حالة من الحزن تسيطر على الجميع، عند سماع بضع الكلمات الصغيرة بوقعه، فكانت بمثابة نصل مزق قلوبهم أرابًا. بالجوار تقف قطوف وحيدة تنظر للأمام في جمود، لا تبكي.. لا تتحدث.. فقط جامدة مكانها لا تفعل شيئًا سوى النظر بنقطة واحدة من الفراغ. في حين وقفت ياسمين تبكي بشدة على والدها، فهي من رأته مستلقيًا على الأرض لا يتحرك. تقف جوارها مريم تحاول تهدئتها، في حين بقي مازن يجلس واضعًا رأسه بين راحتي يده، يحاول الصمود ولكن قلبه يئن بالألم. تذكر حديث خاله عن عقاب سيتلقاه من الدنيا، وأنه كلما عظم الخطأ غلى الثمن. همس في نفسه بنبرة راجية لله وحده:
_ يارب متوجعنيش في خالي يارب... باركلي في صحته واحفظه لينا يارب.. ارزقني الصبر والقوة.
مرت دقائق أخرى كانت كالدهر حتى خرج الطبيب من الغرفة، لتركض نحوه قطوف وياسمين ومازن متسائلين بخوف عن حالته. ليجيب بنبرة عملية:
_ حالته مستقرة متقلقوش.. هو مخدش حقنة الانسولين بتاعته وبسبب كده تعب بالشكل اللي شفتوه... ركزوا معاه أكتر من كده في مواعيد الحقنة.
أضاف مازن سؤالًا آخر:
_ طب هيخرج امتى؟!
أجابه الطبيب قبل أن يغادر المكان:
_ نطمن بس إن كل حاجة استقرت والسكر عنده اتظبط ويقدر يخرج معاكم.. ممكن خلال يومين.
حمد الجميع ربه، وقرر مازن أن يصلي ركعتين شكر لله، يحاول فيها أن يعيد تلك الذكرى مجددًا.
_ مازن قوم يلا عشان تلحق تستحمى لصلاة الجمعة يلا.
قالها محمد في حنو، في حين أردف مازن الذي بلغ من العمر سبعة عشر عامًا في نعاس:
_ يا خالو مش قادر أقوم.. ثم طول اليوم الجمعة بتصحيني الساعة 8 الصبح يعني لسه.
تنهد محمد بيأس منه، ثم نهض يتحدث بنبرة ماكرة يعلمها مازن:
_ خلاص براحتك... هروح لقطوف وياسمين وأقولهم إني بعد صلاة الجمعة هنخرج للمكان اللي يختاروه ومكافأة ليهم أنهم ختموا القرآن الأسبوع ده.
فتح مازن حدقتيه يردد بصوت متزمّر:
_ ما أنا يا خالو ختمته معاهم.. ثم أنت مقولتش إن في مكافأة.
ابتسم محمد في حنو متمتمًا:
_ لو كنت قلتلك كنت هتقرأ عشان مكافأة مش عشان عايز تقرأ قرآن ولما أوقف المكافأة هتقول واقرأ ليه... إنما دلوقتي أنت فرحان بالمكافأة أكتر من إنك تعرف قبلها ولما تخلص تاخدها... وحاسس بأنك عملت إنجاز عظيم صح.
ابتسم مازن في صفو، يجيبه بسعادة نابعة من فؤاده:
_ صح يا خالو.
ابتسم في رضا، ثم قال في حماس:
_ طب يلا يا بطل قوم خد حمام كده وصلي الصبح والساعة تسعة تبقى على الترابيزة عشان الشاي بالحليب نشربه.
نهض مازن في حماس أخذه من نبرات خاله، في حين نهض محمد يذهب للمطبخ كي يعد أكواب الحليب الصباحية لهم جميعًا.
ابتسامة علت ثغره وهو يتذكر كيف كان يصلي مع خاله، يجلسان سويًا ويتحدثان عن موديلات السيارات، كيف اهتم به رغم وجود فتاتين له يجب مراعاتهما، ولكن كان يهتم به كثيرًا.
انهى مازن من الوضوء، ووقف بين يدي الله يصلي، يخشع في صلاته، يبكي أمام الله وحده. لا يعلم ما هذا الشعور الغريب، ولكنه مريح للغاية، يشعر بالسعادة والأمان. بدأ بشكر الله أثناء السجود:
_ اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.. أحمدك وأشكر فضلك يارب... أحمدك وأشكر فضلك إني واقف بشكرك... حفظت لي أبويا وخالي وأكتر حد راعاني وأنا صغير... سخرته لي وحطيت في قلبه حنان ليا عشان أكبر.. بعدت عنك يارب وحاسس بالخزي من نفسي بس أنت رحيم ومغفرتك أعظم من ذنبي وهتعفو عني... اللهم اهدني واهدِ قلبي وثبتني على طاعتك.
انتهى مازن من الصلاة يشعر براحة فقدها منذ زمن، يتخلله ندم كبير. كيف للإنسان أن يترك الراحة ويبحث عن الشقاء في إشباع اللذات. سبحانك يا الله، فهؤلاء البشر أصبحوا يدهشونني.. أترك الراحة لأجل أشبع ما طابت به نفسي.. لا يعلم أن تلك النفس هي أمارة بالسوء..
المدمن يأخذ تلك السموم كي يشبع لذة نفسه فيبدأ بالسجائر، ثم الحشيش، ثم يصل للمواد المسممة وكل هذا على فترات متباعدة قد تصل لسنوات طويلة حتى يصل لنقطة النهاية وهي الموت دون راحة بل في أشد مراحل الشقاء. هذا مثال بسيط يا سادة من إشباع اللذة، ولكن عليكم أن تنظروا لجميع الأمور بشكل آخر.
أغلق مازن باب الغرفة بعد أن غادر منها، يمسك بهاتفه مجيبًا على محمود الذي أردف:
_ أستاذ مازن في ورق مهم في المكتب لازم يتشال في الخزنة أو حضرتك تشيله معاك.
صمت مازن قليلًا، ثم أردف بنبرة هادئة:
_ طب يا محمود ينفع تعدي على المستشفى تسلمني الأوراق دي.. أنت عارف اللي إحنا فيه ومش هقدر أخرج وأسيب خالي.
ابتسم محمود يجيب بهدوء:
_ متقلقش يا أستاذ مازن... أنا بإذن الله قربت أخلص شوية وهتلاقيني عندكم.
أنهى المكالمة الخاصة به، وانطلق نحو الغرفة التي يوجد بها خاله، وقبل أن يدلف وجد قطوف تخرج من الغرفة ترمقه بنظرات حادة قائلة بغيظ:
_ أنت رايح فين كده.. دا أول يوم شغل ليك وجتلنا مصايب من طوب الأرض.. الراجل طول عمره بصحته جيت أول لما اشتغلت طب ساكت مننا...
_ هششش ابلعي لسانك دا شوية... ثم أنا بحب خالي ويمكن أكتر منك.. دا والدي.
قالها مازن بنبرة مستفزة، في حين شهقت قطوف ثم اندفعت تصيح بكلمات كالحجر:
_ والدك... والدك مين بقى هاه؟ والدك طار من هنا... مشي بخ طفش منك و...
صمتت فجأة ما أن أدركت حديثها، في حين تطلعت لها مازن بصدمة، ثم ابتسم في ألم تخلل مشاعرها متمتمًا:
_ معاكِ والدي طار وطفش... واللي جوا دا خالي وبس مليش حق فيه.. أنا ماشي.
استدار يغادر من المكان، في حين وقفت قطوف تحاول أن تصلح ما فعلته ولكن وقفت جامدة لا تستطيع الحركة أو اتخاذ خطوة. استدارت كي تعود ولكن وجدت مريم خلفها تنظر لها في عتاب قائلة:
_ أنا عارفة علاقتك بيه كلها وكأنها قط وفار.. بس عمر ما القط جرح الفار ولا الفار جرح القط... وأنتِ النهاردة عيرتي مازن بأن أبوه سابه ومشي... تقبلي إني أقولك مامتك سبتك ومش طارت لا دي مش راجعة نهائي.
أدمعت عين قطوف وهي تنظر لها، تردف بصوت مبحوح:
_ مكنتش أقصد أوجعه.
حركت مريم رأسها بتفهم، ثم أردفت بنبرة هادئة:
_ هقولك نصيحة وقت ما تبقي مشدودة وأعصابك تعبانة ومتتكلميش يا قطوف... عشان متدخليش في طريق تخسري كل اللي بتحبيهم... واعتقد أن مازن من حقه إنك تعتذري ليه ولا إيه؟!
رمقتها بنظرة حادة، في حين رفعت مريم حاجبها بنظرة ساخطة، تغمغم بسخرية:
_ أنتِ بجد مصدقة نفسك.. بجد مش عايزة تعتذري ليه؟ قطوف أنا مكنتش بتكلم معاكِ في خناقاتك مع مازن بس المرة دي بجد أنتِ غلطانة و اوي كمان.. فلو معتذرتيش أنا..
نظرت لها قطوف ثم أردفت بضيق:
_ هتعملي إيه؟!
هبطت بيدها التي تشيح بها منذ أن بدأت الحديث، تجيبها بهدوء وهي تستعد للرحيل:
_ هتصدم في صحبة عمري... اللي بتجرح في الناس عمال على بطال.. أنتِ أكتر واحدة المفروض تحس بالناس.. أنتِ زمان لما كنت بتغلطي كنتِ بتعتذري.. وتخافي على ناس من الزعل بس دلوقتي الموضوع بدأ يختفي وأنتِ الكبر واخدك.. والله أعلم هتخسرينا إحنا كمان ولا لاء!.. أنا ماشية يا... صحبتي.
تركتها تغادر لمنزلها فقد تأخر الوقت، في حين نظرت لها قطوف في ضعف بات ظاهر عليها، انسحبت من مكانها ودلفت للغرفة تجلس أمام والدها الغافي مكانه على الفراش، ثم ألقت نظرة سريعة على شقيقتها ياسمين النائمة على الأريكة، بدأت الدموع تتسرب منها دون توقف. تعلم جيدًا أنها أخطأت، ولكن هي تنفر مازن كيف لها أن تعتذر لشخص تبغضه. حاولت إيقاف دموعها ولكن كانت كشلال لا ينتهي، وضعت وجهها بين راحتي يدها تحاول التماسك، في حين ارتفع صوت محبب لقلبها ولكنه مجهد:
_ بتعيطي ليه يا قطوف؟
رفعت وجهها، تتطلع نحو والدها في حنين وكأنه غاب دهر من الزمن، ثم أردفت بنبرة مترجية:
_ متعملش فيا كده تاني يا بابا.
ضحك محمد في خفة، ثم أردف بنبرة هادئة بطياتها الحنان:
_ حاضر مش هعمل كده تاني.. بس قوليلي إيه اللي يخلي قطوف محمد العطار تعيط؟
نظرت له في تردد، في حين مد محمد يمسك يدها مربتًا عليها في حنو بعث لها الأمان، يردد:
_ أول مرة تبقي مترددة كده.. قولي يا بنتي ومتخفيش هسمعك ونحل سوا أي مشكلة.
حركت قطوف رأسها ثم بدأت بسرد ما حدث، في حين بقي محمد يستمع لها حتى انتهت واختتمت حديثها:
_ مش بطيقه وفي نفس الوقت أنا غلط بس قلبي مش جايبني أقوله آسفة.
تنهد محمد ببطء ثم قال بهدوء:
_ بصي يا بنتي... إنك اعترفتي بالغلط ده يفرحني بس إنك موجهتيش الغلط ده يبقى كارثة.. من امتى بقيتي مترددة... طول عمرك بتقفي في وش أي حد.. حتى عمتك بتوقفيها عند حدها... ولما بتغلطي بتقفي تقولي أنا غلطت وبعتذر وأنتِ واثقة في نفسك ومش خايفة برضو فليه مش عايزة تعتذري لمازن؟!
حركت قطوف رأسها في نفي متمتمة:
_ صدقني مش عارفة... لو أعرف هقول بس الفكرة نفسي مش جايباني.
حرك محمد رأسه في تفهم، ثم قال بنبرة حنونة:
_ أنا عمري ما جبرتك على حاجة.. بس هقولك نصيحة تحطيها حلقة في ودنك... لما أنتِ تبقي غلط اعترفي واعتذري وبندم كمان.. أما طول ما كبريائك واخدك زي ما صحبتك قالت هتخسري الكل يا بنتي... الاعتذار مهما حصل مش بيقلل من قيمتك ولا هي يهز كرامتك.. اللي هيقلل منك هو الكبرياء اللي نَفسك صورت ليكي إنه جميل ومحافظ عليكي وهو في الحقيقي في نظر الناس أوحش حاجة... هسألك سؤال عمرك شوفتي واحد مغرور أو فيه تناكة واحترمتيه؟!
حركت رأسها بالنفي، فاسترسل محمد حديثه:
_ يبقى تمسحي الكبرياء ده... وأقولك على سر كنت بعمله أنا وأمك الله يرحمها زمان.
ابتسمت قطوف بحب متمتمة:
_ قولي.
ابتسم باتساع، ثم قال بحب يحمل شوق:
_ أول لما اتجوزنا قولتلها لو زعلنا سوا أغلبي حبك ليا على زعلك مني وأنا برضه هغلب حبي ليكي على زعلي منك وساعتها الخناق بتاعنا هيتقطع من حياتنا وهنكون كويسين مع بعض... وعملنا بالنصيحة وعشنا أحلى سنين عمرنا..
ابتسمت قطوف بحب، في حين أشار محمد برأسه كي تغادر قائلًا:
_ يلا روحي صالحي غلطك... خليني فخور ببنتي وتربيتها.
نهضت قطوف من مكانها تقبل جبين والدها بحب شديد، في حين ربت محمد على كتفها بحب، غادرت قطوف تبحث عن مازن رغم أنها تبغضه إلا أن الخطأ يعتريها ويجب أن تمحيه.
وصلت مريم للمنزل وما أن دلفت حتى أردفت والدتها نهاد بقلق:
_ أنتِ كنت فين كل ده يا مريم؟!
صمتت مريم قليلًا ثم أجابتها بنبرة متعبة:
_ بصي هحكيلك بس آخد حمام من التعب اللي شوفته النهارده، ده أنا كرامتي بقت زي الأسفلت.
انطلقت مريم تأخذ حمامًا، تتناول الطعام بشراهة غير طبيعية، تعجبت والدتها من طريقة تناولها للطعام، ثم قالت بدهشة:
_ أنتِ بتاكلي ولا كأنه آخر ذاتك ليه؟!
تحدث مريم وهي تلوك الطعام:
_ سبيني يا ماما ده أنا على آخري... اللي شوفته مش قليل النهارده.
اشمأزت نهاد من طريقة ابنتها لتخبرها بصوت غاضب:
_ خلصي أكل وابقي اتكلمي!
عبست ملامحها، ثم أكملت الطعام بشرهة، في حين حركت نهاد رأسها في يأس منها ومن طريقتها الغريبة، وما أن انتهت حتى نهضت تعد لها قدح الشاي، وجلست تروي لوالدتها ما حدث، وما أن انتهت حتى قالت:
_ طب وباباهم كويس؟!
حركت رأسها بإيجابية، في حين أكملت نهاد في تسأل:
_ طب البنت اللي خبطتيها كويسة؟!
حركت رأسها مرة أخرى بإيجابية، لتتنهد نهاد في راحة.
رأته بحديقة المشفى يقف أمام الشروق يتأمله، أخذت نفسًا عميقًا ثم تقدمت منه بخطوات هادئة حتى أصبحت جواره مع وجود مسافة بينهما، تردف في هدوء:
_ أنا آسفة على الكلام اللي قولته فوق.. زودتها شوية وغلط.
نظر مازن ببعض الدهشة، ثم ابتسم بهدوء يعود بنظرة نحو هذا الضوء الخافت المبعوث من الشمس، يحدثها في هدوء مناسب لهذا الجو:
_ عادي.. مش هنكر حقيقة اتقالت.. والدي سابني وسافر ومعرفش عنه حاجة.. وأمي مكنتش بتهتم بيا وعلطول سايبني عند خالي يا إما في أجازات أو في البيت عندكم.. بالتالي أنا شبه يتيم.
شعرت قطوف بندم حاد، تردف بصوت مبحوح على وشك البكاء:
_ والله مكنتش أقصد أقول كده ولا أفكرك بكده.
ازدادت دهشة مازن من صوت قطوف النادم، ليردف سريعًا:
_ خلاص والله ما في حاجة.. أنا كويس أهوه أنتِ حرارتك علت ولا إيه؟!
عادت قطوف مجددًا لطبيعتها، لترمقه بنظرة شرسة، كادت أن تغادر ولكن أسرع مازن يتسأل:
_ إيه سبب اللي خلاكي مش بطيقيني يا قطوف؟ من مدة معينة ومعاملتك بقت غريبة ليا؟
تذكرت قطوف مقابلته لتلك الفتاة، لتردف بنبرة ساخرة:
_ وهتفرق.. سواء قلت أو لأ فأنت هتفضل في نظري زي ما أنت.. واعتذاري المرة دي عشان غلطت بجد، بس متخدش على كده هاه.
تنهد مازن من جنونها، ثم تمتم:
_ أنا رايح أجيب غيار لخالي وأشوف ورق لو سأل عليا.
تركها قبل أن ترد، في حين عادت قطوف للغرفة لتجد والدها قد غفى مجددًا.
بمكان آخر..
صعد الدرج يشعر بتعب شديد، فقد ظل يومين متتاليين مستيقظًا بالعمل، ولكن أوقفه اتصال، رفع هاتفه ليجدها والدته، أسرع بالرد كي لا تقلق عليه متمتمًا:
_ ست الكل عاملة إيه؟
_ الحمدلله.. طمني عليك يا ياسين؟ مرتاح في القاهرة ولا مخنوق من الشغل؟!
ابتسم ياسين بهدوء، يخرج مفتاح الشقة كي يدلف لها، يجيب:
_ صدقيني مرتاح أوي كمان.
_ مش ناوي بقى تستقر وتتجوز يا بني؟!
زفر ياسين بضيق ثم أردف بنبرة مختنقة:
_ يا أمي هو مفيش غير السيرة دي... حاضر لما ألقي بنت الحلال اللي تصوني هبقى أقولك إني هتجوز.. غير كده مش هتجوز واحدة والسلام.
_ براحتك يابن بطني.. بس خد في بالك أبوك مش هيفضل كده كتير سايبك تتسرمح في القاهرة.. وممكن يجبلك عروسة تتجوزها.
صك ياسين على أسنانه بغيظ، يجيب:
_ هو أنا سبتله البحيرة كلها وبعدت عن تحكماته عشان كمان يختار اللي هعيش معاها.
_ بص يا حبيبي والدك مهما عمل خايف عليك... حاول أنت بس تركز وتخلي الموضوع في دماغك لعل وعسى تلاقي بنت الحلال دي وتقول لأبوك وأنا هقنعه علطول بيها.
ألقى ياسين بنفسه على الأريكة قائلًا:
_ بإذن الله.
أغلق معها وهو يشعر بإرهاق شديد، ثم دلف لغرفته وألقى بذاته على الفراش يغرق في ثبات عميق.
أغلق مازن باب الشقة، وما أن استدار حتى وجد والدته بوجه تتمتم في حدة:
_ كنت بايت فين؟
عبست ملامح مازن في ضيق ثم قال:
_ هكون فين يعني.. خالي اغمى عليه ونقلناه المستشفى والحمدلله السكر اتظبط بتاعه وكنت بايت معاه ولسه جاي.
حركت رأسها ببعض الهدوء، ثم لفت انتباهها الأوراق التي بيد مازن لتشير بيدها لهذه الأوراق قائلة:
_ إيه الورق ده؟!
حرك مازن رأسه بيأس، ثم قال بلامبالاة:
_ ورق يخص الشغل.
هدرت مرفت بغيظ:
_ ما تخلص وتقول ورق إيه؟!
زفر مازن بضيق يجيب:
_ ورق يخص البنك محتاج خالي يشوفه.
اللمعت عين مرفت بطمع، تردف بحماس:
_ طب حلو شوف الورق ده... وانقل الفلوس ليك.
اتسعت عين مازن بصدمة، ثم قال بنفور مما تريده:
_ بتقولي إيه! أنا لا يمكن أعمل كده... وريحي نفسك أنا مش هسرق خالي.. شغال معاه عادي.. ومستعمليش معايا حتة إنك غضبانة عليا عشان مسبتش البيت ومشفتيش وشي.
صكت مرفت على أسنانها، في حين تركها مازن وهو يحمد ربه أنها تركته يغادر، أسرع في تبديل ملابسه ثم غادر للمشفى سريعًا كي يسلم خاله تلك الأوراق.
شُفي محمد تمامًا وعاد للمنزل مع اهتمام قطوف له، في حين بقيت ياسمين تتابع أوراق الشهادة الخاصة بها حتى استطاعت بالفعل أن تعدها، وعلمت اليوم الخاص باستلامها، في حين بدأ مازن يستقر بعمله ولكن تزداد براعته في فهم ما وضع به، يحاول الالتزام بفروض الصلاة قدر الإمكان، في حين بقيت مرفت تحاول التفكير بشيء ما كي تمتلك ثروة أخيها، حتى أخبرها مازن بجملة صاعقة ولكن قررت أن تستغلها لتقضي على شقيقها!
صباحًا..
أنهى مازن مع خاله مناقشة أحد أوراق العملاء، ثم قال بنبرة متوترة:
_ كنت عايز أفتحك في موضوع.
نظر له محمد باهتمام، ليكمل مازن بنبرات لا تزال متوترة:
_ عايز أطلب إيد ياسمين.