تحميل رواية «فطنة القلب» PDF
بقلم سلمى خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الحاج محمد العطار: أب لبنتين، مراته متوفية، عنده أجناس عربيات ومرتاح مادياً. بيحب الحياة العادية وعايش في بيت ديكوره هادي. قطوف محمد العطار: عندها 24 سنة، بتحب الميكانيكا أوي. خريجة آداب علم نفس، مش بتشتغل بمهنتها. من صغرها بتحب العربيات وبتحب تصلح فيها. بترد على طول ومش بتصبر أي حد يضايقها. ياسمين محمد العطار: عندها 22 سنة، خريجة تجارة جديد. بتحب أي حاجة فيها أرقام. كانت عادية جداً لحد وفاة مامتها واتحولت وبقت تخاف من كل حاجة. مرفت العطار: أخت محمد، بتحب المظاهر ومش بتحب أخوها. مازن العطار: ابن...
رواية فطنة القلب الفصل الأول 1 - بقلم سلمى خالد
الحاج محمد العطار: أب لبنتين، مراته متوفية، عنده أجناس عربيات ومرتاح مادياً. بيحب الحياة العادية وعايش في بيت ديكوره هادي.
قطوف محمد العطار: عندها 24 سنة، بتحب الميكانيكا أوي. خريجة آداب علم نفس، مش بتشتغل بمهنتها. من صغرها بتحب العربيات وبتحب تصلح فيها. بترد على طول ومش بتصبر أي حد يضايقها.
ياسمين محمد العطار: عندها 22 سنة، خريجة تجارة جديد. بتحب أي حاجة فيها أرقام. كانت عادية جداً لحد وفاة مامتها واتحولت وبقت تخاف من كل حاجة.
مرفت العطار: أخت محمد، بتحب المظاهر ومش بتحب أخوها.
مازن العطار: ابن مرفت، عنده 26 سنة. عايش حياته، خريج كلية حقوق. بيحب خاله أوي.
مريم: صديقة قطوف وأخصائية نفسية.
«قطوف الياسمين»
الفصل الأول (سأبقى خاصمك)
توقفت أنفاسه بلحظة، وتوقف عقله عن التفكير. يريد الرد ولكن انعقد لسانه عن الحديث. في حين رفعت نور حاجبها في تعجب متمتمة:
_ مالك يا مازن؟ ساكت كده ليه؟
حرك رأسه في نفي، يبتسم بتوتر استطاع إخفاؤه قبل أن تلاحظه:
_ مفيش، بس اتفاجأت بيكِ هنا.. بتعملي إيه هنا؟
عوجت فمها في ضيق، تردف في حنق:
_ أخويا كان تالتة ثانوي والمفروض أقدم له في الكلية وجيت معاه عشان ماما مش قادرة تروح معاه. بس مقولتليش بتعمل إيه هنا؟
ابتسم في مكر، يجيبها بنبرة هادئة وهو يقفز من أعلى السيارة:
_ مفيش، ليا صاحب هنا وبزوره.
عقدت حاجبيها في دهشة، متسائلة:
_ إزاي! أنتِ متخرجة من يجي 4 سنين؟
ضحك مازن في خفة، ثم أجاب مشيراً لداخل السيارة كي تدلف لها:
_ لا ماهو عنده أخ ولد وهيدخل الجيش وعشان يهرب فـ بيعيد السنة عشان ميدخلش الجيش.
حركت نور رأسها في إيجابية، ثم علت البسمة ثغرها تردف في سعادة:
_ هتوديني فين؟
استدار كي يدلف للسيارة يستعد للقيادة، يجيبها وهو يشغل محرك السيارة:
_ شاوري ونروح.
بقيت دقيقتين تفكر، ثم اندفعت عنها الكلمات قائلة:
_ أخويا لسه جوا الجامعة، خلينا نروح أي كافيه قريب ولما يخلص هيرن عليا وأجيله.
حرك مازن رأسه وانطلق معاها، يهمس في سره:
_ سامحيني يا ياسمين.
نطقت نور تتطلع له في اهتمام قائلة بنبرة فضولية:
_ بس قولي يا مازن، يعني إحنا نعرف بعض مدة كبيرة وأنت تعرف عني كل حاجة وأنا لأ.. فين باباك؟ مش بسمعك بتجيب سيرته خالص ولا حتى والدتك، يمكن خالك هو بس اللي بتحكي عنه.
زفر مازن في ضيق من أسئلتها، ثم أجابها باقتضاب:
_ والدي مسافر من وأنا صغير ومشوفتهوش، وأمي.. أنا عايش معاها وخالي بروح له كل يوم وبقعد معاه. في أي أسئلة تانية.
تعجبت نور من نبرات صوته المتضايقة، لتردف في حيرة:
_ هو أنا عملت إيه ضايقك!
أوقف مازن السيارة فجأة، ونظر لها في حدة يغمغم بصوت مختنق:
_ كونك بتحكي كل حاجة دا مش ذنبي، إنما أنك تسألي في حاجة متخصكيش يبقى بتخنقيني يا نور.
تشكل الذهول على ملامحها، تشعر بالدهشة من تعبيرات وجهه الغاضبة. لم يحدثها أحد هكذا من قبل، لتنطلق منها كلمات غاضبة:
_ أنت إزاي بتكلمني كده؟ أنت شايف نفسك على إيه؟
ابتسم في سخرية، ثم تمتم ساخطاً:
_ والله أنتِ اللي جيتي تتكلمي معايا وتدلقي الكلام، يبقى من حقي أشوف نفسي. ثم أعتقد أن مفيش بنت تسمح لنفسها تسمع من ولد شاب أعزب يقول لها أنتِ موزة ويعاكس فيها وهي تفرح ويبقى كرامتها وجعها من طريقة كلامي.. صح ولا إيه؟
صُدمت نور من حديثه وألتمعت الدموع بحدقتيها، في حين رأى مازن ملامحها الباهتة من أثر حديثه القاسي الذي كان بمثابة سوط يجلدها دون رحمة. زفر مازن في ضيق من نفسه، فهي ليست المخطئة الوحيدة بهذه العلاقة. تمتم بنبرة هادئة:
_ بصي يا نور.. لو هنتكلم بصراحة، علاقتي بيكِ غلط كلها من أولها لآخرها... ومش نافعة. ودا مش معناه إنك وحشة، أنتِ في ألف حد يتمناكِ.. بس الفكرة أنا اتربيت على أن البنت مينفعش تصاحب ولد والعكس صحيح.. وعشان كده الكلام طلع مني كده... أقولك على حاجة، البنت اللي صعبة المنال هي اللي الرجل يعمل كل المستحيل عشان يتجوزها ويملك حاجة مش في إيد غيره... بيحس إنه مسك كنز ويوم ما الكنز دا هيضيع هيخاف ويترعب من أنه يضيع، لأن وقتها هيفتكر هو تعب إزاي عشان ياخدها... ففكرة البنت تصاحب ولاد عادي وتنفتح أكتر وأكتر دا بيأذيها مش بيديها كل اللي نفسها فيه... جربتي تسألي سؤال لنفسك، هل أنا شايفك إزاي؟ طب هل الناس لو شفتك معايا هيقولوا إيه؟ طب لو جه خطيبك أو شخص بتحبيه أوي وسألك في يوم كنتِ مرتبطة قبل كده أو ليكِ صحاب ولاد قبل كده وبتهزري معاهم عادي وفي هزار بالايد عادي.. هتجاوبي تقولي إيه؟ عملتي حساب اللحظة دي... ليه نخسر شخص بتحبيه في مقابل وقت هيعدي وصحبك أو الشخص اللي ارتبطتي بيه دا ممكن في لحظة يبعد ومش هيفتكرك.. أنتِ فاهمني يا نور؟
دموعٌ تنحفر بوجهها، وجنتيها تمتلأ بالحُمرة، نظراتها لا يوجد بها سوى خذلان. مدت يدها تزيل تلك الدموع ثم هتفت بصوتٍ مبحوح:
_ أنا فهمت قصدك.. وأنت المفروض متربي على كده، بتعمله ليه من الأول؟
صمت مازن ولم يستطع الحديث، في حين مدت نور يدها لتفتح باب السيارة تتطلع نحوه للمرة الأخيرة تتحدث في ألم:
_ أنت اتكلمت وسمعتك.. وأنا هقولك جملة واحدة يا مازن.. اللي أنت بتعمله أكبر بكتير من غلطي، على الأقل مش بنصح وأنا في قلب الغلط أو سبب فيه.. لكن أنت عارف الصح إيه وبتعمل عكسه.. ابقى بص في المراية وشوف مين فينا اللي ممكن يخسر اللي بيحبه بجد.
غادرت نور السيارة في حين بقى مازن يستمع لحديثها في صمت. كلماتها تتردد بأذنه. هل بالفعل سيأتي اليوم ويفقد من يحب؟ هو تربى على أنه ولد.. شاب يفعل ما يحلو له فلن يكن ذنبه مثلما الفتاة تفعل! ولكن نسى أن هناك حساب لن يفصل بينه وبين الفتاة سيصبح الاثنان في تساويٍ. خلق الله لك قلب وخلق للفتاة قلب، خُلق آدم من طين وخُلقت حواء من طين، وخلقت حواء من ضلع آدم وأصبح آدم لا يستطيع ترك حواء، فكيف لك يا بني آدم ألا تصبح صفحة بيضاء كما تريد أن تصبح الفتاة هي الأخرى صفحة بيضاء لا بل ناصعة البياض؟!
***
رفع المنديل كي يمسح قطرات العرق التي تغرق جبينه، يحاول إظهار الثبات ولكن فشل في ذلك.
ضرب محمد على المكتب في عنف، يتطلع نحو المرتعب أمامه في شرسة لم يراها من قبل، يزمجره في عنف:
_ قسمًا بالله يا نادر لولا كان في عيش وملح بينا كنت سجنتك.. العيش والملح مهانوش عليا عشان أنا ابن حلال، إنما ابن الحرام هو اللي بتُهان عليه... من النهاردة مشوفش وشك هنا تاني.. وإلا لو لمحت ظِلك معدي مش هيكون ليك عندي دية... فــــــــــــاهم.
حرك نادر رأسه في إيجابية سريعًا، وفي حين هدر محمد في غضب:
_ بـــــــــرة.
هروال نادر سريعًا للخارج، في حين انهارت قوة محمد وجلس على المقعد في تعب بات ظاهرًا عليه، يحاول أن يستمد طاقته ولكن باتت المحاولة فاشلة. دلف محمود له كي يخبره ببعض المهام ولكن وجد ملامحه باهتة، نظراته مرهقة للغاية، ركض نحوه في سرعة يردف بنبرة ملتاعة:
_ حاج محمد أنت كويس؟
أشار محمد نحو جهاز قياس السكر، وسرعان ما فهم محمود سر إرهاقه، ليسرع بجلب الجهاز وإعداده كي يقيس مستوى السكر، وبعد دقيقتين أظهر الجهاز أن مستوى السكر عالي بالدم، ليسرع بجلب الإنسولين وإعطائه له.
مر وقت كان محمود يقوم بكامل الأمور حتى يسترد الحاج محمد جزءًا من عافيته، فقد ساعده على الاستلقاء على الأريكة، وبالفعل بدأ محمد بالحديث في تعبٍ لاتزال نبراته تحمل شوائب منها:
_ معلش يا محمود تعبتك معايا.
ابتسم محمود في هدوء يجيب:
_ تعبك راحة يا حاج...
ثم أضاف في قلق:
_ بس حضرتك كده مينفعش تبقى لوحدك في الشغل كده، ممكن حد يستغل تعبك ويوقع كل شغلك!
ملأ الحزن حدقتيه، يعتدل في جلسته في إرهاق، ثم أجابه وهو يضع وجهه بين راحتي يده:
_ أعمل إيه طيب.. أنا مش هقدر أوقف بناتي في الأجناس.. الأولى بتاخد قرارها من دماغها وممكن تهد المعبد على اللي فيه... والتانية لو حد نفخ جنبها ممكن تنهار... ومفيش غير ابن اختي هو الوحيد اللي هيقدر يشيل الشغل ويحمي بناتي.
شعر محمود بشفقة عليه وذهب نحوه يربت على كتفه في تعاطف مرددًا في حيرة:
_ طب ما تكلمه يقف معاك!
ابتسم في سخرية متمتمًا:
_ وفكرك متكلمتش معاه... اتكلمت وهو مش عايز يشيل مسؤولية المكان.
حرك محمود رأسه يردف في هدوء:
_ حاول معاه تاني... تعبك والشغل اللي عملته يستحق إنك تشتغل عشانه وتختار حد موثوق فيه تحطه مكانك.
ربما بضع كلمات صغيرة قالها لم يشعر بأنها ذات أهمية لمن يسمع، ولكن كانت بمثابة هذا السهم الذي انغرس بصدر اليأس كي يقضي عليه ويعود الأمل من جديد، حرك محمد رأسه في إيجابية، يقرر مقابلة مازن بالغد كي يجعله نائبًا لأعماله، نهض من مكانه يقرر العودة فقد تأخر الوقت وهو يريد أن يقضي مشواره الذي بات يقوم به بكل أسبوع دون ملل أو كلل.
*****
أمام الجامعة..
سارت ببعض التوتر للداخل، ولكنها توقفت فجأة ما أن تذكرت أنها نسيت بطاقتها الشخصية مع مازن. نفخت في ضيق من عدم انتباهها لشيء مهم مثل هذا، وقررت العودة سريعًا كي تحضرها، وبالفعل وصلت للخارج ولكنها رأت سيارة مازن تسير مبتعدة عن الجامعة. تعجبت قليلًا ولكنها أسرعت في إخراج هاتفها كي تتصل به يعود. بقت عدة دقائق يعطيها خارج نطاق التغطية، حاولت الوصول له بكل الطرق ولكنها لم تستطع. نفخت في ضيق وتوتر:
_ ليه يا مازن سبتني.. دا الموضوع مش هياخد أكتر من نص ساعة.
أدمعت حدقتيها وقررت أن تنتظره لتتحرك تجلس بالقرب من النافورة الموجودة أمام الجامعة، ولكن مرت ساعة ولم يأت حتى الآن. نهضت من مكانها تنهمر الدموع بغزارة على وجنتيها، وتحركت تركب سيارة أجرة (تاكسي) كي تعود للمنزل، تهمس بداخلها في ألم:
_ أنا كله ليه بيبعد عني.. ماما ماتت وأنا صغيرة.. قطوف مكنتش قادرة تخلي بالها مني أغلب الوقت.. بابا مسافر طول الوقت ومش بيقعد معايا.. حتى أنت يا مازن بدأت تبعد عني واحدة واحدة.
وضعت وجهها بين راحتي يدها تبكي على ما هي فيه، تشعر بالوحدة موحشة، تكاد تفترسها بشرسةٍ دون رحمة. وصلت للمنزل بعد وقتٍ قضته في البكاء والتلوي من الألم، ثم انطلقت للحديقة تجلس بجوار زهرتين صغيرتين واحدة تحمل لونًا بنفسجي والأخرى تحمل لونًا أبيض، ظلت تتأملهما في شرود لا يشغل تفكيرها سوى سؤال واحد:
لِمَ يبتعد عنها الجميع بهذه الطريقة المؤلمة منذ طفولتها؟!
***
أمسك بهاتفه ليرى الساعة فقد بقى لوقتٍ بسيارة ولم يعد يعلم كم بقى بها؟، زفر في ضيقٍ من انتهاء بطارية الهاتف ثم أمسك بالشاحن الخاص بها وإيصاله بالسيارة كي يشعله. وما أن فتحه حتى رن هاتفه برسالة تعلن عن محاولة ياسمين عشرات المرات بالرن عليه ولم تجده. جحظت عيناه في صدمة، ثم أسرع باشعال محرك السيارة وبالفعل ما أن وصل لم يجدها. حاول الاتصال بها ولكن لم ترد، كرر المحاولة ولكن وجدها أغلقت هاتفها، علم أنها غاضبة منه وسيحتاج لطريقةٍ كي يصالحها. حرك رأسه في يأس يضرب جبينه في غيظ قائلًا:
_ غبي كان لازم تنسى يعني.. الله يسامحك يا نور.
غادر من المكان يعود للمنزل، يشعر بالضيق من نفسه، فهي تحتمي به وهو خذلها بهذه المرة، فبات يشعر باختناق يزداد من كونه قام بـ خذلانها، لا يريد خذلانها كما فعل به والده ووالدته. مسح وجهه في اختناق يحاول بقدر المستطاع السيطرة على ضيقه، فهذا أكثر شيئًا يمكن أن يخرجه عن شعور ويحول حياته.
***
داخل عيادة نفسية...
طرقت قطوف على الباب في هدوء، ثم أدخلت نص جذعها تنظر للداخل قائلة ببسمة مريحة:
_ ادخل ولا ألف وأرجع؟
ضحكت القابعة على المكتب، ثم نهضت سريعًا كي تستقبل صديقتها في حبور، تردف بنبرة فرحة:
_ وحشتني أوي يا قطوف.
ضمتها قطوف في اشتياق، تردف بصوتٍ مرح:
_ إمتى هتتخطبي يابت بدل ما أنتِ قاعدة كده على المكتب فاضل تاكة وهتفقسي.
ضربتها على كتفها في غيظ، ثم اردفت وهي تهندم ملابسها قائلة بغنج:
_ الدكتور مريم مش هتتجوز أي حد يا ماما.. لازم يبقى عارف تاريخي العظيم في المجال.
قالتها قطوف في سخط:
_ أنتِ هتحوري يا مريم.. تاريخ إيه اللي عايزاه يعرفه.. هو حد يعرفك غيري أصلاً والكم طفل اللي بيجولك عشان ينطقوا صح.
قالتها قطوف في سخط، في حين منحتها مريم نظرات متضايقة قائلة في غيظ:
_ إيه اللي حدفك عليا!
تحركت من أمامها لتجلس على الأريكة بارتياح، ثم تمتمت بصوتٍ يحمل غيظًا مكتوم:
_ هو في غيره قارفني في حياتي.
زفرت مريم في يأس، تتقدم منها في خطواتٍ هادئة قائلة:
_ مازن.
ابتسمت بسخط، ثم اردفت بنبرة مغتاظ وقد تلون وجهها بحُمرة العضب:
_ آه لو أطول أباطحه بحاجة في دماغه وأعمله عاهة مستديمة.. ياما نفسي أخلص عليه بس ماسكة نفسي بسبب بابا.
رفعت مريم حاجبها، ثم صفقت بيدها تدفع لها كلماتها الساخرة:
_ برفو قاعدة ما قاتلة قتلة.
أمسكت قطوف بالوسادة التي بجانبها وألقتها عليها تصيح بها في غيظ:
_ بت أنتِ متنرفزنيش.
صكت مريم على أسنانها في غضب من تهورها الدائم، ويدها التي تسبق عقلها، لتردف في انتقام:
_ طب اتصديقي بقى أنك هتتجوزي مازن!
شهقت قطوف في استنكار، ثم هدرت بعصبية مفرطة:
_ أنا استحالة اتجوز البني آدم دا.. دا لو آخر إنسان على وجه الأرض عمري في حياتي ما هوافق عليه أنتِ فاهمة.. ومتكرريش الجملة دي تاني عشان متغباش عليكي.
لوت مريم فمها في سخرية، في حين نهضت قطوف من مكانها تستعد للذهاب قائلة:
_ هروح بقى.
تبدلت ملامح مريم سريعًا لذهول، ثم اسرعت في الحديث:
_ أنتِ زعلتي من...
قاطعتها قطوف ببسمة تعلو ثغرها متمتمة:
_ عارفة أنك بتغيظيني وإن دا كلام عادي يا مريم.. أكيد مش هروح آخد بعضي وأهرب عشان كلمتين هزار.. ثم أنتِ عارفة كويس إن لو حد ضايقني بالكلام برد عليه بدل الطاق عشرة..
ثم غمزت لها قائلة:
_ ثم أنتِ يا باشا الوحيدة اللي لو زعلت هروح أقولها عشان نتصالح علطول ونفضل سوا.
ابتسمت لها مريم في حبور، في حين أكملت قطوف وهي تتقدم نحو الباب:
_ أنا همشي عشان بابا قالي هعدي عليكي خمسية في العيادة وأروح بس كده.. بس متقلقيش في زيارة والمرة دي عند طنط.
ابتسمت لها مريم، في حين غادرت قطوف للعودة سريعًا.
***
وصلت قطوف للمنزل وعلى شفتيها ابتسامة تتمنى ألا يعكر صفوها أحد، ولكن سرعان ما اختفت ما أن رأت ياسمين تجلس جوار الزهور وصوت بكاؤها يعلو. ركضت نحوها سريعًا لتجلس قائلة في قلق:
_ مالك يا ياسمين.. حصل إيه؟ مازن ضايقك؟
نظرت لها بأعين حمراء من كثرة البكاء، تجيبها بنبرة متألمة:
_ مازن أصلًا ملقتهوش قدام الجامعة... نسيت البطاقة بتاعتي معاه وجيت خرجت عشان آخدها لقيتـه بيتحرك بالعربية رنيت عليه تليفونه فاصل شحن وفضلت مستنية يرجع ملقتهوش وروحت.
عادت تبكي من جديد، تتمتم بصوتٍ تجرع الآلام:
_ هو ليه كل بيبعد عني؟ هو أنا وحشة ولا عشان مشوفتش أمي وشبعت منها فـ كله بيبعد عني؟
ضمتها قطوف سريعًا لها وكأنها ابنتها تتمتم بصوتٍ حنون للغاية:
_ بس يا هبلة بيبعد عنك إيه؟ دا أكيد حصل حاجة معاه عشان كده مقدرش يكون معاكي؟ دا ممكن أمه تكون جتلها جلطة وخلصتنا منها وهو راح يلحقها.
ضحكت ياسمين على حديثها، فهي تعلم عمتها جيدًا ولا تحبذ الجلوس معها، وأيضًا مرفت تخشى قطوف بسبب شخصيتها المندفعة وأنها بلحظة يمكن أن تخسر حياتها ومظهرها بسببها لذا تأخذ الحذر منها. ابتسمت قطوف في حب، تمد يدها تمسح دموعها قائلة بنبرة حانية:
_ أيوه كده خلي الشمس تنور.. أنتِ أهم حد لي حياتنا يا ياسو واوعي تخلي التفكير العبيط دا تاني يتمكن منك... كلنا بنحبك ووجودك في حياتنا هو سعادتنا... بس أحياناً الظروف بتتجمع في وقت واحد وعشان كده فهمتي الكل غلط بس.
حركت ياسمين رأسها في إيجابية، لتنهض قطوف تساعدها على النهوض كي تصعد لغرفتها، كي تغفو كما تفعل بكل مرة تبكي بها وتغفو بعدها مباشرة، وبالفعل غفت ياسمين سريعًا.
***
وصل للمنزل وصف سيارته، ثم صعد للشقة وما أن دلف حتى استمع لصوت والدته تتمتم:
_ أخيرًا شرفت.
تنهد مازن بضيق، فهو لم يعد يحتمل حديث والدته المسمم، أردف في اختناق:
_ خير يا أمي؟
انتفضت من مكانها، تصيح به في غضب:
_ إيه خير دي! احترم نفسك وأنت بتكلمني أنت فاهم..
حاول التماسك أمامها، ثم أردف بهدوء:
_ حاضر.
أكملت مرفت بصوت هادئ:
_ من بكرة تروح لخالك وتقوله عايز أشتغل معاك.
قالها في ذهول ممزوج باستنكار:
_ نعم.. دا اللي هو إزاي؟
في حين تهجمت ملامح مرفت سريعًا تردد بهجوم:
_ زي الناس يا نن عين أمك... هتروح تشتغل معه ولو سمعتك بتعترض على حرف يبقى اعتبرني موت بنسبة ليكِ وجوازك من بنت خالك أنا مش راضية عنها..
ثم أضافت بخبث:
_ وتاريخك يا قلب أمك مع البنات هحكيه كله لياسمين.. وشوف البسكوتة اللي فاكرة إنك بتحميها وبتحافظ عليها هيجرى لها إيه لو عرفت حاجة عن تاريخك الأسود واللي الكل مخبيه عنها عشان ضعفها.
صُدم مازن من طريقتها، ولكن سرعان ما علت بسمة ساخرة على شفتيه، فماذا سيقول؟ فمن يخذل مرة يخذل مليون مرة. حرك رأسه في إيجابية يردد باقتضاب:
_ حاضر بكرة هروح لخالي وأقوله عايز أشتغل معاك، أي أوامر تانية؟
لوت فمها بسخط ثم أشاحت بيدها قائلة:
_ لاء.
تركه مازن ودلف لغرفته، تنبرز عروقه بشدة، يتطلع أمامه في غضبٍ جامح، ثم بكامل قوته ضرب الحائط بقوة شديدة، حتى جُرحت بشدة وبدأت تنزف بغزارة، جلس على الفراش في تعب يحاول السيطرة على انفعالاته. أصبح لا يطيق الجلوس بالمنزل ولا مقابلة أحد ولكن أخبره خاله بمرةٍ (لو هربت من المسؤولية مرة، مش هتعرف تهرب في المرة التانية، وأنت اتخلقت في الدنيا يعني مفهاش راحة.. اتخنق شوية بس ترجع تاني لمكانك).
أغمض حدقتيه في إرهاق شديد، ثم نظر ليده التي لا تزال تنزف الدماء ونهض من مكانه يحضر بعض الأدوات الطبية كي يعالج يده، فليس هناك من يمده بالرعاية، وبالفعل بدأ بعلاج يده حتى قام بضمادتها، أمسك هذا الجهاز الصغير ثم قام بالضغط عليه لتنغرس به هذه الشوكة، أعاد كل شيء مكانه ثم رفع نفسه على الفراش و أمسك بهاتفه باليد اليمنى المعافاة، وحاول الاتصال بـ ياسمين مرة أخرى...
***
رأت قطوف رقم مازن على هاتف ياسمين، حاولت التجاهل ولكنها لم تستطع لتمسك الهاتف في سرعة ترد بنبرة باردة:
_ خير عايز إيه؟
نظر مازن للهاتف يتأكد من أنه رقم ياسمين، ثم عاد مجددًا ليهتف في دهشة:
_ هي ياسمين فين؟
_ والله! لسه فاكر أن في ياسمين أصلاً.. ولا بقولك إيه أما أنت مش قد الأمانة وعامل فيها ديك البراري وواخدها عشان توصلها للجامعة وسبتها تروح لوحدها بتاخدها ليه من الأول يا سبع البرمبة هاه!
قالتها قطوف في غيظ شديد، في حين صك مازن على أسنانه في غيظ قائلًا من بين أسنانه:
_ والله أسباب تخصني ملكيش دخل فيها.
رفعت قطوف حاجبها في غيظ، ثم قالت بنبرة مستفزة:
_ والله والاسباب دي بقى تخص تاريخك القذر ولا الحاجة الوالدة جلاها جلطة من أعمالها السودا وروحت تلحقها.
احمرت عينا مازن بغضبٍ شديد، يقبض على يده المصابة حتى عادت تنزف من جديد يهدر في عصبية:
_ بت أنتِ أنا ساكت وعامل احترام لوحدة زيك.. إنما هتسوقي فيها هعرفك مقامك.. لمي لسانك اللي هيعدي عليه قطر يفرمه ويخلصنا منه.
_ تعرف مقام مين يا دلعتي دا أنا ألقبك زي الصرصار كده لما بياكل بالشبشب على دماغه...
نطقت بها في اندفاع شديد، ثم استرسلت بصوتٍ غاضب يحمل الاختناق بين طياته:
_ بص ياض أنت أنت فورت دمي وضغطي عالي بسببك.. غور من وشي وأخر مرة ترن على أختي وأقطع علاقتك بينا وخلصني...
أغلقت المكالمة وهي تتنفس في غيظ، تهمهم بكلماتٍ تحمل ضيق، في حين تطلع مازن للهاتف في ذهول ثم صك على أسنانه في غضب جامح يتمتم بصوتٍ يحمل تحدي:
_ أنا كنت هخلع من موضوع الشغل دا بس وربي يا قطوف لـ أنا راشق في الشغل دا مخصوص عشان أكفر سيئاتك.
ألقى الهاتف بعيدًا، ثم بقى يفكر كيف سينتقم منها فهو لن يتوقف عند هذا الحد، وبالفعل لاحت على شفتيه بسمة صغيرة يتمتم بصوتٍ يحمل نوايا الانتقام:
_ أنا هعرف إزاي أقهر قلبك كويس!
رواية فطنة القلب الفصل الثاني 2 - بقلم سلمى خالد
صباحًا...
وصل للمنزل، ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة، فلن يدعها تلفت بحديثها الساخر هكذا، دلف في هدوء للداخل دون أن يراها.
وما أن فُتح الباب حتى رأى ياسمين بوجهه، عبست ملامحها في ضيق، في حين ابتسم مازن في حنو يتمتم بنبرة مستعطفة:
ينفع ياسمين تزعل من مازن؟
نظرت له في ضيق، قائلة بأعينٍ تكاد تهرب منها الدموع:
وينفع برضو تسيب ياسمين وقت كبير جدًا لوحدها في الجامعة وتروح لوحدها صح!
وضع مازن يده خلف رأسه في حرج، يجيبها بنبرة آسفة:
حقك عليا يا ياسمين.. صدقيني حصل ظرف وخلاني أمشي بسرعة.. حتى رجعت الجامعة تاني بس ملقتكيش ورنيت كنسلتي.
مسحت ياسمين دموعها، في حين ابتسم مازن في اتساع متمتمًا:
طب قولي كده أي حاجة عايزة انفذها واعملها ليكي علطول.
نظرت له قليلًا ثم أردفت في حيرة:
اطلب ايه؟!
اشار بيده قائلًا:
أي حاجة.. ها عايزة ايه؟!
بقت دقائق تفكر قليلًا، ثم ابتسمت في اتساع ما أن خطر ببالها فكرة لتردف سريعًا:
في وردة اسمها الأوركيد.. هاتها ليا وأنا هسامحك.
قطب مازن جبينه في تعجب، ثم حرك كتفيه في لامبالة قائلًا ببسمة صغيرة:
اعتبريها عندك من بكرة.
صفقت ياسمين بيدها في سعادة ثم اضافت بدهشة:
صح أنتِ لأول مرة تدخل من غير ما نسمع صوتك أنت وقطوف.
ضحك مازن في مكر، ثم تحدث وهو يرفع يديه لأعلى قائلًا ببراءة:
شوفتوا عشان تعرفوا أني بحاول ابطل خناق مع البومة دي.
ضحكت ياسمين عليه، ولكن سرعان ما اختفت عندما رأت يديه بها ضمادة، اندفعت بحديثه القلق:
ايدك حصلها ايه؟!
تنهد مازن ما أن تذكر السبب، ثم اجابها ببسمة هادئ:
مفيش.. دا اتعصبت إني سبتك لوحدك وكمان روحت لقيت أمي في البيت وقالت كلام نرفزني بس.
نظرت له في عتاب ثم اشارت له بأن يدلف للداخل، في حين دلف مازن وهو ينتظر خروج خاله كي يتحدث معه.
خرج محمد والتعب بات ظاهرًا على ملامحه ولكن يقاوم، فليس محمد العطار الذي يقع بسهولة، علت البسمة على ثغره يهتف بترحيب:
منور يا مازن.
نهض مازن احترامًا لخاله يسلم عليه، ثم اردف ببسمة صغيرة:
بـنـورك يا خال.. وحشني.
رفع محمد حاجبه يتمتم بسخرية:
والله... ما تتظبط ياض هو أنا خطيبتك.
ضحك مازن على حديث خاله، في حين أكمل محمد بمكر تعلمه مازن منه:
قول حصل ايه... بلاش الداخلة دي على خالك يا مازن.. دا أنا بابا يلا.
ابتسم مازن في هدوء، في حين نظر محمد نحو ياسمين ثم قال ببسمة حانية:
حضري الفطار يا ياسو بايدكِ الحلو دي.
ابتسمت ياسمين في سعادة، ثم نهضت تعد الطعام في حين اكمل محمد في هدوء:
حصل إيه؟!
اجابه مازن بصوتٍ مختنق:
أمي جبرتني اشتغل معاك وإلا هتأذي أي حد بحبه.
صمت مازن ولم يرض أن يضفي المزيد، في حين بقى محمد دقائق في صمت ثم قال بصوتٍ هادئ:
يبقى تشتغل معايا يا مازن.
نظر له مازن في صدمة، في حين استرسل محمد حديثه:
بص يابني أنا هكلمك بصراحة أنا كتبت كل فلوسي باسم قطوف وياسمين وأمك جت وبهدلت الدنيا بعد ما رشت المحامي بتاعي وعرفت اللي في الواصية و حاليًا أمك بتحارب عشان تاخد فلوس اللي فاكرة أنها حقها.. وعشان أأمن أنها متضربنيش في ضهري لزمًا أنت تشتغل معايا.
نظر له مازن في صمت، فقد ذاق عذاب والدته، لم تراعيه حتى، تركت خاله هو من يساعده ويراعيه، بقى دقائق في صمت ثم اردف بنبرة هادئة:
خلاص يا عمي ماشي.
تهلل سريره بشدة، وشعر بالسعادة تغمر قبله بعدما ملأه الأمان، وأن مجهوده بالعمل لن يضيع، فاردف بصوتٍ ممتن:
شكرًا يا بني... ربنا يبارك فيك.
نهض مازن يقبل رأسه في حنو، يهتف في صدق:
أنت الخير والبركة كلها.. وأنا اللي لزمًا أشكرك على انك واثق فيا بالشكل دا.
ابتسم محمد في رضا، ثم نظر له في عمق مردفًا:
بص يا بني.. أنا لا ابن امبارح ولا أول حتى.. أنا راجل عدت عليه مراحل كتير... ازمة الفلوس اللي مريت بيه ومراتي اللي توفت وسابت طفلتين وخيانة من كل واحد شكل وأمك اللي بتحاربني رغم انها المفروض تبقى في ضهري..وغيره فاللي شوفته مش قليل بس أنت سبحان الله ربنا خلق فيك شيء حلو هتعرفه لما تدخل وتشيل مسؤولية.. واعتقد إنك فاهم شوية في الشغل بتاعنا مش ناقص غير بس تعرف تتعامل إزاي مع الناس سواء رجاله أو ستات وفاهم قصدي إزاي بالاتنين.
دقق محمد حديثه على النساء، في حين ابتسم مازن بحرجٍ شديد من خاله الذي استرسل حديثه بهدوء:
أنا عارف بكل اللي بتعمله... ومش راضي عنه نهائي ولكن أنت مش صغير عشان اعاقبك كبرت وعندنا بقى الصغير الكبير بيعاقبه لكن الكبير... الدنيا هي اللي بتعاقبه على افعاله الغلط كلها... فخلي بالك أنك ممكن تدفع التمن في أغلى الناس ليك لأن الدنيا بتختارهم هما اللي يدفعوا التمن دا عشان ساعتها الخسارة مش هتكون عادية زي ما بيحصلك دلوقتي بالعكس الخسارة بتيجي فأغلى حاجة ليك.
نظر له مازن في هدوء يعتريه الألم، ثم تمتم بنبرة تحمل أنين المعذب من ضميره:
طب لو مش حابب اخسر واضحي بحد واتوب عن كل حاجة بس مخسرش أغلى حاجة في حياتي اعمل إيه؟!
اجابه في هدوء:
هقولك نصيحة تخليها حلقة في ودنك... كل غلط لزمًا تدفع تمنه مهما كان ايه... والغلط كل ما بيكبر كل ما التمن بيغلى يا مازن.. ولو عايز تقلل مش تخفي ضريبة غلطك توب وأصلح طريقك بايدك وساعتها بدل ما تدفع تمن أغلى حاجة وتقطم ضهرك هتدفع تمن حاجة تساوي قطم ضافر.. أنت متخلقتش في جنة.. ربنا خلقك في دنيا فيها الحلو والوحش ولزمًا تدوق الاتنين.
تأمل مازن حديثه وبات يرن بأذنيه، ثم تذكر حديث نور عن خسارته الشديدة أن لم يبتعد عن هذا الطريق المُظلم، قاطع تفكيره صوت ياسمين التي اردفت بنبرة هادئة:
يلا يا بابا يلا يا مازن الفطار جهز.
نهض كلاهما في هدوء، ولكن بداخل كلًا منهما عاصفة لم تنتهِ بعد، جلسوا جميعًا ولكن حل ضجيج عالي ما أن دلفت قطوف للمنزل تردف بصوتٍ عالي:
دقيقة وجاية اهوه... بس ايدي مليانة شحم.
ابتسم مازن ساخرًا ثم اردف بصوتٍ ساخط:
مش بقولكم أنها بتتغذى على الشحم.
أتت قطوف على صوته، لتسرع بحديثها الفظ معه قائلة:
اتصدق ياض أنت محتاج بربع جنية دم يمكن تحس ومتجيش هنا.
رفع مازن حاجبه في غيظ، ثم ابتسم ببرود يجيب:
من بعد ما عندكم، ثم دا بيت خالي مش بيتك.
صكت قطوف على اسنانها وهي تسحب الكرسي الخاص بها في عنف، تجلس عليه محاولة السيطرة على اعصابها قبل أن تغرس هذه الشوكة بعنقه، أخذت نفسًا عميقًا كي تهدأ ولكن لم يعطها مازن تلك الفرصة، حتى اردف بصوتٍ ساخر:
ألحق يا عمي بنتك فاضل تاكة وتنضم لسلالة التنين المجنح.
دفعت قطوف شوكتها قائلة بعصبية:
ماتلم نفسك ياض أنت أنا ساكتة عشان أبويا قاعد إنما هتزود هقل منك.
رفع محمد حاجبه متمتمًا بتهكم:
ساكتة عشان ابوكي... لا خدي راحتك يا حبيبتي ولا كأني قاعد قلي منه يلا.
صمتت قطوف على مضض، في حين نهض محمد يردف بصوتٍ هادئ مقتضب:
روح على شغل النهاردة وأنا هتصل بمحمود يقولك تعمل ايه.
حرك رأسه في ايجابية، في حين نظرت له قطوف في صدمة قائلة بنبرة مذهولة:
متقولش أنه هيشتغل معاك ابو لسان ونص دا.
حرك مازن رأسه ببسمة شامتة، في حين نظرت له قطوق في حدة تردف بصوتٍ يحمل غضبًا شديد:
دا هتشيله مسؤولية شغلك يا بابا.. دا هيقعدنا في السيدة نشحت والله أعلم هيعمل ايه تاني.
نظر محمد بعتاب نحو مازن الذي جعلها تردف بتلك الكلمات وعلم أن قطوف رأته بمرة، في حين أردف محمد بصوتٍ حاد:
أنا ساكتلك من الصبح إنما هتزودي فيها هوقفك عند حدك يا قطوف.. متنسيش أني ابوكي وقاعد وليا احترامي يا محترمة يا متربية ولا نسيتي.
هبطت بنظرها للأسف ثم تمتمت في حزن:
آسفة يا بابا مش هتتكرر.
أتمنى.
قالها وهو يغادر نحو مكتبه، في حين هتفت ياسمين بصوتٍ هادئ دون أن تدخل نفسها بأي حديث مما يحدث فهي لا تحب طريقتهم:
عايز شاي يا مازن؟
ابتسم لها يجيب:
ياريت بس متنسيش مش بشربه...
مش بيشربه بسكر عشان يليق على سم دمه.
قاطعته قطوف في غيظ، نهضت ياسمين في يأسٍ من شجارهما الغريب، في حين لمعت عين مازن بالغضب ليردف بصوتٍ عالي:
يا خالي تعال...
اسكت خلاص.
قالتها قطوف سريعًا قبل أن يكمل، ثم توجهت نحو الأعلى قائلة في حدة:
امتى اخلص منك.. دا أنت لو واقع في قرعتي مش هتعمل كده.
ابتسم في استفزاز، ثم قال واضعًا قدم فوق الأخرى:
وعاملة نفسك شبح وأنتِ قارعة.
نظرت له في صدمة ثم صرخت بغيظ شديد تتجه نحو غرفتها ثم أغلقت الباب بقوة، في حين ضحك مازن بشدة يردف بنبرة متشفية:
ولسه يا قطوف.
مرت دقائق كانت قطوف قد غادرت من المنزل، في حين تسلل مازن في هدوء بعد أن احتسى الشاي وانطلق للورشة الخاصة بقطوف وبها العربة، وفي سرعة بدأ ينظر في الماتور وأجزاء الداخلية الخاصة بالسيارة، شعر ببعض الذهول من اتقان قطوف في ادخال تعديلات بسيطة على سيارة عادية كي تتغير سرعتها عند الحاجة إليها وأيضًا وجود تقنيات الالكترونية بها، حرك رأسه في آسف ثم أردف في آسف:
آسف يا قطوف على اللي هعمل شغلك جمدان بس أنا مش هسكت على كلامك اللي زي السم.
أمسك بالمفتاح الخاص بالصيانة وبدأت بفك جزء من السيارة، وما أن انتهى حتى أمسك بحقيبة صغيرة ووضعها بها ثم خبأها في مكانٍ لن تصل له قطوف، ابتسم في مكر يتمتم:
ابقي وريني هتجيبي الجزء دا منين.. وأنا واثق أن مفيش غيره معاكِ ومش هتقدري تشتري غيرها.
غادر المنزل سريعًا يتجه نحو العمل، يتذكر كيف كان يذهب مع خاله لمكان العمل وكيف كان يحب يجلس معه، ابتسم لهذه الذكرى الهادئ، وكأنها موج هادئ يمر بسلامٍ أمام شخصٍ هادئ.. صامت.. متأمل.
تحركت بالسيارة في سرعة فقد تأخرت عن موعد عملها كثيرًا، ولكن أثناء سيرها اصطدمت سيارتها بفتاة صغيرة في سن السادسة عشر، اتسعت حدقتيها في صدمة، وفي سرعة هروالت من السيارة اتجاه الفتاة تردف بنبرة قلقة للغاية:
أنتِ كويسة... طب سمعاني؟!
ابتسمت تلك الفتاة بألم، ثم قالت قبل أن تفقد الوعي تمامًا:
ياريت الكل يخاف عليا زيك.
اغمضت الفتاة عينيها، في حين عالى صوت مريم وهي تهتف للتجمع البشر من حولها:
حد يساعدني انقلها العربية واروح المستشفى بسرعة.
بالفعل قامت سيدتان بحمل تلك الفتاة صاحبة هذا الجسد الهزيل ووضعها في السيارة، وسرعان ما انطلقت بالسيارة قبل أن تحدث مضاعفات تردف لنفسها:
ياربي على اللي حصل حبكت يعني يا مريم متشوفيش قدامك البنت.
وصلت بها للمشفى سريعًا، وقامت الممرضات بمساعدتها كي يذهبوا بها إلى الطوارئ، في حين بقت مريم تجلس بالجوار تبكي بشدة على ما حدث، وتذكرت والدتها لتسرع بالرنين على صديقتها المقربة، تمسك الهاتف في توتر، يديها ترتعش بشدة، وما أن اجابت حتى قالت مريم بصوتٍ خائف:
قطوف روحي لماما اقعدي معاها وطلعي أي حِجة عشان أنا مش في العيادة ومتخلهاش ترن على العيادة لأنها ممكن ترن هناك وساعتها هتعرف إني مش موجودة.
نعم! أمال أنتِ فين؟!
قالتها في دهشة، في حين اسرعت مريم بالحديث قبل أن تفقد أخر ذرة بثباتها:
اعملي اللي بقولك عليه بس عشان خاطري وروحي ليها وأنا هقولك كل حاجة لما اخلص.
أغلقت معها، وهي تحاول السيطرة على توترها الذي يزداد كلما مر الوقت ولم يخرج أحد كي يخبرها ما الذي حدث للفتاة.
بالقرب من منزل مريم..
قررت قطوف الصعود وهي تنفخ وفي ضيق قائلة بنبرة حانقة:
يعني خارجة اطفش من اللي اسمه مازن دا... عشان أروح اتعك في موضوع تاني... تتشكي في بطنك يا مريم ما أنا عارفة إنك عملتي مصيبة وبتخليني ألهي طنط عشان تصلحي عكك.. من يوم ما عرفتك زمان في الثانوي وأنتِ عكاكة بس لما أشوفك بس هاكلك علقة.
مدت يدها تضغط على زر الجرس، وبقيت دقائق حتى أتت والدة مريم بكرسيها المتحرك كي تفتح الباب بهدوء، وما أن رأت قطوف حتى ابتسمت بحبٍ قائلة بصوتٍ هادئ:
قطوف.. وحشتني يا حبيبتي.
ابتسمت قطوف بحبٍ لها، ثم هبطت تقبل جبينها برضا، قائلة بصوتٍ لم يسمعه أحد منها فقد كان رقيقًا:
وحضرتك يا طنط ليكِ حضن كبير أوي وحشني ونفسي اديهولك.
ضحكت والدة مريم ثم قالت بصوتٍ مازح:
يا بكاشة.. أمال فين مريم هي مش معاكِ.
اختفت ابتسامة قطوف فجأة، مرددة بصوتٍ يحمل بعض التوتر:
ها مريم... آه هقولك المزغودة دي عملت ايه طردتني من عيادتها.. يرضيكي يا طنط اطردت وأنا شحطة كده.
حاولت السيدة نهاد أن تتماسك قليلًا ولكنها لم تستطع لتنفلت تلك الضحكة منها، في حين غضبت ملامح قطوف لتردف في سخط:
مين هيشهد للعروسة؟
حاولت السيطرة على ضحكتها لتردف بصوتٍ متماسك:
لا ملهاش حق لما تيجي ههزقها.
ابتسمت قطوف في اتساع قائلة ببراءة:
معلش يا طنط مش هقدر ادافع عنها، بس هي عايز يتشد على ودانها شوية.
حركت قطوف المقعد الخاص بها للداخل، تردف بصوتٍ متحمس:
ألا صحيح يا طنط ناوين تتغدوا ايه النهاردة.. لحسن عندنا حتة لحمة راس في البيت خلتني أهرب منه.
ابتسمت نهاد في رضا ثم قالت بنبرة سعيدة:
عاملين بانيه ومكرونة.
صقفت قطوف بيدها ثم قالت في سعادة وشهية:
أيوة بقى اهو دا الكلام اللي يفتح النفس.
داخل المشفى..
دموعٌ لا تزال تجري، قلبٌ يشتعل من التوتر، عينيها تتعلق بالباب لعل أحدهم يخرج ويخبرها أن الفتاة بخير، وكان الله بها رحيمًا فقد خرج أحد الأطباء من الغرفة لتسرع نحوه قائلة:
لوسمحت يا دكتور البنت اللي جوا كويسة؟!
حرك الطبيب رأسه لي ايجابية قائلًا:
ايوة بخير.. الحمدلله كسر في دراعها بس واصابة صغيرة في الجمجمة.
حركت رأسها ثم دفعت سؤالها قبل أن يغادر:
طب ينفع ادخلها.
هتتنقل اوضة عادية حاليًا تقدري تدخلي ليها.. حالتها مستقرة.
قالها وهو يغادر المكان في حين بقت مريم دقائق حتى رأتهم ينقولها على سرير متحرك نحو غرفة لتبقى بها، وبالفعل بقت جوارها مريم حتى فاقت من نومتها، لتبتسم مريم سريعًا تخفى توترها ببراعة، فمن يراها منذ لحظات يتاكد أنها لاتمس مهنة الأخصائي النفسي بصلة، تمتمت في حنو:
عاملة ايه يا حبيبتي دلوقت.
حدثتها الفتاة في اقتضاب:
بخير.
نظرت لها قليلًا، ثم ابتسمت تكمل حديثها في هدوء:
قولي لي بقى اسمك ايه؟
نور.
قالتها وهي تشيح وجهها بعيدًا، في حين ادركت مريم أن تلك الفتاة تعاني من شيءٍ ما ولكن لا تريد الحديث، قاطع تفكيرها دلوف أحد الضباط يردف بنبرة جادة:
ياسين مهران العطار... جاي للأنسة اللي اتخبطت.
توترت مريم قليلًا، في حين قابلت نور هذا ببرودٍ، دلف ياسين الذي يملك العمر تسع وعشرون عامًا، يسير بجسد رياضي، يحمل بشرة خمرية، عينان بنيتان مائل للغامض، شعرًا مصفف ببراعة يعطيه كاريزما، جلس على المقعد يردف في هدوء:
مين اللي خبطك؟!
اجابته مريم بصوتٍ مبحوح:
أنا.
تعجب ياسين من كونها صدمتها بالسيارة ولم تتركها، فأصبح الأغلب يدهس الناس بسيارتهم ويتركوهم حتى يُفنوا من الحياة، أكملت نور في هدوء:
أنا اللي حطيت نفسي قدام العربية.
نظر لها ياسين يرفع حاجبه في تعجب، يتمتم بصوتٍ جاد يحمل التحذير:
وقف يا بني متكتبش... أنتِ عارفة كويس إيه اللي هيحصل لو اخدت اقوالك كده.
ابتسمت بسخرية ثم قالت بصوتٍ يعتريه الألم ولكن لم يصل لهما ألم عادي بل جروح لاتزال تنزف بداخل نور، صمت ياسين قليلًا، في حين نظرت له مريم قائلة بصوتٍ هادئ:
لو سمحت.. ممكن تكتب أن أنا اللي خبطها وهي تتنازل عن المحضر وكده الموضوع يتحل ولو في تعويض تمام..
نظر لها ياسين وللفتاة التي لم يتعد عمرها السادسة عشر عام، ليردف في هدوء:
تمام.
بدأ ياسين بكتابة المحضر بعد أن علم أسمائهن، ثم نهض من مقعده يتحدث بنبرة جادة:
هتشرفينا النهاردة يا دكتور مريم عشان نقفل كل حاجة والآنسة نور لما تخف تيجب والدها يتنازل.
ضحكت بسخرية كبير تعجب على أثارها ياسين ومريم، لتردف بصوتٍ بعث الآلام لهما:
بابا مسافر يا حضرة الظابط... وأمي معرفش فين ومش معايا وسيلة اتوصل معها.. أنا السنادي طلعت بطاقة ممكن اتنازل لو أمكن.
نظر لها قليلًا، ثم قال في آسف:
للأسف أنتِ قاصر لزمًا حد يجي يخرجها.
توترت مريم بشدة، وتحدثت بنبرة تكاد تبكي بها:
ثانية طب.. لو دفعت مبلغ التعويض امشي علطول.. أنا مش هينفع أبات هناك.
نظر لها في شفقة، وشعر بالحزن على ملامحها الباهتة، ثم أردف بصوتٍ جاد:
تمام.. هاتي مبلغ التعويض وأحنا هنخرج بس هاتي بطاقتك.
أغمضت مريم عينيها في غيظ منها، ثم أردفت في حرج:
نسيتها في البيت.
مسح ياسين على وجهه، ثم قال بصوتٍ يحمل غضب:
يعني كل ما نحلها تعكيها.. هاتي زفت حد يضمنك خلينا نخلص من أم دي قضية.
ادمعت عين مريم سريعًا ثم تحدثت بنبرة باكية:
أنت بتتعصب عليا ليه دلوقتي هو أنا ايش عرفني إني هعمل حادثة وانسى البطاقة في نفس اليوم.
زفر ياسين في حدة، يغمغم بسخط:
دا عشان حظي الأسود.
احتقن وجهه مريم بغيظ وسط بكاؤها، ثم تمتمت بصوتٍ مغتاظ:
على فكرة بقى أنت انسان غير متحضر هاه.
رمش بأهدابه في دهشة، ثم اردف قائلًا:
دا اخرك في الشتيمة إنسان غير متحضر... دا أنا حاسس انك بتمدحي فيا.
عبست ملامحها في ضيق، واشاحت بوجهها بعيدًا، في حين رفع ياسين حاجبه بغيظ منها، ليردف ببسمة ماكرة:
بتشوحي بوشك... تعالي أنا هخلكي تشوحي بوشك تاني.
جحظت عينيها في خوف، لتتمتم في خوف:
لا مش أنا دا دي فقرات رقبتي اتشنجت.
والله! وماله نظبطها... دا أنا عندي العسكري فتح الله على ايد تتلف بحديد يظبط الرقبة والعمود الفقري كله.
قالها ياسين مستمتعًا بتوترها، في تعالى صوت مريم في بكاء مزعج للغاية، وضع يده على اذنيه، في حين وضعت نور يدها السليمة على اذنها من ازعاجها، أردف ياسين في تراجع:
خلاص خلاص.. هنروح نتنازل وأنتِ هاتي حد يتنازل.. أبو اللي يهزر معاكوا.
قالها في غيظ منها، ثم غادر الغرفة في حين توقفت مريم عن البكاء تزيل دموعها كالطفلة، ابتسمت نور أثر رؤيتها هكذا ثم غادروا سويًا كي ينهي هذا المحضر.
بقى اخرتها يا مريم اجيبك من قسم شرطة.
قالتها قطوف في غيظٍ من مريم، نظرت لها مريم بارهاقٍ بات ظاهرًا عليها، تجيبها وضوء الشمس بدأ يميل للغروب:
يا بنتي أعمل ايه... البنت اتخبطت من غير قصد والظابط دا مستلمني.
رفعت قطوف حاجبها، ثم تساءلت في مكر:
طب وايه صح حكاية الظابط دا! مش مريحني خالص.
انزعجت مريم من حديثها، وسارت دون أن تجيب، في حين ركضت حلفها قطوف قائلة بصوتٍ يعتريه الضحك:
استنى استنى.. بصي البيت بتاعنا فرق شارعين بس وتوصلي تعالي معايا اغسلي وشك وبالمرة اوريكي العربية اللي شغالة عليها وبجددها، لأن لو روحتي بالمنظر دا مامتك هتقلق اوي.
فكرت مريم في حديثها وبالفعل وجدت به الصواب، لتنطلق معها نحو المنزل، وصلت كلتهما للمنزل لتسرع مريم بغسل وجهها وضبط شكلها المبعثر، ثم خرجت من الحمام تتوجه نحو الورشة الخاصة بقطوف وما أن وصلت حتى وجدت ملامحها لا تنذر بالخير، ازدردت لعابها تهمس بتوجس:
في إيه!
نظرت لها في حدة، براكين من الغضب باتت ظاهرة على وجهها وكأنها ستنفجر بأي لحظة، تتمتم بصوتٍ مخيف:
ابن ال.. ماشي بتلعب في العربية وبتاخد منها القطع الألماني... دا أنا هفتح دماغك الليلة.
ركضت قطوف تتوجه نحو المكتب لتهرول خلفها مريم في قلق، تدلف للسيارة معها قبل أن تغادر بها، فهي تعلم أن ملامح قطوف هكذا تقلع طبول حرب وليس غضب عادي.
أمسك بصدره يشعر بوخزه حادة تألمه، يشعر وكأن نمل يسير في جسده، تذكر أنه لم يأخذ الأنسولين اليوم، وهذا ما تسبب به الآن من اعراض قاسية، حاول النهوض ولكن سقط أرضًا فاقدًا الوعي تمامًا.
وصلت قطوف الأجانس الخاص بعائلة العطار، تسير وكأنها برق وليست انسانة عادية، في حين ركضت مريم خلفها في صعوبة، وما أن فتحت قطوف الباب حتى صرخت بمازن قائلة:
أنا ياض مش محذرة من ان حد يلعب في العربية دي.
جلس بأريحية على مقعده قائلًا برود:
بجد! لسه عارف منك.
يا نن عين أمك.. هوأنا يا قاتل يا مقتول النهاردة.
قالتها وهي تمسك بالمزهرية التي جوارها تقذفها عليه، في حين هبط مازن سريعًا أسفل المكتب قبل أن تصيبه يتمتم في صدمة:
دي اتجننت.
مين دي اللي اتجننت ياللي بتقول على السكر أكر.. دا أنا فاضل تاكة واقطعك ومش هوزعك على الكلاب لاء خسارة يدوقك لحمك دا أنا هحطك في ماية النهار.
قالتها وهي تحاول أن تزيل يد مريم التي تحاوط خصرها وهي تقف من الخلف، في حين تبدلت ملامح مازن لينهض من مكانه يقترب منها ولكن امسكه محمود في سرعة يقذفها مازن بأحد ديكورات المكتب قائلًا بنبرة غاضبة:
دا أنتِ ليلتك مش فايتة يا بنت العطار.. أنا بقول على السكر أكر.. حوش اللي اللي مبتعرفش تعمل حاجة في حياتها غير لسانها يطول على البني أدمين.
ياض.. ياض مخلنيش انفخك.
اندفعت منها هذه الكلمات، في حين تقبض عليها مريم بقوة قائلة بصوتٍ مجهد متألم من بعض اللكمات:
ياجدعان ما تخلصونا بقى من دي ليلة، أنا لسه خارجة من قسم ومحضر.
صك مازن على اسنانه، ليزمجر في حدة:
تنفخي مين يا شبر ونص.. دا أنا هعمل منك صوابع محمرة بس لما الواد دا يسبني.
بدأ يشعر محمود بنهج شديد من أثر ابعده لمازن عنها، بالرغم من قوة محمود إلا أن مازن يتميز بالطول والقوة، صرخت به قطوف في حدة:
مش هسيبك النهاردة... دا أنت عايز لتر بنزين وتتحط أنت وأمك فيه ونولع فيكم.
اللتر هشربهولك يا بت يمكن تنضفي... ولا من كتر الشحم الاسود بقيتي غلوية.
قالها بنبرة مستفزة، لتسرع مريم بزيادة أمسك قطوف فهي تعلم انفجار قطوف به ولكن تفاجأت بها تردف بصوت حاد:
اتصدق انك عيل... وأنا اللي جايبة لنفسي التهزيق عشان واقفة بتخانق مع اللي زيك.
ابتسم ساخرًا يقف في وجهها بعد أن افلت محمود يده قائلًا بتهكم:
هوش يا بت شايفة عندها كرمة من الأصل.
كادت ان تنطق ولكن هدر محنود بصوتٍ عالي قائلًا:
ألحق الحاج محمد يا استاذ مازن!
رواية فطنة القلب الفصل الثالث 3 - بقلم سلمى خالد
حالة من الحزن تسيطر على الجميع، عند سماع بضع الكلمات الصغيرة بوقعه، فكانت بمثابة نصل مزق قلوبهم أرابًا. بالجوار تقف قطوف وحيدة تنظر للأمام في جمود، لا تبكي.. لا تتحدث.. فقط جامدة مكانها لا تفعل شيئًا سوى النظر بنقطة واحدة من الفراغ. في حين وقفت ياسمين تبكي بشدة على والدها، فهي من رأته مستلقيًا على الأرض لا يتحرك. تقف جوارها مريم تحاول تهدئتها، في حين بقي مازن يجلس واضعًا رأسه بين راحتي يده، يحاول الصمود ولكن قلبه يئن بالألم. تذكر حديث خاله عن عقاب سيتلقاه من الدنيا، وأنه كلما عظم الخطأ غلى الثمن. همس في نفسه بنبرة راجية لله وحده:
_ يارب متوجعنيش في خالي يارب... باركلي في صحته واحفظه لينا يارب.. ارزقني الصبر والقوة.
مرت دقائق أخرى كانت كالدهر حتى خرج الطبيب من الغرفة، لتركض نحوه قطوف وياسمين ومازن متسائلين بخوف عن حالته. ليجيب بنبرة عملية:
_ حالته مستقرة متقلقوش.. هو مخدش حقنة الانسولين بتاعته وبسبب كده تعب بالشكل اللي شفتوه... ركزوا معاه أكتر من كده في مواعيد الحقنة.
أضاف مازن سؤالًا آخر:
_ طب هيخرج امتى؟!
أجابه الطبيب قبل أن يغادر المكان:
_ نطمن بس إن كل حاجة استقرت والسكر عنده اتظبط ويقدر يخرج معاكم.. ممكن خلال يومين.
حمد الجميع ربه، وقرر مازن أن يصلي ركعتين شكر لله، يحاول فيها أن يعيد تلك الذكرى مجددًا.
_ مازن قوم يلا عشان تلحق تستحمى لصلاة الجمعة يلا.
قالها محمد في حنو، في حين أردف مازن الذي بلغ من العمر سبعة عشر عامًا في نعاس:
_ يا خالو مش قادر أقوم.. ثم طول اليوم الجمعة بتصحيني الساعة 8 الصبح يعني لسه.
تنهد محمد بيأس منه، ثم نهض يتحدث بنبرة ماكرة يعلمها مازن:
_ خلاص براحتك... هروح لقطوف وياسمين وأقولهم إني بعد صلاة الجمعة هنخرج للمكان اللي يختاروه ومكافأة ليهم أنهم ختموا القرآن الأسبوع ده.
فتح مازن حدقتيه يردد بصوت متزمّر:
_ ما أنا يا خالو ختمته معاهم.. ثم أنت مقولتش إن في مكافأة.
ابتسم محمد في حنو متمتمًا:
_ لو كنت قلتلك كنت هتقرأ عشان مكافأة مش عشان عايز تقرأ قرآن ولما أوقف المكافأة هتقول واقرأ ليه... إنما دلوقتي أنت فرحان بالمكافأة أكتر من إنك تعرف قبلها ولما تخلص تاخدها... وحاسس بأنك عملت إنجاز عظيم صح.
ابتسم مازن في صفو، يجيبه بسعادة نابعة من فؤاده:
_ صح يا خالو.
ابتسم في رضا، ثم قال في حماس:
_ طب يلا يا بطل قوم خد حمام كده وصلي الصبح والساعة تسعة تبقى على الترابيزة عشان الشاي بالحليب نشربه.
نهض مازن في حماس أخذه من نبرات خاله، في حين نهض محمد يذهب للمطبخ كي يعد أكواب الحليب الصباحية لهم جميعًا.
ابتسامة علت ثغره وهو يتذكر كيف كان يصلي مع خاله، يجلسان سويًا ويتحدثان عن موديلات السيارات، كيف اهتم به رغم وجود فتاتين له يجب مراعاتهما، ولكن كان يهتم به كثيرًا.
انهى مازن من الوضوء، ووقف بين يدي الله يصلي، يخشع في صلاته، يبكي أمام الله وحده. لا يعلم ما هذا الشعور الغريب، ولكنه مريح للغاية، يشعر بالسعادة والأمان. بدأ بشكر الله أثناء السجود:
_ اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.. أحمدك وأشكر فضلك يارب... أحمدك وأشكر فضلك إني واقف بشكرك... حفظت لي أبويا وخالي وأكتر حد راعاني وأنا صغير... سخرته لي وحطيت في قلبه حنان ليا عشان أكبر.. بعدت عنك يارب وحاسس بالخزي من نفسي بس أنت رحيم ومغفرتك أعظم من ذنبي وهتعفو عني... اللهم اهدني واهدِ قلبي وثبتني على طاعتك.
انتهى مازن من الصلاة يشعر براحة فقدها منذ زمن، يتخلله ندم كبير. كيف للإنسان أن يترك الراحة ويبحث عن الشقاء في إشباع اللذات. سبحانك يا الله، فهؤلاء البشر أصبحوا يدهشونني.. أترك الراحة لأجل أشبع ما طابت به نفسي.. لا يعلم أن تلك النفس هي أمارة بالسوء..
المدمن يأخذ تلك السموم كي يشبع لذة نفسه فيبدأ بالسجائر، ثم الحشيش، ثم يصل للمواد المسممة وكل هذا على فترات متباعدة قد تصل لسنوات طويلة حتى يصل لنقطة النهاية وهي الموت دون راحة بل في أشد مراحل الشقاء. هذا مثال بسيط يا سادة من إشباع اللذة، ولكن عليكم أن تنظروا لجميع الأمور بشكل آخر.
أغلق مازن باب الغرفة بعد أن غادر منها، يمسك بهاتفه مجيبًا على محمود الذي أردف:
_ أستاذ مازن في ورق مهم في المكتب لازم يتشال في الخزنة أو حضرتك تشيله معاك.
صمت مازن قليلًا، ثم أردف بنبرة هادئة:
_ طب يا محمود ينفع تعدي على المستشفى تسلمني الأوراق دي.. أنت عارف اللي إحنا فيه ومش هقدر أخرج وأسيب خالي.
ابتسم محمود يجيب بهدوء:
_ متقلقش يا أستاذ مازن... أنا بإذن الله قربت أخلص شوية وهتلاقيني عندكم.
أنهى المكالمة الخاصة به، وانطلق نحو الغرفة التي يوجد بها خاله، وقبل أن يدلف وجد قطوف تخرج من الغرفة ترمقه بنظرات حادة قائلة بغيظ:
_ أنت رايح فين كده.. دا أول يوم شغل ليك وجتلنا مصايب من طوب الأرض.. الراجل طول عمره بصحته جيت أول لما اشتغلت طب ساكت مننا...
_ هششش ابلعي لسانك دا شوية... ثم أنا بحب خالي ويمكن أكتر منك.. دا والدي.
قالها مازن بنبرة مستفزة، في حين شهقت قطوف ثم اندفعت تصيح بكلمات كالحجر:
_ والدك... والدك مين بقى هاه؟ والدك طار من هنا... مشي بخ طفش منك و...
صمتت فجأة ما أن أدركت حديثها، في حين تطلعت لها مازن بصدمة، ثم ابتسم في ألم تخلل مشاعرها متمتمًا:
_ معاكِ والدي طار وطفش... واللي جوا دا خالي وبس مليش حق فيه.. أنا ماشي.
استدار يغادر من المكان، في حين وقفت قطوف تحاول أن تصلح ما فعلته ولكن وقفت جامدة لا تستطيع الحركة أو اتخاذ خطوة. استدارت كي تعود ولكن وجدت مريم خلفها تنظر لها في عتاب قائلة:
_ أنا عارفة علاقتك بيه كلها وكأنها قط وفار.. بس عمر ما القط جرح الفار ولا الفار جرح القط... وأنتِ النهاردة عيرتي مازن بأن أبوه سابه ومشي... تقبلي إني أقولك مامتك سبتك ومش طارت لا دي مش راجعة نهائي.
أدمعت عين قطوف وهي تنظر لها، تردف بصوت مبحوح:
_ مكنتش أقصد أوجعه.
حركت مريم رأسها بتفهم، ثم أردفت بنبرة هادئة:
_ هقولك نصيحة وقت ما تبقي مشدودة وأعصابك تعبانة ومتتكلميش يا قطوف... عشان متدخليش في طريق تخسري كل اللي بتحبيهم... واعتقد أن مازن من حقه إنك تعتذري ليه ولا إيه؟!
رمقتها بنظرة حادة، في حين رفعت مريم حاجبها بنظرة ساخطة، تغمغم بسخرية:
_ أنتِ بجد مصدقة نفسك.. بجد مش عايزة تعتذري ليه؟ قطوف أنا مكنتش بتكلم معاكِ في خناقاتك مع مازن بس المرة دي بجد أنتِ غلطانة و اوي كمان.. فلو معتذرتيش أنا..
نظرت لها قطوف ثم أردفت بضيق:
_ هتعملي إيه؟!
هبطت بيدها التي تشيح بها منذ أن بدأت الحديث، تجيبها بهدوء وهي تستعد للرحيل:
_ هتصدم في صحبة عمري... اللي بتجرح في الناس عمال على بطال.. أنتِ أكتر واحدة المفروض تحس بالناس.. أنتِ زمان لما كنت بتغلطي كنتِ بتعتذري.. وتخافي على ناس من الزعل بس دلوقتي الموضوع بدأ يختفي وأنتِ الكبر واخدك.. والله أعلم هتخسرينا إحنا كمان ولا لاء!.. أنا ماشية يا... صحبتي.
تركتها تغادر لمنزلها فقد تأخر الوقت، في حين نظرت لها قطوف في ضعف بات ظاهر عليها، انسحبت من مكانها ودلفت للغرفة تجلس أمام والدها الغافي مكانه على الفراش، ثم ألقت نظرة سريعة على شقيقتها ياسمين النائمة على الأريكة، بدأت الدموع تتسرب منها دون توقف. تعلم جيدًا أنها أخطأت، ولكن هي تنفر مازن كيف لها أن تعتذر لشخص تبغضه. حاولت إيقاف دموعها ولكن كانت كشلال لا ينتهي، وضعت وجهها بين راحتي يدها تحاول التماسك، في حين ارتفع صوت محبب لقلبها ولكنه مجهد:
_ بتعيطي ليه يا قطوف؟
رفعت وجهها، تتطلع نحو والدها في حنين وكأنه غاب دهر من الزمن، ثم أردفت بنبرة مترجية:
_ متعملش فيا كده تاني يا بابا.
ضحك محمد في خفة، ثم أردف بنبرة هادئة بطياتها الحنان:
_ حاضر مش هعمل كده تاني.. بس قوليلي إيه اللي يخلي قطوف محمد العطار تعيط؟
نظرت له في تردد، في حين مد محمد يمسك يدها مربتًا عليها في حنو بعث لها الأمان، يردد:
_ أول مرة تبقي مترددة كده.. قولي يا بنتي ومتخفيش هسمعك ونحل سوا أي مشكلة.
حركت قطوف رأسها ثم بدأت بسرد ما حدث، في حين بقي محمد يستمع لها حتى انتهت واختتمت حديثها:
_ مش بطيقه وفي نفس الوقت أنا غلط بس قلبي مش جايبني أقوله آسفة.
تنهد محمد ببطء ثم قال بهدوء:
_ بصي يا بنتي... إنك اعترفتي بالغلط ده يفرحني بس إنك موجهتيش الغلط ده يبقى كارثة.. من امتى بقيتي مترددة... طول عمرك بتقفي في وش أي حد.. حتى عمتك بتوقفيها عند حدها... ولما بتغلطي بتقفي تقولي أنا غلطت وبعتذر وأنتِ واثقة في نفسك ومش خايفة برضو فليه مش عايزة تعتذري لمازن؟!
حركت قطوف رأسها في نفي متمتمة:
_ صدقني مش عارفة... لو أعرف هقول بس الفكرة نفسي مش جايباني.
حرك محمد رأسه في تفهم، ثم قال بنبرة حنونة:
_ أنا عمري ما جبرتك على حاجة.. بس هقولك نصيحة تحطيها حلقة في ودنك... لما أنتِ تبقي غلط اعترفي واعتذري وبندم كمان.. أما طول ما كبريائك واخدك زي ما صحبتك قالت هتخسري الكل يا بنتي... الاعتذار مهما حصل مش بيقلل من قيمتك ولا هي يهز كرامتك.. اللي هيقلل منك هو الكبرياء اللي نَفسك صورت ليكي إنه جميل ومحافظ عليكي وهو في الحقيقي في نظر الناس أوحش حاجة... هسألك سؤال عمرك شوفتي واحد مغرور أو فيه تناكة واحترمتيه؟!
حركت رأسها بالنفي، فاسترسل محمد حديثه:
_ يبقى تمسحي الكبرياء ده... وأقولك على سر كنت بعمله أنا وأمك الله يرحمها زمان.
ابتسمت قطوف بحب متمتمة:
_ قولي.
ابتسم باتساع، ثم قال بحب يحمل شوق:
_ أول لما اتجوزنا قولتلها لو زعلنا سوا أغلبي حبك ليا على زعلك مني وأنا برضه هغلب حبي ليكي على زعلي منك وساعتها الخناق بتاعنا هيتقطع من حياتنا وهنكون كويسين مع بعض... وعملنا بالنصيحة وعشنا أحلى سنين عمرنا..
ابتسمت قطوف بحب، في حين أشار محمد برأسه كي تغادر قائلًا:
_ يلا روحي صالحي غلطك... خليني فخور ببنتي وتربيتها.
نهضت قطوف من مكانها تقبل جبين والدها بحب شديد، في حين ربت محمد على كتفها بحب، غادرت قطوف تبحث عن مازن رغم أنها تبغضه إلا أن الخطأ يعتريها ويجب أن تمحيه.
وصلت مريم للمنزل وما أن دلفت حتى أردفت والدتها نهاد بقلق:
_ أنتِ كنت فين كل ده يا مريم؟!
صمتت مريم قليلًا ثم أجابتها بنبرة متعبة:
_ بصي هحكيلك بس آخد حمام من التعب اللي شوفته النهارده، ده أنا كرامتي بقت زي الأسفلت.
انطلقت مريم تأخذ حمامًا، تتناول الطعام بشراهة غير طبيعية، تعجبت والدتها من طريقة تناولها للطعام، ثم قالت بدهشة:
_ أنتِ بتاكلي ولا كأنه آخر ذاتك ليه؟!
تحدث مريم وهي تلوك الطعام:
_ سبيني يا ماما ده أنا على آخري... اللي شوفته مش قليل النهارده.
اشمأزت نهاد من طريقة ابنتها لتخبرها بصوت غاضب:
_ خلصي أكل وابقي اتكلمي!
عبست ملامحها، ثم أكملت الطعام بشرهة، في حين حركت نهاد رأسها في يأس منها ومن طريقتها الغريبة، وما أن انتهت حتى نهضت تعد لها قدح الشاي، وجلست تروي لوالدتها ما حدث، وما أن انتهت حتى قالت:
_ طب وباباهم كويس؟!
حركت رأسها بإيجابية، في حين أكملت نهاد في تسأل:
_ طب البنت اللي خبطتيها كويسة؟!
حركت رأسها مرة أخرى بإيجابية، لتتنهد نهاد في راحة.
رأته بحديقة المشفى يقف أمام الشروق يتأمله، أخذت نفسًا عميقًا ثم تقدمت منه بخطوات هادئة حتى أصبحت جواره مع وجود مسافة بينهما، تردف في هدوء:
_ أنا آسفة على الكلام اللي قولته فوق.. زودتها شوية وغلط.
نظر مازن ببعض الدهشة، ثم ابتسم بهدوء يعود بنظرة نحو هذا الضوء الخافت المبعوث من الشمس، يحدثها في هدوء مناسب لهذا الجو:
_ عادي.. مش هنكر حقيقة اتقالت.. والدي سابني وسافر ومعرفش عنه حاجة.. وأمي مكنتش بتهتم بيا وعلطول سايبني عند خالي يا إما في أجازات أو في البيت عندكم.. بالتالي أنا شبه يتيم.
شعرت قطوف بندم حاد، تردف بصوت مبحوح على وشك البكاء:
_ والله مكنتش أقصد أقول كده ولا أفكرك بكده.
ازدادت دهشة مازن من صوت قطوف النادم، ليردف سريعًا:
_ خلاص والله ما في حاجة.. أنا كويس أهوه أنتِ حرارتك علت ولا إيه؟!
عادت قطوف مجددًا لطبيعتها، لترمقه بنظرة شرسة، كادت أن تغادر ولكن أسرع مازن يتسأل:
_ إيه سبب اللي خلاكي مش بطيقيني يا قطوف؟ من مدة معينة ومعاملتك بقت غريبة ليا؟
تذكرت قطوف مقابلته لتلك الفتاة، لتردف بنبرة ساخرة:
_ وهتفرق.. سواء قلت أو لأ فأنت هتفضل في نظري زي ما أنت.. واعتذاري المرة دي عشان غلطت بجد، بس متخدش على كده هاه.
تنهد مازن من جنونها، ثم تمتم:
_ أنا رايح أجيب غيار لخالي وأشوف ورق لو سأل عليا.
تركها قبل أن ترد، في حين عادت قطوف للغرفة لتجد والدها قد غفى مجددًا.
بمكان آخر..
صعد الدرج يشعر بتعب شديد، فقد ظل يومين متتاليين مستيقظًا بالعمل، ولكن أوقفه اتصال، رفع هاتفه ليجدها والدته، أسرع بالرد كي لا تقلق عليه متمتمًا:
_ ست الكل عاملة إيه؟
_ الحمدلله.. طمني عليك يا ياسين؟ مرتاح في القاهرة ولا مخنوق من الشغل؟!
ابتسم ياسين بهدوء، يخرج مفتاح الشقة كي يدلف لها، يجيب:
_ صدقيني مرتاح أوي كمان.
_ مش ناوي بقى تستقر وتتجوز يا بني؟!
زفر ياسين بضيق ثم أردف بنبرة مختنقة:
_ يا أمي هو مفيش غير السيرة دي... حاضر لما ألقي بنت الحلال اللي تصوني هبقى أقولك إني هتجوز.. غير كده مش هتجوز واحدة والسلام.
_ براحتك يابن بطني.. بس خد في بالك أبوك مش هيفضل كده كتير سايبك تتسرمح في القاهرة.. وممكن يجبلك عروسة تتجوزها.
صك ياسين على أسنانه بغيظ، يجيب:
_ هو أنا سبتله البحيرة كلها وبعدت عن تحكماته عشان كمان يختار اللي هعيش معاها.
_ بص يا حبيبي والدك مهما عمل خايف عليك... حاول أنت بس تركز وتخلي الموضوع في دماغك لعل وعسى تلاقي بنت الحلال دي وتقول لأبوك وأنا هقنعه علطول بيها.
ألقى ياسين بنفسه على الأريكة قائلًا:
_ بإذن الله.
أغلق معها وهو يشعر بإرهاق شديد، ثم دلف لغرفته وألقى بذاته على الفراش يغرق في ثبات عميق.
أغلق مازن باب الشقة، وما أن استدار حتى وجد والدته بوجه تتمتم في حدة:
_ كنت بايت فين؟
عبست ملامح مازن في ضيق ثم قال:
_ هكون فين يعني.. خالي اغمى عليه ونقلناه المستشفى والحمدلله السكر اتظبط بتاعه وكنت بايت معاه ولسه جاي.
حركت رأسها ببعض الهدوء، ثم لفت انتباهها الأوراق التي بيد مازن لتشير بيدها لهذه الأوراق قائلة:
_ إيه الورق ده؟!
حرك مازن رأسه بيأس، ثم قال بلامبالاة:
_ ورق يخص الشغل.
هدرت مرفت بغيظ:
_ ما تخلص وتقول ورق إيه؟!
زفر مازن بضيق يجيب:
_ ورق يخص البنك محتاج خالي يشوفه.
اللمعت عين مرفت بطمع، تردف بحماس:
_ طب حلو شوف الورق ده... وانقل الفلوس ليك.
اتسعت عين مازن بصدمة، ثم قال بنفور مما تريده:
_ بتقولي إيه! أنا لا يمكن أعمل كده... وريحي نفسك أنا مش هسرق خالي.. شغال معاه عادي.. ومستعمليش معايا حتة إنك غضبانة عليا عشان مسبتش البيت ومشفتيش وشي.
صكت مرفت على أسنانها، في حين تركها مازن وهو يحمد ربه أنها تركته يغادر، أسرع في تبديل ملابسه ثم غادر للمشفى سريعًا كي يسلم خاله تلك الأوراق.
شُفي محمد تمامًا وعاد للمنزل مع اهتمام قطوف له، في حين بقيت ياسمين تتابع أوراق الشهادة الخاصة بها حتى استطاعت بالفعل أن تعدها، وعلمت اليوم الخاص باستلامها، في حين بدأ مازن يستقر بعمله ولكن تزداد براعته في فهم ما وضع به، يحاول الالتزام بفروض الصلاة قدر الإمكان، في حين بقيت مرفت تحاول التفكير بشيء ما كي تمتلك ثروة أخيها، حتى أخبرها مازن بجملة صاعقة ولكن قررت أن تستغلها لتقضي على شقيقها!
صباحًا..
أنهى مازن مع خاله مناقشة أحد أوراق العملاء، ثم قال بنبرة متوترة:
_ كنت عايز أفتحك في موضوع.
نظر له محمد باهتمام، ليكمل مازن بنبرات لا تزال متوترة:
_ عايز أطلب إيد ياسمين.
رواية فطنة القلب الفصل الرابع 4 - بقلم سلمى خالد
تعالى صوت ضحك محمد من شكل مازن المتوتر، ليردف بصوتٍ ضاحك:
_ طب ما أنا عارف أنك هتتقدم... بس ليه التوتر دا كله.
ابتسم مازن له، ثم قال بنبرة هادئة بعد ضحكة خاله:
_ مش عارف بس الموضوع ليه هيبته... صدق فعلًا ميثاق غليظ.
حرك محمد رأسه ثم قال بصوتٍ هادئ:
_ طب أنا هسأل ياسمين ونتفق على معاد تي...
قاطعه مازن بحماسٍ:
_ لا ما هنعمل كتب الكتاب يوم حفلة الشهادة بتاعتها.
قطب محمد جبينه، في حين أسترسل مازن حديثه:
_ هفهمك.. أنا عايز نعمل ليها مفاجأة وكمان احنا مش لسه هنتعرف على بعض.
صمت محمد لبعض الوقت ثم قال بحكمة:
_ طب هروح أشوف رأيها بس من غير ما تعرف هحاول كده أعرف بحيث منكونش عملنا حاجة بدون رغبتها.
حرك مازن رأسه في ايجابية، ثم نهض يحمل بعض الأوراق يتمتم بسعادة:
_ خلاص هستنى عشان لو كده اجهز الدنيا واشتري البدلة.
حرك محمد رأسه وبقى شاردًا قليلًا في حياته يشعر باقتراب النهاية ولكن لا يعلم موعدها.. على الأقل يزوج ابنته الضعيفة، والأخرى هي تستطيع حماية ذاتها.
****
بشقة مرڤت...
_ التنفيذ يوم الجمعة وهرن عليك الجمعة أأكد عليك الساعة.
قالتها مرڤت في همس، في حين اجابها الجهة الأخرى بالموافقة، ولكن أضاف شيئًا جعلها ستنشط غضبًا:
_ خلصنا عرفت أنك عايز الفلوس بس لزمًا اضمن حقي وأن ياسمين تختفي يوم كتب كتابها تمامًا.
أغلقت معه، وهي تبتسم بخبث، تتذكر مقابلتها للطبيب الخاص بمحمد...
**
سارت بخطواتٍ هادئة، ترتدي ملابس فاخرة للغاية، تنظر بغنج للجميع، حتى وقفت أمام مكتب الطبيب لتبدأ بتمثيل التوتر، ثم دلفت للداخل قائلة بصوتٍ أشبه بباكي:
_ طمني يا دكتور اخويا حصله إيه أنا قلقانة عليه أوي؟!
انتفض الطبيب من مقعده ونظر لها وانخدع بدموعها المزيفة يجيبها ببعض الشفقة:
_ متقلقيش يا مدام هو بخير بس محتاج راحة تامة.
بدأت بأن تهدأ، ولكن اضافت وهي تسحب احدى مناديل:
_ طب هو لا قدر الله لو اتعرض لحاجة مصدمة أو مخيف.. مش عارفة بس أي حاجة ... هيبقى كويس لأن شغله كل يوم بخبر وخايفة عليه.
حرك الطبيب رأسه في ايجابية، يتمتم بأسف:
_ حقيقي بعتذر للي هقوله، بس للأسف ممكن تسبب ليه شلل وممكن يوصل للوفاة... الاستاذ محمد لزمًا يخلي باله من نفسه وصحته اكتر من كده لأن حالته خطر.
ابتسمت بداخلها في مكرٍ أسود، ولكن نظرت للطبيب بحزنٍ تجيب:
_ أنا هخلي ابني يبقى في ضهره.. عشان يسنده أكيد مش هسيب أخويا حبيبي.
ابتسم الطبيب على حديثها ثم اطرق لحديثها بقول:
_ حقيقي ياريت الكل زيك يا مدام.
**
عادت من تذكرها وهي تحرك الهاتف في الهواء بسعادة شديدة، تتمتم بنبرة حاقدة سوداء، من يستمع لها يشعر بأنها لم تكن بيومٍ شقيقته:
_ سامحني يا محمد بس عشت بما فيه الكفاية ولزمًا تقابل وجه كريم.. صحيح هسيب لبناتك فضيحة الله أعلم هيدروها إزاي بس مش مهم المهم اضمن أخد الفلوس اللي معاك كلها.
**
صباحًا..
وقفت مرڤت بغرورٍ أمام منزل محمد، تسير بخطواتٍ متمهلة، تتطلع لصوت الصادر من الورشة، لتبتسم في سخطٍ قائلة:
_ أكيد الميكانيكة اللي مخلفها.
تقدمت نحو الورشة لتجد بالفعل قطوف تجلس على الأرض، تمسك بمفتاح لتضعه بسيارة تفك هذا الصامولة، ولكن توقفت عن الحركة ما أن ارتفع صوت مرفت قائلة:
_ هو محمد أزاي سيبك كده.. في بنت في الدنيا تنام على ضهرها وتمسك مفتاح ووشها مليان شحم بالشكل دا.
أغمضت قطوف عينيها تلقي المفتاح بغيظٍ، ثم نهضت من مكانها بنفضة غاضبة تراجعت على أثرها للخلف لتتمتم بصوتٍ متماسك:
_ طب وهو في حد عنده الغضروف بيلبس كعب طوله كده.
شهقت مرفت في غضب، ثم كادت أن تتمتم بكلماتٍ غاضبة ولكن اوقفتها قطوف قائلة:
_ بلاش أحسن يا عمتـــــــي.. هتلغطي في أبويا وأنا اتحول ونتجنن على بعض والموضوع يوسع فبلاش أحسن.. روحي شوفي جاية لمين أكيد مش جاية لسواد عيوني.
صمتت مرفت ولكن تحمل بداخلها غلٍ شديد، رغم أن قطوف صغيرة ولكن لا تستطيع الوقوف أمامها، أخذت حقيبتها ثم غادرت قبل أن تبعثر قطوف الباقي من كرمتها، لتردف قطوف بصوتٍ مختنق:
_ أنا نفسي أفهم جاية ليه... دا أنتِ لو عايزة تجبيلي ضيق تنفس مش هتعملي فيا كده.
ألقت ما بيدها وقررت أن تذهب لصديقتها فهي الوحيدة التي تستطيع الحديث معها بأمان.
**
دلفت مرفت المنزل تجلس جوار ياسمين التي استقبلتها بحبٍ، ثم اردفت بخبثٍ:
_ ايه يا ياسمين يا حبيبتي مالك مش بتاكلي وخاسه كده ليه... شكلك بقى صعب أوي وأنتِ خاسه كده.
رمشت ياسمين عدة مرات، تحاول تقبل كلماتها اللاذعة، تتمتم بصوتٍ مرتجف:
_ أنا مخستش أوي ك...
رمقتها مرفت بنظرة حادة قائلة:
_ وأنتِ عايزة تكدبيني ولا إيه؟
حركت ياسمين رأسها في نفي قائلة بصوتٍ مبحوح:
_ لا والله مش دا قصدي أنا..
قاطعتها مرفت وهي ترفع يدها تشير لها بالصمت قائلة باشمئزاز:
_ اسكتي أحسن... صوتك بقى مزعج أوي وأنتِ هتعيطي وتعملي زي العيال الصغيرة.
ابتلعت ياسمين كلماتها، ثم نهضت قائلة ببسمة مكسورة:
_ بستأذنك هروح أشوف بابا.
غادرت ياسمين والدموع تنساب على وجهها، تعلم جيدًا أن عمتها تريد ان تألمها ولكن هي لم تستطع أن تتحمل سُم حديثها، دلفت لغرفتها تبكي بقوة على ما تفعله بها، لا تستطيع الرد عليها وتخشى أن تتفوه بكلماتٍ خاطئة.
**
خرج محمد من مكتبه وهو يتقدم من مرفت الجالسة بمفردها تتفحص هاتفها، ليردف محمد بدهشة:
_ أمال فين ياسمين؟!
نظرت له مرفت ببعض الحزن قائلة:
_ شوفت يا محمد بناتك حتى مش عايزين يستقبلوني وأنا ضيفة عندكم.
ضيق محمد عينيه بشكٍ، في حين أكملت مرفت مغيرة مسار الموضوع:
_ أنا جاية أقولك ألف سلامة عليك... وبنسبة لموضوع ياسمين ومازن فأنا معنديش اعتراض.. وابقى قول لمازن لأنه مش مصدق أمه مصدق خاله بس.
قالت جملتها الأخيرة بسخرية، في حين تجاهلها محمد وأردف بهدوء:
_ حاضر يا مرفت هقول لمازن.. عايزة حاجة تانية؟!
رفعت مرفت حاجبها بغيظٍ ثم نهضت تحمل حقيبتها قائلة بغضبٍ مكتوم:
_ لاء... أنا ماشية.
تركته مغادرة الشقة في حين حرك محمد رأسه في يأسٍ من شقيقته التي لن تتغير، ونهض يرى أين ابنته وقبل أن يدلف للداخل استمع لصوت بكائها، علم بكذبة مرفت، وصك على أسنانه في غيظ، ولكن حاول ألا يظهر ذلك، طرق الغرفة بهدوء وبعد عدة دقائق استمع لها تسمح بالدخول، سار محمد نحو ابنته حتى جلس جوارها يردف بحنو وهو يمد يده يرفع وجهها:
_ بتعيطي ليه يا حبيبتي؟!
تسربت الدموع بغزارة، وارتمت باحضان والدها، في حين ربت محمد على ظهرها بحنانٍ شديد، يحاول التخفيف عنها بقول:
_ يا حبيبتي لزمًا تقوي شوية.. أوعي حد يقولك كلمة كده ولا كده تعيطي وأنا واثق أن عمتك قالت كلام ضايقك.. وعشان كده بتعيطي.. بصي متخديش على كلامها هي بتتكلم بدبش شوية بس بتحبكم.
هدأت ياسمين قليلًا، ولكنها لا تزال تتشبث بوالدها كطفلة صغيرة، استرسل محمد حديثه بهدوء:
_ طب دا أنا داخل عشان اتكلم معاكي ونهزر.
نظرت له ياسمين ببعض البراءة، تتطلع له بأعينٍ مدمعة، في حين أكمل محمد بمكرٍ:
_ آه لو مازن شافك كده!
خجلت نظراتها وهي تحاول الهروب منه، في حين ابتسم محمد برضا قائلًا:
_ الله مكسوفة... امال لو اتقدم هتعملي ايه؟!
اختبئت به ياسمين، تتمتم بخجل واضح:
_ كفاية بقى يا بابا.
ضحك محمد وقد تأكد من أن ياسمين لديها قبول للفكرة، وأردف بصوتٍ حنون وهو يضمها باشتياق وكأنها ستتركه:
_ ربنا يحميكي يا بنتي وأشوفك اسعد البنات.
**:
_ مش هتأخر يا ماما هروح بس اجيب الشبسي واجي.
قالتها مريم وهي تغلق الباب، ثم هبطت من على الدرج تتجه نحو السوبر ماركت الموجود بجوار منزلها، دلفت له تبحث عن الطعم المفضل لها، ولكن قاطعها صوت هذا الرجل المسن قائلًا:
_ طعم الحار نار مش موجود عندي يا بنتي.. هتلاقيه عند محل الاستاذ مختار اللي في الشارع اللي ورانا.
عبست ملامحها بضيق، قائلة بنبرة متذمرة:
_ لية كده يا عم مدبولي كنت عايزة أكله مع الجبنة اللي فوق.
ضحك عم مدبولي على طريقتها، ثم قال بصوتٍ هادئ:
_ حقك عليا يا بنتي عارف إنك بتحبيه بس اعمل ايه الراجل مجاش النهاردة بالطلبية وقالي جاي بكرة.
حركت رأسها بايجابية، ثم سارت نحو المكان الذي اشار له عم مدبولي، تتطلع نحو الاسدال الذي ترتديه ثم لوت فمها ببعض السخرية قائلة:
_ بقى دا منظر دكتورة.. يلا هي المهنة باظت من شوية.
وصلت أخيرًا نحو المكان المطلوب لتجده محلًا ضخم بعض الشيء، تحسرت على شكلها وهي تدلف للداخل بهذه الملابس، والناس يتطلعون لها بشكلٍ مذهول، حاولت ايجاد ما تريد وبالفعل وجدته لتسرع نحو ولكنها تعثرت ببعض العُلب الموجودة بالجوار على الأرض، ووقعت على الأرض، نهضت من مكانها يتلون وجهها بحُمرة الحرج، تحاول أن تلملم ما تبعثر منها، ثم وما أن انتهت حتى وقف صاحب المحل امامها السيد مختار يتمتم باشمئزاز:
_ يلا يا ست أنتِ من هنا... المحل دا مش للشحاتين.
نظرت له مريم ببعض الصدمة وكادت أن تجيب ولكن، صرخ بها السيد مختار بعنفٍ قائلًا:
_ ما تيلا ياولية من هنا خلصينا.
تبدلت ملامح مريم لغضب شديد، تهدر بصوتٍ غاضب:
_ جرى ايه يا جدع أنت... هو حد قالك أني شحاتة... ثم لو جالك حد غلبان هتعامله كده.. دا ايه الجحود دا.
:_ بتقوليلي أنا جحود ياللي مشوفتيش تر*.
استمعت مريم لهذه الجملة، فتهجمت ملامحها تنظر لزجاجة من العصير، أمسكت بها ثم قامت بضرب رأسه قائلة بصوتٍ حاد:
_ ابقى فكر في الكلام قبل ما تقوله.
**
سارت قطوف باتجاه منزل مريم، ولكن قبل أن تصل وجدت اتصال من رقم غريب، اجابت لتجد صوت مريم قائلة برعبٍ:
_ ألحقيني يا قطوف أنا في نفس القسم اللي جبتني منه ومش عارفة اتصرف تعالي الحقيني.
مسحت قطوف على وجهها بغضب، قائلة بصوتٍ غاضب:
_ هو أنتِ رد سجون... كل يوم والتاني اجيبك من القسم.
اغلقت بوجهه المكالمة، لتنفخ بغيظ تتمتم بحدة:
_ لما أشوفك يا مريم هرنك علقة اخليكي تروحي المستشفى وتبقى زورتي جهات الحكومة كلها.
***
انتشل منها العسكري هاتفه في سرعة ووضعه بجيبه، في حين وقفت مريم تتطلع نحو مختار الذي ينزف بغزارة يضع يده على رأسه من شدة الألم، اغمضت عينيها تحاول استيعاب هذه الكارثة، ولكن توقفت انفاسها عندما استمعت لصوتٍ تعلمه جيدًا، اسرعت بفتح عينيها للتأكد من شكوكها لتجد ياسين يدلف لمكتبه سريعًا في تعجل، ازدردت لعابها ببعض الخوف، ثم همست للعسكري الموجود جوارها قائلة:
_ هو الراجل اللي دخل هناك دا يبقى مين بظبط؟!
اجابها العسكري بصوتٍ بارد:
_ الظابط ياسين هو اللي اللي معاه محضرك.
لطمت مريم على وجنتها، وكانت دقائق وقد دلفت لغرفة ياسين الذي كان يتحدث بالهاتف وما أن أغلق حتى استدار ليجد مريم تقف أمامه بالاسدال، وجوارها مختار، قطب جبينه بدهشة ثم قال بصوتٍ متعجب:
_ أنتِ بتعملي ايه هنا؟ وكمان بالاسدال؟
ابتسمت بتوتر ثم قالت بصوتٍ مرتبك:
_ طبعًا لو حلفتلك على المصحف إني بنت ناس ودكتورة محترمة مش هتصدق.. وإني جيت هنا غلطة.
نظر بسخطٍ منها ثم تقدم نحو مكتبه يتطلع نحو المحضر، يقول بصوتٍ ساخر:
_ واضح أنك بنت ناس فعلًا.
تهجمت ملامحها بغضب جامح، قائلة من بين اسنانها:
_ استغفر الله العظيم ليه الغلط اللي على الصبح دا.
رفع ياسين حاجبه بغيظ، في حين اردف مختار بصوتٍ متأثر:
_ ضربتني يا باشا بالازازة في راسي وجوا محلي... دي اتهجمت عليا بكل وحشية.
نظرت له مريم بحدة قائلة بصوتٍ غاضب:
_ وحشية مين يا راجل يا نط*... بتقولي شحاته وتشتمني بأهلي وعايزيني اسكت.
:_ اخرســــــــوا.
قالها ياسين بغضب جامد يضرب على مكتبه بعنف، في حين وقفت مريم مكانه مرتعدة، وكذلك الرجل، تنفس ياسين بغضب جامح، وجلس على مقعده في ضيق، يستغفر ربه لعله يزيل هذا الغضب وما أن هدأ حتى قال:
_ طب في نية للصلح ونخلص من المحضر دا.
حرك مختار رأسه في نفي، في حين تطلع له ياسين ببعض الضيق، فبالرغم من أن مريم لا يعرفها إلا أنه لا يرغب بضياع مستقبلها لأجل سوء فهم بينهما، نهض من مكانه ووقف بعيدًا مع مختار قائلًا بصوتٍ جاد:
_ بص يا مختار من الواضح أنك راجل ابن ناس وليك مقامك، وعشان كده بقولك مشيها صلح وأنا هعملك محضر عدم تعرض لو هوبت بس جنب محلك ابقى تعالي واشتكي.
نظر له مختار ببعض الحيرة، وشعر بأن تلك الفتاة ليست عادية، فمنذ أن دلفت وقد تعرف عليها هذا الضابط بسهولة، اتسعت عينيها فجأة ما أن ادرك أنها يمكن أن تكون أحد مساعديه وقد اعتدى عليها بالسب، نظر نحو ياسين قائلًا ببعض الخوف:
_ خلاص يا باشا طالما دا يرضيك نعمله.
ابتسم ياسين برضا، وأردف وهو يربت على كتف مختار:
_ هو دا العشم يا مختار.. ولو احتاجت حاجة ابقى تعالي وأنا هظبطك.
اتسعت ابتسامة مختار، ورفع يده قائلًا:
_ إحنا في خدمة الحكومة يا باشا.
عاد ياسين مكانه وبدأ باعداد محضر الصلح بينهما، ومضي عليه الأثنان وانتهى من باقي الاجراءات، ليغادر مختار المكان، في حين نظرت له مريم بفضول قائلة:
_ سكت الراجل دا إزاي؟!
صك على أسنانه ببعض الغضب، يردف بصوتٍ حاد:
_ المرة دي وعدت ... المرة اللي فاتت وعدت... المرة الجاية مش عارفين هنجيبك منين تاني.
شهقت مريم بضيق، في حين عاد ياسين ينظر بالأوراق التي أمامه دون أن يتطلع لها، كادت أن تغادر ولكن اوقفها ياسين قائلًا ببعض المكر:
_ رايحة فين كده؟!
قطبت جبينها بدهشة، تجيب:
_ هروح.
ضحك ياسين بخفة قائلًا:
_ دا لما يبقى معاكي بطاقة أو حد يضمنك.
مسحت مريم على وجهها بغضب، قائلة بصوتٍ مختنق:
_ هو كلية الشرطة مخرجتش غيرك عشان أشوفك.:
_ والله! طب كان كرم مني أني مقعدك في المكتب لحد ما صحبتك تيجي.. إنما عشان طولت لسانك دي هقعدك في الحجز.
قالها ياسين في برود شديد، كاد أن يضغط على الجرس ولكن اسرعت مريم بقول:
_ يرضيك يا باشا دكتورة زي تتبهدل كده.
:_ وهو في دكتورة تخرج باسدال وكمان تفتح دماغ الراجل.
قالها بغيظ شديد، في حين اجابته الأخرى بضيق:
_ وأنا مالي هو اللي شتم قل ادبه عليا... ثم اخرج باسدال اخرج ببتنجان أنا حرة أنت ملكش كلمة عليا.
شعر ياسين ببعض الغضب من تلك الكلمة، لا يعلم لماذا ولكن يريد ألا يتركها، عاد ينظر للأوراق من جديد، ولكن هذا الاضطراب الغريب من تلك الفتاة تعجب منه.
أتت قطوف وأخذت معها مريم وغادرا سويًا، ولكن بقى ياسين يفكر بمريم كثيرًا وظهرت أشبه ابتسامة ما أن تخيل بأن تصبح مريم هي الزوجة التي يبحث عنها.
**
:_ هو أنا يا بت كل يوم والتاني هجيبك من القسم!
قالتها قطوف بغيظٍ شديد، في حين اجابتها مريم بضيق وهي تسير بالقرب من منزلها:
_ وأنا مالي يا جدعــــــــــــــان الراجل هو اللي قل ادبه.
زفرت قطوف بضيق، في حين وصلت مريم للمنزل قائلة بصوتٍ متعجب:
_ مالك يا بنتي طول الطريق متنرفزة ليه؟!:
_ عمتي جت عندنا والصراحة مش مرتاحة لمجيتها حاسه في مصيبة.
اجابت قطوف ببعض الضيق، في حين ربتت مريم على كتفها قائلة بصوتٍ هادئ:
_ بطلي تشيلي كل حاجة فوق راسك يا قطوف الموضوع ابسط من كده.. ثم أكيد رايحة تشوف اخوها عادي.
تنهدت قطوف بقلق، ثم حركت رأسها تقبل صديقتها كي تغادر، ولكن قلبها يخبرها بوجود شيئًا غير مطمئن.
علمت نهاد بما حدث مع مريم وبدأت بعتابها وتوبيخها بشدة من فرط خوفها، في حين علمت قطوف بطلب زواج مازن من ياسمين وحاولت الاعتراض ولكن اوقفها والدها، و أحضر مازن فستان مميز خاص بياسمين واحضر حلة سوداء له.
****
بيوم الجمعة..
اتصل مازن بخاله واخبره أن يذهب إلى صالون التجميل كي يحضر ياسمين وقطوف، وبالفعل انطلق من منزله نحو صالون التجميل، ولكن لم يلاحظ والدته التي امسكت بهاتفها سريعًا تخبر هذا الشخص بالتنفيذ.
**
داخل صالون التجميل..
انتهت ياسمين من اعداد ذاتها، ونظرت لشكلها بانبهار شديد، في حين تقدمت منها قطوف مرددة بصوتٍ يكاد يبكي:
_ ياروحي ربنا يسعدك قمر.
ضحكت ياسمين بسعادة، تتمتم بنبرة فرحة:
_ أنا فرحانة أوي يا قطوف.. كلكم حوليا في اهم خطوة بحياتي... وحفلة استلام شهادتي دي فرحتني أوي.
ضحكت قطوف بخفة، ثم قالت بصوتٍ حنون:
_ في مفاجأة تاني أحلى وأجمل هتعجبك.
قطبت ياسمين جبينها بتعجب، في حين دلفت احدى الفتايات تردف بصوتٍ متوتر:
_ آنسة ياسمين في حد عايزك برة.
ابتسمت ياسمين بسعادة قائلة:
_ دا أكيد مازن أنا هسبقك يا قطوف.
حركت قطوف رأسها في ايجابية وبقيت دقائق تعد ذاتها، وبالفعل خرجت ياسمين ولكن لم تجد أحد وقبل أن تترك المكان كانت قد سقطت مغشيًا عليها من أثر مخدر قام احد بوضعه على منديل ووضعه على وجهها.
**
خرجت قطوف من صالون التجميل تقف أمامه في دهشة، تعجبت من عدم وجود أحد، ولكن دقائق ووجدت سيارة مازن اتية، صف سيارته وخرج منها حتى وصل لدى قطوف قائلًا:
_ قولي لياسمين تيجي عشان المأذون مستني وخالي قالي المعازيم وصلوا.
جحظت عين قطوف بصدمة مردفة:
_ نعم! هي مش معاك!
اتسعت عين مازن يتمتم:
_ أنتِ بتقولي إيه؟!
ازدردت لعابها بخوف، تجيبه:
_ في واحدة من البنات قالت أن في حد عايزنا برة، وخرجت لأنها افتكرته أنت وبعدها لما خرجت ملقتش حد.
أغمض مازن عينيه يحاول استيعاب هذه الكارثة، ثم أعلن هاتفه باتصال من خاله، نظر لها ثم للهاتف يجيب:
_ ايوة يا خالي.
:_ أنتم فين؟!
اجابه مازن بهدوء:
_ جايين في الطريق اهوه.
:_ طيب يا بني بسرعة عشان المأذون على أخره.
:_ حاضر.
اغلق معه في ضيق، في حين تمتمت قطوف في خوف:
_ مقولتلهوش ليه؟!
نظر لها بغيظٍ يجيب:
_ أنتِ عارفة لو عرف ايه اللي هيجرى... مش فاكرة الدكتور قال ايه.. قال لو اتعرض لصدمة ممكن لا قدر الله..
:_ خلاص متكلمش.
قالتها قطوف بألم، في حين بقى مازن عدت دقائق حتى هتف بصوتٍ جاد:
_ قطوف تتجوزيني.
نظرت له بصدمة من حديثه، ليكمل مازن بهدوء:
_ محدش يعرف مين العروسة، و لو متجوزناش هيقولوا العروسة هربت من كتب الكتاب هتبقى سُمعتها وسمعة العيلة في الأرض.. وطبعًا أختك مش هتستحمل... وابوكي مش هيتحمل الصدمة دي.. فكري بسرعة يا قطوف.
صمتت قطوف وهي تشعر بتوتر حاد، تتذكر حديثها بأنها لن تتزوج متزن مهما حدث، ولكن سُمعة شقيقتها وحياة والدها بالمحك، اكمل مازن بصوتٍ جاد:
_ قطوف مفيش حل غير دا... لو روحنا كتبنا الكتب هنلحق سمعة العيلة وهقدر اقول لخالي على الموضوع بهدوء وساعتها هندور على ياسمين ونلحقها... لكن دلوقتي سمعة العيلة وخالي في خطر.
اغمضت قطوف عينيها في ألم، لا تريد ذلك ولكن بالنهاية ستنقذ والدها والعائلة من الضياع، قالت بنبرة متألمة:
_ ماشي يا مازن.. مـ..مـوافقة.
دلفت قطوف للسيارة، وانطلق مازن نحو المنزل، دقائق ووصل بها للمنزل ليدلف للداخل بهدوء وإلى جواره قطوف التي تشعر بنصل يمزقها من الداخل، يتطلع له محمد ببعض التعجب أين ياسمين؟، في حين ابتسمت مرفت بخبث شديد وهي ترى اختفاء ياسمين.
وقف مازن بالقرب من المأذون يردف بصوتٍ عالي قليلًا كي سمعه الحضور وتقع هذه الصدمة على الجميع:
_ بعلن النهاردة عن ارتباطي الرسمي ببنت خالي قطوف محمد العطار.
رواية فطنة القلب الفصل الخامس 5 - بقلم سلمى خالد
موعٌ تنساب على وجنتيها بغزارة، ملامحها الباهتة بعدما أعلن المأذون بأنها أصبحت حرم مازن العطار، نظرت نحو الخاتم الذي بيدها يعلن أن حياتها الحُرة أصبحت بلحظةٍ غير موجودة وأن من واجبها راعية زوجها.
وضعت وجهها بين راحتي يدها تبكي بشدة، تتمتم بصوتٍ مختنق:
آآآه يارب.
بالردهة بعدما غادر الناس من منزل محمد العطار، جلس مازن قِبلت يحدثه بصوتٍ آسف:
صدقني يا خالي اللي عملته دا عشان مصلحة العيلة مش أكتر.. وياسمين أنا هوصلها بأسرع وقت... اللي عمل كده كان عارف إني هتجوزها وعشان كده قصد إنه يشوه سُمعتها وسُمعة العيلة لأن لحد اللحظة دي مرنش حتى يطلب فِدية.
نظر له محمد بصمتٍ، منذ أن علم بأن ياسمين اختفت وأعلن مازن أمام الحشد بزواجه من قطوف وقد اتخذ حاجز الصمت بينهم، أخفض مازن رأسه ببعض الحزن يتمتم بصوتٍ مختنق:
أول لما ألقي ياسمين وتعدي فترة على جوازي بقطوف هنطلق ونقول متفقناش و...
قاطعه محمد يتمتم بصوتٍ هادئ تعجب مازن منه ومن عدم توتره بهذه اللحظة المخيفة:
تصرفك يا مازن مكنش غلط من البداية انقذك لسُمعتي وسُمعة بناتي دا أكبر دليل على أني مفشلتش في تربيتك.. ياسمين عرفت دلوقتي هي عند مين وليه... بس متخيلتش أن الحقد يوصل إنها تشوه سُمعة بناتي بالشكل دا.. وتموتني بحسرتي عليهم.
نظر له مازن قليلًا، ثم اتسعت عينيه بصدمة، نعم هو يشك ولكن كان يتمنى أن تصبح كل شُكوكه كذبة، نظر لخاله برجاء يتمتم:
خالي أكيد مش أمي!
تنهد محمد بألم، يجيبه:
محدش غيرها يعرف، وقبل ما توصلوا لقيته قاعدة مبسوطة وتقولي إنها مش متوقعة أن ياسمين هتكمل في الجوازة... وأني اجبرتها وهي هتتطفش مني... ولما أنت جيت مع قطوف ولقيتك بتعلن جوازك منها اتأكدت أن ليها يد بالموضوع.
أغمض مازن عينيه بألمٍ، يحاول استيعاب هذه الكارثة، ولكن اوقفته صدمة أخرى من خاله متمتمًا:
من بدري وأنا شايفك أنت وقطوف الأنسب لبعض، وسبحان الله بقيتوا متجوزين.. ربنا فوق سبع سماوات غير كل حاجة بلحظة ومشيئته هي بس اللي اتحققت... سعينا مهما سعينا أننا نعمل اللي عايزينه وفي النهاية متحققش غير رغبة ربنا.
تأمل مازن حديثه وشعر بأن الله عز وجل له حكمة بزوجه من قطوف، فمن يراهم يتأكد أنهم لن يقيموا سويًا لدقيقة واحدة، استرسل محمد حديثه بصوتٍ رزين:
مطلقش قطوف يا مازن... حاول توصل ليها وتكمل حياتكم سوا... بلاش تنهوها وهي فيها خيط للبداية.
حدق به مازن في ذهولٍ، في حين نهض محمد يحمل متعلقاته قائلًا ببعض الغموض:
دلوقتي رايح اجيب بنتي، خليك هنا وخلي بالك على مراتك يا مازن.
رجفة غريبة سارت بجسده ما أن استمع لجملة ( خلي بالك على مراتك)، لأول مرة يستمع لها، نظر للباب الذي غادر منه محمد للتو، في حين بقى هو يحاول استيعاب كل تلك الأحداث الغريبة.
****
صوت صراخ عالي يصدع بالشقة، تضرب كل ما يواجهها من غيظٍ احتل قلبها، تتطلع نحو صورة ابنها الذي فتك بكل مخططاتها، امسكت بإحدى الديكورات وألقت بها على صورته تهتف بغلٍ:
ماشي يا مازن.. بتهدم اللي عملته كله أنا بقى هعملكم فضيحة بس مش فضيحة عادية وكمان مش هخلي ياسمين راجل يبص في وشها تاني.
امسكت هاتفها ترن على هذا الرجل، تتمتم بنبرة حاقدة ما أن اجابها:
البت عندك اعمل فيها ما بداك... عايزاها تفتكر ليلة من بعدها تكره حياتها.
انهت الاتصال ولكن ما أن انهت حتى تعالى صوت الجرس، ذهبت تفتح الباب وهي تتمتم بغضب جامح ظنًا منها أنه مازن:
ليك عين تيجي بعد ما بوظت كل مخطط...
قاطعت حديثها ما أن رأت محمد أمامها يردف بسخطٍ:
بوظ كل مخططاتك كملي.
تراجعت مرفت ببعض التوتر، في حين تقدم محمد منها يتمتم:
فين ياسمين؟!
اشاحت بوجهها بعيدًا تتمتم ببرود:
معرفش.
زمجر محمد بعصبيةٍ مفرطة:
مرفـــــــــــت انطقي بنتي فين؟!
نظرت له بغلٍ، تتمتم بصوتٍ قاسي:
لو اعرف مكانها مش هقولك برضو فين.. خليك كده تدوخ وراها وريقك ينشف.
تراجع محمد بذهولٍ، هل هذه شقيقته؟!، عادي يتمتم بصوتٍ متعجب.. مصدوم:
أنا اللي بيجري في عروق نفس اللي بيجري في عروقك.. ليه بتعملي كل دا معايا أنا مش فاهم! غل وحقد يوصل بيكي إنك كنت عايزة تسببي فضيحة لاخوكي وبناته!
ألتمعت عينيها بنوعٍ من القسوة تجيب:
آه يا محمد يخليني أعمل اكتر من كده... من صغري وأنا مش بطيقك كل حاجة بابا يدهالك... حياتك أفضل مني.. اتجوزت واحدة فيها كل حاجة حلوة... وأنا اتجوزت راجل مع أول مشكلة بينا سبني وسافر برة ومعرفش عنه حاجة... خلفت بنتين وكل الناس بيحبوك.. وأنا ابني الوحيد حتى لا بيقعد معايا ولا بيكلمني.. بيقعد معاك وبيحبك أكتر مني.. دا يوم ما قولتله موافقة على الجوازة مصدقنيش ولما أنت قولتله صدق.
حرك رأسه في نفي، يحاول أن يقاوم تلك الصدمة ولكن لا توجد فائدة، أردف بصوتٍ يغزوه الألم:
أنتِ ايه؟ ايه الحقد دا؟ اللي يشوفك كده يقول إنك مش اختي ومولدين من أب وام واحدة!
اشاحت بوجهها تتمتم بنفور:
أنت اللي وصلتني لكده!:
بنتي فين! قالها بصوتٍ جامد، في حين تتطلعت نحو تضيق عينيها بشدة، ثم قالت بصوتٍ حزين مزيف:
في راجل كلمني وقالي إنه طمعان فيها ومش هيرجعها ولو رجعت هترجع بعارها.
تحولت عين محمد لغضب جامح، وفي حركة سريعة كانت يده بعنقها تختنق، يهمس محمد بصوتٍ فحيح:
لو منطقتيش بنتي فين يا مرفت هدفنك مكانك وساعتها حتى محدش هيعرف إنك موتي ولا ادفنتي؟!
تلون وجهها بالحمرة، تشعر باختناق شديد، علمت وقتها بأنها ضغطت على وترٍ حساس، لتردف بصوتٍ متقطع:
في مخزن القديم بتاعنا اللي اتحرق.
تركها محمد سريعًا وامسك بهاتفه يتحدث مع مازن يخبر بالذهاب الى هناك قبل فوات الآوان، ألقى نظرة سريعة على شقيقته الملقاه على الأرض، تسعل بشدة ثم قال بأسف:
يا خسارة يا مرفت.. يا خسارة فعلًا.
تركها مغادر المكان كي يلحق ابنته، في حين نظرت له مرفت في حقدٍ تتمتم بنبرة متوعدة:
أنا اللي هندمك على كل حرف قولته دلوقتي.. وساعتها هتبقى خسارة عليك.
***
حاولت الصراخ ولكن لم تجد فائدة، تلك اللصقة الموجودة على فمها تمنعها من الصراخ فقط بعض الهمهمات، بقيت تبكي بخوفٍ شديد، تحاول المقاومة ولكن هذا الشعور بالوحدة أصبح بمثابة سكين تشوّه روحها، تطلعت نحو الباب الذي فُتح فجأة لترى هذا الرجل الغريب، تتطلعت له بتعجب ومن ملامحه الغريبة، في حين تمتم هذا الرجل ببعض الخبث:
أهو لما تقعد شوية وتصبر تترزق بحتة لوزة مقشرة وجاهزة... لا وإيه أهلها بيعنها كمان... عارفة اتقالي ايه يا مزة.. اتقالي اعمل اللي نفسي فيه معاكي.. والصراحة بقى أنا كنت هموت عليكي وجيتي لحد عندي.
ارتجف جسدها برعبٍ، تحاول الثبات ولكن لم تستطع من نظراته اللئيمة، حرك هذا الرجل رأسه بالنفي يقترب منها حتى وصل لمستواها قائلًا برغبة:
أنتِ خايفة مني؟ لا متخفيش مني.. دا أنا هعيشك احلى لحظات حياتك.. اتصدقي بقى الموضوع عايز حاجة تتشرب عشان مزجي يعلى أكتر وأكتر.
نهض من جوارها ولكنه عادي يزيل تلك اللصقة عن فمها يتمتم بمكرٍ:
دقايق اجيب اللي هنشربه وراجعلك يا جميل.
تركها يغلق الباب خلفه، في حين بقيت ياسمين ترتجف، كلماته تصدع بأذنها أكثر، اصبحت العراقل تقابلها من كل جانب.. يدها المربوطة وقدمها ايضًا، هذا الرجل المخيف الذي سيعود ولا تعلم كيف ستتخلص منه، حاولت أن تتنفس ولكن شعور بالاختناق أصبح يحيطها من كل جانب.
دلف هذا الرجل بعد مرور بعض الوقت، يمسك بزجاجتين من مشروب محرم، يسير نحو ياسمين التي تتطلع نحوه برعبٍ، حاولت الحديث ولكن اختفى صوتها، جلس جوارها يردف برغبة تزداد شيئًا فشيء:
افكك ولا هتقرفيني!
حاولت الابتعاد عنه، لينهض من مكانه يتمتم:
يبقى هتقرفيني.
كاد أن يزيل حجابها ولكن أصوات بالقرب منهما جعلته يتوقف لدقائق، وبلحظةٍ كان مازن قد اقتحم المكان ولكن أحمرت حدقتيه ما أن رأى هذا الرجل يقف على مسافة من ياسمين ليست ببعيدة يمسك بحجابها وهي ترتجف بخوفٍ.
خطواتٌ سريعة تقدم بها مازن ثم رفع قدمه يركل بها هذا الرجل بقوة، وقع على الأرض من عنف ركلته، ثم اقترب منه مازن يكيل له بلكماتٍ عنيفة.. شرسة كان ينزف على أثارها هذا الرجل، بقى يضرب به حتى فقد وعيه تمامًا وأصبح وجهه ملطخًا بالدماء.
في حين دلف محمد ينظر لابنته التي فقدت وعيها ما أن رأت مازن بهذا العنف والشرسة، حملها محمد سريعًا يردف بصوتٍ عالي:
مازن كفاية كده ويلا بسرعة نلحق ياسمين.
اسرع بها نحو السيارة، في حين ترك مازن هذا الرجل وأسرع خلف خاله كي يلحق بياسمين.
****
داخل المشفى...
بقى الجميع في حالة من التوتر، قطوف التي ما أن علمت حتى أتت راكضة، في حين مازن ومحمد يقفان ينتظران خروج الطبيبة، وما هي إلا دقائق خرجت بها الطبيبة، فأسرع الجميع إليها يتسألون عن حالتها لـ تخبرهم بحالتها قائلة بنبرة عملية:
هي بخير يا جماعة.. كل ما في الأمر أنها أجهدت اوي وشكلها بيقول منمش بقالها يومين وعشان كده اغمى عليها.. وتقدروا تدخلوا ليها عادي.. عن اذنكم.
تركتهم مغادرة المكان، في حين دلفت قطوف للداخل، دون أن تنتظر كلمة من أحد.. وما أن دلفت حتى ركضت جوار شقيقتها تضمها لصدرها بحب قائلة بصوتٍ حنون دافئ:
نور عيني أنتِ كويسة دلوقتي؟!
ضمتها ياسمين بقوة قائلة بصوتٍ تنبعث فيه الراحة:
الحمدلله... بس حاسه بتعب شوية.
بدأت قطوف تمسح على رأسها بحبٍ، تردف بصوتٍ حاني:
خلاص نامي دلوقتي وكل التعب يروح.
ابتسمت ياسمين لحنان شقيقتها، تتمتم بصوتٍ سعيد:
بحب حنانك عليا... بحسك أمي في أوقات.
ابتسمت قطوف بحنو، تجيبها وهي تضمها بقوة:
أنتِ أختي وبنتي وصحبتي يا ياسو... ومفيش حاجة في الكون تقدر تفرقني عنك مهما حصلت.
أغمضت ياسمين حدقتيها، تهمس بنعسٍ:
عايزة انام في حضنك!
مسحت قطوف على رأسها بحنو، تهمس هي الأخر برقةٍ:
نامي يا قلبي.
أغلقت ياسمين عينيها، في حين دلف محمد للغرفة ولكن تفاجأ بملامح ياسمين المبتسمة وسط غفلتها، وضم قطوف لها، تنهد ببعض التعب، ثم قرر الخروج يشير إلى قطوف بأنه سيبقى بالخارج، وبالفعل غادر للخارج ليجد مازن يقف شاردًا بالخارج.
تقدم منه يضع يده على كتفه قائلًا:
سرحان كده ليه؟!
تطلع له مازن، ثم تنهد يجيب:
بفكر في ياسمين إزاي هقدر اوجهها.
أنتِ بتحب ياسمين؟! قالها محمد بهدوء، في حين تفاجأ مازن به ولكنه اجاب وهو يتطلع بنقطةٍ من فراغ:
مش عارف.. بس اللي اخدت عليه من وأنا صغير بعد ما مامتها توفت مش شايف غير إن ياسمين لزمًا تضحك والباقي مش مهم.. بس لكن إني بحبها أو زي ما بيقولوا الشعور اللي بيخليك مش عايز تفارق اللي حبيته دا موصلنيش مع ياسمين خالص.
تنهد محمد بهدوءٍ، ثم قال بصوتٍ حكيم:
بص يا مازن أنا قولتلك تخلي جوازك من قطوف لأن شايف أنه مكمل والمثل بيقولك القط ميحبش إلا خناقه.. أم بنسبة لياسمين فكنت واثق إنك محبتهاش لحظة وإن الجواز منها هيكون تقليدي بس مقدرش اقف قدام رغبتكم طالما بالحلال والخير.. اللي يتجوز واحدة تانية في وقت زي اللي كنا فيه وتكون هادي وقادر تتصرف بيكون غير واحد عاشق لحبيبته هتكون تصرفاته مجنونة ومش هادية.
تطلع نحوه قليلًا ثم ابتسم له قائلًا:
أنا نفسي ابقى زيك والله واقدر احلل الأمور كده وبسهولة.
ضحك محمد بخفةٍ، ثم اجابه بأمل:
أنت هتبقى أحسن مني يا مازن.. محتاج تقرب من ربنا وتنفذ شرع الله وتتقي الله وساعتها بقى هتعديني كمان لأنك حنين وذكي وفيك رجولة اختفت ما بين الشباب.
حلت ابتسامة طفيفة على شفتيه، وترجى من الله أن يصل لمرتبة عالية من الرضا.
بشقة ياسين..
خلاص يا بابا حاضر هروح لُه حاضر.. في بس محضر وتحقيق وليلة عندي هخلصها واروح عنده نتفق. قالها ياسين ببعض الملل، في حين أكد عليه مهران والده:
اوعاك يا ولدي تنسى.. أنا كلمتك مخصوص عشان تتذكر.
تنهد ياسين ببعض التعب، يجيب:
خلاص يا بابا والله هروح.
خلاص يا ولدي سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قالها مهران وهو يغلق مع ابنه في حين أجاب ياسين بهدوء:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ترك هاتفه، يمسح على وجهه بضيقٍ فقد ظهر له مشوار جديد يجب أن ينفذه قبل أن يقيم والده الحد.
***
مر يوم خرجت به ياسمين من المشفى، وعادت الحياة لطبيعتها ولكن لم يتجرأ أحد على اخبار ياسمين بأن قد تم زواج قطوف بمازن، بينما بقت مرفت تخطط من جديد ولكن تلك المرة ليس سُم عادي بل سيظل جرحًا بالجميع.
بغرفة قطوف..
تعبت يا مريم.. دا يوم واحد وحصلي كده واتخنقت ومش قادرة.. فكرة إن مازن يبقى جوزي مش قادرة اتخيله حتى. قالتها قطوف بصوتٍ مختنق للغاية، في حين حركت مريم رأسها تعلو شفتيها ابتسامة صغيرة، نظرت لها قطوف بغيظٍ تلقي عليها الوسادة قائلة:
أنتِ كمان بتبتسمي!
ضحكت مريم عليها بشدة، تردف بجدية بعدما تركت ضحكها:
هقولك اصبري.. كنت بقرأ سورة الكهف إمبارح لإنك عارفة كان الجمعة.. المهم وأنا بقرأ دايما بقف عند آية معينة بتقول بسم الله الرحمن الرحيم ( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) من سورة الكهف- آية (23-24) اقرأها واسمعك وأنتِ بتقولي أنا مستحيل اتجوز مازن لو آخر راجل بالدنيا مستحيل اتجوزه.. ولا قولتي ان شاء الله ولا قدمتي المشيئة.. وامبارح اتجوزتي الراجل اللي قولتي عليه مستحيل.. أنتِ قولتي وربنا حطك في مشئتة.
صمتت قطوف ولم تستطع الحديث، في حين اكملت مريم حديثها بصوتٍ هادئ:
ما تديله فرصة.
نظرت لها في حدة، تتمتم بصوتٍ حاد:
بقولك إيه اقفلي السيرة دي خلينا نخلص..
حركت مريم رأسها بنفيٍ، وقبل أن تتحدث ارتفع صوت بالأسفل بين مازن وصوت كرهته قطوف.
نظرت مريم نحو قطوف قائلة:
مش دا صوت عمتك؟!
عبست ملامحها قائلة:
آه تعالي نشوف ايه اللي جابها.
انطلقت الفتاتان نحو الأسفل ليجدوا مازن يقف بمواجهة والدته يحدثها بغيظٍ، في حين تضع ياسمين يدها على فمها تبكي بقوة، بينما يقف محمد يشعر بعجزٍ لأول مرة يشعر به.
صرخت مرفت بصوتٍ ماكر قائلة:
اهي عندك اسأليها.. لو أنا كدابة اختك أكيد مش هتكدب عليكي.
تقدمت قطوف نحو ياسمين، لتلقي شقيقتها بهذه الصخرة:
أنتِ اتجوزتي بجد مازن؟!
ازدردت قطوف لعابها، تحاول الحديث ولكن انعقد لسانها، حركت ياسمين رأسها بالنفي تتمتم بصوتٍ متألم:
لا قولي حاجة يا قطوف عشان خاطري.. اكدبي عليا بس بلاش تكوني عملتي كده فيا..
هبطت الدموع من عين قطوف، لأول مرة تهبط بنظرها للأسفل بخزى، في حين نطقت ياسمين بصوتٍ صارخ يستمع لها الجميع، الجميع يتعلق نظراته بها:
لـــــــيه تعملي فيا كده.. ليه توجعني زي ما كل بيعمل... أنا استحمل أي وجع إلا انك أنتِ توجعيني يا قطوق.. فاكرة من يومين قولتلي ايه قولتلي اني بنتك واختك.. ليه دلوقتي بتوجعي بنتك واختك.. دلوقتي موجوعة منك أوي يا قطوف.
انهت كلماتها وكان بمثابة أشارة لتعب محمد، أسرع مازن نحو محمد قائلًا:
خالي أنتِ كويس؟!
حـ..حقنة. قالها بتعب بات ظاهرًا عليه، في حين اسرعت قطوف تحضر هذا الحقنة الصغيرة، عادت تعطيها لمازن الذي قام باعطائها له، بينما وقفت ياسمين تحرك رأسها بنفي تردد بصوتٍ متألم:
لاء بابا لاء..
عادت قطوف لها، تعلم أنها بحالة يرثى لها، كادت أن تضمها ولكن ابعدتها ياسمين قائلة بصراخ:
ابعدي عني!
حاولت أن تتحدث ولكن هدر مازن بصوتٍ عالي:
جهزي العربية خالي اغمى عليه ومش بينطق.
فاقت الفتاتان على هذا الصوت وانطلقت قطوف تعد السيارة في حين حمل مازن خاله وانطلق نحو السيارة، وما أن وضعه حتى انطلقت السيارة نحو المشفى.
بالمشفى...
توتر.. قلق.. خوف يسيطر على الجميع، مازن.. قطوف.. ياسمين.. مريم.. فقط يقفون لا يوجد سواهم، اختفت مرفت من المنزل بعد هذا الحادث، وما فعلته من شجار بين الأختان أمام عين محمد، لا تفكر سوى بـ هاتان اللتان تعشقهما... ها هما يتقتلان الآن.
خرج الطبيب يردف بكلمة واحدة وهي:
البقاء لله.
اتسعت عين ياسين الذي أتى فجأة على المشفى، بعدما علم من الناس بانتقال محمد للمشفى، يردف بصوتٍ يحمل صدمة:
عمي مات!
رواية فطنة القلب الفصل السادس 6 - بقلم سلمى خالد
صوت القرآن يصدع بالمكان، الجميع يأتي كي يقوم بواجبه. هل انتهى محمد العطار لهذا الحد؟ هل سيبقوا سويًا أم سيتقدم إلى المستقبل يدهما بيد بعض؟
واقفة وسط النساء، لا تتحرك. جامدة ساكنة، لا تتحدث ولا تدمع عينيها. كل من يتقدم منها يرى ملامحها يشعر بالشفقة اتجاهه. في حين تجلس ياسمين تبكي بشدة، لا تستطيع السيطرة على مشاعرها المبعثرة. تجلس إلى جوارها مريم تحاول السيطرة عليها كي لا تنفلت أعصابها. وبالجوار تجلس مرفت وهي تبتسم بشماتة لهما وعلى ملامحهما المنكسرة.
في حين يقف مازن بالخارج يأخذ عزاء خاله. لا يذكر سوى "ربنا يرحمك يا خالي" فقط. هذا كل ما يردده. يقف إلى جواره ياسين الذي لا يعلم بهويته أحد سوى أنه ابن عم قطوف وياسمين.
***
أغلقت الباب بعد مغادرة الجميع. تقف وسط الردهة بصمتٍ. يجلس مازن وجواره ياسين على الأريكة. في حين ياسمين توقفت عن البكاء ولكن لا تتحرك، شاردة في اللاوعي. ارتفع صوت مرفت بمكر:
_ عايزين نشوف الورث ونقسمه بقى وأنا من ناحيتي هقف معكم يا حبايبي لحد..
_ لحد ما تلهفي فلوس أبويا صح!
قالتها قطوف بغضبٍ جامح. في حين ارتفع صوت مازن يتمتم قبل أن تتحدث والدته:
_ مش عايز أسمع صوت هنا. خالي لسه دمه مبردش وبتتكلموا في ورث.
نظرت له قطوف بنفورٍ ثم صعدت لغرفتها. في حين وقف مازن يتطلع نحو والدته بيأسٍ من أفعالها. نهض ياسين من مكانه يتمتم بصوتٍ جاد:
_ البقاء لله، وبإذن الله أبقى أجي تاني عشان نتكلم. لأن لازمًا نحكي في مواضيع كتير.
حرك مازن رأسه في إيجابية، ولكن لم يسلم من نظرة مرفت الغريبة. فهي تتطلع له بقوة وكأنها تشك بأمره. تحرك ياسين نحو الخارج. بالرغم من حزنه الشديد على عمه وعدم اللحاق به كي ينفذ حديث والده، ولكن انتشلته السعادة من قاع الحزن ما أن رأى مريم تجلس جوار ياسمين.
نهضت مريم من مكانه تتمتم بصوتٍ حزين:
_ البقاء لله. أنا همشي عشان اتأخرت على ماما.
منحها مازن بسمة صغيرة حزينة، يجيب:
_ ولا يهمك. كفاية وقفتك معانا.
غادرت مريم المنزل، وانطلقت نحو سيارتها، ولكن توقفت ما أن استمعت لصوته يهتف:
_ هو كل ما أروح في حتة ألاقيقي وراكي.
أغمضت مريم حدقتيها بغيظٍ، ثم قالت بسخطٍ دون أن تستدير:
_ أقول إيه بقى. واقعة في قرعتك.
فتحت باب سيارتها، ثم تحركت بها سريعًا دون النظر له. في حين ابتسم ياسين يحرك رأسه واضعًا يده بجيب سرواله يتمتم بصوتٍ رخيم:
_ شكلي هتعب معاكِ.
****
داخل المنزل..
وقف مازن في مواجهة والدته يتحدث بصوتٍ هامس غاضب بعدما صعدت ياسمين لغرفتها:
_ في حد يقول اللي قولتيه دا!!
منحته نظرة غير مبالية ثم حملت حقيبتها تنطلق نحو الباب، تردف بكلمة واحدة:
_ آه. أنا.
أغلقت الباب خلفها، في حين نظر لها مازن بضيق ولم يردف سوى:
_ ربنا يهديكي يا أمي.
تركها ثم صعد نحو غرفة قطوف وطرق الباب. وبالفعل فتحت قطوف الباب لتجد مازن يقف أمامها. ضمت يدها لصدرها تغمغم:
_ إيه جاي أنت كمان تكمل كلام أمك؟!
مسح مازن وجهه بغضب، فوالدته تتمتم بكلماتٍ مستفزة، وقطوف تسخر دائمًا. تحدث من بين أسنانه:
_ قطوف ياريت تفصلي بين أمي وأنا دا أولًا. ثانيًا تتكلمي عدل معايا. ثالثًا كنت جاي أشوفك لو عايزة حاجة ولو عوزتي هبات تحت.
رمقته بنظرة نارية، تتمتم بصوتٍ غاضب:
_ وتقعد بصفتك إيه إن شاء الله؟!
استدار مازن يضع يده بجيب سرواله يجيبها بهدوءٍ:
_ جوزك.
حدقت قطوف به دون أن تتفوه بكلمة. في حين استدار مازن يغمز لها بعينه ثم عاد لطريقه مجددًا دون أن يتحدث.
أغمضت عينيها بألم. لا تعلم بأي مصيبة أوقعت بها نفسها. أغلقت باب غرفتها ثم تقدمت نحو غرفة ياسمين حتى وصلت لها. طرقت الغرفة ثم دلفت لها لتجدها تجلس على الفراش تتطلع للأمام بصمتٍ وشرود. تقدمت منها قطوف تتمتم بصوتٍ مبحوح تحول تمامًا بعدما كان شرس:
_ ممكن أنام في حضنك النهاردة.. محتاجاه أوي.
لم تتحدث ولم تتحرك، فقط تنظر.. تنظر لنفس تلك النقطة. تقدمت قطوف منها وجلست جوارها تضع رأسها على كتف شقيقتها ثم انفجرت بالبكاء وهي تمتم بصوتٍ متألم:
_ أنا بتقطع من جوا وأنا شايفاكي كده بعيدة عني.. كفاية بابا راح مبقتوش أنتم الاتنين... أنا من صغري كله شايفني قوية وأقدر أدافع عن نفسي بس أنا مش كده.. أنا بنهار وبتعب إن في حد عايز يأذيني... أنا بني آدمة وبحس زي زيكم ونفسي ألاقي شخص اللي أستخبى جواه بدون ما يستغل ضعفي.
نظرت لها قطوف بأعين باتت تصرخ من آلام لم يراها أحد، ثم أضافت:
_ هو ممكن ألاقي حد ميستغلش ضعفي ويقويني!
لم تجيبها بل ظلت صامتة. في حين أغمضت قطوف عينيها وهي تشعر بألم يكاد يقتلها من الداخل.
***
استيقظت قطوف صباحًا، ولكن كان المكان فارغًا لا يوجد أحد. نظرت حولها ببعض الترقب تحاول أن تكذب شكوكها. نهضت ببطء من على الفراش تتقدم نحو الخزانة وما أن وصلت حتى فتحت الخزانة لتجدها فارغة، وبداخلها ورقة. مدت يدها لها لتجدها بها..
( سامحيني إني مقدرتش أبقى معاكي.. حقيقي مش زعلانة منك ولا من جوازك من مازن.. أنا مزعلتش إنك اتجوزتيه... أنا زعلت إن معدتش ليا حد تاني أتسند عليه... يمكن بابا كان موجود وقتها بس بُعده عني زمان خلاني مش عارفة هل هيفضل بعيد عني ولا هيقرب مني ويعوضني... بس هو كمان راح.. خوفت أنتِ كمان تروحي زيهم كلهم... فقررت إني أمشي أنا قبل ما أخسرِك أنتِ كمان.. مع السلامة يا أحن أخت وأم في الدنيا.)
طوت الورقة.. تلقي نظرة مرة أخرى على الخزانة.. تحرك رأسها بنفيٍ لا تصدق. هل تركتها وابتعدت هي الأخرى.. صرخت بصوتٍ عالي صدع بأرجاء المنزل:
_ يــــــــــــــاسميـــــــــن.
***
كان يصعد نحو غرفة قطوف ولكن ما أن استمع لصوتها يأتي من غرفة ياسمين وصراخها باسمها حتى ركض نحو غرفة ياسمين يفتح الباب في سرعة، ليجد قطوف تجلس أمام الخزانة تبكي بعنفٍ، في يدها تلك الورقة. تقدم منها وفهم ما الذي حدث. هبط لمستواها يهتف بهدوء:
_ أهدي يا قطوف و...
قاطعته وهي تدفعه بعيدًا عنها تتمتم بصوتٍ حادٍ قاسٍ:
_ أبعد عني بقى.. أنا مش بطايقك فاهم مش بطايــــــــــــقك.. طلقني وسيبني.
وقع مازن أثر دفعتها المفاجئة. تطلع نحوها بصدمةٍ بعدما أردفت بتلك الكلمات. صمت دون أن يردف بكلمة واحدة، ونهض من مكانه يقرر الرحيل. ولكن صوت بكاؤها الذي لأول مرة يستمع له جعل قلبه يرق لها. عاد مرة أخرى لها يمسك ذراعها بهدوءٍ ولكن أبْعدته قطوف بقسوةٍ مرة أخرى تنهض من أعلى الأرض تهدر بعصبية مفرطة وسط بكاؤها:
_ أنت مش بتفهم.. قولتلك مش بطايقك.. ولا هسمح إن اسمي يقرب من اسمك يا مازن.
قبض على يده بعنفٍ شديد. تهجمت ملامحه وكأنه على وشك قتل أحد، ولكن تحكم بنفسه بأخر لحظةٍ ليتمتم ببرود:
_ وفي النهاية اسمك بقى على اسمي وبقيتي مـ..ـر..ا..تـ..ـي.
قالها بصوتٍ متقطع ولكن بطريقةٍ جعلت قطوف كـ بركان ثائر. يضع يده بجيب سرواله. بينما وقفت قطوف تشعر باختناق شديد منه. أصبحت لا تطيق النظر له حتى. رمقته بنظرة نفور شديد، ثم غادرت من الغرفة تحمل حقيبتها مغادرة المنزل بأكمله.
وبقى مازن بالغرفة يعلم جيدًا أين وجهتها. وضع وجهه بين راحتي يده يهمس بتعبٍ أصبح يتضاعف شيئًا فشيء:
_ ليه يا ياسمين زودتي التعب.. كفاية مسؤوليتكم عليا!
****
_ أنا مش طايقاه يا مريم.. وياسمين سابتني ومشيت بسببه.
قالتها قطوف بضيق شديد. في حين حركت مريم رأسها بالنفي يتمتم بصوتٍ هادئ:
_ قطوف.. ياسمين سابت البيت وهربت من الضغط.. ياسمين مكنتش بتحب مازن.. بس هو الإنسان الوحيد اللي كان بيلبي طلبها وبيحميها.. وشافت إنه أمانها. فلما اتجوزك وبعدها باباكِ توفى هي شايفة إن كل اللي بتحبهم بيروحوا واحد ورا التاني فقررت تسيبك قبل ما تخسر كل حاجة.. خافت تواجه خسارة اللي قابلتها.
صمتت قطوف ولم تعلق. في حين ابتسمت مريم مرددة:
_ ليه يا قطوف بتكتمي زعلك قدامي وقدام الغريب!
نظرت لها بعدم فهم. لتكمل مريم بتوضيحٍ:
_ قصدي أن والدك توفى منهرتيش قدامنا.. واختك مشيت متحركتيش قدامي لحظة.. ولا نزلتِ دمعة واللي يشوفك يقول جماد.. ليه بقى يا قطوف!
اندفعت قطوف بالحديث قائلة تثبت أنها مثلها مثل الجميع:
_ لا على فكرة عيطت قدام ياسمين ومازن.
صمتت فجأة ولم تصدر كلمة واحدة. في حين ابتسمت مريم بهدوءٍ بعدما وصلت لمبتغاها لتردف بجديةٍ:
_ شوفتي إنك من جوا قلبك مش بتكرهي مازن ولا أي حاجة.. أنتِ مجرد بس مخنوقة من طريقته وأنك بقيتي ملكية خاصة.. وإن حريتك مرتبطة بيه.. وخايفة يستغل دا ضدك.. قطوف أنتِ شخصية عمرها ما عيطت قدام غريب.. حتى أنا صحبتك من سنين مشوفتكيش عيطي مرة.. بس مازن عيطي قدامه عا...
قاطعتها قطوف قائلة بضيقٍ:
_ خلاص يا مريم كفاية كلام أنا همشي بقى عشان ورايا حاجات كتير.
انطلقت قطوف سريعًا من أمامها. في حين حركت مريم رأسها بيأسٍ منها ولكن يجب أن تظهر الحقيقة مرة تلو الأخرى كي تستطيع إدراكها.
****
جلس ياسين بالشقة يتطلع نحو هاتفه بصمتٍ. بكل مرة تضيء الشاشة بها تعلن عن رنين والده لا يرغب بالرد كي لا يوبخ على تأخيره لطلب والده.. فقد ضاع كل شيء بسبب إهماله الشديد.
تنهد بضيق ثم قرر الذهاب لمنزل محمد العطار والد قطوف وياسمين.
***
عادت قطوف للمنزل، ولكنها تفاجأت بوجود هذا الشاب الذي رأيته بالمشفى. تقدمت من الردهة وهي تتطلع لمازن الذي ينتظرها يتمتم بهدوء:
_ أخيرًا جيتي.
رفعت حاجبها بتعجب ثم قالت:
_ ومستنيني ليه؟!
أشار مازن على ياسين ويجيبها:
_ ياسين عنده كلام مهم لازمًا يقوله لينا النهاردة.
جلست قطوف بمقعد بعيدًا عن مازن، تتطلع له بهدوء ثم أشارت له قائلة بصوتٍ جامد:
_ اتفضل قول اللي عندك.
تعجب ياسين من طريقتها ولكن ظن أن وفاة والدها هي من تجعلها تتحدث هكذا. أجاب بهدوء:
_ أنا ياسين مهران العطار.. ابن عمك وابقى ابن خالة مازن وطبعًا محدش فيكم يعرفني!
نظرت له بسخطٍ، ثم قالت بسخريةٍ:
_ نعم! المفروض أصدق حضرتك!
زفر ياسين بهدوء ثم قال بنبرة هادئة، يمد يده بالأوراق:
_ المفروض تصدقي.. دي الأوراق اللي تثبت كلامي.
نظرت قطوف للأوراق في دقة، بينما تسأل مازن بحيرة:
_ طب طالما أنت ابن خالي.. ليه محدش من أهلي جاب سيرة الموضوع؟!
تنهد ياسين بهدوءٍ، ثم أجابه بتوضيحٍ:
_ لأنهم كانوا صغيرين عشان كده ميعرفوش إن ليهم أخ عايش في البلد.. زمان جدو سيد أبو عمي محمد وعمتي مرفت كان متجوز بس مراته معجبهاش الوضع في البلد وحست إنها مش هتقدر على العيشة وقالت لجدوا سيد يمشي من هناك ويجي القاهرة بس هو مرضيش فطلبت الطلاق وطلقها وكان معاها عمي محمد سنة وكانت حامل في عمتي مرفت وابويا مهران كان اتولد وعنده 4 سنين وشاف اللي حصل كله.. ساعتها خدت محمد وعمتي وسابت مهران لأن جدو كان متعلق بيه أوي واتفقوا على إنهم يفضلوا كده ولما والدة ابويا جت القاهرة ربت عيالها هنا وقالت إن جدو سيد مات وأنه مش موجود وقطعت أي طريقة تواصل بينها وبين جدو سيد ومعرفش حاجة عن عياله خالص ولما جدو سيد توفي قبل ما يموت وصى والدي إنه يدور على اخواته ويرجع الصلة اللي بينهم.. وعدى وقت ولدي مقدرش يوصل لحد منهم وأنا لما جيت القاهرة قالي أدور عليكم وساعتها صحبة قطوف كانت عندي بقضية وشوفت بطاقة قطوف وعرفت أوصلكم بس للأسف اتأخرت في إني أجي بدري وأعرف عمي إن ليه أخ اسمه مهران والحكاية كلها.
انتهى ياسين من حديثه، وحل الصمت بينهم، عاصفة من الأفكار تدور بعقولهم جميعًا. حتى نهض ياسين قائلًا:
_ أنا كده عملت اللي عليا وحكيت ليكم وياسمين أكيد تقدروا تقولولها.. ولما تستوعبوا الكلام ابقوا رنوا عليا دا رقمي.
ترك ياسين ورقة صغيرة يدون بها رقمه، ثم غادر من مكانه. في حين نهضت قطوف تصعد نحو غرفتها دون أن تتحدث بكلمة واحدة. وبقى مازن يحاول استيعاب ما يحدث حوله فـ بكل لحظة تحدث مفاجأة غير الأخرى.
**
مرت عدة أيام لم تعلم قطوف أين توجد ياسمين. في حين بقى مازن يحاول السيطرة على حزنه بفقدان خاله. يفعل أشياء بالخفاء دون علم أحد.
دلف مازن داخل معرض السيارات بهدوءٍ، يتلقى واجب العزاء من الجميع حتى صعد للأعلى. وما أن فتح المكتب حتى وجد والدته تجلس على المكتب بارتياحية. قطب جبينه بدهشة متمتمًا:
_ بتعملي إيه هنا يا أمي؟!
نظرت له مرفت بسعادة تجيب:
_ كان حلمي آخد الكرسي دا من محمد واهو أخدته خلاص وبقى ملكي.
حدق بها بذهولٍ، ثم قال بنفذ صبر:
_ يا أمي.. ارحميني شوية تقعدي إيه ومكتب إيه.. الحاجات دي بتاعت قطوف وياسمين يعني اللي لينا فيهم ميساويش حاجة.. فياريت تشلي الأحلام دي.
_ ياريت أنت اللي تبطل العبط بتاعك وتركز مع أمك إنك تاخد الفلوس دي كله.
قالتها مرفت بغيظٍ منه. في حين حرك مازن رأسه ثم غادر من المكان بأكمله يحمد ربه أنه أخذ الأوراق الهامة وخبأها.
**
عاد مازن للمنزل يشعر بتعب شديد.. لا يريد ترك المنزل أو ترك قطوف وحيدة. يبتسم بسخرية على حاله. فلم تلاحظ والدته حتى أنه لا يجلس معها ولا يحدثها.. كل ما تركز عليه الميراث. أغلق الباب ثم توجه نحو غرفته ولكن أوقفه جرس الباب. تعجب من سيأتي بهذا الوقت. عاد مرة أخرى يرى من ليجد رجل في العقد الخامس من عمره يقف أمام مازن، يتمتم بنبرة هادئة:
_ أنا عز صديق محمد والمحامي الشخصي بتاعه.. وجاي بخصوص الوصية بتاعته.
تعجب مازن قليلًا، وأردف بدهشة:
_ طب ليه مجتش من بدري؟!
أجابه عز:
_ مش هنتكلم على الباب.
شعر بالحرج وأفسح له المجال. في حين أتت قطوف على الصوت لتجد عز يقف بثباتٍ. أردف مازن وهو يغلق الباب:
_ الأستاذ عز صديق خالي وبيقول في وصية لينا خالي سابها معاه.
أشارت له قطوف كي يجلس بالردهة. في حين كاد مازن أن يجلس ولكن أوقفه صوت الجرس. مسح وجهه بضيق يتمتم:
_ هي ليلة باينة من أولها.
ذهب ليفتح الباب ليجد والدته تدلف سريعًا. ابتسم بسخطٍ بالطبع قد أخبرها أحد من جواسيسها. عادي يجلس مكانه. ليبدأ عز بالحديث قائلًا:
_ أنا صديق محمد من زمان وبقيت المحامي بتاعه من ساعة خيانة المحامي الأخير.. واداني وصية لأربعة من عيلته و اللي موجود بس هو اللي أفتحله وصيته.
بدأ بامساك أول ظرف يتمتم وهو يفتح كي يقرأ:
_ الظرف دا للكل، وبيقول فيه إن الورث هيتوزع عليكم كلكم بشرع ربنا.
أغلق هذه الوصية ثم رفع الوصاية الثانية قائلًا بهدوء:
_ الوصية دي خاصة بمازن وفيها بيوصيه بأنه ميبعش الأجناس الخاص بيه ويحافظ عليه ويكبره.. ويحافظ على فلوسه من الحرام.. وأخيرًا أنه المتحكم الوحيد في فلوس مراته ودا بورق يثبت أن مازن الوحيد المتحكم بتوكيل منها ليه..
ثم أضاف وهو يرمقها بنظرة جادة:
_ والتوكيل رسمي يا أستاذة قطوف وبإمضاء منك إزاي.. معرفش بس محمد جابلي التوكيل وأنا وثقته في الشهر العقاريّ.
صمت مازن ولم يستطع النطق. في حين بقت قطوف في صدمة من حديثه. تحاول تذكر كيف مضت على هذا التوكيل. أكمل عز وفتح الظرف الثالث يتمتم:
_ الوصاية التالتة تخص قطوف وبيقول فيها أن طلاقها من مازن قبل سنة هينقل نصيبها في الورث ليه.
نظر عز لهم يتمتم بصوتٍ جاد ولكن الصدمة تعلو ملامحهم جميعًا:
_ الوصيتين اللي فاضلين واحدة لياسمين وهي مش موجودة.. والأخيرة بعد سنة هفتحها لأنها تخصكم كلكم طلب بعد سنة افتحها.
رواية فطنة القلب الفصل السابع 7 - بقلم سلمى خالد
صدمة كست ملامحها، لم تتوقع بيومٍ أن والدها سيفعل بها كل هذا.
نهضت تتطلع نحو عز بغضبٍ جامح، تردد بصوتٍ عنيف:
_ أنا بابا عمره ما هيعمل فيا كده والوصية دي كدب لأن بابا مجبش محامي تاني من بعد اللي خانه!
رمقها عز بنظرة غريبة، ثم نهض يمد يده بورقة، يتمتم بثقةٍ:
_ دا توكيل من محمد الله يرحمه بأني المحامي بتاعه.. ودي الوصية اللي بتكدبيني فيها يا قطوف هانم.. بختم مش موجود إلا مع والدك صح ولا أنا بكدب في دي كمان؟!
تطلعت نحو الأوراق ولكن بأعينٍ مصدومة، لم تدوم تلك الصدمة وسرعان ما تحولت لشراسة تطلع نحو مازن قائلة بصوتٍ حاد:
_ أنت إيه يا أخي.. مش بطيقاك وعارف إني مش طايقاك ولا هكمل في دي جوازة اتجبرت عليها عشان ألحق اسم العيلة وأنت بكل بساطة تضحك على بابا وتفهموا اني عايزة اكمل معاك... افهمك إزاي إني لو كنت أنت الراجل الوحيد اللي في الدنيا مش هقبل بيك... مش هقبـــــــــــــــل بيـــــــــــك.
صرخت بأخر حديثها، في حين وقف مازن يتطلع لها في ألم، كلماتها القاسية جرحت رجولته.. هو ليس نكرة كي ترفضه بهذه الطريقة أمام الجميع، استدار مازن يضع يده بجيب سرواله يتمتم بصوتٍ هادئ استطاع أن يخفى ضيقه ببراعة:
_ خالي مكنش راجل سذج عشان يضحك عليه سواء مني أو من غيري.. ولو أنتِ مصدقة دا فدا لأنك مش قادرة تقتنعي إنك خلاص بقيتي مقيدة بوجودي وحياتك كلها بقت ملكي.. وريحي نفسك أنا مش الراجل اللي بيفرض نفسه على واحدة ست وخصوصًا أنتِ.
تركها وغادر المكان في حين نظر لها عز بعتابٍ رأته به ثم غادر من المنزل في حين، انطلقت مرفت تعد مخططًا جديدًا كي تأخذ ممتلكات اخيها!
بقى مازن بالحديقة يتطلع للسماء، تلتمع عينيه بدموع، يتذكر كيف كان حنان خاله عليه، وطريقته في احتواء اخطائه، ابتسم بسخرية متمتمًا في نفسه:
_ الله يرحمك يا خالي.. معيطش في عزاك.. بس قلبي مفطور من فراقك.. معدتش لقي حد أتكلم معاه.. بنتك الأولى كل لحظة تعدي لزمًا تقول كلام زي السم... وبنتك التانية سابت البيت ومش عارف طريق ليها... كان عندي استعداد اطلق قطوف بس الوصية اللي عملتها بقت زي القيد لا أنا عارف اسبها ولا هي عارفة تاخد حريتها... نفسي أعرف ازاي كنت شايفنا ننفع لبعض وإحنا بناكل في بعض حاليًا.
تنهد بتعب شديد، وبدأ يشعر بالدوار، زفر باختناق ثم دلف للداخل متوجهًا نحو المكتب وما أن فتحه حتى أسرع باتجاه الخزانة وأخرج منها تلك الحقنة التي يُحقن بها خاله.. هي نفسها التي يحقن بها فهو مرض متوارث بينهما ولا يعلم بيه سوى خاله ووالدته، ابتسم بحزنٍ وهو يتذكر ما حدث عندما علم خاله ...
وقف مازن بتأكد من عدم وجود أحد بالقرب من المطبخ ثم أخرج هذه الحقنة وبدأ بأن يأخذ جرعته كي لا تسوء حالته وما أن انتهى من أخذ وغزة هذه الحقنة حتى استدار ليجد خاله امامه يتطلع نحوه بصدمة، نظر له مازن قليلًا ببعض الصدمة ليردف محمد بذهول:
_ أنت عندك السكر؟!
ازدرد لعابه ثم اجابه بصوتٍ حزين:
_ آه.
رمش بعينيه عدة مرات ثم تسأل بدهشة:
_ إزاي أمك مقالتش؟!
نظر مازن للأسفل بضيق ثم قال بصوتٍ يحمل الخزى:
_ هي اللي اجبرتني مقولش إني تعبان بالسكر وإني ورثته من حضرتك.. عشان محدش يعيرني بالتعب ومشوفش نظرة الشفقة بعيونكم ليا.
تألم محمد لأجله، وشعر بنصل يمزقه، ليس له ذنب فيما حدث له ولكن يشعر أن كل ما يحدث بسببه، تقدم من مازن وهبط لمستواه يتمتم:
_ المرض مش عيب ولا حرام يا مازن.. دا بلاء هتأجر عليه خير... ولعل يكون دا سبب من اسباب دخولك الجنة ربنا يكتبهالك ويكتبها للمسلمين أجمعين.. فأوعى اشوفك حاسس بالكسوف دا من حاجة فيك.. اللي تتكسف منه فعلًا لما تعمل الحرام وأنت مش خايف من ربنا.. دا تتكسف منه فعلًا.
نظر له مازن ببعض السعادة، فهو لا يزال طفل بعمر الرابعة عشر يلهو ويلعب مع الجميع، ولكن هذا المرض كان يعيقه ببعض الأحيان، تمتم مازن ببعض الحذر:
_ بس أنا مش عايز حد يعرف.
تعجب محمد من طلبه، في حين اكمل مازن بصوتٍ هادئ:
_ عشان الكل يتعامل معايا بطبيعته ميخفش مني ومن التعب بتاعي.
ابتسم محمد برضا، ثم قال بموافقة:
_ ولا يهمك يا بطل محدش هيعرف حاجة خالص حتى ياسمين وقطوف.
عاد من تلك الذكرى وهو يضع هذه الحقنة بالخزانة، يغلقها جيدًا، ثم أردف بصوتٍ حزين:
_ الله يرحمك يا خالي كنت الوحيد اللي بتفكر فيا وقلبك كان عليا.
مدت يدها تحمل مفتاح هذه الشقة، تشكر هذه السيدة المسنة على تأجير الشقة لها بثمن جيد ليس بباهظ، صعدت للدور الثاني ثم دلفت للشقة تنظر نحو الشرفة، فلم تركز على شيء سوى أن تصبح الشقة بقرب البحر، وضعت حقيبتها جانبًا ثم تقدمت من الشرفة، تلحف وجهها بنسماتٍ هواء عليلة، ولكن سرعان ما هبطت دمعة ساخنة على وجنتيها، تردف بهمسٍ يحمل أنين الألم:
_ الله يرحمك يا بابا أنت وماما.. وتسامحوني إني سبتكم بدري.
تركت الشرفة ودلفت للداخل تبدأ بترتيب اغراضها، تريد أن تغير مجرى حياتها لعلها تجد بعض الأمان بشيءٍ تفعله وتثبت ذاتها أمام الجميع.
صباحًا...
جلس مازن على الطاولة يتناول فطوره، يمسك ببعض الاوراق يراها ويتفحصها جيدًا قبل أن يغادر المنزل، ولكن رأى قطوف تهبط من أعلى الدرج حاملة حقيبتها، وضع الأوراق جانبًا ثم تساءل بهدوء:
_ رايحة فين؟!
نظرت له بجانب عينيها ثم اجابته ببرود:
_ وأنت مالك!
حرك رأسه في هدوء ثم نهض من مكانه يضع يده بجيب سرواله، يردف بصوتٍ هادئ يحمل بطياته البرود:
_ معاكِ حق... بس حابب افكرك أن خروجك بدون علمي وبدون رغبتي هيبقى عصيان.. ولو ماخدتيش الرضا بتاعي أنتِ عارفة مصيرك إيه وحسابك إيه!
نظرت له قطوف بصدمةٍ تكاد تخنقها، هي تعلم أشد العلم أنها إن لم تطع زوجها فسوف يكون مصيرها صعب، وأنها ستحمل ذنوبًا لا حصر لها، صكت على اسنانها بغيظٍ تردف من بين اسنانها:
_ عايزة أخرج!
ابتسم مازن ببرود ثم استدار يعود للطاولة مرة أخرى يردف بصوتٍ مستفز:
_ طريقتك مش عجباني.. قوليها بأسلوب أحسن من كده عشان اوافق.
رفعت قطوف يدها وكأنها تريد أن تصفعه على وجهه ولكن قبضت على يده ثم قامت بعضها في غيظ شديد، تنظر لعينيه التي تحمل تحدي غريب اتجاهها، اخذت نفسًا كبيرًا ثم أردف ببسمة حاولت رسمها:
_ ممكن بعد اذنك أخرج!
جلس مازن باريحية على مقعده، ثم أردف باستفزازٍ:
_ تقولي ممكن أخرج يا مازن يا جوزي.
اتسعت عينيها بصدمةٍ، ثم أمسكت بحقيبتها وهي تقذفها بكامل قوتها اتجاه مازن، تردد بصوتٍ حاد:
_ مش قايلة زفت وعايز اغور من هنا... خلصني بقى!
جرح يد مازن جرحًا عميقًا من الحقيبة عندما التقطها بيده قبل أن تصطدم بوجهه، ألقى الحقيبة سريعًا ونظر ليده ليجدها تنزف دماء بغزارة، نظر نحو قطوف بعتابٍ تعجبت هي على أثره، ولكن نهض مازن من مكان يوليها ظهره قائلًا بصوتٍ جاد:
_ اخرجي.
تركها وغادر الردهة في حين بقت قطوف تشعر بوجود خطبًا ما، اشاحت بوجهها بضيقٍ متمتمة:
_ يستاهل.
تقدمت نحو حقيبتها كي تحملها ولكنها وجدت قطرات دماء على الأرض، جحظت عينيها من رؤيتها لهذا الشكل، ابتلعت لعابها ولكن تحكم بها الكبرياء امسكت حقيبتها واستدارت كي تغادر ولكن رن بأذنها حديث والدها:
_ لما تبقى غلطانة اعترفي بالغلط ووجهي متهربيش منه يا قطوف وجهي واعتذري لأن الاعتذر عمره ما قلل من البني آدم.. الكبرياء بس هو اللي بيقلل منه.
أغمضت عينيها في حزنٍ، ودار صراع داخلها أتذهب أم تغادر، ادارت رأسها نحو قطرات الدماء وتنهدت بضيقٍ من اندفعها الدائم، تركت الحقيبة وتقدمت من غرفة المكتب، طرقة الباب الغرفة ثم فتحت الباب بهدوء لتجده يجلس على الأريكة ومعه علبة الإسعاف الأولية يحاول ايقاف النزيف، ازدردت لعابها ثم هتفت بصوتٍ متوتر:
_ ممكن أدخل؟
_: لاء.
قالها مازن ببرود وهو يتطلع نحو جرحه، دون النظر لها، في حين رفعت قطوف حاجبها بغيظٍ منه كادت أن تغادر ولكن تألم قلبها وهي تراه يحاول مساعدة نفسه، فلو هي مكانه كانت تجد ألف شخصًا يساعدها، ولكن هو بقى وحيدًا.
زفرت بضيق من نفسها ثم تقدمت للداخل نحوه، نظرت نحو يده لتجد انها لا تزال تنزف، لانت ملامحها، وهبطت للأسفل تجثو على ركبتيها ثم حاولت مسك يده لتجده يتمتم:
_ مش محتاجة إنك تشغلي نفسك بيا.. متعود على كده سبيني وأنا هعالج نفسي.
تطلعت له قليلًا، لم تفهم مغزى حديثه، ولكنها أردفت بهدوء:
_ بابا الله يرحمه علمني لما اغلط احاول اصلح الغلط دا.. هات ايدك لو سمحت.
أمسكت قطوف بيده في رقة كي لا تؤلمه، لم يُجَدِلها مازن وتركها فهو بالفعل يريد مساعدة.
لاحظت قطوف وجود علامات أخرى بيده، ضيقت عينيها وهي تحاول استيعاب سر هذه العلامات، ليقطع تفكيرها صوت مازن يجيب على تساؤل حدقتيها:
_ كنت لما اتنرفز اخبط ايدي بالحيط بكل قويتي.. وتتفتح جامد من عنف الضرب دا فـ بعالجها بس للأسف كانت بتسيب علامة في ايدي.
صمتت قطوف ولم ترغب بأن تحدثها، في حين نظر لها مازن وهي تضمد يده بحنانٍ، ثم تضغط على يده بدون قصدٍ ليسحب مازن يده بألم، نظرت له قطوف فوجدت ملامحه المنكمشة من الألم، شعرت بحرج شديد ثم قالت:
_ أنا آسفة بجد.. هات ايدك هخلي بالي.
وبالفعل أخذت يده ولكن تلك المرة بحنانٍ بالغ شعر به مازن، واستلذ بهذا الشعور، وكأنه لأول مرة يتذوق هذا الحنان من جنس حواء، انتهت قطوف من علاج يده، لتنهض قطوف بهدوءٍ قائلة بندم:
_ بعتذر عن تهوري... ودلوقتى هخرج عايزة اشوف اختي راحت فين؟!
نظر لها مازن قليلًا، ثم ابتسم لها يتمتم بصوتٍ رجولي جذاب:
_ شكرًا على ايدي.
رفع يده لها الملفوفة، ثم استرسل حديثه بنبرة جادة:
_ ياسمين من وهي صغيرة بحس بالمسؤولية اتجاهه، متقلقيش يا قطوف أنا مش ساكت عن اختفاءها... اديني مدة ادور عليها.
نظرت له قليلًا ببعض التردد، لا تعلم سر تعلق نظرها به، هي تريد أن تلقي من عاتقها ما تحملته، تنهدت بتعبٍ ثم قالت:
_ ماشي.. بس محتاجة اشم هوا ممكن؟!
استدار مازن متوجهًا نحو الباب قائلًا:
_ براحتك أنا كده كده رايح الشغل واحتمال كبير اقعد وقت كبير هناك... خلي بالك على نفسك.. سلام.
غادر مازن من المنزل، في حين بقت قطوف تتطلع نحو الباب، تعجبت من ذاتها أنها أصبحت لأول مرة هادئة، حركت رأسها في نفي قائلة:
_ أكيد احساس بالذنب عشان أنا السبب في جرح كبير دا.
بقت تقنع نفسها بأن هذا هو سبب هدوءها، ولكن بقت قليلًا لا تعلم أين تذهب حتى قررت إزالة حجابها وتبديل ملابسها كي تبدأ بإصلاح سيارتها.
داخل العيادة...
دلفت السكرتيرة الخاصة بمريم، تمسك بورقةٍ تخبرها:
_ في حالة أخيرة يا دكتور ادخلها ولا أأجل لبكرة!
مدت يدها تمطها في ارهاق، قائلة بصوتٍ يملأه التعب:
_ لا خليه بكرة يا مها أنا حرفيًا تعبت.
حركت رأسها في ايجابية، وخرجت مغلقة الباب خلفها، في حين بدأت مريم بجمع متعلقاتها ولكن تفاجأت بدخول مها لها متمتمة:
_ دكتور الاستاذ اللي برة رافض إنه يمشى ومُصر يدخل.
قطبت مريم جبينها في تعجب، ثم عادت تجلس مرة أخرى تشير بيدها قائلة بارهاق:
_ دخليه طب معلش يا مها.
خرجت مها كي تدخله، وبالفعل دلف للغرفة بهدوء، في حين وضعت مريم ما بيدها تبتسم للدالف ولكن اختفت ابتسامتها ما رأت الذي يدلف، فما كان سوى ياسين العطار.
جلس ياسين على المقعد يتمتم بمكرٍ:
_ هتفضلي واقفة كتير يا دكتورة مريم!
أغمضت مريم عينيها تردف بهدوء مزيف:
_ استاذ ياسين حضرتك جاي ليه هنا؟
كان يدور بعينيه بالغرفة يجيب:
_ هي دي معاملتك للمرضى بتوعك!
جلست على المقعد بغيظٍ، تحاول تضبط اعصابها كي لا تخنقه، ثم قالت بصوتٍ حاولت الثبات فيه:
_ استاذ ياسين أنا تعبانة ومش حِمل هزار من حضرتك.. فممكن تسبني أروح وحضرتك تروح.
رفع حاجبه يتمتم بسخرية:
_ وهو أنا جاي اهزر!
قطبت جبينها ببعض الدهشة، فقد كانت تعتقد أنه اتي كي يمزح، اردفت بصوتٍ متعجب:
_ أمال جاي ليه؟!
ابتسم بمكرٍ يجيب:
_ عندي مشكلة ومش عارف احلها وقولت اللي أعرفه أحسن من اللي معرفهوش.. فجتلك.
حركت رأسها بايجابية، ولكن تشعر بعدم صدق حديثه، ولكن قررت أن تسير معاه قائلة بجدية:
_ مشكلة ايه؟!
جلس باريحية، ثم قال بخبثٍ:
_ زي ما أنتِ عارفة أنا ظابط واسلوبي ناشف شوية.. ومش ليا لا في الرومانسية ولا في الكلام بتاع توتو موتو دا... ومعجب بـ أنسة جميلة ومثقفة و رقيقة...
كسرت مريم القلم بين يديها فقد فهمت حديثه بسهولةٍ من واقع خبرتها في حين نظر ياسين للقلم ثم قال:
_ مش رقيقة أوي يعني.. وكنت عايز ارتبط بيها.
ابتسمت ببرود ثم قالت:
_ اللي زي حضرتك يا استاذ ياسين مش بيتجوز... فالأحسن تشيل الفكرة من دماغك عشان متتعبش نفسيًا من اللي ممكن يحصلك لو ارتبط.. تخيل تصرف نص مرتبك على البامبرز والسلراك و ترجع البيت تعبان وعايز تنام والبيبي يصحي في نص الليل يعيط.. ولو مراتك حامل وتتوحم في نص الليل بفاكهة مش موجودة في الموسم بتاعها ومجبر تلف على كعوب رجلك عشان متشتكيش لحماتك، حماتك تبهدلك ويوووه حورات كتير.. شيل الفكرة من دماغك أحسن.
جحظت عينيه من كم هذه المشكلات التي ألقتها بوجهه، في حين حملت حقيبتها قائلة بنبرة باردة:
_ دا جزء صغنن من المشاكل الزوجية اللي هتمر بيها.
سارت باتجاه الباب تسترسل حديثها:
_ حياة السنجل أحسن صح.. يبقى صح... مها هتوصل حضرتك للباب وشرفت يا استاذ ياسين.
تركته مغادرة المكتب في حين رمش بعينيه يتطلع لظلها، ثم ضرب كف بأخر حتى قال:
_ بدأت اشك في الناس اللي بتعالجيها يا مجنونة.
مساءًا...
كانت قطوف قد انتهت للتو من سيارتها، وبدأت بغسل يدها من هذا الهباب الأسود، كادت أن تبدل ملابسها كي تأخذ حمامًا وتعيد ذاتها من جديد، ولكن تذكرت زرعها، فقررت أن تذهب نحو الزرع الخاص بها، قامت بجذب خرطوم الماء وبدأت بروي الزهور الخاصة بها، وبعض نباتاتها، وجلست جوارها قليلًا تتحدث لنباتاتها قائلة بصوتٍ ضعيف لم تظهره لأحد من قبل:
_ بقيت وحيدة خلاص.. بابا راح ومش عارفة حتى انهار.. اختي مشيت وسبتني.. وشوفوا بقى اللي يضحك مفضلش معايا غير مازن الوحيد اللي كل يوم بحاول أبعد عنه وهو لسه مكمل معايا...
ادمعت حدقتيها بألمٍ غائر، تهمس بصوتٍ مبحوح:
_ تفتكروا هو كمان هيسبني زي ما كل سبني!
كانت يدها بها بعض الطين، ولم تستطع مسح عينيها، فنهضت من مكانها كي تذهب نحو الداخل تغسل يديها، ولكنها تفاجأت بوجود مازن بالقرب منها، نظرت بدهشةٍ نحوه، ثم تساءلت بتوجس:
_ هي الساعة كام؟ وأنت هنا من امتى!
تعجب مازن من طريقتها، واجابها بتعجب:
_ الساعة واحدة ونص ولسه داخل.
تنهدت قطوف براحةٍ، في حين دقق مازن النظر بها أسفل ضوء القمر، ليتسأل بحيرة:
_ أنتِ كنت بتعيطي؟ عينيكي مالها!
توترت قطوف قليلًا ثم استدارت كي تدلف قائلة ببرود:
_ اعتقد دا شيء ميخصكش.
دلفت قطوف للداخل تفر هاربة، في حين حرك مازن رأسه بيأسٍ منها ومن طريقتها الجافة، وقرر الدلوف ولكن لاحظ وجود مكان فارغ بالزرع، تقدم نحو هذا الزرع ليجد أنها تضع الزهور جوار بعضها على كل جذع الزهرة يوجد ورقة صغيرة بها أسمها.. إلا مكان واحد من يراه يلاحظ أنه متروك لزرعة ما.
تذكر مازن طلبته ياسمين له في احضر زهرة الأوركيد وتعجب لأن ياسمين ليست من هوايتها راعية الزهور، علم سر هذه الزهرة وإلى من ستذهب!
ابتسم قليلًا ثم دلف للداخل وما أن أغلق الباب حتى رأى قطوف تخرج من المرحاض تجفف يدها، ابتسم بيأسٍ منها ثم قال بصوتٍ به بعض الاجهاد:
_ قطوف.
انتبهت له في حين تقدم منها مازن حتى أصبح يقف قبلتها مد يده نحو وجنتيها يتمتم بصوتٍ همس:
_ مش هتبطلي عادة الشحم دا!
ارتجفت قطوف من لمسته، وتراجعت للخلف بتوترٍ شديد، ثم قالت بنبرة حادة:
_ عارف لو قربت مني بالشكل دا مني هعمل فيك إيه!
وضع يده بجيب سرواله يسأل باستمتاع:
_ ايه!
للحظةٍ شعرت بالخوف من نظراته، ولكن قررت أن تكمل هي لن تتنازل فهو خائن بنظراها، احتدت نظراتها ثم قالت:
_ صدقني رد فعلي مش هيعجبك وإن كان جرح كان في ايدك.. فأنا ممكن أعمل جرح بقلبك مش هتعرف حتى تتعافى منه يا مازن.. علاقتي بيكي مستحيلة وإياك تحلم إني هقبل بواحد زيك غدار!
تلون وجه مازن بغضبٍ جامح، يتصاعد صدره بقوة من قوة انفعالاته، وتقدم منها بخطوةٍ واحدة قائلًا في حدة:
_ أنا ساكت ومحترم أنك بنت خالي.. لكن هتزودي هعرف إزاي اوقفك يا بنت خالي.. لسانك اللي مش بينطق غير سم دا هقصهولك... فلمي نفسك ولسانك أحسن.
رفعت حاجبها بغيظٍ، تهتف بصوتٍ ساخر:
_ يا ماما خوفت أنا دلوقتي... اجري ألعب بعيد يا شاطر.
لم يعد يتحمل حديثها، وتهجمت ملامحه بشدة، عينيه تتلون بالأسود القاتم، من يراه يعلم أنه سيقتل احد، لأول مرة تراه قطوف هكذا، شعرت بالخوف من شكله، هي لم ترى مازن بهذا الشكل من قبل، ولكن كبرياؤها منعها من أن تستلم لهذا الشعور، كادت أن تتحدث ولكن ضرب مازن الباب الموجود جواره بقبضته لينكسر جزء كبير من الباب يهدر بعصبية مفرطة:
_ أخـــــــــــرسي.
انتفضت قطوف وهي ترى الباب منكسر يده تنزف الدماء بغزارة، تطلعت له ببعض القلق، في حين أكمل مازن بنبرة حادة لم تراها من قبل:
_ من النهاردة مش عايز ألمح طيفك تاني.. موعيدي تعرفيها عشان لو شوفتك في وشي مش همسك اعصابي عليكي فاهمة.
كادت أن ترفض ولكن اعد مازن الكلمة بصوتٍ عنيف قاسي جاف:
_ فــــاهمـــــــــة.
اشاحت بوجهها بعيدًا، في حين خطى مازن تاركًا إياها، نظرت له ما أن أغلق باب المكتب وهي تحاول استيعاب ملامحه، تذكرت حديثه أنه عندما يفقد اعصابه يضرب بأي شيء، عادت بنظرها اتجاه الباب لتجد به دماء جحظت عينيها بشدة، ولكن ما جعلها تشعر بالخوف كم الدماء الموجودة بمكانه، وقطرات الدماء المنتثرة على الأرض بطريق سيره، ركضت نحو غرفة المكتب تشعر بالقلق هي لم تر هذه الدماء الغزيرة من قبل، تدلف دون أن تنتظر.
تفاجأ مازن بدخولها، فقد كانت ملابسه قد تلوثت بالدماء فأعطي شكلًا أخافها، اردف مازن بصوتٍ هامس مخيف:
_ أنا مش قولت ملمحش طيفك!
رواية فطنة القلب الفصل الثامن 8 - بقلم سلمى خالد
تجاهلت حديثه وانطلقت نحو يده لتراها، ولكن مازن ابعدها يتمتم بلهجةٍ عنيفة وسط نظراتها المندهشة:
_ هو مش أنا بضحك على خالي.. وأنا برضو اللي جابرك على عيشتك.. وأنا اللي غدار وخاين.. عايزة إيه مني!
نظرت له قطوف ببعض التوتر، ولم تجيب في حين كانت نظرات مازن حادة قاسية، أردف بنبرة حدة كي ينهي الحديث:
_ بصي يا بنت العطار... عيشتك معايا لا أنا اللي فرضتها عليكي ولا أنا اللي اتحايلت على خالي ابقى معاكي.. الحياة بينا مستحيلة... أنتِ عايشة هنا بكرامتك وأنا عايش هنا لأسباب تخصني.. السنة تخلص وهنطلق عشان ورثك ميروحش.
تفاجأت قطوف من كونه لا يريد ورثها، وأن من الأفضل له أن يطلقها كي يأخذ مالها، ولكنه فعل العكس، ازدردت لعابها ثم قالت بتوتر:
_ طب ايدك بتنزف!
ابتسم بسخرية، ثم قال:
_ لا كتر خيرك أنا عارف اعالجها إزاي.
امسك بتلك القماشة، ثم لف بها يده، كادت أن تساعده ولكنه غادر المكتب متوجهًا نحو أقرب مشفى فهذا الجرح قوي للغاية ويحتاج لعناية فائقة.
شعرت قطوف بحيرةٍ شديدة، ماذا تفعل! اتبقى مكانها أم تذهب خلفه! وأخيرًا قررت أن تبقى ولكن ستنتظره حتى يعود.
***
انتهى مازن من علاج يده وأخبره الطبيب بالاهتمام بمستوى السكر لديه كي يتم إلتئام الجروح بسرعة، ولكن بدأ يشعر بتعبٍ شديد يغزو جسده.
ترجل من السيارة يتوجه نحو الداخل، ولكن تعجب من وجود نور الردهة لايزال مشتعل، فتح باب المنزل ودلف للداخل ليجد قطوف تجلس على الأريكة تنتظره، رمش بأهدابه عدة مرات في ذهولٍ، هل انتظرته ليعود، كاد يجن من طريقتها ولكنه لا يعلم أيتركها مكانها أم يذهب إليها!
تأوّهت قطوف وهي لا تزال نائمة، فأشفق عليها مازن وترك حقيبة الدواء وتقدم منها يقيظها فلم تكن هناك فائدة، حاول مجددًا ليجدها تتلفظ بكلماتٍ غير مفهومة، ليتمتم بسخرية:
_ سبحان الله نايمة ومش دريانة بالدنيا.. ونومك اتقل من نومي.
لم يستطع ايقاظها فلم يجد طريقة سوى حملها، تطلع ليده المجروحة وتنهد قليلًا، ثم وضع يده أسفل قدمها والأخرى أسفل ظهرها، ثم حملها بخفةٍ، نظر لملامحها فوجدها لا تزال تغفو، صعد بها نحو غرفتها وما أن وصل حتى وضعها ولكن وجدها تتشبث به بقوةٍ لا تأبى أن تتركه، حاول فك يدها عنه ولكن دون أن تشعر فكانت تتمسك بقوة، زحفت ابتسامة صغيرة على شفتيه فلم يتشبث به أحد هكذا من قبل، نظر لوجهها القريب منه، ثم همس بهدوء:
_ قطوف... أصحي يا قطوف..
أعاد الهتاف باسمها عدة مرات حتى استجابة له، ففتحت عينيها ولكنها كانت بين الوعي واللاوعي، فهمس مازن بصوتٍ حنون:
_ فكي ايدك عشان تنامي.
أغمضت عينيها ثم رددت بصوتٍ ناعس للغاية:
_ هتسبني.. لاء.. بخاف.. اقعد وحدي.
تعجب مازن من حديثها، وأردف بدهشة:
_ يا بنتي أنتِ لو شاربة حاجة مكنتش هتقفشي كده.. دا أنتِ لفة ايدك على رقبتي ولا كأنها كلبش.. بت يا قطوف فوقي.
لم تستجب له، وغطت بنومٍ عميق، في حين أمسك مازن بوسادة جواره ووضعها بينهما كي يبعد قطوف عنه وبالفعل استطاع ابعدها لتمسك قطوف بالوسادة تحتضنها بقوةٍ، دُهش مازن من طريقتها ولكنه ابتسم وبدأ يتخيل شكل قطوف عندما إذا علمت ما فعلته.
***
بالاسكندرية..
هبطت ياسمين أعلى الدرج، تسرع بخطواتها كي تلحق بتلك السيدة، وما أن اوقفتها حتى قالت:
_ طنط زينب.. طنط زينب.
استدارت تلك السيدة المسنة لها، وما أن رأتها حتى ابتسمت تردد بهدوء:
_ عاملة ايه يا بنتي؟
منحتها ياسمين ابتسامة صغيرة ثم قالت:
_ الحمدلله كنت عايزة اسأل حضرتك على حاجة!
ركزت زينب انتباهها لها، في حين أكملت ياسمين بحرجٍ:
_ تعرفي طريق شغل عشان مش هقدر اقعد كتير من غير شغل؟!
نظرت لها قليلًا، ثم بدأت تفكر وهي تردد:
_ تلاقي فين شغل يا زينب.. تلاقيه فين يا زوزو.. اه افتكرت بصي يا بنتي في شركة اسمها **** كانت طالبة محاسبين فيها.. روحي شوفيها واللي فيه الخير ربنا يقدمه.
ابتسمت لها ياسمين برقةٍ، ثم قالت:
_ شكرًا بجد يا طنط.
:_ العفو يا حبيبتي.. أنتِ زي بنتي.
قالتها زينب بهدوءٍ، في حين تساءلت ياسمين بفضولٍ:
_ هو حضرتك صاحية لحد دلوقتي ليه دا الساعة دخلت على اتنين؟!
منحتها بسمة صغيرة قبل ان تجيب:
_ مفيش مستنية جمال.. ابني كان مسافر وجاي النهاردة بليل.
حركت رأسها في هدوء، في حين اتى شاب غريب من الخارج يحمل حقيبة ضخمة، يقترب من السيدة زينب يتمتم بهدوء:
_ وحشتني يا أمي!
تهلل سرير تلك السيدة وبدأت باحتضان جمال بقوة، تتمتم بكلماتٍ سعيدة:
_ نورت اخيرًا بيتك يا نور قلبي... حمدلله على السلامة!
ظلت ياسمين تراقب هذا المشهد المحبب لقلبها، في حين ابتسم جمال لها، ولكنه لاحظ ياسمين ظل يحدق بها في قوةٍ، ليتسأل يقترب منها شيئًا فشيء:
_ مين دي؟!
اجابته زينب ببسمة عريضة وهي تمسك بيد ابنها:
_ دي ياسمين المستأجرة الجديدة يا بني.. جت بقالها يوم كده.. وكانت بتسأل على شغل ودلتها... دا جمال ابني اللي حكيت عنه.
شعرت ياسمين بحرج شديد، في حين قدم جمال يده قائلًا ببسمة غريبة:
_ ازيك.. أنا جمال.
توترت ياسمين بشدة، لتردف وهي تتراجع:
_ أنا آسفة مش بسلم على رجاله.. حمدلله على السلامة وعن اذنكم.
تركتهما تغادر المكان، في حين ظل جمال عينيه تتعلق بها حتى اختفت، نظرت له زينب ببعض الضيق قائلة:
_ جمال.. دي مش مراتك اللي ماتت.. صحيح فيها شبها منها ومن طريقة مراتك بس الاتنين عكس بعض.
حرك جمال رأسه في هدوءٍ، دون أن يظهر ما يدور برأسه فقد أصبح بارعًا في اخفاء تعبيرات وجهه، تمتم بنبرة متعبة:
_ طب يلا عشان ارتاح لحسن جاي هلكان.
****
صباحًا..
كان مازن يجلس على الطاولة كعادته الصباحية، ولكن اليوم غير باقي الأيام فهو يوم الجمعة يستيقظ به مبكرًا، يتناول قدح الشاي بحليبٍ، ولكن تلك المرة يمسك بأوراق عمله يراجعها، حتى أتاه اتصل من محمود فأجاب سريعًا:
_ ايوة يا محمود وصلت لحاجة!
:_ في حد بيصرف الفلوس من ماكينة باسكندرية.
قالها محمود بهدوءٍ، في حين تنهد مازن براحة ثم قال:
_ طب حاول تعرف المكان فين وتعين حرس على البيت وتأمنها كويس.
:_ تمام يا مازن.
أغلق محمود بعد أن قال تلك الجملة، في حين ابتسم مازن ببعض الراحة أنه اخيرًا استطاع أن يعلم مكان ياسمين ليس بشكلٍ محدد ولكنه علم موقعها.
هبطت قطوف من الدرج وهي تتحدث لذاتها تتذكر هل حملها مازن وتشبثت به أم هذا حُلم! رأته يجلس على الطاولة ويده لا تزال ملفوف، تنهدت ببعض الضيق من ذاتها ثم تقدمت نحوه قائلة بنبرة تحمل القليل من التوتر:
_ هو الدكتور كتبلك دوا؟
:_ آه.
قالها دون النظر إليها، في حين اكملت قطوف:
_ طب قالك هتاخده امتى؟!
زفر مازن قليلًا، ثم قال ببعض الضيق:
_ قالي تلت مرات في اليوم قبل الأكل.. في أي اسئلة تانية ولا أكمل شغل؟!
رمقته بنظرة غاضبة، تردف بنبرة متعصبة:
_ أنا غلطانة إني فكرت اسألك.. ان شالله تتفلق أنا مالي.. كفاية إني عايشة مع مجنون زيك كل شوية يفتح ايده.
:_ دا ارحم ما افتح دماغك ونخلص!
قالها ببرودٍ دون أن يتطلع إليها، شهقت قطوف بقوة، تغمغم بصوتٍ حاد:
_ تفتح دماغ مين.. دا أنا ممكن اعمل منك بُفتيك لو فكرت تهوب جنبي.
نهض مازن فجأة وتقدم منها بلمح البصر يقف أمامها مباشرةً لا يفصل بين وجهه ووجهها سوى مسافة صغيرة، تمتم مازن بصوتٍ هادئ يتطلع لحدقتيها بقوة:
_ اتفضلي اعمليني بفتيك.. أنا قدامك اهوه.
توتر قطوف بشدة، انفاسه التي تلفح وجهها جعلتها تخشى قربه أكثر، حاولت أن تبتعد ولكن أمسكها مازن من ذراعها لتسقط عليه تستند بيدها على كتفه، فأردف مازن بصوتٍ رخيم:
_ مش من شوية بتقولي لو هوبت جنبك هتعمليني بُفتيك.. أنا اهوه شديتك لحد ما بقيتي جوا حض..
صرخت قطوف به في غيظ قائلة:
_ اسكت.. أنا ساكتة عشان ايدك.. لكن تزود فيها هتعصب عليك.. وأنت واثق إني لو عايزة اضايقك هضايقك.
نظرة التحدي ملأت حدقتيها، في حين بقت نظرات مازن متعلق بخاصتها، تركها فجأة واستدار يغادر المكان، في حين نظرة قطوف لموضع اختفاؤه ثم تنهدت بتوتر، تضع يدها على قلبها ببعض الخوف، تتمتم بتعجب:
_ أنا مالي بقيت بخاف ابصله كتير ليه؟ وبتوتر من كلامه ليا؟
حركت رأسه تنفض تلك الأسئلة من رأسها، وتطلعت نحو الطاولة لتجد بها أوراق عديدة، اخذها الفضول لتراها وبالفعل ما أن نظرت بها فلم تفهم شيئًا واحدًا، قطبت جبينها بشدة ثم قالت:
_ هما بيفهموا الشبكة العنكبوتية دي إزاي!
:_ لو عايزة افهمك معنديش مانع.
قالها مازن يعود لها يجمع تلك الأوراق، في حين تراجعت قطوف تحرك رأسها في نفي، تتمتم بصوتٍ مقتضب:
_ لاء شكرًا وقت ما أحب أفهم مش هحتاجك.
صمت مازن دون أن يحدثها، في حين اكملت قطوف بفضولٍ:
_ النهاردة الجمعة هو..
قاطعها في الحديث تاركًا إياها يدلف لغرفة المكتب، في حين تهجمت ملامح قطوف بشدة، تسبه في سرها، وما هي إلا دقائق حتى خرج مجددًا يجيبها متجهًا نحو غرفته:
_ النهاردة الجمعة وفي خطبة ورايح ليها.
انهى حديثه وأغلق الباب، في حين اشاحت قطوف وجهها بغضبٍ تتوجه نحو المطبخ كي لا تفقد اعصابها، فهذا البرود لا تطيقه وهو يفعل معها ما يثير غضبها بأقل من دقيقة.
***
هبطت مريم من المنزل كي تشتري بعض الأغراض المنزلية الشهرية، كادت أن تفتح باب السيارة ولكنها تفاجأت بورقة صغيرة موجودة، مدت يدها تنتشلها من اعلى السيارة وما أن فتحتها حتى وجدت:
( أنتِ هلالٌ في سمائهم، ولكنكِ بدرٌ في سمائي)
ياسين العطار.
ابتسمت مريم من كلماته، شعرت ببعض السعادة من رسالته ولكن يجب أن تخفي هذا كي ترى هل سيفعل المستحيل كي يصل لها أم لا!
****
جلس مازن بالمسجد، يستمع للشيخ وهو يلقي خطبته حتى تركز سمعه على حديث الشيخ قائلًا:
_ أحيانًا كده بتبقى في خيارين من الست أما تلاقي مراتك ساعة راضية عنك وأكل ومحمر ومشمر واحيانًا تمشيها عيش وحلاوة وكأنك بسجن... طب ليه هنا عملت محمر ومشمر وليه هنا عيش وحلاوة.. في أسباب كتير أوي أولها أن الست عندها العذر الشرعي بتاعها ودا بيعمل قلبان في الهرمونات بتاعتها ومن رحمة ربنا علينا تلاقي عند الانسان هرمون السعادة.. الهرمون دا لو قل تنكد عليك عشيتك.. ولو زاد فتلاقيها طايرة من الفرحة وكويسة... شوف أنت بقى قاعد عادي وهي بقى في هرمونات عاملة تطلع وتنزل.. دا حاجة من الحاجات اللي بتأثر عليها... نيجي بقى لدورك أنت يا حضرة الزوج.
تركز سمع مازن على حديثه، في حين استرسل الشيخ حديثه قائلًا:
_ أنت بقى مثلا تروح للبيت وهي تعبانة من شغل البيت وملحقتش تحضر الغدا.. فحضرتك شايل هم برة تيجي تطلعه على مراتك اللي هي برضو تعبانة زيك... هتقولولي أنهم قاعدين في البيت... هرد عليك واقولك تعالى أنت وصحابك اقعدوا في بيت وخلي واحد بس يروق وينضف ويطبخ للكل.. شوف هتقدر ولا لاء وهتستحمل اسبوع كامل بتعمل كده ولا لاء.. الست ربنا خلق قوتها كده تشيل مسؤولية البيت وتراعيك.. ضعيفة مهما قويت... انما أنت الراجل خلقك قوي عشان تحميها وتبقى امان ليها... دور الراجل في حياة أي ست أنه يساعد مراته ويقف بضهرها مهما كان شغلها.. القليل تشوف كبير وتفتخر بيها.. عشان لما يجي الوقت اللي تقع فيه هي هتقويك من القوة اللي كانت عندك ودعمتها بيها... الموضوع أطول من كده يا اخواني بس هنكتفي لحد كده.
انتهى الشيخ من إلقاء خطبته، ونهضوا جميعًا للصلاة، وما أن انتهوا حتى تقدم مازن من هذا الشيخ يردد:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. كنت عايز أسألك يا شيخنا!
توقف الشيخ متبسمًا، يردد بنبرة هادئة:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضل يا ابني.
نظر له ببعض الحرج، ثم تمتم:
_ هو لو أنا ومراتي اتجوزنا تحت ظروف ما وهي وافقت وأنا وفقت بس لا هي بتحبني ولا أنا وهي دايمًا وبتتعامل معايا وكأني عدوها يبقى الحل في ايد مين؟!
ابتسم الشيخ بهدوءٍ، ثم قال وهو يربت على كتفه قائلًا:
_ في ايدك برضو..
نظر له بدهشة في حين أكمل الشيخ بتبسم:
_ وفي ايدها.. بص يا بني أي انسان في علاقة مع الانسان التاني أي كان نوعه إيه سواء ست أو راجل والطرفين شدوا سوا ومحدش رخى الحبل هتلاقي الاتنين خسروا بعض.. لكن احيانا كده تلاقي زوج هادي أوي يتجوز واحدة عصبية وبتزعق من أقل حاجة وتلاقيهم كملوا سوا طب ازاي.. تلاقي بيقولك لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع.. يعني لولا اختلاف ذوقنا وطبعنا كنت البنات كلها بارت.
ضحك مازن على حديثه، في حين أكمل الشيخ ببسمة طيبة:
_ خُلاصة الكلام.. الست مهما عملت ومهما حصل منها لو لقت فيك الحنان اللي مش هتلاقي في حد هـ توهب حياتها وعمرها كله ليك.. إنما لقت العكس يا هتعيش مضطرة يا هتسيبك ومش هتكمل..
حرك مازن رأسه في هدوءٍ، وتركه الشيخ مغادرًا، في حين انطلق مازن عائدًا للمنزل ولكنه وجد مشتل للزرع لا يزال يفتتح جديدًا، توقف عنده قليلًا وتذكر زرعة الأوركيدا، فقرر الدلوف له، وبالفعل دلف له ليجد صاحب المحل يستقبله بحبورٍ، تمتم مازن:
_ في زهرة الأوركيدا؟!
ابتسم باتساع يردد:
_ أيوة يا فندم.. لحظة واحدة اجبهالك ولو احتاجت اي زهور أو نوع زرع قولي عليه ولو مش موجود اجيبه خصوصي لحضرتك.
ابتسم مازن بلطفٍ، يتمتم:
_ تسلم يا غالي، عايز بس الزهرة دي.
حرك الرجل رأسه وبقى مازن ينتظره حتى احضر له هذه الزهرة، انطلق مازن عائدًا للمنزل ولكن يبتسم بسعادة، فهذه الخطبة ساعدته كي ينسى غضبه من قطوف.
وصل للمنزل في سرعة، يضع هذه الزهرة بالمكان المخصص لها، ثم دلف للمنزل يبحث بعينيه عنها، فلم يجدها علم أنها بالغالب ستكون بورشتها وبالفعل انطلق هناك وما أن دلف حتى وجدها تستلقي على ظهرها تفعل شيئًا بالسيارة، حمحم مازن قائلًا:
_ قطوف.
رجعت قطوف بالعجلة تنظر لمازن قائلة بتعجبٍ:
_ مالك؟ محتاج حاجة!
نفى حديثه مرددًا:
_ لاء، بس عايز تشوفي حاجة.
تنهدت قليلًا، وقررت الذهاب معه لعله يكن أمرًا هام، نهضت معه تسير نحو الحديقة المرافقة للمنزل، حتى وصلت للزهور، ابتسم مازن باتساع في حين نظرت له قطوف بضيق قائلة بنبرة مختنقة:
_ يا ياض اخلص ورايا حاجات عايزة اخلصها في العربية بقى!
عبست ملامحه فجأة قائلًا:
_ ياض.. اتصدقي أنا غلطان إني بعبر واحدة بالشحم.. الناس تعيش مع بني آدميين وأنا عايش مع واحدة بتتغذى على الشحم العربيات.
تهجمت ملامحها بغضبٍ، وكادت أن تتحدث ولكن امسك مازن وجهها بيده السليمة ضاغطًا على وجنتيها، ثم ادار رأسها نحو الزهرة لتتسع عين قطوف بسعادة قائلة بصوتٍ مضحك بسبب الضغط:
_ دي زهية ( زهرة) الأويكيدا( الأوركيدا).
تركها مازن يضحك بخفةٍ، في حين ركضت قطوف نحو الزهرة تردد بنبرة مبتهجة:
_ اخيرًا جيتي.. طلبتها من ياسمين عشان تجبها لان لفيت كذا مشتل وملقتش.. وطلبت منها وهي رايحة الجامعة تجبهالي عشان مش لقيها بالمنطقة هنا.. شكرًا يا مازن.
ابتسم لها يتأمل ملامحها السعيدة، يدها التي تنغرس بالطين كي تصنع مكانًا لهذه الزهرة الجميلة، شعر بأنه يشتم السعادة، فلم يهمس سوى بـ:
_ وكأن سعادتك هي عبق زهوري.
انتهت قطوف من وضعها وترسيخها بالتربة، ثم وقفت أمام مازن مردفة بامتنان شديد لأول مرة يراه به:
_ شكرًا يا مازن حقيقي أنا فرحانة أوي بالزهرة دي وأنت كملت حياتي بجد.
يعلم أنها تقصد الزهور، ولكن تلذذ سمعه من تلك الجُملة، ليردف بهدوءٍ:
_ العفو يا قطوف.
دلفت للداخل كي تغتسل من الطين والشحم، في حين جلس مازن بالمكتب كي ينهي عمله، وبقى منكب على الأوراق يخشى أن يفعل خطأ واحدًا فيخسر مال ويحاسب عليه فليس ماله كي يتصرف فيه.
مرت ساعات حتى طرقت قطوف على الباب، سمح لها مازن بدلوف لتهتف بنبرة سعيدة:
_ أنا عملت غدا.. تعالى عشان تاكل.
تعجب قليلًا من طريقتها السعيدة، ولكنه قال ببسمة عريضة:
_ بركاتك يا شيخنا.
قطبت جبينها بتعجبٍ، في حين نهض مازن من مكانه قائلًا ببلاهة:
_ متخديش في بالك.. يلا.
سار معها نحو الطاولة ولكن جحظت عينيه بصدمةٍ، فجميع الأطعمة الممنوع منها موضوعة على الطاولة، جلست قطوف ولكنها نظرت لمازن بدهشة قائلة:
_ يلا يا بني ناكل.
جلس مازن على الطاولة، ينظر لقطوف التي تضع له طبق معكرونة بالبشاميل، فهمس بسره:
_ طلعت فشينك يا شيخنا.
وضعت له قطوف الطبق متمتمة:
_ كُل وقول رأيك.
حرك مازن رأسه وبدأ بتناول شوكة صغيرة، ثم قال ببسمة باهتة:
_ حلو ما شاء الله.
اتسعت ابتسامتها ثم قالت:
_ طب خلص الطبق كله بقى.
ابتسم بتوترٍ، وبدأ بتناول الطبق في حين بقت قطوف تنظر من حين لأخر للطبق الخاص به في سعادة، تتمتم بنبرة متحمسة:
_ دي أول مرة أعمل فيها بشاميل تعرف كده!
أحب مازن حديثها فتمتم قائلًا وهو يجاري حديثها باستحسان:
_ بجد! طب عملتي أكل قبل كده ولا دي أول مرة؟!
لم تشعر قطوف بذاتها فقط بدأت تروي له عن تاريخها بدلوف المطبخ وأنها كانت تفشل في بعض الأحيان ولكن بتدريب استطعت صنع بعض الأكلات، و كلما توقف مازن عن تناول طبقه اشارت له قطوف بأن يتناوله حتى ينتهى من الطبق او بمعنى صحيح من نص الصينية.
انتهت قطوف من الحديث، ونهضت من مكانها تتسأل قائلة:
_ اعملك شاي؟!
ابتسم مازن ببعض التعب، يردف:
_ آه ياريت.
كادت أن تغادر ولكن عادت تسأل ببعض الفضول الذي أصبح يحفر طريقًا يجمعهما:
_ هو أنت ليه بتشرب الشاي بدون سكر أو لما تحط سكر بيبقى نص معلقة؟!
بدأ يشعر بتشوش الرؤية، ولكنه حاول أن يقاوم يجيبها بوهنٍ:
_ السكر مش حلو عامة للجسم وأنا بحاول احافظ على صحة جسمي.
اقنعتها تلك الاجابة وغادرت للمطبخ، في حين انطلق مازن سريعًا كي يأخذ الحقنة، و ما أن فتح الخزانة حتى وجدها فارغة ولم يجد حقنة الانسولين الخاصة به، اشتد الألم به وأصبح غير قادرًا على الوقوف!
رواية فطنة القلب الفصل التاسع 9 - بقلم سلمى خالد
أمسك هاتفه بتعبٍ شديد، يحاول الوصول لرقم محمود، وبالفعل وصل إليه لحادثه بنبرة تهالكت من الألم:
_ محمود.. تعالى على البيت بسرعة!
: حضرتك كويس؟!
قالها محمود بقلقٍ، في حين همس مازن بنبرة مجهدة:
_ السكر عالي عندي.. ولزمًا أروح المستشفى اظبطه.. تعالى ومتقولش لقطوف حرف.
أغلق معه ثم نهض بتعبٍ بات ظاهرًا على معالمه، وانطلق للخارج قبل أن تراه قطوف، يغلق الباب بخفةٍ دون أن تشعر، وبقى بالخارج ينتظر بالخارج حتى يأتي محمود.
وصل محمود للمنزل ولكنه رأي مازن ملقى على الأرض بالحديقة، هرول نحوه محمود يحاول ايقاظه بصوتٍ هامس حتى لا تأتي له قطوف:
_ مازن.. مازن قوم أنت سامعني؟!
حاول فتح عينيه ولكن كان ببطء شديد، ثم اغلقها مرة أخرى في حين تنفس محمود ببعض الراحة أنه لا يزال في وعيه قليلًا، بدأ بحمله على ظهره ووضعه بالسيارة، ثم انطلق لمقعد القيادة وبسرعةٍ قاد بها كي يصل للمشفى ويلحق مازن قبل أن يدلف لغيبوبة السكر!
داخل المنزل..
أنهت قطوف من إعداد الشاي وذهبت إلى الردهة كي تضعه وانطلقت لغرفة المكتب فلم تجده، قطبت جبينها بدهشة و أردفت ببعض التعجب:
_ راح فين دا؟!
اغلقت الباب وبدأ بالبحث عنه بكامل المنزل ولكنها لم تجد أثر له، شعرت بحيرة تضرب رأسها ثم امسكت هاتفها لترن عليه ولكن وجدت هاتفه هنا، توقف عقل قطوف عن التفكير عندما شعرت للحظة أنه من الممكن أن يعود لعادته في مقابلة البنات!
حركت رأسها بالنفسي قائلة بصوتٍ مؤنب:
_ بطلي يا قطوف تفكيرك دا.. أكيد في حاجة حصلت وبطل القرف اللي بيعمله أكيد.. لما يجي هعرف.
جلست مكانها تقاوم تلك الافكار من الهجوم عليها مرة أخرى، يحاول قلبها أن يثبت أنه لن يخون مجددًا... ولكن يأب العقل الاستسلام ويقنعها بالعكس.
خرج الطبيب من الغرفة، فأسرع له محمود يتمتم بصوتٍ قلق:
_ طمني يا دكتور مازن كويس؟!
حرك الطبيب رأسه بإيجابية، يجيبه بصوتٍ عملي:
_ هو على أخر لحظة وكان هيدخل غيبوبة سكر.. كل كمية نشويات ضخمة وماخدش الحقنة بالتالي سببته الحالة دي.. إحنا حاليًا ظبطنا السكر وهيفضل للصبح عشان نطمن أكتر، عن اذنك.
تركه الطبيب مغادرًا، في حين دلف محمود لغرفة مازن فوجده مستلقي على الفراش لا حول له ولا قوة، جلس جواره ثم هتف بصوتٍ حزين:
_ أنت ورثته من الحاج محمد؟!
فتح مازن عينيه بتعبٍ، ثم قال:
_ أيوة.. اخدته وراثة منه ومحدش يعرف بالموضوع دا غيره هو الله يرحمه.
تعجب محمود وتطلع له بحيرةٍ، يردف ببعض التشويش:
_ طب ليه يا مازن مش عايز حد يعرف؟!
ابتسم بألمٍ شديد، ثم اجابه بنبرة حزينة:
_ عشان اللي هيعرف مش هيتعامل معايا بطبيعته.. الأغلب هيشفق عليا.. ومتقولش لاء أنا كنت بشوف خالي وبشوف الناس من وراه بيقولوا ايه وفي وشه بيقولوا إيه... كان اللي حوليه مش بيحبوه وكانوا بيشفقوا عليه من التعب السكر... وأنا عايز اللي يتعامل معايا يحبني عشان أنا مش شفقة منه على مرضي.
نظر له محمود قليلًا، ثم أضاف متسائلًا:
_ ومدام قطوف متعرفش حاجة؟!
حرك رأسه بإيجابية، يجيبه بشرود:
_ أهي هي بذات مش عايزها تعرف حاجة عن السكر.. قطوف طول الوقت حطاني بوضع الإتهام وإني شخص مش أمين وبالتالي أنا محتاج أثبت العكس وهي اللي تكتشف دا.. عايزها تحبني وتتأكد إني عمري ما فكرت أأذي حد واولهم هي.. ولو عرفت بمرض السكر هتتعامل بحساسية معايا مش بطبيعتها ولو حصلي حاجة بسبب السكر ممكن تحمل نفسها الذنب كله..
عاد يبتسم في هدوء ثم قال ببسمة لا تظهر سوى لمحب وقع أسيرًا لعالم جديد لدلفه سوى المحبين:
_ أنا أعرف قطوف من وهي صغيرة خالص.. كنا بنلعب سوا وهي من الناس اللي لو حد بس تأذى بسببها ممكن تنهار.. صحيح مش بتظهر بس ببقى واثق أنها بتنهار من جوا... قطوف عمرها ما عيطت قدام أي حد إلا القريبين منها بس ممكن تنهار قدامهم..
ثم اتسعت ابتسامته بشدة يردف بصوتٍ يحمل بعض السعادة:
_ وهي بمرة عيطت قدامي.. فمعنى كده إني قريب منها يمكن هي مش مقتنعة بس أنا واثق.
رفع محمود حاجبيه بدهشة، ثم قال وهو يبتسم لسعادة مازن:
_ وايه اللي مخليك واثق كده؟!
تنهد مازن قليلًا، ثم اجاب:
_ يوم وفاة خالي.. قطوف معيطتش قدام حد فضلت صامدة قدام الكل مفيش دموع ولا حتى عينيها دمعت.. لما العزا خلص دخلت اوضة ياسمين وفضلت تعيط هناك.. ولما ياسمين مشيت هي عيطت قدامي.
حرك محمود رأسها بفهمٍ، ثم اضاف ببعض المكر:
_ لا بس واضح أنك حبيتها؟!
ضحك مازن ببعض التعب، ثم سعل قليلًا يجيبه بعدما هدأ السعال:
_ مش هقول لاء بس مش عارف امتى.. دايمًا بحس قطوف مختلفة عن أي حد.. طريقتها اسلوبها يمكن في بنات شبها بس هي بنسبة ليا مختلفة عنهم كلهم..
ثم أضاف ببسمة هادئة متذكرًا ملامح قطوف:
_ هتعرف أنك بتحب بجد لما متشوفش غيرها بالعالم.. وقطوف خلتني مشوفش غيرها.
تأمل محمود حديثه ثم قال بصوتٍ نقي:
_ ربنا يهدي سركم ويجعل قلبها ملك ليك.
نفى مازن حديثه وقال:
_ لا قول ربنا يقدرني اوصل لقلبها وأكون لها زوج صالح.
ضحك محمود بخفةٍ، ثم تمتم:
_ ربنا يعطيك اللي نفسك فيه.
منحه مازن ابتسامة ثم نظر امامه ينتظر الطبيب كي يأتي ويعطيه اذن الخروج.
:_ يا مرفت هانم أنا دورت عليها في القاهرة كلها ملقتهاش!
قالها رجلٌ غريب عبر الهاتف، في حين صرخت به مرفت بعنفٍ تردد:
_ أنت هتستعبطني يا راجل أنت.. اقلب عليها الدنيا تاني وتالت ورابع لزمًا ألقيها ولما توصلها تمضيها غصب عنها على ورقة التنازل فاهم لزمًا تمضي عليها يا إما مش هطول مني الشيكات بتاعتك اللي بدون رصيد!
صك هذا الرجل على أسنانه بعنفٍ، يجيبها بصوتٍ مختنق:
_ حاضر يا مرفت هانم حاضر.
اغلقت مرفت معه وهي تنفخ بضيق، تردف بصوتٍ يكاد يجن:
_ روحتي فين بقى! خليني اخلص منك وادخل على اختك وافوقلها!
بقيت تفكر بموضوعها طيلة الوقت، وشعرت بأنها ستفقد كل شيء أن لم تجعل ياسمين خاضعة لها.
صباحًا..
غادر مازن المشفى أخيرًا، وقرر السير بين الشوارع، فقد شعر برغبته في استنشاق الهواء، كان ينظر حوله ببعض السكينة، يتأمل الأطفال وهم يلعبون سويًا، وتذكر كيف كانت قطوف وياسمين يلعبون معه في الصغر، زحفت البسمة على ثغره، ولكنه لاحظ طفلة صغيرة تجلس وحيدة تبكي بشدة، تقدم نحوها في هدوءٍ ثم هبط لمستواها يتمتم بحنو:
_ مالك يا قمر! بتعيطي ليه!
نظرت له تلك الطفلة ببعض الدهشة وسط دموعها المنهمرة تردد:
_ عرفت اسمي منين؟!
ابتسم مازن وفهم انها تسمى « قمر»، فأجابها ببسمة صغيرة:
_ عشان أنتِ فعلًا كده.. قمر وشكلك جميل.
ادمعت عين الصغيرة، تردف بصوتٍ حزين:
_ بس صحبتي بتقولي شكلي وحش.. و قالتلي خدي الروچ بتاع مامتك وحطيه وأنا عملت كده وماما زعقتلي وزعلانة مني وصبحتي اتريقت عليا وبقيت وحشة وبنت نوتي زي ما ماما قالتلي.
انهت كلماتها وهي تبكي، في حين شعر مازن بالحزن على حال تلك الفتاة، فنهض من مكانه وهو يمد ذراعيه يحمل تلك الفتاة حتى أصبحت بمستواه، يقول بصوتٍ حماسي:
_ مش أنت بتصدقي الكبار صح!
حركت رأسها بإيجابية، في حين استرسل مازن حديثه بحماسه الذي بدأ به:
_ طب أنا بقولك أنك جميلة جدًا وشكلك مفهوش أي حاجة.. واقولك على سر..
انتبهت له الفتاة بشدة، في حين همس لها مازن قائلًا:
_ لما حد يقولك إنك وحش في حاجة أو يحبط فيكي.. يبقى خايف منك.. يعني صحبتك خايفة أنتِ تبقى أحلى منها عشان بتسمعي كلام ماما ومش بتعملي حاجة غلط فقالتلك كده.. بس أنتِ بنت شطورة خالص ومش هتسمع كلام حد من برة.. تسمعي كلام ماما وبابا وبس.. ماشي.
ابتسمت الطفلة بسعادة، ولكنها عقدت حاجبيها قائلة:
_ بس حضرتك من برة؟!
نظر لها قليلًا يحاول استيعاب سؤالها، ثم انفجر ضاحكًا عليها يردد بصوتٍ متماسك قليلًا:
_ أيوة من برة بس مش انت ذكية؟!
حركت رأسها بإيجابية، فاستطرد حديثه مرددًا:
_ طيب أنا كلامي صح ولا صحبتك؟!
شعرت الفتاة بالحيرة قليلًا، ولكنها ترى أن حديثه صحيح بعض الشيء فقالت بسعادة وهي تحتضنه:
_ كلامك يا عمو.. شكرًا.
ربت عليها مازن بحنو، ثم انزلها يردد بصوتٍ حازم:
_ طب يلا روحي لماما وقوليلها إنك مش هتبقي نوتي تاني.. بس امسحي الروچ دا.
قالها وهو يحاول التماسك من الضحك، فقد كان شكلها مضحك للغاية بما تضعه.
بإحدى الشركات...
خرجت ياسمين تبتسم بسعادة بالغة، تشعر بأنها بدأت بأن تخطو أخيرًا خطوة للأمام، وستعود كما كانت، سارت عائدة للمنزل تفكر ماذا ستفعل بأول يوم لها عمل بالغد، بقت تفكر وتفكر حتى اصطدمت بأحد المارة، أردفت باعتذار:
_ أنا آسفة!
استدار لها هذا الرجل يلتهمها بنظراته:
_ أنا اللي آسف يا قمر.
تراجعت ياسمين خطوة للخلف برعبٍ وخاصة فراغ هذا الشارع جعلها ترتعد من الرجل أكثر، تقدم منها بخطواتٍ هادئة مريبة، في حين شعرت ياسمين بوجود رجلٍ أخر خلفها، نظرت سريعًا فلم تجد سوى نظرات مخيفة تملأ عينين هذان الرجلان... توقف عقل ياسمين ثم انفجرت بالبكاء، في حين كاد هذا الرجل ان يمسك بوجهها مرددًا:
_ أنتِ بتعيط...
قاطع حديثه قبضة حديدية تمسك به، نظر له هذا الرجل وبدقيقة كان طريح الأرض بعد لكمة قوية، وهرب الرجل الأخر قبل أن يتلقى لكمة هو الأخر، نظرت ياسمين للفاعل حتى وجدته جمال ابن السيدة زينب، اردف جمال بصوتٍ جذاب:
_ أنتِ كويسة؟!
حركت رأسها في ايجابية، ثم حاولت السير ليوقفها جمال سريعًا قائلًا بلهفة:
_ تحبي أوصلك؟!
ابتلعت ياسمين لعابها ثم رددت بصوتٍ مرتجف:
_ شـ..شكرًا مش عايزة.
هرولت سريعًا قبل أن يوقفها جمال، بينما بقى جمال يتأمل اختفاؤها يردد بصوتٍ غامض:
_ هتحبيني.. مهما حصل هتحبيني!
وصل ياسين لوجهته ألا وهي ( عيادة التي تعمل بها مريم)
وقرر أن يصعد كي يعرض طلب زواجه منها، حمل الورد بين يديه كما كان يرى بالأفلام وصعد على السُلم ولكن بلحظةٍ أستمع لصوت صراخ عالي، صوت يعلمه جيدًا أنه صوت مريم، القى الورد بعيدًا وصعد للأعلى بسرعة وما أن وصل حتى وجد رجلًا يوليه ظهره ويشيح بمسدسه صارخًا بمريم التي ترتجف ممسكة بالمقعد تختبئ خلفه:
_ هقتلــــــــــــــــــــك.
:_ طب ليه حضرتك.. هو أنا عشان غلبانة تقتلني.. طب يرضيك تدخل السجن في واحدة هفأ زي ينفع!
قالتها مريم بصوتٍ مرتجف، في حين أشاح هذا الرجل بمسدسه يردد بصوتٍ مجنون:
_ آه لزمًا تموتي أنتِ عارفة عن حياتي كتير ولزمًا تموتي!
لطمت مريم فوق رأسها، وهي تردد بصوتٍ مرتعد:
_ هو دا جزاتي إني بسمعك بدل ما أنت شايل هم الدنيا لوحدك.. دا أنا بواسيك!
حرك هذا الرجل في نفي، يردد بصوتٍ حاد:
_ لا أنت عايزة تنتقمي مني زيها.. كلكم كده زي بعض!
شعرت مريم بقليلٍ من الضيق، فأردفت بغيظ:
_ نعم! انت بتشبهني بواحدة زي دي ليه إن شاء الله لا بقولك ايه أنت اللي جيت... عقلك في راسك تعرف خلاصك.. ولا هو رمي جتت!
أطلق هذا الرجل رصاصة بالهواء فصرخت مريم برعبٍ شديد، في حين ضحك الرجل بهستيرية:
_ خافي مني.. ايوة لزمًا تخافي مني!
:_ وربنا وكمان دقيقة مش هبقى خايفة بس دا أنا هبقى عملتها عليا!
قالتها مريم برجفةٍ تسير بجسدها، في حين اختار ياسين اللحظة المناسبة حتى انقض على هذا الرجل فجأة يخبط يده حتى وقع منه هذا السلاح ثم اوقعه على الأرض كي لا يتحرك، نهضت مريم تصفق بيدها من خلف المقعد، تردد بصوتٍ متشفى:
_ أحسن عشان تحرم تيجي على الغلابة.
لم تمر دقيقة وكان ياسين قد سقط من عليه بعد دفعة قوية من هذا الرجل الذي أسرع كي يأخذ المسدس مجددًا، لطمت مريم على صدرها قائلة:
_ يا ندمتي! يا حوستي!
في حين أسرع ياسين نحو الرجل قبل أن يمسك مسدسه فإذا امسك له لن يبقى أحد على قيد الحياة، وبالفعل استطاع أن يبعد عنه السلاح يصرخ بمريم قائلًا:
_ امسكي المسدس بسرعة.
اسرعت مريم في أخذ السلاح وهي ترتجف في حين حاول ياسين تكبيل هذا الرجل بسرعة، كانت مريم تمسك المسدس وكانت فاه المسدس نحوها، ترتجف بشدة وهي تقول الشهادة:
_ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله.
:_ أنتِ بتعملي ايه يا مجنونة ابعدي المسدس عنك؟!
هدر بها ياسين بحدة، في حين لم تعلم ماذا تفعل مريم، فتركت المسدس ليقع على الأرض مطلقًا رصاصة أتت بالمقعد، ازدرد ياسين لعابه، وتجمد الرجل مكانه ما أن رأى مكان الذي انطق منه الرصاصة، دقائق وعم المكان بالشرطة الذين اخذوا هذا الرجل من المكان.
تقدم ياسين من مريم يردف بصوتٍ حاد:
_ أنت كنت هتموتنا بغباءك.. في حد يرمي السلاح كده؟!
عقدت حاجبيها، تردد بغيظٍ:
_ أنا ممسكتش سلاح قبل كده.. ثم متشتمش أنت فاهم!
عقد ذراعيه أمام صدره يردد:
_ ولو شتمت هتعملي إيه؟!
:_ هعملك محضر عدم تعرض هاه؟!
قالتها بعندٍ أمامه، في حين شعر ياسين بغضبٍ جامح قائلًا:
_ اتصدقي أنك بت بومة صح!
شهقت مريم بصدمة، تردف بنبرة لا تزال بها شوائب الصدمة:
_ أنا بومة!
حرك رأسه في ايجابية، يرفق ابتسامة باردة، في حين صرخت به مريم قائلة:
_ وأنت خرتيت.
نظر لها ياسين بغيظٍ، ثم أردف بصوتٍ حاد:
_ أنا غلطان إني جاي اتقدم لكِ أنا ماشي.
تركها مغادرًا، في حين رمشت مريم عدت مرات تحاول استيعاب ما قاله، وفي سرعة عادت تنادي قائلة:
_ استنى يلا كنت بتقول ايه.. ياض استنى عايزة اتأكد...
اشاح ياسين بيده لها، يبرطم بكلماتٍ غير مفهومة، في حين بقت مريم تتساءل هل بالفعل كان سيتزوجها!
وصل مازن للمنزل، وما أن دلف للداخل حتى وجد قطوف تقف أمامه قائلة بصوتٍ غاضب يحمل القلق:
_ أنت كنت فين كل دا وأزاي أصلا تسبني لوحدي في البيت.. أنت عارف إني مش بحب الوحدة وسبتني طول الليل لوحدي واوعى تقولي شغل عشان مفيش شغل كل دا كان ممكن تستغنى عنه شوية بس أنت اصل...
:_ بـــــــــــــــس.. ماسورة انفجرت في وشي، أنا في مشوار مهم جدًا وخد وقت وعشان كده اتأخرت.. بس أول مرة تقلقي عليا!
قالها مازن جملته الأخيرة بمكرٍ، في حين اردفت بصوتٍ يحمل بعض الحرج:
_ وريني ايدك عشان أشوف كده الجرح.
رفعت يده سريعًا، كي ترى الجرح ولكن امسك مازن يدها ليوقفها، شعرت قطوف ببعض التوتر من يده التي تغطي يدها، ولاحظت جرحًا صغير بيده الأخرى، ولكن بقيت تتطلع لها بحرجٍ، ولم تستطع أن تتحدث، في حين ابتسم مازن عندما شعر ان من الممكن ان تحبه قطوف فهي لم تعانفه ككل مرة، فقال بهمس:
_ ايدي بخير يا قطوف متقلقيش.
سحبت يدها بحرجٍ شديد، بينما وضع مازن يده بجيب سرواله ولكن تتأرجح البسمة على شفتيه، حاولت قطوف الحديث مرددة:
_ في ظرف جالك حطيت على الترابيزة هناك.
اشارت بالجانب اليمين، أدار مازن رقبته كي يرى هذا الظرف وما أن عاد بنظره حتى وجد عين قطوف تلتمعان بالدموع، قطب جبينه بدهشة يتسأل بقلق:
_ أنتِ كويسة؟!
ترجعت للخلف، قائلة بنبرة مشمئزة:
_ انت بني آدم قذ... ولا اقولك مهما اقول هتفضل زي ما أنتَ ماشي بالقرف كله.. وأنا غلطانة فعلًا إني فكرت للحظة إنك اتصلحت.. هتفضل طول عمرك مريض بالقرف.
تعجب مازن من حديثها، واردف بنبرة جادة:
_ في إيه يا قطوف؟ وايه طريقة كلامك دي ما تظبطي!
ضحكت من بين دموعها قائلة بصوتٍ حاد وهي تمد يدها نحو رقبته تمسح بها وترفعها أمام وجهه ليرى بها هذا اللون:
_ مش لما أنت تظبط نفسك يا محترم.. كنت في مشوار مهم.. لا واضح أنه مهم أوي ومش قادر يصبر فعلًا.. وياترى كلمتك قالتلك ايه عشان تروح ليها بليل أوي كده وتفضل للصبح.. طب يا اخي اتكسف على دمك وامسح القرف اللي بتعمله.. حقيقي أنت أكتر راجل كرهته في حياتي.
تركته مغادرة نحو غرفتها، في حين بقى مازن يتطلع بدهشة ممزوجة بصدمة منها، وتذكر تلك الصغيرة وهي تحتضنه فقد وضع بعض احمر الشفاه على رقبته أثناء احتضانه لها ولم يلاحظه... كاد أن يصعد خلفها ليوضح سوء الفهم هذا ولكن رنين جرس الباب جعله يتوقف ويرى من الطارق فما كانت سوى والدته التي هدرت بحدة:
_ والله كنت خايفة اجي ألقيك مش موجود.. ما أنت خلاص نسيت امك!
زفر مازن بضيق وهو يغلق الباب، ثم استدار ينظر لوالدته بهدوء قائلًا:
_ نعم يا أمي؟!
رفعت حاجبها بغضبٍ، تردف بصوتٍ حاد:
_ أمال فين المحروسة؟!
لم يحبذا مازن طريقتها ولكنه اجاب بصوتٍ هادئ:
_في اوضتها.
اشاحت بيدها قائلة بصوتٍ غريب:
_ أحسن عشان عايزة اكلمك بموضوع مهم.. أنت عايش معها كويس يعني حياتكم ماشية ولا بتتخانقوا وزي زفت؟!
نظر لها مازن قليلًا، وشعر بالريبة من حديثها، ولكنه قرر ان يجيب ببعض المكر:
_ زي ما إحنا مش بنطيق بعض ولا حتى بنتقابل.. ولو اتقابلنا بنتخانق.. وأخر خناقة معها قررت اطلقها واخد ورثها عشان اذلها.
اتسعت ابتسامة مرفت بشدة، تردف بمدح:
_ برڤو عليك يا مازن.. ايوة كده شغل مخك معايا.. طب مستنى ايه ارمي اليمين!
ابتسم مازن بمكرٍ، يضع يده بجيب سرواله مجيبًا:
_ مستني بس الوقت المناسب عشان أكسرها يا أمي وتبقى خسرت فلوسها واتكسرت متقومش تاني وتقرفنا بعد كده.
تهلل سريرها، تتطلع له بسعادة مرددة:
_ أنت طلعت أحسن من امك في التخطيط.. كنت واثقة أنك هتفوق وهتعرف تقدر المواقف صح.
حرك مازن كتفه يردد بصوتٍ يحمل انتقام مزيف كي يخدع والدته ولكنه لم يلاحظ تلك الواقفة تستمع لهما وتنخدع بحديثهما:
_ قطوف شايفة نفسها على الفاضي وأنا هكسرلها مناخيرها اللي طالعة بيها دي.. عشان مش مازن العطار اللي تهينه قدام الناس بالشكل اللي عملته يوم الوصية!
اقتنعت مرفت بطريقة ابنها الذي وببراعة استطاع خدعاها، لتردف وهي تحمل حقيبتها:
_ خلاص هسبلك موضوع قطوف تخلصه.. وأنا هتصرف في موضوع ياسمين.
حرك مازن رأسه بإيجابية، فغادرت مرفت المنزل بسعادة ظنت أنها حققتها، في حين شعر مازن براحة عندما اوقف والدته عن مخططتها لوقت مؤقت، دلفت قطوف غرفتها تبكي بحزنٍ.. تعتقد أن هذا العُش المليء بالثعابين حولها!
رواية فطنة القلب الفصل العاشر 10 - بقلم سلمى خالد
صعد نحو غرفتها كي يروي لها الحقيقة، يعلم جيدًا أنه ليس من السهل أن تصدقه، ولكن سيحاول معاها.
طرق باب الغرفة بهدوءٍ، ينتظر خروجها وبالفعل فُتح الباب ولكن كانت تقف أمامه بأعين حمراء، عينان متورمتان بشدة من أثر بكاءٍ عنيف.
شعر مازن بالذنب نحوها فأسرع بالحديث يتمتم:
_ يا قطوف الروچ دا من بنوتة صغيرة اسمها قمر كانت بتعيط عشان صحبتها ضحكت عليها وقالتلها أن شكلها وحش وأنها تستعمل روچ مامتها وهي عملت كده ولما ساعدتها واقنعتها إنه دا غلط وأنها جميلة راحت حضنتني... أكيد مش هروح بالشكل دا لوحده.. لو عايزة نقابل الطفلة دي وتسأليها بنفسك وأكيد..
_ ميهمنيش!
قالتها ببرودٍ قاتل، في حين نظر لها مازن بنصف عين، ثم قال بهدوءٍ:
_ وبتعيطي ليه أما مش همك؟!
استدارت توليه ظهرها، تجيب بصوتٍ ساخط:
_ بعيط لأن طلعت عايشة مع رئيس عصابة...
ثم عادت تنظر له بأعين مشتعلة من الغضب، تكمل حديثها بنفورٍ:
_ عايشة مع بني آدم غدار بيعرف يخلي اللي حوليه يصدقوه.. حقيقي أنت وأمك بقيتوا تخنقوا.. كل ما بشوفكم ببقى عايزة ارجع من كمية القرف اللي بشوفه منكم.. هو في ناس زيكم كده.. أنت بجد بقيت أكتر راجل اقرف منه ومش طايقة أشوفه تاني.. وطلقني.. وأنا مش عايزة الورث بتاعي!
كان يستمع لكلماتها، كانت كالحجارة التي تُلقى فوق رأسه، بقى يعلق نظراته بخاصتها، يحاول أن يتأكد من كل كلمة قالتها، حتى أردف بصوتٍ هادئ يرفق حدثه ببسمة صغيرة متألمة:
_ حقك مش هنكره.. وهنطلق زي ما أنتِ عايزة بس لما السنة تخلص هي يعتبر عدى منها شهور وهانت هترتاحي من قرفي كله ومش هتضطري ترجعي لما تشوفيني.. بمجرد ما السنة دي تخلص هطلقك وتاخدي ورثك كله..
كاد أن يغادر ولكنه اضاف بنبرة تحمل مرارة حديثها:
_ وعلى فكرة أنا مفكرتش نهائي اكسرك بوقت ضعفك يا بنت خالي.. زي دلوقتي بظبط أنتِ في أضعف حالتك وأنا سهل عليا ارمي يمين الطلاق واكسرك واخد ورثك، عن إذنك.
استدار مغادرًا المنزل بأكمله، كلماتها القاسية جلعت من مقلتيه يصرخان ألمًا، كبرياؤه يمنعه من أن تهبط دمعته في حين يصرخ قلبه بأن ينفث عنه، هبطت دمعة واحدة فقط من عينيه ولكنه ازالها سريعًا، وقرر أن يشغل عقله بالعمل.
***
ارتدت ملابسها بحماسٍ لم يسبق لها تجربته، فقد قررت الذهاب إلى صديقتها كي تقضي معها بعض الوقت.
خرجت من غرفتها تذهب نحو والدتها مرددة بنبرة متحمسة:
_ ماما هروح لقطوف شوية بما اني اجازة النهاردة!
ابتسمت لها بحبٍ ثم قالت وهي تخيط بعض الملابس:
_ ماشي يا حبيبتي متتأخريش بس أهم حاجة.
حركت مريم رأسها بإيجابية، ثم سارت نحو الباب وما أن فتحته حتى وجدت رسالة صغيرة على الأرض.
هبطت تمسكها ثم فتحتها لتجد
( 010**** دا رقمي خدي معاد مع مامتك عشان اجي اتقدملك وابعتلي يا بومة)
صكت مريم على اسنانها بغيظٍ، تهمس:
_ آه يا خرتيت ماشي.
وضعت هذه الرسالة بحقيبتها وانطلقت نحو صديقتها لتجلس معاها قليلًا.
***
بالإسكندرية..
هبطت ياسمين بحماسٍ شديد كي تذهب لعملها، ولكن قبل أن تغادر من باب العمارة وجدت جمال أمامها.
تعجبت من اعتراضه طريقها ونظراته المخيفة، في حين أردف جمال بصوتٍ غريب:
_ رايحة فين؟!
رمشت بعينيها بدهشة، لتردف بصوتٍ جامد:
_ وأنت مالك!
رفع جمال حاجبه، ثم علت بسمة مخيفة ثغره يردد:
_ لما اسألك بعد كده تردي عدل... المرة دي هعديها لكن المرة الجاية مش هعديها فاهمة!
تراجعت ياسمين بخوفٍ منه، في حين عاد جمال لطبيعته يردد بهدوءٍ:
_ لو رايحة الشغل روحي ومتكلميش راجل هناك مفهوم؟!
صمتت ياسمين ولم ترغب بالإجابة، في حين أعاد جمال كلمته بحدة قائلًا:
_ مفهـــــــــوم!
حركت ياسمين رأسها بإيجابية، ولكن عينيها يقفزان منهما الرعب، فأفسح لها جمال الطريق كي تغادر، وبالفعل هرولت من امامه، تشعر بالدهشة ممزوجة برعبٍ منه.
***
ظلت ترن بالجرس عدة مرات وكأنها طفلة، في حين فتحت قطوف الباب تصرخ بها قائلة:
_ في ايه يا مريم... أنتِ قلبتي على ابن اختي ليه؟!
ضحكت مريم بعبثٍ، ثم اردفت بنبرة مستمتعة:
_ كان نفسي اجرب أوي الحركة دي.. المهم اوعي كده عايزة ادخل.
دلفت مريم للداخل دون أن تنتظر، في حين اغلقت قطوف الباب بنفذ صبر من افعال صديقتها، ارتفع صوت مريم مرددة:
_ صحيح يا قطوف هو مين جابلك زهرة الأوركيدا؟!
تجمدت قطوف عدة دقائق، ثم رددت بهدوءٍ:
_ تشربي إيه؟!
رفعت مريم حاجبها بغيظٍ، ثم اردفت بنوعٍ من المكر:
_ مازن اللي جابه... بتكبري ليه؟ ما تقولي ان جوزك جبلك وردة بتدوري عليها بقالك كتير!
نظرت لها بحدة، في حين وضعت مريم يدها بخصرها تردد بحدة:
_ بقولك ايه لو ضحكتي على نفسك فمش هتضحكي عليا فاهمة.. هو فين صحيح؟ ومال وشك ولا كأنك معيطة؟
صمتت قطوف ولم تتحدث، في حين شهقت مريم تردد بصدمة:
_ ضربك.. كلك علقة بجد!
حدقت بها قطوف في ذهول، في حين صفقت مريم بيدها في سعادة مرددة:
_ طب والله برڤو عليه عمل اللي مقدرناش نعمل.. وأنتِ تستاهلي عشان تعدلي نفسك شوية.
أمسكت قطوف احدى وسادات الأريكة وألقتها على مريم، ثم قالت بغيظٍ:
_ ما تتلمي بقى جاية وبلعتي راديو!
جلست على الأريكة مرة اخرى، ولكن ترمق قطوف بنظراتٍ غاضبة، مرددة:
_ اديني اتخرست انطقي يا بشمهندسة ايه اللي حصل؟!
جلست جوارها قطوف تردد بصوتٍ مختنق:
_ اتخنقنا وقولت ليه كلام جامد!
مسحت مريم على وجهها بنفذ صبر، ثم قالت بهدوء مزيف:
_ قولت إيه للولا! عملتي ايه انطقي؟
عبست ملامح قطوف تغمغم بغيظٍ:
_ هو ابنك خايفة عليه.. اذا كان أمه بذات نفسها جت واتفقت معها ياخدوا ورثي وهو يطلقني بس قبلها لزمًا يكسرني..
حدقت بها مريم ببعض الصدمة، ثم اعتدلت بجلستها تركز انتباهها معها قائلة:
_ لا اهدي كده واحكيلي حصل ايه بظبط يا قطوف بظبط!
سردت لها قطوف ما حدث، في حين جحظت عين مريم بحدة تردد بصوتٍ مذهول:
_ ومازن معملش حاجة ليكي؟!
حركت رأسها بالنفي، تردد بصوتٍ مغتاظ:
_ ناقص يعمل كمان دا حقي اللي عملته فيه.
_ كسر حُقك يا شيخة.. احمدي ربنا إنه مكلكيش قلمين فوقك بيهم... دا أنا سمعت منك وصحبتك وعايزة ارنك علقة ما بالك هو!
قالتها مريم بغضبٍ، في حين هدرت قطوف بصوتٍ عالي لتخرج غيظها:
_ أنتِ المفروض تقفي معايا.. دا كان عايز يسرقني ويكسرني هو وأمه.. واقفة في صفه ليه ضدي هو الجاني مش المجني عليه.
نهضت مريم من مكانها تنظر نحو قطوف بقوة، تهدر هي الأخرى بحدة:
_ في الحقيقة بقى هو المجني عليه مش أنتِ.. أنتِ مبتفكريش يا قطوف واحد راح جبلك وردة نادرة.. بيسمع منك كلام زي السم ومكمل معاكي.. أكبر دليل أنه عمره ما فكر يأذيكي أنه قال الكلام دا في البيت هنا.. بالعقل كده واحد عايز يكسر واحدة ما يروح عند أمه يتفق معاها مش يقول الكلام دا في البيت عندك.. أنا هسألك سؤال وتردي مازن خد أمه ودخلها المكتب أو اي اوضة فاضية يتكلموا ولا اتكلم في الصالة؟!
صمتت قطوف ولم ترد، في حين استرسلت مريم حديثها بسخرية:
_ لا واضح أنه بيخطط يكسرك مش بيخطط إزاي يبعد أمه عنك.. طب سؤال تاني بقى.. مامته ردت قالت ايه؟ مش قالت هسبلك الموضوع.. يعني باين أوي أنه بيبعد مامته عنك شوية ولو بشكل مؤقت.. مازن مش وحش يا قطوف.. مازن انضف راجل ممكن تشوفيه.. كفاية أنه مستحمل طريقتك الهمجية دي..
كادت أن ترد عليها، ولكن اوقفتها مريم قائلة وهي تحمل حقيبتها مغادرة:
_ فكري بعقلك قبل ما تحكمي عليه.. وصدقي مازن شوية واسمعيه.. أنتِ بتصديه ولا كأنه عدوك وهو في النهاية مش بيعمل حاجة لمصلحته.. اتجوزك عشان ينقذ سمعت عيلتك.. مطلقكيش عشان ينقذ ورثك.. قال لأمه الكلام دا عشان يلحقك.. جاب ورد وقعد ياكل معاكي عشان يرضيكي.. وأنتِ مفيش.. أنتِ مش ملاحظة أي حاجة من دي وشايفة إنه وحش!
حركت مريم رأسها بيأسٍ، ثم اغلقت الباب خلفها، في حين بقيت قطوف تبكي بقوة دون توقف، واضعة وجهها بين راحتي يدها، ولا تعلم ماذا تفعل!
***
بالأجانس...
طرقات عديدة على الباب دون توقف، بينما يجلس هو شاردًا بحياته، ما الذي يجب فعله مع قطوف! يشعر بألمٍ عنيفٍ من حديثها، لا يريد العودة للمنزل مجددًا يكفي إلى هذا الحد.
_ مــــــــازن!
قالها محمود بدهشة شديدة، في حين افاق مازن من شروده، يتطلع نحو محمود ببعض التعجب، أردف محمود بحيرة:
_ مالك يا مازن دا أنا خبطت وانادي عليك وأنت مفيش خالص... البرج فاصل!
رسم ابتسامة باهتة على شفتيه، يحدثه بصوتٍ مجهد:
_ لا مفيش يا محمود.. كنت عايز إيه؟!
قطب محمود جبينه بتعجب، ثم قال بقلق:
_ أنت كويس؟ اخدت حقنة بتاعتك؟!
حرك مازن رأسه بالنفي، في حين هرول محمود نحو الخزانة يحضر منها هذه الحقنة كي يعطيها إياه قائلًا بعتابٍ:
_ ليه ماخدتهاش يابني؟ أنت غاوي اغماءات ولا ايه؟!
ضحك مازن بخفة على حديثه، في حين دلف ياسين عليهم يطرق الباب قائلًا بابتسامة هادئة:
_ ممكن ادخل.. ملقتش حد برة عشان اقوله ادخل؟
ابتسم مازن ينهض له، يرحب به بحبورٍ، متمتمًا:
_ منور يا عم.. اجانسك ومطرحك.
ضحك ياسين على حديثه مرددًا:
_ بنورك يا غالي.. كنت قريب منك وقولت اعدي اقعد معاك شوية.. متعرفناش كويس آخر مرة.
حرك مازن رأسها وذهب به نحو الأريكة، في حين غادر محمود كي يحضر مشروبًا لهما.
_ مالك يا عم وشك بيقول حد منكد عليك؟!
قالها ياسين وهو يدقق النظر به، في حين ابتسم مازن بحزنٍ يجيب:
_ عادي.. دا العادي بتاعنا!
حرك ياسين رأسه في ايجابية، ثم نهض فجأة يردد بحماسة:
_ تعالى اعزمك على أكل!
نظر له بدهشة، يردد بتعجب:
_ اكل ايه! ثم أنا مليش نفس.
أمسك ياسين تلابيب ملابسه مرددًا بتهديد:
_ ولا بقولك ايه أنا مش قولت هنتغدى يبقى اخلص كده ومتفرهدنيش أنا مش خطيبتك عشان تقولي البوقين دول.
ابتسم مازن بسخريةٍ، ثم قال:
_ خطبيتي.. يارتني حتى اتخطبت جوزوني علطول!
شهق ياسين، يلطم على صدره قائلًا بنبرة كانت مثل النساء الشعبية:
_ يا حبيبتي ياختي.. طب وجوزك بيضربك!
_ هراني ضرب ياختي.. بس اقولك على حاجة كل ما يضربني احِبش غيره.
قالها مازن بنفس نبرة ياسين، في حين رفع ياسين شفته العلوية متمتمًا بصوت خشن:
_ أ..إيه ياخويا؟
_ أحِــــــــــــــــبش غيره.
قالها بميوعٍ شديد، وقع ياسين ضاحكًا عليه، في حين اندمج مازن معه بضحك، توقف الأثنان عن الضحك تدريجيًا، ثم أردف ياسين بصوتٍ هادئ:
_برضو مش هتقول مالك؟!
حرك مازن رأسه بالنفي، يربت على قدم ياسين قائلًا:
_ مفيش العادي بتاعي أنا قطوف خناقة وزعيق وخلاص... سبحان الله رغم لا أنا ولا هي متفقين في التفكير ولا طباع وتجوزنا.
عوج ياسين فمه، قائلًا بنبرة ساخطة:
_ تحمد ربنا إنك اتجوزت غيرك موصلش لمرحلة الرؤية الشرعية.
نظر له مازن بتعجبٍ، في حين بقى ياسين مع مازن يسرد له ما حدث منذ مقابلته لمريم حتى اللحظة التي بها الآن.
***
غادرت ياسمين الشركة، تبتسم بسعادة من كونها استطاعت أن تثبت ذاتها بأول يوم عمل لها، قررت شراء طعامًا من الخارج وبالفعل اشترت بيتزا.
ابتسمت شاكرة له ثم عادت للمنزل، ولكن قبل أن تصعد السُلم وجدت من يشدها من ذراعيها بعنفٍ لتقع الحقيبة والطعام من يدها.
شهقت بخوفٍ من تلك النظرات الحادة، في حين همس جمال بصوتٍ حاد مخيف:
_ أنا مش قولت ممنوع تتكلمي مع أي راجل خارج نطاق الشغل.. بتبتسمي للراجل اللي في المحل ليـــــــــه!
حاولت بلع لعابه الذي جف من الرعب، يرتجف جسدها بشدة، اغرورقت عينيها بالدموع، في حين ألقاها جمال بعنفٍ شديد على الأرض قائلًا بصوتٍ حاد قاسي:
_ لو شوفتك بتضحكي ولا حتى بتقربي من شاب تاني هقتلك.. فاهمة!
تركها مختفيًا من أمامها، في حين بقيت ياسمين على الأرض تنكمش على نفسها برعبٍ، تبكي بشدة، حاولت تجميع شتات نفسها، ثم حاولت النهوض من مكانها، تجمع اغراضها، تهمس بصوتٍ متألم:
_ أنت فين يا بابا!
***
مرت هذه الليلة، بقيت فيها قطوف تنتظر عودة مازن، فين حين قرر مازن المبيت بالمكتب، فلم يرد أن يراها بعد حديثها القاسي عليه، بينما بقى ياسين ينتظر رسالة مريم له ولكنه لم يجد منها أي شيء وقرر أن يعطيها يومين، وبقت ياسمين تبكي بليل خوفًا من المدعو جمال، في حين كانت مرفت تركز على البحث عن ياسمين.
***
_ أنت متأكد من اللي بتقوله؟!
قالتها مرفت بسعادةٍ شديد، في حين أكدت لها الجهة الأخرى ما قاله، أغلقت مرفت معه وهي تردد بجشعٍ:
_ لا دا كده ننسى ياسمين وابوها خالص... ونركز مع مهران العطار.. أخويا الكبير.
***
بالبحيرة..
وضعت الشاي لزوجها بهدوءٍ، تجلس جواره وهي تشعر بقلقٍ من صمته، في حين بقى مهران يحتسي الشاي ساخنًا، ثم أردف بنبرةٍ قوية:
_ سأُسافر لابنك.. قد اخطأت عندما قررت الاعتماد عليه.
كادت أن تنطق والدة ياسين، ولكن قام مهران بضرب العصا على الأرض بغضبٍ، لتصمت دون أن تتفوه بكلمة واحدة خاشية منه.
***
صباح يومٍ جديد..
قررت قطوف أن تتمشى قليلًا، علها تهدأ هذه النيران المتأجج بصدرها، تسير بين الشوارع حتى نظرت اصطدمت بأحدهم، كادت أن تعتذر ولكن اتسعت ملقتيها وهي تردف بسعادة:
_ ميسون.. عاملة إيه!
احتضنتها ميسون بحبٍ قائلة:
_ الحمدلله.
نظرت لها قطوف ثم نظرت لهذه الطفلة الموجودة جوارها لتردد قطوف متسائلة:
_ بنوتك صح!
حركت رأسها في ايجابية، لتهبط نحوها قطوف قائلة بنبرة طفولية:
_ اسمك ايه يا قمر!
نظرت لها الصغيرة مرددة:
_ حضرتك قولتي اسمي.
صمتت قطوف قليلًا ثم ضحكت بشدة على حديث هذه الصغيرة، قائلة:
_ اسمك قمر بقى!
حركت الطفلة رأسها، في حين عادت قطوف لمستوى ميسون قائلة:
_ ربنا يحفظهالك يارب.. شكلها هادية.
ابتسمت ميسون ساخرة تجيب:
_ هادية.. دي ماسكة كل ادوات الميك اب بتاعتي مبوظاها.. عارفة آخر مرة صحبتها قالتلها أنتِ شكلك وحش حطي روچ مامتك راحت حطت وبوظت الروچ كله ولما زعقت فيها فضلت في الشارع تعيط لحد ما جه واحد ابن حلال اقناعها إن اللي عملته غلط... واعتذرت.
صممت قطوف لدقيقتين، تحاول استيعاب ما قالته صديقتها، لتهبط نحو الصغيرة وهي تفتح الهاتف على صورة مازن قائلة:
_ حبيبتي بصي كده على الصورة دي هو دا عمو اللي اقنعك تطلعي تعتذري.
نظرت له الصغيرة ثم حركت رأسها بإيجابية، في حين صمتت قطوف وهي تشعر بالذنب نحو مازن، كان حديثه صادقًا إذًا، ابتسمت لهما قطوف ببعض الارهاق ثم قالت بصوتٍ مجهد:
_ معلش يا ميسون هروح عشان تعبانة شوية... عايزة حاجة؟!
حركت ميسون رأسها بنفيٍ، في حين غادرت قطوف المكان ولكن كانت دموعها تنهمر بشدة، وقد وضحت لها هذه النقطة أيضًا، فقد أراد الله أن يظهر براءته من كل التُهم التي وقعت عليه دون أن يفعلها.
***
وقفت أمام الأجانس بتوترٍ شديد، تعلم خطأها وتريد اصلاحه، ولكن لا تعلم النتيجة، سارت نحو الداخل، تقدم خطوة وتتراجع اثنتان، فيال العجب اتي اليوم الذي باتت فيه قطوف تخشى من ردة فعل مازن.
وجدت محمود جالسًا بمكتبه، فأشارت له بأن يصمت وأنها ستدلف بهدوءٍ، وبالفعل تقدمت حتى وصلت وما أن فتحت الباب حتى وجدت مازن ينام على الأريكة واضعًا ذراعه فوق وجهها كي يحجب هذا النور.
سمعته يتمتم بصوتٍ مجهد:
_ لو في حد عايز يقابلني حدد معاه معاد غير النهاردة يا محمود لحسن ضهري وجعني من نوم الكنبة دي.
لم يجد مازن ردًا، ففتح عينيه ليرى من دلف فوجد قطوف تقف أمامه بوجهٍ منهمرًا من البكاء.
انتفض من مكانه ظنًا منه أن والدته قد فعلت شيء، ذهب نحوها يردد بصوتٍ قلق:
_ أنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة!
زاد بكاؤها أكثر ولم تستطع الإجابة، في حين شعر مازن بحيرةٍ من أمرها ولم يعد يعلم ماذا يفعل؟، هتفت قطوف بنبرة متقطعة:
_ متعملش كده!
تعجب مازن من كلماتها، يتمتم بحيرة:
_ معملش ايه؟ قوليلي عايزة إيه طيب وأنا اساعدك!
زاد بكاؤها للضعف، وازدادت حيرة مازن أكثر حتى أصبح العاملين بالمكان يتطلعون للمكتب ولمصدر الصوت، فقد كان المكتب مصنوع حائطه من زجاج بالدور الثاني.
ابتلع مازن لعابه وهمس لقطوف بحنو:
_ طب ممكن بس تهدي واللي عايزاه هنعمله وهحللك كل حاجة!
لم يعلم بأنه زاد من عذاب ضميرها، فارتفع صوت بكاؤها، أمسك مازن رأسه قطوف وضمها لصدره بقوة بعد سماعه لهمهمات الناس، واردف من بين أسنانه:
_ هشششش اهدي يا ماما .. اهدي يا حبيبتي فضحتني وسط العمال.
كانت شهقاتها عليا، ولكنها هدأت قليلًا، في حين زفر مازن براحةٍ ما أن هدأ بكاؤها، لتردف قطوف من بين شهقاتها:
_ يعني سامحتني بعد اللي قولته!
حدق بها بذهولٍ، هل كانت تبكي لهذا السبب أمامه، رفع مازن يده يقبضها وكأنه سـ يلكم أحد، في حين تراجعت قطوف ببعض الخوف من نظراته الشرسة، قائلة ببعض التوتر:
_ أنت هتتحول ولا إيه؟!
ضرب مازن الحائط من خلفها بقوة، يردد من بين اسنانه، يتطلع لقطوف المحاصر من جسده قائلًا:
_ عارفة أنا هاين عليا احدفك من فوق الدور دا.. يمكن تتهدي شوية.
_ استغفر الله العظيم.
قالتها بصوتٍ مغتاظ، في حين تمتم مازن بسخطٍ:
_ جاية تتوبي عندي.. عارفة يا قطوف لو ما بعدتي عني هعمل ايه!
نظرت له بقوة قائلة:
_ ايه؟!
بقي دقيقة يتأمل حدقتيها اللتان يتطلعان له، فوجد بها تحدي ولكن بجنبه جزءًا يخشى عليه، فأردف بصوتٍ هامس:
_ هقطع شريين بعد جوز العيون دول.
توردت وجنتي قطوف بشدة، في حين ضحك مازن على وجهها الخجول، فتمتم:
_ الله طلعنا بنحلو لما بنتكسف!
دفعته قطوف بقوة كي يبتعد عنها، تشعر بحرارة تسير بجسدها، تردد بصوتٍ حاد متوتر:
_ بقولك ايه اتلم... ثم ايه جوز عيون دي.. أنت بتشقط من على الدائري! احترم نفسك بقى شوية! إنسان منحرف.
تركته وغادرت المكتب، في حين بقي مازن ينظر لموضع اختفاؤها يبتسم بسعادة من هذه اللحظة البسيطة التي اصبحت زهرة صغيرة ستنبُت لهما.
******
نهضت من الفراش كي ترتدي ملابسها مغادرة للعمل ولكن كانت مرهقة بشدة، لا تعلم ما الذي فعلته كي ترى هذا المدعو جمال، هبطت من أعلى الدرج تتمنى عدم ملقاته، ولكن بالنهاية وجدته يعترض طريقها.
ترجعت هي بخوفٍ في حين نظر لها جمال بقوة قائلًا بصوتٍ فحيح:
_ متضحكيش لراجل فاهمة!
حركت رأسها بالنفي، تردد بصوتٍ مرتجف:
_ أنت عايز مني إيه؟!
ابتسم جمال بهدوء، يردد بنبرة غريبة:
_ تسمعي الكلام كده.. لحد ما نتجوز!
نظرت له ياسمين بتعجبٍ، مرددة بصوتٍ مختنق:
_ أنا مش هتجوز!
نظر لها بحدة، يهمس بصوتٍ مخيف:
_ بتقولي إيه!
اعادت ياسمين جملتها:
_ مش هتجـ...آآه.
أمسك جمال ياسمين من حجابها بقوة، يردد بصوتٍ حاد:
_ لو فكرتي في حد غيري هقتلك!
صرخت ياسمين من قبضته التي تزداد عنفًا، ولكن لم يلحق بها أحد، حاولت ازالة قبضته، ولكنها لم تُفلح، لتصرخ به قائلة:
_ ابعد عني بقى.. أنا مش هتجوزك نهائي!
جن جنون جمال اكثر ولم ير بها سوى زوجته الخائنة، امسك بهذا المفك الموجود على إحدى المواسير ثم طعنها به بقوة، اعد الكرة مرتين حتى وقعت ياسمين على الأرض بعد هذا العدد من الطعنات..
يتبع!