها رغم أن ملامحها الشقية وحيويتها اللافتة تمنحانها عمرًا أصغر بكثير، كانت نبرة صوتها المشاغبة لا تفرق بين كبير وصغير، ولا تعرف طريقًا للهدوء، فاقتربت منها "عائشة" بخطوات هادئة، وقالت بعتابٍ خفيف لا يخلو من ابتسامة:
-يا خالتو إيه اللي بتعلميه لعمر وليلة ده بس؟!
رفعت "شريهان" حاجبيها باعتراض مشاكس، ولوحت بيدها في الهواء وهي تقول:
-يا شيخة! خايفة عليهم مني؟ ده المفروض تخافي عليا منهم! دول ممكن يفسدوا أخلاقي، والله يودوني البحر ويجبوني عطشانة.
وانفجرت ضحكتها العالية تملأ أرجاء الشقة، بينما نظرت
عائشة إليها بحب صامت، مدركة أن هذه المرأة بكل فوضويتها ومشاكستها، هي السند الحقيقي لها ولأطفالها، والركن الدافئ الذي احتمت به من قسوة العالم.
ضحكت عائشة بخفة وهي تتجه إلى المطبخ لتضع الأكياس فوق الرخام، تتبعها خالتها "شريهان" وتساعدها في ترتيبها، وبينما كانت هي تُخرج الحلوى والفاكهة وتضع كل شيء في مكانه، سألتها بنبرة عادية:
-أمال ليلة فين يا خالتو، نايمة؟
ارتسمت على وجه "شريهان" ابتسامة بريئة بعض الشيء، ثم قالت بصوت خافت حاولت أن لا يصل إلى أذن عائشة المنشغلة:
-طلعت تلعب فوق مع البت صاحبتها ميرال.
التفتت "عائشة" فجأة، وقد لمع الاستنكار في حدقتيها العسليتين، واقتربت من خالتها بخطوات سريعة، وقالت بنبرة عتاب هادئة لكنها حازمة:
-طلعت فين؟ ليه يا خالتو؟ هو أنا مقولتش قبل كده، عايزة تلعب معاها تلعب معاها هنا في البيت والبيت كبير ومفيهوش حد إلا انتوا، ليه تخليها تلعب معاها فوق.
زفرت "شريهان" بقوة وسحبت مقعدًا وجلست عليه، وقد بدا عليها الضيق وهي تعقد ذراعيها:
-الصراحة بقى يا عائشة أنتي مخنقة اوي عليهم، والعيال دي من حقها ياخدوا شوية حرية، البت صاحبتها بتنزل تلعب معاها هنا كتير، فيها إيه لما طلبت مني ليلة تطلع معاها مرة من نفسها! أنا الصراحة بقى وافقت والبت احنا عارفين عيلتها يعني في الأمان.
وقفت أمام خالتها وظهر الاستياء واضحًا على ملامحها، وقالت بصوت قوي تختنق فيه مشاعر الخوف أكثر من الغضب:
-أنا من حقي أحافظ عليهم يا خالتو بالطريقة اللي أنا شايفاها صح، وبعدين انتي قاعدة على النت وشايفة المصايب اللي بتحصل والبلاوي اللي بتقطع في قلوبنا، أنا مش هستحمل بنتي يحصلها حاجة.
توقفت لحظة ثم أكملت بنبرة أشد:
-لو سمحتي يا خالتو اللي اقوله يتنفذ، وبعدين ميرال دي عندها اخوات ولاد وكبار والله أعلم بقى تفكيرهم إيه ولا نظامهم أيه؟
ساد صمتٌ للحظة داخل المطبخ، صمتٌ لم يكن خلافًا بقدر ما كان خوفًا صريحًا....خوف أمً جربت الحياة وحدها، فقررت أن تُغلق الأبواب بإحكام، حتى لا يدخل منها ما لا تستطيع تحمله.
أنهت حديثها دفعة واحدة، ثم وقفت تأخذ نفسًا عميقًا لتفرغ غضبها، قبل أن ترمق خالتها بنظرة عتاب أخيرة، ثم صعدت إلى الطابق الأعلى، طرقت الباب عدة طرقات حتى فتحه رجل في الأربعين من عمره، طبيب جراحة يُدعى يامن، ابتسمت بتول ابتسامة مقتضبة ثم قالت بنبرة هادئة:
-ازيك يا دكتور يامن، لو سمحت ممكن تنادي ليلة.
ابتعد يامن بالباب وفتحه على مصراعيه، مبتسمًا بإعجاب لوجودها أمامه وعينيه تتفحصان كل أنش بها، بينما هي كانت تقف تفرك يديها بتوتر:
-ما تدخلي يا دكتورة عائشة، اقعدي معانا شوية.
رفعت حاجبيها باستنكار وقالت بنبرة مقتضبة:
-لا شكرًا، لو سمحت نادي ليلة عايزاها.
ثم رفعت صوتها قليلًا، صارمًا:
-ليـــلـــة.
ركضت "ليلة" من الداخل ومعها صديقتها "ميرال"، وما إن رأت والدتها حتى هتفت بسعادة غامرة:
-مامي، وحشتيني، جيتي بدري.
توترت "عائشة" من نظرات يامن المتفحصة، فحملت ليلة في حضنها وقالت بنبرة شبه مقتضبة:
-يلا ننزل، عايزاكي ضروري.
توقفت ميرال وقالت بتوسل طفولي:
-ما تسيبي ليلة تلعب معانا يا طنط عائشة عشان خاطري.
التفتت عائشة إليها بابتسامة صغيرة سرعان ما اختفت عندما التقت عيناها بعيني يامن، الذي لم يكف عن إعجابه بها ورغبته المعلنة وغير المعلنة في الزواج منها سرًا، رغم رفضها المتكرر:
-لا يا ميرال مينفعش تلعب تاني، بس لو عايزة تعالي العبي معاها عندنا.
ثم نزلت درجات السلم سريعًا وهي تتمسك بابنتها بقوة، وما إن دخلت شقتها حتى وضعتها على الأرض ووقفت تعاتبها بهدوء وحزم:
-من امتى وانتي بتلعبي مع حد في بيته يا ليلة، أنا مقولتش قبل كده اللي عايز يلعب معاكي يتفضل في بيتنا، وبعدين انتي أصلاً مابتحبيش مامت ميرال وبتقولي أنها بتعاملك معاملة مش كويسة، طالعة عندهم ليه؟
رفعت ليلة عينيها الزرقاوين وقالت بهمس يغلبه الأسف:
-مامتها مش فوق.
اتسعت عينا عائشة في صدمة لسببين، الأول هو ذلك الرجل الذي أرادها تدخل إلى بيته، وزوجته لم تكن موجودة رغم رفضها المتكرر وتهديدها له بالفضح، والثاني خوفها على ابنتها من هواجس الحوادث المنتشرة، ومن اعتداءات وسلب الطفولة.
-شفتي يا خالتو، مامتها مش فوق!
رفعت شريهان يدها لأعلى، وقالت بتقهقهر طفولي واضح:
-والله ما كنت أعرف، لا لا ده أنا ازعل منك كده يا لولي، يلا جت سليمة ادخلي غيري هدومك لما أحط الغدا، هنفضل طول اليوم نتعاتب ونموت من الجوع.
لم تتحرك الصغيرة قيد أنملة، كما لو أنها تتبع خفة شريهان في الفوضى ثم تعود للاختباء كالطفل، فزفرت عائشة بقوة ثم عادت ببصرها نحو صغيرتها وقالت بلهجة صارمة:
-أنا لما أقول على حاجة لا يبقى لا، ولما بمنعك عن حاجة بيبقى عشان مصلحتك، ميرال جت اخدتك وطلعتك فوق عندها عشان مامتها مش موجودة، طيب إيه بقى كان هيحصل لو مامتها جت وشافتك في بيتهم أكيد كانت هتضايقك بالكلام وتزعلك، وهي لو زعلتك أنا كنت هتخانق معاها عشان خاطرك.
مطت ليلة شفتيها بحزن واضح وقالت بأسف وخجل:
-أسفة يا مامي مش هعمل كده تاني أبدًا.
قبلتها عائشة بقوة في خديها ثم احتضنتها، دفنت رأسها في عنقها، تستنشق عبيرها الجميل وتملئ صدرها بحنان طفولي بريء، مستمعة لصوتها الصغير ويد طفلتها التي تحركها فوق ظهرها وتربت عليها بحنان يساوي كنوز العالم بأسره.
***
"في الوادي"
فتح "شوقي" باب غرفة صغيرة مبنية من الطوب الأحمر، لها باب خشبي رديء يكاد لا يستر ما خلفه، فوجد زوجته صفية جالسة في الداخل والغضب يكسو ملامحها كلها، ابتسم بسخرية وهو يُخرج سيجارة ويشعلها بتأن:
-ورحمة أمي الغالية في تربتها مابقتش أحب أجي الوادي عشان بوزك ده، في إيه يا صفية؟
رفعت صفية رأسها نحوه وحدجته بنظرة مشتعلة، ثم قالت باستنكار لاذع:
-لا وانت جاي عشاني مثلاً، ولا جاي عشان خاطر الفلوس يا حلو، فاكرني يالا مختومة على قفايا.
زم شوقي شفتيه بضيق ومد يده أمامه دون اكتراث، وقال بنبرة جافة:
-طيب هاتي يا حلوة الفلوس، والمرادي مفيش تنصصي ما بينا، أنا على الحديدة والدكتورة ماسكة إيدها عليا واللي نازل عليها مش معايا، فخدي اللي يكفيكي واطلعي بالباقي، انتي واكلة شاربة قاعدة في قصر البارون ببلاش، أنا اللي مصاريفي كتير.
ألقت صفية رُزم المال في وجهه بازدراءٍ واضح، وقالت بغيظ وقهر:
-قصدك اللي بتتعطاه هو اللي مخلص فلوسك، خدها كلها أهي يا شوقي، أنا كده كده مش هصرف ولا هتنيل أعمل حاجة.
انحنى شوقي يلتقط المال والسيجارة لا تزال في فمه، فأثارت كلماتها فضوله وجعلته يتمتم وهو يعدّ النقود بعينيه:
-ليه؟ حصل حاجة جديدة؟
أومأت برأسها وشددت نبرة غضبها أكثر:
-اه، البارون وافق إن الهانم تسافر لأمها فرنسا وشرط عليها أروح معاها، وأنا مش عايزة اتنيل أسافر يا شوقي، بكره الأيام اللي بكون فيها هناك.
أبعد شوقي السيجارة عن فمه وتسرب الاستهجان إلى صوته الفضولي:
-وافق! غريبة! هو مكنش مانعها تسافرلها من وقت ما عرف إنها بتسهر سهرات مش مظبوطة!
أطلقت صفية تنهيدة ثقيلة وقالت بلا مبالاة:
-اه وافق، وهالبس أنا فيها هي وأمها.
نظر إليها شوقي متعجبًا وهو يُدخل المال في جيب سرواله:
-أنا والله مستغربك يا بت في حد يطول يسافر فرنسا ويسيب القرف اللي احنا فيه!
ردت بحدة مكتومة:
-أنا مش عايزة، لما بروح معاها مبعملش حاجة غير أنها بتقعدني في أوضة أربع حيطان صغيرة ليلي زي نهاري،
الأكل ماسخ ومش حلو، والتليفون بتاخده عشان متضمنش إن أقول للبارون حاجة عن سهراتها، والأيام هناك بتمر عليا زي السجن.
صمتت لحظة ثم أضافت بابتسامة ساخرة ينبعث منها القهر:
-والله السجن أهون، أهو هلاقي ناس تفهمني وأفهمها، لكن هناك بقعد ومبفهمش كلمة من كلامهم.
امتعض وجه شوقي فهو يعلم كرهها للسفر مع زوجة البارون، لكنه لا يعنيه سوى أن المال صار في جيبه الآن، وهي لتذهب إلى الجحيم، تظاهر بالحاجة إلى المرحاض وقال بنبرة مستعجلة:
-طيب أنا هدخل الحمام وبعد كده همشي بسرعة عشان الحق الاقي موصلات لو عرفتي تكلميني قبل ما تسافري كلميني، سلام.
وقبل أن يدخل وقفت صفية وقالت بنبرة تحذيرية قاسية:
-ماتسهرش مع علي وفايز في رشيد يا شوقي، البارون مشدد اليومين دول على اللي بيروح هناك، واللي بيقع تحت ايده مابيسلمش، أخرهم الواد جلال راح هناك وشربوه سيجارتين محشين والواد اتدهول وقال إن البارون ناوي يشتري أرض القبّور اللي بعد رشيد، ولما البارون عرف إن هو اللي هلفط بالكلام قلعه ملط قدام أبوه وجلده ١١ جلدة وبيقولوا كان ناوي يعملها قدام العرين كله بس أبوه اتحايل عليه يخليها في بيته.
ابتلع شوقي ريقه متظاهرًا باللامبالاة:
-وأنا مالي يا صفية؟! أنا سيبت الوادي من زمان ولا عارف أخبار حد ولا يهمني أعرف حاجة، ولو سهرت مع فايز وعلي صحابي مابنجبش لا سيرة البارون ولا الروماني في حاجة، مش عايزين وجع دماغ.
ابتسمت صفية بسخرية وتنفست ببطء، ثم أخرجت ما في صدرها بنبرة هادئة شرسة:
-بس اللي جواك ومدفون لو حد شم خبر بيه، هيطير فيه رقبتنا كلنا يا شوقي، وكتر الشرب هيوديك في داهية، حافظ على الباقي من مخك سليم، عشان منشوفش أيام أسود من العباية اللي أنا لبساها دي.
تجاهلها شوقي بغيظ ودخل إلى المرحاض دون أن يلتفت، أما هي فرفعت بصرها إلى السقف، تحاول ترتيب أفكارها الهائجة، شاعرةً بسخط عميق تجاه زوجها؛ ذاك الرجل الذي اتفق معها أن يترك الوادي هو، حتى لا يثير الشبهات، ويتظاهر بالعمل في مصنعٍ بأحد أحياء القاهرة، بينما تركها هي في مواجهة المدفع، ولغلبها وقلة حيلتها…وافقت، وتغاضت عن طمعه، وهي تعلم أن الثمن يُدفع دائمًا من أعصابها وحدها.
***
مساءً، في "نجمة رشيد"....
ذلك الشطر الذي انفصل عن وادي العرين منذ زمن، وسُمي بهذا الاسم عنادًا في عائلة عزام بأكملها،
كان "موسى عزام" يخطو بجوار عمته في بهو قصره الفسيح بخطوات واثقة، يستمع إليها وهي تنفث غضبها:
-شوفت عاصم وجبروته رايح يشتري أرض القَبّور بتاعت أهل جوزي عند فيا بس، طيب هياخد إيه منها غير إنه عايز يكسر مناخيري.
جلس موسى على أريكة ضخمة، وأشار إلى عمته بهدوء متعمد فأطاعته وجلست، عندها ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، وقال بنبرةٍ باردة:
-ما عاش ولا كان اللي يكسر مناخيرك يا عمتي، كان نجح زمان إنه يعملها، هو لا كان هيشتريها ولا تهمه في حاجة، هو بيهوش زي كل مرة بيلعب من بعيد.
رفعت حاجبيها بدهشة ممزوجة بالقلق من بروده الغريب:
-ازاي يا موسى؟ عاصم لو اشتراها يبقى كده بيحاوطك يا بني من كل الجهات، الوادي من ناحية والناحية الوحيدة اللي فضلالك أرض عيلة جوزي، كده هيخنق عليك.
اتسعت ابتسامة موسى ابتسامة تليق بذئبٍ لا بإنسان، وقال بنبرة ماكرة:
-يا ريته يعملها ويبقى كده هو اللي بدأ بالشر، وقصاد كده أنا هشتري بيت السوالمي اللي في قلب وادي العرين ويبقى عليا وعلى أعدائي.
تسلل القلق إلى ملامح عمته فسألته بحيرة خافتة:
-والعهد؟!
نظر موسى أمامه نظرة شاردة، ثم تحولت ملامحه فجأة إلى شراسة صافية، وانتقام لمع في بؤبؤي عينيه العسليتين:
-يبله ويشرب ميته، مش هو اللي بدأ الأول وبيهاوش من بعيد، أنا اللي يرشني بالمياه أرشه بالدم.
وقبل أن تنبس عمته بحرف واحد، دوى صراخ أنثوي في أرجاء القصر، فكان صوتها مبحوح بالهلع:
-الحق يا روماني، الحقي يا حجة فايزة، الحقوا.
وقف موسى بطوله الفارع دفعةً واحدة، وحدج الفتاة بنظرة قاتلة أخرستها قبل أن تنهي جملتها، وصاح بصوت قاسٍ:
-اخرسي يا بت، صوتك مايعلاش في إيه؟ واقسم بالله لو كانت حاجة تافهة، لأكون قاتلك مكانك.
ارتجفت الفتاة وتلعثمت وهي تُثبت نظرها على فايزة، وقالت بصوت مرتعش:
-في واحد وقع من بلكونة ست لمياء ومات واللي زقه سي مصعب أخوك.
سكن البهو دفعة واحدة، كأن الهواء قد انقطع عنه،
تجمد موسى في موضعه، ولم يعد الغضب في عينيه كما كان قبل لحظات، بل حل محله شيءٌ أعمق… وأخطر،
تقدم خطوة واحدة، ثم قال بصوت منخفضٍ خرج كحد السكين:
-إيه اللي بتقوليه ده يا بت؟!
أومأت الفتاة برأسها سريعًا والدموع تترقرق في عينيها، وقالت باندفاع مرتجف:
-والله أنا شوفته بعيني.
أشاح موسى بوجهه قليلًا، وأغمض عينيه لثانية بدت كدهر، وحين فتحهما كان القرار قد استقر في أعماقه بلا رجعة، فقال ببرود مهيب:
-تعالي يا بت قربي.
اقتربت الفتاة منه بخطوات متعثرة، والخوف مرسوم بوضوح على ملامحها، وما إن بلغت المسافة التي أشار إليها بإصبعه، حتى باغتها بضربة قاسية بظهر مسدسه، فسقطت على الفور مغشيًا عليها.
التفت إلى عمته التي كانت تحدق في الفتاة، تلك التي خدمت في بيتها سنوات طويلة، فتمتمت برعب وذعر:
-هي هي...ماتت؟
هز رأسه نفيًا بهدوء مرعب، وكأن ما حدث لا يتجاوز أمرًا عابرًا، ثم قال بصوت جامد وبارد، كأن القسوة قد تجسدت في نبرته:
-لا بس هتموت لو فتحت بوقها بكلمة واحدة.
ثم استدار بخطوات واسعة وسريعة نحو الخارج، متجهًا إلى منزل عمته، بينما كان عقله ينسج عشرات الطرق لإنقاذ أخيه، ولم يشغل باله مَن قُتل، ولا بما حدث أصلًا؛ فقد صار كل ما عداه تفصيلًا لا يستحق الالتفات.
رواية في ظلال الوادي الفصل الثاني 2 - بقلم زيزي محمد
رواية في ظلال الوادي الفصل الثاني 2 - بقلم زيزي محمد
"قبو رشيد المعروف بالهلاك"
حاولت فتح عينيها مرارًا، إلا أن جفنيها كانا يثقلان كأنما التصق بهما الألم، ورأسها المتدلي يكاد ينفجر من وطأة الصداع العاصف الذي ينهشها بلا رحمة، وحين أجبرت نفسها على رفع رأسها والنظر حولها، صُعقت حين أدركت أن يديها وساقيها مكبلتان بحبال غليظة، مشدودة بإحكام حتى كادت تقطع دورتها الدموية.
ارتجف جسدها رعبًا، واندفع قلبها بالخفقان كطائر مذعور يبحث عن مهرب، بينما جالت عيناها في أرجاء الغرفة لتدرك الحقيقة المرعبة "لقد كانت داخل الجحيم ذاته".
كم كانت تخشى تلك الغرفة التي طالما تناقلت عنها الألسن قصصًا تقشعر لها الأبدان؛ غرفة لا يخرج مَن يدخلها حيًا، كما سمع الجميع من أفواه الأهالي، تناقلت الأخبار والروايات عنها حتى غدت ذكرى بشعة محفورة في الذاكرة الجماعية، مجرد غرفة لكنها كانت أداة ترهيب صامتة لكل مَن يسكن «نجمة رشيد».
فاحت رائحة الموت في المكان، رائحة خانقة تختلط بالرطوبة والصدأ، وكانت الأربطة الغليظة ملقاة على الأرضية الرخامية الصلبة كأفاعٍ نائمة تنتظر فريستها، والإضاءة الخافتة بالكاد تسمح برؤية باب حديدي ضخم، تتوسطه فتحة صغيرة بالكاد تتسع لعين متلصصة.
رفعت رأسها ببطء أشبه بالاحتضار، لتقع عيناها على سلاسل حديدية معلقة تتدلى من السقف، وإلى جوارها منصة إعدام تقبع في زاوية مظلمة، كأنها شاهد أبكم على نهايات كثيرة، ابتلعت لعابها بصعوبة وجف حلقها حتى شعرت بأنه يشتعل، في اللحظة التي دوى فيها صوت الباب الحديدي وهو يُفتح بصرير حاد.
دخل عم "صالح" مساعد "موسى عزام"، رجل في منتصف الخمسينات، وقد ارتسمت القسوة والجحود على ملامحه كأنهما خُلقا معه، كان وجهه جامدًا لا يعرف للشفقة طريقًا،
فقال ببرود:
-إيه يا شربات، مالك بتعيطي ليه؟
ارتجفت شفتاها وحاولت عبثًا تحريك المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه، تتوسل إليه بصوت متهدج ضعيف:
-وحياة أغلى حاجة عندك يا عم صالح، لتخرجني من هنا، أنا ماعملتش حاجة، أنا طول عمري خدامة الروماني وعيلة عزام شايلهم فوق راسي أنا وأهلي.
ارتفع جانب فمه بسخرية قاسية، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة متعمدة، ثم أخرج سيجارة وأشعلها لينفث دخانها وهو يقترب أكثر فأكثر، حتى دنا منها وهمس بنبرة جامدة خالية من الرحمة:
-لا عملتي يا شربات، لعبتي في عداد عمرك، وقفتي في القصر وقولتي إن مصعب بيه زق الواد وموته.
هزت رأسها نفيًا بجنون، وقد تجسد الرعب في ملامح وجهها الشاحب، وارتفعت صرختها فزعًا حين رأت السيجارة تقترب من وجهها وتحديدًا من عينيها:
-لا يا عم صالح، لا لا، أنا مشوفتش حاجة، لا مصعب بيه معملش كده.
لمع طرف السيجارة على مقربة خطيرة من عينيها حتى شعرت بحرارتها تكاد تخترق بؤبؤها، فأغلقت جفنيها بقوة وهي تصرخ بذعر:
-لا، ابوس ايدكم لا.
-صالح، خلاص ابعد عنها.
فتحت عينيها على الفور لكن لم يكن ذلك ارتياحًا، بل ذعرًا أشد وأقسى، فوجود "الروماني" في الغرفة لم يكن نجاة، بل إعلانًا صريحًا لهلاكها، تسارعت أفكارها في دوامة مرعبة،
هل سيقتلونها شنقًا بالحبال الملقاة؟ أم على منصة الإعدام؟
أم برصاصة من مسدسه الفضي اللامع؟ أم سيقيدونها بالسلاسل الحديدية ويتركونها تتلفظ أنفاسها الأخيرة جوعًا وعطشًا؟ أم أن هناك وسيلة قتل أخرى لم تتخيلها بعد؟
فمَن يدخل هذا المكان يُعد مفقودًا ولا مجال لخروجه حيًا، كما سمعت منذ طفولتها.
قال الروماني بنبرة هادئة تناقض الرعب الذي يغمر المكان:
-إيه يا شربات، خايفة ليه كده؟ الموضوع بسيط خالص متقلقيش.
طل عليها بطوله الفارع وهيبته الخشنة، فبدت صورته المتجسدة أمامها، بنظراته الجامدة وملامحه القاسية كقاتل متسلسل لا تعرف الرحمة طريقًا إلى قلبه، إن كان يمتلك قلبًا من الأساس! فشعرت أن الهواء من حولها يثقل وأن وجوده وحده كفيل بأن يسلبها قدرتها على التنفس.
-أبوس إيدك يا موسى باشا.....
نطقت كلماتها بصوت متوسل مبحوح:
-أنا حتة بت غلبانة وبجري على أكل عيشي بالحلال، ولما اشتغلت عندكوا يا باشا اتوسمت فيكوا الخير...
لم تكمل جملتها إذ ارتفع ضحكه القاسي فجأة في أرجاء الغرفة، ضحكة عالية خالية من أي معنى إنساني، وهو ينظر إليها بازدراء صريح، ثم دنا منها على حين غرة، وأخرج مسدسه الفضي ليضع فوهته في منتصف عنقها تمامًا، وقال بنبرة شرسة تقطر تهديدًا:
-اخرسي يا بت واكتمي خالص، اكتمي ومسمعش صوتك نهائي، أنا لو عايز اقتلك كنت قتلتك من يومين، بس أنا سايبك بمزاجي.
توسعت عيناها حتى كاد الرعب يقفز منهما، وهمست بصوت مرتجف غير مصدقة:
-أنا هنا بقالي يومين؟
جاءها الرد هذه المرة من صالح، ذلك الذي لم ينل من اسمه نصيبًا، فقال بنبرة منخفضة تحمل قسوة وغموضًا أربكها:
-محستيش بنفسك يا شربات، من حبوب الهلوسة اللي اخدتيها بس متقلقيش انتي دلوقتي فايقة وصايحة وأكيد واعية لكل كلمة هتقوليها.
أومأت برأسها بإيجابٍ متردد، ثم أعادت بصرها إلى موسى، الذي لم يزل يضغط بفوهة مسدسه على عنقها، فيما اخترق صوت صالح الصلد كيانها بأكمله:
-شوفتي إيه؟
هزت رأسها نفيًا بسرعة، ثم تلعثمت بالإجابة:
-مـ...مشوفتش حاجة يا بيه.
عاد سؤال صالح يخترق عقلها من جديد، بينما كانت ترصد التهديد الصامت المنبعث من عيني موسى القاسيتين:
-كنتي موجودة لما الواد وقع؟
هزت رأسها نفيًا بعنف وقالت بلهجة مرتبكة تتوسل النجاة:
-لا لا كنت عند أمي، أنا مكنتش موجودة ولا شوفت حاجة ولا أعرف حاجة، ولو عايزني أمشي من البلد كلها، هاخد أمي وأخواتي وامشي، بس اعتقني لوجه الله يا موسى باشا.
اعتدل موسى في وقفته ببطء، ثم أدخل مسدسه في سرواله من الخلف، وكأنما أنهى فصلًا مؤقتًا من الترقب في المقابل ابتسم صالح بسخرية وهو يربت على رأسها برضا مصطنع:
-قولتلك يا باشا، شربات هتمسح اللي حصل في الليلة دي من عقلها، وبعدين مين يقدر يقف في وش الروماني؟! اللي يقف في وشك نهايته معروفة.
ثم أشار بإصبعه إلى عنقه وهو ينظر إليها فكانت تلك المرتجفة تشبه غصن في مهب الريح:
-الدبـــح.
التفت موسى إليها قبل أن يغادر الغرفة، وقال بنبرة خشنة صلبة مشبعة بالعنف:
-أنا سامحتك مؤقتًا، مش عشان أنا طيب، عشان أنا عارف إن نيتك أكيد متأذنيش أنا واهلي، هتطلعي من هنا بس على شرط... ارجعي زي ما انتي وكملي شغل في بيت عمتي، بس عايزك تنقليلي كل كبيرة وصغيرة هناك، حتى الأكل بياكلوه إيه تيجي وتقوليلي، فاهمة؟
-فاهمة يا باشا، من عنيا.
أومأت بسرعة وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة تخفي
خلفها ارتعاشًا عميقًا، لقد أصبحت الأولى في نجمة رشيد التي تدخل فيها تلك الغرفة المشؤومة وتخرج منها حية، دون أن يكتب لها القدر أن تصبح مجرد جثة تُدفن في أرض رشيد دون أن يسأل عنها أحد.
أشار موسى إلى مساعده بفك وثاقها وإطلاق سراحها، فانطلق صالح ينفذ الأمر، يفك الحبال واحدة تلو الأخرى، بينما كانت تبتسم باتساع تستنشق أنفاسًا طويلة وكأنها تعود للحياة من جديد، لكن صدمتها جاءت كعادته قاسية عندما قال صالح بتهديد صريح:
-متفرحيش يا شربات، أنتي عايشة لفترة مؤقتة ولو غلطتي غلطة هترجعي هنا تاني، بس المرادي مش هتفوقي وتتكلمي معانا، هتكوني بتتحاسبي في قبرك.
أنهى حديثه مع آخر حبل فكه عنها، فانطلقت تهرول بخطوات غير متزنة وخائفة، وكأن وحشًا يطاردها من خلفها، أما صالح فكان يقف في الخلف مبتسمًا بسخرية يغمرها الشر، بينما وجدت نفسها تندفع داخل قبو شبه مظلم، تملؤه الغرف من كل جانب..
ومن بينها لمحت تلك الغرفة…ثم أخرى وأخرى، حتى وقعت عيناها على غرفة ينبعث منها نباح كلبين شرسين، صوتهما قوي ومخيف، تعثرت خطواتها من شدة الرعب، وانطلقت تركض بجنون، تبحث عن مخرج من ذلك القبو، لتدرك أن المكان لم يكن غرفة واحدة، بل متاهة من غرف التعذيب والهلاك.
***
في أحد أحياء المنصورة الشعبية، حيث تتلاصق البيوت كأنها تستند إلى بعضها اتقاءً للسقوط، وحيث الشوارع لا تتسع إلا لمرور شخصين بالكاد، جلست "غالية" في صالة شقتها الضيقة التي استأجرتها منذ خمس سنوات.
لقد كانت جدران المكان باهتة اللون، تحمل آثار الزمن والإهمال، وسقفها المنخفض يزيد الإحساس بالاختناق، وكأن الحزن ذاته قد قرر أن يُقيم معها ولا يغادر.
كانت تبكي بانهيارٍ تام، بكاء لا تعرف له بداية ولا نهاية، وقد التف حولها أهل الحي من النساء، يواسونها في مصيبتها الجلل، فهل هناك مصيبة أشد وقعًا على النفس من فقدان الأخ؟ ذاك الذي كان السند والظهر، وإن كان مكسورًا أو مُثقلًا بالهموم.
ربتت إحدى السيدات على يد "غالية"، التي كانت تقبض على المناديل الورقية بقوة، حتى تجعدت بين أصابعها، فيما كانت الدموع تنهمر وتسقط في حجرها، ورأسها منخفض كأنها تخجل من رفعه في وجه العالم، لكن صوت بكائها رغم خفوت نبرته، كان يمزق نياط القلوب ويجعل كل مَن في المكان يشعر بثقل الفقد.
قالت السيدة بصوت مشوب بالشفقة:
-اهدي يا غالية، خلاص يا بنتي اللي راح راح، محدش هيعمر فيها، عمره كده يا بنتي.
زمت "غالية" شفتيها بقوة، ومالت برأسها أكثر وهي تستمع إلى تلك الكلمات التي سمعتها بعشرات الصيغ خلال اليومين الماضيين؛ كلمات المواساة التي تتشابه حتى تفقد معناها، وذلك منذ أن وصلها خبر وفاة أخيها "إيهاب"، ومجيء جثمانه إلى مشرحة الطب الشرعي من تلك البلدة البعيدة التي كان يعمل بها، وهي تعيش في حالة من الذهول لا تنتهي.
لقد أخبروها إنه سقط من الدور الثالث، حادث قضاء وقدر… لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في خبر الموت ذاته، بل فيما تلاه، حين أُبلغت بأن أخاها كان يحاول سرقة شقة في البناية التي يعمل بها في إحدى ورش النجارة في الطابق السفلي، وأن أصحاب الشقة شعروا بوجوده، فداهمه الخوف وحاول الفرار، فانزلقت قدمه وسقط ليلقى حتفه في الحال.
لم تستطع "غالية" أن تستوعب تلك الرواية، ولم تعرف أيهما أشد قسوة، أن تفقد أخاها، أم أن يُلطخ اسمه بتهمة كهذه بعد موته، كانت تشعر وكأنها فقدته مرتين؛ مرة حين سقط جسده، ومرة حين سقطت صورته في أعين الناس.
انتبهت "غالية" على صوت خطوات هادئة عند باب الشقة، فرفعت رأسها قليلًا لترى عمها السيد "محمود" يدخل، فهو موظفًا في الشهر العقاري، يسكن في منطقة أرقى نسبيًا، وفي بناية أكثر نظامًا واتساعًا، تختلف تمامًا عن هذا الحي المكتظ الذي تسكنه "غالية" مع أخيها الراحل وأختها الصغرى "فريدة"، التي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها بعد.
دخل عمها "محمود" وهو يعدل نظارته الطبية بإيماءة معتادة، وملامحه تجمع بين الجدية والضيق المكتوم، وما إن لمحته السيدات حتى استأذن بالمغادرة، بعد أن أدين واجب العزاء لليوم الثالث على التوالي، خلا المكان إلا من "غالية"، وأختها التي لزمت غرفتها و"محمود" الذي جلس قريبًا منها.
نظر إليها برهة ثم قال بنبرة مقتضبة، لا تخلو من نفاد الصبر:
-مش كفاية بقى يا غالية عياط وتقفلي بابك على نفسك، العزا خلاص خلص.
لم ترفع "غالية" رأسها في بداية حديثه، لكنها شعرت بأن كلمات عمها كانت أوجع من كل كلمات المواساة السابقة، وكأنها تُطالبها بأن تنفض عنها الحزن بقرار إداري لا بقلب مكسور.
لكنها رفعت وجهها أخيرًا، تطالعه باستنكار شديد من بين دموعها المنهمرة، وقد تسلل القهر إلى صوتها المبحوح، فجاءت كلماتها مشحونة بالألم واليقين معًا:
-أنا مابخدش عزا إيهاب، مفيش عزا قبل ما أجيب حق أخويا يا عمي.
تجهم وجه عمها وبدا وكأنه تلقى صفعة غير متوقعة، فاستنكر حديثها على الفور ورد بنبرة غليظة ومتعمدة القسوة، كأنه يريد أن يوقظها من وهم تتمسك به منذ لحظة الوفاة:
-حق إيه يا غالية؟! أخوكي ميت على معصية، مات وهو بيحاول يسرق شقة الناس اللي كانوا مشغلينه، هتجيبي حقه من مين؟! احمدي ربنا إن هو مات، لو كان زمانه عايش كان زمانه دلوقتي فاضحنا ومحبوس، وبنجري وراه عشان نطلعه منها.
كانت كلماته كالسكاكين، لا تكتفي بتمزيق قلبها، بل تغرس فيه اتهامًا بعد اتهام، شعرت "غالية" بأن أنفاسها تضيق وبأن الجدران تقترب منها أكثر، وكأن البيت نفسه يشهد على ظلم يُلقى فوق روح أخيها الميت.
في تلك اللحظة اندفعت "فريدة" من الغرفة الوحيدة التي تشاركها مع أختها، لقد كانت الشقة في حقيقتها، بالكاد تصلح للحياة؛ صالة صغيرة تكاد تخلو من الأثاث، وغرفة واحدة ومطبخ ضيق، وحمام لا يتسع إلا لشخص واحد من شدة صغره، أما إيهاب رحمه الله عليه فكان ينام في الصالة، تاركًا الغرفة لأختيه حرصًا على خصوصيتهما، وتلك كانت إحدى صور شهامته التي لا تغيب عن ذاكرتيهما أبدًا.
وقفت "فريدة" أمام عمها، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها تقدحان شررًا، وقالت بصوت مرتجف لكنه صادق:
-أنا أخويا مش حرامي، وغالية عندها حق، الموضوع في إنّ يا عمي، أخويا لو حرامي كان سرق من زمان، مكنش اتغرب في بلد تانية وبعيدة عشان يحسن من دخلنا ويمنعنا من الشغل والبهدلة والمرمطة.
كانت كلماتها تخرج كأنها دفاع أخير عن صورة أخ رسمته في قلبها مثالًا للرجولة والاحتمال، لم تكن تتحدث عن ميت فحسب بل عن عمر كامل قضاه وهو يحاول أن يكون السند، رغم ضعفه وضيق حاله.
ضرب "محمود" كفيه ببعضهما في نفاد صبر، وقد بدت عليه علامات الاستياء والغضب، ثم وجه حديثه إلى "غالية" بنبرة تحمل توبيخًا أكثر مما تحمل حزنًا:
-الله يرحمك يا عطية مُت وسيبت بنتك تتربى غلط وترد على عمها، إيه يا غالية مربتيش اختك متردش على عمها وتزعق كده.
ساد الصمت للحظات...صمت مؤلم، لا يقطعه سوى أنفاس "غالية" المتلاحقة، ونشيج مكتوم حاولت كتمانه بلا جدوى، شعرت حينها أن المعركة لم تعد فقط مع حقيقة موت أخيها، بل مع عالم بأكمله قرر أن يدينه دون محاكمة، ويطالبها بالصمت والنسيان.
نهضت أخيرًا وقد واجهته بنظرة حادة تشبه الهجوم، على الرغم من وهن ملامحها وشحوب وجهها من فرط البكاء والسهر، لقد كان جسدها يرتجف، لكن عينيها كانتا ثابتتين، تحملان غضب سنوات دفينة انفجرت دفعةً واحدة:
-ابويا الله يرحمه لو عرف اللي انت عملته فينا، كان زمانه اتبرى منك يا عم محمود، طردتنا من شقة ابويا وامي وقولتلنا أصله بايعهالك قبل ما يموت، مع إن عمره ما قالنا حاجة، جوزت ابنك فيها مع إنك مقتدر وتقدر تتأجرله أي شقة يتجوز فيها، رميتنا في الشارع أنا واخواتي.
كانت كلماتها تتسارع كأنها تخشى أن تخونها شجاعتها إن توقفت لحظة واحدة:
-اتبهدلنا يا عمي وبدل ما كنا بنحاول نوفر حق الاكل والشرب، بقينا بنوفر كمان حق إيجار الشقة، وجاي دلوقتي بتتكلم على تربيتنا؟!
سكتت لثوان معدودة، وكأنها تجمع شتات نفسها ثم اندفعت من جديد، وقد اشتدت نبرتها، وتجمدت الدموع في مقلتيها من فرط الألم والخذلان الذي ذاقته هي وإخوتها منذ وفاة والديهما:
-تربية إيه يا أخي؟! سيبتني أنا اللي اربي، مع إنك انت الموجود، بتتهم إيهاب إنه حرامي، وهو عمره ما دخل علينا جينة حرام عمره ما عملها.
ارتفع صوتها أكثر وقد امتزج بالفخر والوجع معًا:
-إيهاب ساب كليته عشان أنا أكمل دراستي وابقى مهندسة وبردو معرفتش أكمل من قلة الفلوس، راح اتغرب في بلد تانية عشان فريدة تكمل الثانوية وتبقى دكتورة، كان بيجي أجازات وخاسس وتعبان والشغل هالكه وكل ما نقوله يقعد يقول لا ناكلها بالحلال، تعرف إيه انت عن إيهاب عشان تقول عنه حرامي.
ثم ختمت بصوت مرتجف لكنه متحدٍ:
-قطع لسان أي حد يقول على أخويا حرامي، فاهم؟!
لم يمهلها "محمود" فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ فجأةً هبطت صفعة قاسية على وجنتها، فدوى صداها في أرجاء الشقة الضيقة، فترنحت "غالية" خطوة إلى الخلف، بينما احمر خدها واشتعل الألم في رأسها.
حدجها عمها بنظرة قاسية، وقد فقد آخر ذرة تحكم، وقال بصوت غليظ مشبع بالاحتقار:
-قطع لسانك انتي يا كلبة، ازاي يا بت تتكلمي معايا كده؟ هو أنا اللي اتهمته ما الشرطة اللي قالت كده، إيه عايزة تكدبي الشرطة، الشهود قالوا يا اختي أنه حراااامي، سامعة أخوكي حرامي.
اقترب خطوة وصوته يعلو ويتهكم:
-كان مفهمكم إنه بياكلها بالحلال وهو الحرام كان أسهله، يا شيخة ده انتوا قرابة تعر وتشبهني أنا غلطان إني وقفت جنبكم، كنت المفروض افضحكم واقول للناس كلها حقيقة أخوكي اللي مصدعانا بيه.
ساد صمت قصير بعد كلماته، صمت أشبه بالهاوية لا يُسمع فيه سوى أنفاس "فريدة" المذعورة، ونشيج "غالية" المكتوم، وهي تشعر أن الضربة لم تكن على وجهها فقط، بل على كرامتها وعلى ذكرى أخ مات ولم يجد مَن يدافع عنه سوى قلبين مكسورين، على يتم كُتب عليها من جميع الجهات.
صرخت "غالية" بكل ما تبقى في صدرها من قوة، وقد تحولت نبرتها إلى حدة جارحة:
-اطلع برة، اطلع برة مش عايزين نعرفك تاني، أخويا اشرف من أي حد.
لم يرد محمود بل بصق باتجاههما باحتقار فج، ثم استدار مغادرًا وهو يتمتم باشمئزاز صريح:
-داهية تقرفكم، عيال تجيب العار.
أغلق الباب خلفه بعنف، فارتجت الجدران كأنها تشهد على نهاية صلة دم قُطعت بلا رجعة، وفي لحظة انفجار دفعت "غالية" زهرية صغيرة كانت موضوعة قرب الباب، فانطلقت بقوة واصطدمت بالأرض، لتتحطم إلى شظايا متناثرة كقلبها تمامًا.
ما إن ارتفع صوت الزجاج المتكسر حتى خارت قواها، فسقطت أرضًا وانفجرت باكية بانهيار كامل، كأن الصمود الذي تمسكت به أمام عمها قد استُنزف دفعةً واحدة،
فأسرعت "فريدة" نحوها، جثت إلى جوارها واحتضنت رأسها إلى صدرها، وهي تربت على شعرها بحنان مرتجف، وتهمس بصوت مبحوح غارق في الحزن:
-ربنا ينتقم منهم كلهم.
تشابكتا في بكاء صامت وضعيف وطويل، تبكيان على إيهاب؛ فقيدهما الذي لن يعوضهما أحد عنه، ذاك الأخ الذي لم يكن مجرد سند بل كان الأب والصديق والدرع الذي يحتمي بهما من قسوة الدنيا.
رفعت "غالية" رأسها قليلًا، وعيناها الزائغتان تستقران على الأريكة القديمة في صالة الشقة، حيث هناك كان ينام إيهاب في ليالي الشتاء القارس، تاركًا لهما الفراش لينعما بالدفء، وهناك أيضًا كان يقضي ليالي الصيف الخانقة، رغم عدم وجود تهوية أو حتى مروحة، مكتفيًا بحرارة المكان بينما يترك لهما المروحة الوحيدة ليحظيا بقليل من الهواء.
كان يتنازل عن كل شيء من أجلهما، تعليمه، راحته، شبابه، أصدقاؤه، وحتى المال القليل الذي يجنيه، لم يكن يحتفظ منه بشيء لنفسه.
وفجأة كأن قرارًا حاسمًا قد وُلد من رحم الألم، دفعت "غالية" اختها برفق بعيدًا عنها، ونهضت بسرع ثم جذبت حجابها الحريري، ووضعته فوق رأسها بإحكام، وقالت بنبرة صارمة لا تعرف التراجع:
-أنا مش هسيب حق أخوكي، اقعدي هنا ومتفتحيش لحد، أنا هروح اعرف إيه اللي حصل بنفسي في الليلة دي.
انتفضت فريدة خلفها والخوف الحقيقي يرتسم على ملامحها:
-هتعرفي ازاي، واحنا منعرفش البلد اللي كان شغال فيها يا غالية؟ ياما قولناله قولنا هي فين عشان لو حصلك حاجة، يقول أنا زي الجن متخافوش.
وقفت "غالية" عند الباب المتهالك، تفتحه وهي ترد بحزم تغلفه هشاشة الألم:
-هروح قسم الشرطة وهدي أي مخبر الـ ٢٠٠ جنية اللي معايا يقولي كل حاجة واروح البلد دي ازاي؟ ومش هسكت إلا لما أجيب حق إيهاب.
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها، وبدأت تهبط درجات السلم بسرعة، تحسم وجهتها وهي تمسح دموعها بظهر يدها بقوة، فلا مجال للبكاء ولا للانهيار مجددًا.
ولم تكن تعلم…أن هناك سيارة صغيرة تقف عند الطريق الرئيسي، وأن عيونًا خفية تراقب خطواتها، وتتبعها أينما ذهبت.
***
جلست "عائشة" في عيادتها تُعيد ترتيب محتويات مكتبها بعناية، بعدما بعثرها الصغار الذين توافدوا على العيادة ذلك اليوم، أولئك الذين كان من المفترض أن يكونوا مرضى، ولكنهم عاصفة صغيرة لا تهدأ، حتى علبة الحلوى لم تسلم من أيديهم، إذ فرغت تمامًا بعد محاولاتها المتكررة لإقناعهم بالجلوس بهدوء أثناء الكشف عليهم.
تنهدت "عائشة" بابتسامة، وهي تجمع الأوراق المبعثرة، وتعيد الأقلام إلى مواضعها، وقد بدا الإرهاق واضحًا في عينيها رغم دفء ملامحها، فهي تحب الأطفال حتى وإن أرهقوها، فصخبهم يذكرها بالحياة، وبأبنائها الذين ينتظرون عودتها كل مساء.
في تلك اللحظة، دخلت مساعدتها ليلى بخطوات هادئة، وقالت بجدية واضحة:
-مبقاش في حد برة يا دكتورة، ودي فلوس الكشوفات بتاعت النهاردة وفي كشفين اتصلوا وأجلوا الكشف لبكرة.
هزت "عائشة" رأسها بتفهم، وتناولت منها المال ثم وقفت من مكانها، وأخرجت بعض الأوراق النقدية من الدرج القريب، وقدمتها إلى ليلى بابتسامة صافية تحمل كثيرًا من العطف:
-خدي الفلوس دي وجيبي حاجة حلوة لعيال أخوكي وانتي مروحة يا ليلى.
اتسعت عينا ليلى بخجل ولوحت بيدها رافضة:
-لا يا دكتورة كده كتير والله، انتي امبارح مدياني بردو، كده كتير وعيالك أولى بالفلوس دي.
ابتسمت "عائشة" وهي تُعدل ثيابها، وتضع ما تحتاجه في حقيبتها الجلدية ثم قالت بنبرة آمرة لكنها دافئة:
-بقولك إيه مالكيش دعوة بعيالي، أنا زي الفل أنا وعيالي ورزق ربنا كتير اوي، وبعدين أنا بحب عيال أخوكي اوي، خديهم واشتريلهم حاجة حلوة، يلا روحي انتي وأنا هقفل العيادة وامشي.
أومأت ليلى برأسها بخجل ممتن، وأخذت النقود تدسها في جيب سروالها، ثم استأذنت بالانصراف بينما شرعت "عائشة" في إغلاق الأدراج، وترتيب ما تبقى استعدادًا للعودة إلى بيتها حيث ينتظرها صغارها ودفء أحضانهم.
انطلقت تطفئ أنوار غرف العيادة واحدة تلو الأخرى، ويسود المكان سكون تدريجي، لا يقطعه سوى صوت خطواتها الخافتة، وحين وصلت إلى الصالة الخارجية مدت يدها لتطفئ الأنوار الأخيرة، لكنها لم تشعر إلا بضربة عنيفة باغتت رأسها من الخلف.
ترنحت ثم سقطت أرضًا فاقدة للوعي، وانزلقت حقيبتها من يدها، لتتناثر محتوياتها على الأرض في مشهد فوضوي صامت.
وقف خلفها رجل ملثم يتأكد من غياب وعيها تمامًا، ثم انحنى وبدأ يعبث بمحتويات حقيبتها بلهفة، ينتقل بعدها إلى مكتب السكرتيرة، ثم إلى غرفة عائشة نفسها، يفتح الأدراج ويقلب الأوراق، ويبحث بعصبية ظاهرة.
وبعد دقائق من التفتيش العبثي، أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا وهو يغادر العيادة على عجل، تاركًا "عائشة" خلفه مسجاة على الأرض بلا حراك:
-مفيش أي عقود معاها او في مكتبها، ابعتلي عنوان بيتها لو عايزاني أروح ادور هناك.
جاءه الرد سريعًا وحاسمًا:
-لا بيتها لا، سيبني أنا وأنا هتصرف، امشي انت.
غادر سريعًا، تاركًا إياها ملقاة في منتصف الأرض، جسدها ساكن وملامحها شاحبة، في مشهد يقطع الأنفاس ويبعث القشعريرة في الأوصال، خيم الصمت على العيادة بعد رحيله، صمت لا يقطعه سوى أزيز الكهرباء الخافت، وبقايا الفوضى التي خلفها بحثه المحموم.
مرت دقائق بدت كأنها دهر كامل، قبل أن يُفتح باب العيادة من جديد، دخل رجل آخر كان قد قصد المكان خصيصًا لمقابلة عائشة والتحدث معها في أمر عاجل، خطا بضع خطوات إلى الداخل وهو يناديها باسمها، لكن صوته انقطع فجأة، وتجمد في مكانه وقد اتسعت عيناه رعبًا.
لقد كانت العيادة مقلوبة رأسًا على عقب، لا شيء في موضعه والأدراج مفتوحة والأوراق متناثرة، وفي منتصف الصالة كانت عائشة مسجاة على الأرض بلا حراك.
صرخ بفزع وهو يندفع نحوها:
-دكتورة، يالهوي يا خبر أبيض، يا نهارك اللي مش معدي يا شوقي، دكتورة اصحي...
انحنى محاولًا إفاقتها، لكن جسدها لم يستجب، وبرودة الخوف تسللت إلى أطرافه، تراجع خطوة إلى الخلف وقلبه يكاد يخرج من صدره، ثم استدار مندفعًا نحو الباب.
هبط الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي بخطوات متعثرة، يستنجد بحارس البناية وأنفاسه تتلاحق، ودقات قلبه تتسارع بعنف كأنها تنذر بكارثة أكبر مما تحتمل العقول.
-الحقوني، الدكتورة شكلها ماتت، الحقونا في حد موتها.
وكان صدى صوته المرتجف يرتد في أرجاء البناية، معلنًا بداية فوضى جديدة لم يكن أحد مستعدًا لها.
***
في "نجمة رشيد"
كان الليل ساكنًا على غير عادته، كأن البيوت تحبس أنفاسها خشية ما سيقع خلف جدرانها، دفع "موسى" باب غرفة أخيه بقدمه دفعة واحدة، لم تكن قوية فحسب بل مشحونة بالغضب والاحتقان، انفتح الباب بعنف وارتطم بالحائط، لكن مصعب ظل ممددًا فوق فراشه، غارقًا في نوم ثقيل، لا يشعر بشيء، كأن العالم من حوله قد انطفأ تمامًا.
تقدم "موسى" بخطوات سريعة، ومد يده وقبض على أخيه من الخلف، ثم جذبه بقسوة هزت جسده كله، وهو يصيح بأعلى صوته وقد خرج صوته مبحوحًا مشوبًا بالغضب:
-قوم يالا، قووووم يا****، قوم وفوق.
تأوه "مصعب" محاولًا الوقوف أمام جبروت أخيه الأكبر الذي باغته في لحظة، ورفع يده يفرك بها وجهه المتعب، وقال بصوت واهن تغلفه الحيرة:
-إيه يا موسى؟ أنا فايق في إيه؟!
لم يمهله "موسى" فرصة أخرى، فصفعه صفعة قوية دوى صداها في الغرفة، جعلت "مصعب" يترنح للخلف ويسقط أرضًا، رفع رأسه ببطء ونظر إلى أخيه بصدمة لم يعرف لها مثيلًا، فهذه هي المرة الأولى التي تمتد فيها يد موسى عليه،
همس بصوت مرتجف، وقد تجمدت الدهشة في عينيه:
-انت بتضربني يا موسى؟!
انحنى "موسى" نحوه، وكانت ملامحه مشدودة وعروق عنقه بارزة، والغضب يكاد يفيض من عينيه، فقال بنبرة غليظة تقطر قسوة:
-واموتك كمان لو كنت الشوكة اللي هتقسم ضهري، انت عارف لو عاصم عرف باللي عملته، هيعمل إيه؟ مش هيسكت إلا لما يضربني فيك، مش هيسكت إلا لما يزلني ويدوس على رقبتي.
نهض "مصعب" بسرعة ووقف في مواجهته، وقد تحولت الصدمة في عينيه إلى شراسة موجوعة، بينما تجمعت الدموع رغمًا عنه:
-انت كل اللي همك عاصم وبس، محدش بيفكر فيا، محدش بيسأل عني.
لم يحتمل "موسى" كلماته، فصفعه مرة أخرى وهو يصرخ بعنف وقد بلغ الغضب ذروته:
-قصرت معاك في إيه يا **** عشان تشرب مخدرات، فلوس وبتغرف وبتاخد ومحدش بيقولك حاجة ولا بيحاسبك، كل حاجة تحت أمرك، عايز إيه تاني يا كلب عشان تتعدل وتفوق لنفسك، بس ازاي المخدرات لحست دماغك.
ساد الصمت للحظة، لا يُسمع فيها سوى أنفاس متلاحقة وقلوب تنبض بالخوف والغضب، وكأن تلك الغرفة الصغيرة تحتضن صراعًا أكبر من جدرانها، صراعًا بين أخوين أحدهما يخشى الفضيحة، والآخر يغرق في ضياعه دون أن يمد له أحد يد النجاة.
ورغم أن الصفعات التي تلقاها كانت موجعة، فإن كلمات أخيه كانت أشد إيلامًا، وأعمق وطأة على كرامته الجريحة، شعر وكأن كل حرف يُقال له يهبط على صدره كضربة لا تُحتمل، فابتسم بسخرية مرة وهتف بصوت متكسر يحمل قدرًا من التحدي:
-على الأقل مريحاني، مش زيكم مش همكم إلا الفلوس والأرض والحكم، كل واحد ينام على الجنب اللي ريحه يا روماني.
لم يحتمل "موسى" سخريته، فانقض عليه بعنف أشبه بانفجار غضب مكبوت، وأخذ ينهال عليه بالضربات القاسية، وهو يصرخ وقد احمر وجهه واشتدت قبضتاه:
-ده أنا هنيمك بإيديا الاتنين دول في قبرك لو متعدلتش يا كلب وبطلت الهباب ده، سامع يالا، أنا مش فاضيلك ولا فاضي لمصايبك، إيه مبقاش ورايا حد غيرك ولا إيه؟!
لم يحاول "مصعب" الدفاع عن نفسه، رغم قسوة الضربات التي كانت تنهال عليه بلا رحمة، لم يعرف أكان ذلك بسبب الصدمة التي شلت جسده، أم لأن المخدرات قد فعلت بعقله ما فعلت، فأضعفت قدرته على الاستيعاب والمقاومة، كل ما شعر به هو اندفاع عنيف أبعده فجأة عن "موسى"، حين تدخل والده ووقف حائلًا بينهما.
كان "عثمان" واقفًا بثبات رغم ارتجاف قلبه، وصاح بصوت حاول أن يجعله حاسمًا:
-خلاص يا موسى كفاية، مصعب هيفوق لنفسه وأنا هتكلم معاه.
تراجع "موسى" بضع خطوات إلى الخلف، وهو يزفر بقوة وصدره يعلو ويهبط بعنف، رفع يده يمسح خصلات شعره المتناثرة عن جبينه، ثم قال بوعيد صارم لا مزاح فيه:
-ورحمة أمي الغالية في تربتها لو ما اتعدل لأموته بإيدي، وبنت عمتك مالكش دعوة بيها خالص، سامع ولا لا، البت دي هتجيب أجلك قريب.
ارتجف "مصعب" بين يدي والده، وبدا للحظة كطفل صغير تائه، رغم أن عمره قد بلغ الثالثة والعشرين، لم ينبس بكلمة لا موافقة ولا اعتراض، واكتفى بنظرة عناد قاس صوب أخيه، الذي يفوقه عمرًا بأربعة عشر عامًا، وكأن بينهما هوة لا تُردم.
ثم حول بصره نحو والده، الذي بدا هادئًا على غير المتوقع، إلا أن الألم كان واضحًا في عينيه، وقال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
-هوديك مصحة كويسة في مصر، محدش هيعرف إنك بتتعالج هناك متقلقش.
أبعده "مصعب" عنه بعنف، وقد اشتعلت عيناه بنارٍ غير مألوفة، وهتف بصوت مرتفع يحمل نبرة تهديد صريحة:
-لا...مش هروح مصحات، سامع مش هروح، والله لو فكرت تودوني مصحة لاروح لعاصم ابن عمي واطلب حمايته واكسركوا كلكوا مش في رشيد بس في الوادي كله، سامعين.
اندفع والده نحوه في هلع، محاولًا كتم صوته بيده، خشية أن يصل صراخه إلى مسامع "موسى"، فيشتعل غضبه من جديد، ويخرج الأمر عن السيطرة، اقترب منه وهمس بكلمات متقطعة وواهنة، يختلط فيها الرجاء بالخوف:
-خلاص اسكت مش هوديك، بس تتعالج هنا وتفوق من القرف ده.
ثم زفر بغضب مكبوت وأكمل بصوت خافت حاد:
-وبعدين تكسر مين يا كلب، تكسر أخوك اللي واقف زي الأسد في وش جبروت عاصم وعمايله، تطلب الحماية من عاصم اللي بإيده يقتلك ويعلق راسك في نص الوادي عشان يكسر عينينا، مش بعيد يكون عاصم هو اللي شدك للمخدرات واحنا منعرفش، ده ديب ويعملها.
لكن مصعب لم يُصغِ إلى كلمة واحدة، لم يكن يعنيه شيء سوى أمرٍ واحد، ألا يُرسَل إلى أي مصحة، أما الابتعاد عن المخدرات فكان في نظره أمرًا مستحيلًا، بل كابوسًا لا يملك القدرة على مواجهته.
استدار فجأة واتجه نحو فراشه بخطوات مترنحة، ثم ألقى بجسده فوقه، واستسلم للنوم من جديد، كأن ما دار قبل لحظات لم يكن سوى ضجيج عابر، أدار وجهه بعيدًا وسد أذنيه عن حديث والده المتواصل، وعن كراهيته المتفجرة لابن أخيه عاصم.
لقد نجح مصعب مرة أخرى في رفع الراية التي يستسلم لها الجميع، الراية التي تجعلهم يتراجعون خطوة إلى الخلف، ويتركونه وشأنه، مهما بلغ فساده أو ضياعه، إنها راية اسمها واحد…"عاصم عزام".
***
خرجت "غالية" من قسم الشرطة، وقد خانتها ساقاها فلم تعودا قادرتين على حملها، بعد أن سمعت من المخبر كل ما يؤكد في نظرهم أن شقيقها لم يكن سوى لص، وأنه سقط أثناء محاولته الهرب، وأن الواقعة لم يشهدها شاهد واحد بل عدة شهود.
بلدة بأكملها كما قال، تشتهر بالنفوذ وتخضع لسطوة عائلة بعينها، تلك العائلة التي لا يُرد لها أمر.
كانت كلماته الأخيرة تتردد في أذنيها كصدى ثقيل لا ينقطع:
-أنا هكلمك بأمانة انسي حكاية أخوكي، عيلة عزام دي عيلة تقيلة ومش سهلة، وطالما قالوا أخوكي حرامي وكان بيسرق يبقى كان فعلاً كده، القضية اتقفلت والموضوع خلاص، ولو المأمور كان شاكك واحد في الميه إن أخوكي برييء مكنش هيسكت، ولو فعلاً أخوكي مظلوم فهو خلاص مات بسره أصله يعني بيشتغل نجار في ورشة النجارة اللي تحت، إيه اللي طلعه فوق في الدور التالت في شقة الست صاحبة العمارة، وكمان نط من بلكونتها يا بنتي ووقع بحديد البلكونة.
سارت "غالية" مترنحة وشاردة الذهن، تخطو في الشارع أمامها بلا وعي، لا تسمع أصوات أبواق السيارات، ولا صرخات الرجال الذين يحذرونها من السير في هذا الطريق السريع، ولا ترى شيئًا مما يدور حولها.
كل ما تشعر به هو صورة "إيهاب" تتجسد أمامها من بعيد، بابتسامته الصافية التي طالما منحتها الطمأنينة،
حتى أفاقت على لحظة خاطفة، لحظة توقف سيارة مسرعة أمامها فجأة، كادت أن تدهسها لولا عناية خفية، تجمع المارة حولها، تتعالى أصوات العتاب واللوم على سيرها بشرود في طريق يعج بالمركبات.
كانت تحرك رأسها ببطء نحوهم، والدموع تتجمع في مقلتيها، بينما ينهش الضعف قلبها نحرًا، حزنًا على فقدان شقيقها.
وفجأة شقت سيدة في الخمسينات من عمرها الدائرة المحيطة بها واحتضنتها بقوة، ثم صاحت بأعلى صوتها في وجوه الجميع:
-بس خلاص خلصنا، اقعد ساكت يا راجل منك له، ابعدوا عنها.
سحبتها بسرعة نحو سيارة فخمة كانت تقف على مقربة، فتحت الباب الخلفي وأشارت إليها بالدخول قائلة بنبرة حانية:
-اركبي يا حبيبتي، أنا هوصلك بيتك، اركبي متقلقيش.
وكأن "غالية" كانت مسحورة، بلا إرادة ولا مقاومة جلست في المقعد الخلفي، لحقتها السيدة وجلست إلى جوارها، بينما كان في المقدمة سائق يجلس في صمتٍ تام.
انتبهت "غالية" إلى صوت إغلاق الباب، ثم التفتت إليها السيدة بابتسامة واثقة وقالت:
-محسوبتك أم ناصر أجدع تاجرة فاكهة في المنصورة كلها، وأنا بردو اللي هدلك ازاي تاخدي حق أخوكي من اللي قتلوه ومن واحد واحد في عيلة عزام.
***
في القاهرة…
في إحدى المستشفيات الحكومية، جلست عائشة فوق أحد الأسرة، تمسك برأسها بألم نابض، بعدما تلقت العلاج المناسب ونجت بأعجوبة، كان العبوس يكسو ملامحها، لا بسبب الألم وحده، بل لوجود أكثر رجل باتت تكرهه في حياتها مؤخرًا، جالسًا أمامها وكأنه صاحب حق.
زفرت بقوة وقد نفد صبرها، ثم همت بالحديث بنبرة حادة لا تخلو من الانفعال:
-انت عايز إيه يا شوقي؟ قاعدلي ليه كده؟ فلوس ومش معايا اديك شوفت اتسرقت، عايز إيه بقى؟
لم تكن تعلم أن الدناءة قد تجسدت في أبهى صورها في شخص شوقي نفسه؛ فهو مَن سرق المال، مستغلًا حالة الفوضى التي عمت العيادة وما تعرضت له من اعتداء، أنهى كل شيء بذكاء خبيث، وحول الواقعة إلى محاولة سرقة مجهولة، بل وذهب بنفسه إلى قسم الشرطة ليستكمل المحضر، رغم أن مقتحم العيادة لم يمس المال من الأساس.
ابتسم شوقي ابتسامة مصطنعة، وتحدث بنبرة امتزج فيها الادعاء بالوقاحة:
-انتي بتعامليني ليه كده يا دكتورة؟! ده أنا حتى كنت قلقان عليكي، خوفت يحصلك حاجة لامؤاخذة عيالي يتشردوا، أصل هلاقي مين زيك يربيهم ويكبرهم وان شاء الله تخليهم دكاترة زيك.
كادت تصرخ في وجهه، وأن تطلب منه الرحيل فورًا، أن يكف عن تذكريها وكأن وجوده في حياتها قدر لا فكاك منه، لكن صدمتها تضاعفت حين مد يده أمامها فجأة، وهو يقول بابتسامة مستفزة لا تخطئها العين:
-ايدك على عشرين ألف أنا ظروفي مش ولابد لامؤاخذة، بس عشان اللي حصلك هسكت يومين واسيبك.
اندفع الدم إلى رأسها من شدة وقاحته؛ فقد اعتاد أن يزيد المبلغ شهرًا بعد شهر، حتى باتت عاجزة عن تلبية مطالبه، نظرت إليه بعينين تقدحان غضبًا، وقالت بصوت مخنوق تحاول كبح انفعاله:
-انت واحد أناني ومش محترم، يعني مش شايف منظري ولا أني اتسرقت وقاعد وبتطلب مني فلوس زيادة عن اللي بتاخده.
اتكأ شوقي إلى الخلف ووضع ساقًا فوق الأخرى، وارتسمت على شفتيه ابتسامة استفزازية أكثر جرأة، قبل أن يردد بنبرة غامضة أربكتها وزادت من خوفها:
-الله مش عيالي وبطلب حقي، فوقي كده يا دكتورة عشان منزعلش من بعض، أصل أنا زعلي وحش أوي...
ثم سرعان ما تغيرت ملامحه وتصنع الحزن قائلاً:
-مش كفاية مستحمل موت أمهم الله يرحمك يا صفية، سيبتيني اتبهدل من بعدك.
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية في ظلال الوادي الفصل الثالث 3 - بقلم زيزي محمد
الفصل الثالث.
"لقاء الجبابرة"
زفرت "عائشة" في ضيق مكتوم، زفرةً أثقلت صدرها أكثر مما أراحته، وهي تُصغي إلى حديثه المتواصل الذي لا ينتهي؛ عن وحدته المزعومة وحاجته الدائمة للمال، وحزنه المدعي على موت زوجته "صفية"، وحرمانه القاسي كما يزعم من رؤية طفليه.
آلام كان يسردها بإتقان لكن في نظرها لم تكن سوى قشور هشة، لا تنطبع ولو ببوصة واحدة على ملامحه المتخمة بالمكر والدهاء، فوجهه طالما بث في قلبها خوفًا غامضًا لم تستطع تفسيره، لكنها باتت تُجيده اليوم؛ خوف من رجلاً لا يعرف إلا الأخذ، ولا يتقن سوى لعب دور الضحية.
كانت عيناها شاردتين وعقلها غارقًا في دوامة من الأسئلة الثقيلة، حتى انتبهت فجأة إلى صوته المستفز يخترق سكون الغرفة بنبرة وقحة:
-ها يا دكتورة قولتي إيه؟ أجيلك امتى؟ بكرة ولا أسيبك كمان يومين تكوني دبرتي الشهرية لا مؤاخذة.
تجمدت الكلمات في حلقها قبل أن تخرج، وكأن لسانها خذلها في اللحظة الأكثر احتياجًا للكلام، لكنها لم تُمنح فرصة الرد، إذ باغتته خالتها "شريهان" بضربة قوية فوق رأسه من الخلف، مستخدمة حقيبتها وهي تصرخ بانفعال حاد:
-لا مؤاخذة تاخدك يا بعيد، إيه يالا مبتشبعش فلوس، ده انت بتعبد الجنية عبادة، والله ربنا رحمها مراتك وماتت عشان متشوفش وشك العكر ده.
التوى فم شوقي بضيق ظاهر وتصلبت ملامحه لوجود تلك المرأة التي يكن لها كراهية دفينة، فكان حضورها ثقيلاً عليه، ونظراتها القاطعة تُربكه لذلك فضل الهروب كعادته، نهض سريعًا متجاهلًا إياها، ووجه حديثه إلى "عائشة" بنبرة حاول أن يُخفي فيها غيظه:
-همشي أنا يا دكتورة والف سلامة، وزي ما اتفقنا كمان يومين.
لكن "شريهان" لم تُمهله، تقدمت بخطوة حاسمة وأغلقت الباب قبل أن يخرج، ثم استدارت نحوه قائلة بحدة لا تعرف المواربة:
-بص بقى يا شوقي، لا يومين ولا يوم ولا عشرة مفيش فلوس تاني، إيه مشبعتش؟! خمس سنين بتلهف فلوس ومستغل الهبلة بنت اختي وأنا ساكتة، لكن لغاية هنا وخلاص، اللي نهبته خلاص حلال عليك، بس يا أخويا الفلوس اللي معاها خلصت واللي بقى يجي من العيادة بقى على قد اللي رايح، واديك شوفت اهي اتسرقت النهاردة واتضربت على راسها، يعني هتأجز في البيت، فمفيش فلوس.
عاد "شوقي" ببصره إلى عائشة، يرمقها بنظرة حادة مشوبة بالاستنكار، كأنها شريكته في هذه المؤامرة ضده، غلى الدم في عروقه ولم يستطع كبح غضبه أكثر، فانفجر صارخًا:
-لا، لا مؤاخذة احنا متفقين، تاخد مني عيالي تربيهم وآخد أنا فلوس عشان استحمل بعدهم عني.
شهقت "شريهان" بسخرية لاذعة، وألقت حقيبتها فوق الفراش الذي تجلس عليه "عائشة"، تلك التي تتابع المشهد في صمت قاتل وقلبها يخفق بعنف كطبول حرب داخل صدرها:
-تاخد مين يالا، انت اللي جيت واتحايلت وبوست الأيادي ولما بنت اختي الهبلة اتعلقت بالعيال اوي، انت بقى دوست وبقيت شايف إن الفلوس دي حق مكتسب، مع إن واحد غيرك كان يحط الجزمة في بوقه ويسكت ويحمد ربنا، إن عياله بيتربوا أحسن تربية وداخلين مدارس غالية وعايشين عيشة انت مكنتش تحلم تعيشهالهم.
تصاعد الغضب في أوردته حتى كاد يحرقه من الداخل، وشعر بسخط عارم وهو يواجه جبروت تلك السيدة التي لم تخشَه يومًا، ولم تنحنِ أمامه كما تفعل عائشة؛ تلك التي طالما قابلت مطالبه بالصمت والموافقة، لا عن ضعف خالص، بل عن خوف دفين من خسارة تعرف أنها لن تحتملها.
زمجر بصوت حاد واندفع بكلماته كالسكاكين، يحاول أن يستعيد بها سيطرته التي شعر بأنها تتفلت من بين أصابعه:
-وقصاد كده الدكتورة عايشة دور الأمومة اللي كانت هتفضل طول عمرها محرومة منه! أمال هي بتديني الفلوس ليه يا حاجة شريهان؟! مش عشان ما آخدش منها العيال وتتحرم منهم؟ ومتسمعش كلمة ماما عمرها كله ولا إيه يا دكتورة؟ مش كلامي صح بردو؟
تجمعت الدموع في عيني "عائشة" سريعًا، كأنها كانت تنتظر إشارة واحدة لتنهار، وضعت يدها فوق بطنها تقبض على ثيابها بقوة، محاولة كبح انفعالاتها حتى لا ينكشف انكسارها أمام ذلك الرجل الذي لم يرَ فيها يومًا سوى وسيلة.
لكن الذكريات القديمة زحفت بغدر إلى ساحة عقلها؛ ومضات موجعة من سنوات الحرمان، من ليالٍ باردة خالية من صوت طفل، ومن دعوات خافتة كانت ترفعها إلى السماء ثم تعود مكسورة، لم تكن تريد أن تتذكر… لكنها أُجبرت،
فجاءت كلماته التالية كصفعة قاسية، فرفعت نظرها إليه لتجده يحدق بها بغلظة متعمدة، ثم أخرج عباراته بتمهل مقصود، وبشيء من التلذذ وهو يرى الصدمة ترتسم على وجهيهما:
-هقول تاني عشان شكل الدكترة مركزتش وكانت سرحانة، المرادي أنا مش جاي في عشر آلاف ولا حتى ١٥ ألف أنا جاي في ٥٠ ألف جنية، أنا تعبت من اللف والشغل عند الناس وآن الأوان استقر وافتح لي مشروع اتسند عليه.
ثم أدار وجهه نحو "عائشة"، التي بدت كمَن فقد القدرة على التنفس، وكانت نظراتها تتعلق بخالتها طلبًا للنجدة، لكنها لم تكن أقل صدمة منها، وقال ببرود جارح:
-ولو ماعكيش يا دكترة ومش قادرة، ساهلة خالص هاخد عيالي واتصرف أنا وفي مية ألف واحدة زيك كده يتمنوا يسمعوا كلمة ماما، يلا من غير سلام لا مؤاخذة.
غادر الغرفة صافقًا الباب خلفه بقوة، غير آبهٍ بكونهم في مستشفى، ولا بالأنفاس المكسورة التي تركها وراءه،
وضعت "عائشة" يدها فوق رأسها، وانسابت الكلمات من شفتيها هامسة ومشوشة، كأن عقلها تلقى ضربة أفقدته التوازن:
-هجيب منين المبلغ ده يا خالتو؟ أنا مامعيش هجيب منين؟!
رفعت "شريهان" حاجبيها باستنكار، وكانت أسرعهم تعافيًا من الصدمة، فقالت بحدة ممزوجة بالقلق:
-انتي اتجننتي؟! انتي موافقة على كلامه يا عائشة؟ سيبك منه ده واحد استغلالي وكلب، وانتي فاكرة إنه يقدر ياخدهم ويصرف....
قاطعتها "عائشة" بانفجار من البكاء، خرج صوتها مبحوحًا مجروحًا والصدمة لا تزال منقوشة على ملامحها:
-ياخد مين؟ دول عيالي أنا! أنا اللي ربيتهم وكبرتهم وسهرت عليهم، دول حبايبي ومقدرش استغنى عنهم، أنا عايشة عشانهم وهانحت في الصخر عشانهم، أنا لو بيعت هدومي وكل حاجة أملكها يبقى عشانهم، متحطنيش في مقارنة إني اسيبهم أبدًا...ده لا يمكن يحصل، لا يمكن يحصل.
ظلت تكرر الجملة الأخيرة دون وعي، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل غيرها، ثم نهضت فجأة وقالت بلهفة يختلط فيها الخوف بالذعر:
-يلا بينا بسرعة نلحق نمشي قبل ما الولاد يرجعوا من النادي، وميلاقونيش ممكن يخافوا وميعرفوش يتصرفوا.
وما إن همت بالوقوف حتى داهمها دوار عنيف، فاختل توازنها وسقطت مغشيًا عليها فوق الفراش من جديد، بينما كانت الدموع لا تزال تشق أخاديدها فوق خديها الشاحبين،
فصرخت "شريهان" بفزع وهي تندفع نحو الباب، تستنجد بأحد الأطباء، وقلبها يخفق بخوف حقيقي هذه المرة… خوف من أن يكون الثمن أكبر مما تستطيع عائشة احتماله.
***
جلست "غالية" في أحد المقاهي الشعبية بمدينة المنصورة، حيث تختلط رائحة القهوة النافذة بدخان السجائر، وتتعالى همهمات الزبائن من خلفهما فكان المشهد عليها غريب ولم تكن تتخيل يومًا أنها ستكون بطلته، جلست إلى جوار تلك السيدة الغريبة، التي لم يمضِ على تعارفهما سوى ساعات قليلة منذ خروجهما معًا من قسم الشرطة، وكل ما قالته لها في الطريق لم يتجاوز جملة واحدة مبهمة:
"أنا هساعدك تنتقمي وتجيبي حق أخوكي"
كانت "غالية" تشعر بأن قلبها معلق بخيط رفيع من القلق، يتأرجح مع كل نفس يخرج من صدرها، مر بصرها على الوجوه المحيطة بها، وجوه كثيرة وغريبة، لا تعرف أحدًا منها، فازداد شعورها بالاختناق، عادت ببصرها نحو تلك السيدة، واقتربت منها قليلًا.ثم همست بصوت مبحوح يشوبه ارتجاف لم تستطع إخفاءه:
-هو انتي تعرفي إيهاب أخويا؟
رفعت "أم ناصر" كوب الشاي إلى شفتيها، ارتشفت منه القليل بتأنٍ مقصود، ثم أعادته إلى الطاولة وكأنها تتعمد إطالة اللحظة، قبل أن تجيب بنبرة غامضة لم تُطمئن قلب "غالية" قيد أنملة:
-مش بالظبط، بس كنت أسمع عنه كل خير وأسمع إنه واد أمين وشهم وميعملش كده أبدًا.
التفتت "غالية" إليها بجسدها كاملًا، وكأنها تستعد لمواجهة غير معلنة، وقالت بنبرة حذرة تحمل حدة واضحة:
-بلاش لف ودوران، منين متعرفيهوش ومنين جايبة الثقة دي كلها في الكلام عنه، خليكي صريحة وقولي عايزة إيه؟!
ارتسمت على شفتي "أم ناصر" ابتسامة هادئة، لكنها لم تكن مريحة على الإطلاق، خاصةً حين تحدثت بلهجة جادة تحمل من القسوة ما يكفي لبث الخوف في نفس "غالية":
-أنا غرضي شريف يا بشمهندسة غالية، مش بشهمندسة بردو؟!
التوى فم "غالية" بتهكم واضح، وانفلت غضبها دفعةً واحدة، وقالت باستنكار حاد:
-لا بقى ده انتي تعرفينا اوي، انتي عايزة إيه؟
بدلت "أم ناصر" نبرتها، محاولة تخفيف حدتها بأسلوبٍ لطيف مراوغ، وكأنها تصطاد انتباه "غالية" كلمة كلمة:
-لا أنا مكنتش أعرفك بس عرفتك لما سمعت اللي حصل لأخوكي، فصعب عليا ودورت على عيلته وعرفت إنه سايب بنتين زي القمر وراه وهو مات غدر.
تجمدت "غالية" في مكانها، كأن الكلمات سقطت عليها كسكين بارد، تسارعت دقات قلبها حتى انعكس ذلك بوضوح على أنفاسها المتلاحقة، وقالت بصوت مكتوم تخرج منه شراسة الألم من عينيها الواسعتين:
-أخويا مات ازاي؟ ومين موته؟!
رمشت "أم ناصر" ببطء مصطنع، وأجابت بهدوء مستفز:
-وقع من البلكونة.
انفجر لسان "غالية" غضبًا، غير عابئة بفارق السن بينهما، فحين يُمس الأخ تسقط كل الاعتبارات:
-انتي هتستعبطي يا ست انتي؟ جيبتي إيه جديد يعني؟ ما ده اللي كله بيقولوه!
مدت "أم ناصر" يدها، وأجلستها مرة أخرى ولا تزال تلك الابتسامة الهادئة تزين وجهها، وكأنها تمتص غضب الأخرى بها لتزرع بدلًا منه شكًا قاتلًا:
-ما دي الحقيقة يا بشمهندسة هو مات فعلاً لما وقع من البلكونة، بس الأكيد إنه مكنش بيسرق، بس السؤال هنا أخوكي طلع فوق في الدور التالت بتاع الحاجة "فايزة عزام" وبالذات في شقة بنتها المطلقة يعمل إيه؟ وخصوصًا بقى إنه لا عمره طلع أبدًا عندها، يعني الليلة اللي طلع فيها وقع ومات فيها، يبقى في حاجة حصلت وخصوصًا كمان إن لما دعبست عرفت إن اللي كان في الشقة يومها لمياء بنت الحاجة فايزة ومصعب عزام ابن خالها.
اتسعت عينا "غالية" وهمست ببحة حزينة وهي تتخيل جسد أخيها وهو يهوي غدرًا:
-يعني هما زقوه ووقعوه؟
اقتربت "أم ناصر" منها أكثر، وخفضت صوتها حتى صار كالهسيس، ونبرتها متلاعبة مشبعة بالغموض:
-وممكن موتوه الأول وبعد كده وقعوه، ممكن شاف حاجة مكنش ينفع يشوفها فموتوه، العلم عند الله.
التفتت إليها "غالية" وصوتها يرتجف والدموع تلمع في عينيها:
-الطب الشرعي قال إنه مات لما وقع...
ضحكت "أم ناصر" ضحكة ساخرة قصيرة، ثم تنهدت بعمق وقالت بنبرة مشبعة بالحقد:
-يا حبيبتي هو انتي هتصدقي الطب الشرعي بردو؟ عيلة عزام تقدر تلعب في كل حاجة ويداروا على أي حاجة تخصهم لو كانوا هيتأذوا فيها، انتي متعرفيش موسى عزام ده يقدر يعمل إيه؟
رمشت "غالية" عدة مرات، وكأن عقلها يحاول لملمة خيوط متشابكة سقطت فوق رأسها دفعةً واحدة، ارتسمت الحيرة على وجهها، وتراجع جسدها قليلًا إلى الخلف قبل أن تسأل بحذر شديد، وكأنها تطرق بابًا تعرف أن ما خلفه ليس آمنًا:
-مين موسى عزام؟
لم تتغير ملامح "أم ناصر" لكن عينيها أظلمتا فجأة، كأن ذكر الاسم وحده استدعى ظلالًا ثقيلة من الذاكرة، مالت بجسدها للأمام وخفضت صوتها، وقالت ببطء متعمد:
-ده شيطان من شياطين الأنس، يسرق الكحل من عينك وانتي مش حاسة، يلبسك في مية مصيبة ويخلع منها هو زي الشعرة من العجين، ديب من ديابة وادي العرين، اللي بيرشه بالميه بيرشه بالدم، ده يا حبيبتي الكينج اللي بيحكم "نجمة رشيد" كلمته فوق الكل، وكل اللي ساكنين في رشيد يخدموه بعينهم، مش حبًا فيه، بس خوفًا منه، عيلة عزام دي أوسخ عيلة في تاريخ البشرية كلها لا مؤاخذة.
شعرت "غالية" بقشعريرة باردة تسري في جسدها، وكأن الاسم يحمل لعنة خفية، فعقدت حاجبيها وسألت بارتباك صادق وهي تنهض مجددًا باعتراض:
-وادي العرين إيه؟ ونجمة رشيد إيه؟ ومين عيلة عزام دول كمان؟
لوحت أم ناصر بيدها إشارة إلى المقعد، ونبرتها تحمل مزيجًا من الصبر والإنذار:
-اقعدي يا بشمهندسة؟ القصة طويلة وعشان احكيهالك لازم أيام وليالي، بس باختصار عيلة عزام دي مقسومة نصين، نص بيحكم "وادي العرين" والنص التاني بيحكم "نجمة رشيد" اللي انفصلت عن وادي العرين زمان، بينهم عداوات بالدم، كل كام سنة هنا بيموت ناس وهناك بردو بيموت ناس، بيكرهوا بعض وشغلهم كلهم شمال في شمال ده اللي اسمعه عنهم.
توقفت لحظة ثم أكملت بنبرة أكثر حدة:
-اللي بيحكم وادي العرين كبير عيلة عزام "عاصم عزام" واللي بيحكم نجمة رشيد ابن عمه الأصغر منه بسنتين "موسى عزام" والاتنين يطوقوا العمى ولا يطيقوا بعض.
ابتلعت "غالية" ريقها لكنها حاولت التمسك بخيطٍ واهٍ من الأمل، وقالت بحسم متسرع:
-خلاص أنا أروح لعاصم ده واطلب منه يساعدني.
ضحكت "أم ناصر" ضحكة قصيرة خالية من المرح، وهزت رأسها ببطء:
-عاصم أسخم وأزل انتي كده بترمي نفسك في النار.
اشتعل الغضب في صدر "غالية" وارتفع صوتها وهي تسأل بعصبية:
-امال أروح لمين عشان يساعدني ويبرئ أخويا اللي ميت في تربته.
لم تتردد "أم ناصر" وكأن الإجابة كانت جاهزة منذ البداية:
-موسى عزام.
شهقت "غالية" دون وعي وحدقت فيها بذهول:
-نعم؟ عايزاني أروح لديب والشيطان برجليا؟!
أومأت "أم ناصر" برأسها وعيناها تلمعان بنظرة غامضة:
-اه هو نفسه، لإنه هو أكيد اللي مدبر الموتة دي لأخوكي هو اللي في إيده كل حاجة، أصله متعود يدوس هو وعيلته على الاضعف منه.
ساد صمت ثقيل قطعته "غالية" وهي تحدق في "أم ناصر" بشك صريح:
-انتي تعرفي إيه بالظبط عن موتة إيهاب، خليكي صريحة؟ ومستفادة إيه من ده كله؟
تنهدت "أم ناصر" بعمق وكأنها تزيح حملًا قديمًا عن صدرها:
-أعرف اللي قولتهولك، أخوكي كان شغال في ورش النجارة بتاعت عيلة عزام، وأنا ليا هناك حبايب وعيال حاطهم عيني هناك، وشكرولي في أخوكي وزعلانين على موته....
توقفت قليلًا ثم أكملت بنبرة خافتة:
-بس ميقدروش يتكلموا.
انقبض قلبها وسألت بقلق:
-ليه ميقدروش يتكلموا؟
-ما قولتلك اللي هيتكلم روحه هتطلع قبل ما يمس طرف واحد من عيلة عزام.
شعرت "غالية" بأن الأرض تميد تحت قدميها وقالت بصوت مخنوق:
-امال أنا هابرئ أخويا؟
نظرت إليها "أم ناصر" نظرة طويلة ثم قالت بجملة بدت كأنها ضربة خنجر:
-انتي مش محتاجة تبرأي أخوكي على قد ما المفروض تاخدي بتاره منهم.
تصلبت غالية في مكانها، كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة المؤلمة، وحدقت في وجه المرأة المقابلة لها بعينين ضيقتين يختلط فيهما الغضب بالحذر، ثم قالت ببطء مشحون بالريبة والشك:
-الواضح إنك انتي اللي عايزة تاخدي بتارك مش أنا؟
لم يغب عن "أم ناصر" ذلك التوتر الذي يتسلل من نبرة صوت غالية، بل على العكس بدا وكأنه زادها نشوة خفية، فارتسمت على شفتيها ابتسامة انتصار، ولمعت عيناها بوميض شرس يشبه عيون الصقور حين تحاصر فريستها، وقالت بصوت منخفض لكنه حاد كحد السكين:
-اصمالله عليكي ذكية ولماحة.
ثم أمالت رأسها قليلًا وأضافت:
-بس مش تار بالمعنى الحرفي، أنا عايزة حد يكون عيني هناك، بس حد يكون متعلم ومش جاهل وذكي زيك كده يلقطها وهي طايرة، حقي هاخده بمعرفتي وهعرف أضربهم في مقتل.
توقفت لحظة وكأنها تسترجع سنوات طويلة من القهر المكبوت، ثم تابعت بنبرة أثقل وأقسى:
-أما انتي فتارك تار، أخوكي مات غدر وهما السبب في موته، هما لو كانوا موتوا حد مني كنت شربت من دمهم، لكن هما آذوني أذية كبيرة شوية، بس الفرق أنا مبنساش لو عدى سنين.
ظلت نظرات "غالية" معلقة بوجه تلك السيدة، تحاول سبر أغوارها المظلمة، وكأنها تنظر إلى هاوية بلا قاع، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها؛ هذه المرأة لا تتحدث عن انتقام عابر، بل عن حرب طويلة النفس، تُدار بالعقل لا بالعاطفة، وبالصبر لا بالاندفاع.
وقبل أن تنطق "غالية" بكلمة واحدة سبقتها "أم ناصر" بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل، وهي تنهض من مكانها في ثبات:
-كفاية عليكي يا بشمهندسة، أنا بردو رحيمة وانتي زمان عقلك متشقلب، محتاجة أكيد تهدي وتفكري صح وتعرفي تقرري صح، الموضوع مش هزار.
خطت عدة خطوات إلى الأمام، ثم توقفت فجأة كأن فكرة ما قد أعادتها، فالتفتت بوجهها وقالت بابتسامة غامضة ومستفزة زادت من اضطراب غالية:
-يوم ما تيجي وتقرري وتبلغيني بموافقتك، تعرفي إن مفيش رجوع.
ثم أضافت، وكأنها تلقي الطُعم الأخير:
-متقلقيش أنا هوصلك تاني، بس أسيبك يومين تهدي، سلام يا بشمهندسة غالية.
غادرت بخطوات ثابتة نحو سيارتها، دون أن تلتفت خلفها تاركةً خلفها فراغًا مؤلمًا وأسئلة لا تنتهي.
بقيت "غالية" في مكانها، تنظر في أثرها بشرود تام، وكأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميها، فأخذ عقلها يضج بصراعٍ مرير، هل توافق على عرض قد يمنحها فرصة للأخذ بثأر أخيها من أفواه شياطين عزام، ولو كان الثمن أن تغوص في مستنقع لا خروج منه؟
أم ترفض وتظل أسيرة عجزها، بينما دم أخيها يصرخ في ذاكرتها كل ليلة؟
وإن اختارت المواجهة…فلمن ستترك "فريدة" أختها الصغرى، تلك التي لم تعرف من قسوة الدنيا سوى القليل، والتي لم يعد لها في هذا العالم سواها؟
وحينها أدركت بوضوح موجع، أن كلا الطريقين ينتهيان عند ذات المصير، "الهلاك ينتظرها… لا محالة".
***
في "وادي العرين".
حيث تُصاغ الهيبة من الدم، وتُحفر السلطة في الصخر قبل القلوب، كان قصر "آل عزام" شامخًا كقلعة لا تعرف الانكسار، يراقب الوادي بعين لا تنام، وفي أحد أجنحة القصر، وتحديدًا داخل مكتب عاصم عزام، فُتح الباب بهدوء متعمد، ودخل صاحبه بخطوات بطيئة تحمل غرورًا لا يحده سقف، وهيبة تضج في ملامحه الشرسة.
جلس فوق مقعده الجلدي العريض كما لو كان عرشًا خُلق له وحده، وكأن الأرض وما عليها تدور في فلكه، تدلت ابتسامة خبيثة من حافة شفتيه، ابتسامة رجل تذوق طعم الانتصار حتى الثمالة.
أخرج هاتفه وعبث به قليلًا بأصابع واثقة، ثم ألقاه فوق المكتب بإهمال متعمد، وعيناه مثبتتان على الشاشة بتركيز قاتل، انحنى قليلًا للأمام ثم همس بصوت منخفض يحمل سما مغلفًا بالهدوء:
-هتعمل إيه يا موسى لما تشوف أخوك حبيبك في حالته دي.
لم يكد صدى همسه يخفت حتى قاطعه طرق خفيف على باب المكتب، ودخل "فايد" ذراعه الأيمن، رجل في أوائل الأربعين من عمره، ملامحه قاسية اكتسبها من سنوات الطاعة والخوف، وقال بصوت عملي:
-كلمت صفية وقالت إن المدام مبتخرجش من البيت هي وأمها.
رفع "عاصم" بصره إليه ببطء ودقق في ملامحه نظرة طويلة أربكت "فايد" قبل أن يقول بنبرة شبه حادة:
-البت صفية أنا مش مرتاحلها، ركز معاها شوية يا فايد.
حمحم "فايد" بخشونة وتردد لحظة قبل أن يسأل بحذر شديد، وكأنه يختبر حافة سكين:
-مش مرتحالها هي ولا مش مرتاح لچيني هانم؟
في اللحظة ذاتها تغير الجو، رفع "عاصم" عينيه، ورمقه بنظرة محذرة كفيلة بتجميد الدم في العروق، ودون كلمة واحدة أخرج سكينه البارز، فتحه بحركة خاطفة ثم صوبه بقسوة في اتجاه "فايد".
مر السكين بمحاذاة وجهه، والفارق بين نصله وبشرته لم يتجاوز سنتيمترات قليلة، قبل أن يخترق التابلوه خلفه بقوة، مغروسًا كرسالة لا تُخطئ معناها، حينها شعر "فايد" بدقات قلبه تضرب صدره بعنف، وابتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر إلى الخلف، لقد كان السكين ذا نقوش عربية بارزة، تتوسطه كلمتان محفورتان بوضوح «الهيبة…والعرين».
كلمتان لا تخترقان الخشب فقط، بل أي جسد أو عقل تسول له معارضة البارون "عاصم عزام" فعاد "فايد" ببصره ببطء شديد نحو "عاصم"، الذي نهض من مقعده بهدوء مرعب، وتقدم نحوه ثم انتزع سكينه من التابلوه وكأن شيئًا لم يكن، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع يلعب على أوتار الخوف داخله:
-المرة الجاية هتلاقيها في نص راسك، انت عارفني عمري ما بخيب أبدًا في هدفي، المرة دي كانت تحذير بسيط، خد بالك من كلامك معايا بعد كده.
هز "فايد" رأسه عدة مرات بعنف، وكأنه يحاول تثبيت وعيه، ثم استأذن في الخروج بسرعة، وهو يجاهد لملمة شتات نفسه المبعثرة خلفه، ما إن أُغلق الباب حتى أضاء هاتف "عاصم" معلنًا عن رسالة نصية، فمال نحوه التقطه، وقرأ الرسالة المرسلة من موسى عزام:
-لو أخويا حصله حاجة، مش هيكفيني دم وادي العرين كله، هبعتلك ناس ياخدوه.
ابتسم "عاصم" ابتسامة واسعة، وأخذ يدير سكينه بحركات دائرية بطيئة، يتلذذ بالتهديد كما يتلذذ الصياد بفريسته،
ضغط على التسجيل وأرسل رسالة صوتية متعمدًا بث سخريته المعهودة:
-اخوك جه برجله في منطقتي، يبقى لما يروح انت اللي تيجي تاخده، وبعدين مش يمكن يكون عندي مفاجأة تانية ليك يا "حبيب القلب".
ألقى الهاتف على المكتب، وأطلق صفيرًا عاليًا كمن يحتفل بانتصارٍ مؤجل، خطا نحو مسجل قديم، أخرج شريطًا مهترئًا لفنانه المفضل جورج وسوف ووضعه داخله، فانطلق الصوت الأجش يملأ المكان، ممزوجًا برائحة الجلد والبارود.
جلس "عاصم" على أريكة كبيرة بنية اللون، أخرج سلاحه الناري الأسود، وبدأ بتنظيفه بعناية إلى جوار سكينه المميز.
فكانت تلك لحظته المفضلة هي أكثر لحظات الصفاء التي يمر بها وخاصةً قبل العاصفة، حيث تتراقص الفوضى في رأسه كسمفونية يعرف نهايتها جيدًا.
وكيف لا يبلغ ذروة سعادته، وهو على موعد مع خصمه الأثير؟ ابن عمه وعدوه اللدود، الرجل الوحيد القادر على إشعال دمه وإيقاظ وحشه الكامن…"موسى عزام"
***
أما في "نجمة رشيد"
فكان الوضع على النقيض تمامًا، هنا لم يكن ثمة موسيقى ولا صفير انتصار، بل هواء خانق مشحون، وأجواء متوترة كوتر مشدود على وشك الانقطاع.
كانت النيران تتصاعد في عقل "موسى"، تلتهم ما تبقى من صبره وهدوئه، وهو يستمع إلى صوت "عاصم"عبر الهاتف، في تلك الرسالة الصوتية المشحونة بالسخرية والاستفزاز،
كان صوته يتردد في أذنيه كصفعة متكررة، يضغط على جراح قديمة لم تُشفَ يومًا، ومع بلوغه نهاية الرسالة انفجر كليًا، فتفاجأ "عثمان" والده بصراخ حاد اندفع من صدر "موسى" كزئير مكبوت، قبل أن يبعثر كل ما فوق مكتبه بقبضته القوية.
تساقطت الأوراق وتحطمت الأدوات، وارتطمت الأشياء بالأرض محدثة ضجيجًا مفزعًا يعكس الهياج المفرط الذي بلغه "موسى" ولم يكتفِ بذلك,، فاندفع نحو زهرية زجاجية قريبة، أمسكها بعنف وألقاها أرضًا بقوة هائلة، فانفجرت إلى شظايا متناثرة، وكأنها تحاكي ما يحدث داخل صدره.
عندها خرج "عثمان" عن صمته ومراقبته، وقال بصيغة أمر حذرة، يحاول كبح العاصفة دون أن يستفزها:
-اهدى يا موسى، في إيه؟ الأمور مبتتحلش كده؟
توقف "موسى" فجأة ووقف كالثور الهائج، يحدق في والده بنظرات شرسة، بينما ومضات الماضي تضرب عقله بلا هوادة، ذكريات متداخلة وأصوات مدفونة، لكن صوتًا واحدًا كان الأعلى....صوتًا أنثويًا واحدًا يتردد داخله بلا انقطاع:
-موسى حبيب القلب.
شعور لاذع بالخسارة مزق نياط قلبه، قلب ظن لوهلة أنه مات منذ زمن، لكنه كان حيًا…ويتألم، أغمض عينيه بقوة، كأنه يحاول أن يخنق الذكرى، أن يمنعها من سحبه إلى هاوية يعرفها جيدًا.
لم يفتحهما إلا عندما شعر بيد والده تستقر فوق كتفه بلمسة مألوفة، وصوته ينساب بهدوء بدا زائفًا لكنه محسوب:
-اهدى عشان انت تعرف تفكر صح، وتشوف هتعمل إيه مع الكلب عاصم!
تعلق بصره بوجه أبيه لثوانٍ بدت أطول مما هي عليه، ثم اقترب منه بخطوات بطيئة، وكأن الأرض نفسها تضيق تحته،
فكان فكه مشدودًا وعروق عنقه بارزة، قبل أن يهتف من بين أسنانه بشراسة مكتومة:
-أنا المفروض أفكر اعمل إيه مع ابنك الـ*** اللي هيجبني الأرض، رايح وادي العرين برجليه الكلب وادى فرصة لواحد زي عاصم يبعتلي فيديو يكسرني بيه، لو ماتدخلتش مع الواد ده، أنا هوريه أسود أيام حياته، أسود من المخدرات اللي بيشربها.
ابتعد خطوة للخلف، وكأن الكلام نفسه لم يعد يكفي لتفريغ ما بداخله، مد يده وجذب سلاحه الفضي، لمع بريقه تحت الإضاءة، ثم دسه خلف ظهره بحركة اعتادها، وهو ينادي بصوت جهوري:
-صــــالــــح!
لم تمضِ ثوانٍ حتى حضر "صالح" مهرولًا، فالتفت إليه "موسى" وقال جملة واحدة قاطعة، لا تقبل نقاشًا:
-حضر العربيات والرجالة وفي ظرف دقيقتين الاقيك قدامي.
تحرك "موسى" بسرعة، لكن "عثمان" لحق به بخطوات متعثرة، وصوته يخرج مذعورًا يختلط فيه الخوف بالأبوة:
-انت فعلاً هتروح لعاصم برجليك يا موسى، انت اتجننت، ده مش بعيد يكون ناصبلك فخ ويموتك هناك.
شقت ابتسامة ساخرة فم "موسى" بصعوبة، ابتسامة لا تحمل مرحًا بقدر ما تحمل تهديدًا، التفت نحو أبيه وقال بنبرة غامضة وقاتمة:
-هو اللي بدأ واستفزني، يبقى يستحمل اللي مجهزهوله النهاردة، مش يمكن من الصدمة يقع يطب يموت فيها.
ثم استدار دون أن ينتظر ردًا، وانطلق بخطوات سريعة نحو سيارته السوداء العالية، فتح الباب بعنف وجلس خلف المقود، ثم لحق به "صالح" ليستقر بجانبه، بينما في الخلف اصطفت عدة سيارات أخرى تقل رجالًا مسلحين، وجوههم جامدة، وأيديهم قريبة من أسلحتهم.
وقف "عثمان" مكانه عاجزًا، ثم أغمض عينيه بفزع، ورفع يديه بالدعاء، يتمتم بكلمات متقطعة، قلبه يرتجف خشية أن يكون هذا الطريق بلا عودة، قطع عليه لحظته صوت أخته "فايزة" من خلفه، وهي تهتف بقلق واضح:
-هو موسى رايح فين يا عثمان؟
فتح عينيه وزفر بمرارة، ثم قال بصوت مثقل بالهموم:
-رايح وادي العرين، يقابل عاصم ويجيب مصعب ابن الـ *** من هناك.
ضربت "فايزة" صدرها بيدها وعيناها تتسعان بفزع:
-يالهوي هو عاصم خطف مصعب؟؟
هز "عثمان" رأسه نفيًا وقال بحنق مكبوت:
-لا، الكلب راح هناك برجليه عشان يشتري مخدرات وشكله وقع محسش بنفسه وعاصم مصوره فيديو وبعته لموسى وطالب موسى بنفسه يجيله.
شهقت "فايزة" وارتعشت شفتاها وهي تهمس بخوف صريح:
-يالــــهــــوي دي هتبقى مجزرة.
وفي تلك اللحظة كانت السيارات قد انطلقت بالفعل، تشق الطريق نحو وادي العرين، حاملةً معها غضب موسى وغضب آل عزام حين يبلغ ذروته، لا يترك خلفه سوى الخراب.
***
في وادي العرين...
وقف "عاصم" بشموخ أمام بوابة قصره العملاقة، ثابتًا كأنما نُحت من صخر، بينما اصطف خلفه عشرات الرجال المدججين بأسلحة مختلفة، يملؤون محيط السور كحلقة من نار.
أما الساحة الواسعة الممتدة أمام القصر، فقد أُفرغت تمامًا من البشر، إذ ما إن انتشر خبر مجيء "موسى" إلى قلب وادي العرين، حتى أدرك الجميع أن تلك اللحظة لن تمر دون أن تُراق فيها دماء، فآثروا السلامة واختفوا، جميعهم يحفظون رؤوسهم من طيش الرصاص.
إلا عاصم…بقي وحده في الواجهة، شامخًا كالجبل يضع يده داخل جيب سرواله بثقة متعمدة، ويرفع رأسه عاليًا، محدقًا في الأفق حيث بدأت قافلة سيارات سوداء تقترب، تتقدمها سيارة "موسى"، فمال "عاصم" برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، حتى توقفت السيارات تباعًا.
هبط "موسى" أولًا بخطوات واثقة، ثم تقدم حتى وقف على مسافة قصيرة من "عاصم" ومن خلفه انتشر رجاله، مشهرين أسلحتهم باتجاه القصر ورجال "عاصم".
رفع "عاصم" أحد حاجبيه ببطء ثم قال بصوت منخفض يحمل تهديدًا صريحًا لا يقبل التأويل:
-قول لـ***** اللي جايبهم معاك مفيش حد يرفع سلاح على أرضي غير رجالتي، واللي يتجرأ ويرفعه يموت ويتدفن مكانه.
قبض "موسى" كفيه بقوة، إلا أن ملامحه ظلت باردة وجامدة كالجليد، لا تنطق بشيء، حتى مرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يرفع يده إشارة لرجاله، فأنزلوا أسلحتهم على مضض.
اقترب "عاصم" خطوة واحدة وهو يبتسم باستهزاء، يمرر بصره على جسد "موسى" العريض والقوي بنظرة متعمدة للإهانة، وقال بنبرة لاذعة:
-وحشتني يا حبيب القلب.
رفع "موسى" عينيه ليقابل الجحيم المتقد في عيني "عاصم"، فاشتعلت انفعالاته حتى كادت تنفلت من عقالها، لكنه تمالك نفسه مستحضرًا هدوءه القاتل الذي أتقنه جيدًا أمام أعدائه، وهتف بصرامة:
-بلاش شغل الحريم الـ**** اللي بتعمله ده يا عاصم، أخويا فين؟!
انفجر "عاصم" ضاحكًا بصوت عالٍ، ضحكة مستفزة اخترقت أعصاب "موسى"، ثم قال ببراءة زائفة:
-أخوك المدمن؟؟
جز موسى على أسنانه بقوة، يمنع نفسه بصعوبة من قتله في تلك اللحظة، فشعر بإهانة مؤلمة تهوي على صدره، والسبب أخيه، وما هي إلا لحظات حتى ظهر رجال "عاصم" وهم يسحبون "مصعب" بلا رحمة، ثم ألقوه أرضًا عند قدمي "موسى"، جسدًا فاقدًا للوعي لا يشعر بشيء.
نظر "عاصم" إلى الجسد الملقى، ثم قال بلهجة قاسية مشبعة بالتهديد:
-الواد ده مجنن العيال هنا بالفلوس وبيخليهم يتاجروا في المخدرات، لو مالمش نفسه هقتله قبل ما اقتل العيال اللي بتجبهاله، ده أخر تحذير ليك، لم أخوك يا إما تقتله وتخلص من عاره.
سكت قليلًا ثم تابع بحدة لاذعة:
-مش كفاية موسخ سيرة عيلة عزام وشرب مخدرات، ده أول تحذير...
سكت قليلًا ثم تابع بحدة لاذعة:
-هو العهد مش بيقول محدش يجي عندكم هنا؟ امال أخوك جاي ليه في الوادي؟!
أخرج مسدسه في حركة خاطفة، وصوبه نحو جسد مصعب ثم قال بنبرة مهددة:
-أنا كنت هقتله بس مرضتش قولت حرام لسه صغير اسيبه لشبابه..
ثم عاد يرفع المسدس وأدخله في سرواله من الخلف وهو يبتسم بسخرية مرعبة:
-كده كده هيموت من المخدرات، خلاص مخه لحس، أنا لو منك أموته واخلص من عاره، ومصايبه...مش هو بردو عامل مصايب قريب؟!
التفت "موسى" إلى أحد رجاله، فأشار له بعينه، تقدم الرجل سريعًا وحمل مصعب، وانصرف به نحو السيارات، وما إن اطمأن على ابتعاد أخيه، حتى عاد يقترب من "عاصم"، وعلى شفتيه بسمة ساخرة مشوبة بالشماتة، وقال:
-على الأقل راجل ولما يموت من المخدرات محدش هيفتكره، بس مراتك مدوراها في فرنسا، وبتديك على قفاك كل قلم والتاني يا عاصم، حقيقي لما بعرف بحزن على...خيبتك.
في لمح البصر أخرج "عاصم" سكينه الشهيرة لكن "موسى" كان الأسرع؛ أمسك بيده بقوة مانعًا إياه، وأكمل حديثه بنبرةٍ قاتلة:
-مش هي بنت عمي بردو ومتربية بعيد عننا بس فيها نفس عرق الوساخة اللي فينا، يا أخي دي الجاحدة خلفت منك عيلين زي القمر ورميتهم للخدامة بتاعتها هي وجوزها تربيهم بمعرفتها.
تجمدت ملامح "عاصم" وارتسمت الصدمة واضحة على وجهه، كأنه يسمع حديثًا لا يصدقه عقل، أما "موسى" ابتسم ابتسامة باردة، أخرج هاتفه وعبث به قليلًا، ثم أراه صورتين لطفلين ينزلان من حافلة مدرسة:
-عمر وليلة، كل يوم شيطاني بيقولي أجيبهم هنا وأدبحهملك في وسط الوادي، بس ارجع واقول أوانهم لسه مجاش، حرام يموتوا وهما لسه صغيرين، وابوهم مشبعش منهم.
حك "موسى" أنفه ببطء أمام جسد "عاصم" المتصلب، ثم ضحك ضحكة عالية واستدار متجهًا نحو سيارته، لوح بيده مودعًا، وترك خلفه "عاصم" واقفًا وحده، يتجرع ويلات الصدمة قطرةً قطرة، بينما يتهاوى داخله عالم كامل دون صوت.
رواية في ظلال الوادي الفصل الرابع 4 - بقلم زيزي محمد
الفصل الرابع.
"الخطيئة الأولى"
مر يومان لم يذق "عاصم" خلالهما طعم النوم، يومان ثقيلان كالصخر جاثمان على صدره، لا يزال يجالس غرفة مكتبه كما لو كانت قفصًا ضيقًا، يطالع تفاصيلها بشرود تام، وكأن الجدران تحفظ أسراره، والأثاث يشهد على انكساراته الصامتة.
كانت أكثر صور الانتقام بشاعة تمر أمام عينيه القاتمتين، وقد ازدادتا غموضًا وشراسة مخيفة منذ مواجهته مع "موسى"، تلك المواجهة التي لم تترك خلفها سوى رماد يتطاير في داخله، ونار تتأجج بلا رحمة.
حتى مَن في القصر تلاشى حضورهم احتياطًا؛ فهدوؤه لم يكن إلا نذير عاصفة، وأنفاسه المنتظمة لم تدل على سلام أو اتزان، بل على دمار قادم لا يُبقي ولا يذر.
تتابعت أفكاره في تسلسل منطقي حيكت خيوطه بيديه، فكرة تلد أخرى وكل فكرة تحمل بين طياتها مشهدًا من مشاهد الانتقام القاسي، صورًا دامية لا تعرف الرحمة،
الجميع…الجميع سينال نصيبه من غضبه إن صدق حديث "موسى"، وإن كان هذان الطفلان أطفاله حقًا ومن صلبه، يحملان دمه واسمه دون أن يدري.
طرق الباب طرقًا خفيفًا، ثم دخل "فايد" مساعده بخطوات هادئة محسوبة، يحمل ملفًا بيده، وما إن وقف حتى أخرج أنفاسه ببطء شديد، وكأنه يستعد لإلقاء حجر في ماء راكد، قبل أن يقول بكلمات ثابتة، رغم إدراكه التام أن خلف تلك الكلمات زلزالًا سيضرب سيده:
-راقبنا شوقي، مالوش شغلانة معينة، بيتردد على دكتورة كل شوية، واحد صاحبه قالنا إنه بياخد منها فلوس وميعرفش ليه...الدكتورة في حالها وعايشة مع خالتها و.....
قاطعه "عاصم" بنبرة حادة قاطعة، وهو يضرب بيده على سطح مكتبه، علامة واضحة على نفاد صبره وضيق صدره:
-انــــجـــز.
ابتلع "فايد" ريقه ثم تابع سريعًا وكأنه يلقي بحممه دفعة واحدة:
-ولادك يا عاصم باشا، ولادك فعلاً حبايبنا ساعدونا وهما في تدريبهم في النادي وعرفنا ناخد منهم عينة من شعرهم وعملنا تحليل زي ما أمرت وطلعوا ولادك.
أغمض "عاصم" عينيه بقوة، وكأن الجملة صفعته من الداخل، وراح يطرق بأصابعه فوق المكتب ببطء ثقيل، يستمتع للصمت الغرفة في حالة غريبة تلبسته.
تعابيره بقيت هادئة حد الرعب، هدوء غير طبيعي فازداد تعجب "فايد"، لكنه آثر الصمت في ظل السكون الذي خيم على الغرفة ولكنه سكون لم يدم طويلًا.
فتح "عاصم" عينيه فجأة وقال بنبرة شرسة، باردة كحد السيف:
-شوقي تجيبه النهاردة، بس تجيبه بمعلمة متخليهوش يحس بحاجة.
ثم أضاف بتهديد خافت لكنه قاتل:
-لو مجاش قول على نفسك يا رحمن يا رحيم.
أشار "فايد" بعينيه علامة الفهم، وانصرف على الفور لينفذ الأمر، بينما عاد "عاصم" يستند بظهره إلى المقعد، يطلق ابتسامة شريرة لا تحمل سوى القهر، وهمس لنفسه لأول مرة بصوت مبحوح، كمَن ينزف من الداخل وهو يفكر في انتقام يليق بخيانته:
-ماشي يا ولاد الـ*** من النهاردة أنا عاملكم الأسود.
مد يده إلى الهاتف وعيناه تستقران على الصور الملتقطة لطفليه، ظل يدقق في ملامحهما ويكبر الصورة تارةً ويصغرها تارةً أخرى.
الصغير يشبهه حد التطابق؛ ذات النظرة وذات التحدي المبكر، حتى أنه لم يكن بحاجة إلى تحليل لإثبات الأبوة، لكنه فعله ليُسكت قلبه أو ما تبقى منه.
أما الصغيرة فكانت خليطًا موجعًا من ملامحه وملامح والدتها، مرآة لذنبٍ لم يرتكبه بيديه، لكنه يدفع ثمنه الآن،
فبقيت ملامحه جامدة وصلبة كالصخر، لم يبتسم، ولم يشعر بأي حنان، ربما لأن سنوات الوحدة والهجر حفرت داخله فراغًا لا يُملأ، وربما لأن الحياة انقطعت عن فؤاده، فتحول إلى قلب متحجر لا يعرف الدفء.
ربما جف بئر الحنان في صدره، ولم تبقَ قطرة واحدة يمكن أن يروي بها أطفاله، وربما كانت الصدمة أعنف من أن تُستوعب وأكبر من أن تُحتضن، فوقف عاجزًا أمامها، لا أبًا ولا عدوًا، بل رجلًا تكسر كل ما فيه دفعة واحدة.
***
في نجمة رشيد…
دخلت "لمياء" بهو القصر الفسيح بخطوات محسوبة، كأن الأرض تحاسبها على كل حركة، وعيناها الواسعتان تجوبان المكان بحثًا عن مصعب؛ ذلك الذي اختفى منذ عودته من وادي العرين اختفاءً يثير الريبة، اختفى كما يذوب الملح في الماء، لا رسالة ولا اتصال يطمئن قلبها القلق.
كان غيابه غريبًا ومريبًا إلى حد جعل النوم يجافي عينيها ليالي متتابعة، فقررت أن تترك شقتها وبنايتها، وتأتي إلى القصر بنفسها رغم خوفها الدائم من مواجهة موسى؛ ذلك الرجل الذي لا يعرف للرحمة طريقًا، ولا يعترف بصلة قرابة أو وشيجة دم.
وقفت في منتصف البهو، تتلفت حولها ثم رفعت بصرها نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، حيث غرفة مصعب، فراودها ظن ثقيل بأن "موسى" أو خالها "عثمان" قد قررا حبسه مجددًا بحجة علاجه من المخدرات، لتلك المرة التي فقدت عددها.
فمصعب كثير الهروب وكثير الفشل...عديم الإرادة، عبدٌ لمزاجه، وعقله لم يعد يقيم في واقعه إلا نادرًا، لذلك حسمت أمرها وصعدت درجتين، لكن جسدها تيبس فجأة، كأن الدم تجمد في عروقها، حين سمعت صوته يأتي من خلفها، وما كان سوى "موسى" الذي كان رائقًا على غير عادته، خاليًا من أي حشرجة:
-متتعبيش نفسك يا لمياء هو مش فوق، هو في الاوضة اللي تحت الأرض لو تحبيه تزوريه معنديش أي مانع؟!
التفتت "لمياء" بفزع حقيقي، وقلبها يكاد يقفز من بين أضلاعها، لتجده مستندًا إلى أحد الجدران يبتسم تلك الابتسامة الساخرة التي تحمل جاذبية قاتلة لمعظم فتيات رشيد…عداها هي، رغم أنها أصغر منه بثلاث سنوات، وأكبر من مصعب بإحدى عشر عامًا، إلا أن شيئًا واحدًا كانت متيقنة منه دومًا وهو أن موسى لا يُعجب… موسى يُخاف، فهو ذئبٌ بشري لا ينبض قلبه بذرة رحمة.
-مكنتش طالعة لمصعب، كنت بدور على أمي، مشوفتهاش؟!
اقترب "موسى" منها بخطوات متمهلة ومحسوبة، حتى وقف أمامها تمامًا، ثم انحنى قليلًا متعمدًا استنشاق الهواء قربها، وقال بصوت هادئ لكنه مخيف، زرع الذعر في قلبها:
-بشم ريحة الكدب لو من على بعد أميال، وبعرف الكدابين وبعرف أفرقهم كويس، تقدري تقولي عامل دكتواره فيهم، وانتي أول واحدة فاهمك وعارفك وعارف كويس أوي أنك متقدريش تعيشي من غير ما تحوري وتلفي وتدوري يا....يا بنت عمتي.
رفعت حاجبيها تطالعه باستنكارٍ يليق بدم آل عزام، وردت بحدة حذرة:
-وأنا هكدب ليه يا موسى؟ وبعدين أنا خلاص من اليوم إياه وأنا مبكلمش مصعب ولا ليا علاقة بيه.
اتسعت عينا "موسى" قليلًا، ثم عاد خطوة إلى الخلف وقال بهدوء شرس أربكها:
-لسه بردو مش راضية تقولي الصراحة يا ليمو، ومين زق الواد وموته وليه أصلاً طلع عندك؟!
زفرت "لمياء" بخفة وكأنها تفرغ ما بقي من صبرها، ثم اندفعت تقول وهي تتراجع خطوتين للخلف بنفاد صبر:
-رغم إنك سألت مليون مرة بس هقولك كان طالع يعملي سلك الدش بتاع التلفزيون من البلكونة، ومصعب شافه عندي وفهم غلط، فاتعصب وزقه والواد وقع مات، بس كده!
مط "موسى" شفتيه ببطء، وأمال رأسه جانبًا ومستمتعًا، ثم خفف نبرته وهو يبتسم بسخرية لاذعة:
-بس كده؟ دي طلعت بسيطة خالص! واحد بيشرب مخدرات ومخه مش في وعيه وايده مبقتش بصحتها هيزق واحد ويموته بسيطة فعلاً، أصل الواد كان طلع في عمل نبيل بيعمل سلك الدش، ومصعب الحمار فهم وجوده غلط، يااااه بسيطة اوي، قد إيه حلوة البساطة، يااااه لو كل الناس زيك كده! الدنيا كانت اتقل خيرها!
ثم ارتفعت ضحكاته عاليًا، ضحكات مجلجلة ملأت البهو، كأنها تتعمد أن تصفع أعصابها واحدة تلو الأخرى، فنظرت إليه "لمياء" بغيظ مكتوم، ثم قالت بحنق طفيف وهي تهم بالخروج، محاولة أن تنهي هذا العبث:
-انت شكلك رايق يا موسى على الآخر ومعندكش حاجة فبتتسلى عليا؟!
ابتسم ابتسامة أوسع، ابتسامة رجل وجد ضالته ورد بلا اكتراث:
-وفيها إيه ما اتسلى؟!، بنت عمتي وواخدة كل حاجة ببساطة، دي التسلية بعينها.
توقفت عند حافة البهو، واستدارت إليه مجددًا وعيناها تلمعان بغضب لم تعد قادرة على كبته:
-والله براحتك عايز تصدق صدق مش عايز بردو براحتك، وبعدين لما انت كل شوية تنطلي وتسألني حصل إيه في اليوم إياه، ظبطت كل حاجة ليه وكتمت على الخبر وقولت أن الواد كان هجام وبيسرق؟
ساد صمت قصير، ثم رفع موسى كفيه بحركة مسرحية، وكأنه يتلقى اتهامًا ظالمًا، وقال بنبرة مصطنعة تمزج السخرية بالاستياء:
-لا عيب، أنا كده أزعل! هو أنا معنديش نخوه، معنديش مروءة، اسلم بنت عمتي لحبل المشنقة بإيديا، ولا افضحها فضيحة إنها كانت بتطلع شباب عندها مثلاً!
ثم هز رأسه بأسى زائف وأضاف:
-بذمتك أنا كده؟ لا لا ده أنا أزعل واتقهر واجيب ناس تتقهر معايا.
تنهد تصنعًا وأردف بابتسامة مائلة:
-أنا غلبان اوي يا لمياء بس انتي اللي فاهماني غلط.
كانت كلماته تنساب بنعومة مريبة، كسم مذاب في عسل، تعرف طعمه جيدًا لكنها لا تملك إلا أن تسمعه حتى النهاية،
اقترب منها عدة خطوات مجددًا، حتى ضاق الفضاء بينهما، ثم انحنى قليلًا وهمس بتهكم، وفي عينيه لمعة استمتاع خبيثة؛ لمعة لاعبٍ ماهر يعزف على أوتار خصم أضعف منه:
-بصي وشوفي أنا بريء ازاي؟! بصي في عيني.
تراجعت "لمياء" خطوة دون وعي، وقلبها يخفق بعنف،
كانت تعرف تلك النظرة…نظرة رجل لا يبحث عن الحقيقة، بل عن السيطرة، رجل لا يكذب ليُصدق، بل يقول الصدق أحيانًا ليُخيف، رفعت ذقنها في تحدٍ أخير، لكنها شعرت رغمًا عنها بأن الأرض تميل تحت قدميها، وأن المواجهة معه لم تكن يومًا في صالحها.
تنهدت بثقل كبير كأن صدرها يفرغ سنوات من القهر دفعة واحدة، ثم رفعت عينيها إليه، متعمدة إظهار ضعفها وقلة حيلتها، فخرج صوتها ناعمًا ومكسورًا، أقرب إلى الرجاء منه إلى السؤال:
-ليه يا موسى كده؟ بتعاملني بالقسوة دي ليه؟
ترددت لحظة ثم أضافت:
-ده أنا بنت عمتك والمفروض تحتويني.
خفضت صوتها أكثر:
-فيها إيه لو أنا ومصعب بنحب بعض.
ابتسم أولًا ابتسامة باهتة وباردة، ثم انفجر ضاحكًا ضحكات رجولية خشنة، فكانت السخرية القاسية فيها تميل إلى العنف، وكأنها تمهد لما هو أسوأ، وبحركة خاطفة لم تمهلها حتى أن تستوعب ما يحدث، قبض على عنقها بقسوة، فاختنقت أنفاسها دفعةً واحدة، وتجمد جسدها تحت قبضته عاجزة عن الدفع أو المقاومة.
ارتسمت الصدمة على وجهها، واتسعت عيناها رعبًا، بينما قال بصوت منخفض ومشحون بالاحتقار:
-احتويكي؟ انتي؟
قهقه بخفة مرعبة ثم تابع:
-ده أنا احتوي عاصم ابن عمك ولا أني احتويكي.
اقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه تخنقها قبل يده:
-وبعدين انتي مستنيه مني إيه اعاملك بحنية مثلاً؟!
ابتسم ابتسامة جانبية خطرة:
-انتي عبيطة أنا لو بقيت طيب معاكي افهمي إني بجهز قبرك.
قبضت "لمياء" بكل ما تبقى لديها من قوة على معصمه، وأصابعها ترتعش فوق يده الضاغطة على عروق عنقها بلا رحمة، خرج صوتها متحشرجًا يعلو ويخفت، بينما هو استكمل هامسًا بجانب أذنها، وكأنه يزرع تهديده في روحها لا في سمعها فقط:
-مصعب انسيه.
توقف لحظة ثم أردف بوحشية باردة:
-لو كان آخر نفس في عمره وطلب يتجوزك هضربه بالنار ولا أنه يعملها.
ضغط أكثر ثم تابع:
-متلفيش وراه زي الحيّة، هتلاقيني دايمًا واقف في وشك وبحفر في قبرك بإيديا.
فجأة تركها ودفعها بقسوة، كأنها لا شيء...كأنها حثالة، فسقطت على الدرج خلفها، وارتطم جسدها بالحجارة الباردة، تلتقط أنفاسها بصعوبة وقد أيقنت للحظة أن نهايتها قد أتت لا محالة على يده، ظلت تنظر إليه من أسفل بعينين ممتلئتين رعبًا وكرهًا في آنٍ واحد.
ثم نهضت بصعوبة وبخطواتٍ غير متزنة، وجسد ما زال يرتجف، قالت بصوت مبحوح لكنه يحمل تهديدًا صريحًا وهي تركض نحو بوابة القصر:
-واقسم بالله لاكون قايلة لأمي على اللي عملته.
توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها ثم صاحت:
-وإن مجبتش حقي هي وخالي، هروح لعاصم بنفسي واطلب حمايته وأبوظ العهد عليك.....وعلى رشيد كلها.
ثم انطلقت مغادرة بسرعة كبيرة، كأن القصر كله يلفظها من داخله، بينما وقف "موسى" يراقب أثرها بعينين خاليتين من أي ندم، وباستهجان واضح تمتم بسخرية باردة:
-هو في إيه؟ كل ما أكلم حد يقولي هروح لعاصم، ما يروحوا ده يوم المُنى.
ثم أضاف بملل قاتل:
-على الأقل هلاقي حاجة تسليني أحسن من الملل ده؟!
ظل "موسى" واقفًا في مكانه للحظات، والضحكة الباهتة ما تزال عالقة على شفتيه، ثم خبت ببطء كأن الملل عاد يلتهم ملامحه من جديد، فغادر نحو مكتبه وترك البهو الواسع، الذي لم يكن الصمت فيه هدوءًا…بل وعدًا مخيفًا، بأن ما كُسر في تلك اللحظة لن يُرمم، وأن المواجهة القادمة لن تُشبه ما قبلها أبدًا!
****
جلست "فريدة" إلى جوار أختها الكبرى، تراقبها في صمت حذر، فكانت "غالية" تحدق أمامها بشرود كامل، وقد تغلغل الحزن في ملامح وجهها الجميل، ذلك الجمال الذي بدا وكأنه انطفأ فجأة، كشمعة باغتها الهواء.
وغالية كانت حقًا جميلة، جميلة إلى حد جعل إيهاب يسعى دومًا لحمايتها، لا بعيونٍ زرقاء خاطفة، بل بعينين بنيتين واسعتين، تحفهما رموش كثيفة وملامح متناسقة، وبشرة بيضاء مشربة بالحمرة، وشفاه ممتلئة قليلًا، وشعرٍ بني يميل إلى الصفرة، فكانت الأجمل بينهم…والأكثر سوء حظ.
لم تُكمل تعليمها بسبب ضيق الحال، تركت جامعتها وانكمش حلمها مع الأيام، حتى لم يبقَ لها من الدنيا سوى أخ يتحمل عبئهم وحده "إيهاب" الذي وفر لهم لقمة العيش، ومسكنًا بإيجارٍ بسيط وخدمات تكاد تكون معدومة، وأختًا صغيرة لا تعرف بعد شيئًا عن قسوة الحياة، ولا عن توابع القدر المؤلمة.
انتبهت "غالية" على يد "فريدة" تلامس ذراعها برفق، وصوتها يخرج ببسمة حانية تخفي خوفًا كبيرًا:
-متتعبيش نفسك في التفكير، احنا مش في إيدنا حاجة نعملها والعيلة دي شكلها واصل.
التفتت إليها "غالية" بعينين تقدحان غضبًا وزفرت بقوة، حتى لفحت أنفاسها الساخنة وجه أختها:
-يعني إيه يا فريدة؟ يعني اسكت واسيبهم يقولوا على إيهاب أخوكي حرامي وهجام؟!
ارتجف صوتها وهي تتابع:
-إيهاب اللي كان يخاف يدخل على جنية حرام، إيهاب الغلبان اللي ساب كل حاجة عشانا، إيهاب اللي كان ناقص يدخل جوه الحيط من كتر ما هو محترم ومتربي وعارف ربنا.
ارتفعت نبرتها بانكسار موجع:
-أنا أسيبهم واقعد ساكتة؟! نفسي أعرف قتلوا أخويا ليه؟ كانوا يسيبوه عايش وسند لينا!
وانهارت باكية لتحتويها "فريدة" بسرعة، كما تحتضن الأم صغيرها تربت على ظهرها، وصوتها يخرج متحشرجًا من كثرة بكائها هي الأخرى:
-امال هتعملي إيه يا غالية؟ هتسمعي كلام الست دي؟ أنا مش مطمنالها خالص!
ابتعدت "غالية" عنها قليلًا، ومسحت دموعها بعنف كأنها تمسح آخر آثار الضعف، وقالت بنبرة حاسمة:
-ولا أنا مطمنالها.
ثم أضافت بصلابة مفاجئة:
-بس هي كمان عايزة تنتقم منهم.
تنفست بعمق وتابعت:
أنا بس كل اللي أنا عايزاه دليل إنه أخويا مش حرامي وأنا هفضحهم وأروح ابلغ عنهم.
لمعت عيناها بعزم خطر:
-همشي وراها بس بطريقتي أنا ولو هي فاكرة إنها ذكية فأنا أذكى من اللي خلفوها ومش هسكت إلا لما أجيب حق أخويا.
رمشت "فريدة" عدة مرات بعدم فهم وقالت بقلق تائه:
-يعني هتعملي إيه؟ ازاي هتجيبي حق إيهاب؟
ابتعدت غالية خطوة وعيناها معلقتان بالفراغ، وقالت بشرود يغلبه التفكير:
-هي كلمتني النهاردة وقالت إنها هتقابلني، هروحلها واشوف هي عايزة إيه مني بالظبط، وعلى أساسه هعرفك.
نهضت غالية وقد حسمت أمرها، فهتفت فريدة بخوف حقيقي:
-طيب آجي معاكي؟ أنا خايفة عليكي؟
التفتت إليها غالية وملامحها أكثر ثباتًا مما كانت عليه قبل دقائق:
-لا خليكي متخافيش.
ثم قالت بنبرة مطمئنة رغم ما بداخلها:
-الموضوع لو كان قلق معاها مكنتش هوافق اروحلها.
ابتسمت ابتسامة باهتة وأضافت قبل أن ترفع حجابها فوق رأسها:
-خلي بالك بس من نفسك لغاية ما أرجع.
***
فركت عائشة عينيها بقوة وهي تمسك الورقة والقلم، تحاول حساب ما تبقى معها من مال، فكانت تجمع الأرقام وتعيد طرحها مرة تلو الأخرى، وكأن التكرار قد يخلق معجزة، لكن النتيجة كانت واحدة في كل مرة....لا مخرج.
كل الطرق مسدودة، ولا أمل في تدبير ذلك المبلغ، حتى الجمعية التي دخلتها مؤخرًا، لم تكن من أجل هذا اليوم، بل لسداد مصروفات مدرسة الأولاد الأجنبية، ولم يحن بعد موعد قبضها.
زفرت بقوة ثم ارتمت إلى الخلف على فراشها، كأن جسدها استسلم أخيرًا وبدت ملامح الحزن وقلة الحيلة واضحة على وجهها، وقبل أن يبتلعها الصمت، اخترقت خالتها شريهان وحدتها وهي تقول بنبرة هادئة تخفي عدم رضا واضحًا:
-ها يا عائشة فكرتي ولقيتي حل؟
هزت عائشة رأسها نفيًا واكتفت بالصمت، فجلست شريهان إلى جوارها وقالت بحنق صريح:
-يا بت ما تسيبني اجيبه هنا وأرنه علقة حلوة بشبشي هيخاف مني.
ابتسمت عائشة ابتسامة قهر وقالت بعجز ساخر:
-لو على الشبشب كان زماني موته من الضرب.
ثم أضافت بأسى:
-وكمان انتي عارفة أنا منبه عليه مايجليش هنا عشان الولاد ميشوفهوش خالص، مش عايزاهم أعرفهم إن الحقير ده أبوهم.
ضربت شريهان كفيها ببعضهما باستنكار وهزت رأسها بمرارة وهي تقول:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، والله أنا ما عارفة هو في أب يقدر ميشوفش عياله خمس سنين يا ناس، كل همه على الفلوس بس؟!
-طماع يا خالتو وعبد للجنية.
قالتها عائشة بمرارة، كأنها تصف حقيقة لا تحتمل الجدل،
فالتفتت إليها خالتها وصمتت لحظة، ثم قالت بهدوء حذر وقد طرأت فكرة خطيرة على عقلها:
-ما تهربي يا بت بيهم وتروحي البيت اللي أبوكي سايبهولك، الله يسامحه عمل حاجة مفيدة قبل ما يموت.
ضحكت عائشة بسخرية موجوعة، وقالت بحنق خافت:
-اروح لأعمامي وأهل أبويا، ده أنا كل ما افتكر اللي حصل اتقهر على نفسي يا خالتو، وبعدين دول يخلوا حياتي جحيم، وهما عارفين كويس إن مبخلفش هيقولوا جبت العيال دي منين، لا لا يا خالتو ده مستحيل.
زفرت شريهان بقوة وكأنها تبحث عن أي خيط نجاة ثم قالت بتفكير آخر:
-خلاص بيعي البيت وادي شوقي فلوسه وأنا همضيه على تعهد عند المحامي ميقربش منك أبدًا.
اقتربت منها عائشة وقالت بصوت منخفض منكسر:
-وكإني محاولتش ابيعه قبل كده.
رفعت عينيها بحزن أضافت بألم:
-وأعمامي موقفين البيعة وكل حاجة، من جبروتهم عايزين ياخدوه كده ببلاش، ويطلعوا يتيمة زيي من غير ولا مليم.
التفتت إليها شريهان وقالت بنبرة تحذير صادقة:
-لو فكرتي تبيعه ليهم هزعل منك العمر كله، مش يبقوا يمرمطوا أمك المرمطة دي ويعيشوها أسود أيام حياتها، ويتهجموا عليها عشان خاطر البيت وانتي تديلهم البيت لو ادوكي كنوز الدنيا يا عائشة.
هزت عائشة رأسها إيجابًا، وربتت على كتف خالتها بحنو، وقالت بوعد صادق خرج من قلب مجروح:
-لو على جثتي مش هبيع ليهم البيت، مش بعد اللي شوفته منهم واللي عملوه فيا هوافق على أي حاجة هما عايزينها.
أومأت خالتها بتفهم وكأنها تحاول بقوة أن تُبعد تلك الذكريات المؤلمة عن ذهن عائشة، ثم غيرت مجرى الحديث متسائلة:
-لسه بردو معرفوش مين اتهجم عليكي في العيادة وسرقها؟!
هزت عائشة رأسها نفيًا وقالت بصعوبة مؤلمة وهي تستحضر تلك اللحظة القاسية:
-لا مفيش أي أخبار، كان ملثم ومش باين منه أي ملامح.
وقبل أن يستقر الصمت من جديد اندفع عمر وليلة نحوها، وقالا بصوت واحد، امتلأ بالرجاء وبراءة الأطفال، ما رقق قلبها رغماً عنها:
-مامي ممكن نجيب هدية لـميرال صاحبتي ونطلع عيد ميلادها بكرة؟
كادت الكلمات تخرج منها برفض قاطع؛ فخوفها لم يكن من الهدية، بل مما قد يواجهه طفلاها من معاملة جافة أو كلمة جارحة من الآخرين، لكن شريهان سبقتها وانطلقت تمسك بأيديهما بحماس وهي تضحك:
-يا خرابي وهي أمكم تقدر ترفضلكم طلب، يلا بينا ننزل المكتبة اللي تحت نجيبلها هدية حلوة بـ ٢٠٠ جنيىة عشان الميزانية.
وسحبتهما خلفها دون أن تنتظر قبولًا أو رفضًا من عائشة.
فزفرت بقوة ونهضت مسرعة خلفهم، تحاول إيقافها وهي تقول بضيق واضح:
-خالتو لو سمحتي، أنا لسه موافقتش...خالتو.
***
جلست "غالية" في المقعد الخلفي من سيارة "أم ناصر" ملاصقة لها، بينما كان السائق يتولى القيادة في المقعد الأمامي، ساد الصمت داخل السيارة صمت لا يقطعه سوى صوت احتكاك الإطارات بالطريق، وكأن الزمن نفسه قد تباطأ داخل ذلك الحيز الضيق.
وبعد مرور ما يقرب من خمس عشرة دقيقة، لم تعد غالية قادرة على كبح ضيقها المتراكم، فزفرت بقوة وقالت بنبرة محتدمة لا تخلو من حدة:
-بس أنا من حقي أعرف إيه سر العدواة بينك وبينهم، عشان أقدر اعرف هساعدك ازاي؟
تنهدت "أم ناصر" بعمق وكأنها تستسلم لذكرى موجعة، ثم قالت بشرود مؤلم، وقد ارتسمت على ملامحها ظلال قسوة دفينة:
-تقدري تقولي عشموني بحاجة وبعدها غدروا بيا، وغدرتهم كانت وحشة، جرحتني، وأنا اللي يمس طرفي آكله بأسناني...
ثم التفتت ببطء نحو "غالية" وقد تغيرت نبرة صوتها إلى هدوء ماكر، ناعم في ظاهره وسام في باطنه، تسلل بخبث إلى خلايا عقل غالية دون استئذان:
-مش عايزة منك غير إنك تنقلي أخبارهم ليا، أي حاجة موسى بيفكر يعملها هو وابوه تيجي وتقوليهالي، وأنا في الوقت المناسب هقولك هعمل فيهم إيه، وفي الوقت ده انتي شوفي ازاي هتقدري توصلي لبراءة أخوكي ازاي؟
اتسعت عينا غالية باستنكار لاذع، وانفلتت منها ضحكة ساخرة تحمل مرارة الغضب أكثر مما تحمل سخرية وقالت:
-اه يعني اعملك اللي انتي عايزاه، وانتي متساعدنيش آخد بحق أخويا وأوصل لبراءته.
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي أم ناصر، ابتسامة من تعرف جيدًا كيف تُدير خيوط اللعبة ثم قالت بثقة محسوبة:
-يا بشمهندسة غالية، يعني بذمتك لما أبعتك هناك وأظبط دخلتك لنجمة رشيد اللي مابيدخلش فيها إلا بعلم موسى ولو شك فيكي قولي على نفسك يلا السلامة، مش هيطردك لا هيقتلك، وده كله وبتقولي مش هساعدك، أما هدخلك رشيد بمعلمة وشغل عالي، ومش هخلي حد يشك فيكي، لغاية ما توصلي إنك تشتغلي عند موسى عزام نفسه.
تجمدت غالية في مكانها، وراحت الكلمات تتردد في رأسها كصدى بعيد، موسى عزام…الاسم وحده كفيل بأن يوقظ الخوف والريبة معًا، رفعت حاجبيها بشك واضح، وقالت بحدّة لم تستطع إخفاءها:
-وانتي إيه اللي خلاكي متأكدة إنه هيشغلني عنه؟!
لم تُجبها أم ناصر على الفور، بل أمالت رأسها قليلًا وحدقت في الطريق الممتد أمام السيارة، وكأنها ترى ما لا يراه غيرها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، وقالت بصوت منخفض وواثق لا يقبل الجدل:
-عينه زايغة لامؤخذة، بيحب الطلة الحلوة وانتي طلتك هتعجب أمه.
اشتعل الغضب في عيني غالية، واستقامت في جلستها كمن تلقى إهانة غير مباشرة وقالت بحدة واضحة:
-ست انتي، انتي لو فاكرة لحظة إني ممكن امشي شمال تبقي غلطانة!
لم تنزعج أم ناصر بل قابلت حدتها بهدوء مريب، وقالت بنبرة عملية خالية من العاطفة:
-وانا قولت كده، أنا قولت بس طريقة دخولك، لكن انتي وشطارتك بقى متخليهوش يقرب منك.
ترددت غالية وارتعشت نبرتها رغماً عنها وهي تسأل بتوجس:
-يعني هو ممكن....ممكن يعني؟
هزت أم ناصر رأسها نفيًا بسرعة، وكأنها تقطع طريق الخوف قبل أن يتفاقم:
-لا...متخافيش مسمعتش عنه قبل كده، إنه مزواج أو مقضيها بس اسمع إنه بيحب البت الحلوة ميحبش يشغل بنات عنده شكلها لا مؤاخذة مش ولابد، موسى ده رايق اوي.
ساد صمت ثقيل، قبل أن تستأنف أم ناصر كلامها بنبرة أشد قسوة، وقد انخفض صوتها كأنها تحذرها من وحش كاسر:
-وخدي بالك إنه قتال قتلة، ومبيعملش حساب لبشر حتى أبوه نفسه.
انقبض قلب غالية وشعرت وكأن الهواء داخل السيارة أصبح أثقل، فقالت باضطراب لم تستطع إخفاءه:
-انتي بتخوفيني وبتخليني أرفض، مكملش في أي حاجة بفكر فيها.
التفتت أم ناصر إليها هذه المرة بوجه صارم، خالٍ من أي تلاعب وقالت بجدية حاسمة:
-لا أنا بعرفك انتي هتتعاملي مع مين بالظبط، الموضوع مش عادي ولا هما ناس عادية، خالص لازم تكوني حذرة وقبل ما تخطي الخطوة، تفكري فيها ألف مرة، وبعدين متقلقيش أنا هعرفك شخصية كل واحد فيهم، حتى عاصم نفسه رغم إنك مش هتتعاملي معاه.
ترددت غالية لحظة ثم قالت وكأنها تذكرت فجأة أمرًا مصيريًا:
-هتدخليني هناك ازاي أنا وأختي والدخول هناك صعب؟!
رفعت أم ناصر حاجبيها بدهشة خاطفة:
-إيه ده؟ هي أختك هتبقى معاكي؟
أجابت غالية بثبات ممزوج بعناد واضح:
-امال اسيبها لمين؟ ملناش غير بعض واللي هيسري عليا هيسري عليها، المهم إنها تكون جنبي.
تأملتها أم ناصر مطولًا وكأنها تزن قرارها في ميزان دقيق، ثم أومأت برأسها وقالت بنبرة حاسمة:
-وماله، طالما مالكة إيدك، من عنيا، هدخلك عن طريق واحدة حبيبتي هتشتغلي عندها خدامة كام يوم، وبعدها هقولك هتعملي إيه بالظبط وازاي هتتقابلي مع موسى.
شعرت غالية وكأنها على حافة هاوية مدببة، فاندفع شعور بالخوف حقيقي يسيطر عليها حتى إنها لم تشعر به عندما توفى والديها، فامتلأت عيناها بالدموع وهي تحدق أمامها في شرود تام، تقبض على يدها بقوة بالغة، كأنها تعتصر حقيبتها السوداء الصغيرة، فيما تسلل إلى مسامعها صوت تلك السيدة التي اقتحمت حياتها دون استئذان، وهمست بنبرة مبحوحة يغلفها السواد:
-لازم تاخدي حق أخوكي الغلبان من موسى عزام وعيلته يا غالية، أنتي مش ضعيفة ولا هما هيدوسوا عليكي عشان انتي وليه منكسرة مالكيش ضهر وسند، طول ما دماغك شغالة ودم أخوكي قدام عينك هتقدري تنتقمي منهم.
التفتت إليها ببطء وقد ازدادت لمعة الانتقام في عينيها شراسة وظلمة، فأخرجت الأخرى سلسلة ذهبية صغيرة، يتدلى منها نجم مرصع بفصوص لامعة، ولوحت بها أمام غالية على مهل:
-لو وافقتني، صدقيني عمرك ما هتندمي، السلسلة دي هي أمانك هناك، لازم تنسي إنك غالية عطية قاسم، انتي من النهاردة نجمة جلال الدين والسلسلة دي تفضلي لابساها ومتخافيش أنا ظبطتلك كل معلوماتك واسم غالية أنا همحيه من على وش الدنيا مؤقتًا، لغاية ما نشرب من دم عيلة عزام كلها، ولسه هظبط بيانات أختك متقلقيش.
اندثرت بقايا الخوف بين جنبات ظلمتها المخيفة، ولمع أمامها طريق من الأشواك، وفي نهايته انتقام ينتظرها من كل مَن سولت له نفسه الغدر بأخيها، ستجعلهم عبرة لكل مَن استباح لنفسه التجبر والظلم، ودفن إنسان بريء ليُحيي آخر فاسدًا لا يستحق أن يعيش ثانية واحدة.
***
في "وادي العرين".
تأرجح جسد "شوقي" يمينًا ويسارًا، معلقًا من قدميه ومرفوعًا إلى أعلى، كدمية بالية فقدت إرادتها، تساقطت من رأسه قطرات دم بطيئة، كأنها عد تنازلي صامت، ينذر باقتراب نهايته، فكان النزيف هادئًا لكنه خبيث، يسرق الحياة رويدًا رويدًا، بينما تشوهت ملامحه بفعل الكدمات الغائرة التي تركتها أيدي رجال عاصم، أولئك الذين فاجأوه بضربٍ وحشي منذ أن وطئت قدماه أرض الوادي.
لم يُتح له حتى أن يستوعب ما يحدث؛ فالمكالمة التي تلقاها من أحد أصدقائه، والتي استدعته على عجل بحجة ظهور صنف جديد من المخدرات، لم تكن سوى فخ محكم الإغلاق، أُعد له بعناية.
أطلق شوقي أنفاسه بصعوبة، وهو يحاول أن يثبت نظره على عاصم الجالس فوق مقعد خشبي قديم، فكان متكئًا في ثقة مستفزة، يضع ساقًا فوق الأخرى بعنجهية متعمدة، وفي يده سكينه يلمع نصلها تحت الضوء الخافت، تارة يمسحها بقطعة قماش، وتارة يديرها بين أصابعه بحركات دائرية بطيئة، كأنما يلاعب فكرة القتل نفسها.
صمت عاصم لأكثر من ساعتين كاملتين، لم ينبس خلالها بكلمة واحدة، بينما كان رجاله ينهالون على شوقي ضربًا، وكأنهم يهيئون جسده فقط، منتظرين اللحظة التي يتدخل فيها صاحب القرار.
وبصوت متحشرج، خرج من بين شفتي شوقي الممزقتين رجاء يائس:
-عاصم باشا، الرحمة ابوس ايدك، لو هتموتني موتني دلوقتي.
التفت عاصم ببطء ونظر إلى الفراغ أمامه ثم يمينًا ويسارًا، وكأنه يبحث عمن يُخاطب، قبل أن يقول باستنكار بارد:
-انت بتطلب الرحمة من مين؟
توقف لحظة ثم أمال رأسه بخبث وأضاف:
-مني؟
هز شوقي رأسه بعنف والدموع تختلط بالدم على وجهه:
-اه يا باشا....اه، لو مش عايز ترحمني، موتني وخلاص.
ابتسم عاصم ابتسامة جانبية لا تحمل سوى القسوة ثم قال:
-لا لو بتطلبها مني يبقى...حبيت، نزله يابني.
أنزلوه أرضًا كجثة نصف حية، فاقترب منه عاصم وانحنى قليلًا وقال بصوت ساخر:
-إيه يا شوقي مالك؟ تعبان ليه؟ خلي نفسك طويل، سكتنا لسه طويلة أوي أوي مع بعض، لدرجة إنك هتحفظ كل شبر هنا في الأوضة.
ارتجف شوقي وهو يهمس:
-ليه يا باشا؟ ليه أنا عملت إيه؟
ضحك عاصم ضحكة قصيرة ثم قال ببرود:
-لا...عملت كتير، لدرجة إن دماغك سحوتك وفكرت تكتب عيال عاصم عزام على اسمك يا كلب.
اتسعت عينا شوقي رعبًا:
-آآ...أنت...يا باشا، أنت عرفت، مش أنا....هما، اللي فكروا.
رفع عاصم يده إشارة للصمت:
-لا اهدى كده، واتكلم عِدل أنا عايز اسمع الحكاية من الأول، من أول سطر وانت كمان بتحكيها احكيها براحة أوي، عشان استمتع كمان وكمان.
اندفع شوقي يقبل يد عاصم وهو يرتجف بخوف كبير:
-بالله عليك يا عاصم باشا ارحمني، أنا يا باشا غلبان وبسمع الكلام، يا باشا مش أنا والله هما اللي قالولي أعمل كده، أنا كان مالي ومالي الحكاية السوده دي.
اقترب عاصم منه أكثر وقال بسخرية لاذعة:
-هما مين يا شقشق؟ صفية وچيني مراتي؟
ابتلع شوقي ريقه بصعوبة، وشعر بجفاف يحرق حلقه، كأن الكلمات نفسها تأبى الخروج، تردد لحظة ثم اندفعت منه الحقيقة مذعورة:
-اه يا باشا، هما والله، أنت كنت لا على البال وعلى الخاطر، لقيت البت صفية بتقولي إن چيني هانم لا مؤاخذة حامل منك والكلام ده حصل لما كانت غضبانة وعايزة تتطلق، فقولتلها ما تفرح عاصم بيه، قالت لا دي عايزة تحرق قلبه وتنزلهم، المهم يا بيه معرفتش تنزلهم.
قطب عاصم حاجبيه وصوته خرج حادًا كحد السكين:
-وبعدين؟
تنفس شوقي بعمق وكأن كل كلمة تُنتزع من صدره انتزاعًا:
-فهمتك إنها سافرت لأمها فرنسا، بس الحقيقة هي وأمها كانوا قاعدين في شقة في مصر والبت صفية كانت سابت شغلها هنا في القصر وسافرتلها تقعد معاها وتخدمها.
ضرب عاصم بيده على المقعد بعصبية وقال باحتقار:
-ما تنجز يا واطي، هو أنا بسمع فوازير رمضان؟
ارتعش شوقي وأسرع بالكلام خوفًا من أن يقطع صوته إلى الأبد:
-أنا جايلك اهو في الكلام يا باشا، المهم هي معرفتش تنزل العيلين ولبست فيهم، ومعرفش مين اقترح عليها تولدهم وتديهم لصفية تربيهم بمعرفتها، وفعلاً يا باشا البت صفية طمعت وفرحت وقالت ومالو، خدتهم من الست هانم وهما عمرهم لسه ساعات وسابت الست هانم وجت عاشت معايا
في شقتي في المنصورة الأول وثبتهم على اسمي، خوفت العيال تتشرد يا بيه.
توقف شوقي لحظة وكأن الكلمات خانته فجأة، ثم انكسر صوته وهو يواصل، فيما كان جسده يرتجف تحت ثقل الخوف واليأس، عندها ارتسمت على وجه عاصم ابتسامة ساخرة، وقال بنبرة تقطر تهكمًا:
-ياااا نبيل خالص يا شوقي وإيه كمان يا روح أمك، سمعني واشجيني.
ازدرد شوقي ريقه مجددًا، وقد أدرك أن الاعتراف لم يعد خيارًا، بل ضرورة أخيرة لتأجيل الموت:
-بس المسئولية كبرت عليا يا باشا ومعرفتش اربيهم تربية كويسة، فالدكتورة اللي كنت بشتغل عندها، مبتخلفش لا مؤاخذة، عرضت عليا تاخدهم وربتهم وكبرتهم، أروح اجبهملك يا بيه منها، اسمحلي بس اروح وأنا قبل طلعة النهار هتلاقيهم عندك.
لم يرد عاصم بالكلام، أخرج سكينه ببطء متعمد، فتح نصلها حتى صدر صوتًا معدنيًا حادًا اخترق الصمت، ثم أمسك بذراع شوقي فجأة، وبحركة قاسية كسرها، دوى صراخه في المكان، صراخًا هستيريًا مشبعًا بالرجاء والاستغاثة.
لكن عاصم لم يتأثر، اقترب منه أكثر وقال بتهديد لاذع، وصوته ثابت كأنه يتحدث عن أمر عابر:
-لا اهدى يا شوقي كده، هو أنا هسيبك بسهولة ولا فاكر إنك هتموت عادي كده، لا ده أنت موتك لازم تكون كبيرة وعبرة لأي حد يفكر إنه يدوس على طرفي، أنا عاصم عزام يالا فوق.
ثم وبحركة خاطفة لا تترك مجالًا للهرب، شق ذراعه الأخرى بالسكين، وانحنى فوقه حتى صار وجهه قريبًا من أذنه، وهمس بصوت مشبع بالتلذذ والقسوة:
-أنا هستناك انت يا معفن عشان تجيبلي عيالي، أنا هروح اخدهم حالاً من بيت الدكتورة بتاعتك نفسها، ولو قدرت تعارضني هجيبها هنا معاك تسليك.
ثم استقام عاصم ببطء، أعاد السكين إلى غمدها وكأنه يطوي صفحة لا تهمه، وأدار ظهره دون أن يلتفت، خفت الأضواء في المخزن، وبقي شوقي ممدّدًا على الأرض، أنفاسه متقطّعة كعد مكسور، ووعيه يتأرجح بين الإغماء والفزع.
و خارج الباب تردد صدى خطوات عاصم ثابتًا لا يعرف التردد، وهو ينوي الذهاب حالاً إلى حيث تسكن تلك الطبيبة عائشة.
***
وصل عاصم بعد ساعات من القيادة مع رجاله إلى حيث تسكن تلك الطبيبة، فكانت منطقة هادئة نسبيًا وبنايات بسيطة بالإضافة إلى بعض الأبراج، استعد للنزول فقال فايد:
-تحب اطلع معاك يا باشا؟
رد بنبرة جامدة:
-لا، خليك انت.
ترك سيارته وقبل أن يدخل للمدخل ارتفعت ضربات قلبه لأول مرة استعدادًا لمواجهة لم يكن يتخيلها حتى في أحلامه إطلاقًا، صعد درجات السلم بهدوء تام جدًا ولكنه تجمد فجأة مكانه عندما استمع إلى صوت بكاء وصوت آخر يتحدث، فوضع يده سريعًا على مسدسه دون لحظة تفكير.
رواية في ظلال الوادي الفصل الخامس 5 - بقلم زيزي محمد
الفصل الخامس.
"خسارة الجولة الأولى"
*قبل قليل*
خرجت "عائشة" من غرفتها بعد أن قضت ساعة أخرى وحيدة، تجوب أفكارها بحثًا عن حل لتلك المعضلة التي أثقلت صدرها وأرهقت ذهنها، حتى كادت أنفاسها تضيق بها، وما إن وطأت قدماها الصالة حتى فوجئت بفراغها التام؛ لا صوت سوى حركة عمر كعادته، جالسًا على الأرض يلعب بألعابه وحده، غارقًا في عالمه الصغير، غير عابئٍ بما يثقل عالمها.
اتجهت بخطوات هادئة نحو المطبخ، فاستقبلتها رائحة الحلوى الدافئة، وصوت السيدة أم كلثوم ينساب رخيمًا من مذياعٍ قديم، وكأن الزمن قرر أن يتوقف عند لحظة صفاء نادرة، فكانت خالتها شريهان تقف أمام الموقد، تتحرك بخفة وابتسامة دافئة على غير عادتها.
توقفت "عائشة" عند عتبة المطبخ، ترمقها بدهشة صامتة قبل أن يدفعها فضولها إلى السؤال:
-اقدر أعرف إيه اللي مخليكي سعيدة كده يا خالتو؟ ده أنتي لسه سايباني من ساعة وكنتي عادي مضايقة زيي.
التفتت "شريهان" إليها وعلى شفتيها بسمة مقتضبة تحمل قدرًا من اللامبالاة المتعمدة، وقالت:
-حسيت باكتئاب قولت اعمل أم علي تفرفشنا.
ارتسمت على وجه "عائشة" نصف ابتسامة باهتة، لم تلبث أن تلاشت وهي تستدير بعينيها في أرجاء المكان، تبحث عن صغيرتها ليلة:
-هي لولي نامت ولا إيه؟!
وضعت "شريهان" طواجن أم علي الصغيرة على الطاولة بعنف مكتوم، ثم قالت بصوت مرتفع يشي بالغضب والدفاع المسبق:
-بصي بقى البت ميرال صاحبتها قابلتنا واحنا طالعين من المكتبة وطلبت مني تاخد ليلة تساعدها في تعليق الزينة وأنا وافقت، إيه عايزاني اطلع ماليش قرار ولا رأي خالص، وبعدين أنا مبقدرش اكسر فرحة ليلة والبت عايزة تقف مع صاحبتها.
زمت "عائشة" شفتيها بضيق بالغ، وامتنعت عن التعليق، إذ بدا واضحًا من نبرة خالتها المندفعة أنها أغلقت باب النقاش تمامًا، وكأن أي اعتراض محتمل قد تم إعدامه سلفًا.
تقدمت خطوة إلى الأمام وقالت بنبرة صارمة، دون أن تنظر إلى شريهان التي سارعت بإدارة ظهرها، متظاهرة بالانشغال في إكمال الحلوى:
-عمر، اطلع نادي اختك وقولها كلمي ماما بسرعة.
أومأ "عمر" برأسه في طاعة، ثم انطلق ينفذ الأمر بينما جلست "عائشة" في مكانها، تحاول كبح غضبها، وتعد في رأسها الكلمات التي ستواجه بها ابنتها، فكانت تنوي حديثًا صارمًا يعقبه خصام وجيز، ساعة أو ساعتان على الأكثر؛ فهي لا تحتمل الفراق منها أكثر من ذلك مهما ادعت الحزم.
ولكن عودة "عمر" سريعًا، وملامح الضيق مرتسمة على وجهه الصغير، أربكت حساباتها إذ قال باقتضاب:
-عمو يامن الرخم مرضيش يدخلني، وقالي خلي مامتك تطلع تاخدها.
تجمدت ملامح "عائشة" وعقدت حاجبيها بقلق مشوب بالغضب، بينما كان "عمر" ينظر إليها بعدم فهم، متعجبًا من التحول المفاجئ في تعابير وجهها، فنهضت دون أن تنطق بكلمة، واتجهت إلى غرفتها بخطوات سريعة، أخرجت شفرة نسائية حادة وضعتها في جيب سترتها القطنية بحركة تلقائية، ثم اندفعت إلى الطابق العلوي وملامحها واجمة، وعقلها يعج بالأسئلة والشكوك.
طرقت الباب طرقات حادة متلاحقة، فما لبث أن فُتح، ليظهر "يامن" والد "ميرال" وعلى وجهه ابتسامة عريضة تنم عن رضا وثقة، وكأنه كان واثقًا من صعودها.
بادرت "عائشة" بالحديث، ونبرتها حادة لا تخلو من الغضب المكبوت:
-في إيه يا دكتور يامن؟ بعت عمر ياخد اخته، قولتله اطلع أنا اخدها، خير ان شاء الله؟!
اتسعت ابتسامته فبدت لها لزجة ومزعجة، ثم أفسح لها الطريق قائلًا:
-ادخلي ناديها، أصلها مش راضية تنزل ومُصرة تساعد ميرال في اوضتها.
زفرت "عائشة" بقوة وشعرت بحرارة تسري في صدرها، ثم تساءلت بحدة، وهي تطل بنظرها إلى الداخل قبل أن تخطو خطوة واحدة:
-هي مدام سالي هنا؟!
هز رأسه بصمت دون أن يعقب بكلمة واحدة، ثم ابتعد عن الباب قليلًا، كمن يفسح المجال ظاهريًا بينما يضمر نية مغايرة تمامًا، دخلت "عائشة" بخطوات حذرة، يكاد ثقلها يجرها جرًا، فيما كانت ضربات قلبها تعلو وتتصادم داخل صدرها بعنف أربك أنفاسها، فلم تشعر بالراحة إطلاقًا؛ ذلك الإحساس الخفي بالتهديد كان يلتف حولها كحبل غير مرئي، خاصة مع نظرات يامن المستمرة من خلفها، نظرات لم ترها بعينيها، لكنها شعرت بها تسري فوق جلدها وتُربك توازنها.
استدارت برأسها لتسأله عن غرفة ميرال، إلا أنها لم تُكمل التفاتتها، إذ باغتها فجأة بجذبة عنيفة نحو إحدى الغرف الجانبية، في تلك اللحظة شُل نصف جسدها من الصدمة، وتجمدت أطرافها حين وجدت نفسها محاصرة بين الجدار وجسده، ووجهه يقترب منها اقترابًا خانقًا، يقتحم مساحتها دون إذن.
فقال بصوت منخفض مشحون بلهفة مريضة:
-في إيه يا عائشة هو انتي ليه مش حاسة بيا خالص؟ أنا بقالي خمس سنين بلف وراكي وانتي ولا هنا، مش شايفاني لدرجة دي.
حاولت إبعاده بكل ما أوتيت من قوة، تدفعه بكفيها المرتجفتين بينما كان الغضب يتصاعد داخلها كبركان مكتوم، حتى شعرت أن صدرها على وشك الانفجار، وأن الكلمات قد تخرج منها نارًا لا صوتًا:
-ابعد عني انت اتجننت، ابعد أحسنلك، هصوت ومراتك هتيجي وهفضحك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة مشوبة بالاستهانة، وكأن تهديدها لا يعني له شيئًا، ثم قال بنبرة هامسة أقرب إلى الهمس المسموم:
-هو انتي صدقتي إنها هنا، متخافيش البومة مش هنا، أنا مش عايز منك غير إنك توافقي، وافقي اتجوزك وهاخدك انتي والولاد وخالتك واقعدك بعيد عن هنا، ولو مش عايزة حد يعرف مش مشكلة اخدلنا شقة أنا وانتي ومحدش يعرف إيه رأيك.
في لحظة امتزج فيها الرعب بالاشمئزاز رفعت يدها وصفعته، فكانت تريدها صفعة قاسية وموجعة، تُفرغ فيها كل ما بداخلها من قهر وخوف لكنها خرجت ضعيفة ومرتعشة، كارتجاف روح تُنتزع قسرًا من أمانها.
رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين يملؤهما الاحتقار، وقالت بصوت موبخ، ثابت رغم ارتعاشها الداخلي:
-حقيقي انت أحقر راجل شوفته في حياتي، ومعندكش دم ولا بتفهم، رفضتك مرة واتنين وتلاتة إيه البعيد غبي مابيفهمش.
كانت كلماتها كسياط لاذعة، جلدت كبرياءه قبل جسده، ولكنها لم تكن تدري إن كانت ستكفي لردعه، أم أنها مجرد صرخة أخيرة في مواجهة ذئبٍ لم يشبع، ذئبٍ أعمته شهوته حتى لم يعد يرى في الرفض إلا تحديًا، ولا في الكرامة إلا عائقًا يجب سحقه.
غامت عيناه بوميض فج، خليط من الشهوة والغضب، ولم تشفع له صفعتها القاسية التي لطمت ما تبقى من رجولته الزائفة، بل زادته توحشًا، في تلك اللحظة أدرك أنه لا يريدها بقدر ما يريد كسرها وإذلالها....أن ينتصر عليها بأي ثمن.
لذا اندفع نحوها محاولًا لمسها، يده تمتد كأنها سلاح، وصوته يخرج شرسًا ومهددًا...محملًا بالقذارة:
-اهدي كده يا شوشو عشان لو صوتّي بردو، عيالي برة هيفهموكي غلط، والفضيحة كده كده هتحصل، هما عشر دقايق والدنيا هتبقى زي الفل.
حاول تقبيلها بكل الطرق، محاصرًا إياها بجسده بينما كانت هي تتحرك بهستيريا أحيانًا تتلوى وأخرى تدفعه ثم تضربه، فكانت أنفاسها متقطعة وقلبها يخفق كطائر محبوس يبحث عن ثغرة للنجاة.
وفي لحظة يأس مشحونة بالبقاء، مدت يدها داخل جيب سترتها وجذبت الشفرة ثم بحركة غريزية حادة صوبتها نحو يده، اخترق المعدن جلده فانفجر الدم، جرحًا عميقًا جعل صوته ينحبس في حلقه، وتأوه في صمت مؤلم، يتراجع خطوات عشوائية وهو يحدق في الدم المتدفق بذهول لم يستوعبه بعد.
لم تنتظر "عائشة" ثانية واحدة، اندفعت خارج الغرفة ترتجف، تهندم ثيابها بيد مرتعشة، وكأنها تحاول إعادة ترتيب جسدها قبل روحها، ثم صاحت بأعلى صوتها، فخرج مبحوحًا لكنه حاسم:
-ليــــــلـــــة، انـــتـــي فــــيـــن؟
خرجت "ليلة" مسرعة وقد انعكس القلق في عينيها الصغيرتين بسبب نبرة أمها المرتفعة:
-نعم يا مامي، أنا هنا أهو.
جذبتها "عائشة" بقوة إلى صدرها، واستدارت بها نحو باب الشقة، عقلها لا يرى إلا النجاة إلا أن إحساسًا خانقًا باغتها؛ بوجوده خلفها، تجمد الدم في عروقها، وتشبثت بابنتها وكأنها تتمسك بالحياة نفسها.
وفي لحظة لم تدرك إن كان الحظ فيها حليفًا أم شاهدًا صامتًا، انفتح باب الشقة ودخلت "سالي" زوجة "يامن" وقد عادت لتوها من عيادتها؛ وملامحها متجهمة من إرهاق العمل، توقفت فجأة وتجمدت نظراتها بين عائشة وابنتها ومظهر زوجها المرتبك من خلفهما.
شعرت "عائشة" بأن أنفاسها تضيق، وكأن الهواء انسحب دفعة واحدة من رئتيها، خاصة حين قالت "سالي" بصوت مرتفع، مشوب بالاستنكار والدهشة:
-الله الله إيه ده بقى يا دكتور يامن، بتعمل إيه دي في شقتي وأنا مش موجودة؟!
التفتت "عائشة" ببطء نحو يامن، فرأته يخفي يده المصابة خلف ظهره وملامحه متصلبة، أما صوته فخرج غليظًا ومحتقنًا وكأنه يفرض روايته بالقوة:
-هتكون بتعمل إيه يا سالي؟ جاية تاخد بنتها ونازلة!
لكن الدم الذي كان لا يزال يقطر، والارتباك الذي لم يستطع إخفاءه رغم محاولاته البائسة للتماسك، كانا أبلغ من كلماته جميعًا، لم تمر تلك التفاصيل الصغيرة دون أن تلتقطها عيون بريئة لم تُدرب بعد على الكذب، إذ خرج صوت "ميرال" من خلفه مرتجفًا بالصدمة:
-بابي إيدك متعورة جامد!
هز رأسه بهدوء مصطنع، وانحنى قليلًا ليكون في مستوى نظرها ثم ابتسم ابتسامة صغيرة زائفة، يطمئنها بها قبل أن يطمئن نفسه:
-اه يا حبيبتي، ايدي اتعورت من سكينة المطبخ.
لم تنتظر "عائشة" مزيدًا من المشاهد الزائفة، فجذبت ابنتها بسرعة، وكأنها تخشى أن تُنتزع منها، وتحركت نحو الخارج بينما خرج صوتها متهدجًا، مكسور الحواف من فرط التوتر:
-عن إذنكم.
وقبل أن تخطو خطوة واحدة نحو السلم، وقبل أن تبتعد عن بؤرة الاتهام، جاءها صوت سالي عاليًاو قاسيًا، يقطر حنقًا واستعلاءً:
-اه يا دكتورة يا محترمة عن إذنكم ونازلة، بعد ما تجرأتي وطلعتي بيتي في عدم وجودي، وعاملة الحجة بنتك.
ثم استدارت فجأة نحو صغيرتها ميرال، وصاحت فيها بحدة أفزعت الطفلة:
-هو أنا مقولتش البنت دي متعرفيهاش تاني ولا تصاحبيها.
عند تلك اللحظة فاض الكيل، واستدارت عائشة بحدة، وقد بلغ احتقانها ذروته واحمر وجهها من شدة الغضب لا من الخجل، وقالت بصوت مرتعش لكنه صلب:
-أنا ساكتلك وعاملة حساب للجيرة، لكن اقسم بالله كلمة كمان ومش هسكتلك، ولو على بنتي فـ والله بنتك هي اللي مُصرة تصاحبها رغم إن أنا منبه على بنتي مليون مرة متطلعش هنا ولا ليها دعوة ببنتك...
توقفت لحظة قصيرة وكأنها تلتقط أنفاسها، ثم تقدمت خطوة نحو سالي، ونظرت إليها بتلك النظرة المتعالية ذاتها، النظرة التي طالما استقبلتها منها، محملة بالانتقاص المقنع، والسم المغلف بالذوق المصطنع، ثم قالت ببرود قاطع:
-والحقيقة العيب مش في بنتك نهائي، العيب إن عندها أب وأم غير سويين نفسيًا.
لم تنتظر ردًا، أمسكت بيد ابنتها بقوة، وبدأت تهبط الدرج سريعًا وخطواتها متلاحقة، أما قلبها يسبقها بالخوف، ورغم ابتعادها لم تصمت سالي، بل ألقت كلماتها السامة خلفها...كلمات وصلت واضحةو جارحة، لا تخطئ هدفها:
-هستنى إيه من واحدة معندهاش راجل يلمها وبتدخل بيوت الناس في عدم وجود أصحابها.
لكن هذه المرة، لم يحتمل يامن وانفلتت أعصابه فجأة، فجذبها إلى الداخل بعنف مكتوم، وقال بنبرة متوترة يظهر فيها الضيق أكثر مما يظهر الدفاع:
-خلاص بقى يا سالي ادخلي، كفاية فضايح لغاية كده.
تلاشى اعتراضها وسط غضبه ومحاولاته لإسكاتها، حتى أغلق الباب بقوة، فكان صوت ارتطامه كأنه نهاية فصل كامل من الرعب، وفي الأسفل توقفت عائشة للحظة، تستند إلى الحائط وهي تتنفس بقوة، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وقد تجمعت الدموع في مقلتيها، لا من الضعف بل من فرط الرعب.
رعب أن يخرج أحد ساكني البناية، أو أن يسمع...أن يرى...أن تبدأ الألسنة في نهش سمعتها، فكانت تعلم بيقين موجع، أنه إذا انطلقت الشائعات، فلن تستطيع إسكاتها مهما علت الحقيقة.ومهما كان صوتها صادقًا.
-خشي جوه وأنا بعد شوية هدخل.
أومأت "ليلة" برأسها في صمت وحزن ممزوج بحرج واضح في نظراتها الصغيرة نحو والدتها، قبل أن تستدير وتدخل الشقة ببطء، وكأنها تخشى أن تتركها وحدها في تلك الحالة.
وما إن أُغلق الباب خلفها حتى انهارت عائشة جالسة على إحدى درجات السلم، جسدها ينكمش على نفسه، وكتفاها يهتزان وهي تكتم شهقاتها بجهد مضنٍ، فرفعت يدها المرتجفة تمسح دموعها بعنف، ليس رغبة في زوالها، بل كأنها تعاقب نفسها على ضعف ترفض الاعتراف به.
فكان القهر يعلو ساحة مشاعرها، كصخرة وُضعت فوق صدرها، تمنع عنها الهواء وتذكرها بعجزٍ قديم لم يُشفَ بعد،
وفي تلك اللحظة سُحبت قسرًا إلى دهاليز ذاكرتها.
تدفقت صور الماضي بعنف وضربت خلايا عقلها الهش بلا رحمة، تتزاحم دون استئذان، يتقدمها صوت طالما كرهته، صوت حاولت محوه مرارًا، دفنه تحت طبقات النسيان، لكنه يعود دائمًا، أكثر وضوحًا كلما ضعفت.
فرأت نفسها كما كانت يومها، تقف مذلولة ومكسورة الجناحين، في ليلة كان يُفترض أن تكون أسعد ليالي العمر، فستانها الأبيض لم يكن حينها رمزًا للفرح، بل كفنًا ناعمًا لامرأة تُسلم لمصيرٍ لم تختره.
تذكرت كيف وقفت عاجزة عن الصراخ وعن الهرب...عن الاعتراض، وكيف تعلمت في تلك الليلة الأولى أن الصمت قد يُفرض، وأن الكرامة يمكن أن تُدهس باسم الأعراف، وباسم الستر.
**
جففت خصلات شعرها بعناية، ووضعت القليل من مساحيق التجميل ولم تبالغ، فقط ما يكفي ليخفي ارتعاش عينيها ويمنحها شجاعة مؤقتة، فكانت تنظر إلى نفسها في المرآة بترقبٍ مشوب بالخوف، كأنها ترى امرأة أخرى لا تعرفها تمامًا.
انسدل على جسدها قميص وردي قصير ناعم الملمس، يلتصق بتفاصيلها بخجل أنثوي واضح، لقد كانت تلك المرة الأولى التي تتجرأ فيها على ارتداء شيء كهذا؛ فهي لم تُربَ يومًا على الجرأة ولا على المطالبة، لكن اليوم مختلف…اليوم مفترض أن يكون مختلفًا.
إنها ليلة زفافها على ابن عمها "الدكتور أحمد" طبيب الجراحة العامة، الرجل الذي أُخبرت طويلًا أنه نصيبها وأمانها، سمعت صوت باب المرحاض يُفتح، فالتفتت إليه بخجل فوري، لتراه يخرج مرتديًا منامته وملامحه جامدة، خطواته عادية كأن الليلة لا تعنيه، مر بجانبها دون أن يلتفت، وتوجه نحو الفراش ثم استلقى عليه في صمت بارد،
تجمدت في مكانها للحظات.
نظرت إليه بعدم فهم ثم عادت بعينيها إلى المرآة، تفحص نفسها مرة أخرى، كأنها تبحث عن خطأ ما، عن شيء لم تلاحظه، أعادت النظر إليه وهذه المرة تسللت إلى صوتها نبرة توتر واضح:
-أحمد هو أنت هتنام؟
التفت نحوها ببطء وبرود مقصود، ورمقها بنظرة مشمئزة، نظرة تعمد أن تكون جارحة، ثم قال دون تردد:
-اه هنام، انتي مستنيه يحصل بينا إيه يا عائشة؟ أنا لا يمكن ألمسك وأساسًا أنا مش هستفيد بحاجة منك لو لمستك وخليتك مراتي بجد، كده كده انتي أرض بور على رأي عمتي، يعني مفيش فايدة منك.
سقطت كلماته عليها كالسكاكين طعنة تلو الأخرى، حتى تجمدت ملامحها واتسعت عيناها بصدمة لم تستوعبها بعد، فشعرت كأن الأرض مالت من تحت قدميها، وقالت بصوت خافت غير مصدق:
-انت بتقول إيه؟
زفر بضيق وكأنه يمل من المشهد، ثم أجاب بنبرة حاسمة لا تعرف الرحمة:
-بقول اللي لازم تسمعيه من زمان، ويلا تصبحي على خير وعدي اليوم من غير أي مشاكل..
أدار ظهره لها وأسدل الغطاء وكأن الأمر انتهى، أما هي فبقيت واقفة في مكانها، القميص الوردي الذي ظنته رمزًا لبداية جديدة صار فجأة عبئًا متوحشًا، يذكرها بأنها في تلك الليلة لم تكن عروسًا، بل امرأة كُسرت كرامتها منذ اللحظة الأولى.
****
خرجت بعنف من فوهة ذكرياتها الأليمة، وكأنها تُنتزع قسرًا من غرق طويل، وانهارت باكية....بكاءً لم تحاول هذه المرة كبحه أو تجميله، وضعت رأسها بين يديها وأسندت مرفقيها إلى ساقيها، فكان جسدها منكمش وروحها عارية من أي قوة تدعيها أمام الآخرين.
همست بصوت متقطع وموجوع، يخرج من أعماق صدر أثقله القهر:
-حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا كلكوا، قهرتوني على نفسي.
ثم عادت تبكي بتشنج واضح، أحيانًا يختفي صوتها تمامًا كأن الحزن يخنقه، وأحيانًا يخرج متقطعًا وحادًا، كأن كل شهقة تحمل ذكرى لم تُنسَ.
وفجأة تسلل إلى سمعها صوت خطوات ثقيلة على السلم، خطوات جعلت جسدها ينتفض لا إراديًا، رفعت وجهها سريعًا بعينين حمراوين متورمتين، لكن قبل أن ترى أحدًا، جاءها صوت مألوف من الخلف، فكان صوت ليلة الذي بدا وكأنه يحمل ذنبًا أكبر من سنه:
-مامي حقك عليا، والله ما هعمل كده أبدًا.
ثم جلست ليلة إلى جوار والدتها، واقتربت منها بحذر طفولي، ترفع كفيها الصغيرتين لتربت بهما فوق شعر أمها ووجنتيها، ثم مالت برأسها قليلًا وهمست بصوت خافت يختلط فيه الخوف بالرجاء:
-هي شافتني لما كنت بشتريلها الهدية أنا وعمر وتيتة شريهان وطلبت مني أساعدها وقالتلي أنا معنديش صحاب غيرك يا ليلة، حبيت اساعدها بس مش هعمل كده تاني، المهم إنك متزعليش مني عشان خاطري.
شدت عائشة على شفتيها محاولة كبح دموعها، ثم مسحتها بعنف وكأنها ترفض أن تمنح الضعف فرصة للظهور، نظرت إلى ابنتها بعينين مرهقتين، وقالت بصوت مبحوح يفضح ما حاولت إخفاءه:
-خلاص يا ليلة مش زعلانة، بس متعمليش كده تاني واسمعي كلامي يا حبيبتي، شوفتي كلام مامتها وأسلوبها كان عامل ازاي؟
وقبل أن تتمكن ليلة من الاعتذار مرة أخرى، وجدت عائشة ذراعين صغيرتين تحيطان بعنقها من الخلف، وصوت عمر يعلو بتهديد بريء لا يخلو من الدعابة:
-مين زعلك يا ماما وأنا أضربه بالمسدس بتاعي؟
ضحكت عائشة رغم بقايا الحزن العالق في صدرها، وربتت فوق يده بحنان وقالت:
-لا خلي مسدسك لوقت عوزه، أنا هزقتهم ونزلت، المهم إن ليلة هتسمع كلام ماما.
ثم أضافت بنبرةٍ مازحة تخفي خلفها ضعفًا صادقًا:
-مع أني كنت ناوية أخاصمك ساعة بحالها، بس قلبي بيقولي لا مش هتقدري....تتصوري هقدر ولا إيه؟
اتسعت عينا ليلة بخوف صادق، وهزت رأسها سريعًا وهي تقول برجاء حزين:
-لا ولا دقيقة، عشان خاطري يا مامي مش هعمل كده أبدًا، صح يا عمر؟
تظاهر عمر بالتفكير ثم قال ببرود مصطنع:
-مش متأكد بصراحة!
رمقته ليلة بغيظ طفولي فغمز لها وهو يضحك عاليًا، ثم اندفع نحو والدته يقبلها مرارًا، حتى قاطعتهم شريهان بصوت يحمل ضيقًا ظاهريًا يخفي خلفه محبة خالصة:
-نكدتي على العيال يا عائشة حرام عليكي، قوموا يا ولاد عملتلكم بقى أم علي خطيرة.
زم عمر شفتيه في ضيق وهو يتمتم باحتجاج صبياني:
-يا تيتة شيري قولنالك مية مرة مبنحبش أم علي خالص، وبردو بتعمليها.
رمقته شريهان بنظرة حادة، وقالت بأمر لا يقبل النقاش، بينما ملامحها اللطيفة تناقض نبرتها الصارمة:
-طيب قوم انت واختك بقى ادخلوا ناموا، ومحرومين من حلوياتي لغاية أخر الأسبوع.
تمتمت ليلة وهي تنهض من مكانها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مازحة:
-الحمد لله بجد.
ثم انطلقت هي وعمر إلى الداخل، يركضان بخفة وقلق طفولي، يلتفتان خلفهما بين الحين والآخر خشية أن يصل إلى مسامعهما صوت شريهان، وما إن تأكدت الأخيرة من اختفائهما داخل الغرفة، حتى استدارت وجلست بجوار ابنة أختها، مائلة نحوها وهي تقول بمشاكسة تخفي خلفها حرصًا صادقًا:
-عجبك شغل الشحاتين وقاعدالي على السلم، ما تدخلي تعيطي جوه براحتك، ولا هو أي فرهدة وخلاص.
ضحكت عائشة بخفة محاولة أن تبدو بخير، وقالت بنبرة اعتذار مصطنعة لا تخلو من الامتنان:
-حقك عليا يا خالتو، المرة الجاية هاخد بالي.
لم تمنحها شريهان فرصة للمزيد من المزاح، بل جذبتها إلى صدرها بقوة، وعناقتها عناق يحمل دفئًا غامرًا، ثم قالت بصوت يفيض حنانًا وطمأنينة:
-يا عائش بكرة تروق وتحلى والله ولا تفكري في أي حاجة، ولو على شوقي والخمسين ألف اللي طالبهم طنشيه.
ثم أردفت بانفعال غاضب:
-هو الحمار ده يعرف إيه عن ولاده أصلاً ولا رباهم ولا حتى بيشوفهم ويعرف ملامحهم، مش من حقه يجي على الجاهز وياخدهم، طيب والله لو شوفته انط في كرشه.
ارتجفت شفتا عائشة وانكسر صوتها وهي تتمتم بنبرة باكية محترقة من فرط الخوف الذي يعصف بقلبها:
-بس هما ولاده يا خالتو، لو أخدهم غصب عني مش هقدر اقوله لا، أنا حاسة قلبي فيه نار من كتر الخوف، أنا هربت منه مرة، هقدر أهرب التانية لو مقدرتش أكمل الفلوس اللي طالبها.
ربتت شريهان فوق كتفها بحنان بالغ، ثم مالت تقبلها بلطف صادق، وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل:
-مش هنديله جنيه الكلب ده، ولا هنهرب ولو مسكتش هرازيه الحيوان ده، المهم متعيطيش كده، مبحبش اشوفك بتعيطي.
تنفست عائشة بعمق مرتجف، وخرج صوتها مكسورًا محمّلًا بوجع قديم يتراكم منذ سنوات:
-أول مرة أحس باليُتم وأحس إني ماليش ضهر اتسند عليه!
انتفضت شريهان في مكانها، ورفعت حاجبيها بغيظ مصطنع، وقالت بلهجة حادة تخفي خلفها حبًا جارحًا:
-اخص عليكي يا بت يا عائشة، امال أنا بعمل إيه في حياتك، ما أنا متنيلة ووسايبة بيتي في المنصورة وحياتي وقاعدة معاكي اهو.
ثم أردفت وهي تزفر بضيق:
-وبعدين بلا قرف الحمد لله ربنا خد أبوكي، وأمك بقى دي قدرها ونصيبها يا حبيبتي، قومي.....قومي كلي ام علي وانتي هتفرفشي.
ارتسمت ابتسامة واهنة على وجه عائشة، وقالت بصوت خافت:
-مبحبهاش يا خالتو.
لوحت شريهان بيدها في استسلام ساخر:
-حتى انتي، طيب قومي نامي زي عيالك، قرفتوني.
نهضت عائشة ببطء وجسدها مثقل بالهموم، وكأن كل خطوة تخطوها تحمل معها عبئًا جديدًا، وقبل أن تدخل الشقة، توقفت ورفعت رأسها قليلًا، وقالت بقهر طازج أُضيف لتوه إلى مأساتها التي لا تنتهي:
-صحيح احنا لازم ندور على شقة في أقرب وقت، سالي ويامن مش هيسيبوني في حالي، وممكن تضايق الولاد ولا حاجة وأنا مش هستحمل.
أجابت شريهان بلا مبالاة متعمدة، وكأنها تحاول تخفيف فكرة الانتقال بالسخرية:
-هي كده كده خربانة خشي يلا، أنا فيا حيل للنقل أصلاً.
دخلت عائشة الشقة وأغلقت الباب خلفها بهدوء منهك، بينما ظل صدى كلماتها عالقًا في المكان، يتردد بين جدران السلم كأنه شاهد صامت على ما قيل، ولم تكن تدري أن في الطابق الأسفل رجلًا يقف جامدًا، يستند إلى الدرابزين بيد مرتجفة، يستمع لكل حرف نطقته، ولكل ضحكة صدرت من طفليه… ضحكة لم يسمعها أبدًا من قبل.
تسمرت قدما "عاصم عزام" في موضعهما، وكأن جسده قد تحول إلى حجر، الصدمة شلت أطرافه، وسلبت منه القدرة على التفكير أو الحركة، فذلك الجزء في صدره الذي لطالما ظن أنه لا يفعل أكثر من ضخ الدم، تمرد فجأة وبدأ ينبض من جديد، نابضًا بألم حارق لم يختبره من قبل.
لم يكن يتوقع أن سماع صوتيهما فقط سيكسر قسوته، ولن يتخيل أن بضع كلمات بريئة ستسحب مشاعره بقوة إلى ساحة الشوق، وتدفعه دفعًا إلى الرغبة في رؤيتهما وفي ضمهما، في استعادة شيء ظنه مات داخله منذ زمن بعيد.
وما كان أكثر ما أوجعه ذلك التعلق الواضح بها، تعلق صادق وطبيعي، لا تشوبه رهبة ولا خوف، عندها فقط أدرك أنه لا يجرؤ على أخذهما لا الآن، ولا بالطريقة التي كان ينويها، كل الخطط التي رسمها انهارت في لحظة، وكل القسوة التي اعتاد الاحتماء بها تهاوت أمام حقيقة واحدة، أطفاله ليسوا معركة ولا غنيمة.
وقف "عاصم عزام" عاجزًا لا يجيد الحركة ولا تنفيذ قراره، عاصم الرجل الذي لم يُهزم يومًا، تذوق الهزيمة للمرة الأولى في حياته، لم تكن هزيمة أمام خصم بل أمام نفسه.
فاستدار فجأة وانطلق هاربًا، لا يعرف كيف سيعود إلى دائرة أطفاله دون أن يؤذيهم، ولا كيف سيتعامل مع ذلك الضعف الذي انكشف داخله على حين غفلة.
هبط درجات البناية بسرعة، صدره يعلو ويهبط باختناق خانق، ونار مشتعلة بالانتقام تتأجج في أعماقه، موجهة نحو كل من كان سببًا في إبعاده عن طفليه، وحرمانه من تلك الأحاسيس التي سرقها منه الزمن، توقف عند مدخل البناية، يحاول أن ينتظم في تنفسه وأن يستعيد قناع الصلابة، ألا يسمح لضعفه بأن يطفو على السطح.
لكن فايد اخترق دائرته واقترب منه وهو يسأله بقلق واضح:
-إيه يا باشا؟! انت كويس؟ مجبتهمش ليه؟
رفع "عاصم" بصره إليه، ونظرة طويلة مرهقة ارتسمت في عينيه، تختلط فيها مشاعر الغضب بالحيرة والانكسار، ثم قال بصوت أجش، وهو يتجه بخطوات ثقيلة نحو سيارته:
-الوقت اتأخر، خلي حد من الرجالة تقف هنا وتحرسهم، لغاية ما أشوف هعمل إيه.
لم ينتظر ردًا بل اختفى داخل سيارته وأغلق الباب خلفه بقوة، تاركًا فايد واقفًا في مكانه، يرمقه بنظراتٍ مستهجنة، لم يعتد أن يرى رب عمله هكذا؛ مترددًا ومهزوزًا، كأن الرحمة تسللت إلى قلبه عنوة، وخلخلت ما ظنه الجميع صخرًا لا يلين.
ولأول مرة لم يكن عاصم عزام مخيفًا، فقد كان أبًا خسر الجولة الأولى.
***
في "نجمة رشيد".
ارتفعت ضحكات موسى عاليًا، ضحكات مجلجلة تخترق المكان بحدتها، وهو يستمع إلى الرجل الذي كلفه بمراقبة عاصم، مال إلى الخلف قليلًا ثم اعتدل في مقعده كمن التقط صيدًا نادرًا، وقال بنبرة يملؤها الاستمتاع:
-قول تاني كده، إيه مخدهمش!
وانفجرت ضحكاته من جديد، ضحكات تحمل من الجنون بقدر ما تحمل من الشماتة، غمز لصالح الذي كان يقف قبالته بملامح جامدة، فقد اعتاد على تلك النوبات التي تصيب موسى، خاصة حين يكون عاصم طرفًا فيها وقال بسخرية لاذعة:
-مش معقول!....ده طلع قلبه قلب خسايه وأنا معرفش.
ثم زفر بضيق مصطنع والتفت إلى صالح وهو يقول بتذمر واضح:
-تصدق أنا زعلت، أنا كان نفسي اتفرج لما يبعت ياخد چيني من فرنسا هي وعمي ويدعكهم في بعض، يااااه متعة.
ثم أضاف وهو يغمض عينيه نصف إغماضة:
-الانتقام ده أحسن متعة ممكن يحسها إنسان يا صالح.
أومأ صالح برأسه موافقة مقتضبة، ثم أشار للرجل الواقف الذي بدت عليه علامات القلق من تقلب ملامح موسى بين لحظة وأخرى فأذن له بالمغادرة، انصرف الرجل مسرعًا، بينما ظل موسى شاردًا وبسمة عابرة تستقر على وجهه كقناع مؤقت، فمال صالح نحوه قليلًا وسأله بفضول حذر:
-هنعمل إيه مع عياله؟ تحب ناخدهم قبل ما هو ياخدهم؟!
انتبه موسى إليه فجأة واختفت خفة ضحكاته، وحل محلها جمود مخيف، رغم بقايا ابتسامة لم تبارح شفتيه، وقال ببرود متعمد:
-لا ولا أي حاجة خالص.
ثم أردف ببطء مقصود:
-هنسيبهم يتعلق بيهم ويحبهم وبعد كده نحسر قلبه واحدة واحدة عليهم.
ابتلع صالح ريقه وأومأ بتفهم صامت؛ كان يعرف أن هذا الهدوء أخطر من أي نوبة غضب، ثم حمحم بخشونة وقال بصوت منخفض:
-طيب عثمان بيه زعق ورفض إن مصعب بيه يقعد أكتر من كده تحت في الاوضة، وخرجه.
زفر موسى بقوة وعادت علامات الضيق تسيطر على ملامحه للحظات، قبل أن يتمتم ساخرًا:
-والله أنا حاسس إن ابويا هو اللي بيجبله المخدرات.
ثم التفت إلى صالح فجأة وقال بلهجة آمرة لا تحتمل النقاش:
-شدد على الواد ده وشوفه بيتعامل مع مين، ومين بيجبله الزفت ده.
اقترب قليلًا وأضاف بنبرة تهديد باردة:
-حتى لو كان أبويا نفسه قولي ومتخافش، وديني ما أنا سايبه في حاله إلا لما أعرف مين حطه على الطريق ده.
ارتفعت طرقات الباب، فأذن صالح بالدخول، ولم تكن سوى شربات، التي دخلت بخطوات مرتجفة، والرعب يكسو ملامحها بالكامل ثم قالت بتلعثم.واضح:
-آآ...أنا....أنا جيت يا باشا، آآآ...أقولك على حاجة لحظتها في بيت الحاجة فايزة وبالذات على الست لمياء.
لمعت عينا موسى بوميض خطير، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، ثم أشار لها بالاقتراب وهو يقول بصوت جامد لا يخلو من عبثه المرعب:
-قربي كده وقوليلي لاحظتي إيه يا شوشو.
ثم أضاف بنبرة منخفضة متوعدة:
-بس واحدة واحدة وإياكي تنسي حاجة.
وتجمد الهواء في الغرفة وكأن الشر نفسه جلس يستمع.
***
في اليوم التالي…
كانت "غالية" جالسة فوق فراشها المهترئ، تحدق مطولًا في تلك البطاقة الشخصية التي تحمل اسمها الجديد، وكأنها تحاول استيعاب حقيقة ما أقدمت عليه، مرت أصابعها المرتجفة على حواف البطاقة ببطء، بينما تتزاحم داخل صدرها مشاعر متناقضة؛ فحينًا يتسلل إليها الخوف فيقيد أنفاسها، وحينًا آخر يشتعل داخلها لهيب الانتقام حتى تشعر بأنها لو امتلكت القوة الكافية، لما ترددت لحظة واحدة في القضاء عليهم جميعًا دون رحمة.
أطلقت زفرة عميقة مثقلة بكل ما تحمله من أوجاع، ثم خفضت بصرها نحو أختها الصغرى فريدة، التي كانت نائمة فوق ساقيها متشبثة بها بقوة، وكأنها تخشى أن تستيقظ لتجد نفسها وحيدة في هذا العالم القاسي، ارتسمت ابتسامة حانية على شفتي غالية، إلا أن الخوف امتزج بتلك الحنان، خوف عليها قبل أي شيء، ففكرة فقدان فريدة كانت كفيلة بأن تحطم ما تبقى من صمودها، في تلك اللحظة حسمت أمرها بصمت؛ ستظل بجانبها ستحميها، ولن تتركها وحدها مهما كان الثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب دراستها ومستقبلها الذي بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا.
قطع سكون اللحظة طرق متواصل على باب الشقة، طرق حاد أربك أفكارها، أبعدت رأس فريدة برفق، محاولة ألا توقظها، ثم نهضت بخطوات مترددة نحو الصالة، فتحت الباب لكنها تجمدت في مكانها من الصدمة عندما رأت من يقف أمامها.
-حسام؟!
نطقت اسمه بدهشة صريحة، فقد غاب عن حياتها منذ زمن طويل، زمن ظنت أنها طوت صفحاته بلا عودة.
ابتسم "حسام" عند رؤيتها، ابتسامة لم تسترح لها ثم دفع الباب بهدوء مصطنع رغم وقوفها أمامه ومحاولتها الصامتة لمنعه من الدخول، فتجاوزها دون اكتراث وجلس على أقرب مقعد قديم، تتآكله آثار الزمن وأخذ يتفحص الشقة بنظرات متفحصة، وسرعان ما عادت عيناه إليها واتسعت ابتسامته وهو يقول بنبرة فجة خالية من أي احترام:
-وحشتيني يا غالية.
لم تجبه على الفور بل تعمدت ترك الباب مفتوحًا خلفها، كرسالة واضحة ترفض بها وجوده، ثم جلست قبالته متصلبة الملامح، وقالت بنبرة جامدة لا تحمل أي ترحيب:
-البقية في حياتك.
لوى فمه بضيق من ردها الجاف، ثم مال بجسده إلى الأمام وقال بنبرة متبرمة:
-لسه زي ما انتي يا غالية؟ متغيرتيش أبدًا؟!
رفعت حاجبيها باستنكار ونظرت إليه بنظرة حادة، ثم ردت بنبرة لاذعة تقطر احتقارًا:
-واتغير ليه؟ طالما أنا صح يبقى مينفعش اتغير مع الناس اللي متستاهلش مني نظرة!
ثم تنهدت بهدوء ظاهري يخفي خلفه سخرية مريرة، وأضافت بنبرة متعمدة الاستفزاز:
-هو أبوك يعرف إنك جاي؟ ولا جاي من وراه؟!
لمعت عيناه بوميض غامض وقال بهدوء فج استنكرته:
-لا جاي من وراه، عشان اللي جايلك فيه مينفعش حد يعرفه.
عقدت غالية ذراعيها أمام صدرها، وحدقت فيه بنظرة متحفزة، ثم قالت بسخرية جارحة تخفي خلفها قهرًا متراكمًا:
-ويا ترى إيه اللي عايزني فيه؟ الشقة وأبوك أخدها مننا وطردنا، ومبقاش حيلتنا حاجة، عايز إيه؟
ابتسم حسام ابتسامة ملتوية، ثم قال بنبرة خبيثة وهو يحدق فيها دون مواربة:
-عايزك انتي...اه متبصليش، عايز اتجوزك بس في السر من ورايا مراتي وأبويا وأمي، وأنا أولى بيكي يا غالية، وصدقيني هنقلك نقلة تانية خالص ومش هخليكي عايزة حاجة.
تجمدت ملامحها للحظة ثم أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة، وقالت باحتقار صريح:
-اه... ده من باب جحا أولى بلحم طوره.
قطب حاجبيه بضيق ثم قال وهو يلوح بيده بعصبية:
-والله! وكمان بتتريقي عليا؟! غالية أنا فكرت فيكي وصعبانة عليا، انتي جميلة جدًا بس حظك زفت، لا عيلة ولا سمعة كويسة، متزعليش مني يعني أخوكي ميت وجابلك العار، مكنش بيعمل عمل شريف، ده كان بيسرق، فوقي أصل شايف تناكة في نفسك مشوفتهاش في الملكة إليزابيث.
في تلك اللحظة شعرت غالية وكأن سكينًا غُرس في صدرها، نهضت واقفة بعنف وارتجف جسدها من شدة الغضب، وصرخت به بصوت مبحوح:
-عارف انت لو مقومتش حالاً خرجت، أنا هفتح دماغك يا حيوان وإيهاب أخويا أشرف منك انت، اصلاً انت طول عمرك بتغير منه، فجاي بقى ترمي كلمتين مالهمش صنف اللزمة، بس هقول إيه الواطي هيفضل طول عمره واطي.
ضحك بسخريةٍ مستفزة ورد ببرود مقصود:
-بلاش هلفطة كلام، هو أنا اللي تهمته بكده، ما الشرطة اللي اثبتت إنه كان بياكلها بالحرام، تصدقي أنا كنت مستغرب أبويا ليه طردكوا بس كان عنده بُعد نظر.
في تلك اللحظة خرجت فريدة من غرفتها، وملامحها تشتعل غضبًا بعدما استمعت لكل كلمة، تقدمت بخطوات سريعة، وصرخت فيه بانفعال:
-اطلع برة يا حيوان، اطلع زي ما طردنا أبوك، انا أخويا أشرف منكم كلكوا يا زبالة.
نظر إليها حسام باستخفاف ثم قال وهو يتجه نحو الباب:
-طالع يا حلوة، طالع بتطرديني من الجنة يعني، ده أنا كنت جاي أستر عليكوا، وعلى اختك اللي هتبور، وأخرتها هتتجوز واحد من نفس البيئة.
ثم خرج بالفعل وأغلق باب الشقة خلفه بقوة هزت الجدران،
انهارت غالية فوق المقعد، وانفجرت في بكاء عنيف، تهتز ساقاها بلا وعي، وكأن كل ما كُبت داخلها وجد طريقه أخيرًا للخروج، وبعد لحظات مسحت دموعها بعنف، ورفعت رأسها وعيناها تقدحان تحديًا، وقالت بصوت مرتجف لكنه حاسم:
-اقسم بالله لاندمكم كلكوا يا زبالة، أنا لو كنت خايفة إن اجيب حق إيهاب دلوقتي بقيت مصرة.
تناولت هاتفها بسرعة وأجرت اتصالًا بأم ناصر، التي ردت عليها فورًا، وما إن سمعت صوتها حتى قالت غالية بحدة وصوت متجهم:
-لو جهزتي نفسك أنا كمان جاهزة، ابعتي حد من عندك ياخد الورق اللازم عشان البطايق تتظبط، بس عندي شرط عندي..إيجار الشقة دي تفضلي تدفعيه عشان يوم ما احب اهرب من هناك الاقي مكان يأويني أنا وأختي.
أغلقت الهاتف وشعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أن طريق الانتقام لم يعد مجرد فكرة في رأسها، بل قرارًا بدأ يتشكل بوضوح مهما كان ثمنه.
***
في عيادة عائشة كانت تعمل هي والسكرتيرة على إعادة كل شيء إلى مكانه، محاولة محو آثار الحادثة الأخيرة استعدادًا لاستئناف العمل في اليوم التالي، ورغم انشغال يديها بالترتيب والتنظيف، فإن عقلها لم يهدأ لحظة واحدة؛ أفكارها تتزاحم بلا رحمة، وكلها تصب في اتجاه واحد، كيف ستدبر ذلك المبلغ الضخم لتضمن سكوت شوقي وتشتري به بعض الأمان المؤقت؟
لكن أفكارها تجمدت فجأة، وكأن الدم تجمد في عروقها، عندما اخترق أذنها صوت مألوف كابوسي جاء من خلفها:
-دكتورة عائشة.
تصلبت أطرافها في مكانها وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ثم التفتت ببطء شديد وكأنها تخشى ما ستراه، وما إن وقع بصرها عليه حتى اتسعت عيناها رعبًا؛ كان شوقي يقف أمامها، لكن حاله تغير كثيرًا، وجهه ملطخ بالكدمات، إحدى عينيه متورمة بالكاد تُفتح، رأسه ملفوف بشاش طبي، إحدى يديه موضوعة في جبيرة، والأخرى تحمل جرحًا غائرًا لم يلتئم بعد.
تراجعت خطوة إلى الخلف بفزع، إلا أن ما زاد من توترها لم يكن مظهره وحده، بل وجود رجال غرباء يقفون خلفه، وإلى جواره رجل طويل القامة، عريض الكتفين وملامحه قاسية، ونظرته صلبة جامدة، وكأنه تمثال صُنع من صخر لا يعرف الرحمة.
ابتعدت خطوة أخرى تبحث بعينيها عن أي شيء يمكن أن تستخدمه للدفاع عن نفسها، وقالت بصوت متعثر مرتجف:
-انت جايب الناس دي تعمل فيا إيه؟ تضربني!
التوى فم شوقي بابتسامة ساخرة مشوهة، وهو يحاول فتح عينيه المتورمتين، ثم قال بنبرة تحمل مرارة واضحة:
-لا أنا اللي اتضربت، عايزين اوضة نكلمك فيها يا دكتورة أنا وعاصم باشا.
التفت بنظره إلى السكرتيرة التي كانت تمسك بالمقشة وتتجمد في مكانها من شدة الرعب، أشارت عائشة برأسها نحو غرفة الكشف، وتحركت بخطوات واهنة، مدت يدها لتفتح الباب لكن الرجل الطويل عاصم تقدم بخطوة وأغلقه مجددًا، ثم قال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:
-اللي هتسمعيه مش هتحبي حد تاني يسمعه.
وأشار برأسه نحو السكرتيرة، فلم تنبس عائشة بكلمة، واكتفت بإغلاق الباب في وجه فضولها القَلِق، اتجهت نحو مكتبها تحاول استدعاء ما تبقى من قوتها ورباطة جأشها، ثم قالت بنبرة تحذير تخفي خوفًا عميقًا:
-انت جاي ليه يا شوقي؟ أنا مالحقتش أدبرلك الفلوس.
انطلقت من شوقي ضحكة ساخرة امتزجت بالقهر والألم، وقال:
-لا فلوس إيه بقى، أنا لو عشت يبقى تمام.
قطع عاصم حديثه بنفاد صبر، وقال بلهجة آمرة حاول تخفيف حدتها من أجلها:
-قصر يالا وادخل في الموضوع على طول.
احمر وجه عائشة وتاهت نظراتها وهي تستمع إلى شوقي الذي اندفع بالكلام وكأن الخوف يسابق أنفاسه:
-من الآخر كده يا دكتورة، العيال اللي عندك دول يخصوا عاصم باشا عزام، دول ولاده وأنا كنت سارقهم لامؤاخذة منه، وهو ما يعرفش، فهو عايز ولاده عمر وليلة، وكتر خيرك على كده.
شعرت عائشة وكأن الأرض تميد من تحت قدميها، الكلمات اصطدمت بعقلها بعنف، فلم تستوعبها فورًا، وكأنها سمعت لغة غريبة عنها.
التفت شوقي إلى عاصم وقال بنبرة متوسلة مرتعبة:
-كده يا عاصم بيه؟ أنت كده في السليم، خد عيالك منها واعتقني لوجه الله، ولو مرضتيش اعمل فيها ما بدالك.
ساد صمت خطير في الغرفة، صمت كان أثقل من أي صراخ، بينما وقفت عائشة عاجزة عن الحركة، تشعر بأن عالمها كله ينهار دفعة واحدة، وأن الحقيقة التي انكشفت أمامها أخطر مما كانت تتخيل.
رواية في ظلال الوادي الفصل السادس 6 - بقلم زيزي محمد
الفصل السادس.
"كل الطرق تؤدي إلى الوادي"
ظلت تنظر إليهما وكأنهما شخصان غريبان لا ينتميان إلى كوكب الأرض، لبرهة بدت فيها شاردة ومذهولة، ثم وفي لحظة اندفاع وغضب ممزوجة بلمحة من التهور، جذبت شفرتها التي لم تعد تفارقها في الآونة الأخيرة، وانطلقت نحو شوقي، تمسك بتلابيب سترته وتجذبه إليها بعنف، قبل أن تمد الشفرة نحو عنقه وهي تهدر بقسوة:
-انت فاكرني هخاف، لما تجيب شوية اللمامة دول وجاي تفرد عضلاتك عليا، واقسم بالله لو حد فكر بس مجرد التفكير يقرب من عيالي هاكله بأسناني.
مط شوقي شفتيه بملل، وقال بصوت خافت يحمل تحذيرًا:
-يا دكتورة بلاش تهور وانفدي برجلك، عضلات إيه لامؤاخذة؟! انتي هتروحي في داهية لو مدتهوش عياله.
هتفت من بين أسنانها وقد بلغ الغضب ذروته، قائلة بغيظ مشتعل:
-ده أنا اللي هوديكوا في داهية يا شوية حرامية.
أخرج عاصم يده من جيب سرواله بعدما كان يراقب المشهد بهدوء شديد، وقد وجد اللحظة المناسبة للتدخل، اقترب منها ووضع يده فوق يدها الممسكة بالشفرة، وقال بنبرة ساخرة هادئة:
-اهدي يا دكتورة أحسن السلاح يطول.
ثم أنزل يدها برفق وأشار إلى شوقي برأسه ليبتعد، فامتثل الأخير وهو يترقب لحظة الإفراج عنه، بينما عادت هي لتجلس فوق مقعدها بهدوء ظاهري، ولكن ساقيها كانتا تهتزان بعنف فاضح لتوترها، وعيناها تراقبان الرجلين بحذر واحتقان.
وفي المقابل عاد عاصم وجلس بكل عنجهية فوق أحد المقاعد، منتظرًا أن تهدأ، وبعد لحظات رفعت "عائشة" بصرها إليه، فوجدته يشبك ساقًا فوق الأخرى بثبات مريب، يحدق فيها ببرود وكأنها لوحة معلقة على جدار، لا إنسانة يتفجر في صدرها اضطراب وعاصفة من المشاعر، فزادها ذلك ارتباكًا وتوترًا، وآثرت الهروب بنظراتها بعيدًا عنه، لتستقر حيث يقف شوقي.
وهناك، انفجر الغضب…غضب لم يكن يعكس سوى جزء ضئيل مما يعتمل في صدرها، فقالت بنبرة حادة حاولت أن تُلبسها ثوب التماسك:
-بص يا شوقي لو فاكرني هبلة وهصدق الكلمتين العبط اللي انت جاي تقولهم تبقى غلطان، انت جاي تستعبط وجايب واحد صاحبك عامل عليا حوار إنه أبو ليلة وعمر؟ إيه عبيطة مثلاً عشان هصدق!
تنفس "شوقي" بحدة، وقد ضاق صدره من هجومها الذي رآه أحمق ومستفزًا، فتقدم خطوة نحوها، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم أشار بيده إلى عاصم الذي كان يتابع المشهد بمتعة ظاهرة، وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا أُعد خصيصًا له.
-لا ده مش صاحبي، ده عمي وعم الناس عاصم باشا عزام.
توقف لحظة ثم أمال رأسه قليلًا، وأشار إلى وجهه المشوه بالكدمات، وإلى عينيه المنتفختين، وذراعه الأيسر المُجبر، ورأسه الملفوف بالشاش الطبي، وكأن جسده بأكمله شهادة حية على ما يريد قوله.
-يا دكترة معلش خلي عندك بُعد نظر، إيه مش شايفة وشي مش باينله ملامح ازاي؟ لازم تصدقي وبعدين احنا هناخد العيال منك بالذوق بالعافية هناخدهم.
وهنا فاض الكيل بها، فقبضت على زهرية صغيرة ودفعتها نحوه بعنف، ارتطمت الزهرية برأسه بقوة، مما جعله يتراجع للخلف وهو يصيح بأعلى صوته متألمًا:
-اه راسي، هو أنا ناقص، اه...
ظل يتأوه بصوت مرتفع، فنهره عاصم بحدة وهو يردد بنبرة خشنة أدهشتها:
-خلاص يالا هي حكاية، مكنتش خبطة يعني، اطلع برة يلا.
سارع شوقي بالخروج، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى التفتت إليه، تنظر نحوه بتوتر وغل ممتزجين في نظرة غاضبة، ثم قالت بنبرة مكتومة بالغضب:
-انت عايز إيه؟ عيالي محدش هياخدهم مني، معلش انت جاي تدور على عيالك دلوقتي؟ كنت فين من زمان؟! كنت فين وهما بيتعلقوا بيا وبتعلق بيهم.
رد عليها بانفعال مكبوت، وقد اشتدت ملامحه وتصلبت:
-هو انتي حد قالك إني سايبهم بمزاجي، هو مش قالك إنه أخدهم من ورايا؟ انتي بتحاسبيني على أساس إيه؟ وبأنهي وجه حق عايزة تحرميني منهم!!
قطبت حاجبيها وحدقت فيه بعناد متحد، قبل أن ترد بحدة لا تخلو من الألم:
-وانت بأنهي وجه حق عايز تحرمني منهم؟
رمقها باستنكار ناري ورد بنبرة صلدة:
-أنا ابوهم، انتي بتقولي إيه؟
ردت بنفس نبرته وكأنها لا تقوَ على مجابهته سوى بالردود:
-وأنا أمهم....عارف يعني إيه؟
زفر بهدوء وهو يميل برأسه في عدم رضا واضح:
-اللي اعرفه إنك مجرد واحدة....
لم تمنحه فرصة لإكمال كلماته، اقتربت منه حتى كادت المسافة بينهما تتلاشى تمامًا، وفي لحظة كانت أقرب إلى الجنون منها إلى الوعي، اندفعت نحوه بعنف انفجاري، موجهة شفرتها سلاحها الأعرج الذي لم يعد يُعول عليه مباشرة إلى عنقه.
لم تعبأ بنظرات الاستنكار النارية التي صوبها نحوها، ولم يردعها خطر اللحظة ولا عواقبها، مالت عليه بكل ما تحمله من هياج وانفلات، فيما تثور خصلات شعرها حول وجهها كأنها تشاركها غضبها وتمردها، تعلن رفضها القاطع لكل ما يحدث، ولكل ما يُدبر في الخفاء لانتزاع أغلى ما تملك.
فكان صدرها يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسها متقطعة كأنها تخرج من بين أنياب مفترسة، بينما تتزاحم في داخلها مشاعر الخوف والغيرة....الغضب واليأس، والأمومة الجريحة التي تستميت دفاعًا عن صغارها، ثم قالت بصوت متحشرج، يختلط فيه التهديد بالرجاء:
-لو كنت فاكر إنك ممكن تنكر وجودي في حياتهم ده في أحلامك، وهقولهالك للمرة المليون عيالي محدش هياخدهم مني أبدًا أبدًا.
تنفس ببطء شديد، كأنه يتعمد استفزازها بهدوئه، والتحمت نظراته بنظراتها الشرسة التحامًا صامتًا مشحونًا بكل ما لم يُقال، ثم قال بنبرة هادئة تخفي خلفها خبثًا بارعًا:
-اهدي عشان نتكلم واعرف اراضيكي كويس.
ازدادت قبضتها قسوة وضغطت بالشفرة أكثر فوق عنقه، بينما كان تركيزها قد انعدم تمامًا؛ لم تعد ترى أمامها سوى صورة أطفالها وهم يُنتزعون من بين ذراعيها، هتفت بشراسة، وكأنها تستنكر مجرد الفكرة:
-تراضيني؟ ليه هو أنا هرضى بفلوس مثلا؟ بقولك دول عيالي، أنا اللي مربايهم، انت هتاخدهم مني ازاي وانت ماتعرفش هما بيحبوا إيه وبيكرهوا إيه؟ انت ماتعرفش عنهم حاجة.
ورغم أن الشفرة في نظره كانت سلاحًا ساذجًا لا يُعتد به، ورغم الألم الخفيف الذي شعر به عند عنقه، إلا أن السخرية تسللت إلى داخله بمرارة، فهو الرجل الذي تخشاه الرجال، والذي لا يعترف إلا بالسلاح الناري سلطانًا وهيبة، لم يجرؤ أحد يومًا على تثبيته في مكانه، أو إجباره على السكون، ومع ذلك ها هي امرأة تقف أمامه، لا تحمل سوى شفرتها الصغيرة، وقد نجحت فيما لم ينجح فيه غيرها، لا لأنها أقوى، بل لأنها لا تخاف ولا ترى أمامها سوى أطفالها،
فقال بنبرة أقل حدة، محاولًا استعادة زمام الأمور:
-طيب اهدي وابعدي اللي انتي ماسكاه ده، عشان نعرف نتكلم كويس، ونوصل لحل يراضيني ويراضيكي.
ابتعدت بعد لحظات من التفكير وجلست أمامه تنظر إليه بصمت، فأخذ منديلاً ورقيًا وقام بوضعه فوق مكان الشفرة بعنقه، فوجدها جرحت جزء بسيط جدًا، قام بمسح قطرات الدم بهدوء أثار أعصابها، وخاصة عندما تحدث بنبرة غامضة:
-مش عايز منك غير إنك تعرفيهم أني أبوهم، شوفتي طلبي بسيط ازاي؟
ثم صمت قليلاً وسأل بنبرة مكتومة:
-هما يعرفوا إن شوقي أبوهم؟ شافوه قبل كده؟ اتعاملوا معاه؟
هزت رأسها نفيًا وقالت بصوت متحشرج:
-لا، عمرهم ما شافوه، بس يعرفوا أبوهم اسمه شوقي.
تنفس ببطء وكأن جزءًا ثقيلًا قد أُزيح عن صدره، فانخفض بصره نحو الأرض برهة يفكر خلالها بصمت مثقل بالتردد، قبل أن يرفعه مرة أخرى ليصطدم بنظراتها المرتجفة، حيث يتغلب الرجاء على بقايا ملامحها المرتبكة، كطفل يتشبث بخيط أمل أخير.
للمرة الأولى رق قلبه لإنسان، وشعر بأن القسوة التي اعتاد الاحتماء بها تتصدع أمام ارتباكها وذعرها الأمومي، لم يستطع تنفيذ ما كان قد عقد العزم عليه، فآثر أن يخفف من حدة الموقف محاولًا تهدئتها، تحدث بنبرة هادئة رخيمة، على النقيض تمامًا من طبيعته الحادة وشخصيته الصلبة، وقال ببساطة أدهشتها:
-بصي يا دكتورة أنا مش عايز أضايقك، بس أنا من حقي ولادي أعرفهم وهما يعرفوا أبوهم، دول من صلبي، مش هقدر اسيبهم واعيش كإنهم مش موجودين، صدقيني صعب.
لو سمعه أحد رجاله في تلك اللحظة، لأصيب بصدمة عصبية من فرط التغير الذي طرأ عليه، فبدا رجلًا مختلفًا تمامًا هادئ الطباع ومتزن النبرة، لين القلب بملامح أقل قسوة وأكثر تهذيبًا، خصوصًا مع تلك الابتسامة الخفيفة التي رسمها على وجهه في محاولة لامتصاص غضبها، عاصم عزام الرجل الذي اعتاد أن يكون مصدر الخوف، أصبح الآن هو مَن يسعى لاحتواء غضب من أمامه لا إشعاله.
بدأ تأثير كلماته يظهر تدريجيًا على ملامحها، حيث انعكس على وجهها شيء من الاقتناع، أو ما بدا كذلك على الأقل، ولكن الحقيقة كانت مختلفة؛ فداخل عقلها لم يكن سوى اقتناع زائف، تمهيدًا للتفكير في حيلة جديدة تضمن لها الهروب بأطفالها بعيدًا عن قبضته.
ابتسمت برقة مصطنعة والتقطت أنفاسها ببطء متعمد، وكأنها تستجمع ملامح امرأة هادئة بعد عاصفة، ثم قالت بصوت ناعم يحمل مزيجًا من الامتنان والدهاء:
-حقيقي باين عليك إنسان محترم، مش زي الهمجي شوقي، أنا ارتحتلك اوي، أنا كل طلبي حاجة واحدة، متحرمنيش منهم.
رمقها بهدوء ثعلبي وقد أدرك بسهولة خطتها الساذجة، لكن ذكاءها المحدود في المراوغة أثار فيه شعورًا غريبًا من التسلية والمتعة، استمتع بلعبتها كما يستمتع صياد بحركة فريسة تظن أنها ما زالت تملك فرصة للنجاة، فجاراها في أسلوبها، ورد بنبرة منمقة تحمل لطفًا محسوبًا:
-أنا مقدرش احرمهم من أمهم اللي ربتهم، وبعدين جميلك ده هفضل شايله العمر كله، لغاية ما نشوف حل وسط يرضينا أنا وأنتي، الولاد أمانة في رقبتك ومهمتك تعرفيهم إن أبوهم اسمه عاصم عزام، ولو ممكن توريهم صورتي.
ثم اتجه بنظره نحو مكتبها ومد يده دون استئذان، والتقط هاتفها بهدوء وجرأة واثقة، قبل أن يعيده إليها وهو يقول بأسلوب مهذب شديد اللطف، يكاد يناقض خطورته الكامنة:
-ممكن تفتحيه؟!
كادت السخرية تلوح في عينيه خلف قناع البراءة، ولكنه تمكن بصعوبة من الحفاظ على ثبات ملامحه، خاصةً وهي تنفذ ما يريده دون مقاومة، وكأن إرادتها قد سُلِبت بالكامل، وبالفعل فتحت هاتفها وقدمته له بتردد خافت، فدون رقمه أولًا، ثم رفع الهاتف والتقط لنفسه عدة صور، قبل أن يبتسم ابتسامة شديدة اللطف وهو يقول:
-أنا أسف صورت نفسي كام صورة عشان توريها للولاد، وشكرًا ليكي وأكيد لينا كلام تاني مرة تانية، حافظي على الولاد ولو احتاجتي حاجة، كلميني فورًا، اوعي تترددي.
ثم نهض فظهر الفارق الواضح بين طوله وطولها، جسده الرياضي المشدود منحه هيبة ووقارًا طبيعيين، وكأن القوة جزء أصيل من تكوينه، فملامحه كانت حادة وصارمة، تحمل آثار نفوذ لا يُستهان به، وكأن السلطة تتربع فوق تفاصيل وجهه، فيما يلمع غرور القوة في عينيه بثقة وهدوء.
ومع ذلك بدا في نظرها شخصًا لطيفًا للغاية، لطيفًا أكثر مما ينبغي، لطيفًا على نحو يثير الاطمئنان وربما الخداع!!
-أنا مضطر امشي، عن إذنك.
نهضت تودعه وهي ما تزال مشدوهة ومسلوبة الإرادة، كأن حضوره قد أربك توازنها الداخلي بالكامل، خرج هو أولًا، وأشار برأسه إلى رجاله كي يتحركوا ويغادروا دون إثارة ذعرها، فامتثلوا لأمره في صمت منضبط.
وقبل أن يُغلق باب العيادة خلفه، التفت إليها وابتسم ابتسامة بريئة جدًا، ابتسامة بدت لها صافية وخالية من أي خبث ثم أغلق الباب بهدوء، بينما ظلت عائشة واقفة تحدق في أثره بشرود طويل، حتى أفاقتها يد السكرتيرة وهي تسألها بقلق وخوف:
-مالك يا دكتورة، الراجل ده عمل فيكي حاجة؟ وعايزين منك إيه لامؤاخذة؟ يالهوي ده الرجالة اللي معاه، تقولي قتالين قتلة، مجرمين مجرمين مفيش كلام.
هزت عائشة رأسها نفيًا قاطعًا، وقالت بصوت متحشرج، متأثرة برؤيتها السطحية وانطباعها المخادع:
-لا المجرمين دول تبع شوقي المجرم، لكن أستاذ عاصم باينه راجل محترم وذوق وجنتل مان كده.
لم تستطع السكرتيرة كبح فضولها، فعادت تسألها بلهفة واهتمام متزايد:
-أيوه هو بردو عايز منك إيه؟
انتبهت عائشة إلى نفسها فجأة، وكأنها تستفيق من شرود طويل، ثم قالت بلا مبالاة متعمدة، محاولة إخفاء الاضطراب الذي يعصف بداخلها:
-ولا أي حاجة، المهم أنا همشي، ورايا مشوار ضروري، قفلي العيادة كويس ومتاخديش أي حجز، أنا ممكن اطول في أجازاتي شوية، خلينا على تواصل تليفونات بقى.
بدت كلماتها عادية في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في باطنها قرارًا مصيريًا لم تفصح عنه بعد، قرارًا نابعًا من خوف عميق، وغريزة أمومة متأهبة، وعزم صارم على حماية أطفالها مهما كلف الأمر.
دخلت غرفة الكشف بخطوات سريعة، وجذبت محتويات حقيبتها بيد متوترة، بينما تتسابق الأفكار داخل رأسها كأمواج مضطربة لا تعرف السكون، فكان قلبها يخفق بعنف، وصوت أنفاسها متسارعًا، وكأنها تفر من خطر غير مرئي لكنه حاضر بكل ثقله في وعيها.
غادرت العيادة على عجل، وتوجهت مباشرةً إلى خالتها شريهان وقد عقدت العزم على إبلاغها بكل ما حدث، وبقرارها الجديد الذي لا رجعة فيه أبدًا… قرار لم يكن مجرد ردة فعل عابرة، بل خطوة محسوبة لحماية أغلى ما تملك، حتى لو اضطرت إلى الهروب مجددًا أو كسر كل القواعد.
***
في "نجمة رشيد".
دخلت "فايزة" إلى قصر رشيد بخطوات واسعة غاضبة، يتصاعد الضيق من ملامحها بينما تجول بنظرها في أرجاء القصر الفسيح، كأن الجدران نفسها مسؤولة عن غضبها، كانت تبحث عن "موسى" بعينين متقدتين بالحنق، حتى لمحت الخادمة فاتجهت إليها بنبرة منفعلة وقاسية بعض الشيء:
-موسى فين؟
أطرقت الخادمة رأسها باحترام وردت بهدوء بالغ:
-نايم يا حاجة، وزي ما انتي عارفة منقدرش نصحيه.
اشتعل غضب فايزة أكثر وقالت بنبرة صارمة حادة:
-هو انا قولت صحيه؟ أنا سألت بس!
وقبل أن تتمكن الخادمة من تبرير موقفها، جاء صوت "عثمان" من الخلف، ممتزجًا بالقلق والاستفهام:
-في إيه يا فايزة متعصبة ليه؟
استدارت إليه "فايزة" والغضب يتدفق من ملامحها بلا مواربة، وما إن وقعت عيناها على مصعب الواقف بجانبه حتى قالت بعصبية متزايدة:
-متعصبة عشان موسى ابنك بيعامل لمياء بنتي معاملة مش كويسة يا عثمان، مع إنه المفروض ميعاملهاش كده، البت مخنوقة وزعلانة وعايزة تروح الوادي عند عاصم، بتقولي طالما مفيش احترام ليا يبقى أروح عند ابن عمي التاني.
ساد القصر لحظة صمت قصيرة، كأن الهواء نفسه احتبس مترقبًا ما سيحدث، قبل أن يأتي صوت "موسى" من الأعلى، حيث كان يقف عند الدرج ينظر إلى عمته باستنكار واضح، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة تخفي وراءها قدرًا من الاستفزاز، فقال بنبرة تهكمية:
-ما تروح، والله عاصم لو شاف وشها ليهرب من الوادي كله ويجيلي هنا.
أشارت فايزة إلى عثمان بعصبية واضحة، وقالت بنبرة مكتومة تحمل في طياتها عتابًا قديمًا ومرارة متراكمة:
-شوفت يا عثمان؟ شوفت ابنك؟ يعني ده جزاتي إن أنا وقفت معاك في العهد، أنا لولايا رشيد كلها مكنش ليها وجود دلوقتي.
نزل "موسى" الدرج بخطوات بطيئة متعمدة، وكأن كل خطوة تحمل قدرًا من التحدي والاستفزاز، وقال بنزق ظاهر وملامح لا تخلو من السخرية:
-ذلينا بقى يا عمتي، مكنش دي وقفة وقفتيها في الاول والآخر إلا عشان مصلحتك.
رفعت فايزة أحد حاجبيها باعتراض شرس، وعيناها تشتعلان بالغضب، فابتسم لها موسى ابتسامة بريئة زائفة، واقترب منها حتى وقف بجانبها قائلًا بنبرة تحمل استهزاء مغطى بالود المصطنع:
-انتي متعصبة ليه يا فوفه؟
ازداد الاستنكار على وجهها، وهي تتنقل بنظراتها بينهم ثلاثتهم في حيرة ممزوجة بالقهر، عندها مد موسى ذراعه ووضعها حول كتفها بحميمية زائفة، وأردف بصوت خافت مُشبع بالخبث والمكر:
-بذمتك بنتك متستاهلش المعاملة دي، اللي زي لميا دي لو سيبنالها الحبل مايل، عيارها هيفلت.
ارتفع صوت عثمان فجأة، وجاء حادًا وصارمًا كجرس إنذار:
-مــــوســــى!
رفع موسى عينيه نحوه باستنكار جامد، وقال بنبرة جافة تخلو من أي شعور بالذنب:
-إيه؟! أكذب يعني؟ ده حتى يبقى حرام، أدخل النار عشان أجاملكم؟ مش كفاية الذنوب اللي الواحد بيعملها، في الآخر هكذب وأنافق كمان؟
ابتعدت فايزة عنه فجأة، وكأن لمسته أشعلت نارًا داخل صدرها، فاشتعل غضبها أكثر، متوهجًا كشرارات لا تهدأ ولا تنطفئ، وقالت بلهجة حاسمة ممتلئة بالكرامة المجروحة:
-طيب بص بقى يا موسى، كلام كتير على بنتي مش هسمح بيه، ومعاملة متعجبنيش؟ مش بنتي بس اللي هتسيب رشيد!
وقبل أن تُكمل جملتها قاطعها موسى بابتسامة مستهزئة ولهجة مشبعة بالتسلية الساخرة:
-إيه انتي كمان هتسبيها؟! وطبعًا هتروحوا الوادي، أنا زهقت من الاسطوانة دي، أنا حاسس أبويا نفسه هيقولهالي في مرة.
ثم قطع حديثه فجأة، كأن فكرة مظلمة خطرت له في اللحظة نفسها، فتقدم بخطوات حازمة نحو منتصف البهو العظيم، حيث تتلاقى الأنظار وتتعاظم الهيبة، تغيرت ملامحه على نحو مقلق، وانقلبت سخريته إلى قسوة صريحة، وصار وجهه أكثر صلابة وتهديدًا، قبل أن يقول بنبرة عالية صارمة تخترق الصمت:
-اللي عايز يروح هناك يتفضل أنا مش ماسك حد، بس قبل ما يفكر يخطي البوابة هيلاقي طلقتي في نص راسه، ويبقى مات قضاء وقدر وإنا لله وإنا إليه راجعون، واوعدكم هعملكم عزا أجيبلكم مشايخ مصر كلها، وهزيعه في التلفزيون، مش هو أي حد بردو هيموت، عيلة عزام لازم يتعملها أكبر عزا في مصر كلها.
وصل التهديد إلى فايزة كطعنة مباشرة في كرامتها، فالتفتت نحو عثمان بعينين يختلط فيهما العتاب بالحزن والخذلان، وقالت بصوت مرتجف من القهر:
-انت ساكت يا عثمان؟ انت راضي كده؟ راضي على تهديد ابنك ليا، ابنك عايز يموتني.
وقبل أن يتمكن عثمان من الرد، اقترب موسى منها فجأة واحتضنها بطريقة أربكتها، حتى شعرت للحظة أن الأمان قد انقلب إلى خديعة، وأن الغدر يحيط بها من كل جانب، وذلك عندما وجدته يقول بصوت دافئ ظاهريًا، لكنه مشبع بالالتواء:
-بعد الشر عنك يا عمتي ده انتي روحي وقلبي، أنا أموتك! طيب وأسيبني لمين؟ ده مفيش حد محتويني زيك، ده أنا غلبان والناس كلها فاهماني غلط.
ارتفع جانب شفتي "مصعب" بابتسامة ساخرة، كأنه يرى اللعبة بوضوح، بينما ابتعد موسى قليلًا وقال بنبرة هادئة ظاهرها العتاب وباطنها التبرير الساخر:
-هي لمياء زعلانة ليه؟ عشان قولتلها مالكيش دعوة بمصعب تاني؟ طيب ما أنا ليا حق، من حقي أخاف وأحافظ على أخويا من الفساد والفتنة.
ضغطت فايزة على أسنانها بقهر شديد، وابتعدت عنه بعنف مكتوم، وقالت بنبرة مشتعلة بالغضب:
-والله امنع أخوك يجيلي بيتي يا موسى، اخوك هو اللي بيرمي نفسه على بنتي، لو عايز تلم حد لم أخوك الأول.
ثم التفتت نحو عثمان بنظرة ممتلئة بالمرارة والخذلان، وأضافت بعتاب لاذع:
-الف شكر يا أخويا، ألف شكر على التهزيق ده، لو عايز تشوفني تعالالي بيتي، لكن أنا القصر ده مش هعتبه تاني.
وانطلقت بخطوات واسعة نحو الخارج، تحمل في مشيتها كرامة مجروحة وقرارًا لا رجعة فيه، حاول عثمان اللحاق بها وإيقافها، لكن كلماته ضاعت قبل أن تصل، فوقف عاجزًا للحظة قبل أن يلتفت إلى موسى بغضب مكتوم وصوت مثقل باللوم:
-انت عاجبك لما كله يبعد عننا، طول ما فايزة في صفنا، هنضمن وجودنا، عايز تقلب علينا الترابيزة بعمايلك يا موسى، ما كنت تطلع المسدس وتضربها طلقتين ونخلص؟
امتعض وجه موسى وهو يعتلي الطاولة بلا اكتراث، مخرجًا مسدسه الفضي، يلوح به يمينًا ويسارًا كأنه لعبة بين أصابعه، قبل أن يقول بنبرة ساخرة تحمل قدرًا من التهديد:
-لا كله إلا صلة الرحم.
أردف مصعب من بين أسنانه، بحنق مكبوت وغضب يتصاعد:
-اه طبعًا، وانت الشهادة لله مؤمن أوي.
اتسعت ابتسامة موسى بسخرية باردة، وهو يرمقه بنظرة مستفزة:
-البيه فايق بس نعرف نكلمه ولا حضرتك طاير مع العصافير في السما؟
توقف مصعب عند أول الدرج والتفت نحوه بنزق حاد ونبرة متحدية:
-لا فايق وعارف انت بتعمل إيه كويس، بس أنا بقولهالك مش هتقدر تبعدني عن لمياء وهتجوزها حتى لو غصب عنك.
ارتفع حاجبا موسى باعتراض ساخر، وحدق فيه بتهكم لاذع:
-تتجوزها؟ دي قد امك يالا، دي لو كانت خلفت من طليقها كانت جابت شحط قدك يا عديم المفهومية، هي عملالك سحر أسود يالا، رد وقولي، ما هو مش طبيعي تمسكك بيها، ما هي مش حلوة لدرجادي؟ ولا هو المخدرات لحست دماغك وشايفها هيفاء وهبي.
اشتد غضب مصعب وقال بنبرة غليظة:
-ميخصكش يا موسى، أنت ميخصكش أي حاجة أنا بعملها، لا بحب مين؟ ولا بكره مين؟
ضحك موسى بخفة مستهزئة وهز رأسه ساخرًا:
-صحيح مراية الحب عاميه، بس لو هي هتلبسك في حيطة زي لمياء، أدغدغلك أم المراية يا حبيبي، متقلقش أنا موجود.
تقدم مصعب خطوة ونبرته تهتز بين الغضب والوعيد:
-لو قربت من لمياء هخسرك يا موسى.
اتسعت عينا موسى بدهشة تمثيلية، ورفع صوته بسخرية لاذعة:
-الحق يا حج، ابنك بيهددني؟! بيهددني أنا؟
ثم تغير صوته فجأة وانقلب إلى تهديد بارد مخيف:
-طيب ورحمة أمك الغالية في تربتها لو فكرت مجرد التفكير بس تقرب من لمياء، هجيبك انت وهي وهنزلكم تحت في القبر، وهوريكوا أسود أيام حياتكوا، أنا مجنون وأعملها...
فتح عثمان فمه محاولًا التدخل واحتواء الموقف، لكن موسى واصل حديثه بلا أدب، وهو يتجه نحو مكتبه بخطوات واثقة وصوت مليء بالتحدي:
.
-ولو أبوك اتدخل ووقف معاك، هنزله معاكم انتوا الاتنين، انا محدش يلوي دراعي.
ساد المكان صمت خانق، مشبع بالكراهية والصراع والتهديدات التي تجاوزت حدود المزاح وتحولت إلى نذر حرب داخل البيت نفسه، بينما بدا واضحًا أن ما يحدث لم يعد مجرد خلاف عائلي، بل بداية تصدع خطير قد ينفجر في أي لحظة
ثم أغلق موسى باب مكتبه بعنف خلفه، فاهتز الصمت في أرجاء القصر كما لو كان صدى لتهديد لم ينتهِ بعد، رفع مصعب حاجبيه بصدمة، ونظر إلى والده الذي بدا وجهه خاليًا من أي تعبير، جامدًا كتمثال يرفض الاعتراف بما يحدث حوله، فقال مصعب بنبرة مشحونة بالذهول والغضب:
-بابا، ده بيهددك؟ انت ساكت؟
رد عثمان ببرود سلبي، كأن الأمر لا يعنيه بالقدر الكافي:
-موسى لا يمكن يعمل كده يا مصعب، هو بس خايف عليك.
ضحك مصعب بسخرية موجوعة، ثم قال بنبرة تتفجر بالمرارة:
-بابا؟ انت لدرجادي سلبي معاه؟! وسايبه يتجبر علينا وعلى الخلق، عشان بس مش قادر تقف قصاده، خايف أحسن السلطة تروح منك، بابا موسى أول ما هيعض حد هيعضك أنت، هيعض اللي رباه على اللي هو فيه!
انتفض عثمان غاضبًا، وقد بدا عليه الضيق والانزعاج أكثر من القلق الحقيقي:
-انت اتجننت أخوك بس عشان متنرفز بس هو لا يمكن يعمل معايا أو معاك حاجة، أنت لما اتنيلت وشربت المخدرات وروحت الوادي برجلك، كان هيتجنن وخاف عليك، وراح لعاصم بنفسه رغم إنه كان ممكن يحصل مجازر بسببك.
زفر مصعب بقهر وصوته يختنق وهو يرد حدة ممزوجة بالألم:
-اه اقعد انت دافع عنه، ما أنت مبتعرفش تتدافع عن حد غيره، له يعمل فينا أكتر من كده.
ثم استدار مبتعدًا وقال بفتور مُنهك وكأنه يستسلم لمرارة أعمق من الغضب:
-أنا طالع أنام ومحدش يصحيني.
غادر المكان تاركًا خلفه صمتًا ممزوجّا بالخذلان، بينما بقي عثمان واقفًا وحده، محاصرًا بين خوفه من موسى، وعجزه عن مواجهة الحقيقة التي تتشكل أمام عينيه… حقيقة أن سلطته لم تعد كما كانت، وأن الخطر الأكبر لم يعد خارج القصر، بل ينبع من داخله.
***
وضعت شريهان يدها أسفل ذقنها وهي تهز رأسها بتفكير عميق، قبل أن تعود بنظرها مرة أخرى إلى الصورة التي التقطها عاصم لنفسه على هاتف عائشة، ظلت تتأمل ملامحه للحظات، ثم رفعت عينيها نحو عائشة من جديد، وكأنها تحاول قراءة ما خلف ملامحها المتوترة، وأخيرًا خرجت عن صمتها قائلة بشرود يحمل مزيجًا من القلق والتوجس:
-شكله مش سهل يا عائشة.
عقدت عائشة ما بين حاجبيها، وردت بنبرة تنفي فيها خوفها الظاهر:
-لا خالص، ده إنسان باين عليه أنه محترم وابن ناس، بدليل أنه مجاش أخد العيال مني غصب، وجاب شوقي يفهمني الحوار كله بعيد عن الولاد.
ارتفع حاجبا شريهان بدهشة وتساءلت باستغراب:
-طيب وانتي يا خايفة من إيه لما هو محترم وابن ناس؟
اقتربت عائشة منها بخطوات مترددة، لكنها تحدثت بحسم واضح، وكأنها تحاول تثبيت قرار يخشى قلبها نفسه:
-مهما كانت درجة احترامه ومهما كان ابن ناس، دول ولاده يا خالتو وهياخدهم مني يعيشوا معاه، وبعدين أنا بردو في حاجة بتقولي شوقي بيكدب وبيعمل عليا حوار، وارجع وأقول عمر نسخة من اللي اسمه عاصم ده مش محتاجة شك أساسًا، المهم أنا مش هسيب نفسي لده كله، احنا لازم نمشي فورًا.
رمشت شريهان عدة مرات محاولة استيعاب القرار المفاجئ، ذلك القرار الذي بدا كأنه لا يقبل التراجع، ثم سألت بحذر:
-نمشي نروح فين؟
أطلقت عائشة زفرة طويلة مثقلة بالألم، وراحت تمرر بصرها في أرجاء الشقة التي أسست فيها تفاصيل حياتها حجرًا حجرًا، بعدما ظنت أن هروبها الأول من المنصورة سيكون بداية حياة أكثر أمانًا واستقرارًا، لكنها ها هي الآن مجبرة على الهروب مرة أخرى، فقالت بتيه يمتزج بالمرارة:
-نروح بيت أبويا اللي سايبه ليا، نقعد هناك فترة مؤقتة لغاية ما أشوف مكان تاني حلو ننقل فيه ونستقر، مفيش حل غير كده، أنا مش هسيب نفسي للوقت لغاية ما أبوهم ياخدهم مني يا خالتو.
زمت شريهان شفتيها بضيق ثم قالت بنبرة يختلط فيها القلق باللوم:
-بس كده أنانية يا عائشة، لو هو فعلاً أبوهم يبقى لازم هما يعرفوه وهو من حقه يشبع من عياله.
ارتعشت عينا عائشة وامتلأ بريقهما بالدموع، ثم تراجعت خطوة للخلف وكأنها تلقت صدمة موجعة، وهمست بصوت متقطع يحمل وجعًا دفينًا:
-طيب وأنا ذنبي إيه؟ أنا حبيتهم أوي يا خالتو، حبيتهم ومقدرش أعيش حياتي من غيرهم، أنا ممكن أموت فيها، أنا بنيت حياتي معاهم وعليهم، وجودهم في حياتي كل لحظة بحس إن ربنا بيطبطب على قلبي على كل اللي شفته.
صمتت لحظة قصيرة ثم انفجرت بالبكاء يتخلله قهر وحزن عميق:
-مين هيقولي مامي يا خالتو؟ مين هيطبطب عليا ويشيل همي زيهم، مقدرش اعيش من غيرهم، يعني أنا كده المفروض أعيش عمري كله من غير حتة عيل اتسند عليه.
وقفت شريهان بحزم محاولة أن تخفي ارتجاف صوتها وحزنها العميق على ابنة أختها، وقالت بنبرة صارمة:
-بطلي عياط يا بت، قومي يلا شوفي هنلم حالنا ازاي ونروح بيت أبوكي ده، أنا مش فاكرة الطريق اوي كنت مرة روحته زمان مع أمك وأبوكي قبل ما اتجوز عمك رحيم الله يرحمه،
وشوفي هناخد إيه هنا من الشقة وهنظبط حالنا إزاي؟
نظرت عائشة إليها بعينين ممتلئتين بالقلق وسألت بتردد هش:
-مش أنا من حقي أحافظ على حقي فيهم يا خالتو؟
ربتت شريهان على كتفها بحنان وقالت بشفقة صادقة:
-اه يا روحي، ما أنا كمان مقدرش اعيش من غيرهم العيال دي، مين هيقرفني في عيشتي غيرهم، قومي يلا شوفي هنعمل إيه؟
تنفست عائشة بعمق ثم قالت:
-أنا كلمت شركة شحن هناخد شوية حاجات معانا، وهدفع إيجار الشقة دي مؤقت هبعتلهم كل شهر، بس العيادة هسيبها وهاخد الفرش اللي هناك معايا، فكرت لو فتحت عيادة هناك في البيت اللي هناك ده، واهو نعرف ندبر نفسنا الكام شهر دول.
شردت شريهان قليلًا ثم قالت بهدوء يحمل بصيص أمل:
-وماله فكرة حلوة، قومي يلا نلحق نجهز نفسنا، وشوفي هنقول إيه للولاد؟
أجابت عائشة بصوت منخفض يحمل حزنًا مستترًا:
-هقولهم إن أنا ورايا شغل هناك في المكان ده وخلاص.
***
في "نجمة رشيد".
هزت فايزة ساقيها بتوتر وهي جالسة أمام التلفاز، تحدق في شاشته بشرود طويل، بينما كانت كلمات موسى لا تزال تتردد في ذهنها بإلحاح مزعج، فتتشابك أفكارها وتزدحم داخل رأسها حتى كادت تفقد قدرتها على التركيز في أي شيء آخر، وبينما هي غارقة في دوامة تفكيرها، اقتحمت لمياء صمتها بعاصفة من الانفعال، وهي تصيح بانفعال حاد:
-لا يا ماما، اقسم بالله موسى لازم يتعلم الأدب على الكلمتين دول، ده عامل زي التور ودايس على الكل، ومحدش قادر يفتح بوقه.
التفتت فايزة نحو ابنتها بحدة، ترمقها بنظرة مشبعة بالحنق والاستنكار، وكأن كلماتها أشعلت فتيل غضبٍ قديم، وقالت بنبرة لاذعة:
-انتي عبيطة يا بت؟ مين ده اللي يتعلم الأدب؟ موسى؟! ده يعلمنا كلنا الأدب ويطلع عين اللي يخلفونا.
رفعت لمياء أحد حاجبيها في اعتراض ساخر، وردت بتهكم واضح:
-والله؟ وعشان كده نسكت بقى ونحط الجزمة في بوقنا، لا يا ماما، والله لو وصلت أرمي نفسي في حضن عاصم نفسه هعملها.
قهقهت فايزة بقوة ساخرة، ثم مالت برأسها قليلًا وقالت بنبرة منخفضة ممتزجة بالمرارة:
-فاكرة إن عاصم هيخدنا بالأحضان؟ ده أجن من موسى! يا بت عاصم لو شاف وشي هيموتني ومش هيسمي عليا، هو أنا ناسية لما وقف واتحايل عليا أقف معاهم وأنا رفضت وعاندت، المهم اسكتي خالص وعدي اليومين دول مع موسى عشان ده أهبل وممكن تلاقيه حابسنا انا وانتي وميعملش حساب لقرابة ولا دم.
ثم رفعت صوتها فجأة وقد بلغ مزاجها ذروة التوتر والغضب:
-شربات، فين الزفت الشيشية؟ مزاجي بايظ!
هرولت شربات التي كانت تقف جانبًا تستمع بحذر لكل كلمة، وقالت بسرعة:
-اهو يا ست هانم اتفضلي.
وضعتها بجوار فايزة وهمت بالمغادرة، لكن جرس الباب دوى فجأة في أرجاء المكان، فاندفعت شربات سريعًا وفتحت الباب، لتجد أحد قاطني نجمة رشيد من عائلة السوالمي واقفًا بارتباك واضح، وقال بهدوء ممزوج بالتحفظ:
-عايز الحاجة فايزة.
انتبهت فايزة إلى الصوت فهتفت بنبرة مرتفعة:
-مين يا شربات؟!
التفتت شربات وأجابت بدهشة:
-ده الحج فهمي السوالمي عايزك يا حاجة.
أشارت فايزة إليه بالدخول فدخل الرجل بخطوات هادئة تحمل شيئًا من الحذر، وجلست لمياء سريعًا وهي تُبعد الأرجيلة جانبًا في أحد الأركان، بينما جلس الحج فهمي على أقرب مقعد وقال بجدية.واضحة:
-معلش يا حاجة جيت من غير معاد، بس لامؤاخذة، احنا عايزين نوصل لحل.
رفعت فايزة حاجبها بشيء من الاستفهام الحاد:
-توصلوا لحل في إيه؟!
تنفس الرجل بعمق قبل أن يجيب:
-في بيتنا...بيت العيلة اللي في الوادي، لا قادرين نروح هناك عشان العهد، ولا قادرين حتى نبيعه، ولا عارفين نبعت مننا يفتحه يقعد هناك، وكل ما نكلم موسى بيه، ولا كأننا بنكلمه،
وعاصم بيه منقدرش نفتح بوقنا معاه، وده ميرضيش ربنا بصراحة.
ضيقت فايزة عينيها بمكر خافت:
-مش ده البيت اللي بيقولوا تحته أثار؟!
ارتبك فهمي قليلًا وقال بسرعة:
-آثار؟! آثار إيه لامؤاخذة؟! هو احنا لينا في الكلام ده؟!
ابتسمت فايزة ابتسامة غامضة، وقالت ببرود مشوب بالدهاء:
-امال إيه اللي فكركم بيه فجأة يا حج فهمي، إلا عشان الآثار، بص لو جاي وفاكر إن أنا ممكن اتدخلك عند موسى فيفتح الله موسى مفيش مخلوق يمشي كلمته عليه، ولو على عاصم يبقى بتحلم انت عارف مفيش علاقة ما بينا والقطعية موجودة ليوم الدين.
تنفس الرجل بصعوبة وقد بدا أن الأبواب تُغلق أمامه واحدًا تلو الآخر، لكن فايزة اقتربت منه قليلًا وهمست بخبث:
-بس عندي فكرة لو نفذتها صح، ليا نسبة في أي حاجة هتطلعوها من البيت ده.
لمعت عيناه بمكر مماثل وقال بصوت خافت وهو يميل نحوها:
-إيه الحل يا حاجة؟ وعيني وعين عيلة السوالمي ليكي.
ابتسمت فايزة بخفة ورضا ثم قالت:
-الحل إن حد منكم لا سكن في رشيد ولا في الوادي قبل كده، يروح يفتح البيت هناك ويقعد ومحدش هيقدر يقوله انت بتعمل إيه؟ بس على شرط يقطع علاقته بيكم فترة، عشان عاصم غشيم شويتين لو شم خبر إنه له علاقة بأي حد من رشيد هيولع فيه وفيكم وفي البيت.
ثم مالت برأسها وأضافت بمكر أعمق:
-مش ابنك دكتور بردو وقاعد في مصر؟ خليه ينزل ويقعد هناك شوية.
نهض الرجل سريعًا وهو يهز رأسه برفض قاطع:
-لا ابني برة الحوارات دي لامؤاخذة، ابني دكتور وعايش عمره برة الوادي كله، أنا مش ناقص أخسره برصاصة طايشة من عاصم.
ابتسمت فايزة ببرود وقالت:
-بشوقك يا حج فهمي، أنا حبيت اساعدك لأحسن عاصم يستولى على البيت باللي تحته، أو موسى ده ديب ممكن يلعب لعبة ويقش كل حاجة.
تنفس الرجل بعمق ثم قال وهو يغادر:
-عن إذنك يا حاجة، طول ما البيت ملك السوالمي محدش هيقدر يمسه، سلام.
وغادر الرجل المكان، تاركًا خلفه آذانًا كانت تتنصت في صمت، وعقولًا بدأت تنسج خططًا خفية، وفي عيني فايزة كان المكر يتشكل ببطء، كعاصفة مكبوتة لم تبدأ بعد، لكنها تحمل في طياتها وعودًا بالخراب.
ما إن أُغلق الباب خلف الحج فهمي، حتى انطلقت شربات مسرعة، تتلفت حولها بحذر بالغ، قبل أن تخرج هاتفها وتُجري اتصالًا سريعًا بصالح الرجل الأيمن لموسى، بصوت خافت يحمل استعجالًا وخشية من أن يلتقط أحد كلماتها،
وفي الداخل مالت لمياء نحو والدتها، وقد اشتعل الفضول في عينيها وهمست بمكر واضح:
-هو البيت ده فعلاً تحته آثار؟
هزت فايزة رأسها بإيجاب ثم مالت قليلًا للأمام وكأنها تبوح بسر قديم، وقالت بصوت منخفض:
-ياما...سمعت من عمك عثمان تحته كتير اوي.
اتسعت عينا لمياء بدهشة، ممزوجة بالطمع والرهبة:
-وموسى يعرف؟
-يعرف.
-وعاصم يعرف؟
-يعرف.
عقدت لمياء حاجبيها بدهشة أكبر وقالت بحدة:
-وسايبين البيت كده؟!
تنفست فايزة ببطء ثم أزاحت نظراتها بعيدًا وكأنها ترى ما هو أبعد من الجدران، وقالت بنبرة غامضة:
-الله أعلم كل واحد بيفكر في إيه؟ بس البيت ده اللي هيجيب الخراب للوادي من تاني.
***
في اليوم التالي…
وطأت قدما غالية وأختها فريدة أرض رشيد، برفقة رجل من رجال أم ناصر، أولئك الذين اعتادت أن تزرعهم في الأماكن الحساسة كعيون خفية ترصد وتجمع الأخبار، كان الرجل يؤدي مهمته بدقة وهدوء، فأوصلهما إلى منزل الحاجة فوقية صديقة أم ناصر، التي وافقت على استضافتهما بحجة الحاجة إلى مَن يساعدها في شؤون منزلها.
لكن خلف هذا الغطاء البسيط كانت خيوط لعبة معقدة تبدأ في التشابك، خطة مرسومة بعناية، حتى تصل في نهايتها إلى الهدف الأهم وهو الاقتراب من موسى عزام والعمل في قصره، حيث تتلاقى الأسرار وتُدار الصراعات في الظل.
سارت غالية إلى جوار الرجل، وعيناها تتنقلان بحذر بين البيوت التي تصطف على جانبي الطريق؛ منازل قديمة تحمل آثار الزمن، وأخرى في حال أفضل، وثالثة تبدو عليها علامات الثراء الفاضح، تباين عجيب أثار في داخلها شعورًا بالتحفظ، وزاد من وطأة الغربة التي تثقل صدرها.
كانت الوجوه التي تمر بها غامضة، نظراتها فاحصة بعضها فضولي، وبعضها الآخر يحمل شيئًا من الريبة، ما جعل قلبها ينقبض كلما خطت خطوة جديدة في هذه البلدة الغريبة، التي قطعت من أجل الوصول إليها رحلة طويلة أنهكت جسدها وأرهقت روحها.
أنصتت إلى الرجل وهو يهمس بصوت منخفض:
-القصر هناك على إيدك اليمين، وبيت الحاجة فايقة هناك في آخر الشارع.
هزت رأسها بإيجاب، لكنها ما لبثت أن تيبست في مكانها فجأة، عندما شق حصان أسود الطريق أمامهم على نحو مفاجئ، فتوقف في مواجهة مباشرة معها، في مشهد أربكها وأصابها بصدمة صامتة.
تراجعت غالية خطوة إلى الخلف بقلق ظاهر، بينما احتمت فريدة بها وقد ارتسم الخوف على ملامحها، وعيناها معلقتان بالرجل الجالس فوق الحصان بكبرياء نافذ، وهيبة توحي بالسطوة والسيطرة.
لكن الدم كاد أن يفارق عروق غالية حين سمعت صوت الرجل المرافق لهما، وهو يقول بتوتر واضح واحترام بالغ:
-موسى باشا تحت أمرك يا كبير.
تجمدت غالية في مكانها، ولم تجرؤ على رفع عينيها نحوه، بل أبقتهما منخفضتين بثبات مصطنع، خشية أن يلتقط ذلك الرجل المتجبر ملامحها، أو يقرأ سرها من نظرة عابرة، فقد سمعت عنه كثيرًا من أم ناصر وخاصةً عن قسوته ودهائه، وسطوته التي لا تُرد.
وفي تلك اللحظة شعرت أن خطوتها الأولى في رشيد لم تكن مجرد بداية لرحلة جديدة للثأر من أجل أخيها، بل دخولًا إلى عالم مليء بالمخاطر، حيث كل نظرة قد تكون فخًا، وكل كلمة قد تشعل حربًا.
***
بينما في وادي العرين.
نزلت عائشة من السيارة التي استأجرتها تنظر حولها بتيه ثم أدخلت رأسها لخالتها تسألها بتعب تجسد فوق ملامحها:
-أنهي بيت يا خالتو؟
نزلت خالتها تنظر إلى البيوت المتراصة وتحاول استذكار أي شيء، أي ملامح لزيارتها لذلك المنزل ولكنها لم تتذكر، فهزت رأسها بنفي وزفرت:
-لا مش فاكرة، هو في الشارع ده؟ ولا إيه؟ الكلام ده عدى عليه سنين.
ارتفع صوت السائق بنزق وأردف:
-لا يا دكتورة أنا تعبت والله سايق بقالي كتير، وبنلف حوالين نفسنا لا مؤاخذة، أنا وصلتكم البلد دوروا انتوا على البيت براحتكم.
رفعت شريهان حاجبيها باعتراض وقالت بغيظ:
-لا معلش ياعني، والعيال اللي نايمين ورا دول نعمل فيهم إيه؟ نشيلهم ونلف بيهم هما والشنط، ما انت هتاخد حقك.
اغمضت عائشة عيناها بإرهاق شديد وهي تلتفت حولها وقد حل المساء عليها وقضت ساعات اليوم بأكمله في السفر، وما إن وجدت سيدة تغلق محلها الصغير، فهرولت نحوها عائشة تسألها باهتمام:
-لو سمحتي بيت شوكت السوالمي فين؟
انقبضت ملامح السيدة وهي تشير بيدها قائلة:
-اهو يا حبيبتي في وشك، بس لامؤاخذة البيت مقفول من زمان، وعيلة السوالمي كلها قاعدين في رشيد.
زمت عائشة شفتيها ولم تفهم شيئًا فلم يكن يهمها أي شيء سوى البيت، فأشارت للسائق كي يتحرك خلفها حتى وقفا أمام منزل قديم إلى حد ما من طابقين، وله بوابة كبيرة، أخرجت ظرف كبير محكم به ورقة وعدة مفاتيح، فتحت البوابة فارتاح صدرها وابتسمت بلطف وهي تنظر للسائق:
-ساعدنا بس وتطلع معانا الشنط والولاد.
***
خرج عاصم من دورة المياه وهو يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة، وقد بدا مستعدًا للنوم بعد يوم طويل أنهكه جسديًا وذهنيًا، تأكد من أن كل شيء في مكانه، وكعادته أغلق هاتفه فور أن تطأ قدماه غرفته، فهو لا يسمح لأي شيء أن يوقظه أو يعكر صفو راحته.
وقبل أن يستسلم للنوم ويغمض عينيه، دوى طرق خافت على الباب، رفع حاجبيه باستنكار، ثم نهض بفتور واتجه لفتحه لكنه تجمد في مكانه حين وجد فايد يقف أمامه بملامح متوترة، فقال عاصم بحدة مشوبة بالقلق:
-في إيه؟ حصل حاجة؟
تنفس فايد باضطراب وأجاب:
-من الصبح والدكتورة مشيت هي وخالتها والولاد من البيت والرجالة مشيوا وراها بس تاهوا منهم، وخافوا ينطقوا ويقولوا...
لم يُمهله عاصم أن يُكمل، فسب بغلظة ثم أمسكه من ثيابه وجذبه نحوه بعنف وعيناه تقدحان شررًا:
-انت بتستعبط يا فايد، مشغل حريم معايا وأنا مش عارف؟!
رفع فايد يديه في محاولة لتهدئته وقال بسرعة:
-اهدى يا باشا، ما هما لقوها في الآخر، والمفاجئة مش في كده، المفاجئة في اللي جاي؟
ضغط عاصم على فكيه بغضب:
-إيه؟ انجز؟
ابتلع فايد ريقه.ثم قال بصوت منخفض كأنه يخشى وقع كلماته:
-الدكتورة هنا في الوادي هي وخالتها والولاد، الدكتورة طلعت من عيلة السوالمي، عائشة شوكت السوالمي معرفش ازاي مع إني لما دعبست وراها كان اسمها عائشة غنيم وانت يا باشا شوفت بعينك اليافطة بتاعت العيادة بتاعتها، المهم يا باشا جت فتحت البيت وقعدت فيه، الدكتورة شكلها كانت هربانة منك، ومتعرفش إنك الكبير هنا.
ساد الصمت للحظة، لكن المكان امتلأ بتوتر واضح، بينما كانت عاصفة من الغضب والدهشة تتشكل في عيني عاصم… عاصفة توحي بأن القادم لن يكون هادئًا أبدًا.
-يا أهلاً، دي قصرت حاجات كتير اوي عليا.
رواية في ظلال الوادي الفصل السابع 7 - بقلم زيزي محمد
الفصل السابع.
"قطعة منه في رشيد"
اندفع عاصم إلى المخزن الواقع في الجزء الغربي من القصر بخطوات سريعة مشحونة بالغضب، ه رجاله بوجوه متجهمة ونظرات متحفزة، وما إن وقع بصر شوقي عليه حتى تراجع إلى الخلف مذعورًا، رغم أن يديه وقدميه كانتا مكبلتين بسلاسل طويلة تحد من حركته وتضاعف من عجزه، فكان يدرك في أعماقه أن نهايته باتت قريبة، وأن اللحظة التي طالما خشيها قد حانت، فانكشف خوفه جليًا في ملامحه المرتجفة وعينيه المتسعتين رعبًا،
ارتجف صوته وهو يهتف بتوسل مذعور:
-فـ..في إيه يا عاصم بيه...
لكن عاصم لم يمنحه فرصة لاستكمال حديثه؛ إذ انحنى نحوه بعنف، وأمسك به بقوة ثم جذبه حتى أجبره على الوقوف منتصبًا رغم مقاومته الواهية، وقال بنبرة حادة تنضح بالوعيد:
-كدبت ليه يا ابن الـ*** ومقولتش إن الدكتورة من عيلة السوالمي؟
انعقد حاجبا شوقي في حيرة صادقة، ورد بارتباك ممزوج بالغباء:
-دكتورة مين يا باشا؟
ارتفعت نبرة عاصم حتى دوت في أرجاء المخزن القديم، وارتطم صراخه بالجدران المتآكلة:
-عائشة، دكتورة عائشة؟
هز شوقي رأسه نافيًا، وصوته يرتعش من شدة الخوف لا من قلة اليقين:
-لا مين قالك كده، هي مالها الدكتورة بعيلة السوالمي والوادي أصلاً؟
ابتسم عاصم ابتسامة شرسة مخيفة، ثم هز شوقي بعنف وهو يهتف باستهجان وغضب:
-يعني متعرفش إنها اسمها عائشة شوكت السوالمي، روحت وديت عيالي لواحدة من العيلة بنت الـ*** دي، روحت وديت عيالي لناس خانوا العهد وخانوا أبويا يا ابن الـ****.
تقطع صوت شوقي وهو يهز رأسه بهستيريا، وكأن الخوف قد أفقده القدرة على التفكير المنطقي:
-والله ما عملت كده، ولا أعرف إنها من عيلة السوالمي ولا إن ليها أصل من الوادي، يا عاصم باشا أنا كنت شغال عندها في عيادة المنصورة ممرض واللي اعرفه إنها كانت متطلقة، وعايشة مع خالتها ولا مؤاخذة مبتخلفش، والله ما أعرف غير إنها إسمها عائشة غنيم، يا باشا اليافطة وكل المنصورة عارفين إنها من عيلة غنيم.
ظل عاصم ينظر إليه لثوانٍ بدت وكأنها دهر كامل، بينما انقطعت أنفاس شوقي تمامًا تحت وطأة الترقب والخوف، ثم دفعه عاصم للخلف بعنف، ليسقط على الأرض كجثة هامدة، قبل أن يهتف من بين أسنانه بوعيد شرس:
-انت والأوساخ اللي مسافرين فرنسا أنا مش هسيبكم، وديني هخليكوا تتمنوا الموت ولا تطولوه يا شوية *****.
بصق فوقه بازدراء، ثم انطلق خارج المخزن بخطوات واسعة متوترة، وما إن ابتعد حتى توقف في ساحة مفتوحة، يلتقط أنفاسه بصعوبة، بينما تتصارع الأفكار داخل رأسه في دوامة مضطربة؛ بين رغبته العارمة في الانتقام من چيني عما فعلته به، وبين حاجته الملحة للاطمئنان على أولاده والتقرب منهما، والتأكد من سلامتهما قبل أن تبتلعه نار الثأر بالكامل.
كان قلبه يخفق بعنف وغضبه يتأجج كبركان على وشك الانفجار، بينما تحاول بقايا عقله التمسك بخيط رفيع من التعقل والصبر، ولكن قطع فايد خيوط شروده بصوته الهادئ:
-تحب نروح نجيب الدكتورة....
استدار عاصم نحوه بسرعة خاطفة، وعيناه تلمعان بشرر الغضب المعتاد:
-إياك! محدش يقربلها، ولا يجي جنبها ولا حد يفكر يأذيها، فايد اللي هيفكر بس يمسها أنا هطلع روحه في إيدي.
أومأ فايد بتفهم وهدوء، ثم انسحب سريعًا إلى الداخل، ليكمل تعذيب شوقي ويذيقه ألوانًا من العذاب تفوق قدرته على الاحتمال بأوامر عليا من عاصم.
***
جلست الصغيرة ليلة فوق أقرب مقعد، والاشمئزاز بادٍ على ملامحها وهي تتأمل المكان من حولها بنظرات نافرة، فكان المنزل قديمًا إلى حد يبعث على النفور؛ جدرانه باهتة متشققة، والغبار يغطي زواياه وأثاثه العتيق الذي بدا وكأنه ينتمي إلى زمن بعيد، فلم يكن في المكان ما يدل على حياة أو دفء، بل على العكس شعرت ليلة بأن شيئًا ثقيلًا قد انقبض داخل صدرها منذ أن وطأت قدماها عتبة ذلك البيت، وكأن الجدران نفسها تحمل خوفًا دفينًا.
نظرت نحو شقيقها عمر، فوجدته غارقًا في نوم عميق بين ذراعي شريهان، ملامحه هادئة بريئة لا تدرك بعد قسوة التغيير، أما عائشة فكانت تجلس على مقربة، وقد ارتسم على وجهها حزن عميق، كأنها تحمل فوق كتفيها ثقل الأيام وما آلت إليه حياتها، فالتفتت عائشة نحو ابنتها وقالت بصوت مبحوح أثقلته مشقة السفر والإرهاق:
-مالك يا ليلة؟
استدارت ليلة برأسها نحو والدتها، وتحدثت بحزن متردد تحاول أن تختار كلماتها بعناية حتى لا تغضبها:
-بصراحة يا مامي، البيت ده وحش اوي، وشكله يخوف، احنا ليه سيبنا بيتنا الجميل والكبير اللي هناك وجينا هنا؟
تنهدت عائشة بعمق، كأن الزفير يحمل في طياته همًا طويلًا، ثم أجابت بنبرة مقتضبة تخفي وراءها تعبًا وقلقًا أكبر:
-أنا عندي شغل هنا في البلد دي، معلش استحملي فترة صغننة، وبعد كده هنرجع تاني يا إما على بيتنا يا إما على بيت أجمل بكتير.
هزت ليلة رأسها باستسلام، بينما بقي عدم الرضا واضحًا على ملامحها الصغيرة، عندها مالت شريهان للأمام وقالت بجدية مشوبة بالطمأنة:
-استحملي يا ليلة، الليلة دي ومن بكرة هنضف ونروق وندخل الشمس للبيت، صحيح يا عائشة الفرش جاي امتى؟
أجابت عائشة وهي تحاول استعادة شيء من حيويتها:
-بكرة ان شاء الله، العصر الشركة المسؤولة هتبعته في عربيتين كبار مع بعض، احنا بكرة نجيب ناس تطلع الفرش القديم ده فوق السطح، ونظبط الدنيا قبل ما فرشنا يجي، عشان افضى للدور اللي تحت ممكن افتحه عيادة أطفال.
أومأت شريهان بتفهم، ثم نهضت وهي تحمل عمر بين ذراعيها بحنان، واتجهت به نحو أقرب غرفة لتضعه في الفراش وتمنحه قسطًا من الراحة بعد يوم طويل وسفر مرهق.
أما عائشة فظلت جالسة إلى جوار ابنتها، تحدق في الفراغ بشرود، فيما كانت كآبة مخيفة تتسلل إلى قلبها منذ لحظة دخولها ذلك المنزل، فشعرت وكأنها انتقلت إلى فصل جديد من حياتها لا تعرف نهايته، فصل تتداخل فيه المخاوف مع المسؤوليات والحنين مع الأمل الخافت.
مدت يدها برفق وربتت على شعر ليلة، محاولة أن تمنحها بعض الطمأنينة، بينما كانت هي نفسها في أمس الحاجة إلى من يطمئن قلبها.
***
في "نجمة رشيد".
فركت غالية رأسها بقوة بعدما داهمتها آلام متفرقة منذ اللحظة التي هيمن فيها موسى بحصانه الأسود على محيطها، حضوره الطاغي فرض نفسه على المكان بقوة، حاولت قدر الإمكان ألا تلتقي بعينيه أثناء حديثه مع الرجل الذي كان يساعدهما على الوصول إلى منزل السيدة فايقة صديقة أم ناصر، والتي استقبلتهما بوجه جامد يوحي بعدم الترحيب، وكأنها أُجبرت على استضافتهما رغمًا عنها،
فظهر امتعاضها جليًا في نبرة صوتها حين قالت بفتور واضح:
-يا حبيبتي قالوا إيه اللي رماكي على المُر؟ قالت اللي أمر منه! أنا بقى مش لاقية مُر غير إنك هبلة لا مؤاخذة، وماشية ورا أم ناصر في حاجة متخصكيش أصلاً، بس يلا المهم فوقي كده عشان موسى عزام ده عفريت رشيد، ممكن تلاقيه ناطط قاعد في وسطنا دلوقتي.
ارتجفت فريدة بخوف والتصقت نظراتها بأختها وهي تهمس بصوت مرتعش:
-غالية أنا خوفت.
أشارت الحاجة فايقة نحوها بغضب مكبوت، وقالت بحنق مكتوم:
-اهو ده غلط يا حبيبتي، واقسم بالله هتوديني في داهية معاكي، الله يخربيتك يا أم ناصر مكنش دي فلوس مسلفاهالي هتذلي اللي خلفوني بيها.
ساد الصمت لحظات وسط نظرات غالية المستنكرة، ثم عادت فايقة وهمست بنبرة تحذيرية أقرب إلى الرعب:
-انتي اسمك نجمة مش عايزين عك، الحيطان ليها ودان، وبعدين انتي فعلاً لازم تخافي، يا حبيبتي انتي مبتتعامليش مع حد عادي، ده موسى عزام ديب من ديابة عزام، انتي تأمني للشيطان ولا تأمنيله.
كتمت غالية أنفاسها بغيظ وقالت بضيق محتدم وهي تحاول السيطرة على أعصابها:
-ماشي يا حاجة فايقة حفظنا، وبعدين محصلش حاجة، الراجل بتاعك رد عليه لما سألوه عننا وقال خدامين يعني الخطة ماشية تمام، بعد إذنك بقى تورينا هنام فين، عشان احنا تعبانين.
نهضت الحاجة فايقة ببطء وقالت بنبرة هادئة لم تخلُ من الضيق:
-استنوا كلوا الأول، زمانكم ميتين من الجوع.
ثم دخلت إلى المطبخ تاركة خلفها جوًا ثقيلًا من القلق والترقب، فمالت فريدة نحو أختها وهمست بأسف صادق:
-أنا أسفة يا غالية، مكنتش اقصد، أنا بس لسه مش متعودة.
ربتت غالية على يدها بحنو ممزوج بالحزم، وقالت بتحذير لطيف:
-خدي بالك بعد كده يا فريدة، عشان كده أنا سيبت اسمك زي ما هو، عشان متتلخبطيش، أنا هنا نجمة وبس، وبعد كده متخافيش من حد، لو خوفتي خوفك هيظهر حقيقتك، اتعاملي كأننا جايين نشتغل هنا، وان شاء الله الموضوع مش هيطول، نجيب حق أخوكي ودليل براءته وبعدها المحكمة يبقى ليها الرأي الأخير.
أومأت فريدة بتفهم بينما عادت غالية إلى صمتها، تسترجع في ذهنها نبرة صوت موسى حين تفحصهما بجرأة مستفزة، وسخريته التي أصابتها في الصميم:
-هي رشيد مبقاش فيها ناس بيخدموا بقيتوا بتستوردوا من برة...
ثم تذكرت كيف حرك حصانه بجانبها، ومال نحوها هامسًا بسخرية وقحة:
-بس عالله تكون حاجة نضيفة.
انتفضت من شرودها وزفرت بحنق وهي تتمتم بغضب مكبوت، وكأنها توجه حديثها له وحده:
-يخربيتك، والله لو كان ليك يد في موت اخويا، والله ما أنا سايباك.
***
في قصر رشيد العملاق، انتفض موسى من مكانه فجأة، وكأن صاعقة ضربت كيانه، بينما كان يصغي إلى مساعده صالح، ارتسمت على ملامحه دهشة مشوبة بصدمة عميقة، قبل أن تبدأ ابتسامة بطيئة ماكرة في شق طريقها فوق وجهه القاسي، فقال بنبرة امتزج فيها التعجب بالسخرية:
-إيه؟ الدكتورة من عيلة السوالمي؟!
أومأ صالح برأسه بهدوء محسوب، وقد علت شفتيه ابتسامة شريرة تنبع من عمق نفس يقطنها ظلام كثيف وقسوة بلا حدود، ثم قال بنبرة متلذذة:
-كده الحكاية حلوة اوي يا موسى باشا، ناخد بقى عيلة السوالمي على حجرنا ونرازي في عاصم.
شرد موسى بذهنه لعدة دقائق، وغاص في دوامة من الأفكار والمخططات الخبيثة، ثم رفع عينيه الماكرتين، وقد اشتعل فيهما بريق المكر والطمع، وارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خبيثة توحي بنيات مظلمة، وقال:
-لا، اهدى وتأنى نشوف إيه اللي هيحصل، ما هو مش معقول لما عمتي تقولهم جيبوا حد منكم يسكن في البيت مجاش الوادي قبل كده يبجبوا حد بالسرعة دي، الموضوع ده في حاجة كبيرة أنا مش فاهماها، اصبر ونتفرج ونراقب لغاية ما تمسك الفولة وبعدها اجيب عيلة السوالمي هنا يترجوني ويبسوا رجلي عشان اقف جنبهم.
ساد صمت للحظات، ثم رفع رأسه من جديد وقال بصوت منخفض يحمل خبثًا متقنًا:
-لو جم وطلبوا يروحوا الوادي عشان يقابلوها يبقى البت دي متعرفش حاجة عن اللي بيحصل وجاية لقضاها.
عاد للصمت مرة أخرى قبل أن ترتفع نبرته بحيرة مشوبة بلذة غريبة:
-أنا متأكد إن البت دي بينها وبين أهلها مشاكل، كده هتولع وأنا هتبسط وارازاي في عاصم براحتي.
نهض من مكانه وهو يحرك دلاية ذهبية على هيئة نجمة تتدلى من عنقه بحركات عشوائية متعمدة، ثم أطلق ضحكة عالية ساخرة تخترق سكون القصر:
-عاصم زمانه واخد صدمة عمره...
ثم التفت إلى صالح الذي كان يستمع بصمت قاتل وإنصات مشوب بالحذر، وقال بنبرة مستهزئة:
-چيني لما ترجع هيعمل منها وجبات للغلابة، طيب والله كانت مزة وخسارة تتبهدل، عشان كده يا صالح كل يوم بتأكد إن الوحشة حظها أحلى من الحلوة.
صعد أولى درجات السلم بخطوات واثقة، ثم التفت إلى صالح مرة أخرى وسأله:
-مصعب فين؟
أجابه صالح بجدية:
-فوق في اوضته يا باشا زي ما أمرت، وعثمان باشا نايم من بدري.
أومأ موسى بهدوء بارد، ثم انطلق يصعد درجات السلم بخطوات هادئة ولكنها مشبعة بالغضب المكتوم، حتى وصل أمام غرفة مصعب، ففتحها دون أن يطرق الباب، لكنه لم يجده.
دارت عيناه في أرجاء الغرفة في بحث متوتر، قبل أن يزفر بغيظ شديد، ثم استدار بعصبية وبدأ يهبط درجات السلم بخطوات سريعة متلاحقة، حتى خرج من قصره واتجه مباشرة نحو منزل عمته القريب.
اقترب من البوابة بحذر حاد، ثم أخرج سلاحه الفضي من خلف ظهره ودفع البوابة بقدمه بقوة عنيفة، في تلك اللحظة انتفض مصعب الذي كان يجلس على مقربة شديدة من لمياء عند مدخل البناية، ممسكًا بأكياس صغيرة تحتوي على مخدرات، وكان على وشك تجرع جرعته، إلا أن دخول موسى فرض هيمنته الثقيلة على المكان، فارتد مصعب إلى الخلف برعب.
أما لمياء فقد صعدت سريعًا في محاولة يائسة للهرب، لكن موسى أطلق رصاصة طائشة نحوها، فتجمدت في مكانها وشعرت بالخوف يلتهم ما تبقى من ثباتها، وهي تتحسس جسدها بذعر لتتأكد أن الرصاصة لم تخترقه.
استدارت إليه مرتجفة، فوجدته يحدق بها بشر كامن في عينيه المخيفتين، ثم اندفع نحوها فجأة وجذبها من خصلات شعرها بعنف وهو يصيح بنبرة قاسية معنفة:
-هو أنا مش قايلك مالكيش دعوة بيه يا بت! انتي اللي بتجيبله المخدرات؟
اندفع مصعب نحوه محاولًا تخليصها وقال بتوتر شديد:
-لا لا يا موسى، أنا اللي جيبتها وجيت اشربها هنا عشان محدش يشوفني في القصر، لميا مالهاش دعوة.
هزت لمياء رأسها بقوة وهي تصرخ برعب:
-اه اه ماليش دعوة....يا مـــامــــا الحقيني.
صرخت بأعلى صوتها تستنجد بأمها، لكن موسى جذبها بقوة وجرها خارج البناية وسط صدمتهما، وهو يهددها بعصبية:
-لا وهتتعلم الأدب، طالما هي فكرت تفتحلك مكان تشرب فيه، أنا مش قايلك يا بت مالكيش دعوة بيه نهائي، أنا مش منبه على أمك وعليكي.
هبطت فايزة مسرعة على وقع صرخات ابنتها، تكاد تتعثر من شدة الفزع وهي تقول بارتجاف:
-في إيه؟ يا ساتر يا رب؟ في إيه يا لميا؟
لكنها تجمدت في مكانها حين رأت موسى يقبض على شعر ابنتها ويجرها بعنف إلى خارج البناية، ثم يسحبها في الطريق تحت صرخاتها المؤلمة، مما أدى إلى خروج الأهالي لمشاهدة قسوته، فكان يجرها في الطريق المؤدي إلى القصر بلا رحمة، بينما حاول مصعب إبعاده عنها، وراحت فايزة تصرخ مهددة:
-وحياة أمي يا موسى، ما أنا معدية اللي بيحصل في بنتي عادي كده، سيب البت يا موسى.
توقف موسى فجأة في منتصف الطريق، وأطلق عدة رصاصات في الهواء، فارتعب الجميع وسقطت فايزة أرضًا، ثم صاح بصوت جهوري مهدد:
-اللي هيفضل واقف بعد الثانية دي، روحه هتطلع النهاردة.
وفي لحظات خلا الطريق من الناس وأُغلقت الشرفات بقوة، بينما واصل موسى جر لمياء نحو القصر وسط توسلاتها ومحاولات مصعب وفايزة اللحاق به، وفي إحدى الشرفات، جذبت فايقة يد غالية وفريدة إلى الداخل وهي ترتجف:
-ادخلوا ليشوفنا، ده مجنون وممكن عادي يقتلنا.
قالت فريدة برعب:
-هي مين دي اللي بيعمل فيها كده؟!
أجابت بثقل وملامح مشدودة:
-دي تبقى بنت عمته واللي واقعه في الارض بتترجاه دي عمته فايزة.
تعلقت فريدة بعيني غالية التي بدت شاردة والخوف يكسو ملامحها الباهتة، وما إن دخلت فايقة غرفتها حتى اقتربت فريدة من أختها وقالت بتوسل:
-غالية يلا نمشي عشان خاطري، الراجل ده مجنون، شوفتي بيعمل إيه في قرايبه، ما بالك بقى لو عرف إننا بنكدب أو عايزين نتتقم منه، هيموتنا.
احتضنتها غالية وهدأتها وهي تربت على ظهرها:
-اهدي يا فريدة، احنا مش جايين ننتقم، احنا جاين نثبت براءة أخوكي ونشوف مين ظلمه وناخد حقه بالقانون.
رفعت فريدة رأسها بشك:
-هي الست دي قالتلك انتي داخلة في موضوع ميخصكيش قصدها إيه؟
هزت غالية كتفيها بحيرة:
-يمكن أم ناصر مفهمتهاش الحكاية كلها، وفاكراني جاية عشان خاطر أم ناصر بس.
مطت فريدة شفتيها بعدم اقتناع، لكنها آثرت الصمت من أجل أختها، ومن أجل أخيها إيهاب، الذي فعل من أجلهما الكثير… كثيرًا لدرجة أن المجازفة من أجله تبدو مستحقة مهما بلغ الخوف.
***
أما في قصر رشيد فقد اندفع موسى خارج القبو بخطوات سريعة وغاضبة، بعد أن أغلق الأبواب بيده على لمياء، تاركًا خلفه صرخاتها المرتجفة التي مزقت سكون المكان، واستقرت في القلوب كطعنة حادة، وما إن خرج إلى النور وبلغ بهو القصر الفسيح حتى وجد عمته ووالده ومصعب واقفين في مواجهته، يحاولون الوصول إلى القبو، ولكن رجاله كانوا قد شكلوا حاجزًا صلبًا منعهم من الاقتراب،
توقف موسى في منتصف البهو، ووقف بجسده منتصبًا وعيناه تقدحان شررًا من الغضب والتجبر، ثم قال بصوت جاف وقاطع لا يقبل جدالًا:
-اللي هيفكر يفتح بوقه، هيقضي الليلة جنبها، ومفيش حد يفكر يراجعني في قرار اخدته.
ساد صمت للحظة من قبله، قبل أن يلتفت نحو مصعب بنظرة تهديد قاسية، وأشار إليه بيده بحدة:
-قولتلك ابعد عنها، مرضتش، اشرب بقى شوف عملت إيه بسببك!
تنفّس مصعب بعنف وصدره يعلو ويهبط من شدة التوتر، وحاول التقدم نحوه وهو يقول بنبرة متوسلة ومختنقة:
-طيب خرجها يا موسى وأنا مش هاجي جنبها تاني.
لكن موسى لم يلتفت إليه، بل استدار وصعد الدرج بخطوات سريعة، تحت نظراتهم المذهولة والمستنكرة، وهو يرفع صوته متحديًا:
-لا مش هتخرج، وانت بردو مش هتيجي جنبها تاني.
ثم دخل غرفته وأغلق الباب بقوة، فاهتز المكان من شدة الإغلاق، مما أفزع فايزة ودفع الخوف إلى قلبها للحظة، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، ومسحت دموعها بعصبية، وقالت بصوت مبحوح يمتزج بالبكاء والغضب والتهديد:
-والله أنا ما هعدي اللي حصل ده بالساهل يا عثمان ولو هرمي نفسي وسط النار هعمل كده، وموسى لازم يتعلم الأدب على اللي عمله.
ثم اندفعت نحو الخارج بخطوات متسرعة، وقلبها يشتعل بالقهر والعزم، وقد عقدت نيتها على التوجه إلى الوادي لطلب النجدة من عاصم نفسه، بعدما بدا لها أن جنون موسى قد تجاوز حدود العقل، وارتفع فوق كل منطق حتى فاق السحاب.
***
في اليوم التالي...
بعد وقت طويلٍ أنهك جسدها وأرهق روحها، كانت عائشة قد أمضت ساعات في ترتيب أثاث شقتها الجديدة، ذلك الأثاث الذي وصل في الصباح الباكر، وبمساعدة بعض رجال شركة الشحن استطاعت نقل الأثاث القديم إلى سطح البناية، لتفسح المجال لما تبقى من ذكرياتها المنتقاة بعناية من شقتها التي تركتها خلفها، وكأنها تنتشل ما يمكن إنقاذه من حياة سابقة.
وقفت عائشة تستند إلى الجدار للحظة، تلتقط أنفاسها المتعبة، وعيناها تجولان في أرجاء الشقة، حيث بدا كل شيء متراكمًا فوق بعضه البعض في فوضى مرهقة، ولم تتمكن سوى من إنجاز غرفة واحدة حتى الآن.
كان عمر يساعدها بحماس ملحوظ، يتنقل بين الصناديق ويحاول ترتيب الأغراض بجدية تفوق عمره، بينما جلست ليلة في زاوية الغرفة، متذمرة تراقب ما يحدث بملل شديد، كأن الأمر برمته لا يعنيها، أما شريهان فقد تولت مسؤولية المطبخ، منشغلة بترتيبه وتجهيزه، وكأنها تحاول فرض نظام جديد على الفوضى.
تنهدت عائشة بعمق ثم تركت ما بيدها واتجهت نحو المطبخ، وهي تقول بصوت متعبٍ ومجهد:
-خالتو أنا جوعت، هنزل أجيب شوية طلبات للبيت وحاجات ناكلها ونبقى نكمل.
أومأت شريهان وهي تحاول تشغيل الفرن الكهربائي، وقد بدت على ملامحها علامات الاستغراب والانزعاج:
-ماشي، هو الفرن ده مبيشتغلش ليه هنا؟! يالهوي كده مش هعرف أعمل الطواجن اللي بحبها.
هزت عائشة رأسها بيأس خفيف وكأنها تشاركها الإحباط، ثم التقطت محفظتها الصغيرة وانطلقت خارج البناية بخطوات سريعة، وقد قررت أن تبدأ بمحل البقالة القريب، ثم تتجه إلى السوق لشراء الخضروات والفواكه اللازمة.
سارت بضع خطوات في الشارع القريب من المنزل، حتى لمحت محل بقالة متوسط الحجم، ليس صغيرًا حد الضيق، ولا كبيرًا حد الإرباك لكنه يفي بالغرض، دخلت وألقت التحية بهدوء، ثم بدأت تتفقد الأغراض التي طلبتها منها خالتها شريهان مسبقًا، تنتقي احتياجات المنزل بعناية، وتختار بعض الحلوى للأطفال، محاولة إدخال شيء من البهجة إلى قلوبهم وسط هذه الفوضى.
لكن قبل أن تُكمل جمع احتياجاتها، قاطعتها صاحبة المحل فجأة، وانتزعت الأغراض من أمامها بيد حازمة، وهي تقول بنبرة باردة خالية من الترحيب
-مش انتي بنت شوكت السوالمي؟
رفعت عائشة بصرها إليها بقلق مكبوت، وقالت بهدوء حذر:
-اه، في حاجة؟
أجابت السيدة بنبرة صارمة وهي تُبعد السلع عنها:
-اه لا مؤاخذة مفيش حاجة هتشتريها مني؟
رفعت عائشة حاجبيها باستنكار وعدم فهم:
-ليه؟
قالت السيدة بحدة:
-عشان ممنوع نتعامل مع أي حد من عيلة السوالمي، وأي عيلة غدرت وراحت رشيد، احنا أساسًا مش فاهمين هما ازاي سايبينك هنا وقاعدة عادي في البيت.
اتسعت عينا عائشة في حيرة، وحاول عقلها أن يستوعب كلمات لم تفهم منها سوى أمر واحد، أن عائلتها ارتكبت خطيئة جعلتها منبوذة بين الناس.
-وأنا لما اعوز اشتري حاجتي أروح فين؟
جاءها الرد من خلفها بصوت حاد، اخترق مسامعها وكيانها، فارتجف قلبها بعنف:
-متروحيش في مكان، الوادي كله تحت أمرك.
التفتت ببطء شديد لتقع عيناها على صاحب الصوت، فلم يكن سوى عاصم عزام، الرجل الذي يدعي أنه والد أطفالها، كيف عرف مكانها؟ كان يحدق بها بثقة متعجرفة، وكبرياء صريح، وابتسامة نصر بثت الخوف في قلبها، لكن صوت السيدة قطع صدمتها:
-تحت أمرك يا عاصم باشا.
التفتت عائشة إليها وهتفت باندفاع سريع:
-انتي تعرفيه؟
-إلا أعرفه، ده عاصم باشا عزام كبير الوادي كله، هو الآمر والناهي، وطالما قال الوادي تحت أمرك، يبقى نخدمك بعينيا.
في تلك اللحظة اختل توازنها، وشعرت بالأرض تميد من تحت قدميها حين أدركت الحقيقة المروعة، لقد هربت بكل سذاجة إلى عرينه، فبدأ وعيها يتلاشى وسقطت أرضًا، لكن يده سبقتها فالتقطها بسرعة، وسط نظرات الذهول من صاحبة المحل التي هتفت بخوف:
-هو أنا قولت حاجة غلط يا عاصم باشا؟
حملها بابتسامة باردة شقت ملامحه، وهو يهتف ببرود اعتاده أهل الوادي:
-متحشريش مناخيرك في اللي مالكيش فيه.
ثم خطا بخطوات واسعة نحو سيارته، ووضعها برفق شديد داخلها، قبل أن يستقل المقعد الأمامي وينطلق بسرعة نحو قصره، تاركًا خلفه العيون معلقة به في ترقب مشوب بالخوف والفضول، وهمسات تتصاعد كالدخان في الهواء، تحاول تفسير ما جرى دون أن تجرؤ على الجهر بالحقيقة،
أما عائشة فكانت غارقة في دوامة من الوعي المتلاشي، بين صدمة الواقع وارتطام الماضي الذي ظنت أنها تركته خلفها إلى الأبد.
***
في قصر رشيد اعترض مصعب طريق موسى بعدما رآه يهم بالخروج، فتقدم نحوه بخطوات متوترة، وعيناه تقدحان غضبًا مكبوتًا منذ زمن طويل، وقال بنبرة تحمل مزيجًا من القهر والانفجار المؤجل:
-موسى كفاية وخرج لميا، عيب كده يا أخي دي من لحمك ودمك.
توقف موسى أمامه واقترب بخطوات بطيئة لكنها محملة بالتهديد، ثم هتف بنبرة شرسة وحادة كالسوط:
-مش هطلعها، طول ما هي حاطك في دماغها، اللي هيفكر يأذيك هأذي أمه.
ضحك مصعب بسخرية موجوعة، ثم قال بمرارة وهو يضغط على كلماته:
-انت اللي بتأذيني على فكرة بعمايلك دي، أنا مش صغير يا موسى عشان تعمل فيا كده.
اشتدت ملامح موسى ورد بعنف متعجرف:
-هو أنا عملت فيك حاجة، أنا سايباك براحتك، سايباك بتعمل اللي انت عايزه، بتاخد فلوس وبتضيعها على صحابك الصيع والمخدرات، مش شايل هم حاجة، وكل ما أحاول أشيلك من القرف ده، تعند وتنزل أكتر.
رفع مصعب صوته لأول مرة وقد بلغ به الغضب ذروته:
-انت شايف أن الحرية وإن أكون كويس بالفلوس يا موسى؟ عارف دي مشكلتك فعلاً!! أنا مكنتش زمان عايز فلوس، كنت عايزك انت وأبوك معايا وواقفين جنبي، بس انتوا الطمع والسلطة والفلوس لحست دماغكم.
اشتعلت عينا موسى بغضب أعمى، واقترب أكثر حتى كاد يلتصق به وهدر بصوت مرعب:
-اكتم يالا بوقك ده عشان مكتمش روحك للأبد، يا معفن ده أنا واقف في وش الفيضان عشان احميك وتقولي طمع...طمع إيه يا كلب، كنت عايزنا نبقى خدامين عاصم وخدامين الوادي، عايزهم ياكلونا، عايزني اسكت على اللي عملوه فينا.
تنفس مصعب بعنف لكنه لم يتراجع، وقال بنبرة ثابتة رغم الألم:
-أنا مش عايزك تسكت ولا عايزك تقرب من حياتي، يا عم أنا عايز أفضل مع نفسي ومع حياتي ومتقربش منها يا موسى، أحب لميا اتجوزها أكرهها اسيبها مالكش دعوة، محدش له دعوة بيا.
قطب موسى حاجبيه ببرود قاتل ثم قال بصوت مظلم:
-هعتبر كأني مسمعتش حاجة، ولمياء دي انت مش هتسكت غير لما أموتها بأيديا.
تصلب مصعب ورد بحدة متحدية:
-اعملها وانت وقتها هتكون حكمت على نفسك، لما أنا وعمتك نروح نبايع عاصم ووقتها العهد هيبقى في صالحه وأرض رشيد هترجع للوادي ولحكم عاصم وتكون وقتها خدام عاصم عزام فعلاً.
انفجر موسى كبركان ودفعه بنظرة مشتعلة بالكراهية:
-اطلع برة يا كلب، أنا عمري ما أكون خدام حد، اطلع برة والزفتة بتاعتك هتفضل تحت الأرض عمرها ما تشوف النور تاني.
ظل موسى يدفع مصعب بعيدًا عنه بعنف متصاعد، وكأن نارًا مشتعلة كانت تتأجج في صدره، بينما أخذت شياطينه تعبث بعقله وتغذي رغبته الجامحة في قتله فورًا، فكانت أفكار الانتقام تتسلل إليه كسم بطيء، وتضغط على أعصابه حتى كادت تفقده السيطرة على نفسه.
وفي لحظة خاطفة عادت ومضات الماضي تضرب رأسه بلا رحمة، مستحضرة مشاهد لم تفارقه يومًا، مشاهد رآها بأم عينيه طفلًا صغيرًا، حين لم تكن الحياة رحيمة بعمره الغض، ولم تمنحه فرصة للبراءة أو النسيان، رأى من القسوة ما يكفي لتحطيم روح رجل ناضج، فكيف بقلب طفل؟!
ظلت تلك الذكريات تطارده طوال سنواته كوحش شرس، ينهش هدوءه كلما حاول أن ينسى، ويذكره دومًا بأن حياته لم تُخلق للطمأنينة بل للصراع، ومنذ تلك اللحظات الأولى، صار الانتقام هدفه الأوحد ومحركه الدائم، حتى وإن تطلب الأمر أن يغرق الوادي في صمت مؤقت يخفي تحته عاصفة أعنف وأقسى.
***
في قصر الوادي.
كانت عائشة فاقدة الوعي فوق إحدى الأرائك، شاحبة الملامح ساكنة كأن الصدمة قد سرقت منها القدرة على الإحساس، بعد أن باغتها وجود عاصم على حين غفلة، فانهارت تحت وطأة الخوف والذهول معًا.
أما هو فكان يجلس على مقعد قريب، ينظر إليها بشرود عميق، وعيناه غارقتان في دوامة من الأفكار المتشابكة، بين قسوة الماضي وتعقيد الحاضر، وكأن وجودها أيقظ داخله شيئًا كان يظن أنه دفنه منذ زمن بعيد.
قطع شروده دخول فايد بخطوات سريعة ومترددة، ثم مال نحوه وقال باقتضاب يحمل توترًا واضحًا:
-الحاجة فايزة واقفة على البوابة الكبيرة عايزة تدخل الوادي وتجيلك!
رفع عاصم عينيه نحوه للحظات صامتة، نظرة باردة لا تُقرأ بسهولة، فاقترب فايد أكثر وأردف بجدية مشوبة بالقلق:
-باينه موسى مبهدلهم، سمعت طراطيش كلام إنه جرجر لمياء في الشارع ودخلها في الاوضة اللي تحت القصر، بس محدش عارف ليه؟!
نهض عاصم بطوله الفارع دفعة واحدة، وهيبة حضوره تملأ المكان، ثم جذب فايد معه إلى أحد الأركان البعيدة عن عائشة، كأنه لا يريد لصوتها الغائب أو أنفاسها الخافتة أن تشهد ما سيقال، وقال بنبرة صارمة لا تقبل نقاشًا:
-اتصلي على اللي واقف حراسة على البوابة هناك، وخليه يديها التليفون.
أومأ فايد بصمت وأجرى اتصالًا سريعًا، ثم التفت إليه وقال بصوت منخفض:
-اتفضل يا باشا، الحاجة سامعاك.
التقط عاصم الهاتف وانطلقت كلماته غليظة وقاسية، ممتلئة بالقوة والتجبر، كأنها سلاحٌ مُشرع:
-لو فكرتي تيجي تطلبي مقابلتي أو إنك تدخلي الوادي، أنا مش هستنى لما موسى يقتلك، هقتلك بنفسي.
جاءه صوتها المرتجف من الطرف الآخر:
-اسمعني يا عاصم...
فقاطعها فورًا بحدة أشد ونبرة تحمل احتقارًا ومرارة قديمة:
-ولا كلمة يا خاينة، مش عايز أسمع منك حرف، أنا كنت معاهد نفسي إني اسمع صوتك وانتي بتطلعي في الروح، بس عشان أنا حاليًا عندي حاجة أهم منك، فـ هأجل عهدي معاكي شويتين.
ثم أغلق الاتصال في وجهها بلا تردد، واستدار نحو عائشة، إلا أنه توقف لحظة والتفت إلى فايد مرة أخرى، وقال بلهجة صارمة حاسمة:
-طول ما الدكتورة تبقى هنا متجيش ولا تقولي حاجة تنرفزني.
كتم فايد اعتراضه بصعوبة، واكتفى بإيماءة صامتة، ثم استدار مغادرًا بخطوات سريعة، وهو يتساءل في داخله عن هذا التحول المفاجئ في عاصم، عن ذلك الرجل الذي يبدو في لحظة قاسيًا متجبرًا، وفي لحظة أخرى غارقًا في صمت غامض.
أما عاصم فظل واقفًا مكانه، بملامح جامدة تخفي وراءها عاصفة لا تهدأ، رجلٌ لا يُمكن الوثوق به، يشبه بئرًا مظلمًا… لا يُرى قاعه، ولا يُعرف ما يخفيه في أعماقه.
***
بعد مرور دقائق طويلة، فتحت عائشة عينيها بتثاقل شديد، وقد داهمها ألم حاد كاد يفتك برأسها، حاولت استيعاب ما حولها، بينما الخوف يتسلل إلى صدرها شيئًا فشيئًا، وآخر ما كانت تتذكره هو وجود عاصم أمامها، ثم استسلمت بعدها لدوار مفاجئ أطاح بوعيها.
دارت عيناها في أرجاء المكان برعبٍ واضح، ورغم فخامة القصر المحيط بها واتساعه المهيب، إلا أن الرهبة كانت أكبر من أن يبددها جمال المكان، ولكن الرعب الحقيقي تجسد حين وقعت عيناها عليه جالسًا أمامها بنفس الوضعية التي رأته عليها من قبل، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة.
كانت ابتسامة صغيرة تتدلى على شفتيه، تحمل مزيجًا غامضًا من السخرية والاهتمام، وقال بصوت هادئ يخفي تحته الكثير:
-الف سلامة، قلقتيني عليكي.
ثم اعتدل في جلسته واقترب منها ليجلس إلى جوارها على الأريكة، غير آبه بتحفظها الواضح، وناولها كوبًا من الماء وهو يقول بنبرة أكثر هدوءًا:
-نورتي وادي العرين كله يا دكتورة، أنا عاصم عزام كبير الوادي كله، لو أعرف إنك جاية كنت فرشتلك الأرض ورد.
اشتعل وجهها بالخجل والارتباك تحت وطأة نظراته الساخرة، وكأنها أدركت في تلك اللحظة حجم سذاجتها وخطتها التي بدت له مضحكة، فحاولت الرد لكن كلماتها خرجت مرتبكة وساذجة:
-أنا...أنا مكنتش أعرف إنك عايش هنا.
ارتسمت على وجهه ابتسامة أوسع، وقال بنبرة تحمل تهكمًا خفيفًا:
-طيب يعني ده جزاتي؟ تقابلي نيتي الخير بشر منك؟!
نظرت إليه بتحفظ محاولة الحفاظ على هدوئها رغم ارتجاف قلبها:
-أنا مأذتكش في حاجة يا أستاذ عاصم، أنا كنت بحافظ على حقي في ولادي.
رفع حاجبه قليلًا وقال ببرود محسوب:
-وأنا مقدمتش أي اعتراض على أنهم معاكي، بالعكس قولت جميلك في رقبتي، بس انتي هربتي وفاكرة أني مش هعرف اجيبك؟؟
اشتدت نبرتها قليلًا وظهر الضيق في عينيها:
-اسلوب التهديد ده أنا مبحبوش.
ابتسم ابتسامة جانبية وقال بثقة ثقيلة:
-أنا مبهددكيش، أنا لو كنت سايباهم معاكي فبمزاجي على فكرة، ومقدرش انكر وقفتك معاهم.
وفجأة انهارت دموعها وانكسرت صلابتها، فبكت بحرقة وهي تتوسله بضعف موجوع:
-أنا مش عايزى غير إنك متحرمنيش منهم، وميبعدوش عني ولا يبطلوا يقولولي ماما، أنا مش هقدر على بعدهم.
ناولها منديلًا ورقيًا وقال بنبرة غامضة لم تستطع تفسيرها رغم ما حملته من وعدٍ مبهم:
-طول ما أنتي في حمايتي وتحت طوعي، صدقيني عمري ما هقدر اعمل كده، وللمرة اللي معرفش عددها هقولك تاني جميلك معاهم عمري ما هقدر أنساه ولا هقدر أأذيكي، بالعكس هحافظ عليكي لغاية آخر نفس في عمري.
تنفست بارتباك.وقالت بصدق.ممزوج بالخجل:
-أستاذ عاصم انت ذوق اوي، وحقيقي أنا مش قادرة أكرهك أو أظن فيك ظن وحش، بس غريزة الأمومة جوايا، خلتني افكر اهرب بيهم هنا في بيت أبويا ومكنتش أعرف إنك كمان .
نظر إليها بتمعن وقال بصوت أقل قسوة وأكثر عمقًا:
-تأكدي أني زي ما انتي محتاجالي أنا كمان محتاجك تعرفيني عليهم ويعرفوا إن أنا أبوهم.
ابتلعت ريقها وقالت بخوف صريح:
-وبعد ما يعرفوا ويقربوا منك، هتبعدني عنهم؟!
وقبل أن يجيب ارتفع صوت هاتفها باتصال مفاجئ، أخرجته سريعًا من جيب سروالها، فوجدت اسم خالتها على الشاشة، أجابت فورًا بقلق:
-ايوه يا خالتو...
لكن صوت صراخ خالتها المرتجف قطع كلماتها بعنف:
-انتي فين يا عائشة؟ يالهوووي الحقيني ليلة مش لاقياها، الحقيني مش موجودة في أي مكان.
وقفت عائشة فجأة واتسعت عيناها بصدمة، وانحبست أنفاسها وهي تقول بارتباك:
-يعني إيه مش لاقينها يا خالتو، هتكون راحت فين؟
اقترب منها عاصم بلهفة وقد تبدلت ملامحه إلى قلق حقيقي:
-في إيه، حد من الولاد جراله حاجة؟!
أبعدت الهاتف قليلًا وانهارت دموعها وهي تقول بصوت مرتجف:
-آآ أستاذ عـ...عاصم، ليلة مش موجودة، خالتو مش لاقياها.
انعقد حاجبا عاصم بقلق بالغ، وأخرج هاتفه بسرعة ليتواصل مع رجاله، لكن عينيه توقفتا فجأة عند رسالة واردة من موسى، فتحها بحدس ثقيل يخبره أن الأمر يخص طفلته.
وبالفعل ظهرت أمامه صورة لموسى جالسًا في حديقة قصره، وليلة في أحضانه تأكل تفاحة ببراءة، وقد التقطها موسى عن قصد واضح، ثم أرسلها إليه مرفقة بتسجيلٍ صوتي، يحمل في طياته ما يكفي لإشعال حربٍ جديدة.
ابتعد عاصم عن عائشة خطوات قليلة، بينما كان يستمع إلى التسجيل الصوتي الذي أرسله موسى، وصوتُه المهدد يتسرب إلى أذنيه كسم بطيء يشعل الدم في عروقه:
-بنتك حلوة اوي يا عاصم، بتحب التفاح، وحكيتلي تاريخ حياتها، تصور بسألها بابا اسمه إيه بتقولي شوقي، لو عايزاها تعالى خدها متخافش هخليهم يدخلوك.
ثم انتهى التسجيل بضحكة عالية، ساخرة ومستفزة إلى حد كاد يفتك بأعصاب عاصم ويدفعه للانهيار أمام عائشة، شد قبضته بقوة وتصلبت ملامحه، وارتسم في عينيه بريق خطير يشبه نذر عاصفة وشيكة.
للحظة بدا وكأنه على وشك الصراخ، أو تحطيم كل ما يحيط به، إلا أنه تمالك نفسه بصعوبة، وكبح بركان غضبه ثم استدار بخطوات سريعة وحازمة نحو الخارج، وقد عقد العزم على مواجهة لا تقبل التأجيل.
وخلفه ترك عائشة منهارة، تتحدث مع خالتها بصوت مرتجف، تسألها عن تفاصيل اختفاء الصغيرة ليلة، بينما تتصاعد شهقات بكائها، ويعلو صوتها المرتجف الممزق بالخوف.
رواية في ظلال الوادي الفصل الثامن 8 - بقلم زيزي محمد
الفصل الثامن..
"شفرة عائشة"
نظرت في أثره بدهشة ممزوجة باستنكار، بينما كان الغيظ يشتعل في صدرها كجمر متقد، كيف له أن يرحل بهذه البساطة ويتركها، غير مباليًا لابنته التي يُفترض أنها مختفية في بلد لا تعلم عنها شيئًا؟ شعرت أن الدم يغلي في عروقها، فانطلقت خلفه بخطوات مسرعة، والغضب يكسو ملامح وجهها وخصلات شعرها تتطاير خلفها بفعل حركتها المتسارعة، حتى بدت هالتها ثائرة، وكأنها على وشك الانقضاض على أحدهم في أية لحظة.
لكنها توقفت فجأة بصدمة عنيفة عندما رأت عددًا هائلًا من الرجال...لا ليس مجرد عدد كبير، بل حشدًا ضخمًا يفوق توقعاتها، حتى دب القلق والتوجس في قلبها، وتساءلت في صمت عما يحدث، كانوا يلتفون حوله كما يلتف الجنود حول قائدهم في ساحة حرب، ينصتون إلى كلماته التي لم تصل إلى مسامعها، ثم انطلقوا في لمح البصر نحو السيارات المصطفة، بينما توجه هو بخطوات واثقة نحو إحدى السيارات الضخمة.
سارت خلفه وهي تناديه بصوت مرتجف، رغم نيران غضبها منه ورغم خوفها العميق على ابنتها:
-أستاذ عاصم لو سمحت.
التفت إليها وهو يرمقها بنظرة مستنكرة، ارتسم فيها سؤالٌ صامت، لكنها لم تمنحه فرصة للحديث، بل اندفعت تقول بحنق ثائر وقد اهتز صوتها بين الغضب والانكسار:
-انت ازاي تمشي كده، وبنتي... آآ...أقصد بنتك مختفية!
تنفس ببطء واضح، محاولًا السيطرة على أعصابه أمامها، ثم قال بصوت جامد، بينما كانت نظراته تناقض هدوءه الظاهري ووميض شرس يلمع في عينيه:
-متقلقيش، هي عند واحد حبيبي، هروح اجيبها واجيلك.
ثم استدار متجهًا نحو سيارته وجلس خلف المقود، لكنها فاجأته بفتح الباب الأمامي وجلست بجانبه دون استئذان، توقف لحظة لا يعرف كيف يتصرف أمام جرأتها المفاجئة، بينما تجاهلت هي نظرات الاستنكار في عينيه، وأشاحت بوجهها للأمام وكأن الأمر لا يستحق تعليقًا، فخرج صوته أجش وهو يقول بنبرة حاول أن يجعلها حازمة:
-دكتورة عائشة انزلي يلا اقعدي جوه، أو ارجعي بيتك، وأنا هجيبها وأوصلها لحد عندك.
هتفت بأمر قاطع وهي لا تزال تحدق أمامها:
-لا.
ثم التفتت نحوه وارتسمت على شفتيها ابتسامة بريئة، لا تدري كيف استطاعت رسمها وسط هذا الكم من القلق والخوف، وقالت محاولة إقناعه:
-ليلة زمانها خايفة دلوقتي، وهتخاف تركب معاكم، لازم تشوفني عشان متخافش، فـ يلا لو سمحت عشان قلبي مش مطمن.
كتم أنفاسه بقوة وهو يحاول السيطرة على انفعاله أمامها، ثم نظر إلى الخلف وأشار إلى فايد بالركوب، فبدا الأخير مذهولًا إلى حد التيه، وعندما جلس في المقعد الخلفي سأل بحماقة صريحة:
-هي الدكتورة هتيجي معانا رشيد، ازاي؟!
تعجبت من سؤاله فالتفتت إليه وردت بدلًا من عاصم، بنبرة امتزج فيها الفضول بالتهكم الخفيف:
-هو الراجل اللي هناك ده مش حبيبك يا أستاذ عاصم؟
انفلت اعتراض قوي من فايد وهو ينظر إليهما باستنكار ساخر، وقد ارتسمت على ملامحه دهشة ممزوجة بالسخرية:
-حبيبه؟ مين ده اللي حبيبه؟!
زفر عاصم بقوة وقبض على المقود بحدة حتى برزت عروق يده، ثم قال بغيظ مكتوم وهو يحاول كبح أعصابه:
-فايد تعرف تسكت؟
هز فايد رأسه باستسلام سريع، وأسند ظهره إلى المقعد الخلفي متراجعًا، بينما تجاهل عاصم نظرات عائشة القلقة والمستفهمة التي لم تتوقف عن ملاحقته، وأدار المحرك بقوة ثم انطلق في الطريق بسرعة أفزعتها، حتى شعرت بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها.
تشبثت بالمقعد بقوة وهي تتطلع إلى الطرق التي بدت لها غريبة، وإلى البنايات المتباعدة التي أخذت تتلاشى شيئًا فشيئًا، لتحل محلها طرق واسعة وفارغة على نحو يبعث في النفس الريبة، وكأنها منطقة مهجورة لا يسكنها أحد.
ازداد قلقها مع كل متر يقطعونه، حتى وصلت السيارة إلى سور ضخم وعريض، تتوسطه بوابة حديدية عملاقة، يقف أمامها عدد من الرجال في وضع يوحي بالحراسة المشددة،
تأهبت بخوف واضح، وراحت تنظر حولها برعب متزايد، ثم قالت بصوت مرتجف يحمل دهشة وخوفًا في آنٍ واحد:
-هي إزاي ليلة جت المسافة دي كلها لوحدها؟
التفتت نحو عاصم وعيناها تلمعان بالقلق والترقب، وسألته بنبرة خافتة يخترقها الخوف:
-أستاذ عاصم، هي ليلة اتخطفت صح؟ واللي خطفها ده واحد بيكرهك.
ازدادت قبضته على المقود وهو يرمقها بنظرة خاطفة، ثم أوقف السيارة أمام البوابة، فيما توقفت السيارات الأخرى خلفهم تباعًا، وقال بلهجة باردة وقاسية تخلو من أي لين:
-قولتلك متجيش، أصريتي! خليكي هنا وأنا هدخل اجيبها واطلع.
هزت رأسها نفيًا بعناد واضح، ثم اندفعت خارج السيارة قبل أن يمنعها، وقالت بحدة مرتجفة من فرط خوفها على ابنتها:
-لا...لا طبعًا، أنا اللي هدخل اجيب بنتي بنفسي.
ثم انطلقت بخطوات مسرعة نحو البوابة، وهي تشير للحراس بيدها بعصبية، وتصيح بنبرة منفعلة تحمل مزيجًا من القلق والغضب:
-افتحوا البوابة دي حالاً.
نظر الحارس إلى عاصم، الذي كان لا يزال جالسًا خلف المقود، يراقب ما تفعله بصبر لم يعرفه أحد عنه من قبل، صبر لم يتجاوز حدوده مع أحد سوى معها، أومأ برأسه للحارس في إشارة صامتة، فما كان من الأخير إلا أنه نفذ الأمر فورًا، ودفع البوابة الحديدية الضخمة بقوة حتى انفرجت عن مشهد صادم.
.
فـ على الجانب الآخر ظهر عدد كبير من الرجال المسلحين، يصوبون أسلحتهم باتجاه عائشة، التي اتسعت عيناها رعبًا وهي ترى صفوفًا من الرجال الملثمين يقفون بانتظام صارم، وكأنهم في ساحة حرب حقيقية، تجمد الدم في عروقها، ثم اندفعت هاربة نحو السيارة وهي تهمس برعب يخرج متقطعًا من صدرها:
-يالــــهـــوي... أستاذ عاصم الحــق.
اندفعت إلى داخل السيارة وهي تلهث من شدة الخوف، ثم التفتت نحوه بعينين مذعورتين وقالت بارتجاف مرتبك:
-هما... هما هيقتلونا؟
لم يلتفت إليها ولم يُجب، بل اكتفى بالضغط على دواسة الوقود، فانطلقت السيارة نحوهم بثبات يناقض تمامًا حالة الذعر التي تعيشها تحت نظراتها المصعوقة، أغمضت عينيها تلقائيًا، متخيلةً وابلًا من الرصاص ينهمر عليهم في أية لحظة، فرفعت يدها فوق رأسها برعب صارخ:
-يالــــهـــوي كده هيمــوتــنـــا.
مرت ثوان ثقيلة ولم يحدث شيء، ففتحت عينيها بحذر شديد، وراحت تتفحص المشهد من حولها، فوجدت عاصم يقود بنفس صمته المعتاد وكأن شيئًا لم يكن، التفتت حولها فلم تجد الرجال الذين أرعبوها قبل لحظات، بل رأت سيارات عديدة تنطلق من كل اتجاه، لتسير في نفس طريقهم بانسجام يوحي بالتنظيم والترتيب.
نظرت إلى الخلف حيث يجلس فايد، فوجدته هادئًا على غير المتوقع، وكأن الأمر برمته اعتيادي بالنسبة إليه، زاد تعجبها من برودهم وشعرت فجأة وكأنها داخل فيلم سينمائي، تنتظر في أية لحظة أن تظهر الكاميرا الخفية، لتكتشف أن كل ما يحدث مجرد خدعة سخيفة.
دققت في الطريق فوجدته نفس الطرق الواسعة والفارغة التي كانت تمر بها في الوادي منذ قليل، ثم بعد مسافة قصيرة بدأ المشهد يتغير، ودخلوا إلى طرق أكثر ازدحامًا، عامرة بالسكان والمباني والحركة.
شعرت بجفاف شديد في حلقها وهي تحاول استيعاب ما تمر به، وما يُجرها إليه هذا الرجل الغامض، الذي يحيط نفسه بعالم مليء بالأسرار والرجال المسلحين والسيارات المصطفة كالمواكب الرسمية.
مرت دقائق لم تعرف عددها، ولم تدرك كيف استطاعت الصمت طوال هذا الوقت وكيف حبست عشرات الأسئلة في صدرها دون أن تنفجر، وفجأة وجدت نفسها أمام قصر مهيب شاهق، يبعث في النفس رهبة ممزوجة بالإعجاب، توقفت سيارة عاصم أولًا، ثم اصطفت السيارات من حوله لتشكل دائرة واسعة كما لو كانت تحيط بمركز قيادة، خرج صوت فايد من الخلف باستفهام واضح يحمل طابع الاحتياط الأمني:
-هتنزل انت يا باشا الاول، ولا ننزل احنا نأمن المكان ونشوف الوضع، عشان لو في أي حركة غدر كده ولا كده؟؟
التفتت نحوه باستنكار شديد، وقد انعكس القلق والغضب في عينيها:
-غدر؟! لا كلو إلا بنتي، أستاذ عاصم لو سمحت خليك هنا، وأنا هنزل اجيب بنتي وآجي.
زفر فايد بقوة ثم خرج صوته خشنًا متبرمًا من تدخلها المستمر وجرأتها الغريبة في اقتحام كل ما لا يعنيها:
-بقولك إيه يا دكتورة؟ لغاية هنا وتسكتي لا مؤاخذة، عشان فيه مجازر ممكن تحصل دلوقتي.
ارتجفت نظراتها وكادت تبكي، لا خوفًا منه بل رعبًا على ابنتها، رفعت عينيها نحو عاصم بانفعال عصبي وقد أثقلها التوتر:
-أستاذ عاصم قوله يسكت لو سمحت، أنا أعصابي تعبت.
التفت عاصم إلى فايد وقال بنبرة آمرة لا تحتمل نقاشًا:
-فايد...مسمعش صوتك تاني.
تنفست عائشة ببطء وهي تمسح عبراتها المتساقطة، ثم اقتربت من عاصم وهمست بصوت منخفض يحمل خطة مفاجئة جعلت حاجبيه ينقبضان بدهشة:
-بص...احنا لازم نكون هاديين، اللي جوه دي بنتي اللي مستعدة أخسر روحي عشانها، وبنتك اللي انت لسه ملحقتش تشبع منها، أيًا يكن...اللي هقوله يتنفذ، أنا هنزل وهتعامل مع الراجل اللي خاطفها بكل احترافية متخافش.
اندفع وجه فايد بينهما ساخرًا، ينظر إليها بابتسامة مستهزئة، فأشارت إليه بإصبعها بحزم، وبنبرة تحاكي أسلوب عاصم نفسه:
-ارجع ورا لو سمحت..
ثم أعادت أنظارها إلى عاصم، الذي كان يراقب تفاصيلها باهتمام صامت، وكأنها تتحدث بثقة رئيسة عصابة لا طبيبة خائفة على ابنتها:
-أنا هدخل وهاخد بنتي، ومتخافش معايا الشفرة لو فكر يقل أدبه معايا، هعوره.
انفلتت ضحكة قوية من فايد، فزفرت هي بغيظ وقالت بتهديد لاذع لعاصم، وهي تُخرج الشفرة من جيب سروالها حيث لا تفارقها أبدًا:
-طيب والله اعوره بيها، عشان يضحك عليا تاني.
التفت عاصم إلى فايد بنظرة صارمة كانت كفيلة بأن تجعله يترجل من السيارة بالكامل دون كلمة إضافية، وفي تلك اللحظة نظمت عائشة أنفاسها بصعوبة، ثم قالت بهدوء يتخلله توتر مكتوم:
-راجل سئيل، انت مصاحب الناس دي ازاي؟
ثم زفرت بقوة وكأنها تجمع شجاعتها من أعماقها، وعادت إلى حماسها السابق تلقي بخطتها الجهنمية عليه وسط صمته واستنكاره الداخلي:
-أيًا يكن، بص بقى أنا زي ما قولتلك لازم ادخل جوه اخدها بنفسي، وانت متظهرش في الصورة خالص، ليه؟ عشان ليلة مينفعش تشوفك في التوتر ده، وكمان حتة إن باباها اسمه شوقي وانت اسمك عاصم أنا لسه همهد ليهم الحتة دي كويس، مش عايزة أصدم البنت يا أستاذ عاصم، ولا تخاف من اللي بيحصل!
نظر عاصم إليها لثوان طويلة؛ بدا حديثها مقنعًا، بل مقنعًا إلى حد جعله يلين رغم كل شيء، من أجل ابنته فقط، وللحظة شعر بالحنق على موسى لإقحامه طفلته في هذا الصراع، لكنه انتُزع من دوامة أفكاره على وقع تلويح الشفرة أمام عينيه وصوتها الحماسي الواثق:
-قولتلك متخافش، أنا هعرف اتعامل مع الاشكال دي كويس، لما ارجع متكنش انت في العربية دي وخلي حد تاني يسوقها، متخليش ليلة تشوفك عشان المفروض لما تشوفوا بعض لأول مرة يكون اللقاء الطف من كده ونخططله صح، اوك.
لم تنتظر ردًا منه بل خرجت سريعًا من السيارة تحت وقع صدمته، تاركة إياه مشدوهًا بطريقتها الفريدة وأسلوبها الآسر في التخطيط والتنفيذ، تابعها بعينيه وهي تتجاوز البوابة الرئيسية بخطوات ثابتة، بثقة تناقض تمامًا الرعب الذي كان يتلبسها قبل لحظات، وكأن امرأة أخرى قد وُلدت من رحم الخوف.
والحقيقة أن موقفًا كهذا لم يمر على عاصم من قبل، لم يجلس يومًا مكبل اليدين بهذه الصورة، ولم يشعر بالعجز يتسلل إلى صدره كما يشعر الآن، وهو ينتظر خروج ابنته سالمة من فوهة بركان يُدعى موسى، لأول مرة يذعن... ليس ضعفًا بل خوفًا عليها، ولأول مرة يقبل أن يتحلى بشخصية ليست شخصيته، إن كان ذلك ثمنًا لسلامة صغيرته.
فمَن ذاق الوحدة وتجرع مرارة الهجر، وعرف معنى خراب الأهل، لا بد أن يتوق إلى دفء الأبوة، حتى وإن لم يكن قد سعى إليها يومًا أو اعترف بحاجته إليها علنًا!
***
أما في داخل قصر رشيد وتحديدًا في الحديقة الواسعة أمام البوابة الرئيسية، كان موسى يجلس بلا مبالاة على أحد المقاعد، وقد رفع ساقيه للأمام في وضع يعكس استهتاره وتعاليه، بينما جلست أمامه ليلة تحيط بها العرائس والألعاب، وأكوام من الحلوى المبعثرة حولها، فكان يراقبها بشغف ساخر، وابتسامة متهكمة لا تفارق شفتيه، تحمل في طياتها شيئًا من العبث وشيئًا من الخطر.
ازدادت سخريته حين لمح من بعيد فتاة تقترب بخطوات سريعة وحدها، تفرس فيها بتمعن، ولم يحتج إلى كثير من التفكير؛ فمن خلال الصور التي اطلع عليها سابقًا، أدرك فورًا أنها الطبيبة "عائشة السوالمي".
اتسع فمه بدهشة واضحة حين لاحظ غياب عاصم، فالتفت إلى صالح الذي يقف خلفه يراقب المشهد بابتسامة ساخرة، وقال بنبرة مستهزئة:
-باين عليه خاف... وبعتها هي بدل ما يجي بنفسه، ولا إيه؟
اعتدل موسى في جلسته حين سمع صوتها تنادي ليلة، بينما انتبهت الطفلة إليها فورًا، انطلقت نحوها بسعادة غامرة، وابتسامة بريئة تشرق على وجهها:
-مامي...انتي فين كل ده؟
انحنت عائشة سريعًا إلى مستواها، واحتضنتها بقوة ولهفة، كأنها تعوض لحظات الغياب والخوف دفعة واحدة، استنشقت عبيرها بعمق وكأنها تتأكد من أنها بين يديها حقًا، وضمتها بشدة جعلت الصغيرة تتعجب، لكنها قابلت ذلك بحنو طفولي، تربت على ظهر والدتها بحب واطمئنان، ابتعدت عنها عائشة أخيرًا، وراحت تتفحص ملامحها بقلق ولهفة، ثم سألتها بصوت مرتجف:
-انتي مين جابك هنا يا روحي؟
ابتسمت ليلة بلطف وبراءة صادقة، وقالت بعفوية:
-نزلت وراكي عشان آجي معاكي، بس مشوفتكيش وواحد شافني وسألني أنا مين وقولتله عليكي وهو اللي جابني هنا.
توقفت لحظة ثم التفتت نحو موسى الذي كان قد اقترب بخطوات واثقة، واضعًا كلتا يديه في جيب سرواله، وكأنه يملك المكان ومَن فيه:
-جابني هنا عند عمو موسى.
رفعت عائشة عينيها نحوه، فسرت في جسدها قشعريرة غريبة تحت وطأة نظراته الثقيلة وابتسامته المستفزة، تماسكت سريعًا واعتدلت في وقفتها، محاولةً ألا تُظهر اضطرابها.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى حرك نظره إلى الطفلة متعمدًا إخراج كلماته ببطء مستفز، ونبرة تحمل استفزازًا مبطنًا:
-مين دي يا ليلة؟
ردّت الصغيرة ببراءة صافية:
-دي مامي عائشة يا عمو، ما أنا حكيتلك عنها.
هز موسى رأسه بتفهم زائف، ثم قال ببرود ساخر وهو يميل برأسه قليلًا، يقيس عائشة بنظرات وقحة متعمدة:
-تصدقي وصفتك، بس انتي أحلى من الوصف بكتير.
ثم اقترب منها مستغلًا فارق الطول بينهما، وانحنى قليلًا وهمس بالقرب من أذنها بصوت خافت يحمل استفزازًا فجًا:
-رغم إنك مش أمها، بس في نفس جمال ليلة بالظبط، محظوظ عاصم.
اشتعلت نيران الغضب في صدرها، وارتفع بصرها إليه بحقد وغل واضحين، كأنها تود لو ترد عليه بما يليق بوقاحته، لكنها كتمت انفعالها بصعوبة.
ألقت نظرة خاطفة خلفها، فرأت فايد يقف عند عتبة بوابة القصر، يراقب ما يحدث بحذر ثم أعادت نظرها إلى الصغيرة، وابتسمت لها ابتسامة مقتضبة تخفي خلفها قلقًا وحرصًا شديدين:
-ليلة روحي عند عمو اللي واقف هناك ده وأنا هاجي وراكي.
هزت الصغيرة رأسها بطاعة، ثم التفتت إلى موسى وقالت بامتنان طفولي بريء، غير مدركة لما يدور حولها:
-شكرًا يا عمو موسى، هبقى اجيلك كتير لو مامي وافقت وأجيب عمر أخويا.
ابتسم موسى باستمتاع واضح وتلذذ مريب، ثم قال بنبرة مشاكسة تحمل خلفها نية غير مطمئنة:
-هستناكي طبعًا....
ثم رفع بصره نحو عائشة وقال بتهكم خفيف:
-ده لو مامي وافقت.
هزت الصغيرة رأسها بإيماءة مطمئنة، ثم اندفعت بخطوات مسرعة نحو فايد، الذي أسرع بدوره لاحتضانها وإبعادها عن المشهد، وما إن اطمأنت عائشة إلى أن ابنتها أصبحت في أمان، حتى تغير الهواء من حولها فجأة.
فأخرجت شفرتها من جيب سروالها بحركة سرية ماهرة باتت بارعة في ذلك أكثر مما تعترف به، ثم رفعتها في لمح البصر موجهةً نصلها نحو عنق موسى، الذي تراجع خطوة إلى الخلف بدهشة حقيقية أمام هجومها المباغت، وجلس فوق مقعد خلفه يعود بظهره للخلف، بينما هي قالت بحدة مشتعلة:
-بص بقى يا اسمك إيه...
قاطعها بابتسامة مستفزة، رافعًا يديه في استسلام تمثيلي:
-اسمي موسى عزام.
ضغطت بالشفرة أكثر على عنقه، غير عابئة بنظرات صالح الذي أخرج سلاحه ووجهه نحوها مهدّدًا:
-ابعدي اللي في ايدك حالاً عشان متزعليش على ايدك.
لكن موسى أشار له بيده أن يتراجع، بينما تجاهلته هي تمامًا، وثبتت نظراتها الغاضبة في عيني موسى وهي تقول بصوت يرتجف من شدة الغضب ليس من الخوف:
-لو فكرت مجرد التفكير إنك تأذي عيالي أو تخطفهم تاني، صدقني مش هسكتلك، كله إلا ولادي.
رمش موسى بعينيه ببراءة زائفة، ثم قال بنبرة مستعطفة مليئة بالتهكم المقنع:
-هو أنا ليه دايمًا مظلوم؟ مع إن مفيش أسلك مني على الكوكب كله، أنا مبخطفش أطفال....
صمت لثوانٍ قصيرة، ثم مرر بصره فوق جسدها ببطء متعمد، كمن يتلذذ باستفزاز الطرف الآخر، قبل أن يعلق بنبرة وقحة خالية من أي احترام:
-بس بخطف مزز عادي ومعنديش أي مشكلة في كده.
اشتعل الغضب في صدر عائشة كالنار، وضغطت على أسنانها بقوة حتى كادت تسمع صريرها، ثم ردت بصوت غاضب حاد يحمل احتقارًا صريحًا:
-مزز في عينك، والله لو فكرت تعمل كده، ما هسكتلك فاهم ولا لا...واه شكلك عارف موضوع الولاد، فمتحاولش تهددني تاني بيهم، أو تهدد باباهم بيهم.
كان غضبها هذه المرة مختلفًا، ليس مجرد انفعال لحظي بل غضب أم تحولت إلى درعٍ واقٍ، وإلى أنثى مستعدة لأن تصبح مفترسة إذا اقترب أحد من صغارها.
ابتسم موسى ابتسامة مائلة مليئة بالتهكم، وقال بنبرة ساخرة تحاول التقليل من شأنها:
-وانتي عاصم باعتك تاخدي حقه؟! دي الدنيا اتغيرت خالص!
رفعت ذقنها بشموخ وردت بثبات قاطع يعكس يقينها بنفسها وبموقفها:
-محدش باعتني أنا بدافع عن ولادي، عشان محبش يدخلوا في عداوات هما مالهمش ذنب فيها، مع إن واضح اوي مين المحترم والمظلوم، ومين الظالم والوقح.
ضحك موسى بخفة مستفزة، ورد متصنعًا البراءة:
-ان شاء الله أكيد تقصدي إن أنا المحترم.
نظرت إليه باستنكار ممزوج بالسخرية، ثم ابتعدت عنه خطوة وهي تعيد الشفرة إلى جيب سروالها بحركة محسوبة فعلق هو بغيظ عابث:
-هو أنا مش باين عليا إني محترم؟
ثم التفت إلى صالح واضعًا يده على صدره بتصنع درامي، وقال بحزن مزيف وتهكم واضح:
-لا دي مفترية، ده أنا جايب للبت ألعاب وتفاح مخصوص، اعمل إيه تاني؟ ليه الناس بتفهمني غلط يا صالح؟
زفرت عائشة بسخرية لاذعة، وقالت بنبرة جافة حادة وقد امتلأت عيناها بازدراء واضح:
-يمكن عشان انت باين عليك مش سالك، اللي يدخل عيال صغيرة في عداوات يبقى إنسان مريض...سوري يعني!
كانت كلماتها كصفعة أخلاقية صريحة؛ لم تحمل خوفًا ولا ترددًا بل احتقارًا هادئًا وموقفًا صلبًا يشي بالقوة والوعي، أما موسى فظل يحدق بها بابتسامة مشوهة، وكأن المواجهة تحولت في ذهنه إلى لعبة نفسية مسلية أكثر من كونها صراعًا حقيقيًا.
فقال بنبرة ساخرة يتصنع فيها التأثر، وعيناه تلمعان بعبث مريب:
-وليه سوري؟! ما تفي في وشي أحسن، حقيقي كلامك جارحني يا دكتورة، ودغدغدلي قلبي المدغدغ.
ضحكت بسخرية مماثلة، ضحكة جافة خالية من أي مرح، بينما كانت تستعد للمغادرة قالت بنبرة مشبعة بالازدراء:
-ربنا يعينك بجد على نفسك، شكلك بتحقد جامد من أستاذ عاصم والموضوع فارق معاك، أو يمكن بتحاول تشتري خاطره وفاكر إن شوية الألعاب والتفاح هيخلوه يسامحك، بس بعينك بعد حركتك مع بنته، عمره ما هيسامحك أبدًا.
اتسعت ابتسامة موسى ليس غضبًا بل استمتاعًا، وكأن كلماتها أصابت وترًا خفيًا داخله، فالتفت إلى صالح متصنعًا الحيرة والدهشة:
-هي بتكلم مين؟ مين يسامح مين؟ وأستاذ عاصم مين؟ ده موظف في الشهر العقاري، صالح الحقني أنا دماغي لفت.
نظر إليه صالح بتردد وحذر، غير قادر على مجاراته في سخريته بينما هي لوحت يدها أمامه وقالت ببرود مقصود:
-عن إذنك، فرصة مش سعيدة خالص.
كانت عائشة قد ابتعدت بالفعل، تسير بخطوات ثابتة تحمل بداخلها خليطًا من الغضب والاشمئزاز، والقلق الأمومي الذي لا يهدأ، أما موسى فتابعها بنظرات طويلة ثم قال بسخرية مشوبة بنزعة مظلمة:
-صالح هي ليه ماشية ومش خايفة مني، هو أنا مكنتش شرير كفاية؟
رد صالح بحيرة صادقة:
-والله يا باشا أنا ما فاهم حاجة ومين بيودي على فين؟
قطب موسى حاجبيه ثم قال بابتسامة مريبة، وصوت خفيض يحمل اقتراحًا خطيرًا:
-اسكت، دي مسلية خالص، أنا ممكن اخطفها واجيبها هنا، اقعد معاها كل يوم شوية تسليني قبل ما أنام.
لم تكن كلماته مجرد مزحة؛ بل كانت تحمل في طياتها ظلال تهديد حقيقي، ونزعة رجل اعتاد العبث بمشاعر الآخرين، ليس بدافع الانتقام فقط بل بدافع الملل أيضًا!!!
***
خرجت عائشة من قصر رشيد تتنفس بهدوء متزن، بعدما نجحت في الحفاظ على كرامتها وأمان صغيرتها دون أن تنجر إلى مشكلات كانت تدرك أنها لن تُجدي نفعًا، فكانت خطواتها ثابتة وملامحها تحمل مزيجًا من الإرهاق والانتصار، وكأنها خرجت من معركة صامتة انتصرت فيها بالحكمة لا بالصدام، وما إن وقع بصرها على عاصم، الذي كان يقف على أحد الجوانب متكئًا على هدوئه المعتاد، حتى توجهت نحوه بابتسامة واسعة، ونبرة واثقة تنم عن فخرها بما حققته:
-أستاذ عاصم، متقلقش أنا خلاص نهيت الحوار وهددته إن لو قرب من ولادي تاني، هيشوف مني وش ميعجبوش.
كتم اعتراضه الساخر خلف برود ملامحه، محاولًا ألا يُظهر ما يدور في ذهنه من تحفظ على أسلوبها الأحمق، ومع ذلك
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يطالعها بنظرة تحمل خليطًا من الإعجاب والقلق:
-مكنتش حابب تدخلي في الحوارات دي، كنتي سيبيني اتصرف بطريقتي.
هزت رأسها نفيًا وزفرت تنهيدة مثقلة، كأنها تُفرغ ما تراكم في صدرها من توتر مكتوم وخوف لم تُرد الاعتراف به صراحة:
-ولا كنت احب اتدخل مع واحد زيه، بس كله عشان خاطر ليلة، هي فين صحيح؟
أدار عاصم وجهه نحو الجهة الأخرى، بعين يقظة وكأنه يتأكد من خلو المكان من أي أعين مترصدة، ثم قال بنبرة واثقة تحمل طمأنينة مدروسة:
-متقلقيش هي في عربية بعيد مستنياكي، يلا روحيلها.
نظرت إليه بتحذير صريح، وقد بدأت ملامح القلق تتسلل إلى وجهها:
-وانت؟ اوعى تدخله خلاص أنا ظبطت الدنيا.
ارتسم على وجهه تعبير صارم، وكأن كلماتها لم تُغير من عزمه شيئًا:
-لا أنا ليا كلام معاه تاني، عشان يفكر ويتجرأ يخطف بنتي!
تقدمت خطوة نحوه محاولة ثنيه عن قراره بنبرة صادقة:
-بلاش صدقني خلاص الموضوع خلص، وبعدين ده واحد شكله مجنون ومش كويس، وانت انسان محترم وغيره خالص، متحاولش تنزل بمستواك له.
رمقها بنظرةٍ تجمع بين الحزم والهدوء:
-انتي فاكراني هعمل إيه؟ لا أنا هتكلم معاه بس.
تنهدت بعمق ثم قالت بصراحة خالصة:
-بص الصراحة انت شكلك كنت متساهل معاه ومحترم وهو تمادى في اللي عمله، رغم إني لما دخلت لقيته جايب العاب وأكل لليلة، بس حقيقي هو وقح، وانت محتاج توريه العين الحمرا.
تغير تعبير وجهه فجأة وسأل بحدة خفيفة:
-هو اتطاول عليكي في الكلام؟
هزت كتفيها بتردد وكأنها لا تريد تضخيم الأمر:
-مش اوي يعني، أساسًا أنا مكنتش هسكتله، بس هو واحد نظراته....بص معرفش أنا عايزة امشي من المكان ده، الانسان اللي جوه ده مريض نفسي، متحاولش تتعرضله انت شخص محترم، تصور معاه راجل جوه معاه مسدس، وكان فاكرني هخاف منه، ميعرفش إن البلد فيها قانون، أنا فهمت على طول إنهم بلطجية.
اشتدت ملامحه وصار صوته أكثر صلابة:
-عشان كده بقولك لازم اتكلم معاه، يلا روحي هناك اركبي مع ليلة وفايد هو هيرجعكم.
أومأت برأسها بإيجاب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل امتنانًا خافتًا وقلقًا مكتومًا، ثم استدارت لتغادر المكان بأكمله، متجهة بخطوات متسارعة نحو إحدى السيارات البعيدة التي كانت تنتظرها، لم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة حتى اطمأن عاصم بعينيه إلى ابتعاد عائشة وابنته عن محيط قصر رشيد متأكدًا من خروجهما بسلام، قبل أن تتبدل ملامحه كليًا ويتحول هدوؤه الحذر إلى صرامة مشتعلة بالغضب.
أخرج سلاحه بقبضة ثابتة، وانطلق بخطوات قوية يرافقه عدد من رجاله الذين التفوا حوله فور عبوره بوابة القصر، كأنهم يستعدون لمواجهة لا مجال فيها للتراجع، وما إن وطئت قدماه أرض حديقة القصر حتى رفع السلاح وأطلق عدة أعيرة نارية في الهواء، فدوى صوت الرصاص كالرعد، ممزقًا سكون المكان، ومثيرًا فزع العاملين والمتواجدين الذين تفرقوا في ذعر، بينما عمت الفوضى أرجاء القصر،
على النقيض تمامًا ظل موسى جالسًا في مكانه بكل برود، يقضم قطعة تفاح بتلذذ متعمد، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة تنضح بالاستهزاء، وكأن ما يحدث حوله مجرد عرض ترفيهي لا أكثر، وحين فرغ عاصم من تفريغ جزء من غضبه، ارتفعت ضحكات موسى بخفة مستفزة، قبل أن يقول بتهكم مقصود:
-الأداء مش عاجبني، عيد يا فنان.
اشتعل الغضب في عيني عاصم، وانطلق نحوه بقوة كالنمر الجائع الذي وجد فريسته، فانقض عليه في لحظة خاطفة، وأطبق بيده على عنقه بقبضة قاسية تنبض بالشراسة، بينما كانت أنفاسه تتسارع من فرط الغيظ:
-مش أنا اللي تعمل معايا كده، أنا آخر حد ممكن تفكر تمس حد منه.
رمش بعينيه في براءة مصطنعة، ثم أشار نحو نفسه مستنكرًا بسخرية واضحة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكم لا تخلو من الاستفزاز:
-أنا مسيت حد منك، مين مش واخد بالي؟
صمت لحظات قصيرة وكأنه يمنح كلماته وقتًا لتترسخ في الأجواء المشحونة، ثم أضاف بنبرة ساخرة تحمل قدرًا من اللدغ المعنوي:
-آه، قصدك بنتك اللي انت لسه مكتشف من يومين إنها بنتك؟! شعورك أيه يا عاصم وأنت عامل فيها كبير ومفيش منك اتنين في البلد ومراتك مدياك على قفاك.
كان وقع الكلمات أشبه بصفعة لفظية أشد من أي ضربة جسدية، فاشتعل الغضب في صدر عاصم، وتصلبت ملامحه كمَن يوشك على الانفجار، لم يستطع كبح جماح انفعاله أكثر، فاندفع بضربة قوية إلى وجه موسى، جعلته يترنح إلى الخلف بعنف، حتى اختل توازنه وسقط أرضًا هو والمقعد الذي كان يجلس عليه، في مشهد صادم للحاضرين، وفي تلك اللحظة انحنى عاصم فوقه بشراسة، وقد انفجر غضبه دفعة واحدة، وصوته يرتجف من فرط القهر والاحتقان:
-بلاش شغل النسوان الـ ****** ده معايا يا موسى، متفكرش حتى تفتح بوقك في موضوع يخصني، عيالي خط أحمر، عشان ورحمة أمي في تربتها لو فكرت تعملها تاني معايا، لأخطف أبوك وأخوك واخطفك انت شخصيًا.
ساد المكان توتر خانق وكأن الهواء نفسه قد ثقل من وطأة التهديد، وفجأة جاء صوت عثمان من الخلف قويًا وحادًا، يحمل مزيجًا من الغضب والسلطة:
-ومين قالك إننا هنسمحلك تمشي يا ابن سعد، انت خونت العهد وجيت بنفسك رشيد، يبقى مترجعش إلا وانت جثة.
استدار عاصم نحوه في لمح البصر ورفع سلاحه موجهًا إياه نحوه، ونبرته غليظة مكبوتة مشبعة بالحقد:
-وانت مين قالك إن هقف عادي واسكت وأنا بسمع صوتك، يا *** عباد الله.
وفي اللحظة نفسها سمع عاصم صوت شد أجزاء سلاح من خلفه، فأدرك دون أن يلتفت أن موسى قد استعاد توازنه، وبالفعل جاء صوت موسى بنفس نبرته الساخرة، وكأن كل ما حدث لم يمس أعصابه بشيء:
-وانت مين قالك إن هسيبك تقف تهدد أبويا وهسكتلك ما أنا ممكن أفرغ مسدسي في راسك من ورا عادي.
ثم صمت لحظة قبل أن يتقدم بخطوات واثقة وثابتة، مليئة بالثقة والتحدي، حتى وقف أمام عاصم مباشرة وعيناه لا تحملان سوى صرامة قاسية:
-بس أنا مش خاين زيك انت وأبوك، ولا عمري هابدأ بالغدر، ولا هموتك على أرضي، هموتك على أرضك وفي نص الوادي قدام قصر عزام نفسه.
مال عاصم برأسه قليلًا وهو يوجه فوهة مسدسه نحو موسى وقال بسخرية باردة تخفي خلفها بركانًا من العداوة:
-لو راجل اعملها وأنا صدقني هكون موجود ومستنيك ونشوف مين فينا اللي هيخلص على التاني.
تدخل عثمان بلهجة محتجة، صوته يحمل غضبًا ممزوجًا بالغيرة على الأرض والهيبة:
-انت هتسيبه كده يا موسى من غير ما تربيه، ازاي يدخل أرضنا من غير حساب.
رد عاصم ببرود قاتل وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة استخفاف:
-دخلتها زي ما أنا سمحت لابنك يدخل ياخد ابنك الشمام التاني من عندي، وخليته يمشي من غير حد يمس منه شعره.
انفعل عثمان وصوته يرتفع وهو ينظر إلى موسى باستنكار:
-انت سمحتله يا موسى؟ سمحت لابن الخاين ده يدخل رشيد ويمشي فيها ويرفع سلاحه عادي من غير ما يتحاسب؟
ابتسم عاصم بسخرية جارحة، ثم قال بنبرة واثقة مليئة بالاحتقار:
-مش عاصم عزام اللي يتحاسب، عاصم عزام بيحاسب بس، بيحاسب الاوساخ، بيحاسب ولاد الـ*** اللي مابيطمرش فيهم أي معروف.
التفت موسى نحو والده وقال بلهجة تحمل عتابًا ساخرًا ممزوجًا بالاستهزاء:
-ما تسكت يا عثمان باشا، خليت اللي مالوش قيمة يقف ويتكلم، هو بنته جت هنا بالصدفة مع واحد ابن حلال من الوادي، وأنا سلمتهاله زي ما هي لا ناقصة إيد ولا ناقصة رجل.
أنزل عاصم سلاحه ببطء محسوب، وكأن قراره لم يكن تراجعًا بقدر ما كان تحديًا جديدًا، ثم اتجه نحو موسى بخطوات ثابتة حتى وقف أمام وجهه مباشرة، وعلى ملامحه اشتعال استنكار ناري لا يخلو من الغضب المكبوت، وقال بصوت ملتهب:
-متحاولش تظهرلي براءتك يا موسى، ده انت مية من تحت تبن، ولو زي ما بتقول وبنتي جت هنا صدفة، مكنتش تسمحلها تدخل رشيد أصلاً، لكن ازاي لازم تركب الموجة وتحب تظهر.
توقف لحظة قصيرة كأنه يستجمع مزيدًا من الكلمات التي تحمل ثقل الماضي، ثم تقدم خطوة أخرى.ودفع موسى في صدره بإصبعه بازدراء واضح، غير عابئ بالسلاح الذي ما زال موجهًا نحوه، وقال بلهجة ساخرة تتقطر احتقارًا:
-رغم إن أنا لو عايز اظهر واركب الموجة مفيش أسهل من كده، زي مثلاً لما عمتك اللي اختارتكم زمان ووقفت مع أبوك ضد أبويا، جيالي وعايزة تدخل الوادي واقف ضدك وانقذ بنتها من جبروتك، بس أنا مبقفش مع ناس واطية، مع إنت عارف وأنا عارف وابوك المصدوم ده عارف بردو إني لو اخدتها على حجري، وقتها انتوا روحتوا في داهية ورشيد هترجع ملك الوادي من تاني وانت وابوك مالكمش عندي غير الجزمة تمسحوها.
كانت الكلمات كالسكاكين، تشق الهواء وتستقر في صدورهم، حتى موسى نفسه لم يستطع كبح جماح غضبه أكثر، وفي لحظة خائنة رفع مسدسه وضرب عاصم بظهره على رأسه ضربة مباغتة.
فاندفع عاصم إلى الخلف متأثرًا بالضربة، وأصابه دوار خفيف نتيجة جرح بسيط في مقدمة رأسه، ولكنه تماسك سريعًا واستقام واقفًا بشموخ عنيد، وكأن الألم لم يكن سوى تفصيل ثانوي أمام كبريائه المتجذر، تساقطت بضع قطرات من الدم على وجهه، لكن نظرته بقيت صلبة ومتحدية لا تعرف الانكسار، فابتسم بسخرية موجعة وقال بهدوء جارح:
-معلش هي الحقيقة بتوجع، وفي النهاية دي حقيقتكم.
اقترب موسى خطوة واحدة وعيناه تضيقان بغضب مكتوم، وصوته يخرج من بين أسنانه بوعيد ثقيل وخطير:
-وحياتك انت وما في حد غالي عندي زيك احلف بيه، هساوي وشك بالأرض انت وكل اللي وقف في وشي ووش أبويا معاك، أنا هسيبك ترجع لعيالك وتفرح بيهم شوية، عشان لما أخدك منهم أو اخدهم منك ابقى حاسس بإنجاز.
رد عاصم بابتسامة ساخرة وصوته مشبع بالاستخفاف:
-وانت في الإنجازات مالكش أي دور غير إنك بوق، من غير سلام.
ثم استدار وسار بخطوات واثقة، مرفوع الرأس كأنه ملك لا يُهزم، رغم الجرح البسيط الذي ما زالت بعض قطراته تنساب على وجهه، فكانت نظراته قوية ومتحدية، وكأنه يحمل في داخله حربًا لم تبدأ بعد.
خرج من قصر رشيد بخطى ثابتة، ركب سيارته دون أن يلتفت خلفه، ثم انطلق هو ورجاله بسرعة نحو وادي العرين، حيث بدا أن الصراع لم يعد مجرد تهديد بالكلمات، بل حربًا تقترب من الاشتعال.
في الداخل كان التوتر لا يزال معلقًا في الهواء كثقل خانق،
فاندفع عثمان غاضبًا نحو ابنه، وصوته يرتفع بانفعال حاد، وقد ارتسمت على ملامحه علامات استياء صريح:
-انت اتجننت يا موسى؟ ازاي تسيبه يمشي عادي كده!! فرصتك جت لغاية عندك وانت تضيعها.
نظر إليه موسى باستنكار واضح، وقد بدت على وجهه ملامح ضيق من عصبية والده، وقال بنبرة باردة تخفي تحتها ثقة لم تكن من فراغ:
-اهدى يا عثمان باشا، وجوده هنا دي فرصة سهلة وأنا مابحبش الفرص السهلة.
ازداد غضب عثمان ولوح بيده بانفعال وهو يرد بحدة:
-فرصة سهلة ولا صعبة، هي تفرق! المهم إنه نقض العهد وجه لغاية عندنا هنا، يبقى يموت ومع السلامة كلب وراح.
ابتسم موسى بسخرية خفيفة ثم رد.بهدوء حذر:
-ولما أهالي الوادي يقولوا إن عثمان وابنه غدروا بيه ويتعاطفوا معاه عشان كان يا حرام جاي ياخد بنته.
هز عثمان رأسه بعدم اكتراث وقال بثقة خشنة:
-ما يقولوا يا موسى هو الكلام بيلزق، وبعدين وقتها انت هتحكم الوادي من شرقه لغربه بإيد من حديد.
اقترب موسى خطوة من والده وصوته يهبط إلى نبرة منخفضة، لكنها محملة بوعيد مظلم خرج من أعماق نفسه:
-هحكمه...متقلقش، كل حاجة هترجع لأصلها بس اديني فرصة وثق فيا.
ثم توقف لحظة قبل أن يضيف بنبرة باردة تحمل تهديدًا صريحًا:
-واه بمناسبة عمتي لو مجتش بكرة اعتذرتلي وباست على راسي...بلاش ايدي هي عمتي بردو، صدقني هسجنها جنب بنتها.
كانت كلماته الأخيرة أشبه بقرار نهائي لا يقبل المساومة، ومؤشرًا واضحًا على أن القادم لن يكون سوى مزيد من القسوة والدم.
وقف عثمان في مكانه مصدومًا من جرأة موسى ووقاحته في تهديده الصريح، وكأن الكلمات التي خرجت من فم ابنه لم تكن مجرد وعيد عابر، بل إعلانًا صريحًا بانقلاب الموازين، وتمردًا على سلطته كأب وهيبته.
تعلق بصره بأثر ابنه وهو يبتعد، وعيناه تمتلئان بمزيج مرير من الغضب والحنق والخذلان، فكان يشعر أن النيران لم تعد موجهة نحو خصومه وحدهم، بل باتت تحرقه من الداخل، وتلتهم كل قراراته السابقة التي سمحت لموسى أن يتمادى في جبروته، ويتغول في طغيانه دون رادع أو حساب.
مر شريط سريع من الذكريات في رأسه، في كل مرة تغاضى فيها عن تجاوز، وكل مرة برر فيها قسوة ابنه على أنها قوة، وكل مرة أقنع نفسه أن البطش هو الطريق الوحيد لحفظ الهيبة، والآن ها هو يرى نتيجة ذلك جاثمة أمامه، وحشٌ
صنعه بيديه، ولم يعد قادرًا على السيطرة عليه.
وفي خضم تلك العاصفة الداخلية اخترق صوت مصعب الأجواء من الجانب الآخر للساحة، كان واقفًا بجوار شجرة كبيرة، يستند إلى جذعها براحة مستهترة، يراقب المشهد وكأنه يتابع عرضًا مسليًا لا شأن له بعواقبه.
فقال بنبرة ساخرة تتقطر تهكمًا:
-متزعلش، ما انت اللي ربيت وحش وفي الآخر أول ما يعض هيعضك انت.
كانت كلماته قصيرة لكنها أصابت عثمان في الصميم، كطعنة مباشرة في كبريائه وندمه، لم ينتظر ردًا بل استدار وغادر بخطوات محسوبة نحو القصر، واثقًا من تأثير كلماته تاركًا خلفه عثمان وحيدًا في ساحة مليئة بالصمت والخذلان.
فظل يتجرع ويلات الندم واحدة تلو الأخرى، بعدما أدرك متأخرًا أنه سمح لموسى أن يتحول من ابنٍ طموح إلى طاغية لا يعترف بسلطة ولا يخضع لحدود.
***
أغلقت الحاجة فايقة باب شرفتها بإحكام، ثم أطلقت زفرة طويلة حملت مزيجًا من الارتياح والخوف الذي لم يفارق ملامحها بعد، مسحت كفيها في ثوبها بعصبية خفيفة، ثم اتجهت بخطوات مترددة نحو الصالة الرئيسية، حيث كانت غالية وفريدة تجلسان في صمت تتقاذفهما الحيرة والفضول، جلست في مواجهتهما ولم تمكث طويلًا قبل أن تقول بصوت هادئ يناقض تمامًا ارتعاشة عينيها وارتباك ملامحها:
-الحمد لله، عاصم غار من غير أي مشاكل وعدت على خير.
كانت فريدة أول مَن كسر جدار الصمت، وقد التهمها الفضول منذ اللحظة التي رأت فيها السيارات السوداء تقتحم أجواء رشيد كما لو كانت نذير شؤم:
-مين عاصم؟ وليه كنتي خايفة اوي كده؟
تنهدت الحاجة فايقة بعمق وهزت رأسها وهي تقول بنبرة تحمل مزيجًا من السخرية والخوف:
-الاتنين دول لما بيجتمعوا بيبقي في دم وشباب زي الفل بيروح فيها يا حبيبتي.
ظلت غالية صامتة تحاول ربط خيوط الأحداث في عقلها، بينما عادت فريدة للكلام تحت وطأة الصمت المتزايد:
-مين الاتنين دول؟
كشرت ملامحها وهي تجيب بنزق:
-عاصم عزام ابن عم موسى، والغريب بقى إنه جه وخرج عادي كده من غير أي خساير!
رفعت فريدة حاجبيها بدهشة متزايدة:
-ليه هو المفروض يحصل إيه؟
ابتسمت فايقة ابتسامة باهتة لا تخلو من المرارة:
-يا يموت يا يموت، العهد بيقول إن مفيش حد من رشيد يخطي السور الكبير ويروح الوادي، ولا حد من الوادي يخطي ويجي رشيد، واللي يكسر العهد ويخونه التاني له الحكم على المنطقة كلها.
اتسعت عينا فريدة بدهشة أكبر بينما سألت بإلحاح:
-والعهد ده اتعمل ليه؟ وإيه اللي حصل عشان يكرهوا بعض؟
لوحت الحاجة فايقة بيدها وكأنها تحاول إبعاد ذكريات قديمة مؤلمة:
-يووووه دي حكاية غويطة اوي، بس اللي اقدر اقوله إن الوادي مليان بأرواح ناس بريئة راحت غدر، راحت عشان السلطة والطمع، زمان عيلة عزام كانت بتحكم قرية صغيرة فيها كام بيت، وفضلت تكبر وتكبر لغاية ما بقت تحكم الوادي كله، عزام الكبير الله يجحمه مطرح ما مات، ربى ولاده على الطمع والغل والسلطة، وكل واحد كان شايف نفسه أحق بحكم الوادي.
سكتت قليلًا ثم تنهدت بحزن وهي تهز رأسها بأسى:
-لغاية ما سعد وعثمان ولاده اتخانقوا خناقة كبيرة، والغدر حصل من ناحية سعد أبو عاصم، وعثمان رد الغدر بغدر أكبر وأوجع، وفضلوا ولاد الـ *** في مشاكل وضرب نار وناس بتموت، وليالي ما يعلم بيها إلا ربنا، لغاية ما اتعمل العهد والاتنين مضوا عليه.
في تلك اللحظة تنهدت غالية بهدوء، ووجهت نظرها إلى فريدة قائلة بنبرة متزنة:
-حكايات من زمان ملناش دخل فيها يا فريدة، خلينا في اللي جايين عشانه.
هزت الحاجة فايقة رأسها بحماس، وكأنها وجدت في كلام غالية مخرجًا من ثقل الذكريات:
-اه يا حبيبتي الله ينور عليكي، بكرة بقى تنزلي السوق وتعملي اللي اتفقنا عليه عشان أنا ماليش خلق وأم ناصر اه مسلفالي فلوس، بس لو موسى شم خبر ميعجبوش ده بقى غشيم وهيوديني في داهية.
نهضت غالية من مكانها بجمود قاتل وقالت بنبرة حاسمة:
-متقلقيش كل حاجة هتخلص بدري، بس عايزاكي تقولي للراجل بتاعك ياخدني في مكان عايزة أروحه.
زمت فايقة شفتيها بغيظ ثم ردت على مضض:
-والله شكلك ما هتجبيها لبر، حاضر، بس متطوليش عشان موسى ده خفاش بيموت في الليل وتلاقيه بيتنطط في رشيد كده كل شوية.
ثم التفتت غالية نحو فريدة وقالت بنبرة أهدأ:
-فريدة خشي نامي يلا، أنا مش هتأخر.
وغادرت برفقة الحاجة فايقة إلى أسفل البناية، حيث كان الرجل ينتظر ليتولى إيصالها إلى منزل السيدة فايزة، ما إن وطأت قدماها الرصيف حتى شعرت بثقل خفي يجثم على صدرها، وكأن المدينة بأكملها تراقب خطواتها وتحصي أنفاسها.
سارت بجانبه بخطوات ثابتة، تحاول أن تبدو هادئة رغم العاصفة التي تعصف بداخلها، كانت تتلفت حولها يمينًا ويسارًا، تحفظ ملامح الشوارع والبنايات، تفاصيل النوافذ وألوان الجدران، وأصوات المارة، وكأنها تخزن المشهد في ذاكرتها خوفًا من أن تحتاجه لاحقًا، أو ربما لأن هذا المكان يحمل في طياته سرًا لن يُمحى.
قطع الرجل الصمت بصوت منخفض يحمل حذرًا واضحًا:
-هو انتي عايزة تشوفي بيت الحاجة فايزة ليه؟
هزت رأسها بخفة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة بسيطة تخفي خلفها الكثير من الألم والذكريات:
-عادي، عايزة اعرفه.
توقف عند مسافة معينة وأشار بيده نحو بناية قريبة، ثم قال بنبرة حازمة تخالطها رهبة:
-طيب أنا اخري هنا عشان رجالة موسى باشا في كل مكان، لو شافوكي ماشية معايا، هيشكوا ويبلغوه، لكن انتي لو مشيتي قولي إنك تايهة، لو موسى نفسه شافك، قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم، سلام.
وقبل أن تمنحه فرصة للسؤال أو الاعتراض، اختفى من أمامها كما لو أنه لم يكن موجودًا منذ البداية، تاركًا خلفه فراغًا ثقيلًا وإحساسًا بالوحدة يزحف إلى قلبها.
وقفت للحظة تتردد ثم تجاهلت خوفها ومضت نحو البناية المشار إليها، وكلما اقتربت خطوة ازداد الثقل في صدرها، وكأن الهواء يثقل فجأة والمكان يبتلع شجاعتها رويدًا رويدًا، فتسللت إلى عقلها تخيلات موجعة، وذكريات لم تلتئم جراحها بعد، شعرت بآلام قديمة تطرق أبواب قلبها بعنف، تذكرها بما تحاول نسيانه.
رفعت رأسها تطالع الشرفة العليا بتفكير مضطرب، وعيناها تمتلئان بالدموع دون إرادة منها، وفي ومضة خاطفة تخيلت أخاها يسقط غدرًا من إحدى الشرفات، جسده يهوي وصوت ارتطامه بالأرض يدوي في أذنها كأنه يحدث الآن،
تكرر المشهد أمام عينيها ككابوس حي، صرخته المكتومة ودمه وملامحه في اللحظة الأخيرة.
أغمضت عينيها بفزع ووضعت يدها فوق أذنها محاولة إسكات ذلك الصوت الذي لا يكف عن مطاردتها، لكن الذكريات كانت أقوى من محاولاتها، وفجأة شعرت بأنفاس قريبة خلفها، أنفاس غريبة وباردة تحمل تهديدًا خفيًا،
فظهر ظل طويل على الأرض أمامها، ظل مخيف امتد كأنه كيان مستقل، فالتفتت ببطء وقد شل الرعب أطرافها،
وحين رفعت عينيها وجدته أمامها، إنه موسى عزام.
كان يقف قبالتها بثبات ينظر في عينيها الزائغتين بنظرة مليئة بالقوة والمكر، نظرة جعلت الدم يتجمد في عروقها، وأشعلت في قلبها خوفًا دفعها للتراجع للخلف.
-انتي مين يا حلوة؟
-آآ...أنا...غـ.....آ
رواية في ظلال الوادي الفصل التاسع 9 - بقلم زيزي محمد
الفصل التاسع.
"اقتراح لم يكن موفق"
تراجعت خطوة إلى الخلف تحاول أن تتدارك حجم الخطأ الذي كادت أن تتفوه به، وعيناها معلقتان به في دهشة ممزوجة بالحذر من ظهوره المفاجئ، أخذت تتأمل ملامحه في ضوء خافت تسلل من زاوية الطريق، فبدت لها قسماته حادة كجناحي خفاش ليلي خرج لتوه من عتمته، شيئًا فشيئًا بدأت تقتنع أنه بالفعل ذلك الكائن الذي لا يحيا إلا في الظلال، لكن نظراته الوقحة المتفحصة بجرأة مستفزة، بددت اندفاعها أمام خوفها وارتجافها، لذا تماسكت ورفعت رأسها بكبرياء مصطنع، وفتحت فمها لتتحدث بصلابة تحاول استحضارها من أعماقها، ولكنه سبقها بنبرة يغلفها تهكم خفيف:
-إيه القطة كلت لسانك، يا قطة؟
تنفست غالية بعمق وأغمضت عينيها لوهلة خاطفة ثم فتحتهما، ترمش بأهدابها كأنها تعيد ترتيب ملامح الشخصية التي رسمتها له في خيالها، كانت قد نسجت عنه صورة لرجل مغرور ومستهتر، يعتد بنفسه حد السخف؛ وها هو يؤكد ظنونها، فخطت أولى خطواتها في خطتها للانتقام منه هو وأخيه وعائلته، وقالت بثبات نسبي تحاول أن تُخفي ارتجافة خفية في صوتها:
-انت مين؟ وبتسألني على اسمي ليه؟!
اتسعت ابتسامته الساخرة واقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه تلامس توترها، وقال بنبرة اعتراض متعمد:
-لا يا شيخة؟! انتي متعرفنيش؟ لا لا كده عيبة في حقي!
هزت رأسها نافية، متقنة براءة زائفة تلبستها في لحظة حرجة:
-لا عيبة ولا حاجة يا بيه؟ انت مين لا مؤاخذة؟ أنا معرفكش، أنا لسه جديدة هنا؟
تراجع خطوة وأخذ يتأملها بنظرة تقييم باردة، مرر بصره على هيئتها ببطء مقصود، كأنه يفكك تفاصيلها جزءًا جزءًا، ثم قال بنبرة يشوبها الشك:
-اممم صنف جديد يعني؟ وانتي اتحدفتي علينا من انهي داهية يا قطة؟!
كادت أن تنطق باسمها المزيف لتنجو مؤقتًا من استجوابه الثقيل، ولكن فجأة ظهرت امرأة خلفه تحمل سلاحًا ناريًا ضخمًا موجهًا نحوه، جعل الدم يتجمد في عروقها، فانتفضت فزعًا واتسعت عيناها حتى كادتا تفضحان ما بها من رعب، ورفعت يدها تشير إليه في محاولة يائسة لتنبيهه، وقد انعقد لسانها من هول المفاجأة، أما هو فضحك ببرود مستفز، وأمال رأسه في استمتاع غريب كأن الأمر لا يعنيه:
-إيه شوفتي عفريت؟ ولا عفريتة؟
لم تستطع غالية الرد، بل ظلت تشير خلفه بذعر صامت، فقال باستخفاف واضح وكأنه لا يكترث بما قد يحدث:
-إيه؟ نجري طيب؟ ولا إيه يا بومة، انطقي؟
كادت تصرخ بأعلى صوتها لتحذره، لكن صوت تهيئة أجزاء السلاح وانسلاله المعدني البارد إلى موضعه الصحيح جعلها تتراجع خطوة أخرى، وقد انقبض قلبها بين ضلوعها، في تلك اللحظة هتف موسى بضيق ساخر وهو يلتفت ببطء متعمد إلى الخلف:
-اه، ده صوت سلاح، يبقى أكيد ده حد واطي!
رفعت غالية حاجبيها في دهشة واضحة من هذا العبث الذي بلغ حد السخرية السوداء، لكنها أدركت في قرارة نفسها أن خطتها للانتقام لم تعد مجرد لعبة ذكاء أو تمثيل أدوار تتقنها بخفة، بل دخلت طورًا أشد خطورة حيث تتشابك النيات السوداء مع فوهات البنادق.
ولكن موسى فاجأها مجددًا، إذ انفجر ضاحكًا حين وقعت عيناه على وجه السيدة، ثم فتح ذراعيه في حركة مسرحية تهكمية، وقال بصوت عال يقطر استهزاء:
-أو واحدة واطية! إيه يا عمتي جو الأشرار ده؟ جديد عليكي!!!
اشتدت قبضة فايزة على السلاح، حتى برزت عروق يدها من فرط الغيظ، وقالت بنبرة يختلط فيها الغضب بالمرارة:
-والله ما حد واطي إلا أنت يا ابن عثمان، مطمرش فيك المعروف ورايح تحبس بنتي، ده أنا لولايا كنتوا زمانكم عبيد في الوادي وخدامين عند عاصم، نجمتك وخليتك باشا، وأول ما تعض تعض الإيد اللي اتمددتلك!
قهقه موسى بخفة مستفزة، وكأن الاتهام لا يمسه في شيء، ثم رد بوقاحة صريحة:
-أنا مابعضش، اه متصبليش كده، متقوليش حاجة مش فيا؟!
أنا بفترس بس، بالذات لو حلوين وواطين زيك كده يا عمتي.
ارتسم الاشمئزاز على وجه غالية، وقد ضاقت ذرعًا بدناءة الحديث وتفاهة السخرية في حضرة الموت، فكان المشهد برمته عبثًا فوضويًا؛ امرأة غاضبة تصوب سلاحًا، ورجل يواجهها باستهزاء قاتل، وذكريات خيانة تتطاير في الهواء كشرر مشتعل.
وفي تلك اللحظة أدركت غالية أن البقاء يعني الانجراف إلى دوامة لا قرار لها، تحركت ببطء محسوب، تتراجع خطوة إثر خطوة مستفيدة من انشغالهما بالجدال المتصاعد، فكانت خطواتها خفيفة كظل ينسل من بين الجدران، وأنفاسها مكتومة خشية أن يفضحها صوتها.
ثم حين ارتفعت حدة النقاش أكثر، استدارت فجأة وانطلقت تركض في ظلمات الطرقات، تبحث بعينين متلهفتين عن الطريق الذي يعيدها إلى منزل السيدة فايقة، حيث ملاذها المؤقت وأمانها الهش، فكانت الأزقة ضيقة، والريح تعصف بثيابها، وقلبها يخفق بعنف يكاد يصم أذنيها.
أما خلفها فاستمر الجدال محتدمًا، حيث قال موسى بتهكم، وقد مال برأسه قليلًا:
-نزلي السلاح يا عمتي أحسن أموت واروح فطيس.
فصرخت فايزة بحرقة مكبوتة:
-يبقى ريحت رشيد كلها منك ومن ظلمك وجبروتك.
عقد حاجبيه باستغراب مصطنع وقال ساخرًا:
-إيه ده مين بيتكلم؟! الحاجة فايزة؟ من امتى الإيمان ده يا حاجة؟ ده انتي الشيشة مبتفارقش بوقك، ده أنا محترم عنك ومبشربش سيجارة..
اشتعلت عيناها غضبًا، وقالت وهي تشد السلاح بين يديها:
-ولما افرغه كله فيك مش هتزعل وتندم على اللي قولته يا واطي.
ابتسم ببرود مستفز وأجاب بلا مبالاة:
-اندم؟! هو أنا لو مت هكون ندمت أساسًا ليه؟ هكون في حياة تانية أحسن من اشكالكم.
زمجرت وهي تقول:
-والله عثمان أخويا ربى ديب مسعور.
اقترب خطوة وصوته يهبط إلى طبقة أخطر:
-انتي جاية ورايا وعاملة الفيلم الهندي ده ليه؟ عشان ارحمك ومفكرش اعاقبك على روحتك لعاصم.
رفعت ذقنها بعناد جريح:
-وحياة أمك ولا يفرقلي.
وفي جزء من الثانية تبدل كل شيء، انقض عليها بخفة خاطفة، جذب السلاح من يدها بمهارة أربكتها، ثم وجهه إلى مقدمة جبهتها، وتحولت عيناه في لحظة من عبث ساخر إلى قسوة صلبة، وصار صوته حادًا كحد السكين:
-أمي خط أحمر، واه انتي جاية خايفة مني، ففكرتي تعملي الجو العبيط ده وفاكراني هعديهالك....
ساد صمت ثقيل، فكان يقرأ ارتجاف ملامحها، ويقتات على توترها، ثم وبسرعة أربكت الأعصاب عاد إلى سخريته، ورفع السلاح عاليًا وأطلق رصاصتين في الهواء، فدوى الصوت في الفضاء فتراجعت فايزة مذعورة، وارتج صدرها بأنفاس متلاحقة، بينما هو قال ببرود قاتل:
-كان لازم أضربهم تعويضًا عن عملتلك السوده في حقي، شوفتي حنية قلبي، مش هتلاقوا حد بار بأهله زيي يا عمتي، عمرك ما هتعوضيني.
رفعت رأسها بصعوبة تتنفس ببطء متقطع، وقالت بصوت متهدج يكاد ينكسر:
-طلع بنتي يا موسى، طلعها عيب في حقك لما تسجن بنت عمتك وتعاملها زي الغريب.
أجابها بلا تردد:
-طالما داست على طرفي، يبقى أعاملها زي الغريب ويمكن زي عدوي.
-وهي داستلك على طرفك فين يا موسى، دي لا بتكلمك ولا بتيجي جنبك ولا ليها دعوة بيك.
اشتد صوته وهو يرد:
-داست على طرف أخويا، وأنا اللي يدوس على طرف أخويا كإنه داس على طرفي.
نظرت إليه بحيرة وألم:
-يا موسى انت إيه اللي خلاك كده، ده انت المفروض تحتويها يا حبيبي.
ضحك بمرارة ساخرة:
-احتوي مين؟ لميا؟ دي وحشة! هي لو حلوة مكنتش سيبتها.
سألته بانكسار صريح:
-يعني أخرة اللي بتعمله إيه؟!
حرك بالسلاح في يده، وقال ببرود مخيف:
-مفيش حاجة دي كانت قرصة ودن ليها، عشان تبعد عن مصعب، المرة الجاية هطلعها رحلة للسماء بس رحلة مفيهاش رجوع.
ثم التفت إليها فجأة ونبرته تهبط إلى تهديد صريح لا لبس فيه:
-واه، لو فكرتي تروحي تطلبي النجدة من عاصم تاني، صدقيني هخليكي عبرة لنجمة رشيد كلها، وأنا مبرجعش في كلمة قولتها، روحي يبتك وبنتك هتجيلك.
أنهى حديثه واستدار مغادرًا، يحمل سلاحها الذي انتزعه منها عنوة، تاركًا خلفه صمتًا يقطعه صدى خطواته المتباعدة، أما هي فبقيت واقفة في مكانها، تحدق في أثره بغل مكتوم، وداخل صدرها تتصارع الأمومة مع العجز والكبرياء مع الخوف، فكانت تدرك أن المعركة لم تعد خلافًا عائليًا، وأن الذئب الذي رباه أخوها صار اليوم سيد الغابة… ولا أحد يعرف متى يقرر أن يفترس من جديد.
***
عاد موسى إلى قصره بخطوات واثقة، تخفي وراء صلابتها إرهاقًا ثقيلًا تراكم فوق صدره منذ بداية يوم لم يعرف فيه السكون، فكان يشعر بأن رأسه يعج بأصوات متداخلة؛ تهديدات واتهامات...ذكريات ووعود بالانتقام، فكان بحاجة إلى عزلة تفصل ذهنه عن هذا العبث المتكرر، ولكن قصره لم يمنحه تلك الرفاهية.
فما إن دخل البهو الواسع حتى لمح لمياء واقفة إلى جوار مصعب، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى شحب وجهها واختبأت خلف مصعب في حركة عفوية، كطفلة احتمت بجدار واهٍ من عاصفة تعرف أنها قادمة، في إحدى الزوايا وقف صالح يراقب المشهد بصمت متأهب، كأنه تمثال يعرف أكثر مما يُظهر.
قطع مصعب الصمت بصوت حاول أن يجعله آمرًا، رغم تلك الرجفة الدائمة التي باتت تلازمه منذ أن اتخذ من المخدرات مهربًا وملاذًا:
-صالح خد لمياء ووصلها لبيت أمها يلا.
خرجت لمياء من خلفه ببطء، تتفحص الموقف بنظرات سريعة قلقة، التقت عيناها بموسى للحظة خاطفة، فرأت فيهما غموضًا مخيفًا لا يمكن تفسيره، لم تنبس بكلمة لكنها تحركت فور أن أشار موسى لصالح بهزة رأس خفيفة، إشارة مقتضبة لا تحتمل النقاش، فغادرت بخطوات مترددة دون أن تلتفت إليه، رغم احتراق صدرها بكره صامت لما فعله بها.
بينما ظل موسى واقفًا لحظة ثم استدار ليكمل طريقه نحو الدرج ببرود متقن، وكأن شيئًا لم يكن ولكن صوت مصعب أوقفه:
-يا ريت متكررش اللي انت عملته ده في حق بنت عمتك، وتعرف تفرق بين الغريب والقريب، أنا خرجتها عشان شايفك مطول في اللي بتعمله.
توقف موسى ببطء ثم عاد أدراجه نحوه، اقترب حتى بات يقف أمامه مباشرةً، لا يفصل بين وجهيهما سوى أنفاس متوترة، فمد أصابعه ومررها ببطء فوق خد أخيه، في حركة بدت أقرب إلى سخرية مقنعة منها إلى مودة، وقال بنبرة ساخرة تخفي شراسة كامنة:
-إيه الحلاوة دي يا واد، عايز تعمل كبير والكلمة كلمتك؟!
ثم قبض على وجهه فجأة بقوة حتى انحرفت ملامح مصعب تحت ضغط أصابعه، وتابع بصوت أخفض لكنه أشد وقعًا:
-وماله معنديش مانع اعمل كبير، بس قبل ما تلعب الدور ده وتبقى كبير فعلاً اعرف يا حيلتها إن الكبير لازم عقله يبقى مصحصح وفايق، لكن انت عقلك خلاص لحس وطار منك، فعشان كده اتوقعلك الفشل قريب يا.....
خفف قبضته قليلًا وحدق في عينيه الباهتتين، فرأى فيهما ذلك الضعف الذي طالما احتقره، ثم ابتعد خطوة وفتح ذراعيه في تمثيل مسرحي رافعًا صوته بسخرية لاذعة:
-يا كبير رشيد، يا كبيرنا.
استدار بعدها وصعد الدرج بهدوء بارد، كأن المواجهة لم تكن سوى مشهد عابر في مسرح يملكه وحده، أما مصعب فظل واقفًا في مكانه، يشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه، فكان يدرك أن جنون أخيه لم يعد مجرد نزق أو استعراض قوة، بل تحول إلى شيء أعمق، أشد ظلمة وخطرًا، شيء ينمو بصمت ويكاد يبتلع كل مَن يقف في طريقه قريبًا كان أم بعيدًا.
****
في "الوادي".
وتحديدًا في منزل عائشة، خرجت من الغرفة الصغيرة التي خصصتها لطفليها عمر وليلة، بعدما ساعدت الصغيرة على الاستحمام وتبديل ثيابها، وجلست إليها تستمع إلى روايتها المرتجفة التي لم تمل من تكرارها منذ أن خرجت تبحث عن والدتها، كانت ليلة تسرد الحكاية بعينين غارقتين في الخوف، تتحدث عن رجل يرتدي جلبابًا أبيض وعمامة بيضاء، طويل اللحية تتخللها خصلات شابت قبل أوانها، قالت إنه أمسك بيدها برفق مصطنع، وأوصلها إلى منطقة لا تعرفها، ولم تكن سوى «رشيد»، ومن هناك تنقلت بين أيدٍ لا تعرف أصحابها، حتى انتهى بها المطاف عند صديقها الجديد "موسى" الذي أخذت تذكر كرمه معها بتفاصيل طفولية، قبل أن تغلبها سنة النوم، فتغفو رغمًا عنها والكلمات لا تزال تتهادى على شفتيها.
أغلقت عائشة باب الغرفة بهدوء، كأنها تخشى أن توقظ ما نام من طمأنينة مؤقتة في صدر طفليها، ثم مضت إلى الأريكة الصغيرة وجلست إلى جوار خالتها شريهان، أطلقت تنهيدة عميقة بدت وكأنها تستخرجها من أعماق صدرها المثقل، وأغرقت نفسها في بحر من التفكير المضني فيما جرى تلك الليلة، ولكن صوت خالتها قطع عليها شرودها، إذ قالت بتيهٍ واضح:
-قالتلك حاجة تاني غريبة مثلاً؟
هزت عائشة رأسها نفيًا، وقالت بنبرة يختلط فيها الإرهاق بالقلق:
-لا، هو هو كلامها متغيرش، بس مين الراجل ده اللي قاصد يوديها هناك؟! وواضح أوي يا خالتو إن اللي اسمه موسى وعاصم بينهم مشاكل فـ ليه الراجل ده يعمل كده؟!
مطت شريهان شفتيها بتفكير، وأخذت تحرك ساقيها في توتر ظاهر ثم قالت:
-معرفش الموضوع شكله كبير، ها هنكمل هنا ولا هنهرب تاني؟!
التفتت إليها عائشة وقد بدا الاضطراب جليًا على ملامحها، وقبل أن تجيب ارتفع صوت خالتها بالسؤال وكأنها تُفكر بصوت مسموع:
-عاصم ده شفتي مراته أو سمعتي عنها حاجة وانتي في بيته؟!
هزت عائشة رأسها بالنفي وقالت بتوتر واضح:
-لا مشوفتش بس أنا ملحقتش أصلاً اقعد، يعني فوقت وحصل اللي حصل، بس شكلها متوفية أصل يعني الزفت شوقي ده اتجرأ وخطفهم ازاي إلا إذا كانت ميتة، أمهم لو عايشة يا خالتو، مكنش قدر يعمل كده الكلب، وبعدين هي لو عايشة زمانها كانت جت مع أبوهم مش هتقدر تستحمل تقعد ومتشوفش ولادها.
أومأت شريهان برأسها مؤيدةً، وقد بدا الاقتناع راسخًا في عينيها وأضافت بنبرة أكثر ارتياحًا:
-أنا رأيي كده بردو وبعدين هو مجبش سيرتها خالص في كلامه معاكي، وعمال يوعدك مياخدش العيال منك، يبقى مش موجودة فعلاً وميتة يلا ربنا يرحمها، والله ربنا رزق ولادها بيكي يا حبيبتي ده انتي مفيش اطيب منك.
تنهدت عائشة بقوة ونظرت نحو باب غرفة طفليها المغلق، وقالت بصوت تكسوه عاطفة الأمومة:
-دول حبايب قلبي، أنا من غيرهم اتوه والدنيا متبقاش ليها طعم...
ثم عادت تنظر إلى خالتها وقالت بنبرة وعد لم يكن موجهًا إلى أحد سواها، بل إلى قلبها المرتجف خشية الفقد:
-أنا هفضل احافظ على وجودهم في حياتي لغاية اخر نفس فيا.
وقبل أن تكمل حديثها، دوى رنين هاتفها في السكون، فالتقطته مسرعة وجاءها صوت عاصم رخيمًا ومختصرًا:
-أنا تحت بيتك مستنيكي.
التفتت إلى خالتها وقد تسارعت دقات قلبها، وقالت بخفوت وهي تنهض:
-عاصم تحت وعايزني انزل، هنزله ربنا يستر، خلي بالك من الولاد ليصحوا يا خالتوا وينزلوا ورايا ويشوفوه.
أسرعت إلى الدرج بخطوات متلاحقة، يتنازعها القلق والتوجس وما إن بلغت البوابة المعدنية حتى فتحتها، وأشارت إليه بالدخول إلى الشقة الكائنة في الطابق الأرضي، لم تنتبه في بادئ الأمر إلى الجرح النازف في جانب جبهته، إذ كان يضغط عليه بقطعة قماش ملوثة بالدم.
أضاءت الأنوار وسحبت مقعدين ليجلسا، ثم التفتت تدعوه إلى الجلوس، وما إن استدارت نحوه حتى وقعت عيناها على أثر الدم المتسرب من بين أصابعه، فشهقت شهقة حادة، واقتربت منه بقلق وريبة، قائلة:
-إيه ده مين عمل فيك كده؟ أكيد المجرم اللي اسمه موسى ده، أنا قولتلك يا أستاذ عاصم متدخلش هو شكله بلطجي اصلاً.
حاول أن يتحدث ليطمئنها، ولكنها لم تُمهله فرصة فمدت يدها إليه فجأة وجذبته تحت وطأة دهشته، وأجلسته على المقعد، ثم أسرعت تصعد الدرج بخطوات متلاحقة، ولم تمضِ دقائق حتى عادت تحمل صندوق إسعافات أولية كانت تحتفظ به من أجل صغيريها خشية أن يصيبهما مكروه، وضعته على ساقه ورفعت القماشة عن جرحه، فوجدته سطحيا غير عميق، فتنفست الصعداء وهي تتفحصه قائلة:
-الحمد لله بسيط متقلقش.
تيبس عاصم في مكانه من جرأتها العفوية وهي تضمد جرحه وتقترب منه بتلك المسافة التي لم يعتدها، طالما كان عدوًا للمس والاقتراب منذ وفاة والدته؛ لم يجرؤ أحدٌ على اختراق مساحته الخاصة دون إذنه، حتى جيني نفسها لم تكن تقترب منه إلا بإشارة منه، أو حين يسمح لها بذلك بكبرياء ظاهر، ولمدةٍ محدودة لا تتجاوز الدقائق،
لكن لمستها هذه لم تكن اقتحامًا بقدر ما كانت اندفاعًا صادقًا، خاليًا من التكلف، فأحس بأنفاسه تهدأ شيئًا فشيئًا، وكأن في دفء أصابعها طمأنينة لم يعرفها منذ زمن، ولم يكن يُصغي حقًا إلى ثرثرتها المتواصلة عن ضرورة تجنب ذلك الرجل الوقح، وعدم النزول إلى مستواه، بقدر ما كان مأخوذًا بحركتها وهي تتحدث؛ كانت تشير بيديها كثيرًا، فتتمايل خصلات شعرها مع كل إيماءة، في مشهد أيقظ شيئًا في داخله ظنه مات منذ سنوات.
وحين انتهت أغلقت الصندوق وجلست على المقعد المقابل له، وقالت بنبرة امتزج فيها الارتياح بالحزم:
-متحاولش تختلط بالراجل ده تاني وتنزل بمستواك له، اوقات يا أستاذ عاصم في ناس وقحة بتحاول تجرنا لمستواها الواطي، ولو نزلتله عمرك ما هتعرف تطلع من المستنقع اللي عايش فيه.
ابتسم ساخرًا في داخله من نصائحها التي بدت له على بساطتها أثمن من أن تُقال بهذه العفوية، فكان يستمتع بطريقة حديثها، وبذلك القلق الصادق الذي يلون كلماتها، حتى إنها حين أشارت إليه بيدها مرة أخرى، قالت برقة يشوبها شيء من الحرج:
-أنا أسفة طبعًا لو كنت بتدخل في تفاصيل ماليش فيها، بس يعني حضرتك صعبت عليا، ولاد الناس بيبانوا وانت شكل ابن ناس ومحترم.
عندها اقترب بجذعه قليلًا وانخفض صوته، ولكن نبرته بقيت جامدة حادة، تحمل ظل تحذير خفي:
-وعشان أنا ابن ناس ومحترم، متحاوليش تختبري صبري يا دكتورة تاني!
تراجعت إلى الخلف بارتباك وقد ارتسم القلق على ملامحها من تحوله المفاجئ، وقالت بصوت متقطع:
-مـ...مش فاهمة، آآ...قصدك إيه؟؟
عاد إلى موضعه كما كان واستند بظهره إلى المقعد، ثم قال بهدوء ونبرة أقل حدة رغم جمود ملامحه:
-يعني متحاوليش تهربي بعيالي تاني، أنا سكت وعديت اللي عملتيه، وعشان انتي ظلمتيني ربنا جابك لغاية عندي، بس لو كنتي فاكرة إني مكنتش هعرف اجيبك تبقي غلطانة يا دكتورة لو روحتي فين هجيبك.
ارتفعت ذقنها قليلًا وقد امتزج الخوف بشيء من التحدي، وقالت:
-اعتبر ده تهديد يا أستاذ عاصم؟
هز رأسه نافيًا وقال بصوت ثابت:
-لا طبعًا، بس أنا بعرفك أنا وضعي إيه؟ أنا مش حد قليل ولا مقدرش آخد عيالي منك، بس أنا بحب العقل وفي نفس الوقت هرجع اقولك في رقبتي جميل ليكي على اللي عملتيه مع ولادي.
تساءلت وقد ضاق صدرها من وطأة الموقف:
-والجميل ده هترده ازاي؟
أجاب ببساطة أدهشتها:
-بسيطة مش هخدهم منك وهسيبهم معاكي، اظن مفيش حاجة أحسن من كده؟ إلا لو كنتي محتاجة فلوس..
انتفضت ملامحها رفضًا وقالت بصدق جلي:
-لا فلوس إيه؟ أنا مش محتاجة حاجة غير وجودهم جنبي، وافضل امهم على طول.
نظر إليها طويلًا ثم قال بنبرة أكثر لينًا:
-بسيطة يا دكتورة، بس في نفس الوقت أنا من حقي ولادي يتعرفوا عليا ويعرفوا إن أنا أبوهم.
امتدت يدها نحوه بعفوية بريئة وفي عينيها رجاء خالص:
-توعدني متاخدهمش مني خالص تحت أي ظرف؟
مد يده دون تردد فصافحها، وضغط على كفها برفق يحمل قوةً مكتومة وهمس بوعدٍ بدا صادقًا:
-هيفضلوا معاكي العمر كله يا دكتورة عشان انتي متساهليش مني غير كده.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة سعادة امتزجت بالامتنان، ثم سحبت يدها بخجل وخفضت بصرها، بينما تنفس هو بعمق قبل أن يسأل بحذر:
-هتقوليلهم امتى؟
تنهدت طويلًا وأعادت خصلات شعرها إلى الخلف وهي تفكر مليًا، فكانت الفكرة ثقيلة والاعتراف أصعب مما تخيلت، ثم قالت بعد تردد:
-ممكن بكرة اقولهم إننا جينا هنا عشان انت جيت من السفر وجينا نقابلك وتشوفهم، وحكاية اسمك دي معرفش الصراحة...هقولهم إيه! بس ممكن اقولهم مثلاً...مش عارفة!
أجاب بهدوء محسوب:
-عادي قوليلهم إن أنا غيرت اسمي من زمان وانتي مكنتيش تعرفي، وهما كده كده لسه اطفال يعني مش هيركزوا في تفاصيل وأنا بكرة هجبلهم هدايا والعاب كتير.
أومأت موافقة رغم القلق الذي كان يعتصر قلبها، الاعتراف بالحقيقة لم يكن يسيرًا، لكن من حقهما أن يعرفا والدهما الحقيقي، لا ذلك الرجل الطماع الذي كاد يسرق منهما اسم الأب ودفء الانتماء، أقسمت في سرها ألا تكون أنانية، وأن تمنحهما فرصة ليختارا بقلبيهما.
نهض عاصم واستعاد جديته، ثم اتجه نحو باب الشقة، ولكنه توقف لحظة قبل أن يخطو للخارج، وقال بنبرة خافتة ولكنها مشحونة:
-ليلة قالتلك إيه اللي حصل؟
هزت رأسها إيجابًا وهي تسير إلى جواره نحو الخارج، ثم أخذت تسرد عليه ما علمته من ليلة، وقد بدا في صوتها شيء من الحذر:
-بتقول إنها لما خرجت برة البيت، في راجل لابس جلبية بيضة وعنده دقن طويلة فيها شعر ابيض وعمة بيضة، هو اللي اخدها هناك وبس، تعرفه ده يا أستاذ عاصم؟
توقف عند عتبة البوابة الخارجية، وتصلّبت ملامحه لحظة قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة غامضة لا تُفصح عما يدور في داخله ثم قال:
-اممم لسه هشوف، المهم متشغليش بالك ومتخافيش ده مش هيتكرر تاني، ادخلي انتي ولما تقولي للولاد بكرة، اتصلي عرفيني عشان آجي اقعد معاهم.
قبضت يدها بتوتر ظاهر، وبقيت واقفة قبل أن تغلق البوابة، ثم سألته بنبرة مترددة:
-هتيجي لوحدك؟
نظر إليها باستغراب خفيف:
-يعني إيه؟ اه هاجي لوحدي!
تلعثمت قليلًا وهي تخفي توترها وفضولها حول معرفة حقيقة وفاة زوجته أو وجودها على قيد الحياة:
-آآ اقصد يعني لو عايز تجيب حد من اهلك، أو..
قاطعها بهدوء خالٍ من الانفعال:
-لا مفيش حد، ومعنديش حد يجي معايا، هاجي لوحدي.
كادت ابتسامة ارتياح أن تنفلت من بين شفتيها، لكنها كتمتها بصعوبة، فكان في جوابه ما يعزز استنتاجها السابق، ويُرجح صحة ما ظنته عن حياته الخاصة، لذا أومأت برأسها وقالت بابتسامةٍ صغيرة حاولت أن تبدو عادية:
-هستناك بكرة!
تأملها لحظة ثم قال بنبرة أكثر عمقًا، وكأنه يُزيح عن صدره ثقلًا ظل يحمله طويلًا:
-دكتورة أنا نيتي صافية من ناحيتك، ومعنديش أي نية غدر خالص، فياريت تقفي معايا وتحطي ايدك في ايدي وكويس اوي انك جيتي هنا، عشان تكونوا تحت عيني واعرف احميكم كويس وآخد بالي منكم.
لمست كلماته شيئًا هشًا في داخلها، ذلك الشعور الخفي بالأمان الذي لم تعترف يومًا بحاجتها إليه، لكنها تماسكت وقالت بصوت هادئ:
-لا خلاص، طالما وعدتني خلاص مش ههرب تاني، وبردو هما من حقهم يتعرفوا عليك، تصبح على خير والف سلامة.
أجاب بنبرة رخيمة وهو يحرك رأسه إيماءة خفيفة:
-شكرًا، الله يسلمك.
أغلقت البوابة ببطء وظلت واقفة خلفها لحظة تستمع إلى وقع خطواته وهو يبتعد، فكان الليل قد أرخى سدوله، والهواء يحمل برودة خفيفة، ولكن صدرها كان يموج بأفكار متشابكة.
أما هو فسار بخطوات متأنية، وعيناه غارقتان في عتمة الطريق، لم تكن ابتسامته الغامضة عند سماعه وصف الرجل مجرد صدفة؛ لقد ارتسمت في ذهنه صورة واضحة، وبدأت خيوط قديمة تتصل ببعضها في صمت ثقيل، فكان يدرك أن الأمر لم يكن عابرًا، وأن وراء تلك العمامة البيضاء ما يستدعي الحذر.
توقف لحظة عند سيارته، وأسند يده إلى سقفها وأطلق زفرة طويلة، لم يكن قلقه على نفسه بل على طفليه، فكرة أن يُمس أحد طفليه بسوء كانت كفيلة بإيقاظ أكثر جوانبه صرامة وحدة.
أما في الداخل بعدما أغلقت هي الباب واستندت إليه، ثم أغمضت عينيها برهة، غدًا سيكون يومًا مفصليًا في حياة الصغيرين وربما في حياتها أيضًا، ستنطق بحقيقة ظلت حبيسة صدرها، وستفتح بابًا لمستقبل مجهول الملامح.
رفعت رأسها أخيرًا واتجهت إلى الداخل بخطوات أهدأ، فلم يعد هناك مجال للهروب ولا مكان للتأجيل، فكانت تدرك أن المواجهة مهما بدت مخيفة أهون من الاستمرار في الظلال، وغدًا… ستتغير أشياء كثيرة.
****
ترك عاصم سيارته على مسافة غير بعيدة، ثم اتجه بخطوات محسوبة نحو منزل يقع بالقرب من بيت عائشة، وما إن استقر في موضعه حتى أدار وجهه نحو فايد، فرماه بنظرة صارمة حادة، كانت كفيلة بأن توصل له الأمر دون حاجة إلى كلمات، ففهم فايد الإشارة على الفور وتقدم هو ورجاله، واندفعوا نحو البوابة يدفعونها بقوة حتى انفتحت تحت ضغطهم العنيف.
تدفقوا إلى الداخل واحدًا تلو الآخر، ثم كسروا باب الشقة في الطابق الأرضي دون تردد، وانتشروا بداخلها بسرعة منظمة، قبل أن يصطفوا في صفين متقابلين، في مشهد يعكس الطاعة والانضباط، منتظرين دخول عاصم الذي تقدم بخطوات واثقة يغلفها غرور واضح.
ألقى نظرة شاملة على أرجاء الشقة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح اشمئزاز لم يحاول إخفاءها، وكأن المكان لا يليق حتى بمرور نظره عليه، ثم قطع تأمله والتفت نحو فايد قائلًا بصوت قاسٍ خالٍ من أي لين:
-امال حيلتها فين؟
تحرك فايد نحو غرفة صغيرة يتيمة في الشقة، وقال بنبرة ساخرة:
-شكله نايم، تحب نجبهولك هنا؟
هز عاصم رأسه رافضًا ثم اتجه بنفسه نحو الغرفة، ولم يتردد في ركل الباب المتهالك بقدمه حتى انفتح بعنف، دخل بخطوات هادئة لكنها مشحونة بالتهديد، وتقدم داخل عتمة الغرفة قبل أن يمد يده فجأة ويجذب النائم من فوق فراشه بقوة، في اللحظة نفسها التي أضاء فيها فايد المصباح،
قال عاصم بنبرة ساخرة ممزوجة بالوعيد:
-قوم يا شيخ، قوم يا حلو، عامل نفسك نايم.
تظاهر الشيخ فراس بأنه يستيقظ لتوه وفتح عينيه ببطء، ثم قال بصوت خافت مبحوح:
-إيه ده في إيه؟ إيه يا بارون في حاجة؟
اقترب عاصم منه حتى كادت أنفاسه تلامس وجهه، وقال بصوت منخفض لكنه مشبع بالشراسة:
-اه في يا حيلتها، بقى انت تاخد بنتي وتوديها عند موسى، انت جرالك إيه مش خايف مني؟
تراجع فراس قليلًا محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه، وقال بدهشة مصطنعة:
-بـ...بنتك؟ بنتك مين؟ انت مخلف يا عاصم باشا؟ وبعدين أنا مخدتش حد هو أنا أقدر اروح رشيد!
ارتسمت على شفتي عاصم ابتسامة ساخرة وهو يحدق في عينيه بعمق:
-انت هتستعبط يعني مخدتش بت صغيرة ومشيت بيها لغاية رشيد؟! وقولت للحراس هناك إن في بنت ضايعة وجت الوادي بالغلط.
تنهد فراس ثم قال وهو يحاول التماسك:
-آآ...قصدك البت الصغيرة اللي خارجة من بيت السوالمي، أنا افتكرتها من عيلة السوالمي فقولت اوصلها هناك، كنت بعمل عمل نبيل.
قهقه عاصم بسخرية قاسية ثم قال بحدة:
-نبيل ده يبقى عمك يا دجال يا بتاع العفاريت، اللي في بيت السوالمي دول خط أحمر إياك ثم إياك مرة تانية تفكر حتى تبصلهم أو تيجي جنبهم، واللي في بيت السوالمي ميخصوش العيلة الـو*** اللي في رشيد الزفت، فاهم ولا لا؟
أومأ فراس برأسه سريعًا وقال باستسلام واضح:
-آآ...من عنيا يا بارون، سامحني دي أول مرة أغلط.
دفعه عاصم بقوة إلى الخلف، ثم رمقه بنظرة احتقار قبل أن يستدير ويغادر المكان، وخلفه رجاله الذين انسحبوا بانضباط، ما إن خلا المكان حتى أطلق فراس زفرة طويلة، وحاول أن يستجمع أفكاره المبعثرة، ثم التقط هاتفه وأجرى اتصالًا بفهمي كبير عائلة السوالمي، الذي رد بسرعة:
-في إيه يا فراس؟
رد فراس بنبرة مشحونة:
-في أن نهاركم أسود، انتوا مقولتوش إن بنت أخوك متجوزة من البارون ليه؟
ساد صمت قصير من الطرف الآخر، قبل أن يقول فهمي باستغراب:
-بنت أخويا مين؟ عائشة؟ متجوزة عاصم عزام؟
أجاب فراس بنبرة حادة:
-اه ومخلفة منه البت الصغيرة اللي شوفتها خارجة من البيت ولما قولتلك، انت قولتلي أجيبهالك، كده ترميني في النار يا فهمي وأنا هودي نفسي في داهية عشان خاطر تهبروا الهبرة الكبيرة!
طال الصمت مما أثار غضب فراس، فهتف:
-ما ترد يا فهمي؟
خرج صوته أخيرًا بحذر وهو يجيب:
-أرد اقول إيه! بنت اخويا مبتخلفش ومش متجوزة دي عيال شكلها متبنياهم.
ابتسم فراس بسخرية لاذعة وقال:
-يا اما انت اللي بتستعبط يا أما بنت اخوك اللي بتستعبطكوا لا مؤاخذة لإن عاصم عزام نفسه هو اللي قالي إن البت بنته، وحذرني آجي جنب بنت أخوك وعياله، وعاصم عزام مش هيعمل كده إلا إذا كانت بنت أخوك تخصه وتخصه اوي كمان.
لم يرد فهمي إلا بكلمة واحدة مقتضبة:
-اقفل دلوقتي، اقفل.
وانتهى الاتصال فجأة تاركًا فراس غارقًا في أفكاره،
فاقترب من النافذة بحذر، وأخرج رأسه ليتأكد من خلو الشارع من رجال عاصم، وما إن اطمأن حتى تنفس الصعداء، ثم وجه نظره نحو منزل السوالمي القريب، وعيناه تلمعان بخبث واضح، وهمس لنفسه بنبرة مظلمة:
-طيب والهبرة الكبيرة هتروح عليا كده بعد ده كله؟ مكنش وقتك يا بنت شوكت تظهري في الصورة، بس يا تدخلي برضاكي يا تدخلي غصب عنك.
****
بينما في رشيد...
وخاصة في قصر آل السوالمي حيث الغِنى والثراء مرسومان في جدران القصر كما تُرسم اللوحات النادرة، اجتمعت العائلة حول مائدة كبيرة، ثقيلة بخشبها العتيق، تحيط بها مقاعد مزخرفة تشهد على اجتماعات لا تقل توترًا عما يحدث الآن، كانت العيون كلها متجهة نحو فهمي كبير العائلة، الذي جلس صامتًا وغارقًا في بحر من التفكير، كأنما يحاول أن يلتقط خيط الحقيقة من بين ظلال الشك.
قطع الصمت صوت جمال السوالمي شقيقه الأصغر، وهو يزفر بضيق ظاهر، وقال بحدة يغلفها الغيظ:
-ما قولتلك يا فهمي، مش معقول البت دي بتربي عيال حد كده وخلاص، دول عيالها.
هتفت كوثر السوالمي من خلفه وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها، وقالت بصوت متردد:
-عيال مين؟ إذا كان الدكتور قايل قدامنا إنها مبتخلفش، والحادثة أثرت عليها مش صح يا فهمي؟!
رفع فهمي رأسه ببطء ونقل نظراته نحوها، وعيناه تشتعلان بحيرة وغضب مكتوم، ثم قال بصوت منخفض لكنه مشحون:
-يمكن عاصم وداها لدكتور كبير وعالجها، بس ازاي والواد اللي كان بيراقبها مقاليش خالص إنها بتشوف عاصم وهي متعرفش حاجة عن الوادي، عاصم وصلها ازاي؟!
ضحك جمال ضحكة ساخرة، هزت أركان القاعة الفسيحة وقال باستهزاء:
-يعني عاصم عزام لو عايز يعمل حاجة ويخفيها مش هيعملها، وبعدين متنساش الهانم هربت مننا أربع سنين ونص منعرفش عنها أي حاجة ولولا الصدفة مكناش لاقينها، يبقى أكيد حصل جوازها من عاصم بعد طلاقها من ابنك المجبور.
هنا انفجر فهمي غضبًا وضرب بيده على الطاولة، وقال بانفعال ظاهر:
-هو ابني كان المفروض يعمل إيه يا جمال ومعملهوش، جواز واتجوزها ومقدرش يكمل معاها والبت مفيش منها رجا ومكناش نعرف بالخير اللي تحت البيت الا بعد طلاقها، وكنا فاكرين البيت بيت بور مالوش لازمة، وبعدين بقى ابني الدكتور محدش يجيب سيرته، يا اخويا ما عيالك الاتنين موجودين قولهم يا اخويا يقربوا منها ولا انتي ابنك يا كوثر
ما هو متجوزش...
قاطعته كوثر بحدة شديدة وقد ارتفعت نبرتها بنوع من التحذير الصريح:
-طالما الحكاية فيها عاصم، يبقى ابني برة الموضوع، أنا مش هرمي ابني في النار بالساهل ده اللي حيلتي.
ساد الصمت للحظة ثقيلًا كأن الهواء نفسه قد تجمد، ثم نهض فهمي ببطء وقد استعاد شيئًا من رباطة جأشه، وقال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
-كل واحد يسكت لغاية ما نجيب البت دي هنا ونشوفها فعلاً إيه علاقتها بعاصم وعلى أساسه نقرر.
ثم التفت نحو جمال وأضاف بصرامة:
-بس المهم الواد اللي تبعك هناك يا جمال وصلني بيه عشان يوصلها وأنا هخليها تجيلنا لغاية هنا، عايزين نبعت الشيخ فراس عن الصورة دلوقتي طالما عاصم وصله وحطه في دماغه.
تمتم جمال بضيق وغل مكتوم، وهو يحدق أمامه بشرود التقطه الجميع، وقال بصوت خافت يحمل ثِقل ما يفكر فيه:
-مش عاصم بس ده موسى كمان، ما هو فراس وصلنا البت الصغيرة لغاية عندنا ورجالة موسى اخدوها مننا يبقى هو كمان عارف بالجوازة دي.
اشتد توتر كوثر ومالت بجسدها إلى الأمام كأنها تمسك بخيط خفي، وقالت مؤكدة بقلق ظاهر:
-تصدق صح، إيه اللي يخلي رجالة موسى يشقطوا البت من رجالتنا من أول مدخل رشيد، يبقى كان على علم، الموضوع ده في إنّ ولازم نعرفها من بنت شوكت نفسها.
تنفس فهمي ببطء متعمد، وضرب بأصابعه على سطح الطاولة ضربات منتظمة، كأنها إيقاع تفكير عميق، ثم قال بنبرة هادئة تخفي وراءها شرًا كامنًا:
-عشان كده بقولكم هي اللي هتقولنا الحكاية كلها، اصبروا واهدوا...
ثم التفت فجأة نحو جمال وقد اشتعلت عيناه بوميض غضب قديم، وقال بغل واضح:
-يا ريتك يا أخي كنت خليت الواد اللي كان بيفتش في العيادة يروح بيتها بالمرة لكن نقول إيه قلبك الحينين خاف على حب زمان الست شريهان، ما كان زمانه قلب بيتها ولاقى عقد البيت وكنا زمانها نعرف نتصرف صح!!
ارتسمت على شفتي كوثر ابتسامة ساخرة، وهي تراقب جمال الذي أشاح بنظره بعيدًا، كمَن يحاول الهروب من جرح لم يندمل، وحين أدركت موضع ضعفه اقتربت بالكلمات وكأنها تغرس إبرة به، وهمست بتهكم لاذع:
-اه لو سامية مراتك تعرف بوجود شريهان في الوادي، هتولعها نار فيها وفي بنت أخوك شوكت.
تصلب وجه جمال لكنه تمالك نفسه سريعًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مقتضبة تحمل تهديدًا صريحًا، وقال بنبرة حازمة:
-عشان كده انتي مش هتتكلمي معاها في حاجة ولا هتجيبي سيرة، وكده كده هي مخاصمكم ومش طايقة منكم كلمة يعني مش هتعرف حاجة.
توقف لحظة ثم اعتدل واقفًا وكأن القرار قد استقر في داخله وأضاف بجدية:
-أنا هقوم أكلم الواد اللي هناك واتفقلك معاه يا فهمي، سلام.
ثم ألقى تحية مقتضبة وغادر، بينما ظل صدى خطواته يتردد في القاعة الواسعة، كأنه إعلان غير مباشر وأن خيوط الماضي مهما حاولوا دفنها، بدأت تتشابك من جديد لتنسج مصيرًا أكثر تعقيدًا وربما أكثر قسوة.
***
في اليوم التالي..
جلست عائشة في منتصف الصالة تحرك بصرها بين طفليها وهما يلعبان بمرح بريء، ثم ترفعه نحو خالتها التي كانت تحتسي مشروبها المفضل الشاي باللبن في هدوء لافت، فكانت تنتظر منها أن تبدأ الحديث، ولكنها لم تكن تعلم أن صغيرتها قد فقدت أبجدية الكلام فجأة، وكأن الكلمات تاهت منها في لحظة عصيبة.
ومع اقتراب عقارب الساعة من الموعد المحدد، واقتراب مجيء عاصم كما اتفقا في الأمس، أدركت عائشة أنه لا مفر من المواجهة، وأن الوقت لم يعد يسمح بالتفكير أو المماطلة، فتنحنحت بقوة محاولةً استجماع شجاعتها، ثم جذبت انتباه طفليها وهي تقول بهدوء معتاد:
-حبايبي ممكن تيجوا شوية هنا عايزاكم.
اقترب الطفلان سريعًا ومنحاها كامل انتباههما ببراءتهما المحببة، فابتسمت لهما لكن صوتها خرج مهتزًا وهي تقول:
-أنا قولتلكم إننا جايين هنا عشان شغل جديد، بس الحقيقة في حاجة مفاجأة ليكم وكنت بجهزلها من زمان.
تسارعت دقات قلبها وهي تراقب ملامحهما التي امتلأت بالحماس، ثم تابعت بصوت متحشرج تُخرج كلماتها بصعوبة:
-عارفين إحنا جاين نشوف مين؟
ساد الصمت للحظة وبدت على وجهي الطفلين ملامح الفضول والترقب، عندها وجدت شريهان الفرصة سانحة، فتدخلت قائلة بحسم:
-باباكم.
التفت الطفلان نحوها في آنٍ واحد، تتزاحم في أعينهما مشاعر الدهشة والفضول والفرح، ممزوجة بعدم الفهم، فنظرت عائشة إلى خالتها بعتاب وهمست:
-يا خالتوا مش كده براحة عليهم.
لكن شريهان تجاهلت عتابها واقتربت من الطفلين بحماس واضح:
-بابا كان مسافر ورجع الحمد لله وجايبلكم العاب وحاجات تحفة كتير وجايلكم ومش ناوي يسيبكم، دي المفاجأة اللي بسببها سيبنا بيتنا الكبير هناك وجينا عشان خاطر تفرحوا، مش انت يا عمر ليل نهار تصدعنا فين بابا! اهو جاي وأخيرًا هتشوفوه.
كانت أول من ابتسم هي الصغيرة ليلة التي سألت بلهفة بريئة:
-وهيقعد معانا هنا يا مامي؟
نظرت عائشة إلى خالتها بنظرة حادة وقالت بسخرية خفيفة:
-جاوبي بقى، مش انتي اللي اتكلمتي!
أشارت شريهان بلامبالاة:
-أنا لغاية هنا وخلاص مهمة خلصتي، جاوبي بقى.
زفرت عائشة بعمق.محاولة إخفاء توترها، ثم قالت:
-بصوا ده بيتي أنا ومش هينفع يقعد معايا هنا في البيت عشان صغير وميكفيش حد، هو عنده بيت تاني، وان شاء الله في يوم هنظبط الحوار ده، المهم بقى إن بابا مسموش شوقي.
ترددت قليلًا ثم أضافت:
-انا استنينكم لما تكبروا عشان احكيلكم واقولكم اسمه الحقيقي؟
هنا قاطعها عمر بحماس طفولي:
-اسمه الحقيقي؟ هو له اسمين؟ ينفع يبقى لينا اسمين؟
وضعت عائشة يدها على رأسها، تحاول أن تجد إجابة مناسبة لكن شريهان تدخلت سريعًا بأسلوبها العفوي:
-اسمه عاصم، وهو لما كبر اسمه معجبهوش فغيره، هو في حد يبقى اسمه شوقي ويحبه بردو.
ضحكت ليلة بخفة غير مدركة لثقل الموقف:
-اسم عاصم بردو وحش، ليه ميكنش اسمه هيثم أو زين أو مراد زي أصحابي في الاسكول.
انفجرت شريهان ضاحكة وأشارت إلى عائشة قائلة:
-شايلة الهم ومنمتيش من امبارح وفي الآخر ده عقل عيال يا دكتورة، امال لو مكنتيش دكتورة؟!
نظر عمر إلى الساعة المعلقة بحماس واضح:
-هو هيجي الساعة كام؟ ينفع اقعد استناه تحت أنا وليلة.
هزت عائشة رأسها نفيًا، وقالت بصوت مبحوح:
-لا هو هيجي كمان شوية، هقوم اكلمه دلوقتي واستعجله.
نهضت بثقل واضح واتجهت إلى غرفتها، ثم أجرت اتصالًا به، وما إن رن الهاتف حتى أجاب فورًا، وكأنه كان ينتظر مكالمتها منذ زمن، فقالت بصوت خافت:
-الولاد مستنينك، وخالتوا فهمتهم إن اسمك مكنش عجبك فغيرته ملقيناش أي مبرر تاني.
لم تجد ردًا منه سوى أنه أجاب بعد برهة قصيرة:
-دقايق وهكون قدامكم.
خرجت عائشة إلى الصالة فوجدت طفليها مندمجين في الحديث مع خالتهما عن والدهما، فشعرت وكأن بساط الاهتمام قد سُحب من تحت قدميها، وتسلل إلى قلبها شعور خفي بالغيرة، ومع رنين جرس الباب عادت دقات قلبها تتسارع، فتقدمت بخطوات متخبطة وبيدٍ مرتجفة حتى فتحت الباب.
وجدته يقف بثبات ينظر إليها بوجه خالٍ من أي تعبير، كأنه لوحة جامدة لا تحمل أثرًا لشعور، ومن خلفه وقف رجاله يحملون عددًا هائلًا من الهدايا...هدايا كثيرة أكثر مما ينبغي.
أفسحت له الطريق فدخل في هدوء مهيب، وتبعه رجاله بخطوات منظمة، يضعون الهدايا في أماكنها بينما ظل هو واقفًا، يراقب المشهد من برجه، كقائد يشرف على جنوده حتى أتموا مهمتهم.
انتقلت عينا عائشة إلى طفليها اللذين لم يفهما شيئًا مما يحدث، وفجأة ارتفع صوت ليلة وهي تشير إلى الرجال:
-فين بابا فيهم؟
رمقت عائشة عاصم بنظرة عتاب غاضبة، بينما قابل هو نظرتها بشيء من الحيرة، غير مدرك موضع خطئه، وعندما لم يُبدِ أي رد فعل اقتربت منه، وأشارت إليه بابتسامة خفيفة:
-ده باباكم.
ثم همست له بصوت آمر لم تعهده هي نفسها:
-خلي الناس دي تمشي، واظهر أي رد فعل أنهم وحشوك.
استجاب بهدوء وأشار بعينيه إلى رجاله فانصرفوا واحدًا تلو الآخر، وما إن خلت الصالة حتى تقدم نحو الطفلين، وجثا أمامهما محاولًا أن يرسم ابتسامة تليق ببراءة ملامحهما،
فلم تسعفه الكلمات ولم يجد ما يبدأ به، لكن ليلة سبقته وضعت يدها الصغيرة على خده وسألته:
-انت بابا؟
كانت لمسة حانية تشبه دفئًا افتقده طويلًا، كأنها تعيد إليه ذكرى إنسان عزيز رحل، فبراءتها تشبه براءة لم يعرفها منذ زمن، وحنين ظن أنه لن يشعر به مجددًا، هز رأسه ببطء وهمس بصوت جامد رغم ارتجافه:
-اه.
حاول أن يتجاوز الحديث، فهو لم يكن يومًا فصيحًا في التعبير، ولا بارعًا في صياغة المشاعر، فكل ما اعتاده في حياته كان الغضب والانتقام، أما ما يشعر به الآن فكان أسمى من أن يُحاط بكلمات مرتجلة أو تصرف غير محسوب،
لذا لم يجد وسيلة أصدق من الفعل؛ فضمهما إلى صدره بقوة امتزجت بحذر، وقبلهما مرات متتالية محاولًا أن تكون قبلاته رقيقة لا تخدش براءتهما، وفي الوقت ذاته يستنشق عبير طفولتهما النقي، ذلك العبير الذي لم تمسه قسوة الحياة بعد، وفي أعماقه عقد عهدًا صامتًا أن يبذل كل ما يستطيع ليحمي هذا الصفاء من أي شائبة.
ابتعدت ليلة قليلًا ونظرت إليه بعينين يملؤهما الفضول، ثم سألته:
-انت غيرت اسمك لعاصم؟
هز رأسه وأجاب بصوت ثابت:
-امممم بس من زمان الموضوع ده وماما مكنتش تعرف ولما عرفت مني قالتلكم.
ابتسمت بلطف ثم قالت بمشاكسة طفولية:
-وليه مخلتنيش اختارلك أنا الاسم، كنت هخليك تسمي نفسك زين أو مازن زي أصحابي.
اقتربت عائشة بسرعة وجذبتها برفق مشوب بالحرج:
-لي لي عيب كده، مينفعش نكلم بابا كده.
لكن عاصم أعادها إليه وقال بابتسامة خفيفة:
-خليها تقول زي ما هي عايزة.
اعتدل في جلسته وانتقل إلى أقرب مقعد، وأجلس ليلة على ساقه بينما جلس عمر على ساقه الأخرى صامتًا، يكتفي بالنظر إليه، فتعلق به عاصم بنظرات طويلة، وكأن الصمت بينهما يحمل من المعاني ما تعجز عنه الكلمات.
وفجأة اخترق صوت ليلة هدوء اللحظة، وهي تهمس في أذنه بكلمات بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تُجمد ملامحه:
-لو عايز تغير اسمك في أي وقت، قولي وأنا هخليك تسمي نفسك موسى زي عمو موسى صاحبي، هبقى أعرفك عليه، هتحبه اوي.
تصلب جسده لوهلة وانطفأت تلك الليونة التي بدأت تتسلل إلى ملامحه، فكان الاسم وحده كشرارة أصابت موضعًا خفيًا في داخله....موضعًا حاول دفنه طويلًا.
ظل صامتًا لا يعلق، لكن قبضته شدت قليلًا حول الطفلة، قبل أن يرخيها سريعًا، وكأنه يخشى أن تنتقل إليها قسوته دون قصد، أما عيناه فقد خانتاه للحظة، ومر فيهما ظل ماضٍ ثقيل قبل أن يخفيه خلف سكون متماسك نجح به مؤقتًا.