تحميل رواية «في غيابة الجب» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم من الأيام التي تبعث في نفسك شعور بعدم الطمأنينة، هواءه بارد تشعر وكأنه محمّل بكل الطاقة السلبية التي يحتويها المكان. ذهبت "مشيرة" إلى بيت ذاك الذي يتهرب منها دائمًا بعد أن أعطاها موثقًا بأنه سوف يتزوجها. وقفت تقرع باب منزله بيأس وهوان تملكها، وعباراتها تسابق دقات قلبها أيهما سيسرع! أتاها صوت "رشدي"، ذلك الكهل الطيب، قائلاً: _مش موجود يا "مشيرة" يا بنتي. قولتلك وفري صحتك وأعصابك ومتسأليش عنه تاني.. ده كأنه فص ملح وداب! نظرت له "مشيرة" نظرات تنم عن كم الأذى الموجود بداخلها، ثم جففت دمعاتها...
رواية في غيابة الجب الفصل الأول 1 - بقلم نعمة حسن
في يوم من الأيام التي تبعث في نفسك شعور بعدم الطمأنينة، هواءه بارد تشعر وكأنه محمّل بكل الطاقة السلبية التي يحتويها المكان. ذهبت "مشيرة" إلى بيت ذاك الذي يتهرب منها دائمًا بعد أن أعطاها موثقًا بأنه سوف يتزوجها.
وقفت تقرع باب منزله بيأس وهوان تملكها، وعباراتها تسابق دقات قلبها أيهما سيسرع!
أتاها صوت "رشدي"، ذلك الكهل الطيب، قائلاً:
_مش موجود يا "مشيرة" يا بنتي. قولتلك وفري صحتك وأعصابك ومتسأليش عنه تاني.. ده كأنه فص ملح وداب!
نظرت له "مشيرة" نظرات تنم عن كم الأذى الموجود بداخلها، ثم جففت دمعاتها بظهر كفيها وأومأت له بإيجاب ثم غادرت كما أتت.
عادت إلى بيتها تجر أذيال الخيبة، ثم دخلت وألقت التحية على والدتها العجوز التي تساءلت:
_كنتي فين من صباحية ربنا يا مشيرة؟
ثم أكملت بتوعد مبطن:
_ده الشيخ "بلال" حاالف بس لما يشوفك.. ادخلي نامي بقا قبل ما ييجي.
نظرت "مشيرة" إلى والدتها بتأفف وقالت:
_شيخ! شيخ على نفسه مش عليا.
زجرتها والدتها بغضب وقالت:
_اتكلمي كويس عن أخوكي.. أيوة شيخ.. ربنا يحميه لشبابه ويخليه.
هزت رأسها بلا مبالاة وقالت:
_والنبي يا أما أنا اللي فيا مكفيني.. أنا داخلة ومتصحينيش.
أسرعت "مشيرة" إلى غرفتها وقامت بخلع ردائها سريعًا، ثم بدأت بفك ذلك المشد اللعين التي تربطه على خصرها لإخفاء بطنها المتكور الذي بات ظاهراً.
_أنا مش عارفة ماسك ومتبت فيا ليه، إذا كنت نفسي مش عايزاك!! أعمل إيه بس يا رب!
قالت جملتها وهي تحدث جنينها صاحب الأشهر الخمسة بنزق، ثم دخلت إلى فراشها المتهالك وأغمضت عينيها، وسرعان ما غطت بالنوم.
"ترى أنها وكأن قوة ما تسحبها لأسفل وهي لا تقاوم أدنى مقاومة تذكر، تستمع إلى أصوات تتردد من حولها وكأن أحدهم يستغيث بها، أصوات متداخلة لا تفقه منها شيئاً إلا كلمة واحدة ميزتها أذناها عن سائر الكلمات:
_مامااا إلحقيني!
التقطت أذنيها تلك الكلمتين لصوت صارخ باكي.
ظلت هي تجوب ببصرها يمينًا ويسارًا عن صاحب ذلك النداء، ولكنها لم تجده.
فزعت من نومها بشدة عندما أحست وكأن أحد ما يمسك بقدميها، ولكنها تنهدت عندما وجدت "القط" الذي ترعاه والدتها، فركلته بقدمها بانزعاج وتمتمت:
_غور انت كمان.
عادت لتكمل نومها ولكنها لم تستطع، أطلقت لخيالها العنان فإذ به يقودها نحو مهلكها ومعذبها الأوحد.
حدثت نفسها فقالت:
_منك لله يا "جمال".. من يوم ما عرفتك وأنا مشوفتش يوم عدل، بس أعمل إيه.. أنا اللي أستاهل إني آمنت لكلب سعران زيك.. وديني لأنتقم منك وأشربك العذاب ألوان بس ألاقيك!
شعرت باقتراب خطوات أخيها من باب غرفتها فأغمضت عينيها بسرعة متصنعة النوم.
طرق "بلال" باب غرفتها مرات عدة فلم تجب، فانصرف عائدًا نحو مكان مقعد والدته.
جلس بجانبها فسألته:
_عملت إيه يا حبيبي في جلسة النهارده؟
تنهد مطولاً ثم أجاب:
_كان يوم صعب أوي أوي يا أما.. تخيلي بنت عندها 14 سنة ومعمولها سحر سفلي!! أنا مش عارف مين اللي يجيله قلب يأذي حد بالشكل ده! وعشان إيه أصلاً.. الدنيا فانية ومش مستاهلة والله.
مصمصت والدته شفتيها بحسرة وقالت:
_يا حبيبتي يا بنتي.. منهم لله اللي بيأذوا الناس.. ربنا يأذيهم في نور عنيهم ويجازيك خير عن كل خير بتعمله يا حبيبي.. أوعى يا بلال تكون بتاخد فلوس قصاد الخير اللي بتعمله؟
_وإنتي تعرفي عن ابنك كده يا أم بلال؟ اطمني.. كله لوجه الله.
ابتسمت وقالت:
_ربنا يحبك ويحبب فيك خلقه يا حبيبي.
_ياااارب ياما.. عن إذنك بقا إيه.. آخدلي دش كده وأفرد ضهري ألا أنا هلكان.
=لو جعان الأكل عندك.. اغرف وكل.
_لا مش جعان.. تصبحي على خير يا بركة.
=وإنت من أهله يا حبيبي.
قالت الأخيرة وهي تلوح بيديها للقطط التي ترعاها فالتفوا حولها وبدأت بوضع الطعام والماء أمامهم.
يقف "جمال" أمام منزله القديم المتهالك بعد أن جمع كل أغراضه من الداخل ونادى إلى "عطوة" الذي يعمل بالمقهى المقابل لمنزله وقال:
_بص يا "عطوة".. أي حد يسأل عليا قول له سافر الكويت ومش هيرجع قبل سنة.
_طب والأبلة "مشيرة" يا عم "جمال" دي يوماتي بتيجي تقف قدام الباب وتعـيط وتفضل تخبط عليك.
=أهي "مشيرة" دي بالذات لما تيجي قول لها هو مسافر ومش راجع تاني أبدا.. تمام يا "عطوة"؟
_أوامرك يا عم "جمال".
استل "جمال" من جيب سترته حفنة جنيهات ثم وضعها بقبضة يد "عطوة"، ثم أخذ أغراضه وغادر الحي.
قام بالاتصال بصديقه "مرسي" الذي أجاب وكأنه كان بانتظار تلك المكالمة فقال:
_إيه يا "جمال" هو ده اللي ساعة وأرن عليك؟
أتاه صوت "جمال" متذمراً وقال:
_يبني على ما لميت هدومي وجبت الحاجة وخرجت.. ها أجيلك فين؟
_تعالى على الشقة الجديدة حالا.. الناس مستنيين ومجهزين الفلوس، عايزين نخلص من الحاجة دي قبل ما تتشم.
=حصل.. نصايه وأوصل.. بس على اتفاقنا.. إنت الربع وأنا التلت أرباع.
_ياعم مااااشي.. إخلص بس وحياة أمك ألا أنا متوغوش.
=قربت أهو.. يلا سلام.
بعد مرور أقل من نصف ساعة كان يقف "جمال" أمام الشقة التي سيتم بها الاتفاق، طرق الباب ففتحه "مرسي" مسرعاً ثم جذبه للداخل مسرعاً وأغلق الباب بعد أن تطلع حوله بأعين مرتابة!
_هاا يا "جمال" البضاعة حاضرة؟
سأل كبيرهم المدعو "بيومي"، فأومأ "جمال" موافقاً وقال:
_حاضرة يا باشا وكله تمام التمام.. أشوف الفلوس بقاا.
نظر "بيومي" إلى شاب بجانبه ففتح حقيبة جلد كبيرة تمتلئ إلى آخرها بالنقود مما جعل أعين "جمال" و"مرسي" تجحظ بشدة ولعابهم يسيل على ما يرونه فقال "جمال":
_سلم واستلم يا ريس.
أعطاه ذلك الشاب الحقيبة المزدحمة بالأموال فناوله "جمال" الحقيبة الأخرى التي تحتوي على "المخدرات" فأخذوها وانصرفوا مغادرين.
جلسا "جمال" و"مرسي" يتقاسمان النقود بحسب اتفاقهما فتساءل "مرسي":
_هتعمل إيه بالـ 2 مليون دول يا بن الأبالسة؟
_هعمل! دنا هعمل وهعمل وهعمل..
أول حاجة هطير على إسكندرية وهشتري أجدع شقة على البحر وأتجوزلي بت متدلعة كده من بنات بحري وأفتح أي مصلحة أعيش منها.
= طب ومشيرة؟
_ مشيرة مين وزفت مين! مشيرة دي ورقتها باشت خلاص، خلينا ننضف بقى ونشوف النسوان النضيفة.. وحسك عينك يا مرسي تعرفها إني لسه في مصر.. أنا قايلهم في الحارة يبلغوها إني مسافر الكويت.
تعجب مرسي ولكنه شعر بغبطة تملؤه ولم يعقب واكتفى بإيماءة مقتضبة منه، فتابع جمال قائلاً:
_ أدي يا سيدي نصيبك أهو وفوقه بوسة.. ألحق أهب أنا بقى على إسكندرية وأصرف الفلوس قبل ما يتحط عليهم.. سلااام يا صاحبي.
= سلاام يا جمل.
على الفور انطلق جمال نحو الإسكندرية وقابل سمسار عقارات كان هو على تواصل دائم معه، وقام بشراء شقة تناسب متطلبات وإمكانيات جمال، وأخذ منه النقود وسلمه مفاتيح شقته ثم انصرف.
ظل يتطلع حوله بحالمية وسعادة وهو يفرك يديه ببعضهما ويقول: والله وهتحلو يا جمال يا بدري وهتبقى من عين أعيان إسكندرية.. الصبر حلو.. كلها سنتين وأبقى جمال بيه البدري ويتضرب لي تعظيم سلام كمان!
أنهى جملته وهو يقفز قفزة متحمسة على ذلك الفراش الوثير فارداً ساعديه يستقبل الأيام القادمة بصدر متسع.
بعد مرور أربعة أشهر...
استيقظت مشيرة إثر ألم شديد يفتك بأحشائها، منذ أن تركت بيتها وهربت وهي تمر بأسوأ الظروف، لا تتناول الطعام لأيام متتالية، حاولت مراراً وتكراراً التخلص من ذلك الرابض بأحشائها ولكنها فشلت، فكانت تسأله دوماً:
نفسي أعرف إنت ولا إنتي متمسكين بالحياة على إيه! مش هتلاقوا فيها غير كل حزن وغدر وخيانة.. وبكرة تشوفوا.
تحاملت على آلامها ونهضت تحاول الخروج من ذلك الكوخ النائي الذي تمكث به فلم تستطع، أحست بسائل لزج يسيل على جانب قدميها فنظرت وتفاجأت عندما علمت أنها على مشارف الولادة وأن جنينها أعلن قدومه للحياة.
سقطت في الأرض من شدة التعب، تفكر كثيراً ماذا ستفعل وكيف ستطلب المساعدة ومن ستطلبها؟
صرخت بأعلى صوتها تحاول الاستغاثة بأي شخص من الممكن أن يساعدها ولكن دون جدوى، فنطق لسانها بقلة حيلة: يااااارب.
_ ياااااا رب.
قالتها والدة مشيرة وهي تبكي بقهر، فسألها بلال:
= فيكي إيه يا أما؟
قالت ببكاء: قلبي مقبوض يا بلال.. حاسة إن مشيرة في ضيقة.. يا ترى إنتي فين يا بنتي؟
مسح وجهه وشعره بضيق وغضب وقال: قلبت الدنيا عليها ياما وكأنها اتبخرت.. لو حية كان بان لها أثر.
_ لااا.. تف من بؤك هي عايشة أنا متأكدة.. بس هتجنن.. اتخطفت ولا سابت البيت بمزاجها ولا راحت فين بس.. يارب ينجيكي يا مشيرة يا بنت قلبي.
مرت قرابة الساعة ومشيرة تحاول مساعدة نفسها كي تضع طفلها.
كانت حبات العرق تتناثر فوق جبينها بغزارة وحالها يرثى له، إلى أن استمعت إلى صوت بكاء صغيرها وقد أطل برأسه، فانتزعته بشدة من داخلها ولفظت أنفاسها المشتتة، ثم زحفت قليلاً والتقطت سكيناً وقطعت به الحبل السري وهي تلهث بخوف شديد تملك منها، وذلك مخافة الوصمة التي تلحق بكل أم عزباء.
بعد أن استقر به الحال وقام بشراء "مطعم" بحي راقي في الإسكندرية، بدأت حياته تتبدل إلى الأفضل وكف عن تجارة الممنوعات وبدأ يخطو خطوات جدية.
في صباح يوم جديد وهو يفتح باب شقته الجديدة التي تعتلي "المطعم" الخاص به، فإذا به يصطدم بفتاة حسناء أسرت ملامحها الرقيقة قلبه.
تنحنح واقترب منها وقال: إحمممم.. صباح الخير يا آنسة.
ابتسمت ونطقت بصوتها العذب: صباح النور.
_ إنتي جديدة معانا هنا في العمارة؟
= أيوة بقالنا يومين بس.. حضرتك ساكن قديم هنا؟
_ لا أنا مالك.. الشقة دي بتاعتي.. والمطعم اللي تحت كمان بتاعي.
= معقوله!! مع إني كنت تحت امبارح مشوفتكش!
_ ممكن أكون كنت نايم.. أصل أنا مواعيدي ملخبطة.. على العموم تنوري المطعم في أي وقت.. هستنى زيارتك.
= إن شاء الله.. قريب جداً.. عن إذنك عشان ماما بتنادي.
انصرفت للداخل بعد أن أطلقت سهام عينيها على قلبه الذي وقع صريعاً لها.
نزل هو إلى "المطعم" ومحياه يبتسم لا إرادياً.
أتاه اتصال من مرسي فأجاب:
_ فين يبني.. رنيت عليك كتير وتليفونك مقفول؟
= والله يا جمال كان عندي شوية مشاكل وأمي كانت تعبانة ومكانش ليا نفس لأي حاجة.
_ لا ألف سلامة يا حبيبي.. وهي عاملة إيه دلوقتي؟
= أهو الحمد لله.. أحسن.. قوللي إنت عامل إيه؟
_ أنا فل الفل الحمد لله.. ربنا كارمني آخر كرم والقشية معدن.. ما تيجي تشتغل معايا وسيبك من الحارة ودوشتها.
= وأسيب أمي وإخواتي لمين؟ ما إنت عارف مفيش غيري.. المهم كنت عايز أسألك عن "مشيرة".
_ يوووه ده أنا نسيتها يبني.. مالها مشيرة؟
= مالها إيه! البت اختفت يبني وكأنها مكانتش موجودة من أصله.. أهلها قلبوا عليها الحارة ومصر القديمة كلها ملهاش أثر.. إنت عملت فيها إيه؟
رفع جمال كتفيه بعدم اهتمام وقال:
_ وأنا هعملها إيه.. أنا من آخر مرة كانت معايا فيها وأنا مشوفتهاش تاني.. وبعدين متقلقش على اللي زي مشيرة تلاقيها غطسانة مع زبون جديد ولا حاجة ولما تخلص المصلحة هتظهر تاني.
= يا عم حرام عليك.. إنت عارف إنها مش كده وكانت ماشية معاك عشان بتحبك بجد.
_ يا عم يا مرسي الكلام ده مبياكلش ولا يشرب معايا.. منتا عارف اللي فيها.. وبعدين أنا ناقصني إيه عشان أتجوز واحدة متداس عليها قبل الجواز.. لا ده أنا بكرة هوريك اللي هتجوزها دي شكلها إيه! وديني لأتجوز برنسيسة.
= برنسيسة! ربنا يهديك يا جمال ويسااامحك.
_ ماشي يا شيخنا.. ادعيلي.. يلا هروح أنا بقى عندي شغل.
= ماشي يا صاحبي.. مع السلامة.
على مضض.. نهضت وحاولت تجاهل تلك الآلام التي تفتك بجسدها كلياً.. قامت وجذبت قميص خاص بها ولفت به مولودتها ثم ارتدت ملابسها ونقابها ثم خرجت من الكوخ تحمل طفلتها التي لا تكف عن البكاء والصراخ.
_ بتعيطي ليه؟ منا قولتلك أنا منفعكيش.. جيالي أعمل بيكي إيه؟ ولا هعرف أرضعك.. ولا هعرف أخلي بالي منك.. إنتي كده كده ميتة.
سارت قليلاً حتى رأت على امتداد بصرها "بئر" فتقدمت منه ووقفت أمامه ثم نظرت إلى طفلتها بعينين باكيتين وقلب مشتعل وقالت: سامحيني.. مينفعش أتعلق بيكي وبعدين أموتك.. دلوقتي أحسن!
قالت الأخيرة متجاهلة صراخ تلك الصغيرة ثم رفعتها إلى أنفها تشم رائحتها للمرة الأولى والأخيرة ثم ألقت بها إلى البئر.. ومضت!
رواية في غيابة الجب الفصل الثاني 2 - بقلم نعمة حسن
فعلت "مشيرة" فعلتها النكراء ثم عادت إلي ذلك الكوخ مرة أخري و هي تتجاهل نداءات و صرخات صغيرتها.
مر عليها النهار و بدأت تشعر بالآلام تحيط بجسدها بأكمله؛ إرتفاع حرارتها، إنتفاض جسدها، البروده التي تسري بعروقها ناهيك عن ألم قلبها و روحها المهلكة.
أسندت رأسها إلي وسادتها و أغمضت عينيها بعد أن أحاطت جسدها بذراعيها و سبحت في ثبات عميق!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_إلحقووووا ياا جدعااااان.. في عيل صغير في البير!
صرخ بها "العم بكري" الذي يقوم بتنظيف البئر بصفة دورية مناديا أهل المنطقه الذين تجمعوا علي الفور إثر ندائاته المتكرره الصاخبة!
=في إيه يا عم "بكري"؟
تسائل أحدهم فأجاب العم و هو يجذب يده و يقترب من البئر: عيل صغير قلبه إنفطر من العياط.. بسرعة حد ينزل يخرجه قبل ما يموت.
=فين الحبل و أنا أنزل أجيبه حالا؟
ناوله العم" بكري" حبلا طويلا فربط طرفه بخصره والطرف الآخر بالبئر و نزل إلي الأسفل و إلتقط ذلك الرضيع بين يديه بحنان قائلا: ياا جمييييل.. متزعلش يا حبيبي منها لله أمك ولا أبوك اللي رموك الرميه دي.
إحتضنه بشده و أشار لهم ليسحبوه للأعلي ففعلوا؛ إندهش الجميع عندما رأوا ذلك الرضيع الذي إرتفع بكاءه مرة أخري و لم يتوقف إلا عندما حمله العم "بكري".
نظر" بكري" إليها و إبتسم ببشاشه قائلا: إزيك يا صغيور.. ولا صغيورة؟ أقوللك! إحنا نروح دلوقتي لخالتك "أم خالد" وهي تشبعك و تغيرلك و نعرف إنت صغيور ولا صغيورة، تمام؟
إعترض أحدهم قائلا: بس دي مسئولية يا عم بكري.. هتاخد العيل قبل ما نسأل مين أهله؟
أجاب العم بحسرة: وهو أهله لو عايزينه كان رموه في البير! و بعدين ده احتمال 90% أنه طفل غير شرعي.. منهم لله اللي بيرموا ضناهم في الشوارع ينتقم منهم ربنا..ده تدبير ربنا إنه المضخات باظت و البير نشف.. كان زمان العيل ده غرق.
بعد موافقة الجميع.. إصطحب العم "بكري" الطفل إلي منزله؛ فتح الباب فأقبل عليه أولاده يتسائلون عن ماهية الشئ الذي يحتضنه فجلس ثم تنهد و قال: إهدوا بس كده و أنا هفهمكوا كل حاجه.. نادوا أمكوا.
أتت تلك السيدة ذات الوجه البشوش تبتسم و قالت: حمدلله علي السلامة يا أبو خا........ إيه اللي في أيدك ده!!
قالت جملتها الأخيرة بأعين متسعه مصدومه فإبتسم زوجها و جذب يدها و أجلسها بجانبه ثم قال:
_ده يا ستي من أحباب الرحمن.. أهله منهم لله رموه في البير و النهارده لما روحت عشان أنضفه سمعت صريخه اللي قلب الدنيا.. الواد سمير الغطاس نزل جابه و طلع و قولت بما إن أنا اللي لقيته يبقا أنا أحق حد بيه.. لحد ما نشوف هيحصل أيه و حد هيسأل عليه ولا لأ.. مع إن ما أظنش!
=يا حبيبي يبني.. بسم الله.
تناولته من يدي زوجها و قبّلته ثم قالت: ده لسه مولود يا "بكري" و وشه أصفر أوي.
_طيب بسرعه قوليلي أجيب إيه من الصيدليه و أنا هجيبه حالا.
=طيب إمسك كده و أنا هكتبلك في ورقه.
ناولته ورقه بها كل ما تحتاجه و قالت: و أهم حاجه اللبن و الأعشاب.. لو ملقيتش في الصيدليه دي إسأل في التانيه.. مترجعش إلا بيه..بسرعة علي ما أحميه و أغير له.
إصطحبتها إلي الحمام و حممتها ثم ألبستها ثيابا نظيفه و خرجت تشتم رائحتها بسعادة.
_هي مين دي يا ماما؟
تسائلت إبنتها الصغري "حنين" فأجابتها: دي هتبقا أختكوا يا حنون.. مش إنتي كنتي عايزة أخت صغيره تلعبي معاها.. أهي دي أختك الصغيرة.
_بس دي مش أختنا يا ماما!
برز صوت إبنتها الكبري "حنان" بحدة و إنفعال تعجبت لهما والدتها ثم قالت: مالك يا حنان بتتكلمي كده ليه؟ و بعدين دي عيلة صغيرة و أهلها سايبينها إلهي تسيبهم العافية.. عايزانا إحنا كمان نسيبها في الشارع؟
_لا أبدا.. نجيبها نربيها و نكبرها و نشيل مسئوليتها.. أصل آحنا ناقصين مصايب.
زجرتها والدتها و رمقتها بنظرات غاضبة ثم قالت: خلي في قلبك رحمة يا عديمة الرحمة.. إحنا بنعمل خير لوجه الله عشان يقعدلكوا إنتوا.. إمشي سخني شوية ميه علي ما أبوكي ييجي.
_مش عاملة حاجه.. إخدميها إنتي!
ألقت كلماتها و إنصرفت تاركة والدتها متعجبه من قسوة إبنتها فقالت الصغري: أسخن أنا الميه يا ماما؟
إبتسمت والدتها و قالت: لا يا حنون مش هتعرفي.. شيليها إنتي و أنا هسخن الميه.. بس خلي بالك منها.
أومأت الصغيرة بفرحة و تناولتها منها و حملتها بحرص تغدقها بالقبل العفوية فدهل والدها مبتسما و قال:
_إنتي اللي شيلاها يا حنون.. أومال ماما و حنان فين؟
=ماما بتسخن ميه عشان النونه و حنان غضبانه و مش راضيه تشيلها ولا تساعد ماما.
إسترعي إنتباهه صيغة إبنته المؤنثة أثناء حديثها فقال:
_هي بنت يا "حنين"؟
=أيوة يا بابا بنوته و ماما قالت هتبقا أختنا و هلعب معاها.
أومأ مبتسما و أخذها من صغيرته و قبّلها قائلا: أهلا يا صغيورة.. نورتي بيتنا.
_جبت اللبن يا بكري؟
تسائلت زوجته بإهتمام فأجاب: جبت كل اللي طلبتيه..
ثم نظر إلي الرضيعه و قال: هو إحنا لينا بركة ألا الجميل.
أخذت منه زوجته الأغراض و بدأت بإعطاء الصغيرة اللبن الذي تناولته بنهم ثم خلدت إلي النوم.
_يا حبيبتي جعانه.. نوم الهنا يا روحي.
قالت الأخيرة وهي تقبّل أعلي رأسها بحب ثم تظرت إلي زوجها و تسائلت: هنعمل إيه يا بكري؟
تنهد بـ حيرة و قال: والله منا عارف.. خايف أروح أبلغ ياخدوها مننا و خايف أسكت أرجع أتحاسب و تبقا مشكله و حوار و تبقا جريمة خطف.. مش عارف اعمل ايه!
_إحنا لازم نمشي قانوني يا بكري.. إنت الصبح تروح المركز تعمل محضر" عثور" و هما يتصرفوا.. حتي لو ودوها ملجأ ولا مؤسسة رعاية إحنا نكفلها تاني.
=مينفعش نكفل طفل قبل ما يتم سنتين يا أم خالد.. لحد ما تتم سنتين هيحطوها في أي مركز صحي عشان التطعيمات و الرضاعه و كده.. مش هاين عليا أبلغ.
_خلاص متبلغش و سيبها معانا لحد ما تتم سنتين نبقا نبلغ و نقول إننا لسه لاقيينها.
=سيبيها لله بقا و بكرة ربنا يحلها من عنده.
قطع حديثه رنين هاتفه فأجاب: أيوة يا سمير!
_إلحق يا عم بكري.. لقيوا واحده ميته في الكوخ اللي عند مكنة الميه!!
علي الفور نهض "بكري" مهرولا للخارج وهو يتمتم مذهولا:
_يا ستار يا رب.. إحفظنا يارب.
ذهب إلي الكوخ حيث الحشد الكبير المتجمع ففرق بينهم حتي وصل إلي باب الكوخ و تسائل: مين أول واحد شافها؟
أجاب "سمير": العيال كانوا بيلعبوا كورة في الشارع فالواد ده الكورة جريت منه دخلت الأوضه فدخل يجيبها علي أساس أن محدش جوه لقاها علي السرير.. و بعدين إحكي ياض لعمك "بكري" إيه اللي حصل؟
بدأ الولد بسرد ما حدث: أنا كنت أنا و ولاد عمي بنلعب هنا في الشارع ف الكورة جريت مننا و دخلت الأوضه.. أنا جيت أخبط علي الباب محدش رد قولت يبقا مفيش حد.. زقيت الباب و دخلت فلقيت واحده نايمه علي السرير.. قولت لا مؤاخذه يا خالتي عايزين الكورة مردتش.. قربت منها فلقيت دم علي الأرض و السرير و هدومها كمان فجريت ناديت لأبويا و إتلم هو و الرجاله و جم شافوها لقوها ميته.. بس!!
أجاب العم "بكري" وهو يمسح وجهه بضيق و حزن: إحنا لازم نبلغ قبل أي حاجه لأن دي مصيبه و ممكن أي حد يتلط فيها.
و علي الفور قاموا بإبلاغ مركز الشرطه الذين أتوا و تحفظوا علي الجثه و بدأت التحريات بعد الكشف الطبي الذي أثبت أن الوفاة حدثت بعد ولادتها ببضع ساعات مما إضطر "بكري" لإخبارهم بما حدث و عثوره علي رضيعه بالبئر و أنها ما زالت علي قيد الحياة.
قال الضابط: و مبلغتش ليه أول ما لقيت ما لقيت الرضيع يا "بكري"؟
_اا.. كنت هبلغ حضرتك.. بس إحنا لسه لاقيينها من ساعتين يدوبك خدتها لمراتي رضعتها و حمتها دي كانت بتصرخ من الجوع يا حضرة الظابط.. و الناس دي تشهد بكدة.. ولا إيه يا رجالة!
أومأ الجميع موافقا ومؤكدا علي حديثه فقال الضابط: تمام.. تروح حالا يا "بكري" تجيب البنت و تعمل محضر "عثور" و تسلمها عشان نشوف إذا كانت هي بنتها ولا لأ.. بعد ما تسيب بياناتك.. إتفضلوا.
عاد "بكري" إلي بيته غضبان أسفا و قص ما حدث لزوجته و أولاده فقال "خالد" إبنه الأكبر:
_حضرتك إتصرفت صح يا بابا..
مكانش ينفع تفضل هنا من غير ما نبلغ، لأنها مسئولية وفيها س وج.
هز والده رأسه بتعب وقال: أنا هاخدها وأروح أعمل المحضر وأسلمها، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
بحزن بالغ ودعتها زوجته وابنته الصغرى "حنين" التي قالت: لما تكبري ابقي تعالي نلعب سوا يا نونه.
قبلتها زوجته بأسى وأعطته إياها، فذهب وقام بتسليمها للمركز ثم عاد بعد أن أدلى ببياناته.
بعد تشريح الجثة والذي أفاد بأن سبب الوفاة هو تلوث حدث بعد محاولة المتوفاة الولادة الذاتية، وبعد عدم التوصل لهويتها، قامت النيابة بإخراج تصريح الدفن بعد أخذ عينة منها لتحليلها لإثبات أو نفي نسب الطفلة الرضيعه لها.
بعد ظهور نتيجة الاختبار والذي أثبت أنها طفلتها، قاموا بإيداع الطفلة أحد المراكز الصحية التي ستتولى رعايتها حتى تتم العامين، ومن ثم تتولى رعايتها أحد المؤسسات الخاصة بشئون الطفل.
***
بعد مرور شهرين في الإسكندرية.
يجلس "جمال" مع والد "بسمة"، تلك الفتاة التي سلبته عقله، ويتحدث بود بالغ: طبعًا يا عمي، حضرتك عايز تعرف أنا جاي النهارده ليه! أنا كنت جاي أطلب إيد الآنسة "بسمة".
ابتسم والدها بود مماثل وقال: والله يا أستاذ "جمال"، أنت إنسان محترم وباين عليك خلوق، وكمان شايف مصلحتك ما شاء الله. أنا صحيح معرفكش من زمان، بس زي ما بيقول ربنا "سيماهم على وجوههم"، وأنا متوسم فيك خير إن شاء الله. أنا موافق.
تهللت أساريره فرحًا وقال: طيب، أنت زي ما حضرتك عارف، أنا وحيد، ملييش حد. وحداني زي "بسمة" كده، فهاستأذن حضرتك النهارده نقرأ فاتحة، وأسبوعين ونعمل الفرح على طول، ملهاش لازمة فترة الخطوبة.
والله الرأي يرجع لـ "بسمة" في النقطة دي، يا بسمة.
صاح مناديًا على ابنته التي أتت تمشي على استحياء وقالت: نعم يا بابا!
تعالي يا حبيبتي اقعدي.
جلست بجانب والدها فسألها: إيه رأيك في أستاذ "جمال"؟
برز صوتها خجلًا: اللي حضرتك تشوفه يا بابا.
طيب، هو عايز يقرأ فاتحة النهارده وتتجوزوا بعد أسبوعين، إيه رأيك؟
الرأي رأيك يا بابا.
تنهد والدها وقال: على ما يبدو الموافقة موجودة، نقرأ الفاتحة.
***
بعد مرور عامان!
بتعيطي ليه بس يا بسوم؟ صدقيني، وحياة بسمة عندي أنا ما زعلان. أنا بحبك إنتي يا هبلة، مش حتة العيل ده اللي هيقلل من حبي ليكي.
تحدثت "بسمة" بنشيج: أنت بتتكلم إزاي؟ فاكرني هصدق الكلمتين دول؟ إذا كان إنت يوماتي بتقولي نفسي أخلف منك دستة عيال، جاي دلوقتي تقوللي مش فارقة!
يا بسمة يا روحي، أكيد نفسي أخلف منك، بس ربنا مش رايد هنعمل إيه؟ نكفر؟ لا، نقول الحمد لله على كل حال، وكفاية إننا مع بعض وبنحب بعض. مفيش حد يملك كل حاجة يا بسمة.
طيب نسافر بره نجرب مرة كمان.
نهض صارخًا بها وقال بنفاذ صبر: تاااني يا بسمة! مزهقتيش عمليات وعلاجات وكل ده عالفاضي أصلًا. إنتي بنفسك سمعتي كده من الدكتور؟ الحل إننا كل واحد يتجوز حد تاني لو عايزين نخلف. تحبي أطلقك؟
هرولت إليه مسرعة وقالت وهي تحتضنه: لااااا.. أوعي تنطقها.. أنا مقدرش أعيش من غيرك يا جمال، ده إنت الهوا اللي بتنفسه.
ضمها إليه وقبّل أعلى رأسها وقال: متزعليش مني يا بسمة، صدقيني أنا راضي وعايزك ترضي زيي وتنسي. سيبيها لله وكل حاجة هتتعدل.
أومأت بموافقة وقالت: طيب أنا هطلب منك طلب.
اطلبي عيوني.
نكفل طفل!
نظر إليها متعجبًا وقال: نكفل طفل؟ إشمعنا؟
هو إيه اللي أشمعنا يا جمال؟ عايزة أحس إني أم يا أخي!
خلاص خلاص، لو ده اللي هيريحك نعمله. من بكرة إن شاء الله هنلف على كل المؤسسات اللي أعرفها ونشوف.
***
بعد قضاء نهار كامل في البحث والمرور بجميع المؤسسات الخاصة برعاية الأطفال، وقف "جمال" حانقًا يقول:
بجد أنا مش فاهمك، يعني إيه مش حساهم؟
مش حساهم يا جمال، مش حاسة بأي عاطفة من ناحيتهم.. أعمل إيه يعني؟
مسح وجهه بضيق وقال: يا صبر أيوب! 500 طفل في أربع مؤسسات مارتحتيش لواحد منهم؟
أومأت بالنفي فابتسم ساخرًا وقال: أيوة والمطلوب مني إيه يعني؟
نروح مصر.. مديرة المؤسسة دي قالتلي على اسم كذا مؤسسة في مصر، عشان خاطري يا جمال تعالي ندور فيهم.
والله بتهزري يا بسمة.. يعني هنروح مصر ندور على عيل نكفله؟
عشان خاطري يا جمال والنبي.
زفر بخفة ونظر إليها مبتسمًا ثم قال: خاطرك غالي وأنتي عارفة.. اتفضلي اركبي.
بعد وصولهم إلى القاهرة وذهابهم إلى المؤسسة المنشودة، دخلت "بسمة" تجول ببصرها بين الغرف حتى وقع بصرها على طفلة غاية في الجمال، شعرت وكأنها أسرت قلبها وجميع حواسها، فتوقفت تنظر لها وحدثت "جمال" قائلة:
لقيتها يا جمال.. هي دي.
جرت نحوها وحملتها وقبلتها ثم بدأت بمداعبتها. نظر "جمال" إليها وشعر وكأنه يريد احتضانها بشدة، ولكن تجاهل ذلك الشعور وقال: تعالي نكلم المديرة ونشوف هتقوللنا إيه؟
بعد ذهابهم إلى مديرة المؤسسة وإخبارها بشأن تلك الطفلة، فتبسمت وقالت: لينا؟
ثم تابعت قائلة: "لينا" يوميًا بييجي ناس ويقدموا طلب لكفالتها بس لعدم توافق الشروط مبيتقبلوش. على العموم هسجل بياناتكوا دلوقتي وبعد أسبوع هنرد عليكوا إذا كان الطلب اترفض ولا اتقبل.
تساءلت "بسمة": طيب هي ليه جت المؤسسة؟ ملهاش أهل؟
تنهدت مديرة المؤسسة وقالت: "لينا" جت الدار من شهرين.. كانت في مركز صحي استلمها من وهي عمرها أيام.. وراحت المركز عن طريق بلاغ أفاد بأنهم عثروا عليها في بير.
بير؟
رواية في غيابة الجب الفصل الثالث 3 - بقلم نعمة حسن
_بير!
برز بها صوت "بسمة" و "جمال" ناطقين بذهول، فأومأت مديرة المؤسسة قائلة:
= ليكوا حق تتعجبوا، إحنا بقينا في زمن العجايب فعلاً.
قال "جمال" وهو لم يفق من صدمته بعد:
_ و مين اللي رماها في البير؟ فين أمها و فين أبوها؟
أجابت المديرة: لك أن تتخيل إن أمها اللي رمتها في البير بعد ما ولدتها عن طريق علاقة غير شرعية.
تقوّس حاجباه بدهشة أشد و تسائل مجدداً: طيب و أهل أمها أو أهل أبوها ليه مخدوهاش؟
_ والله هو أبوها مجهول للأسف.. إنما عيلة أمها مفيش من غير جدتها و خالها و رفضوا يعترفوا بيها من الأساس.. زي ما تقول خافوا يثبتوا الفضيحة علي بنتهم.
= أنا مذهولة.... نطقت بها "بسمة" وهي تنقل بصرها بين زوجها و مديرة المؤسسة ثم تسائلت: و أمها فين دلوقتي؟ أكيد إتسجنت بعد عملتها المهببة دي.
المديرة: لأ.. إتوفت يوم الواقعه علي حسب ما هو مذكور في ملف "لينا" و بعد وفاتها معرفوش يثبتوا هويتها غير لما بعدها إتقدم بلاغ إنها مفقودة و وصلوا لأهلها و عرفوا بخبر وفاتها و موافقوش يعترفوا بالبنت و إتنازلوا عن رعايتها بورق رسمي و من يومها و هي في المركز لحد ما جت المؤسسة هنا من شهرين.
بسمة: أنا إتعلقت بيها أوي يا "جمال" يارب يوافقوا علي طلب الكفالة.
إبتسم "جمال" و قال: إن شاء الله هيوافقوا.
قالت مديرة المؤسسة: طيب.. حضراتكوا هيتعمل عنكوا بحث إجتماعي ده اللي هيتحدد من خلاله إذا كان الطلب هيتقبل ولا لأ.. و هنبلغ حضراتكوا بالنتيجه.
_ بإذن الله هيتقبل.. في الإنتظار إن شاء الله.
قال "جمال" تلك الكلمات ثم إنصرف مغادراً برفقة زوجته.
ترجل إلي السيارة يسترسل نظراته بفرحة لرؤية سعادة زوجته بعد رؤية تلك الملاك.
_ يا اللي هنا.. إنتوا هنا ولا مش هنا؟
قالها ممازحاً زوجته التي إبتسمت إليه ثم عانقته بغتة مما أثار دهشته فقال: حاسبي يا بنت المجانين أنا مش شايف قدامي.
إبتعدت عنه ضاحكة ثم قالت: مش مصدقة نفسي يا جمال.. قلبي حبها من أول ما شوفتها و إتعلقت بيها أوووي يارب الطلب يتقبل ياارب.
_ إن شاء الله هيتقبل مو لو متقبلش نختار أي طفل تاني.. أهم حاجه تكوني فرحانه.
= لأ بس أنا مش عايزة حد غير "لينا" قلبي إتعلق بيها دوناً عن كل الأطفال اللي في المؤسسة و هي كمان حسيتها إختارتني.
_ بإذن الله ربنا يعمل اللي فيه الخير.
بعد مرور أسبوعين....
دخل "جمال" الغرفة يبحث عن "بسمة" و لكنه لم يجدها، جذب إنتباهه ضوء الغرفة المجاورة فذهب و فتح الباب و فوجئ بها تجلس و بجانبها العديد من الحقائب وبها الكثير من الملابس و الألعاب.
قطب جبينه متعجباً و سألها: إيه كل الحاجات دي يا بسوم؟
_ دي حاجات جبتها لـ "لينا".
ثم تابعت وهي تستعرض أمامه قطعه ورديه من الملابس و قالت: شوف الفستان ده هيبقا تحفه عليها.. هي بشرتها بيضا و هتليق عليها الألوان دي.. و شوف ده كمان.
قاطعها قائلاً: حيلك حيلك.. أنتي إيش ضمنك أنهم هيقبلوا الطلب؟ و بعدين جيبتي كل ده إمتى!
_ جيبتهم أونلاين.. و بعدين إنت بتحبطني ليه يا جمال.. أنا متأكدة إنهم هيوافقوا إن شاء الله.
قاطع حديثهم رنين هاتف "جمال" الذي أجاب مسرعاً:
_ ألو.
= حضرتك أستاذ "جمال البدري"؟
_ أيوة أنا.
= الطلب اللي كنت حضرتك و المدام مقدمينه بخصوص كفالة الطفله " لينا محمد" إتقبل.. تتفضل حضرتك بكرة في المؤسسة لإتمام الإجراءات و إستلام الطفلة.
إرتمت السعادة علي محياه لا إرادياً و قال: إن شاء الله.. مع السلامة.
هزت "بسمة" رأسها بتساؤل فإحتضنها بشدة قائلاً:
_ مبروك يا أم "لينا".
عقدت حاجبيها بتعجب ثم سرعان ما صرخت بفرحة عندما أدركت مقصده فقالت:
= وافقوا؟ بتهزر!!.. وافقوا بجد؟ ما تتكلم بقا.
_ إديني فرصه أنطق طيب.. أيوة وافقوا يا ستي و بكرة هنستلمها و تنور البيت و الدنيا كلها.
أعادت إحتضانه بفرحة عارمة و ركضت تدور بجميع أنحاء الغرفة و تقول: هننقل السرير هنا و نحط مكانه الدولاب بتاعها و عايزين كل سنه في عيد ميلادها نصورها و نحط الصور جمب بعضها عشان لما تكبر تشوف نفسها وهي صغيرة.. و كمان الهدوم دي مش كفاية بكرة نشتري كمان و نشتري ألعاب زيادة و نجيب كمـ.........
_ إيييييه ياماا.. كفاية.. دي كلها سنتين و نص البنت لسه بدري علي كل الدوشة اللي إنتي عملاها دي.
جلست بجانبه و أمسكت بيده و قالت بإبتسامة إنشرح لها قلبه:
_ همووت من الفرحة يا جمال.. مش مصدقة نفسي.. أنا مش هنام و أول ما النهار يطلع نروح نجيبها فوراً.
= لأ مينفعش لازم تنامي لأن أول يومين مش هتنامي لأن "لينا" هتبقي مستغربة المكان و هتفضل تعيط و مش هتنام.. فـ إنتي لازم تكوني فايقة كده و مصحصحة لحد ما نجيب واحده تساعدك.
_ لأ طبعا محدش هيساعدني في تربيتها.. أنا هعمل كل حاجه بنفسي.
جذب وجنتاها بين يديه قائلاً: يا واد يا جامد أنت.. طب ما تيجي كده أودعك الوداع الأخير بما أنك هتبقي أم مسئولة و مشغولة و مش هنعرف نكلمك بعد كده.. تعالي تعالي.
في الصباح تأهبت "بسمة" و شعور بالفرحة يملؤها ثم ذهبت برفقة زوجها إلي القاهرة.
بعد وصولهم إلي المؤسسة تواصلوا مع مديرة المؤسسة التي قالت بعد ترحيبها بهم: مبروك علي قبول طلب الكفالة.. كان في كذا حاجه لازم تكونوا علي علم بيهم.
أولا.. إنتوا عارفين إن من أحد شروط كفالة طفل يتيم أو مجهول النسب إن الأسرة البديلة اللي هتكفله يكون مر علي زواجهم 3 سنين أقل حاجة.. و حضراتكوا متجوزين بقالكم سنتين بس.. لكن لجنة الأسر البديلة تجاوزت عن الشرط ده لثبوت حالة عدم إمكانية الإنجاب.
ثانيا.. الطفلة إسمها اللي إعتمدته المؤسسة و من قبلها المركز "لينا محمد" ولا يجوز تسميتها بإسم حضرتك "لينا جمال" لأن ده يعتبر تبني و زي ما حضراتكوا عارفين التبني حرام.. لكن ممكن لو تحب تمنحها لقب العيلة يعني يكون إسمها "لينا محمد البدري" و ده طبعا هيتثبت في ملف الطفلة بحيث ميكونش في أي أثر من آثار التبني.
ثالثا و الأهم بقا.. لازم تبلغونا فوراً عن كل تغيير يحصل في حالتكوا الأجتماعيه زي لو قررتوا تنفصلوا لا قدر الله او لو قررتوا تنقلوا محل إقامتكوا و كمان أي تغيير بخصوص الطفلة زي دخولها مدرسه أو هروبها منكم أو وفاتها لا سمح الله أو زواجها.
و أخيرا.. ممنوع منعا باتا تسافروا بره مصر مع الطفل أو من غيره إلا بعد إبلاغنا و تقديم إقرار للمؤسسة.
ثم تابعت بإبتسامة: دي أبرز الشروط في العقد و اللي كان لازم أوضحها لحضراتكوا و بمجرد ما تمضوا العقد إن شاءالله هتستلموا الطفلة.
أومأا بموافقة و صافحاها ثم إنصرفا لإستلام الطفلة و من ثم غادرا عائدين نحو الإسكندرية.
حملتها "بسمة" بفرحة شديدة تغدقها بالقبل و الأحضان فقال "جمال" حانقاً:
_ هاتي أبوسها انا كمان.. إشمعنا إنتي!
تناولها من يد زوجته و نظر لها بإبتسامة حنونه و لكنها لم تألفه فـ سرعان ما إنفجرت باكية مما أثار تعجبه فأعطاها إلي "بسمة" التي بمجرد حملها لها حتي إبتسمت مجدداً فقال يصطنع الغضب:
_ كده يا ست "لينا" من أولها بتفضلي ماما عليا!
ضحكت "بسمة" ملء فمها و قالت: معلش بقا أصل القبول ده من عند ربنا.
= بقاا كده؟ طب إتفضلي يا ست هانم أنتي و هي إركبوا.
"يا صديقي الأوحد.. يا دفتري الأسود.. أكتب لكي تطوي صفحة أخري من صفحاتك البيضاء التي أمتلأت بحبر قلمي علي مدار العشر سنوات الأخيرة.. اليوم و قد أتممت عامي الخامس عشر أود أن أشكرك شكراً بالغاً علي سعة قلبك و رحابة صدرك التي لم يتميز بها سواك".
أغلقت "لينا" دفترها و مخبأ أسرارها بعد أن خطت بقلمها تلك الكلمات كعادتها اليومية ثم وضعته داخل مكتبتها عندما إستمعت إلي نداء والدتها "بسمة" فأجابت مسرعة:
_ حاضر يا مامي.. جاية حالا.
نزلت إلي الأسفل لتلبية نداء والدتها التي قالت:
= معقول يا لولي؟ كل ده و لسه مجهزتيش؟
الناس علي وصول بسرعة، إلبسي يلا.
حاضر هطلع ألبس.. كنتي عايزاني في إيه؟
لأ خلاص أنا هخلي بابي يساعدني.. إطلعي إنتي يلا.
صعدت "لينا" إلى الأعلى لتبديل ملابسها استعدادًا لحفل عيد ميلادها.
استعدت بسرعة، ولكنها لم تنزل إلى الأسفل إلا بعد أن علمت بحضور الجميع، قصدًا منها في لفت الأنظار إليها.
نزلت تتباهى بحسنها الذي يشيد به الجميع ويجذب انتباه الجميع رغم صغر سنها.
اقتربت من والديها وقبلتهما، ثم ذهبت إلى رفيقاتها اللواتي اندهشن من فخامة إطلالتها كالعادة.
جالت ببصرها في جميع أنحاء المكان، فاستوقفها حديث رجلين يقفان على بعد خطوات من والدها يتحدثان بصوت أقرب للهمس.
فذهبت إلى والدها وقالت:
علي فكرة يا بابي.. الإتنين اللي هناك دول بيتكلموا عليك وواضح إنهم بيكرهوك كمان!
تعجب والدها وقال:
وإنتي عرفتي منين يا سوسة؟
أولًا.. اللي على اليمين ده لغة جسده غير لغة جسدك تمامًا، وكمان وقفته ورجليه في وضع متقاطع ده دليل على إنه مش مرتاح هنا.
والتاني اللي واقف معاه كل شوية يبص ناحيتك ويلمس مناخيره، وده يعني إنه مستاء وعنده موقف عدائي معاك.
نظر لها "جمال" متعجبًا وقال:
وإنتي عرفتي الحاجات دي منين؟
رفعت كتفيها وقالت:
مش من حد.. أنا لوحدي كده بفهم لغة جسد اللي قدامي وبفهم هو حاسس بإيه من ناحيتي كمان.
ازداد تعجب والدها وقال:
إنتي بتسرحي بيا يا بت أنتي!
والله أبدا.. حتى عشان أثبتلك هقوللك مامي بتفكر في إيه دلوقتي، وأنت بعدها روح اسألها كانت بتفكر في إيه!
نظرت إلى والدتها باهتمام وتمعن، ثم حدثت والدها وقالت:
بص يا سيدي.. مامي قاعدة هي وصاحبتها طنط سالي، اللي واضح أن مامي مش بتحبها لأنها ضامة دراعاتها لبعض يعني واخده منها موقف سلبي، وكمان كل شوية تحك عينيها وتبص بعيد، وطنت بتكلمها وده دليل على إنها مش حابة الكلام معاها وبتستنى الحوار ده يخلص بأي شكل.
نظر لها والدها بتفاجئ، ثم تركها وذهب إلى حيث تجلس زوجته برفقة صديقتها، التي فور ما إن رأته حتى اتسعت ابتسامتها وقالت:
عامل إيه يا جمال بيه؟ ماشاءالله مش بيبان عليك سن أبدا.
قضمت "بسمة" شفتيها بغيظ ونهضت قائلة:
عن إذنك يا سالي عشان في ضيوف مهمين هنستقبلهم أنا وجمال.
فور أن ابتعدت، زفرت بغيظ قائلة:
يااا ساااتر.. إنسانة لا تطاق بجد، ده أنا كنت مستحملة كلامها بالعافية.. الحمدلله إنك جيت نجدتني.
فور أن استمع "جمال" لكلمات زوجته، سرعان ما نظر إلى "لينا" بتلقائية، فوجدها تنظر إليهم باهتمام، ثم ابتسمت له بخفة وانصرفت.
رواية في غيابة الجب الفصل الرابع 4 - بقلم نعمة حسن
بعد إنتهاء الحفل ومغادرة الحضور، انصرفت "لينا" عائدة نحو غرفتها، تضع صورتها الجديدة بجانب الأخريات. ثم بدلت ملابسها وألقت بجسدها إلى فراشها بإرهاق، وأغمضت عينيها.
فزارها ذلك الطيف الذي دائمًا ما يأتيها، ظلت تتحدث إليه ويتحدث إليها حتى فُتح باب غرفتها فجأة.
"بتكلمي مين يا لينا؟"
تساءلت "بسمة" متعجبة. فزفرت "لينا" بحدة وقالت:
"لو سمحتي يا مامي، متدخليش من غير ما تخبطي بعد كده."
دخلت "بسمة" وأغلقت باب الغرفة خلفها، وجلست بجانب "لينا" وقالت:
"أوكي، أنا آسفة. أنا استغربت بس إنك بتتكلمي في الموبايل في وقت متأخر كده."
قالت "لينا" بنبرة أقرب للسخرية:
"آه، فقولتي بقا تدخلي تمسكيني متلبسة، مش كده!"
ارتفعت حاجبا "بسمة" بتعجب واستهجان وقالت:
"أمسكك متلبسة! إيه العبط اللي بتقوليه ده! وبعدين إنتي بتتكلمي معايا بالأسلوب ده إزاي!"
تنهدت "لينا" بشدة وقالت:
"معلش يا مامي، اليوم النهارده كان تقيل على قلبي. كل اللي في الحفلة كانوا بيتكلموا عليا وإني شبه بابي مع إني مش بنته، وكلام كتير خلاني اتخنقت وزهقت."
جذبتها "بسمة" إلى صدرها تحتضنها بشدة وحنان بالغ، وقالت وهي تعبث بشعرها:
"مين قال إنك مش بنتنا! إنتي عمرك حسيتي إني مش مامتك وجمال مش باباكي!"
هزت "لينا" رأسها بنفي. فقالت "بسمة":
"الأم مش اللي ولدت، ولا الأب اللي خلف. الأم والأب اللي ربوا وحبوا وسهروا الليل من القلق وإنتي تعبانة. أنا صحيح مش أمك اللي ولدتك، لكن أنا متأكدة إني لو كنت خلفت مكنتش هحب عيالي قد ما بحبك. إنتي فرحة قلبي ونور عيني يا لينا."
طوقت "لينا" خصرها بذراعيها، تشدد من ضمها إليها. فتابعت "بسمة" قائلة:
"أوعي أسمعك بتتكلمي في الموضوع ده تاني أو تسيبيه يضايقك ويخنقك بالشكل ده. واللي يجرؤ يقول لك كلمة تضايقك بسبب حاجة زي كده، قولي لبابي بس وشوفي هيعمل إيه."
نظرت لها "لينا" باستجداء وقالت:
"طيب، هسألك سؤال واحد، وعشان خاطري جاوبييني."
أشاحت "بسمة" بوجهها بعيدًا وقالت:
"لو نفس السؤال بتاع كل مرة، يبقى بلاش تسألي."
صاحت "لينا" بحدة:
"ليه يا مامي!"
أجابتها "بسمة" بحدة مماثلة:
"لأني معنديش إجابة يا لينا."
قاطع حديثهم دخول "جمال" الذي قال:
"خير! شادين مع بعض ليه!"
أشاحت كل منهما بوجهها عن الأخرى. فما كان منه إلا أن ابتسم ساخرًا وقال:
"ياا ساااتر! ده إنتوا مش طايقين بعض خالص."
تحدثت "لينا" وقالت باستعطاف كعادتها عند حديثها مع والدها:
"يا بابي، أنا بقيت 15 سنة، يعني مش صغيرة. وإنتوا بنفسكم بتقولوا إني عقلي أكبر من سني وبستوعب كل حاجة. صح!"
أومأ "جمال" موافقًا وقال:
"صح يا حبيبة بابي."
"طيب، ليه كل ما آجي أسأل مامي عن حاجة تخصني وأنا صغيرة، مترضاش تجاوبني!"
تنهد "جمال" بخفة وقال:
"بصي يا لينا، ربنا سبحانه وتعالى قال إيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). يعني بلاش نسأل عن حاجات ممكن لو عرفناها تتعبنا وتزعلنا وتجرحنا، بل وتصدمنا كمان."
قاطعته "لينا" متسائلة:
"للدرجة دي!"
امتنع عن الرد. فأعادت سؤالها:
"هو أنا لقوني إزاي يا بابي!"
زم شفتيه بغضب وقال:
"بردو مفيش فايدة يا لينا! أنا داخل أنام، تصبحوا على خير."
هرب سريعًا إلى غرفته. ولحقت به زوجته على الفور وهي تقول:
"يلا نامي عشان الوقت اتأخر. تصبحي على خير."
ظلت تنظر "لينا" في أثرهم وتمتمت باستخفاف:
"مسيري هعرف كل حاجة. ده أنا لينا."
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت "لينا" على صوت طرقات على باب غرفتها، فقالت:
"صحيت يا مامي."
"طيب يلا عشان لسه ساعة على معاد مستر محمود، يادوب تلحقي تفطري وتجهزي."
"تمام، جاية وراكي."
تجلس "لينا" مقابل معلمها الوسيم الذي لا يتجاوز عمره الخمس وعشرين عامًا، والذي يأتي إلى المنزل لتلقيها الدروس الخصوصية.
بدأت تستشعر "لينا" أسلوبه الغريب، خاصة وأنه يميل بجسده تجاهها ويتحدث بنبرة صوت هادئة وبحة غريبة تغلبت على صوته. فقالت "لينا" بحدة:
"في حاجة يا مستر!"
تنحنح "محمود" وقال مجاهدًا كي يخفي ارتباكه وتوتره:
"لا أبداً، مفيش حاجة. يلا نكمل."
هزت رأسها بتعجب وأعادت النظر بالكتاب الموضوع أمامهما. وتابع هو شرحه، ولكن توقف فجأة وتاه بجمالها مرة أخرى.
نظرت له فوجدته ينظر لها بتمعن وانبهار كذلك. فنظرت داخل عينيه بقوة وقالت:
"حضرتك معجب بيا يا مستر! مش كده!"
ألجمت الصدمة لسانه وظل يدور ببصره يمينًا ويسارًا. فأكملت:
"متستغربش. أنا أقدر أعرف اللي قدامي بيفكر في إيه، وبيكدب ولا بيقول الحقيقة كمان!"
برز صوته متذبذبًا وقال:
"إزاي يعني! بتنجمي!"
"لا مش بنجم. كذب المنجمون ولو صدفوا، الرسول عليه الصلاة والسلام قال كده. كل الحكاية إني بترجم لغة جسد اللي قدامي."
ثم ابتعدت للخلف وهي تبتسم بسخرية وتابعت:
"ولغة جسدك فضحتك يا مستر."
تناول "محمود" أحد المحارم من جيبه وجفف به جبينه المتعرق، ثم قال:
"لا يا آنسة لينا، إنتي فاهمة الموضوع غلط. على العموم، خلينا نخلص قبل الوقت ما يعدي."
بعد مغادرته المنزل، خرجت "لينا" إلى حديقة الفيلا وافترشت الأرض. فأتى كلبها المقرب "بابسي" الذي جلس بجانبها. فاحتضنته وظلت تداعب شعره حتى أتاها صوت والدها قائلاً:
"عاملة إيه يا لولي! أهلاً بابسي."
"كويسة الحمد لله يا بابي. مال صوتك!"
نظر لها مبتسمًا وقال:
"دايمًا بتقفشيني يا سوسة إنتي. حتى لو كدبت على مامي، مبعرفش أكدب عليكي."
ابتسمت أيضًا وقالت:
"طيب قوللي بقا مالك."
قاطع حديثهم مجيء "بسمة" التي قالت بحنق:
"إنت قاعد هنا وأنا عمالة أتصل بيك يا جمال!"
"أنا لسه داخل أهو، يدوب كنت بشوف لينا. مالك جاية متعصبة كده!"
"أصل اللزقة اللي اسمها سالي دي كلمتني دلوقتي وبتقول قال إيه عازمة نفسها على الغدا هنا هي وجوزها."
أجاب ببساطة:
"يجوا ينوروا."
ارتفعت حاجبيها بتعجب وقالت:
"يجوا ينوروا! هو أنا بقولك عشان تقولي يجوا ينوروا!"
زفر بتعب وقال:
"أومال عايزاني أعمل إيه يا بسمة! أكلمهم أقول لهم متجوش عشان مراتي مش عايزة تشوفكم!"
احتد النقاش بينهم. فقالت "لينا":
"خلاص يا جماعة، الحكاية مش مستاهلة كل ده! خليهم يجوا يا مامي، وكلها ساعتين وهيمشوا، يعني مش حوار."
قال "جمال" مؤكدًا:
"شايفه بنتك وعقلها ورزانتها. وبعدين دول جايين في شغل، يعني مش جايين نتساير."
على مضض، وافقت "بسمة" وانصرفت لتستعد.
***
بعد مرور ساعة، وأثناء جلوس عائلة "جمال" وعائلة "رامي الفيومي" رجل الأعمال الشهير على مائدة الطعام، بادرت "سالي" بالحديث فقالت:
"ما شاء الله يا جمال بيه، لينا شبه حضرتك بالمللي. يستحيل حد يصدق إنك مش أبوها الحقيقي."
توقف الطعام بحلق كل من الجالسين، ونظر "جمال" إلى "رامي" بغضب. فبادله الآخر نظرات متأسفة وقال:
"ههه، سالي متقصدش يعني، هي التعبير خانها بس. تقصد يعني لينا شبهك جد..."
قاطعه "جمال" باقتضاب:
"حصل خير."
نظرت "سالي" إلى "بسمة" وقالت:
"إلا قوليلي يا بسوم..."
أخبار شاليه الساحل إيه؟ بسمع إنكوا قافلينه من فترة طويلة.
أومأت "بسمة" وقالت: الفترة الأخيرة كانت عملية "لينا" وبعدها وفاة بابا الله يرحمه وبعدها امتحانات.. يعني مفيش فرصة.
"سلامتك يا لينا يا حبيبتي.. عملية إيه دي؟"
قالت الأخيرة وهي توجه حديثها إلى "لينا" التي ابتسمت بتصنع وأومأت برأسها وقالت: الزايدة.
"يا حرااام.. ده "رامي" كان عاملها قريب وكان بيموت وأنا كنت بموت جنبه.. أصلك متعرفيش أنا بحب أنكل رامي قد إيه!!"
أومأت "لينا" برأسها مرة أخرى وهي تبتسم ابتسامة سمجة فقالت "سالي" وهي تحدث "بسمة":
"تصوري يا "بسمة" لما بيكون رامي مسافر في شغل أو حاجة يستحيل أفضل في البيت.. بتخنق لو هو مش موجود.. بعشقه بجد."
نطقت "لينا" بتلقائية: بتكدبي!
نظر لها الجميع بتعجب وعنفها والدها بعينيه ولكنها لم تكترث.
قالت "سالي": بكدب؟! أنا؟!
= أيوه إنتي بتكدبي.
قالت "سالي" بإستهزاء: وعرفتي منين بقا إني بكدب؟!
أجابت "لينا": بتهرشي في أنفك كتير وإنتي بتتكلمي.
ضحكت "سالي" ضحكة عالية وقالت:
"بتهزري بجد وهو كل حد بيهرش في مناخيره وهو بيتكلم يبقى بيكدب؟! "
= أيوه.. تعرفي بينوكيو اللي أنفه بيطول لما بيكدب؟! أهو ده اللي بيحصل بالظبط لأي حد بيكدب.
نظر لها الجميع باهتمام وتعجب فتابعت:
"الكدب بيعلي ضغط الدم وضغط الدم بينفخ الأنف و بيهيجها وبيخلي اللي بيكدب ده يهرش ويحك في أنفه وكمان الخدود والودان بتحمر.. زيك كده!"
نظروا جميعا إلى "سالي" التي يتآكلها الغضب ونهضت عن الطعام فجأة وقالت:
"أنا شبعت.. قال بينوكيو قال!"
انصرفت نحو "الخلاء" فانحني "رامي" بجذعه يحادث "جمال" قائلا:
"إيه الجحود ده!! "لينا" بنتك دي فلته.. دي هتنفعنا في شغلنا جدا."
قال جمال رافضا: لاا يا عم ولا تنفعنا ولا ننفعك ملكش دعوة ببنتي الله يسهللك.
بعد مغادرة "رامي" وزوجته "سالي" اتخذت "لينا" طريقها عائدة نحو غرفتها فأوقفها والدها قائلا بنبرة حادة:
"إيه اللي عملتيه النهاردة ده يا لينا!"
= إيه اللي عملته؟!
تساءلت لينا بتعجب فقال والدها:
= إزاي تحرجي طنط سالي وتكسفيها بالمنظر ده قدامنا وتقللي أدب معاها كمان وتقولي إنها بتكدب.
_ لأنها فعليا كانت بتكدب وكل كلامها كدب.
قال بغضب وحدة: وإنتي عرفتي منين.. إنتي مصدقة نفسك وعشان متعلمة لك كام حركة هتمشي تفتي وتقولي ده صادق وده كداب!!
إحتقن وجهها بغضب وقالت: لأ أنا مش بفتي.. وأنا فعلا لما بقول إن الحد ده بيكدب بيبقى بيكدب.. مش بتبلي عليه.
= كل دي تهيؤات ووهم.. إياكي اللي حصل منك ده يتكرر تاني.. أنا قولت كلمة ومش هكررها.
قال الأخيرة بتوعد حاد وتركها منصرفا نحو غرفة مكتبه.
بعد مرور بضعة أشهر وبدأ "لينا" دراستها بالمرحلة الثانوية.........
كانت تجلس "لينا" بمفردها بداخل مقصف المدرسة تتناول طعامها فأقبلت عليها فتاة سمراء جميلة وجلست بجانبها دون استئذان وقالت:
"ممكن أقعد معاكي؟!"
= ما إنتي قعدتي خلاص!
قالتها "لينا" مبتسمة بخفة فابتسمت الأخرى وقالت:
"أصلي لقيتك وحيدة شريدة فريدة زيي كده فقولت أجي أقعد جمبك أهو نحط خيبتنا على خيبة بعض."
ابتسمت "لينا" وقالت: إنتي سنة أولى زيي؟!
_ لأ سنة تانية.. أنا أصلا أكبر منك بحوالي خمس سنين بس تقدري تقولي كده إني فاشلة يعنى خدت أولى في سنتين و3 إعدادي في سنتين وراحت عليا سنة لما نقلنا من مصر لإسكندريه.. يعني حوارات كده.
أومأت "لينا" برأسها ومدت يدها تصافحها قائلة:
_ لينا البدري.
استجابت الأخرى على الفور وقالت وهي تصافحها:
_ حنين بكري.
= اسمك حلو زيك يا "حنين" إيه رأيك نكون صحاب!
_ يسلاام.. هو أنا أطول أصاحب لهطة القشطة دي!
ابتسمت "لينا" بود صادق وقالت:
= إنتي اللي جميلة يا "حنين" وروحك حلوة كمان وأنا حبيتك وشكلنا كده هنكون صحاب وإخوات كمان.
_ والله ياريت.. أصل أنا طول عمري كان نفسي يكون عندي أخت أصغر مني.. بس أمي بقا جابتني واعتزلت على كدا.
_ يعني إنتي مفيش عندك إخوات؟!
= لا إزاي.. عندي "خالد" الكبير وبعده "حنان" وبعده "ماجد" وبعده "حنين".. أنا.
قالت الأخيرة وهي تشير إلى نفسها بمزاح فضحكت "لينا" على أسلوبها المضحك وقالت:
_ ماشاءالله.. ربنا يخليكوا لبعض.. يلا بينا عشان البريك خلص.
نهضا الاثنتين عن المائدة وعادت كل منهما إلى وجهتها حتى انتهاء اليوم الدراسي.
رواية في غيابة الجب الفصل الخامس 5 - بقلم نعمة حسن
في صباح يوم دراسي جديد، تجلس "لينا" برفقة "حنين" في مقصف المدرسة كعادتهما كل يوم أثناء الإستراحة.
فقالت "حنين":
_ يالهوي عليكي يا بت يا لينا، ده إنتي طلعتي مش سهلة و وقفتي الواد "مروان" ده عند حده بكلمتين اتنين.
إبتسمت "لينا" وقالت:
= عيب عليكي، أنا ميتخافش عليا.
_ وإنتي هتقوليلي.. ده الواد كان واقف متنح.. إلا قوليلي يا لولو إيه موضوع لغة الجسد؟ إشتغالة ولا بجد؟
= لأ طبعًا مش إشتغالة.. أنا فعلًا بفهم لغة جسد اللي قدامي من غير ما يتكلم و كمان بعرف هو بيفكر في إيه!
نظرت لها "حنين" بتعجب وشك، فقالت "لينا":
= بصي.. لغة الجسد دي علم بيدرسوه بالآلاف المؤلفة لصعوبته وأهميته في نفس الوقت.. لكن ممكن برضو ربنا يوهبه لإنسان بإستثناء البقية زيي كده.. يعني أنا من وأنا عندي 13 سنة تقريبًا وأنا بدأت أتوقع اللي قدامي بيفكر في إيه و أعرف إذا كان بيكدب ولا لأ أو بيكرهني ولا بيحبني.. و ده اللي خلاني مكنتش بصاحب حد خالص في المدرسة لأنهم كلهم كانوا بيصاحبوني عشان لينا البدري مش عشان هما عايزين يصاحبوني.. حتى المدرسين بتوعي كانوا بيميزوني عن صحابي بالرغم من إننا كلنا كنا ولاد ناس أغنيا و في منهم باباهم أغنى من بابي كمان بس بابي كان دايما على اتصال بيهم و بيمشي لهم شغل وكده.
_ أيوة صح، وبما إن باباكي غني و متريش كده ليه مدخلتيش مدرسة خاصة.. إيه اللي جايبك هنا؟
= منا كنت في مدرسة خاصة و قعدت يادوب أسبوع و مستحملتش.. كلهم عارفينني و عارفين بابي مين و خنقوني أسئلة في أول أسبوع فـ بطلت أروح و أصريت على بابي يقدم لي في أي مدرسة حكومية.. وهو كمان كان شايف إزاي أنا وحيدة و مبكونش صداقات و متجنبة الكل فوافق إني أجي هنا على أمل أختلط بحد يعني!
_ طيب أنا عايزة أتعلم لغة الجسد زيك عشان البت حنان أختي كذابة أوي و كل ما تعمل حاجة و أجي أقول لبابا تكدب و تقول محصلش.
ضحكت "لينا" بإبتسامة واسعة وقالت:
_ بصي يا ستي.. الإنسان بيكدب بلسانه إنما جسمه لأ.. مبيعرفش يكذب.. يعني مثلًا لما ألاقي اللي قدامه بيحك أنفه أو بيرطب شفايفه بلسانه أو بيرفع حاجبه بتكرار بعرف إنه بيكدب.. و كمان لما بيرفرف برموشه كتير أو بؤبؤ عينه بيروح ناحية اليمين يبقى بيكدب!
= يسلاام! وإشمعنا ناحية اليمين يعني!
_ لأن عينه لما بتروح يمين تلقائي يبقى كده بيستدعي المعلومات من نص مخه اليمين و اللي مسؤول عن الخيال مش الحقيقة!
إتسعت عينا "حنين" بدهشة وقالت:
= بت أنا مش مطمنالك.. إنتي بتجيبي المعلومات دي منين!
_ منا قولتلك هي حاجة من عند ربنا ميزني بيها و كمان بقرا كتير في المواضيع دي.. هبقى أجيبلك الكتب بتاعة لغة الجسد اللي عندي تقريها بدل ما إنتي شبه الخيبة كده.
_ خيبة بس! ده الناس خيبتها السبت و الأحد و أنا خيبتي موردتش على حد.. يلا يا أووختي جرس الفسحة ضرب.
ضحكت "لينا" عاليًا وقالت: تخيلي مسمعتش الكلمة دي من أيام ما كنت في كي جي.. يلا يا أم لسانين.
بعد عودة "لينا" إلى منزلها بحثت عن والدتها فلم تجدها، صعدت إلى غرفتها وبدلت ثيابها ثم حادثت والدتها.
_ أيوة يا مامي إنتي فين؟
= أيوة يا لولي.. أنا في مشوار مع بابي و هنيجي كمان ساعة.. خلي "موانا" تعملك الأكل لو جعانة.
_ تمام يا مامي.. باي باي.
نزلت "لينا" إلى الأسفل منادية: "موواناا".
أتتها على الفور امرأة سوداء البشرة تتحدث العربية الركيكة وقالت: أيوه مودمزيل لينا.
_ إعملي لي نيجرسكو و هاتي لي الأكل برة.
= بس مدام بسمة قالت الغدا......
قاطعتها "لينا" صارخة بحدة: أنا بقولك إعملي نيجرسكو.. هاكل على مزاجكوا ولا إيه!
أومأت "موانا" موافقة وانصرفت نحو المطبخ ثم ذهبت "لينا" نحو غرفة مكتب والدها.
دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم بدأت بالبحث عن شيء ما.
جالت الغرفة ذهابًا وإيابًا، لكن دون جدوى حتى وقع بصرها لوحة صغيرة معلقة على الحائط فأزاحتها فوجدت خلفها خزنة!
إبتسمت بسخرية متمتمة: قديم أوي يا بابي!
فتحت درج المكتب وأخرجت المفاتيح ثم بدأت بتجربة بعض المفاتيح حتى فتحت الخزنة!
أخرجت منها بعض الأوراق وبدأت بمطالعتها حتى عثرت على غايتها.
_ شهادة ميلاد!
قرأت تلك الكلمتين بقلب مضطرب وأوصال مرتجفة ثم نزلت ببصرها إلى الأسفل.
_ إسم الطفلة "لينا"
_ إسم الأم "هند السيد الشيخ"
_ إسم الاب "محمد عبد المعطي"
إبتسمت بسخرية قائلة: هند!!
قلبت الأوراق بين يديها مرة أخرى حتى وجدت ورقة مكتوب أعلاها "محضر عثور" إلتقطتها من بين الورق وهمت بقراءتها ولكنها فزعت عندما فتح والدها الباب فجأة.
_ إنتي بتعملي إيه هنا يا لينا؟
تقدم والدها منها وانتزع من بين يديها الورقة التي تمسك بها ونظر بها فأصابته الدهشة ونظر لها قائلاً بحدة:
_ قرأتي اللي في الورق ده؟
هزت رأسها بنفي فسألها مجددًا: قرأتي اللي في الورق ده ولا لأ يا لينا.. متكدبيش.
= قرأت شهادة الميلاد بس.. إسمها "هند" يعني معروف هي مين.. يعني هي اللي إتخلت عني و سابتني مش زي ما إنتوا مفهميني إنكوا متعرفوش و ياترى محمد عبد المعطي ده يبقى أبويا فعلًا؟
_ محمد عبدالمعطي ده الإسم اللي اختاروه في مركز الصحة اللي إنتي فضلتِ فيه لحد ما بقيتي عمرك سنتين زي ما هما بردو اللي سموكي لينا.. إنما هند دي أنا معرفهاش ولا حد يعرفها.. كل اللي أعرفه إنها ماتت يوم ولدتك.
= بجد! يعني هي متخلتش عني!
_ أيوة يا حبيبتي.. هي الله يرحمها ماتت و ملحقتش تاخد بالها منك.
إتجه بؤبؤ عينه يمينًا وقال: أكيد مفيش أم ترمي بنتها و هي لو كانت عايشة كانت هي اللي زمانها بتربيكي و بتاخد بالها منك دلوقتي.
إحتقن وجهها غاضبًا وصاحت بحدة: إنت بتكدب عليا.. إنت كداب.. كداااااااب.
صفعها بشدة على وجنتها صارخًا بها بغضب: إسكتي.
سقطت على الأرض بغتة، فاقدة للوعي وانقبضت عضلاتها بشدة وظلت ترتعش وتنتفض وتصرخ عاليًا، ثم سكت صوتها وساد الصمت على أرجاء المكان.
حدث كل هذا في أقل من الدقيقة وهو يقف مصدومًا، ولم يصدر أية تعبيرات إلا عند دخول "بسمة" الغرفة فجأة.
_ إنتوا هنا و أنا بدور عليكوا بر.........
بترت جملتها عندما رأت "لينا" ملقاة أرضًا، فهرولت نحوها مسرعة وهي تصرخ بخوف:
_ ليناااا... لينا يا حبيبتي مالك.. ليناااا مالك يا ماما.
رفعتها عن الأرض واحتضنتها بشدة وهي تبكي ثم نظرت إلى زوجها وقالت:
_ لينا مالها يا جمال.. حصلها إيه ما تنطق.
أفاق من شروده جزئيًا وقال: دكتور.. لازم أجيب دكتور حالا.
قام بالاتصال بالطبيب الذي أذعن لطلبه على الفور.
بعدما فحصها الطبيب نظر لهم وقال:
_ إن شاء الله بسيطة و دقايق و هتبدأ تستعيد وعيها تاني.. في حد في عيلتها بيجيله نوبات صرع؟
نظر "جمال" و "بسمة" إلى بعضهما البعض فقال "جمال":
_ لأ مفيش.
نظرت "بسمة" إليه بتحدي ثم قالت:
_ منعرفش يا دكتور!
تعجب الطبيب وقال: هو مش إنتوا باباها و مامتها؟
_ البديلين.. "لينا" مش بنتنا إحنا كفلناها من وهي عمرها سنتين.
أومأ الطبيب متفهمًا وقال: أكيد الموضوع ده ضاغط على نفسيتها وأعصابها لإن الكهرباء العصبية كانت زيادة على مخها مع انخفاض ضغط الدم بصورة مش طبيعية ده أدى لإنها تدخل في نوبة صرع.. على العموم هي المفروض هتفوق بعد المحلول ده و حاولوا تنسوها الموضوع ده و توفروا لها بيئة مستقرة عشان حالتها النفسية تستقر.
أومأ "جمال" وزوجته ومن ثم ودعه الطبيب منصرفًا.
"يا صديقي الأوحد.. يا دفتري الأسود.. اليوم على ما يبدو سوف أطوي العديد من ورقاتك.. اليوم وقد أتممت عامي العشرون وبلا زهو!
ليتني لم أصل لتلك السن.. أشعر وكأن الكثير في انتظاري وعلى الأغلب لن يكون جيداً.
بانتظاري الآن حشد كبير من الحضور الذين ينتظرون مجيء الفاتنة الساحرة ابنة رجل الأعمال الثري.
كل سيسرع ويقبل الأيدي ويتسول الود.. ولكن لزاماً علي أن أخبرهم أني أمتلك من القوى الخارقة ما يكفي ليجعلني مميزة وصعبة المنال أيضاً.
أغلقت "لينا" دفترها ونزلت للأسفل بعد أن علمت بحضور الجميع.
ترجلت درجات السلم بزهو ودلال يليق بها وهي ترفع طرف فستانها القرمزي الذي يتزين ببشرتها البيضاء مما جذب إليها أنظار الكل.
لم تعر أحداً اهتماماً ولكنها ظلت تبحث بعينيها عن صديقتها وتوأم روحها "حنين".
ذهبت إلى والدتها وقبلتها بحنان ثم سألتها:
"حنين" مجتش لسه يا مامي؟
"حنين! دي جننتني وصدعتني وفي الآخر خدت بابي وخرجوا يتكلموا بره.. هتلاقيها بره.
أومأت "لينا" بموافقة وذهبت إلى الخارج للبحث عنها.
سارت تبحث عنها بعينيها بانشغال وغفلت عن طرف فستانها الذي دعسته بقدمها فترنحت وكانت ستسقط لولا تلك اليد الغليظة التي أمسكت بها.
"على مهلك يا ست البنات!"
برز بها صوت "رزق" مساعد والدها والحارس الشخصي ومخبأ أسراره وذراعه اليمنى إن صح القول.
نظرت له "لينا" بخجل وقالت:
شكراً يا "رزق" أصلي كنت ماشية مش واخدة بالي.
"الشكر لله يا آنسة "لينا".. بتدوري على البيه؟"
"أيوة إنت شوفته؟"
"أيوة قاعد هو والأستاذة صاحبتك هناك أهو."
"شكراً يا "رزق" عن إذنك."
قالتها ثم ابتسمت بخفة وانصرفت نحو والدها وصديقتها.
رواية في غيابة الجب الفصل السادس 6 - بقلم نعمة حسن
إيه الحكاية! هو انتي سبتي مامي واستلمتي الراجل الغلبان ده.. ربنا يصبرك يا بابي.. مش هتسكت النهارده.
تحدثت "لينا" بتلك الكلمات تمازح والدها وصديقتها التي قالت:
مامي مين والناس نايمين.. ده أنا يا دوب قعدت معاها ساعة.. ساعة واحدة.. و عمالة أدردش كده دردشة خفيفة يعني منتي عارفاني مليش في اللوك لوك.. ودي قامت ماسكة دماغها وفضلت تنفخ وتقولي إرحميني.. قام عمو جمال العسليه قالي تعالي يبنتي معايا بدل ما انتي مضطهده كده ومش لاقية حد يسمعك.
ضحك "جمال" قائلا: كان يتقطع لساني.
ثم وجه حديثه لإبنته وهو ينهض عن مقعده وقال:
الله يكون في عونك يا بنتي والله دي مبتفصلش.. حكتلي حكايات من أيام العصر الحجري.
ضحكت "لينا" بشدة وجلست بجوارها بينما انصرف والدها مغادرا.
نظرت "لينا" إلى "حنين" وقالت:
هاا.. الاجتماع المغلق ده وراه إيه!
نظرت "حنين" لها بيأس وقالت:
بصي.. بما إن كده كده مش هعرف أكدب فأنا هاجيلك دوغري.. الحج جمال كان بيشتكيلي منك.
آااه هو الموضوع كده.
أه الموضوع كده.. بذمتك "نادر" ده العريس رقم كام اللي ترفضيه! يبنتي حرام عليكي ده انتي بتضيعي من إيديكي فرص ذهبية.. كلهم فرز أول منك لله مش كده.. أخرتها هتعنسي وبكرة تقولي "حنين" قالت.
وإيه يعني لما أعنس.. وبعدين المصطلح ده متقولوش غير واحدة جاهلة.. قال أعنس قال!
ماشي يستي أنا جاهلة وماله.. بس بردو هتعنسي!
التفتت لها "لينا" وجلست بأريحية أكثر مما جعل فستانها يكشف عن ساقيها بكرم وقالت بصوت حاد مرتفع:
يا متخلفه.. مفيش حاجة اسمها عانس والهبل ده.. دي أرزاق ممكن تيجي وممكن لأ وممكن تيجي متأخر ولو مجتش ربنا بيعوض بحاجة تانية.. مفيش حد كامل.
ابتسم "رزق" الذي يتابع حديثهما واستمع لما قالت فتمتم هو مبتسما: يسلم فمك يا ست البنات!
ثم استطرد حديثه حانقا وقال:
بس لو تقفلي الفستان ده كنتي هتبقي فل.. منك لله يا جمال بيه.. ده لو دي تخصني كنت حبستها في قمقم ولا حد يشوفها خالص.
رزق!
جذبت انتباهه وحواسه كليا عندما نادته بصوتها العذب فهرول إليها مسرعا يقول:
أؤمري يا آنسة لينا!
رفعت سوداويتيها البرّاقة إليه وهي تبتسم فقالت:
بعد إذنك يا "رزق" في بنتين صحابي واقفين بره قدام الكومباوند.. ممكن تخرج تجيبهم!
أوامرك طبعًا.. عن إذنك.
خرج "رزق" واصطحب صديقتيها للداخل وهو ينظر في أثرهم متمتما:
والله منا عارف الأشكال دي بتعمل إيه هنا!
أوصلهما إلى حيث تجلس "لينا" فجلسا بجوارها ودار بينهم حديث أنثوي كعادتهم.
استل "رزق" هاتفه من جيبه عندما استمع إلى رنينه وأجاب:
أيوة يا جمال بيه!
إنت فين يا رزق!
أنا واقف بره.. في حاجة سعادتك!
أيوة بلغ "لينا" إن في ضيوف عايزين يسلموا عليها.. خليها تيجي.
تحت أمرك حاضر.
أنهى المكالمة وذهب إلى حيث تجلس "لينا" برفقة صديقاتها وحمحم قائلا:
آنسة لينا.. الباشا كان عايزك.
أومأت "لينا" وقالت: ثواني يا بنات هشوف بابي وجاية.
سارت نحو الداخل برفقته فقالت:
بابي مقالش عايزني في إيه!
بيقول في ضيوف عايزين يسلموا عليكي!!
زفرت بغضب جامح وقالت:
مش هنخلص إحنا.. طب بص يا "رزق" بليز ادخل قولله إنك ملقيتنيش ولو سألك قولله إني مشيت مع صحابي.
ابتسم بحرج وقال: متأخذنيش يا آنسة لينا بس أنا عمري ما كدبت علي البيه ومبحبش أكدب.
أمسكت بيديه وقالت بنبرة مستعطفة:
بليز يا "رزق" المرة دي وبس.. وحياتي!
اضطربت نبضات قلبه إثر لمستها العفوية ولم يستطع إلا أن يقول:
عنيا ليكي حاضر.. بس المرة دي وبسسسس!
قال الأخيرة ممازحا فابتسمت هي بسعادة وقالت:
ميرسي يا "رزق" إنت جميل خالص.
تركته وذهبت إلى صديقاتها مرة أخرى بينما مضى هو قدما يتمتم:
والله ما شوفت في جمال أمك.. فُلّه بصحيح!
ذهب إلى حيث يقف "جمال" وأصحابه وحمحم قائلا:
لا مؤاخذة يا جمال بيه.. الآنسة لينا مش بره.
نظر "جمال" إلى صديقه "مروان" وولده "نادر" ثم قال بصوت خفيض:
أومال راحت فين!
سألت الأمن قالولي مشيت مع صحباتها من شوية.
أومأ "جمال" موافقا و بداخله تشتعل براكين الغضب ثم تحدثهم قائلا:
دلوقتي تيجي.. تعالوا نقعد نشرب حاجة على ما تيجي.
ثم تحدث "رزق" قائلا: كلمها وقوللها ترجع دلوقتي حالا.
أومأ "رزق" موافقا ثم انصرف للخارج.
قام بالاتصال بها وقال:
أيوة يا آنسة لينا.
هاا يا رزق عملت إيه!
عملت اللي طلبتيه مني بس هو قاللي كلمها وقوللها ترجع دلوقتي حالا!
أوكي يا رزق ميرسي.. لو كلمك تاني قولله إنك كلمتني والموبايل مقفول.. معلش يا "رزق" آخر كدبة.
رفع كتفيه وقال بقلة حيلة: أوامرك!
أنهت الاتصال وأغلقت هاتفها ثم أطلقت زفيرا حارا فقالت "حنين":
بالراحة يا عم الديناصور.. هتحرقنا مش كده.
نظرت لها "لينا" وقالت:
مفيش فايدة.. مش عارفه ليه مصمم المرة دي على "نادر" ده.. حاجة زفت بجد.
وأنا مش عارفه والله ماله "نادر" ده زينة الشباب.
زينة الشباب اتجوزيه إنتي.. وأهو ابقى ضربت عصفورين بحجر.
ياريت والله يتقدملي واحد ربع "نادر" بس وأنا أكتب عليه في يومها.
ضحكت "لينا" ضحكة مرتفعة وقالت:
إنتي اللي هتكتبي عليه! والله إنك مجنونة.. وبعدين يا بنتي أنا معدتي بتقلب من الرجالة البيضا الملونه دي.. حاجة يع أوي.
ثم تابعت بحالمية: نفسي كده اتجوز واحد طول بعرض وأسمر وصوته خشن.. ياااي بجد أهي دي الرجالة ولا بلاش.. مش تقوليلي "نادر"!!
ثم تابعت مستنكرة: ده أنا أطول منه!
خليكي كده بصي للشكليات والتفاهات وسيبي الجوهر.
جوهر في عينك.. ده لا جوهر ولا منظر.
قاطعهما رنين هاتف "حنين" التي قالت:
دي البومة أختي.. أستر يا رب.. أيوة يا حنان!
جاء صوت "حنان" حادا: إنتي هتباتي عندك ولا إيه!
أجابت "حنين" بإستفزاز: لأ مجيبتش هدوم معايا.
ازدادت حدة "حنان" وقالت: يا باردة.. تعالي اخلصي عشان بابا تعبان والدكتور عنده.
نهضت "حنين" بفزع وقالت:
بتتكلمي جد ولا بتهزري!
وهو ده وقت هزار! إخلصي.
جايه حالا مسافة السكة.. سلام.
تحدثت "لينا": مالك يا حنين في إيه!
حنان بتقول بابا تعبان والدكتور عنده.. أنا همشي يا لينا.
طيب استني أنا جايه معاكي.
لا تيجي فين! بلاش عشان المواصلات دلوقتي صعبة ومش هتعرفي ترجعي.
لم تجيبها "لينا" ونادت قائلة: رزق.
أسرع يلبي نداؤها قائلا: أوامرك يا آنسة لينا!.
عربيتك معاك!
أيوة واقفه بره.. ليه!
ممكن معلش توصلنا لبيت "حنين"..
مش عايزة حد من الشوفيرات يكلم بابي يعرفه.
= تحت أمرك.. اتفضلوا.
مشوا للأمام خطوتين فأوقفهما قائلاً:
_ لا مؤاخذة يا آنسة لينا.. هتروحي هناك باللبس ده؟
هزت رأسها بتساؤل وقالت: ماله؟
_ ماله إيه! مينفعش حضرتك دي منطقة شعبية.. هتدخلي كده إزاي؟
قامت بالاتصال بـ"موانا" وقالت:
"موانا" هاتيلي بنطلون وتيشيرت بسرعة عند الحمام اللي عند الـ pool. بسرعة.
قامت بتبديل ملابسها وذهبت مع "حنين" برفقة "رزق".
بعد حوالي ساعة توقف "رزق" بسيارته أمام منزل "حنين" التي أسرعت بالركض للأعلى فقال:
_ أنا هستناكي في العربية بس يا ريت متتأخريش عشان لو جمال بيه اكتشف إني مشيت هيخرب بيتي.
أومأت بموافقة وصعدت خلف "حنين".
***
فتحت "حنان" الباب فوجدت "حنين" وبرفقتها "لينا" التي تبغضها كثيراً فأفسحت لهم الطريق على مضض.
تحدثت "حنين" بلوعة: بابا ماله؟
_ ضغطه على فجأة ووقع في الأرض.. بس الدكتور عطاه علاج وبدأ يفوق الحمد لله.
تنهدت براحة وقالت: الحمد لله.. أنا هدخل أشوفه لو صاحي هنده لك يا "لينا".
دخلت إلى غرفة والدها فوجدت والدتها تجلس بجانبه وتحادثه بصوت خفيض كعادتهما فقالت:
_ ما شاء الله.. يعني تخضني عليك وتجيبني على ملا وشي وانتوا هنا عاملين فيها عصافير الحب.
تحدث العم "بكري" بصوت متعب قليلاً وقال:
_ والله أنا قلت لأختك بلاش تقلقيها وسيبيها مع صاحبتها بس هي صممت تكلمك.
= طبعاً وهي أستاذة حنان تتوصى؟ يلا أهي فرصة عشان "لينا" تشوفك.
_ بجد "لينا" معاكي؟ طب دخليها بسرعة.
طرقت "لينا" الباب ودخلت بعد أن استمعت إلى نداء "حنين".
ذهبت إلى حيث يرقد العم "بكري" وجلست بجانبه بعد أن صافحته قائلة:
_ ألف سلامة عليك يا عمو.. ربنا يشفيك يا رب.
ابتسم "بكري" بود بالغ وقال: الله يسلمك يا حبيبة عمو.. فينك يا بت يا نصابة من زمان؟
_ موجودة أهو.. بس مش بخرج كتير.
"و مفيش بوسة ولا حضن كده لمرات عمو.. ماشي"
تحدثت زوجة "بكري" بحزن مصطنع فقالت "لينا":
_ يا خبر.. أنا آسفة يا طنط بس لهفتي على عمو بكري خليتني مخدش بالي.
نهضت و صافحتها محتضنة إياها ثم جلست مرة أخرى.
_ كل سنة وانتِ طيبة يا لولو.. إن شاء الله أبقى كويس بس وهديتك عندي.
= حبيبي يا عمو وانت طيب.. وهديتك وصلت من غير أي حاجة.. ربنا ميحرمنيش منك.
دخلت "حنان" بنزق ووضعت صينية عليها كوبان من الشاي وقالت: هتشربي شاي يا لينا ولا نجيب لك عصير؟
_ لا ميرسي يا حنان مش عايزة حاجة.. أنا هنزل عشان "رزق" مستنيني تحت.
تحدثت "سماح" زوجة "بكري" قائلة: لااا ورحمة النبي ما تحصل أبداً! ده انتي مش هتمشي قبل ما تتعشي معانا وهو كمان هناديه يطلع يتعشى معانا.
_ لا والله يا طنط معلش مش هينفع.. خليها مرة تانية.
= لا والله ده أنا حلفت.. هتوقعي يميني؟
_ طيب انتي بتلبسي ورايحة فين؟
= نازلة أنادي الجدع اللي مستني تحت ده!!
_ خلاص خليكي وأنا هكلمه في الموبايل.
قامت بالاتصال بـ"رزق" الذي أجاب مسرعاً:
_ أيوة يا آنسة لينا!! نزلتي؟
= لأ يا رزق.. مامت حنين مصممة إننا نتعشى قبل ما نمشي وحلفت وأنا مش عارفة أعمل إيه؟
_ طيب اتعشي معاهم بس عالسريع ربنا يخليكي.
= لأ ما هي مصممة إنك تطلع انت كمان تتعشى!
_ لاا لااا لااا.. مينفعش أطلع وأسيب العربية كده ده أنا أنزل ألاقي العيال قالبينها عربية كارو.. اتعشي انتي بألف هنا وأنا مستني.
التقطت "سماح" الهاتف من "لينا" وحادثته:
_ هو إحنا هنتحايل عليك يبني ولا إيه ولا إحنا مش قد المقام؟
= لأ العفو يا فندم بس.....
_ مبسش.. وأنا مش فندم.. أنا خالتك أم خالد.. هتطلع ولا أنزل لك؟
= أمري لله.. هطلع حاضر.
صعد "رزق" إلى شقتهم وطرق الباب ففتحت "حنان" التي شردت به لوهلة وقالت: نعم؟
أشاح بوجهه بحرج فظهرت والدتها تقول:
_ نعم إيه.. وسعي للراجل خليه يدخل.. اتفضل يبني.
حمحم عالياً وألقى تحية السلام ثم دخل.
_ تعالي يبني اتفضل.."لينا" جوه مع الحج.
التقط بـ عين خبيرة نظرات "حنان" المتفحصة فأطرق رأسه أرضاً ودخل الغرفة بعد أن ناداه والدها:
_ اتفضل يبني.. البيت بيتك.
صافحه قائلاً: ألف سلامة على حضرتك.. أجر وعافية إن شاء الله.
_ الله يسلمك يبني.. اتفضل اقعد.
جلس هو على المقعد المقابل للفراش وسرعان ما دخلت "سماح" تحمل صينية كبيرة عليها الكثير والكثير من أصناف الطعام فنهض "رزق" على الفور والتقط من بين يديها الصينية حتى وضعت طاولة صغيرة فوضع الطعام عليها.
_ يلا يبني مد إيدك.. يلا يا لولو.
تحدث "بكري" إليهم بود وبساطة ثم بدأ الجميع بتناول الطعام.
بدأ "بكري" الحديث متسائلاً:
_ بقالك كتير شغال مع جمال بيه يا رزق؟
= بقالي 4 سنين.. من وأنا عندي 25 سنة تقريباً.
_ وقبل كده كنت شغال إيه؟
= يوووه يا عم بكري.. متعدش.. اشتغلت حاجات كتير جداً وآخرها جرسون في مطعم من مطاعم البيه وهو شافني هناك أول مرة وزي ما تقول كده استخسرني في الشغلانة.. جربني معاه في كذا مصلحة ولما لقاني ييجي مني خلاني دراعه اليمين زي ما بيقولوا.
_ شكلك شقيت كتير يا رزق يبني.. أنا وأنا في سنك كده اشتغلت واتبهدلت.. لفيت مصر القديمة حتة حتة وشارع شارع بسأل على شغل لحد ما عينوني خفير على حارة متطرفة كده.. قعدت في الشغلانة دي لحد ما اتجوزت وخلفت عيالي الأربعة وكبروا كمان وبعدها سيبنا مصر وجينا إسكندرية.. بس تعرف؟ كانت أحلى أيام والله.
= طيب وليه سبت الحارة دي طالما كنتوا مرتاحين هناك؟
_ الله يسامحهم العيال بقى.. قال بيقولك يا سيدي الحارة كانت مسكونة بالعفاريت.. تصدق؟
ابتسم "رزق" قائلاً: ما عفريت إلا بني آدم.
_ قوللهم يا سيدي.. كل ده عشان طلعت بنت صغيرة من البير كانت أمها والعياذ بالله راميها وبعدها بيومين لقينا عيل تاني جنب نفس البير بس ميت!! أهل الحارة كلهم قالولك إيه.. ده البير مسكون وهو اللي بيموت العيال.
سعل "رزق" بشدة وأصابه التوتر ثم توقف عن الطعام فجأة وقال:
_ آحنا لازم نمشي.. اتأخرنا جداً وجمال بيه هيعمل مشكلة!
= طيب كمل أكلك.. ده انت مأكلتش حاجة!
_ معلش اعذرني يا عم "بكري" لازم نمشي.
مع إصراره وافق العم بكري فأخذ "لينا" وانصرف.
رواية في غيابة الجب الفصل السابع 7 - بقلم نعمة حسن
إستني بس يا رزق إنت مستعجل ليه كده؟!
قالتها "لينا" وهي تركض خلف "رزق" الذي نزل السلم مسرعاً متسائلة بتعجب و حنق في آن واحد.
=الوقت إتأخر و جمال بيه هيخلي ليلتي سودا.. ده مش بعيد يمشيني!
_يسلام!! ليه كل ده يعني؟!
=اركبي بس يا آنسه لينا و نتكلم.
صعدت إلي السيارة بجانبه و أدار هو محرّك السيارة فسألته مجدداً:
_مالك متوتر كده ليه؟! في حاجه حصلت؟! أو عمو قال حاجه ضايقتك؟!
تجهمت ملامح وجهه و لكنه أخفاها ببراعة قائلاً:
_لا بالعكس ده عم بكري قعدته حلوة و ميتشبعش منها..
بس أنا قعدت أحكي ونسيت نفسي، وفجأة افتكرت إننا اتأخرنا، وزمان الحفلة خلصت، وأكيد البيه لاحظ غيابنا.
إقتنعت بحديثه نسبياً، وقالت:
_ متقلقش يا رزق، أنا هحكي لبابي كل حاجة، وهو لما يعرف إني كنت مع "حنين" مش هيتكلم.
= أنا مش قلقان سعادتك، أنا بس مش عايزاه يقول حاجة تضايقك أو يـ............
بتر كلمته عندما توقف محرك السيارة فجأة، فلعن تحت أنفاسه بغضب قائلاً:
= هو ده يومه!
أخرج هاتفه من جيبه ليقوم بعمل اتصال ما، ولكن ذهله عندما رأى كم الساعة!
= دي الساعة 3 بالليل!!
هزت كتفيها بلا مبالاة وقالت:
= وإيه يعني!
= إيه يعني إيه! إيه يعني دي لما نبقى هناك في الكومباوند، إنما هنا مشكلة طبعاً.. يستحيل نلاقي ميكانيكي فاتح دلوقتي.
استمعا إلى رنين هاتف "رزق" الذي لوى شفتيه متصنعاً الخوف، مما جعلها تضحك بشده وتمتم:
_ ده جمال بيه.. يا داهية دقي!
أخذت منه الهاتف تحت نظراته المتعجبة وأجابت والدها:
_ أيوة يا بابي!
= لينا! إنتي فين ومال صوتك! وبتعملي إيه مع رزق دلوقتي!
تصنعت "لينا" الحزن وقالت:
_ أصلي كنت مع "حنين" لأن باباها كان تعبان جداً، وكلمت رزق ييجي ياخدني لأن الوقت كان اتأخر، لكن وإحنا راجعين العربية طُلِت وواقفين في نص الطريق دلوقتي!
= طيب طيب أديني رزق.
ناولته الهاتف مبتسمة بمكر، فتحدث قائلاً:
_ أيوة سعادتك!
= أيوة يا رزق.. قوللي مكانكوا فين بالظبط وأنا هبعتلكوا حد ياخدكوا.
أملاه "رزق" العنوان وأنهى الاتصال، ثم زفر براحة قائلاً:
_ الحمد لله عدت.
ابتسمت "لينا" وقالت:
_ بابي ده طيب جداً.. سهل يتضحك عليه بكلمتين.. إنما مامي.. يوووه عليها.. صعبة أوي!
ابتسم لحديثها ولم يعقب، ولكنها فاجئته عندما قالت:
_ تعرف يا رزق.. لما عمو بكري كان بيحكي عن البنت اللي طلعها من البير دي اللي مامتها رمتها.. وقتها بس حسيت إني عايزة أشكر ربنا كتير أوي لأن كان ممكن أكون مكان البنت دي وأموت أو أتشرد أو حتى الناس اللي يربوني يكونوا مش كويسين ومستقبلي يضيع.. لكن الحمد لله ربنا عوضني بأب وأم حقيقيين وبيحبوني وأنا بحبهم ومخليني مش ناقصني حاجة.. ربنا ده كريم أوي يا رزق.
حاول جاهداً إخفاء توتره ولم يحرِك ساكناً، بل اكتفى بالنظر للأمام قائلاً:
_ بتصلي يا آنسة لينا؟
نظرت له بتعجب طفيف، ثم ابتسمت بخفة وقالت:
_ بصلي أيوة بس مش منتظمة بصراحة!
= ربنا يثبتك ويهدينا جميعاً.
_ ياارب... تعرف إن إنت شخص مريح جداً يا رزق!
ابتسم بعفوية وقال:
_ ده من أصلك الطيب يا آنسة لينا.
_ بجد مش بجاملك.. إنت فعلاً عفوي ومريح جداً وطيب أوي كمان.. إنت عايش لوحدك يا رزق!
= أيوة سعادتك.. أمي وأبويا متوفيين وليا أخ واحد متجوز وقاعد في السعودية.
_ وإنت مش مرتبط!
ضحك عالياً، لأول مرة يضحك ملء فمه هكذا، فقال:
= مرتبط إيه بس يا آنسة لينا! الإرتباط ده له ناسه.
استنكرت حديثه وقالت:
_ ليه يعني! ناقصك إيه!
_ الحسبة مش حسبة نواقص وكماليات يا آنسة لينا.. بس الارتباط ده مش سهل بردو.. وبعدين أنا مش عايز أتجوز أي جوازة والسلام.. أنا عايز اللي أتجوزها دي أكون بموت فيها موت كده.. أحبها بغباء يعني وهي كمان لازم تكون بتعشقني.. ما هو أنا وحيد يعني مهيبقاش حيلتي غيرها وأنا عايزها كمان ميبقاش حيلتها غيري.. فين بقا على ما ألاقيها ويا عالم لو لقيتها هعرف أتجوزها ولا لأ.
نظر لها فوجدها تبتسم بشدة وعينيها تلمع من شدة التأثر بحديثه، وقالت:
_ إنت جميل خالص يا رزق.. إن شاء الله هتلاقيها وهتتجوزها.. إنت تستاهل كل خير.
= قولي ياارب.. يلا "حامد" جه بالعربية أهو.
ترجلت من السيارة برفقته وانتقلا إلى السيارة الأخرى عائدين إلى الفيلا.
***
بعد مرور أسبوعين، وأثناء مرور "بسمة" بجانب غرفة لينا ليلاً، استمعت إلى همهمات بجانب غرفتها.
تقوس حاجباها بتعجب شديد، ثم ألصقت أذنها على الباب تنصت لما تقوله، ولكنها تعجبت بشدة!
_ طيب يا "بابسي" إنت شوفتهم وهما بيعملوا كده!
_ وإيه مجيتش قولتلي فوراً! كنت طردتهم بسرعة.
_ متزعلش يا "بابسي" إحنا البني آدمين معندناش ربع الوفاء اللي عندكم.
_ بس توعدني متحكيش أي حاجة لحد أما أتصرف!
_ شاااطر يا بابسي.. إنت جميل خالص!
فتحت "بسمة" الباب بغتة، وقالت وهي تحدق بـ"لينا":
_ إنتي بتكلمي مين يا لينا!
جحظت عينا "لينا" بحدة وقالت بغضب:
= يا مامي قولتلك متدخليش من غير ما تخبطي.. زهقت أقوللك.. ده عدم احترام لخصوصيتي على فكرة!!
_ علي.. بتكلمي مين!
لم تجبها "لينا" وأشاحت بوجهها لليسار.
نظرت بسمة يميناً ويساراً، فوجدت هاتف لينا ملقى بإهمال فوق مكتبها، فقضبت جبينها بذهول!
_ موبايلك هناك أهو.. أومال كنتي بتكلمي مين!
نظرت لها "لينا" ولم تجب، فذهبت بسمة وأمسكت بيديها بإحكام شديد وأعادت سؤالها:
_ ردددي عليا.. كنتي بتكلمي مين! بتكلمي نفسك!
= أكلم نفسي ليه! شيفاني اتجننت!
نطقت لينا بتلك الكلمات بصيغة مستنكرة، فقالت "بسمه":
_ طيب فهميني إنتي.. بتكلمي مين!
= بكلم "بابسي"!
اتسعت عينا "بسمة" بصدمة ورفرفت أهدابها بعدم تصديق، ثم تمتمت:
_ بابسي!
نظرت إليها مرة أخرى وقالت:
_ بابسي الكلب! بتكلميه إزاي يعني!
_ يوووووه.. بكلمه زي ما بكلمه.. لو سمحتي يا مامي سيبيني دلوقتي عايزة أنام.
نظرت لها بسمة بتعجب شديد وأومأت، ثم انصرفت إلى غرفتها.
دخلت غرفتها وعلى وجهها ترتسم أمارات الدهشة، فتساءل جمال قائلاً:
_ مالك يا بسوم.. متنحة ليه كده!
جلست بجانبه وتحدثت إليه بهدوء لم يخلو من الدهشة وقالت:
_ بنتك كانت بتكلم نفسها!!
ضيّق بين حاجبيه واعتدل بجلسته، ثم تساءل باهتمام:
= بتكلم نفسها إزاي يعني!
_ كنت معدية من قدام أوضتها فسمعت صوتها بتتكلم مع حد.. وقفت أسمع بتكلم مين لقيتها بتقول كلام غريب كده ومفهمتش حاجة.. فدخلت فجأة لقيتها قاعدة لوحدها وحتى موبايلها كان بعيد عنها.. ولما سألتها بتكلمي مين قالتلي.....
قطعت "بسمة" حديثها وهي تقلب كفيها من فرط التعجب الذي ألم بها، فسألها جمال:
= هااا.. قالتلك إيه!
_ قالتلي بكلم "بابسي"!!!
برزت عينا "جمال" بصدمة وقال:
= نعم! بابسي! الكلب! إزاي يعني!
_ زي ما بقولك كده.. وبابسي نايم تحت أصلاً.. لينا كانت بتكلم نفسها يا جمال.. ودي مش أول مرة.. كتير كنت بسمعها بتتكلم وكنت بفكرها بتتكلم في الموبايل.
= طيب مش جايز كانت بتكلم حد وساعة ما دخلتي دارت منك الموبايل!
_ بقولك موبايلها مكانش جمبها أصلاً.. أنا شوفته على المكتب بيشحن.
ازدادت حيرتهم، فقالت:
_ جمال إحنا لازم نموت "بابسي".
نظر لها متفاجئاً، فقالت بتأكيد:
_ الكلب ده في روح سكنته وبتتجسد في هيئته.. لازم نقتله قبل ما يأذيها أو يجننها.
أومأ مرات متكررة بتأكيد لحديثها وقال:
_ صح.. كلامك صح.. أنا بكرة هخلي "رزق" يموتُه.
= أيوة والنبي يا جمال بسرعة قبل ما يعمل فيها حاجة.
_ حااضر.. يلا دلوقتي ننام وبكرة هخلص من الموضوع ده نهائي.. تصبحي على خير.
***
باكراً.. نزل "جمال" منادياً "رزق" الذي أتى على وجه السرعة قائلاً:
_ جمال بيه صباح الخير.. كان في حاجة حصلت من يوم حفلة عيد ميلاد الآنسة ومجتش فرصة أحكيلك!
= أجل يا رزق أي كلام في أي حاجة دلوقتي واسمعني.
_ أؤمر سعادتك!
= بابسي لازم يموت حالاً!!
تفاجأ رزق بشدة وقال:
_ ليه سعادتك هو عمل إيه!
_ جرا إيه يا رزق إنت هتحقق معايا!
= لا مؤاخذة يا فندم مش القصد.. بس بابسي إنت عارف إنه الهانم الصغيرة متعلقة بيه.. ده روحها فيه.. ولو قتلناه هتزعل.
_ تزعل ولا تتفلق ملكش دعوة.. اللي بقوله يتنفذ.. النهاردة يكون ميت.. سامعني!
قال الأخيرة وهو يمشي للأمام، ولكن توقف عندما استمع لكلمات رزق:
= آسف سعادتك مش هقدر أعمل كده!
رجع خطوتين للخلف وتسائل بتعجب:
_ نعم! مش هتقدر!
= سيادتك أنا مقدرش أقتل بابسي بالذات.. أطلب أي حاجة تانية وأنا مشـ.........
بتر كلمته مفزوعاً عندما استل "جمال" مسدس "رزق" من جيبه بغتة، وصوّب تجاه الكلب فسقط صريعاً.
شُلّت الصدمة حركته وألجمت لسانه واتسعت عيناه بذهول وهو ينظر إلى "بابسي" الغارق بدمائه.
تمتم بدون وعي:
_ لينا...
لم يكمل حديثه عندما وجد "لينا" تهرول إلى الأسفل مسرعة وصرخت بشدة عندما رأت "بابسي" ملقى أرضاً.
ازداد بكاؤها الهستيري وصراخها المرتفع حتى تحول إلى تشنج كلي بعضلات جسدها، ثم سقطت فاقدة الوعي في نوبة صرع جديدة.
***
مر أسبوعان على موت "بابسي" ولينا لازالت تلتزم غرفتها، تمتنع عن الطعام إلا قليلاً، وتمتنع عن محادثة أي شخص حتى "بسمه" و"حنين".
دخلت "بسمة" إلى غرفتها تحمل صينية الطعام وابتسمت ببشاشة تحاول مراضاتها ومحايلتها وتقول:
_ يلا يا لولي يا حبيبتي.. كلي عشان بابي النهارده محضر لك مفاجأة هتعجبك أووووي.
نظرت لها "لينا" بحدة أرهبتها وقالت:
_ إخرجي برة!
تسمرت "بسمه" في مكانها وقالت:
_ لينا يا حبيبتي أنا.....
قاطعتها "لينا" بنوبة صراخ وبكاء متجددة وهي تدفعها للخارج حتى أذعنت لها وخرجت.
ذهبت "بسمة" إلى حيث ينتظرها "جمال" الذي تساءل:
_ هاا.. مرضيتش تاكل بردو!
تركت بسمة جسدها ليسقط على الأريكة تختها وقالت ببكاء:
_ بنتي مالها يا جمال! بنتي بتموت بالبطيء.
جلس بدوره بيأس وإحباط، ثم أمسك بهاتفه وقام بمحادثة صديق له.
_ ألو.. أيوة يا عاصم عامل إيه!
= أهلاً.. فين يا عم جمال.. وقعت ولا الهوا رماك!
_ مش وقت هزار يا عاصم.. كنت عايزك في موضوع مهم.
= أؤمرني يا حبيبي!
_ الموضوع بتاع تعب أختك ده.. تعبها الأخير..
= أيوة أيوة.. هي بقت كويسة الحمد لله.
_ كنت عايز الشيخ اللي عالجها.. تعرف توصلني بيه!
= أيوة طبعاً.. ده شيخ تقي ومحترم وبيعمل لله.. بس خد بالك ده مش من عندكوا من إسكندريه..
ده من مصر القديمة.
_أوكي مفيش مشكلة، أهم حاجة يكون كويس.
=لا متقلقش.. عالعموم هبعتلك رقمه على واتساب.
_أوكي.. اسمه إيه؟
=على ما أذكر.. الشيخ بلال!
رواية في غيابة الجب الفصل الثامن 8 - بقلم نعمة حسن
يجلس "جمال" وبرفقته "بسمة"، ويقف إلى جانبهما "رزق" ينتظرون إجابة اتصالهم من الشيخ "بلال".
"ألو، السلام عليكم يا شيخنا."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضل."
"معاك جمال البدري من إسكندرية."
"أؤمرني!"
"الأمر لله وحده.. والله كنت عايز حضرتك تعمل لي زيارة في البيت عندي لأن بنتي تعبانة شوية ومش عارف بصراحة هي فيها إيه بالظبط.. طول الوقت صريخ وتكسير وعياط ورافضة الأكل، ولا بتشوف حد ولا بتخرج من أوضتها."
"أيوه.. تمام، حضرتك أنا في إسكندرية حالياً، كان عندي جلسة.. فقول لي مكانك وأنا أجيلك."
"لا، ابعت لي اللوكيشن وأنا هبعت لك حد ياخدك."
"تمام، ماشي.. بس أي قبل أي حاجة، ياريت ما يكونش في زحمة وناس كتير، حضرتك ووالدتها بس."
"حاضر وهو كذلك.. مع السلامة."
أنهى جمال المكالمة ثم وجه حديثه لرزق قائلاً:
"معلش يا رزق، خد العربية وروح له."
أومأ رزق بكل ترحيب، ثم استقل سيارته وذهب إلى العنوان المنشود، واصطحب الشيخ بلال عائدًا إلى الفيلا.
دخل الشيخ بلال إلى الفيلا، فنهض جمال مرحبًا به قائلاً:
"اتفضل ارتاح يا شيخنا."
"جزاك الله كل خير.. ياريت نبدأ فورًا ونشوف الآنسة."
أومأ جمال بريبة وقال: "اتفضل."
سبقه جمال إلى حيث غرفة "لينا" وبرفقته زوجته، فقال:
"ادخلي لها يا بسمة الأول، وبعدها هدخل أنا والشيخ بلال."
أومأت بسمة ودخلت إلى غرفة لينا ويتآكلها القلق، فقالت:
"لينا يا حبيبتي، بابي داخل ومعاه ضيف."
رفعت لينا بصرها إليها بنظرات غاضبة حادة وقالت بنبرة لا تقبل النقاش:
"اخرجي برة ومش عاوزة أشوف حد، لا هو ولا الضيف اللي معاه."
همت بسمة بالحديث مرة أخرى، ولكن أخرستها نظرة لينا القاسية، فخرجت على الفور.
"ها، ندخل؟"
قالها جمال متسائلاً، فقالت: "بتقولي مش عاوزة تشوف حد وطردتني!"
نظر جمال إلى الشيخ بلال يستجديه، فقال الشيخ:
"طيب، بلاش انتوا، هي أكيد واخدة منكم موقف ما.. مين هي ممكن تسمع له أو تطمن له؟"
قالت بسمة: "لينا ملهاش إخوات، وملهاش صحاب غير واحدة بس، وحتى هي مش راضية تتكلم معاها."
بلال: "طيب، خليني أحاول معاها وإن شاء الله أنجح."
طرق الشيخ بلال طرقات خفيفة على الباب قائلاً:
"آنسة لينا، أنا هفتح الباب.. آنسة لينا، سمعاني؟"
صرخت بحدة وقالت: "قلت مش عاوزة أشوف حد، سيبوني في حالي بقى!"
"آنسة لينا، إنتي لازم تساعدي نفسك أولًا وتسمحي لي أساعدك.. ممكن أدخل؟"
لم تجب، ولكنهم فوجئوا بأصوات تكسير وتهشيم زجاج، ومن بعدها تعلى صراخها وهي تقول:
"مش عاوزة أساعد نفسي ولا عاوزة حد يساعدني.. سيبوني في حالي وبس.. سيبوني في حالي وبسسسسسس."
بالأسفل كان يقف رزق يستمع إلى صراخها المرتفع وبكائها الشديد، فلم يستطع أن يقف هكذا ينتظر، فهرول إلى الأعلى مسرعًا.
"في حاجة يا جمال بيه؟"
قالها رزق بلهث وهو يلتقط أنفاسه المتسارعة من أثر صعوده السلم بسرعة.
أجاب جمال: "زي ما انت سامع.. صريخ وعياط ومش راضية حد يدخل لها."
"طب ممكن أنا أكلمها؟"
فاجئهم بتلك الكلمات، فقال الشيخ بلال: "تعالى، حاول معاها، ممكن تسمع لك."
اقترب رزق من الباب وطرقه بخفة قائلاً:
"آنسة لينا.. أنا رزق.. احممم.. ممكن كلمة؟"
تبادلوا النظرات جميعًا بانتظار ردها، ولكنها لم تتحدث، فتكلم مجددًا:
"ممكن أدخل؟"
صمت لبرهة ينتظر جوابها، ولكنها لم تجب، فقال وهو ينظر لهم ويحادثها:
"أنا هدخل بعد إذنك."
أدار مقبض الباب ببطء وأطل برأسه، فوجدها تشيح بوجهها إلى الجهة الأخرى، فدخل بتريث وهو يحمحم بهدوء وقال بنبرة حانية: "آنسة لينا."
نظرت له بهيئة أرهقت قلبه وأوجعت روحه، فتقدم منها وقال:
"ممكن أتكلم معاكي كلمتين؟"
لم تجب، ولكنها نظرت له نظرات فارغة، فافترض هو موافقتها وجلس على مقعد بجانب فراشها وقال:
"الضيف اللي مع جمال بيه بره جاي يساعدك، مش هيأذيكي.."
ده شيخ وحافظ كلام ربنا، ولو شوفتيه هترتاحي له بمجرد النظر في وشه بس، متقلقيش من حاجة.
نظرت له مباشرة وقالت:
_ جايبين لي شيخ ليه؟ مفكرين إني ملبوسة؟
نظر لها بهدوء وقال:
لأ أبداً، هو جاي يقرأ لك قرآن ويتكلم معاكي شوية بس، كلنا عارفين إنك زي الفل.
ظلت تنظر له بثبات وقالت:
مش عايزة حد منهم يدخل معاه.
قال بتريث:
اللي تحبيه طبعاً، بس يعني ميصحش يدخل لوحده، حتى عشان انتي تكوني مطمنة.
_ خلاص، خليك إنت.
صدمته كلماتها وأطربت قلبه، ولكن لم يظهر ذلك، فأومأ موافقاً وذهب إليهم وقال:
_وافقت إن الشيخ بلال يدخل.
تبسّم محياهم بسرور، ولكنهم فوجئوا عندما قال:
_ بس عيزاني أنا اللي أدخل مع الشيخ!
قطب جمال حاجبيه بتعجب وقال:
آشمعنا إنت؟
قال الشيخ بلال:
أكيد هي واخده موقف منكم زي ما قولتلك، فـ يستحسن تسيبوها براحتها.
أومأ جمال موافقاً وأشار لرزق للدخول برفقة الشيخ بلال، ومن ثم أوصد الباب خلفهم.
حمحم الشيخ بلال وقال:
السلام عليكم! ازيك يا آنسة لينا؟
نظرت لوجهه البشوش ومحياه الباسم وقالت بإقتضاب:
كويسة.
_ الحمدلله، يا رب دايماً كويسة.
ذهب إلى المقعد الموجود بجانب سريرها وسحبه وجلس عليه، ثم بدأ حديثه:
_ بسم الله الرحمن الرحيم "( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) صدق الله العظيم.
نظرت له "لينا" بأعين غاضبة نافرة وتحدثت بصوت مرتفع:
برررررره.. كله بره....بررررررره.
نظر لها الشيخ بلال بثبات وتجاهل صراخها ونحيبها، وبدأ بتلاوة آية الكرسي وقال:
_ بسم الله الرحمن الرحيم "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في.........
قطع تلاوته عندما استمع إلى ضحكاتها المرتفعة المتواصلة، ونظر إليها بإهتمام حتى توقفت عن الضحك وقالت:
_ طبعاً إنت بالشويتين اللي أنا عملتهم بصمت بالعشرة إني عليا جن.. مش كده؟
لم يحيد ببصرها عنه وظل ينظر لها بثبات، فارتفعت ضحكاتها مرة أخرى وقالت:
_ مش قادرة بجد.. والمفروض إنك.. لما تقرأ قرآن، أنهارت بقا وواقع في الأرض مش كده؟
أجاب الشيخ بلال بكل هدوء:
_ ومين اللي قاللك إني افترضت إنك ممسوسة من جن؟
= أومال بتقرأ قرآن ليه؟
_ لأن كل حاجة علاجها بالقرآن، مش شرط تكوني ممسوسة.
بدا عليها الاقتناع نسبياً، فاقترب منها ووضع يده فوق رأسها وبدأ بتلاوة بعض الآيات من سورة "يس"، فبدأت هي بالبكاء الصامت دون انفعال.
فرغ من تلاوته وازاح يده بعيداً عنها، فجففت هي دموعها ونظرت له بأعين حزينة مهمومة.
رق قلبه لرؤيتها هكذا وقال:
_ ممكن يا آنسة لينا تعتبريني زي والدك أو أخ كبير ليكي وتحكيلي إيه مشكلتك أو بتحسي بإيه وإيه اللي مضايقك، وأهو لو معرفتش أنفعك مش هضرك.
= أنا عمري ما حد حبني، وعمري ما حد اختار راحتي.. من يوم ما اتولدت وأنا بعيش حياة مش بتاعتي.. ناس مش من دمي.. مليش قرايب مليش صحاب.. مليش أصل!
أجهشت بالبكاء وتابعت حديثها قائلة بإنفعال:
أنا معدومة النسب، معرفش مين أبويا.. معرفش اسمه حتى.. كل اللي اعرفه إن ما اختارنيش ومحبنيش، وحتى أمي الحقيقية اتخلت عني.. لو كنت عايشة مع أبويا وأمي الحقيقيين أكيد كان هيبقالي إخوات هيبقالي قرايب.. هيبقالي تيتا حنينة أروح أنام في حضنها وأحكيلها.. هيبقالي عزوة وأهل.. هيبقالي أصل!!
حاول إخفاء دهشته من حديثها وسألها:
هو جمال بيه مش والدك؟
هزت رأسها بنفي، فأومأ برأسه وقال:
_ بصي يا آنسة لينا.. السعادة في الرضا.. ارضي باللي ربنا قسمهولك عشان تحسي بطعم حياتك وبطعم الحلو اللي فيها.. متقوليش لو كنت عايشة مع أبويا وأمي الحقيقيين كان بقالي كذا وكذا وكذا.... لا قولي يا ترى لو مكنتش عايشة مع أبويا وأمي الحاليين كان هيكون مصيري إيه؟ الحمد لله إنتي أحسن من مئات الناس اللي بنفس ظروفك.. دي نعمة تستحق تشكري ربنا عليها ليل ونهار.
نهض واقفاً وقال:
إنتي زي الفل.. مفيش فيكي أي حاجة، محتاجة بس تقربي من ربنا أكتر وتصلي بإنتظام على قد ما تقدري، وهكتبلك وصفات طبيعية هتساعدك عشان تطردي الطاقة السلبية من جسمك وتقللي من نوبات الصرع كمان.. ولو في أي وقت حبيتي إني أزوركوا هنا مفيش مانع، الكارت بتاعي هيكون مع جمال بيه وممكن يطلبني في أي وقت.. عن إذنك.
خرج من الغرفة مع رزق، ليتسائل جمال وزوجته بإهتمام ونفاذ صبر:
هاا يا شيخ عملت إيه؟
_ بنتكم زي الفل، مفيش فيها أي حاجة.. بس نصيحة مني تعرضوها على دكتور نفسي لأنها مكتئبة اكتئاب شديد.. هكتبلكوا على وصفات طبيعية زي القرنفل بالعسل ومية الحمص محلاة بالعسل برضو.. دول لازم تواظب عليهم يومياً.. ويا ريت بلاش حيوانات زي الكلاب والقطط في البيت لأن دمهم حامي وبيتهيبروا وبينشروا طاقة سلبية كمان.. يستحسن لو تبدلوهم بحيوانات دمها بارد زي السلحفاة مثلاً أو تجيبوا حوض سمك.. وده الكارت بتاعي عليه رقمي لو احتجت إني آجي في أي وقت أرقيها ممكن تكلمني.. ربنا يتم شفاها على خير.. عن إذنكوا.
تحدث جمال وقال:
شكراً يا شيخ بلال.. ربنا يجازيك خير.
ثم تحدث إلى رزق وقال:
مع الشيخ يا رزق وقم باللازم.
بلال:
لا مفيش داعي.. كله لوجه الله.. السلام عليكم.
انصرف رزق برفقة الشيخ بلال، وأمر "حامد" السائق بإيصاله حيث يريد، وذهب لشراء الأغراض المطلوبة ثم أخذها ورجع إليهم.
***
أمسك "جمال" بالكارت يقلبه بين كفيه، ثم قرأ الإسم بتمهل، سرعان ما تحول إلى صدمة.
_ الشيخ المعالج بالقرآن والسنة / بلال السيد الشيخ.
نظر إلى "بسمة" التي تعجبت ذهوله وقالت:
_ في إيه مالك؟
= الشيخ بلال اسمه.. بلال السيد الشيخ.
_ أيوة ماله يعني؟! ... بتقول مين؟!
قالت الأخيرة بصدمة وذهول مماثل، ثم تابعت:
_ معقول يكون أخوها؟ يعني ده خال لينا؟
استمع "رزق" إلى حديثهم بصدمة لا تقل عن صدمتهم، وسرعان ما عاد أدراجه للخلف مبتعداً بسرعة!
رواية في غيابة الجب الفصل التاسع 9 - بقلم نعمة حسن
"لقد بدأ جسدي ينتقم مني، بات هذا واضحًا، لم أعتني به بشكل جيد، أرهقته في كل شيء!"
بتلك الكلمات المقتضبة خطت "لينا" بقلمها في دفترها الأسود والذي افتقدته كثيرًا، ثم أغلقته ونهضت.
ذهبت ووقفت بشرفتها تنظر إلى الفراغ بأسفل نظرها والهدوء الذي خلفه "بابسي" خلفه.
استمعت إلى طرقات على باب غرفتها فأذنت بالدخول، ولكنها تفاجئت عندما رأت "رزق" يدخل وبحوزته صندوق "سمك زينة" كبير ويقول:
"ممكن تقبلي مني الهدية البسيطة دي يا آنسة لينا؟"
ذهبت إليه وحملت عنه الصندوق وهي تبتسم بسعادة وقالت:
"الله.. ده جميل خالص.. ميرسي يا رزق بجد."
ابتسم رزق وقال بسعادة لرؤية سعادتها:
"العفو حضرتك.. أنا مبسوط إنه عجبك."
"أي حاجة منك حلوة يا رزق.. شكرا ليك."
"الشكر لله يا ست البنات.. طيب هتحطي حوض السمك ده فين؟"
نظرت حولها بحماس وقالت: "إنت إيه رأيك؟"
"والله أنا من رأيي يبقى في وش السرير كده.. بحيث يبقى منظر مسلي يعني ممكن لو قاعدة تسرحي معاهم وكده."
"برافو عليك يا رزق.. ساعدني بقى ننقل المكتب ونحطه مطرحه."
"عنك انتي.. أنا هنقله خليكي مرتاحة."
قام بنقل المكتب ووضع صندوق السمك عوضًا عنه وقال:
"هاا.. إيه رأيك؟!"
صفقت بيديها في حماس وسعادة قائلة:
"شكلهم حلو أوووي.. وألوانهم جميلة."
قال ممازحًا: "شوفي البرتقانية دي.. اسمها لينا على اسمك!"
نظرت له بتعجب وانفجرت ضاحكة، بينما ظل هو يتمعن بوجهها المرهق الشاحب بأسف وحزن بالغين، ولكن ابتسم عندما استمع إلى ضحكاتها.
قالت: "وإشمعنا البرتقانية دي بقى؟"
"يعني.. هادية زيك كده وتحسيها غامضة ومليانة أسرار وعيونها جميلة كمان!!"
قال الأخيرة بلا وعي منه، ولكنها ابتسمت بمكر وقالت:
"دي أنا ولا السمكة؟"
قال بشرود: "هي مين دي؟"
ابتسمت ونظرت إلى عينيه مباشرة وقالت:
"مين اللي عيونها جميلة؟ أنا ولا السمكة؟"
أفاق من شروده وتنحنح بحرج بالغ وقال وهو يبتعد بعينيه عنها:
"إنتوا الاتنين بصراحة.. عن إذنك أنا هنزل بقى.. تؤمريني بحاجة؟"
وقفت أمامه ونظرت إليه بثبات:
"شكرا يا رزق على اهتمامك.. إنت جميل خالص."
"نظر أرضًا وقال: العفو يا آنسة لينا.. عن إذنك."
نزل من غرفتها وخرج من الفيلا وهو يتمتم:
"الصبر من عندك ياارب."
***
يجلس "جمال" برفقة "بسمة" وبجانبه الأوراق التي تحتوي على بيانات "لينا" ومحضر العثور الخاص بها وأوراق الكفالة كذلك.
تنهد بقلق وقال: "في محضر العثور كان اسم الأم ما زال مجهول.. وده لأن زي ما مديرة الدار قالت إن الأم ماتت يوم ما ولدتها ومتعرفوش عليها، بس لما لينا راحت المركز الصحي طلعوا لها شهادة ميلاد، وفي الوقت ده كان ظهر محضر اختفاء باسم 'هند السيد الشيخ'، وبعد التحريات ثبت إن هند دي هي مامت لينا."
سألته "بسمة" بتوتر: "طب افرض طلع الشيخ بلال ده أخو هند مامت لينا فعلاً.. هنعمل إيه؟"
زفر بشدة وقال: "مفيش قلق منه.. هما تنازلوا عن رعايتها لما كانت بيبي لسه وده مثبت بالورق.. يعني ملوش حق دلوقتي يطالب برجوعها ليه.. عالعموم بلاش نسبق الأحداث وخلّينا نستنى لما أشوف رزق هيعمل إيه!"
دخل "رزق" بعد أن سمح له جمال بالدخول وجلس وبدأ يتحدث:
"كلمت الواد بتاعنا اللي في السجل المدني وجاب لي معلوماته يا فندم."
ثم أخرج من جيبه ورقة فتحها وبدأ بقرائتها:
"اسمه رباعي 'بلال السيد السيد الشيخ'. ٤٥ سنة.. متجوز وعنده ولدين 'محمد وعبدالرحمن'.. من الجيارة في مصر القديمة."
"من الجيارة؟ عجيبة.. ده أنا كنت هناك دايما واشتغلت هناك فترة قبل ما أنزل إسكندرية بس عمري ما سمعت الاسم ده!!"
صمت "رزق" برهة وأكمل وكأنه يعتذر بنظراته مسبقًا:
"وملوش غير أخت واحدة 'هند السيد السيد الشيخ' متوفية."
أغمض جمال عينيه بحسرة وأرجع ظهره إلى الوراء ثم زفر بقلة حيلة قائلاً:
"قطع الورقة دي يا رزق ولا كأنك عرفت حاجة."
ضيق رزق بين حاجبيه متعجبًا وقال:
"يعني إيه حضرتك؟! مش هتبلغ الآنسة لينا؟!"
حدقته "بسمة" بنظرات غاضبة وقالت:
"نبلغ لينا بإيه يا رزق؟ وفرضًا هي اختارت تروحله هنعمل إيه وقتها؟"
لم يجيب رزق وتكلم جمال وقال: "لينا يستحيل تسيبنا.. وبعدين هي لو عرفت إن أهل أمها اتنازلوا عن حضانتها هتكرههم أكتر ومش ممكن تفكر تروحلهم."
"بس كده هتبقوا بتخدعوها سعادتك!"
أطلق رزق لسانه بكل جرأة وتفوه بتلك الكلمات، فصوّب جمال ناحيته نظرات نارية محذرة وقال:
"مش معنى إني بعتبرك زي ابني يا رزق وبحكيلك كل حاجة إنك تتخطى حدودك معايا.. لينا بنتي وأنا أكتر حد يعرف مصلحتها فين."
أومأ رزق بموافقة وتمتم معتذرًا، فسأله جمال وكأنه تذكر شيئًا توه:
"صحيح يا رزق كنت من فترة كده قولتلي إن في حاجة حصلت يوم عيد ميلاد لينا.. حاجة إيه؟"
"ااااه.. لا دي حاجة مش مهمة يا فندم بلاش أشغل دماغك بيها.. أستأذن أنا."
انصرف "رزق" وخرج ليجلس بمكان نائي بحديقة الفيلا وظل يحدث نفسه ويقول:
"عايزني أقول لك إن أبو صاحبة لينا الوحيدة هو اللي لقاها لما كانت في البير؟ ده انت كنت أجبرتها تقطع علاقتها بيها.. إذا كان خالها ومش عايز تعرفها بيه عشان خايف تسيبك وتروحله يبقى هتعمل إيه مع صاحبتها؟!"
قطع حديثه متفاجئًا عندما رأى "لينا" تقف أمامه وهي تضع وشاح خفيف على كتفيها وتضم نفسها بيديه وتقول:
"بتكلم نفسك يا رزق؟"
جلست بجانبه وتابعت: "إوعى تكون مجنون زيي؟"
ضحك وقال: "بعد الشر عنك يا آنسة لينا، ده انتي ست العاقلين."
ضحكت ببشاشة وقالت:
"أومال قاعد لوحدك ليه؟ شكلك كده بتحب."
نظر إليها بتخبط وأشاح بوجهه عنها قائلاً:
"أحب؟ جايز بردو."
"اممممم.. دي يبختها اللي انت بتحبها يا رزق."
"هه.. إشمعنا بقا؟"
"عشان هتكـ....... ثواني يا رزق."
ارتفع رنين هاتفها فأجابت:
"ألوو.. أيوة مين؟"
"يعني لازم أرن عليكي من موبايل غريب عشان تردي يا لينا؟ يبنتي حرام عليكي."
نطقت "حنين" بتلك الكلمات غاضبة فزمّت لينا شفتيها بأسف وقالت:
"أنا آسفة يا حنين.. متزعليش مني."
"عمري ما أزعل منك طبعًا.. أنا جيالك حالا."
"هستناكي.. متتأخريش عشان وحشتيني."
أنهت لينا المكالمة ثم نظرت إلى رزق وتحدثت:
"دي حنين أو 'نانا' يعني زي ما بتحب إني أناديها.. تعرف يا رزق!! أوقات بحس إنها مامتي مش صاحبتي ولا أختي حتى.. حنينة أوي وحضنها حنين كمان.. أحن من حضن مامي.. كل لما بتحضني ببقى هعيط.. نانا دي الوحيدة اللي مقدرش أخسرها يا رزق ولا أقدر أعوضها."
ابتسم رزق وقد تيقن أنه أحسن التصرف بعدم إخبار جمال عن هوية "حنين" ثم قال:
"من حبه ربه حبب فيه خلقه يا ست البنات، وإنتي الناس كلها بتحبك.. ربنا ميحرمكوش من بعض."
ظلت تنظر له بابتسامة متسعة وقالت:
"بحب أسمعها منك أوي يا ست البنات دي يا رزق."
قال ممازحًا: "جميلة خالص مش كده؟"
ضحكت بشدة وقالت: "جميلة خالص فعلاً."
أمسكت بهاتفها لتقوم بالاتصال بـ حنين ولكنها وجدته مغلقًا، فقالت:
"موبايلي فصل شحن بقالي كذا يوم مشحنتهوش.. كنت عايزة أكلم حنين أسألها فين دلوقتي.. هقوم بقى أكلمها من فوق."
"لا وعلى إيه تتعبي نفسك؟! اتفضلي كلميها من عندي."
أمسكت بهاتفه بعد أن تبسمت شاكرة ولكنها توقفت عند شيء ما، فقالت بابتسامة متعجبة:
"إنت مسيڤ رقمي عندك باسم 'فلة'؟!"
أصابه التوتر وتحدث بتلعثم قائلاً وقد تحرك بؤبؤ عينه إلى اليمين:
"ده اسم تمويهي يعني عشان لو حد مسك الموبايل أو حاجة.. همسحه فورًا."
تبينت عدم صدقه وابتسمت بخبث وقالت:
"لأ بلاش تمسحه.. سيبه."
حاضر.
اللي تحبيه حاضر.
أنهى كلمته وأشاح بوجهه بعيداً عن نظراتها المتفحصة، والتي يعلم أنها تسبر أغواره.
طلبت حنين التي أجابت على وجه السرعة: أيوه.
أيوه يا حنين، إنتي بقيتي فين؟
= داخلة على الكومباوند أهو.
أوكي، بستناكي في المكان بتاعنا اللي جنب الـ pool.
= تمام، ماشي.. يلا سلام.
نهض رزق واقفاً يقول: عن إذنك أنا يا آنسة لينا دلوقتي عشان تقعدوا براحتكوا.
انصرف رزق ودخلت حنين التي ركضت إلى لينا مسرعة تحتضنها مرات ومرات بشوق جارف.
وحشتيني يا حيوانة.. كده يا لينا أهون عليكي.. كل ده متكلمنيش ولا ترضي إني آجي أشوفك!
= والله يا حنين غصب عني.. أنا كنت حاسة إني بموت بالتدريج والحياة كلها بقت سواد في وشي.
أمسكت حنين بيديها تضغط عليهما برفق وكأنها تؤازرها وقالت: يا حبيبتي.. مامتك كانت بتحكيلي كل حاجة.. متتخيليش كانت حالتها عاملة إزاي!
تنهدت لينا بحيرة وقالت: مش عارفة يا حنين.. حاسة إني مشاعري بقت باردة من ناحيتهم من ساعة اللي حصل، وفي نفس الوقت بستحقر نفسي.. هما ميستاهلوش مني كده.
= متضغطيش على نفسك يا حبيبتي.. إنتي نفسيتك تعبانة اليومين دول وطبيعي تكوني مشتتة كده.. وهما مقدرين وفاهمين إنتي بتمرّي بإيه.
قاطع حديثهم مجيء جمال الذي اتسعت ابتسامته لرؤية ابنته تجلس ولأول مرة منذ فترة خارج غرفتها.
شي لله يا ست حنين.. بركاتك.
تحدث بتلك الكلمات مازحاً حنين، والتي قالت:
= شوفت بقا.. عدوا الجمايل.
قَبّل رأس لينا بحب جمال وجلس بجانبها يحيطها بذراعيه وتحدث قائلاً:
أخيراً يا لينا خرجتي.. البيت والجنينة وكل ركن في الفيلا كان مظلم من غيرك.
ابتسمت لينا وضمّت نفسها إليه أكثر باشتياق ظاهر، فقال: إيه رأيكوا بقا بالمناسبة الحلوة دي نطلع الساحل يومين.
لينا: بس بشرط.. حنين تيجي معانا.
حنين: لأ حنين مين يا قطة، ده بكونتي يستحيل يوافق.
قال جمال: مليكيش دعوة إنتي وأنا عليا إقناع باباكي متقلقيش.. هقول لـ رزق يظبطلنا الدنيا ونروح على طول.. يلا أسيبكوا بقا وأروح أخلص كذا مشوار كده وآجي.
***
قام جمال بالاتصال بوالد حنين، والذي اعترض في البداية، ولكنّه أذعن بالنهاية عندما قال جمال له:
طبعاً أنا عارف إن حضرتك معترض أكيد، وإخواتها مش متقبلين الموضوع، بس أنا عشمان فيك إنك تقدر موقفي.. طبعاً انت عارف تعب لينا ونفسيتها المدمرة حالياً، فـ أنا كنت عايز أخرجها من الحالة دي وأوديها الساحل تغير جو، بس هي مش راضية تروح من غير حنين.. وكمان أنت عارف لينا ملهاش أخوات وبتعتبر حنين أختها وكل حاجة ليها كمان.. وإحنا كمان والله بنحب حنين وبنعتبرها زي لينا، فـ متقلقش عليها وهي معانا.. في إيد أمينة.
لم يجد العم بكري بدّاً من الموافقة، وقد كان.
ذهب الجميع إلى الساحل، جمال وعائلته ورزق وحنين أيضاً.
تحدث جمال إلى رزق قائلاً: رزق انت أكيد تعبان لأنك صاحي من بدري.. لو محتاج تنام أطلع نام.. أساساً مش هنخرج دلوقتي.
_آه والله كنت لسه هقول لسعادتك كده.. على العموم أنا نومي خفيف لو احتجت أي حاجة خبط على باب الأوضة بس.
دخل رزق إلى غرفته وصعدت الفتيات إلى غرفتهم، بينما ذهب جمال وزوجته إلى غرفتهم أيضاً.
قالت حنين: بقولك إيه يا لولي قومي ننزل الماية قبل ما الشمس تحمي، ألا أنا بتحرق بسرعة.
= أوكي.. ثواني هلبس وننزل على طول.
ارتدت حنين ثوب سباحة يصل إلى منتصف ركبتيها ومنتصف ذراعيها وجلست تنتظر خروج لينا.
رفعت حاجبيها بصدمة عندما رأت لينا ترتدي ثوب سباحة "بيكيني" وتضع على خصرها وشاح خفيف يكشف أكثر مما يخفيه.
= نهارك أبيض!! إنتي رايحة تعومي ولا رايحة ترقصي!
= إيه مالك!
_مالي إيه! إنتي مش شايفة نفسك! هتنزلي كده!
= يبنتي ماله لبسي! أومال هنزل البحر بإسدال الصلاة!
_يعني هو يا تطخه يا تكسر مخه.. يا أبيض يا أسود!
= والنبي يا حنين اخلصي وبطلي رغي.. إحنا هنا في الساحل مش في العجمي.. يعني كله بيلبس كده.. يلا.
نزلتا الاثنتين إلى البحر تحت أنظار بعض الشباب المتفحصة، والتي بدأت تثير حنقهم، خاصة عندما بدأ مجموعة من الشباب بالالتفاف حولهم.
= شفتي يا بومة البيكيني بتاعك عمل فينا إيه! قابلي بقا سفالة وقلة أدب.
= أنا مش فاهمة في إيه! ما البنات كلهم لابسين زيك أهو محدش بيضايقهم ليه!
كان رزق لا يزال مستيقظاً، لا يعتاد الأماكن الجديدة بسهولة، خرج إلى الشاطئ يدخن سيجارته، ولكنّه دعسها تحت قدمه عندما شاهد لينا ويحيط بها أولئك الحقار، فهرول مسرعاً نحوهم.
= في حاجة يا خفيف منك ليه!
نطق فقط بتلك الكلمات فانصرف الشباب على إثرها مبتعدين.
رفعت لينا جسدها بأكمله من الماء وهي تقول:
ميرسي يا رزق.. إنت جمـ........
= إيه الزفت اللي إنتي لبساه ده!
تحدث رزق بغل وغضب مكتوم وهو يتفحصها بعينين مشتعلتين من الغضب، وصرخ بها بلا وعي:
= اتفضلي اخرجي البسي هدومك حالا.
ظلت ترمقه بدهشة ولم تحرك ساكناً، فصرخ بها مرة أخرى قائلاً:
= إنتي مش سامعاني! بقولك اخرجي البسي هدومك حالا.. يلا.
صاح بها بحده فأذعنت له وخرجت كالمغيبة وكأنها مسلوبة القوة.
رواية في غيابة الجب الفصل العاشر 10 - بقلم نعمة حسن
إنقضى اليوم بأكمله وهو يتلاشى رؤيتها. لقد جذب انتباهه محاولاتها في محادثته وتعجب من ذلك الأمر كثيراً، ولكن لم يعرها اهتماماً وقرر أن يتجاهلها حتى عودتهم.
كانت هي تجلس بصحبة "حنين" وقد طغى على وجهها علامات الضيق فقالت:
_ أنا مش فاهمة هو ليه بيتجاهلني كده! وإيه اللي ضايقه أصلاً؟ ألبس ولا أقلع!
= وإنتي إيه اللي يضايقك يطنشك ولا لأ؟
إستفزتها كلمات حنين كثيراً وأثارت حنقها فقالت ساخطة:
_ أكيد مش قصدي كده يعني بسـ...
إعتدلت حنين لتجلس بمقابلها مباشرة وقالت بنبرة متلاعبه:
= بس إيه! هاا!
تعجبت لينا أسلوبها وتلميحاتها المبطنة فقالت:
_ في إيه يا عبيطة إنتي!
صفعتها حنين خلف رأسها بشدة وقالت:
= أقوللك في إيه! في إن كيوبيد أطلق سهامه وبدأت شرارات الحب والعشق تطفو و غيرة وحركات.
_ إيه الهبل ده! إنتي عايزة تلغي وخلاص، أنا ما أنا عارفاكي بتموتي في اللك.. إتخمدي.
= يبت! أحب أقوللك إن عنيكي بتداري كده ولا هو داري كده ولا هو ده. وهو عنيه فضحااه.. فـ بلاش نصيع على بعض.. هااا!
ضحكت لينا بتعجب من طريقتها وقالت:
_ والله! بقيتي أستاذة في الفراسة ولغة الجسد من إمتى!
= أوماال مش صاحبتي بقالك 5 سنين!
_ طيب يا سيادة المحقق كلومبو.. يلا نامي.
= وإنتي!
_ أنا نمت خلاص.
حاولت لينا الإستسلام والنوم كثيراً ولكنها فشلت. كلمات حنين تتردد بأذنها. حب! غيرة! بالتأكيد لا.
نفضت رأسها من تلك الأفكار التي تعصف برأسها وهي تتمتم:
_ لالالا.. مستحيل خالص.
حاولت النوم مرة أخرى ولكن دون جدوى فنادت حنين:
_ حنين.. حنييييين.
لم تجيب حنين فنظرت لينا تجاهها فوجدتها تغط في نوم عميق فقالت حانقة:
_ أعوذ بالله.. غيبوبة!
نهضت من فراشها وخرجت من غرفتها تحيط ذراعيها بوشاح خفيف ثم نزلت إلى الأسفل فوجدت والديها نائمين.
زفرت حانقة وقالت: إيه ده! جايين الساحل يناموا!
خرجت إلى الشرفة الواسعة وجلست على مقعد مفرود وبسطت قدماها بإسترخاء وأخرجت هاتفها وقامت بتشغيل أغنيتها المفضلة لـ الرائع محمد منير.
مع إن.. الليل مجروووووح.. مجروح بيأن!
مع إن.. الروح للرووووووح.. دايماً بتحن!
أغمضت عينيها وتركت لإحساسها العنان لينطلق ويأخذها للحظات مفعمة بالحنين.
لا تدري إلى شيء يحن قلبها. تحن عيناها. تحن روحها وإن حنين الروح ولو تعلمون لقاتل.
إرتفع صوتها تشارك "الملك" آلامه على ما يبدو وقالت:
و الليييييل بياخدني وأسافر جوه بحور الآه.
و كتييير بتاخدنا الدنيا وننسي اللي بنهواه.
و أحلم أرجع ولكن.. أحلم أرجع ولكن..
بـ ألقاني الدمع في عيييييييني.. سكن!
كان "رزق" يقف أمامها يشاهد لحظات إنسجامها ويراقب تعابير وجهها والتي تبدو مهمومة ومتعبة.
هم بالإنصراف ولكنها بصرت به فأوقفته قائلة:
_ رزق!
نظر إليها نظرة فارغة لم تروقها أبداً وقال: نعم!
تعجبت لهجته الباردة وقالت: ممكن تقعد معايا!
أشاح بوجهه عنها وقال: معلش يا آنسة لينا أنا عايز أنام!
توسلته قائلة: بليز يا رزق.. شوية بس.. وحياتي.
لم يستطع الرفض. شيء بداخله كان ينتظر توسلها اللحظي ذلك فوافق مسرعاً.
ثبت نظره أرضاً. فإقتربت منه وقالت:
_ رزق إنت زعلان مني في حاجة!
حدجها بنظرات نارية غاضبة متعجبة فتراجعت هي سريعا وقالت:
_ أقصد يعني لسه زعلان مني!
رفع وجهه إليها وقال بأسلوب فظ:
= العفو يا آنسة لينا أنا مين عشان أزعل منك! كل الحكاية بس إن الموقف كان سخيف ومقدرتش أسكت.
_ أنا آسفة!!!
ألجمته الصدمة وارتفع حاجبيه بدهشة وقال:
= لأ طبعاً. العفو.. أنا اللي آسف لو ضايقتك وكلمتك بأسلوب مش كويس.
وصل تعجبه لذروته عندما رأى دمعة سالت من عينها فـ وأدتها هي بمهدها سريعا وقالت بنبرة مختنقة:
_ أنا متخيلتش إنك تهتم لأمري كده أو تضايق بسبب لبسي أو إني أكون فارقة معاك أو مع حد أصلاً.....
قاطعها هو عندما ناولها منديل وقال:
_ طب إنتي بتعيطي ليه دلوقتي! أنا آسف والله.
كأنها كانت تنتظر سؤاله هذا لتنفجر بالبكاء بشدة فقالت:
= لا إنت مش غلطان.. أنا اللي غلطانة لأني عملت كده.. أنا المفروض إني بقرب من ربنا أقوم أعمل كده! أنا بعاند نفسي وفي الآخر أنا اللي بتعب.
ربت على ظهرها بحنان لم تختبره هي من قبل وقال:
_ كلنا بنغلط يا آنسة لينا متشيليش نفسك فوق طاقتها.. أهم حاجة منكررش الغلط ده تاني.. وبعدين بصراحة إنتي لبسك كله زي الزفت!
نظرت إليه بأعين متسعة لآخرها من فرط الدهشة فنظر لها ورفع كتفيه قائلاً:
_ إنتي اللي قولتيلي إقعد وإنتي اللي فتحتي الموضوع..
يبقا تتحملي!
ابتسمت من وسط دموعها وأومات بموافقة كدلالة له على استطراد حديثه، ففعل:
"طبعًا لو هتسمحيلي أتدخل وأنصحك!"
"قول كل اللي إنت عايزه يا رزق.. مش هزعل منك."
سجعته كلماتها، فجلس بأريحية أكثر وتحدث بعفوية وقال:
"طيب أولًا.. إنتي والحمد لله عارفة ربنا وبتصلي.. يبقا مينفعش خالص تخرجي بمنظر زي ده.. سبتي إيه بقا للي ميعرفوش ربنا ولا يعرفوا الحلال من الحرام؟"
"ثانيًا بقا.. إنتي ماشاء الله جميلة وعسولة ليه تضيعي جمالك بلبس زي ده؟"
"مش فاهمه."
"يعني.. الحاجة الغالية النضيفة دايمًا بنغطيها عشان بنخاف عليها.. أما الحاجة الرخيصة اللي ملهاش قيمة بنسيبها عادي للي يبص ويتفرج ويقول رأيه كمان ما هي رخيصة ملهاش تمن.. فهمتي؟"
"لأ برضه."
"يعني من الآخر كده مفيش لبس مايوهات تاني.. ولو حصل وشوفتك بلبس زي النهارده كده هتتسببي إني أعمل مشاكل وبلاوي كمان.. فـ إنتي حرة بقا."
"والله! وأنتم جايبيني الساحل تقعدوني في الشاليه؟"
"مين قال! ما تنزلي الميه وتبسطي."
"وهنزل إزاي وإنت بتقول مفيش مايوهات؟"
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. أما إنتي عجيبة.. يعني هو مينفعش نزول الميه غير بالمايوه ده؟"
"أومال هنزل بجينز وتيشيرت؟"
"لأ برضه.. تجيبي مايوه محتشم وتنزلِ بيه.. حتى تبقي مميزة عن كل اللي في الميه."
بدا عليها الاقتناع، فقال وهو لا يترك لها فرصة للتراجع:
"متفكريش وسيبي الموضوع ده عليا.. هتصحي الصبح تلاقي اللبس الجديد عندك."
نظرت له بتعجب وقالت: "ثواني إنت ما صدقت ولا شايفني وافقت أصلًا؟!"
"موافقة إن شاء الله.. لأن ده الصح والحلال.. عقبال ما ينعم عليكي ربنا وتتحجبي إن شاء الله."
"حيلك حيلك.. أتحجب مرة واحدة؟!"
لم يجيبها. نظر حوله ثم التقط وشاحها من جانبها ووضعه على وجهها بعشوائية وهو ينظر لها بابتسامة معجبة وقال:
"بسم الله ما شاء الله.. وربنا قمر.. حتى شوفي."
أخرج هاتفه وقام بتشغيل الكاميرا الأمامية وأعطاها لها، فنظرت إلى وجهها بها وأشاحت بوجهها سريعًا وهي تقول:
"يااااي إيه ده؟!"
"والله جميلة.. بصي تاني كده."
نظرت إلى صورتها بالهاتف وبدأت بتعديله وهندمته وابتسامتها تتسع شيئًا فشيئًا، ثم قالت:
"إيه ده؟ شكلي متغير أوي."
"بس للأحلى.. عامةً.. الحجاب بيحلّي أي واحدة.. بس إنتي حلاوتك زايدة حبتين.. بقيتي فلّة بصحيح."
أسرها تشبيهه، فنظرت له تحاول سبر أغواره وهي لا تنفك تتوقف عن الابتسام ببلاهة، بينما غاص هو بعينيها وشرد بها.
توقف الزمن بهما وهما يتبادلان النظرات الصامتة التي تحمل وراءها الكثير.
لأول مرة تشعر وكأن ميزتها والتي تميزت بها قد تعطلت.. لا تتمكن من قراءة عينيه لأنها منهمكة بالغوص بهما الآن.. ولم تنجح في قراءة لغة جسده لأنها تصب جل اهتمامه على تفاصيل وجهه والتي تبحر بها لأول مرة.
سوداويته المتسعتان والتي يفصلهما أنف دقيق منحوت بعناية وأسفله شفتان معتدلتان مرسومتان بدقة.. بشرته السمراء التي تزيده وسامة وجاذبية.
بادلها هو النظرات التي تنم عن عشق بالغ ولكن أنى لها أن تدرك ذلك!
ظل يجوب ببصره في وجهها الرقيق وبشرتها البيضاء الناعمة.. لؤلؤ عيناها البرّاق.. أنفها الحاد وفمها المكتنز.
تمنى أن يطلق سراح لسانه ويخبرها عما يعج به قلبه وعما يختلج به صدره ولكن صمت.
أدرك أنه سيفقد السيطرة على ذاته وعلى عقله وسينطق بما لا يمكن البوح به، فحمحم بقوة ونقل بصره للأمام ينظر إلى الشاطئ من حوله وقال:
"الجو هنا حلو أوي.. تحسي إنك عايزة تقضي بقية عمرك هنا لوحدك من غير حد.. إنتي والهوا والبحر.. وبس!"
نظرت إلى الأمام بدورها وقالت:
"مظنش!! على رأي حنين.. جنه من غير ناس ما تنداس!"
ابتسم قائلاً بعفوية: "لطيفة أوي آنسة حنين وتلقائية كمان!"
ارتفع حاجبها بتعجب وقالت: "لطيفة أيوه.. بس ملهاش حظ."
نظر لها باهتمام متسائلاً: "ليه كده؟"
"بتحب واحد مش حاسس بيها ولا يعرف إنها موجودة أساسًا.. زهقت أنصحها بس مفيش فايدة.. غبية!"
أعاد النظر أمامه وقال: "كلنا أغبيا يا آنسة لينا.. هه."
تقوّس حاجبيها بتعجب وسألته: "قصدك إيه.. هو إنت بتحب واحدة مش حاسة بيك إنت كمان ولا إيه؟"
"مش حاسة ولا هتحس.. ولا ينفع تحس أصلًا!"
"ليه يعني؟!"
تجاهل سؤالها ثم اعتدل في مجلسه ونظر إليها مباشرة وقال:
"قوليلي يا آنسة لينا.. تخيلي مثلًا إن ظهر حد وجه قاللك إنه قريبك.. عمك، خالك، خالتك.. كده يعني.. هيكون رد فعلك إيه؟"
"دايمًا بسأل نفسي السؤال ده.. مش عارفة وقتها هيكون تصرفي إزاي بس اللي أعرفه إني أتمنى يكون عندي أهل.. وبعدين أنا لو أمي اللي اتخلت عني جت وقالتلي سامحيني هسامحها.. يبقا مش هسامح اللي ملهومش ذنب؟"
"طيب ولو لقيتي حد من أهلك الحقيقيين هتعملي إيه مع جمال بيه ومدام بسمة؟"
"دول بابي ومامي.. عمري ما أستغنى عنهم مهما حصل.. وبعدين إيه اللي خلاك تسأل الأسئلة دي؟!"
"ها؟ لا مفيش.. دردشة يعني."
"والله! خد بالك مستحيل تكدب عليا.. مخبي إيه يا رزق!"
"متشغليش بالك يا آنسة لينا.. أنا لو كدبت على الدنيا كلها يستحيل أكدب عليكي!"
وكالعادة تأثرت بسحر كلماته ونسيت عما تتساءل!
في صباح يوم جديد استيقظت "لينا" تبحث بجوارها عن حنين فلم تجدها.. طرقت باب الخلاء فلم تجب فأدركت أنها بالأسفل.
نظرت من نافذة غرفتها فوجدت "حنين" تتحدث بجوار "رزق" يتحدثون ويضحكون، فتصاعدت الدماء إلى رأسها بشدة وتطايرت الشرارات من عينيها خاصةً عندما رأت رزق يعطيها حقيبة تبدو وكأن بداخلها هدية ما!
زفرت بغضب يتآكلها ثم ارتدت ثوب سباحتها "البيكيني" وعكست شعرها على هيئة ذيل حصان ونزلت إلى الأسفل.
"طيب كنتي حطيتي عليكي حاجة لما تبقي تنزلي الميه!"
تشدق والدها بتلك الكلمات فقالت والضيق قد فعل بها الأفاعيل:
"مش هتفرق يعني يا بابي.."
جوه الميه ولا بره.
أسرعت إلى الخارج حتى تلحق بهما، فوجدتهما مازالا يتحدثان. تجاهلتهما وكأنها لم ترهما، ثم نزلت إلى الماء.
لم يراها، فتعمدت جذب انتباهه وسبحت بجوار شاب يافع الطول، وحادثته فقالت بصوت مرتفع:
_ الميه جميلة خالص.. مش كده؟
غازلها هو بصوت أكثر ارتفاعًا وقال:
= هي جميلة بعقل!
ارتفعت ضحكاتها، مما أثار دهشة "رزق" الذي كان يشاهدهما. فنزل مسرعًا إلى البحر وأمسك بذلك الشاب من مؤخرة رأسه، ناطحًا إياه بشدة مما جعله يترنح ويسقط في الماء. ثم رماها بنظرات غاضبة مستنكرة، وتركها وخرج دون أن يتفوه ببنت شفة.
ذهبت إلى ذلك الشاب وساعدته قائلة:
= إنت كويس؟
_ كويس! ده كسر لي دماغي الطور ده.
= أنا آسفة والله، كل ده بسببي!
أنهت جملتها سريعًا، ثم تركته وسبحت للخارج. فوجدت حنين تنتظرها ومعها منشفة طويلة. ناولتها إياها وقالت:
_ خدي استري نفسك.. أنا عارفة إنك ناوية تعملي مصيبة قبل ما نمشي!
نظرت لها لينا بغضب و غيظ شديدان، وألقت بالمنشفة بوجهها، ثم عادت إلى الشاليه.
أخذت حمامًا دافئًا، ودخلت إلى فراشها ونامت بهدوء.
استيقظت مع حلول المساء، فلم تجد حنين بالغرفة أيضًا.
_ أيوة طبعًا.. أكيد قاعدة معاه! يتحرقوا الاتنين وأنا أشغل بالي ليه؟
نهضت وفتحت خزانتها، وانتقَت فستانًا قصيرًا يصل إلى أعلى ركبتيها بكثير من اللون الأسود، وارتدت حذاءً عصريًا من نفس اللون، ثم أطلقت شعرها حرًا، ولم تضع أي زينة على وجهها، بل اكتفت بـ زخات من عطرها المفعم بالأنوثة، ونزلت.
_ حنين فين يا مامي؟
= حنين منطلقة يا مامي.. والله بنت بتفهم.. جاية الساحل تقضي وقت حلو مش زي ناس نايمين 24 ساعة!
قالت لينا بضجر:
= أيوة بردو مفهمتش حنين فين؟
_ في الحفلة بتاعة عمرو دياب في وايت بيتش.
= لوحدها؟
_ لأ رزق وصلها لهناك.. مش عارفة رجع ولا لسه معاها.
خرجت والحنق والغضب يدفعها دفعًا للأمام، ثم ذهبت إلى مكان الحفلة وظلت تجول ببصرها تبحث عنهما فلم تجدهما.
خطر ببالها خاطر فعملت على تنفيذه فورًا.
ذهبت إلى أمن المسرح وعرفته بنفسها، وطلبت منه الصعود للمسرح لالتقاط صورة مع "عمرو دياب". فوافق على الفور عندما علم هويتها.
صعدت إلى المسرح بتوتر، ولكنها أخفته وهي تفكر بالانتقام لكبريائها كما ظنت.
توقف الجميع عن الحديث وعن متابعة الغناء، وانشغل بتلك الفاتنة التي اقتحمت المسرح.
قال الأمن المرافق لها مخاطبًا "عمرو":
_ الآنسة لينا البدري كانت عايزة تتصور معاك.
رد "عمرو" بكل لطافة:
= نورتي المسرح يا لينا.
ثم حدث الجمهور قائلاً:
= إيه رأيكوا تسمعوا دويتو حصري بيني أنا والجميلة "لينا" اللي نورتنا.
زاد تصفيق الحضور، وتعالى تشجيعهم يهتفون باسمها.
_ يا وقعتك المطينة يا لينا!
تمتمت بها حنين التي رأت تفاقم الغضب بأعين رزق وانفعاله الشديد.
بدأ "عمرو" الغناء وهو ينظر إلى لينا ويقول:
= ده لو اتساب لا ده أنا يجيلي تعب أعصاب.
ده لو اتساب ليلة ليلتين أنا أعيش في عذااااب.
طب وأعمل إيه؟
أمسكت لينا بالمايك وشاركته الغناء قائلة:
= في دقيقتين ده بيقتلني وياخد العين.
ليلي يا عين.
لا كده جنان لا ده مش إعجاااااب.
طب وأعمل إيه؟
بدأت لينا تتراقص على أنغام الموسيقى والكل يشجعونها، و"عمرو" يتغنى قائلاً:
= أنا عمري ما حد خطفني كده ده أخدني حبه حبه.
في حاجات مش ممكن تستخبي ما بين اتنين أحبه.
أعطاها المايك فقالت بصوت أكثر نعومة وهي تتمايل على أنغام الأغنية:
= في دلع متشال لحبيبي وحنية من غير حسا......
لم تنهِ كلمتها بسبب تلك اليد الغليظة التي اجتذبتها من يدها فجأة وسحبتها تحت صدمتها واندهاشها.
_ سيب إيدي إنت ساحبني وراك كده ليه؟ أنت اتجننت؟
= إنتي تخرسي خالص!
اتسعت عينيها بصدمة وذهول وتمتمت:
= أخرس!
= إنت شارب حاجة ولا فيك إيه يا مجنون إنت؟
لم يجيبها، فتابعت صراخها الحانق:
= بكلمك على فـ...
بترت كلمتها عندما اصطدم ظهرها فجأة بحائط ما، فتأوهت بشدة من أثر الاصطدام وهمت بالحديث، فكمم فمها بيديه وقال:
= هش.. مش عايز نـفـسك.. إنتي بتعملي كده ليه ها؟ مصممة تستفزيني وتضايقيني تحرقي دمي ليه؟ هو مش إنتي اللي كنتي لسه امبارح بتعيطي عشان لبستي مايو؟ عملتي كده ليه تاني؟ والمسخرة اللي إنتي لبساها دي والهبل اللي عملتيه قدام الناس ده إيه؟ ما تنطقي؟
دفعت يده عن فمها بحدة وقالت:
= هنطق إزاي وانت كاتم نفسي كده.. وبعدين أنا مش فاهمة.. إنت مالك؟
= أنا مالي؟ طبعًا ما إنتي مبسوطة بالشويتين دول.. عمرو دياب يغنيلك وإنتي تقفي تترقصي قدام الصيع السكرانين شبه البنات الصايعة اللي ملهاش أهل!
صفعته صفعة قوية أذهلته وأذهلتها هي أيضًا، فوضع يده مكان لطمتها يتفقد مكانها بتعجب.
ظل صدرها يعلو ويهبط بإنفعال شديد، ثم انفجرت به قائلة:
_ بتحاسبني بصفتك إيه ها؟ وأنا كنت سألتك واقف مع حنين ليه؟ بتضحكوا وتهزروا ليه؟ بتعطيها هدية ليه؟ ما ترد.. كنت سألتك جاي معاها الحفلة ليه!!
قالت الأخيرة وهي تضرب صدره المشدود بقبضتها الهشة اللينة وقالت:
_ قوللي بتحاسبني بصفتك إيه؟ أولي تحاسبها هي مش أنا!!
خرج عن سيطرته وصرخ بها قائلاً:
_ بحاسبك إنتي عشان بحبك إنتي مش بحبها هي!