تحميل رواية «فطنة القلب» PDF
بقلم سلمى خالد
الفصل 16 — رواية فطنة القلب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سلمى خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
الحاج محمد العطار: أب لبنتين، مراته متوفية، عنده أجناس عربيات ومرتاح مادياً. بيحب الحياة العادية وعايش في بيت ديكوره هادي. قطوف محمد العطار: عندها 24 سنة، بتحب الميكانيكا أوي. خريجة آداب علم نفس، مش بتشتغل بمهنتها. من صغرها بتحب العربيات وبتحب تصلح فيها. بترد على طول ومش بتصبر أي حد يضايقها. ياسمين محمد العطار: عندها 22 سنة، خريجة تجارة جديد. بتحب أي حاجة فيها أرقام. كانت عادية جداً لحد وفاة مامتها واتحولت وبقت تخاف من كل حاجة. مرفت العطار: أخت محمد، بتحب المظاهر ومش بتحب أخوها. مازن العطار: ابن...
رواية فطنة القلب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سلمى خالد
نظرت لما بين يديها بصدمة، تحاول استيعاب ما فهمته، هل مازن مريض سكر؟ هل ورث هذا المرض من أبيها؟ استدارت بعينيها لتجده يغفو مكانه بعمق.
عادت تتذكر شريط حياتها معه ومن قبل، عندما كان يطالب بالشاي دون سكر وكانت تسخر منه، عندما صنعت طعامًا لهما واضطر لأن يتناوله دون أن يخبرها بمرضه.
اغرورقت الدموع عينيها فجأة وهي تتذكر اتهامها له بالخيانة، لم تكن خيانة، بل كان مريضًا بالمشفى إذًا. ابتلعت لعابها بصعوبة، ثم وضعت الأوراق مجددًا. يجب أن تتأكد مما رأت. نظرت له قليلًا، تتقدم بخطواتها له حتى أصبحت جواره، تنظر لملامحه الساكنة، ثم قالت بندم:
_ أنا آسفة.. حقيقي آسفة على اللي عملته واللي هعمله!
***
_ آآه ياني ياما.
رددها ياسين وهو يجلس على الفراش، يرفع قدمه كي ينظف جرحها. يحدث نفسه كالأبله:
_ آه على اللي بيحصلي، هي إجازة باينة من أولها، ده الشغل عندي مش بتمرمط فيه كده.. حقيقي شابو لكل فلاح مصري أصيل.. أنا عرفت معنى تشققات وكساح من المرمطة دي.
أنهى ياسين تطهير الجرح، ثم انطلق يغلق النور كي يغفو، ولكن تذكر مريم وعينيها اللتين لمعتا بالدموع عندما صرخ بها. عض على شفتيه بندم، ثم قال بتصميم داخله:
_ لازم أروح أصالحها.
أغمض عينيه يغفو، ولكن بداخله عقد العزم على الذهاب لها.
***
صباحًا..
أشعة الشمس الساقطة على عينيه أفاقته. فتح عينيه ببطء ينظر حوله، فهو لم يشعر بشيء ما أن وضع رأسه على الوسادة. انتفض من مكانه فجأة وهو يرى قطوف تنام على المقعد بشكل سيسبب حتمًا ضررًا لها.
_ قطوف.. قطوف اصحي.
قالها مازن وهو يحرك يدها بخفة، في حين انتفضت قطوف بخوف، تنظر إلى مازن بقلق متمتمة:
_ أنت كويس!! فيك حاجة!!
قطب مازن جبينه بدهشة، ثم أجاب وهو يزيح الغطاء:
_ الحمدلله كويس... إيه اللي نيمك كده!!
نظرت له بقليل من التوتر، ثم أجابت:
_ مفيش.. أصل أنا قولت أقعد شوية على التليفون وتقريبًا نمت من غير ما أحس.
حرك رأسه متفهمًا ثم نهض بتعب من الفراش، في حين نظرت له قطوف ثم نهضت هي الأخرى كي تبدل ملابسها وتنفذ خططها.
***
انتهى مازن من حمامه، وشعر أنه بحاجة له. خرج من الحمام ليجد قطوف تدلف إلى الغرفة حاملة صينية. رفع مازن حاجبيه بدهشة، يردف بتساؤل:
_ إيه ده!!
أجابته قطوف ببسمة هادئة:
_ الفطار.. قولت لعمي مهران إنك تعبان أوي ومش هتقدر تقوم واستأذنت تفطر النهاردة هنا.
ضيق عينيه لها، في حين توترت قطوف من نظراته، ثم قالت:
_ إيه.. بتبص كده ليه!
_: هقولك ومتزعليش.. أنتِ مش وش حنية خالص يا قطوف.. متعود الصبح أقوم على خناقة سخنة كده تفوقني.. إنما الحنية دي بتخوف.
قالها مازن بجدية، في حين رفعت قطوف حاجبها بغيظ ثم رددت من بين أسنانها تشير نحو الطعام بعينيه:
_ كُل يا مازن بدل ما تبقى الغدا بتاع النهاردة.
اتسعت عين مازن بسعادة، يردف بارتياح:
_ إيوة كده اتظبطي أنا بقول برضو إيه اللي جرالك!
جلس مازن على الأريكة، يزيح القماشة من على الصينية، ولكن اتسعت عينيه بصدمة، فجميع المأكولات التي لا تصح له وضعيتها. نظر لها بتوتر، في حين رددت قطوف ببسمة فرحة تحمل التزييف:
_ أنا اللي حضرته بنفسي!
نظر لها باندهاش، يردف بتعجب حقيقي:
_ بجد!
حركت رأسها بإيجابية، تردف بسعادة حقيقية:
_ آه.. الصراحة عمتو زينة وقفت معايا لحد ما جهزت الصينية لوحدي.
حرك رأسه بتفهم، يردف بفخر:
_ طب اتصالحي إنك شاطرة.. أنا فخور بيكي مستسلمتيش.
زحفت بسمة حقيقية لشفتي قطوف، تتطلع لمازن بنظرة غريبة، في حين تعجب مازن من نظرة قطوف فهي لم تنظر له هكذا من قبل.. يعلم هذه النظرة هي نظرة حب!! هل أحبته!
حرك رأسه نافيًا، ونظر للطعام بتنهيدة، ثم بدأ بأكل القليل منه كي لا تحزن. وما إن انتهى حتى سمع صوت قطوف تتمتم:
_ أنت مكملتش أكل ليه؟!
أجابه مازن وهو يحتسي الشاي:
_ تسلم ايدك يا قطوف.. أنا الحمدلله شبعت ولاسيما الأكل كله معمول بالسمنة البلدي وهي بتشبعني بسرعة.
نالت إجابته رضاها، لتنهض حاملة الصينية، متمتمة:
_ طب هنزلها وأجي.
وبالفعل غادرت الغرفة، ولكن تركت به فتحة صغيرة لترى مازن الذي نهض سريعًا يفتح الخزانة حاملًا حقنة الأنسولين يحقن بها ذاته. أغمضت عينيها بألم إذا كل ما فهمته صحيح!، نظرت للطعام بندم ثم تحركت نحو الأسفل كي تضع الطعام مكانه، تقرر مواجهته.
***
وضعت قطوف الصينية على الطاولة الموجودة بالمطبخ، شاردة بما علمته، حتى قاطع شرودها صوت زينة قائلة:
_ بقولك يا قطوف بكرة هنصلي الفجر وهنبدأ خبيز ماشي يا حبيبتي.
نظرت لها قطوف بوهن، ثم قالت ببسمة باهتة:
_ حاضر.
شعرت زينة بوجود خطب ما، لتردف وهي تمسك كفها قبل رحيلها إلى الحظيرة:
_ أنتِ كويسة يا قطوف!!
شعرت قطوف بحاجتها بالحديث، لتردف ببعض الغموض:
_ هو ممكن واحدة تتجوز وهي مش عارفة جوزها خالص!!
ابتسمت زينة وفطنت ما ترمي له قطوف، لتربت على كفها بحنو، تردف ببسمة حنونة:
_ آه كتير كمان، تعرفي إن اتجوزت عمك مهران وأنا مشوفتش شكله حتى، جه اتقدم وبابا وافق واتجوزتله علطول، لكن أعرف بيحب إيه ولا أعرف بيكره إيه.. بالعشرة اللي ما بينا وأننا كنا عايزين نبني بيت عرفته وعرفني.. صحيح حصل مشاكل بينا، بس عمر ما مشكلتنا خرجت برة عتبة أوضتنا.. مفهاش حاجة يا حبيبتي أن الواحدة تعرف جوزها من الأول وجديد.
ألقت حديثها ثم غادرت مهرولة إلى الخارج بعدما سمعت نداء زوجها، في حين بقيت قطوف تفكر بحديثها، وعزمت على الذهاب إلى الأرض كي ترى مازن وتحدثه.
***
_ ماما ياسمين عايزة نشتري غزل بنات بسرعة عمو هيمشي!
قالتها ورد بحماس طفولي ما أن استمعت لصوت مزمار بائع غزل البنات. ابتسمت لها ياسمين ثم قالت وهي تنهض كي تدلف إلى المنزل، ولكن أوقفتها ورد وهي تحاول أن تسحب يدها للخارج:
_ يا ماما ياسمين عمو هيمشي!
توترت ياسمين قليلًا، ولكنها قررت أن تثق بقرارها. حملت ورد على ذراعها، تردف ببسمة صغيرة وهي تلامس أرنبة أنفها:
_ يلا يا وردتي.
انطلقت ياسمين مع ورد كي يلاحقا بالرجل، ولكنه ابتعد لمسافة بعيدة. كسا الحزن ملامح ورد، شعرت ياسمين بالذنب اتجاهها فأردفت ببسمة وهما يتجهان إلى بائع حلوى:
_ تعالي ندور على غزل البنات في أي محل يلا.
صفقت ورد بيدها، تقبل وجنتي ياسمين بحب، مرددة بصوت صادق:
_ أنا بحبك أوي يا ماما.. وهقولك ماما علطول.
ضمتها ياسمين بحب، تردف بأعين مدمعة بسعادة:
_ وأنتِ أحلى بنوتة وبنوتي اللي بعشقها.
***
هبط زين من أعلى الدرج يبحث عن ابنته، يريد أن يلاعبها قليلًا قبل أن يغادر إلى الأرض. بقي يبحث عنها حتى قابل والدته فسألها بتعجب:
_ ماما مشوفتيش ورد؟!
حركت رأسها نافية، تردف بما تعلمه:
_ لا يا حبيبي آخر حاجة كانت مع ياسمين بيلعبوا برة في الجنينة.
زفر زين بقلق، ثم انطلق نحو الحديقة باحثًا عن ابنته، ولكنه لم يجدها، فانطلق إلى خارج المنزل يشعر بخوف من فقدانها يكفي زوجته الراحلة!!
***
_ ملك هروح أكلم مازن بحاجة ضرورية أوي وهرجع ماشي!
قالتها قطوف تنهض من مقعدها. حركت ملك رأسها بإيجابية تردد ببسمة رقيقة:
_ ماشي يا حبيبتي.
انطلقت قطوف نحو الأرض كي تحدث مازن تشعر بتوتر شديد. وقفت خلف الشجر تأخذ نفسًا قبل أن تتقدم نحوه لتقوم بتلك المواجهة، ولكن استمعت لسؤال ياسين مرددًا:
_ صحيح يا مازن أنت اتجوزت قطوف إزاي؟ ده أنتم بتاكلوا في بعض أكتر ما بتحترموا بعض!
حدجه مازن بنظرة حادة، يزمجره بغيظ:
_ ما تحترم نفسك يالا.
_: خلاص يا عم مقصدش.. قولي قصة الحب المعاقة بتاعتكم!
قالها ياسين بتهكم، في حين ألقى مازن بحجر على ياسين. ركض ياسين بعيدًا يضحك بخفة متمتمًا:
_ خلاص خلاص قول بجد اتجوزتوا إزاي؟!
زفر مازن بحنق، ثم قال بصوت متنهد:
_ مفيش... أصلًا طريقة جوازنا ببعض غريبة!
قطب ياسين جبينه، يردف باقتناع:
_ الصراحة معاك حق.. مش مقتنع خالص إنك تقول لعمي أنا طالب إيد بنتك قطوف اللي كل يوم بنمسك في بعض وبناكل بعض علقة موت أتجوزها.. لا والأسوأ إنها تتكسف وتقول متكسفنيش يا بابا بقى.
ركض مازن خلف ياسين الذي أسرع بالركض بضحك يردد بصوت عال:
_ يا عم بهزر.. بهزر.
_: ما أنت مش هتتلم غير لما أنفخك.
قالها مازن وهو يمسك ياسين من تلابيب ملابسه يكاد يلكمه، في حين صرخ ياسين برعب متمتمًا:
_ ابوس إيدك بلاش طب خد حقك بكرة بلاش النهاردة عشان عايزك بحوار.
نظر له قليلًا يضيق بعينيه، في حين حرك ياسين رأسه بإيجابية متمتمًا:
_ يا عم احلف على المصحف خلاص بقى.
تركه مازن يعود إلى فأسه، في حين عاد أيضًا ياسين لفأسه يردف بمزاح:
_ ما تحكي بقى!!
لم ينظر له، صمت وهو يتذكر طريقة زواجهم، ثم أجابه بهدوء:
_ ياسمين كانت هتستلم الشهادة بتاعتها، وأنا كنت براعيها من كل جانب، لحد ما عمي محمد الله يرحمه قرر يعمل حفلة ليها، ولأننا كنا سوا علطول قررنا نعمل كتب كتاب أنا وعمي ليها بيوم استلامها الشهادة وتبقى مفاجأة ليها، بس يومها..
أغمض مازن حدقتيه بألم، يردف بحزن:
_ بس يومها أمي بعتت ناس يخطفوا ياسمين عشان تسبب فضيحة لعمي.. خوفت على عمي لأنه مريض سكر وآخر فترة تعب الدكتور قال مينفعش يتعرض لصدمة وأي صدمة ليها هتبقى خطر على حياته ووقتها روحت أجيبها من الكوافير وملقتهاش ولو اتأخرنا هتحصل مشكلة، وعرضت على قطوف الجواز عشان السمعة العيلة والشغل، وكتبنا الكتاب يومها.
صمت ياسين يستمع لحديثه الغريب، ثم سأل بهدوء:
_ طب حبيت قطوف امتى؟!
ابتسم مازن يتذكر اهتمامها به، فأردف مازن بصدق:
_ مكدبش عليك وجودي مع ياسمين عشان أرعاها لأني وعدتها.. بس قطوف مكنتش بشوف غير إنها واحدة أنانية، بس في الحقيقة هي أحن إنسانة شوفتها.. كانت بتخلي بالها مني رغم أوقات كنت أضايقها، عمر ما إنسان بيكرهك بجد وبيساعدك.. وقطوف عمرها ما كرهتني يا ياسين.. قطوف شخصية قوية دموع ضعفها منزلتش غير في وشي أنا..
نظر إلى ياسين يجيبه بحب يتذكر ملامح قطوف:
_ حبيتها لأن كنت أمانها من غير ما تحس... والبنت اللي يبقى أمانها هتكون حبيبها.
ابتسم ياسين لحديثه، وتمنى بالفعل أن يصبح أمان لمريم، تذكر ياسين شيئًا ليردف:
_ طب أنت مقولتش ليه إنك مريض سكر.. على الأقل ليها!!
امتعض وجه مازن، يجيبه بحزن:
_ عايز قطوف تحبني تحب مازن.. ميكونش الحب بتاعها شفقة لأني مريض سكر وانسب حل إنها متعرفش!
_: طب ما تقولها يا مازن.. مش ضروري تكون شفقة.. ممكن تفهم إنها مشاركة.
قالها ياسين بمحاولة إقناعه. نفى مازن حديثه نفيًا قاطعًا، يردد بتحذير:
_ ياسين أوعى قطوف تعرف أنا عرفتك عشان أنت ابن عمي وصاحبي.
تنهد ياسين بيأس، ثم قال:
_ خلاص يا مازن مش هقول لحد أصلًا.
استرسل ياسين حديثه ولم يلاحظ كلاهما قطوف التي عادت إلى الحظيرة شاردة بقرارها:
_ مازن.. عايز منك خدمة العمر.
نظر له بتعجب، ليكمل ياسين بتوتر:
_ عايز أروح بيت مريم أعتذر لها.
_: طب ما تروح!
قالها مازن بتعجب، في حين ردد ياسين بحرج:
_ ما مش هينفع حد يشوفني هناك.. وكمان هقولهم إيه هعتذر من بنتكم اللي شخط فيها!!
اقتنع مازن من حديثه، ليردف بحيرة:
_ طب هندخل إزاي؟!
نظر له ياسين ببراءة مزيفة، ثم قال بكلمات سريعة:
_ البيت هناك عايز ستات يخدموا فيه!
اتسعت عين مازن بصدمة من حديثه، ليردف بشك:
_ أنت قصدك نلبس زي الحريم!!
حرك ياسين رأسه بإيجابية، زمجر مازن بعنف يردد برفض:
_ أنا استحالة أعمل كده أنت فاهم يالا.
***
_: اتأخرنا يا ورد وزمانهم قلقوا بالبيت وهيزعقوا لماما ياسمين!
قالتها ياسمين وهي تسير مع ورد نحو المنزل بعدما نظرت بالساعة، في حين رددت ورد بطفولة:
_ لا مش هيزعقوا لماما ياسمين عشان ماما ياسمين بتفرح ورد.
ابتسمت ياسمين بحنو، ثم دلفت إلى المنزل، وقبل أن تخطو لداخل البيت، تراجعت بخطواتها إلى الخلف بعدما رأت زين يأتي لهما بأعين نارية يزمجر بحدة:
_ أنتِ مين اداكي حق إنك تخرجي ببنتي!
ابتلعت لعابها، تنظر لها بعدما اختطف منها ورد، ثم قالت بتلعثم:
_ أنا مكنتش أقصد!
احتدت عينيه بشدة، يردف بصوت قاس:
_ لو فكرتي تقربي من البنت تاني صدقيني مش هسكتلك أنت فاهم.. افرضي حصلكم حاجة هدافعي عن بنتي إزاي وأنتِ ضعيفة كده ومهزوزة علطول!
امتلأت عينيها بالدموع، تتراجع إلى الخلف بخوف، تعلم جيدًا بضعفها وأنها كانت عرض لأي خطر، دائمًا تشعر بأنها عائق لوالدها وهي من تسبب له المشكلات. همست ياسمين بصوت محشرج:
_ أنا آسفة.
سارت نحو الداخل تتسرب الدموع من عينيها، ترتجف شفتيها مما يحدث، في حين ابتعدت ورد عن والدها، تردد بتذمر:
_ ليه عملت كده!!
نظر لها زين بضيق من نفسه، لطالما كان هادئًا لما فعل هكذا معها. أكملت ورد بنبرة حزينة:
_ ماما ياسمين بتحبني.. كانت بتخلي بالها مني لما تيتة وعمتو ميكونوش فاضيين، وحضرتك بتيجي بالليل تعبان ومش بشوفك وهي كانت بتنيمني على السرير في حضنها عشان مخفش.. حتى لما تيتة مرفت زعقتلي هي وقفت معايا وخدت الزعيق مكاني.. وأنا كنت عايزة آكل غزل بنات والرجل مشي وهي خدتني ندور على غزل بنات عشان ما ازعلش.. أنا زعلانة منك.. لما ماما ياسمين تصالحك أنا كمان هصالحك.
تركت يده واندفعت إلى الداخل نحو ياسمين في حين نظر لها زين بذهول، لم يدري كل هذا! بدأ يتطلع لسرابهما، ثم غادر إلى الأرض وهو يفكر بحديث ابنته وما فعله مع ياسمين ولم يلاحظ اختفاء مازن وياسين!!
***
_: ما تخلص يا مازن أنت هتعمل فيها ست بجد!
قالها ياسين بضجر من تأخر مازن. في حين خرج مازن من خلف الشجر ينظر إلى ياسين بحنق مرددًا بغيظ:
_ بقولك إيه سبني في حالي.. مش كفاية ملبسني نقاب ونفسي قرب يتقطع.
أشاح ياسين بيده يردد بتذمر:
_ طب يلا خلينا نخلص.
سار الأثنان بجانب بعضهما حتى يصلا إلى المنزل، ولكن تفاجأ كلاهما بصوت رجل خلفهما يردد:
_ هما المزتين راحين فين!
اتسعت عين كلاهما بصدمة، وقرر أن يتقدما بالسير كي لا يلفتوا الانتباه، ولكن تقدم خلفهم ذاك الرجل يردد:
_ ما توريني القمر دا!
صك مازن على أسنانه، في حين توقف ياسين عن السير يستدير رافعًا نقابه يردد بعنف:
_ القمر دا عند أمك يالا عارفها.
تراجع الرجل بذعر من ملامح ياسين ثم ركض بعيدًا، في حين أنزل ياسين النقاب وعاد إلى مازن الذي ضحك بشدة على فعلت ياسين. تمتم ياسين بحنق:
_ راجل مشفش تربية.. سبناك ومشينا مكمل في قلة الأدب.
_: متزعليش نفسك ياختي!
قالها مازن بضحك، في حين لكزه ياسين بغضب يردف بغيظ:
_ يلا خلينا نخلص.
سار كلاهما إلى المنزل حتى وصلا، وقف الاثنان أمام البوابة، فسأل الحارس قائلًا:
_ انتم مين؟!
اشعل ياسين التسجيل بصوت فتاة قد صنعه، يردد فيه:
_ أنا سمية الشغالة الجديدة ودي هيام صحبتي.
حرك الحارس رأسه وافسح لهما المجال، يردف بجدية:
_ البهوات خرجوا برة وجايين بعد شوية خليكم بالمطبخ.
حرك كلاهما رأسه ثم همس مازن بأذن ياسين بعدما ابتعدا عن الحارس:
_ آه يا بن اللذينة.. مظبطها.
رد ياسين بفخر:
_ عيب أنت بتكلم ظابط.
دلف الأثنان سويًا نحو المطبخ، ثم ردد ياسين بهمس:
_ خليك هنا لحد ما أروح وأجي فاهم.
_: فاهم غور.
قالها مازن بحنق، في حين غادر ياسين المكان باحثًا عن مريم كي يصالحها. صعد الدرج كي يضع لها جوابًا كتبه لها، وبالفعل استطاع أن يصل لغرفتها. دلف ووضع الجواب ولكن أثار فضوله رؤية غرفتها... رأى مازن طبق من اللحم مُعد، اتسعت عينيه بسعادة ثم لينطلق نحو الطبق يلتهم منه بنهم، حتى يعود ياسين فقد تأخر بشدة، ولكن أنزل نقابه سريعًا ما أن شعر بأقدام أحدهم. دلف أحد الحرس للداخل ينظر إلى مازن بتعجب، يردد بتساؤل:
_ أنتِ مين؟!
اتسعت عين مازن بصدمة، فهو لا يستطيع أن يجيب بصوته الرجولي، فاستدار يولي ظهره لهذا الرجل، في حين اقترب من مازن ثم وضع يده على كتفه بطريقة مقززة شعر بها مازن لينتفض من مكانه بخوف يهمس بداخله:
_ إله ينتقم من الظالم يا ياسين.. على آخر الزمن هيتحرشوا بيا.
استمع مازن لصوت هذا الرجل يقترب منه قائلًا برغبة:
_ أنتِ خايفة مني ليه؟ تعالي بس هقولك على حاجة مهمة.
انقض عليه الرجل، ليفزع مازن بشدة، يحاول الإفلات منه. لم يجد طريقة سوى قول بنبرته الخشنة:
_ ابعد عني.
ترك الرجل مازن فجأة، يردد بذعر:
_ بسم الله الرحمن الرحيم أنتِ إيه بالظبط!!
خشي مازن من أن يكشف أمرهما، فإن علم أحد بهما سوف يفضح بالبلدة. نطق مازن بدلال مزيف، ولكن يكاد يقسم داخله أنه سيقتل ياسين:
_ عندي التهابات في الأحبال الصوتية عشان كده صوتي حصل له كده.
زفر الرجل براحة، ثم عاد يتقدم من مازن كي يتحسس كتفه مجددًا، ولكن دفعه مازن بقوة وركض نحو الحديقة هاربًا من هذا المتحرش!!
هبط ياسين على الدرج سريعًا يردد:
_ ده مازن هيكلني علقة!
دلف يسيران إلى المطبخ كي يحضر مازن، ولكنه تفاجأ بأحد الحرس ذو جلباب. اتسعت عينيه بصدمة، يخشى منه، ليتقدم إلى الخارج ولكن وجد يد تقبض على ذراعه بقوة تدفعه إلى الداخل، يردد بغيظ:
_ أنتِ بتوقعيني أنا يا بت!!
حرك ياسين رأسه بنفي، وقد علم أن مازن من فعل ذلك، ليردف الرجل بدهشة:
_ أنتِ مين اللي فاتت كانت أقصر من كده!!
أشعل ياسين التسجيل:
_ أنا سمية!
ابتسم الحارس باتساع وهو يستمع لهذا الصوت الأنثوي، لتزحف يده على ذراع ياسين بذات الطريقة المقززة، يردف بخبث:
_ شكلك أرق من صحبتك.. أنتم جداد هنا!
اتسعت عين ياسين بصدمة، يبتعد عن هذا الرجل، يهمس بداخله:
_ يا فضيحتي يا فضيحتي لو حد عرف إن بيتحرش بيا في القسم.
انتفض من مكانه وهو يرى هذا الرجل يضمه من الخلف، ليصرخ ياسين بذعر، انتفض الرجل فجأة ينظر له قائلًا:
_ صوتك إيه اللي جرا ليه؟!:
_: بيجيلي التهابات من الحاجات دي!!
قالها ياسين بصوته الخشن، ظن إنه سيبتعد عنه، ولكن اقترب منه الرجل بشدة يردف:
_ مش مهم أنا هعالج الالتهابات دي.
جحظت عين ياسين بخوف من نظراته الخبيثة، يتراجع إلى الخلف متمتمًا:
_ مش عايز أعالجها!
اقترب منه الحارس قائلًا:
_ هكسبك مناعة!:
_: مناعة إيه ابوس إيدك سبني أروح.
قالها ياسين بعدما وجد الحائط خلفه، في حين حاصره الرجل بين ذراعيه يردد برغبة:
_ تروحي إيه بس تعال...آآآه.
صرخ الرجل بألم ما أن لقى ضربة قوية على رأسه، نظر ياسين المنكمش على نفسه إلى الرجل الملقى أرضًا ثم إلى مازن الذي يمسك بالعصا. هتف مازن باشمئزاز ممزوج بحنق:
_ اتفو عليك.. اتحسبت راجل على الفاضي.. تعالى ياخويا وأنت بتترعش كده تعالى.
انطلق الأثنان سويًا، وغادرا المنزل، ليصرخ مازن بياسين قائلًا:
_ أنا على آخر الزمن يتحرش بيا.
نظر له ياسين، ثم قال بتهكم:
_ احمد ربنا أنا دخلت في محاولة اغتصاب.
حدجه مازن بنظرات حادة، ثم قال بعصبية:
_ بقى مازن العطار اللي يتعمله ألف حساب كان بيترعش بسبب راجل ابن **.
سار معه ياسين يتذكر فعلته، ليردف وهو يبصق جواره:
_ اللي ينشك ببطنه أقوله الحاجات دي بتجيبلي التهابات يقولي هكسبك مناعة.. مناعة تكسر رقبتك يا بعيد.
رمقه مازن بنظرة ساخرة، ثم قال:
_ ياض ده أنت كنت هتنهار جوا.
رفع ياسين سبابته، يردف بغيظ:
_ بقولك إيه أنا كنت هوقفه.
نظر مازن إليه بسخط، ثم قال بسخرية:
_ توقفه اسكت.. الله يكون في عون البنات ده إحنا وجلنا انهيار عصبي من التحرش أمال لو كان اغتصاب كان إيه اللي حصل!
تنهد ياسين بحمد، يردف:
_ الحمدلله ربنا يسترنا يا أخي.
رمقه مازن بحدة، ثم قال بتحذير:
_ دي أول وآخر مرة أسمع كلامك فيها.. المرادي جت في تحرش المرة الجاية مش ضامن هيتعمل فيا إيه!
عاد كلًا من ياسين ومازن إلى الأرض كي يعملان بها، ولكن أرسل مهران لهما كي يعودا مبكرًا فالساعة الواحدة ظهرًا وأخبرهم أن يأتوا.
وصل الجميع إلى الردهة، ينتظران مهران الذي خرج من المكتب يتطلع لهما ثم قال وهو يجلس على مقعده:
_ لدينا زفاف بالليل لذا أخبرتكم أن تأتوا مبكرًا كي تتناولوا الغداء ونروي قصتنا ثم تصعدوا كي تغفوا قليلًا بالساعة السادسة جميعكم تصبحون مستعد.
امتثل الجميع حديث مهران وتناولوا الغداء وسط محاولة ياسمين للهروب من زين، ونظرات قطوف إلى مازن واهتمامها به.
اجتمع الشباب والجميع بالردهة يحتسون الشاي، ثم بدأ مهران بالحديث عن قصته يردف بهدوء:
_ اليوم يا أحبائي سوف نتحدث عن أبي العاص بن الربيع وزوجته ابنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام زينب. ذهب أبي العاص كي يطلب بيد زينب من الرسول ولكن الرسول أخبره بأن يسألها أولًا وبالفعل سألها الرسول وتزوجت من أبي العاص بعد موافقتها، فأحبها أبي العاص حبًا كبيرًا، ولكن بهذا الوقت كانت قريش تحارب الرسول لذا أمروا بأن ترد بنات الرسول ويتطلقن. فعادت رقية وأم كلثوم ولكن لم تعد زينب فحاول أهل قريش مع أبي العاص ولكنه قال: لا وربِ هذه البنية أي الكعبة، لا أفارق صاحبتي، فليس بيني وبينها ما يدعو لذلك، ولم أر من محمد إلا خيرًا، أنا لست على دينه، ولكني لا أفارق ابنته.
حاولوا معه وأخبروه سوف يزوجه بأي امرأة يشير عليها ولكن رفض عرضهم يعلن أن زينب هي بنت نساء قريش جميعًا. عادوا يحملون خيبات وعاد أبو العاص لزوجته يحمل طفليه، يردد بحب لزوجته: لا عليكِ، لن ينالوا مما بيننا يا زينب، أنت على دين أبيك، وأنا على ديني.
وعندما هاجر أهل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – ، منع أبو العاص زينب من الهجرة محبة بها، فهو لا يستطيع فراقها، بقيت معه في مكة. ولما كانت غزوة بدر؛ خرج مع قومه مكرهًا، فوقع في الأسر.
علمت زينب بأخبار الغزو وحمدت ربها بانتصار أبيها ولكن عندما علمت بأسر زوجها، أرسلت لفدائه بقلادة منحتها لها السيدة خديجة رضي الله عنها. رأى النبي قلادة ابنته ورق قلبه لها، فهذه قلادة خديجة زوجته وحبيبته. وعلم مدى حبها لأبي العاص فشاورا الصحابة بينهم ووافق الجميع على فداء أبي العاص وإعادة القلادة إلى زينب، ولكن تقابل مع الرسول وأخبره أن الله فرق بين المسلمين والكافرين بسم الله الرحمن الرحيم (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).
وأن زينب لا تحل له ويجب أن يرسلها. رد أبو العاص: لبيك.
عاد ولا يدري كيف له العيش بدون زينب! ولما وصل جهز لها زادها وراحلتها، وأخبرها بأنه سيرسلها إلى أبيها. ومن شدة حبه لها، لم يتمالك نفسه بأن يوصلها إلى أطراف البادية ويودعها، فطلب من أخيه عمرو أن يرافقها ويسلمها في أطراف البادية لرسول أبيها. وكان أبو سفيان قد طلب من عمرو أن لا يخرج بزينب علانية على رؤوس الناس، فنزل عمرو عند رغبة أبي سفيان، وخرج بها ليلًا بعد أيام معدودات، وسلمها إلى أبيها يدًا بيد.
ظلت زينب ترفض الخطاب لمدة ست سنوات، على أمل أن يعود إليها زوجها وأبو ولديها مسلمًا.
وكان أبو العاص يومًا في تجارة لقريش إلى الشام، وعند عودته التقته سرية من المسلمين، فأصابوا كل ما معهم وهرب هو منهم، وتسلل ليلًا حتى وصل إلى بيت زينب، فقال لها: جئت هاربًا مستجيرًا. ولما خرج المسلمون لصلاة الفجر، صرخت زينب وقالت: أيها الناس أنا زينب بنت محمد، وقد أجرت أبا العاص فأجيروه. فلما سلم النبي وانتهى من الصلاة، التفت إلى الناس وقال: هل سمعتم ما سمعت؟! ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، وإن هذا الرجل ما ذممته صهرًا، وإن هذا الرجل حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله، وأن تتركوه يعود إلى بلده، وإن أبيتم فالأمر إليكم.
فقال الناس: بل نعطيه ماله يا رسول الله.
فقال النبي: قد أجرنا من أجرتِ يا زينب.
فلما رجع أبو العاص إلى مكة، وقف أمام الكعبة يوزع أموال التجارة الرابحة على أصحابها، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ فقالوا: لا. فرفع صوته قائلًا: إذن فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحَمدًا رسول الله.
ثم عاد إلى النبي، وأخبره بإسلامه، واستأذن زينب أن ترجع إليه، فوافقت.
لم تعش زينب – رضي الله عنها – طويلًا بعد إسلام زوجها والتقائها به، إذ توفيت في العام الثامن من الهجرة النبوية، وبكى زوجها بكاء شديدًا، والذي توفاه الله في العام الثاني عشر من الهجرة، رضي الله عنهما وأرضاهما.
صمت مهران قليلًا، ثم استرسل حديث متمتمًا:
_ أردت يا أحبائي أن أخبركم أن من يحب بصدق سيبقى وفيًا لآخر العمر... يمكنكم النهوض.
نهضوا جميعًا عائدين لغرفهم.
***
_ مازن عايزة أتكلم معاك بحاجة!!
قالتها قطوف بتوتر بعدما أغلقت الباب ترى مازن يستعد كي يأخذ حمامًا ويغفو. نظر لها مازن باهتمام ليرى ما الذي تريده!!