تحميل رواية «فراشة في سك العقرب» PDF
بقلم ناهد خالد
الفصل 11 — رواية فراشة في سك العقرب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تسمرت في مكانها حين لمحت وقوفه قريبًا منها، وصمتت عن الحديث غير قادرة على التفوه بحرف واحد، ورد الفعل الصحيح تجهله. فماذا ستفعل وأين ستخفي الهاتف وهو يقف مجاورًا لها وعيناه بالتأكيد لا تفارقها. ثوانٍ مرت عليها كالساعات حتى دلفت "نورهان" غرفته فجأة. ليلْتَفِت لها، فتسرع "فيروز" بالتصرف وهي تسقط الهاتف في إناء زرع قريب منها، ووقفت تعدل خصلات شعرها وكأنها لا تنتبه لهم. "إيه يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟" نظرت له بتردد واضح جعله يحثها على الحديث، فقالت بحذر: "كنت عاوزة أسألك سؤال، لو هيعصّبك بلاش ترد." اب...
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ناهد خالد
ليلاً...
أخيرًا استطاعت أن تنفرد بنفسها بعيد عن ضجيج الجميع.
أخرجت الهاتف الصغير بحرص وحذر وطلبت رقم "مازن".
ظلت تطلب رقمه لعدة مرات دون رد.
فزفرت أنفاسها باختناق وهي تضع الهاتف جوارها بعد أن فعلت وضع الهزاز احتسابًا لرنينه في أي وقت.
وشردت بعقلها في أحداث اليوم وما سمعته عن حقيقة شدوى.
حدثت نفسها تقول:
_ هو شاهين ده أهبل ولا إيه؟ إزاي قبل يتجوزها وهي غلطت مع واحد تاني؟ لأ وحملت منه!
وليه أفعاله متناقضة كده؟ ده لو شخص وحش ومعندوش رحمة ولا قلب زي ما بيقولوا عليه وزي ما بيظهر ساعات عمره ما كان اتجوزها وكتب الواد على اسمه، أكيد كان قتلها!
طب معقول من حبه لها مقدرش يقتلها! بس بردو المفروض واحد بشخصيته ميحبش أصلاً ولا يعرف يحب، ولو حب ميهزوش الحب ده.
هو مش زي بتوع العصابات اللي بنسمع عنهم اللي يقتل مراته عشان خانته واللي يقتل حبيبته عشان هربت منه! ولا هو من بره هالله هالله ومن جوه يعلم الله!
آآآه...
رددت تأوها الأخير بتعب وهي تضع كفها على رأسها من كثرة التفكير.
وفجأة ابتسم ثغرها ابتسامة غير مفهومة وهي تتخيل واقع حديثه معها، وطلبه منها أن تصبح زوجته حقيقيةً.
زوجته!
كلمة لها وقع غريب على نفسها.
تتخيل فقط لو الأمر أصبح حقيقة.
ستصبح هي سيدة المنزل الواسع والفخم هذا.
ستصبح من سيدات المجتمع الراقي.
ستمُتلك الكثير من الثياب الباهظة والمجوهرات والخدم والسيارات.
أشياء لم تحلم يومًا أن تمتلكها.
سوف تستطيع أن تملك كل ما تقع عيناها عليه.
إن أرادت شيء سيكون لديها فورًا ولن تحسب له ألف مرة كما تفعل الآن.
ولكنها مع كونها ستملك كل هذا... ستصبح مملوكة!
مملوكة لشخص مخيف، غريب، والخطأ عنده بعُمر.
شخص من المفترض أنه رجل خطر والبُعد عنه نجاة.
تنهدت بحيرة وهي تتجه بتفكيرها لجانب آخر.
شاهين ورغم كل علامات الاستفهام حوله، لكنه بهِ بعض الطباع الحسنة.
ويا للعجب أنها تقول هذا!
بصرف النظر عن حديث "نورهان" المسبق عنه، لكنها في كثير من الأحيان تلتمس فيه أمورًا جيدة، وتشعر أنه على عكس الشخصية التي يُظهرها.
زفرت بقوة وهي تقول:
_ إيه الهبل ده! أنا بفكر في إيه؟!
انتفضت على اهتزاز الهاتف لتجده "مازن".
فتحت المكالمة فورًا تردد بصوت منخفض:
_ مازن، رنيت عليك كتير مردتش.
أتاها صوته الهادئ يقول:
_ كنت مشغول شوية.
شعرت بأن صوته بهِ شيء ما:
_ أنتَ كويس؟ صوتك مش طبيعي.
_ لا أنا تمام، قوليلي في حاجة ضرورية؟
ورغم تأكدها بأنه ليس بأحسن أحواله لكنها قالت متغاضية عن ما لا يريد الإفصاح عنه:
_ في حاجات... شاهين طلق شدوى رسمي.
أتاها صوته المصدوم:
_ بتقولي إيه؟ إزاي؟ والعيلة عرفت؟
_ جدك هو اللي أمر بكده، ومحدش قدر يتكلم.
وكمان قال إن كتب كتابي أنا وشاهين بكرة.
بس شاهين مشكورًا يعني كلمني بعدها قدامه وقالي إني أكيد لازم أعرف بابا الأول ولازم يكون حاضر.
فمسكت في الحجة دي وتبت.
لكن مش عارفة هعمل إيه وهفضل أماطل لأمتى؟ وأبويا ده هييجي منين!؟
_ إيه ده؟ كتب كتاب إيه؟ هم اتجننوا؟ ولا شاهين عاوز يتأكد إنه هيسبقني بخطوة!
قطبت بين حاجبيها باستغراب وهي تقول:
_ هو كل اللي فارق معاك إنه هيسبقك بخطوة؟ بعدين أنا في بالي إنك هتتصرف وتهربني من هنا زي ما قولت قبل ما ياخد الخطوة دي.
تردد صوته وظهر بهِ الارتباك وهو يقول:
_ مش قصدي أكيد... بس أنا لما فكرت في موضوع هروبك ده لقيت إنه صعب شوية.
_ صعب!
رددتها متفاجئة من حديثه فقد بنت أفكارها على تصرفه هو وتهريبه لها من هنا قبل أن تُكشف أو تقع في المحظور.
_ هنبقى معملناش حاجة يا فيروز، هيكون خوفك وكل اللي عملتيه الفترة اللي فاتت راح على الأرض.
لازم نلاقي دليل على شاهين قبل ما تطلعي من حياته.
_ ولو لقيته؟
_ هيتسجن طبعًا!
ابتسمت باستخفاف تقول:
_ وطبعًا على ما أعرف ألاقي دليل هيكون اتجوزني!
سمعت زفرة حارة منه قبل أن يقول:
_ ووقتها هتتحرري منه، متقلقيش عمري ما هسيبك تقعي فيه عمرك كله، وعمري ما هسمحله يلمسك.
_ هيكون جوزي!
صرخت بها بنبرة خافتة وقد تجمعت دموعها في عينيها وقالت مكملة بمرار تتذوق طعمه في حلقها:
_ إزاي مش هتسمحله يلمسني وهو هيكون جوزي! إزاي قولت إنك بتحبني ودلوقتي معندكش مشكلة يتجوزه المهم مصلحتك تمشي وأعرف أجيب لك دليل عليه!
أنا تخيلت إني أول ما أحكيلك هتقولي أنا ههربك فورًا من عندك، ردك صدمني ومش قادرة أستوعبه.
_ اسمعيني بس، دلوقتي حتى لو كتب كتابه عليكي شاهين مش من النوع الرومانسي ولا انتِ فارقة معاه أصلاً.
هو بيعمل كده عشان يعلن انتصاره عليا.
وبناء عليه هو عمره ما هيقربلك، هو بس هيتجوزك عشان يثبتلي إنه خدك مني.
فبالنسبة إنه يقربلك ده مش هيعمله.
ولما نمسك عليه دليل هيتحبس، وقتها تقدري ترفعي عليه قضية خلع، وهتخلصي من الموضوع ده خالص بدون أي خساير.
وحقيقًة لا تعرف الآن لِمَ فعلت هذا لكنها لم تخبره عن رغبة "شاهين" الذي أخبرها بها، وأنه يريد الزواج منها ليكون أسرة وأولاد.
صمتت، ولا تعرف سبب الصمت الغريب في موقف كهذا، لكنها شعرت بشيء يطبق في عنقها، ويجثم فوق صدرها، شيء لم تستطع إزاحته أو التخلص منه.
فقالت بغصة مختنقة:
_ أنتَ شايف كده؟
تنهيدة عميقة خرجت منه قبل أن تسمع صوته:
_ فيروز، أنا قولتلك إني بحبك... ومينفعش تشككي في كلامي أو شعوري.
لأني ببساطة مش مراهق عشان معرفش حقيقة مشاعري ليكي.
تهاوت دموعها وهي تشعر بالحزن والكآبة وقالت معاتبة:
_ غريب حبك ده! رغم إني معرفش الحب ولا عمري عيشته، لكن مش طبيعي تكون بتحبني وموافق راجل تاني يتجوزني حتى لو مش هيقرب مني زي ما بتقول رغم إن ده شيء مش مضمون.
هتعمل إيه لو بقى جوزي بجد؟ هيبقى الموضوع عادي زي ما عادي اتجوزه!؟
أتاها صوته الغاضب يقول رافضًا:
_ لا طبعًا، وانتِ المفروض ماتسمحيش بده! ده لو بتحبيني.
أنا أصلاً مسمعتش ردك على اللي قولتهولك في الحفلة، مشاعرك إيه ناحيتي يا فيروز؟
هو يخنقها الآن، فمشاعرها مضطربة، ومشوشة بعد حديثه الغريب عليها وردود أفعاله الأغرب.
اتجهت للنافذة تنظر من خلفها للسماء لتجد نفسها تردد بشرود:
_ مش عارفة... بس يمكن في مشاعر جوايا ليك.
والحقيقة لو سألها نفس السؤال في أول مكالمته لقالتها صراحًة واعترفت بالحب، ولكنها "فيروز" الفتاة التي تعلمت نصف ما بها من صفات وطباع من الشارع، من قسوته وسوء معظم من قابلتهم بهِ، لذا فعقلها يطغى على مشاعرها في كثير من الأحيان، أو حين يستدعى الأمر.
والعقل يقول الآن أن تتماسك وألا تتسرع في الاعتراف بمشاعرها.
_ رغم إن إجابتك مش مرضية أوي ليا، بس مقدر إنك أكيد في تردد وحيرة وسط اللخبطة اللي بتحصل.
_ وليه متأكد إن جوايا مشاعر ليك؟
_ تصرفاتك ونظراتك بتفضحك يا فيروز، يمكن مش متأكد إذا كنتي حبتيني ولا لأ، بس متأكد إني مؤثر فيكي.
وعلى فكرة... وحشتيني.
اضطربت وانتفض قلبها وهي تستمع لكلمته، وعقلها يستنكر كيف اشتاق لها وقد رأته بالأمس في الحفل!
إنه يبالغ! أم يريد أن يحسن الوضع بعدما شعر بتوتره؟
لم تعقب على كلمته فقط قالت متخطية الموضوع:
_ المطلوب مني أعمل إيه؟ وأبويا ده هنتصرف فيه إزاي؟
_ بقولك إيه تعرفي مرسي دراع شاهين اليمين؟
صمتت تحاول إدراك هوية من يذكره فقالت:
_ لأ، ماله ده؟
_ ده لازم تعرفيه، هبعتلك صورته.
الراجل ده لو شوفتيه عند شاهين في مكتبه حاولي على قد ما تقدري بعد ما يمشي على طول تدخلي المكتب وتدوري فيه.
مرسي مبيظهرش غير لما يكون هو وشاهين بيرتبوا لعملية.
ولو عرفتي تسمعيهم وتعرفي منهم معلومات، أي معلومة حتى لو صغيرة تعرفهالي.
_ وهعمل ده إزاي؟ ده في تور واقف على الباب بتاع المكتب مبيخليش حد يقرب منه.
_ اتصرفي يا فيروز، شوفي شبابيك المكتب ولا أي مكان تقدري تسمعي منه.
مرسي ده هو اللي هيوصلنا لحاجة وإلا هنفضل نلف في دايرة مقفولة.
_ هحاول...
قالتها بتنهيدة قوية وهي تشعر أن القادم ليس سهلاً.
وسألته:
_ ولو قالي إنه عاوز يتواصل مع أبويا؟
_ قوليله إنك هتتواصلي معاه عن طريق أكونت الفيسبوك لأن طبعًا تليفونك مش معاكي ومتعرفيش غير أكونته.
وأنا هبعتلك في رسالة اسم الأكونت والصورة بتاعته.
الراجل ده واحد معرفة موجود في لندن هكلمه أفهمه كل حاجة وأعرفه لما تتواصلي معاه هيقول إيه.
_ واسم الأكونت ده مش هيكون مختلف عن اسم أبويا؟
_ أصلاً هو عامل أكونت باسم وهمي فموضوع الاسم مش مهم.
******
في اليوم التالي...
_ الزم أدبك يا سيف، شاهين هو كبير العيلة من بعدي ميصحش تتكلم عليه كده.
_ ومين قرر إنه كبير العيلة يا جدي! العيلة مش محتاجة كبير من بعدك.
_ لا محتاجة، محتاجة عشان اللي في دماغك ده مش هيحصل حتى بموتي.
بموتي مش هتقسموا الورث ومتعرفوش بعض بعدها.
أنا موصي إن مفيش مليم يطلع من الورث، ومفيش حاجة هتتوزع، وملك عيلة المنشاوي هيفضل زي ماهو واللي مش عاجبه يفارق بس من غير ولا مليم.
_ إيه الجنان ده! أنتَ بتقول إيه؟ ده ورثنا وحقنا ناخده.
_ متولعش النار يابابا، أنتَ عارف إنهم عمرهم ما حبوا بعض في وجودك.
عيلة كلها تعابين، هيحبوا بعض بعد موتك!
والجملة أتت من ولده "مختار" الذي دلف للفيلا للتو.
نظر له "المنشاوي" وهو يشير ل"سيف" بينما يقول:
_ تعالى... تعالى شوف البيه ابنك بيقول إيه.
البيه بيعدل عليا أنا وابن عمه، صاحي يقول شكل للبيع، والتعابين اللي تقصدهم يبقوا انت وعيالك.
مين في العيلة بيحقد ويغل غيركوا!
قال "سيف" بغضب:
_ عشان مش بعد كل السنين اللي شدوى قضتهم معاه تخرج من حياته فجأة كده وترجع تعيش في المنفى.
هي من حقها تفضل عايشة هنا، ولو مش في البيت خلاص تعيش معايا أنا ومراتي في بيتنا.
ضرب "المنشاوي" عصاه بالأرض بحدة:
_ لأ، مش هيحصل، عشان عارف إن أختك مجنونة وعديمة الكرامة، مش هتسيب شاهين في حاله.
وطول ما هي معاه في نفس البلد هترازي فيه هو وخطيبته، وأنا عاوز أقطع جدر الموضوع ده خالص.
قال "مختار" بغيظ يكبته:
_ اسمع يا حاج، شاهين لازم يرد شدوى لعصمته.
اللي عملته امبارح أنتَ من غير ما تاخد رأي حد غلط، وغلط كبير.
اقترب "المنشاوي" منه وهو يقول ساخرًا:
_ وليه عاوزها ترجعله؟ وموافق ترجعله بس يتجوز عليها؟ ولا هتحجر عليه وتحرمه من حقه وتقول مايتجوزش؟
ورده كما توقعه الجد حين قال:
_ لو عاوز يتجوز يتجوز، المهم ميرميش بنت عمه وابنها عشان واحدة غريبة و...
قطع "المنشاوي" حديثه يقول بابتسامة مشمئزة:
_ مش مصدق إنك بتبيع بنتك وبتمسح بكرامتها الأرض عشان ورث شاهين.
توتر وجه "مختار" وهو يقول برفض:
_ ورث إيه؟ أنا مش محتاج ورثه أنا...
_ لا محتاج... ورثه اللي هو ورث أبوه واللي أصريت أكتبه باسمه عشان لما أموت متأكلوش حقه.
ورثه اللي حافظ عليه وبقى 3 أضعاف الأصل.
لم يستطع "سيف" التحكم في نفسه وهو يقول غاضبًا وحانقًا:
_ وللآن مش راضي تكتب لأبويا حقه الشرعي في باقي أملاكك، وسايبهم باسمك، عشان لما تموت شاهين يورث تاني!
نظر له "المنشاوي" نظرة قاتمة، حادة وقال:
_ شاهين مش طماع ولا معدوم الضمير زيك، هو عمره ما هياخد جنيه تاني.
لكن أنا مش هكتبلكوا باقي أملاكي عشان أمد إيدي ليكوا أطلب المصروف كل شهر ولا لو وقعت في مشكلة استلف منكوا.
وانتَ بالذات يا فاشل لو شميت ريحة الفلوس هتضيعها زي كل حاجة ضيعتها قبل كده.
_ طبعًا، أنا الفاشل وشاهين بيه هو اللي مفيش منه، طول عمرك شايفه بطل رغم إن كل اللي بيعمله عادي.
قالها "سيف" بكره حقيقي، فمن كثرة ما يرى تفضيل الجد ل "شاهين" عليهِ كره "شاهين" والجد نفسه.
ليقول الجد:
_ اعمل نص اللي بيعمله بعدين ابقى أتكلم، ده انتَ لسه بتاخد مصروفك من أبوك ومعتبره مرتب قال.
مرتب إيه وانتَ مبتروحش الشركة مرتين في الأسبوع.
_ اديني نص اللي ادتهوله وأنا أعمل زي ما عمل.
غضب "المنشاوي" وهو يقول:
_ لا هديك حاجة، ولا تحلم لا انتَ ولا أبوك إني أكتبلكوا أملاكي.
لما أموت ابقوا ورثوني، ومتخلونيش أحلف إني أكتب وصية إن بعد موتي أملاكي ماتتقسمش وأخلي كل حاجة تحت تحكم شاهين عشان تفضلوا طول عمركوا تحت إيده.
_ بعد الشر عليك يا بابا، بس بقى يا مختار انتَ وسيف عيب كده، حصل إيه لكل ده؟
وانتَ يا سيف اهدى، انتَ من وقت ما صحيت وانتَ بتقول شكل للبيع ونازل شامم نفسك علينا.
هدرت بها "سهير" خارجة عن صمتها ليقول "سيف" بنفس غضبه:
_ عشان امبارح اضطريت أسكت تحت إصرار جدي، لكن أنا مش قابل اللي عمله.
هو فكر في شاهين وبس، مفكرش في اختي.
نزلت "صفاء" على الدرج تقول بوجه شاحب:
_ منشاوي بيه أنا طلعت أبلغ شدوى هانم تجهز الشنط عشان تمشوا، بس ملقتهاش لا هي ولا تيم، وهدومهم مش فوق.
صُدم الجميع مما قالته، واتسعت عيني "المنشاوي" بغضب وهو يهدر في "سيف":
_ اتصل بيها شوفها راحت في أي داهية.
******
اليوم لابد أن يخرج من المستشفى، وللعجب لم يكن يريد الخروج!
فقدومها له على مدار اليومين كان يبعث فيهِ راحة غريبة، وكأنه بدأ يفضل المكوث في المستشفى فقط لتأتي وتره!
لِمَ أصبح يراها بشكل مختلف؟
أليست هي نفسها "مستكة" الفتاة التي لا يحب الحديث معها ولا نظراتها له، لا يحب سخافتها وهي لا تنفك عن إظهار مشاعرها أمامه، ولكن الصورة الجديدة التي ظهرت بها أحبها، أو على الأقل تقبلها.
الفتاة العاقلة التي تعطيه دفعة للحياة والتي يمتلئ حديثها بالحكمة والمواعظ.
الفتاة التي جعلته يتقبل وضعه وأشعرته بأنه لم يفقد حياته كما رأى الوضع، بل فقد شيء وعليهِ أن يعوضه بشيء آخر.
نزل من سيارة الأجرة، ليجدها تقف أمام منزلهم تحمل صينية طعام مغطاة بقطعة قماشية كبيرة.
اقترب هو ووالده منها ليبدأ "شاكر" في الحديث:
_ إيه اللي موقفك كده يا مستكة؟
ابتسمت بخجل وهي تنظر لِمَ تحمله:
_ لما كنت في المستشفى الصبح عرفت إنكم هتخرجوا على ميعاد الغدا.
قولت أكيد مش هتلحقوا تيجوا تعملوا أكل وهتكونوا جعانين، فعملت حاجة بسيطة كده.
خرج "مجد" عن صمته يقول بحرج مما تفعله معهم:
_ بس كده كتير...
بعدين معنى كده إنك مشتغلتيش النهاردة كمان! ومعطلة نفسك عشانا.
رفعت نظرها تطالعه بابتسامة ولمعة عيناها قد عادت كما كانت دومًا:
_ مش كتير ولا حاجة، وبعدين... أنا خدت النهاردة إجازة من شغلي، وبيع الفل كده كده بشتغله في أي وقت.
اقتربت تعطي الصينية ل"شاكر" وقالت:
_ حمد الله على السلامة، وإن شاء الله ربنا يتمم شفاه على خير.
تناولها منها "شاكر" بحرج وامتنان:
_ تعبناكي معانا اليومين اللي فاتوا، بس مش جديدة عليكي يا مستكة طول عمري شايفك بت جدعة وبنت أصول.
ابتسمت وهي تختلس النظرات ل "مجد":
_ الجيران لبعضها يا عم شاكر، والرسول وصى على سابع جار، واحنا ولاد حتة واحدة، ويارب الأكل يعجبكوا.
_ أكيد.
قالها "مجد" فجأة، لينظرا له فحمحم يقول:
_ كفاية إنك تعبتي نفسك وعملتيه.
_ السلام عليكم.
قالتها وهي تنصرف من أمامهما وقلبها يدق بدقات تشعر بها للمرة الأولى.
فلأول مرة يعاملها "مجد" بهذا اللطف، لأول مرة يتقبلها دون أن ترى منه نظراته الكارهة، دون أن يجرحها بحديثه، كما كان الأمر هكذا في المستشفى لكنها كانت تبرر ربما يقدر ذهابها لرؤيته كمريض فيحاول أن يعاملها بلطف.
ولكن ماذا عن الآن؟ وهل هذا أمل تتعلق بهِ أم ستكون أكبر ساذجة إن فعلت!
******
مساء اليوم التالي....
ابتسمت بتوتر وهي تحادث والدها المزعوم عبر هاتفه:
_ أنا بس يا بابي كلمتك عشان أقولك إن في حد اتقدم لي وحابب يكلمك عشان يطلبني منك، وكمان يحدد معاك باقي التفاصيل.
أتاهما صوت الرجل يقول بضيق أجاد تمثيله:
_ والكلام ده من امتى؟ بعدين تفاصيل إيه اللي هحددها معاه وأنا معرفوش ولا اعرف عنه حاجة!
نظرت ل"شاهين" بتوتر ثم أجابت:
_ أنا اعرفه كويس يا بابي، وواثقة فيه، هو بس عاوز يعني يحدد معاك ميعاد الخطوبة وكمان عشان تكون موجود.
_ لالالا مش هقدر أنزل مصر خالص، مش أقل من كام شهر لأن عندي أشغال كتير هنا مينفعش أسيبها وأنزل.
نظرت ل "شاهين" بحيرة مصطنعة ثم سألت الرجل:
_ يعني ممكن تنزل بعد قد إيه؟
_ يعني مش أقل من 6 شهور، بلغيه بكده، وخليه يأجل أي حاجة لحد ما أنزل.
_ تمام يا بابي، هكلمك تاني.
وأغلقت معه الهاتف لتنظر ل"شاهين" الذي يطالعها بصمت.
صمت لم يقطعه فقطعته هي تقول بابتسامة متوترة:
_ ساكت ليه؟
نظر لها بتمعن أقلقها:
_ وافقتي ليه؟ متوقعتش تدخلي عليا الصبح المكتب تقوليلي أنا موافقة إننا نتجوز بجد!
تحكمت في خوفها من أن تخفق في الحديث، واستدعت الثبات وهي تقول:
_ فكرت بعقلي، على فكرة أنا بعيدة خالص عن الحب والمشاعر والكلام ده.
ولما هديت وفكرت لقيت إني طول عمري بدور على الزوج المناسب بشكل عقلاني، وبصراحة... أنتَ فيك كل مواصفاته.
بس مع عقبة بسيطة مش عارفة هقدر أتخطاها ولا لأ.
_ ويا ترى إيه هي العقبة دي؟
_ موضوع تجارتك في السلاح، أنا للآن مش عارفة أنتَ فعلاً بتتاجر فيها ولا مازن فاهم غلط!
شبك كفيهِ فوق المكتب يقول بهدوء:
_ بصي، أنا أكتر حاجة بكرهها إن حد يدخل في تفاصيل حياتي، أو يتدخل في حاجات أنا شايف إنه ملوش فيها.
رفعت حاجبها الأيسر باستنكار تقول:
_ يعني إيه! لا ليا فيها طبعًا، التفاصيل دي هتكون حياتي أنا كمان، إزاي أتزوج شخص حواليه شكوك، وشكوك إجرامية كمان!
عقب على حديثها بنبرة قوية واثقة:
_ بصرف النظر عن أي شيء يخصني أو يخص شغلي، يكفيكي أقولك إنك عمرك ما هتتأذي ولا هتكوني طرف لعداوتي مع حد.
أنا عارف كويس أوي أفصل حياتي العملية بكل اللي فيها عن بيتي وحياتي الشخصية.
شدوى عاشت معايا 7 سنين ولا مرة مشاكلي في شغالي أو عداوتي مع حد حست بيها، واعتقد ده اللي يهمك.
لم تقتنع بحديثه أبدًا وقالت:
_ أيوه بس لو شغال في السلاح واتقبض عليك ده مش هيأثر عليا وعلى حياتي!
نهض يلف حوله مكتبه حتى أصبح أمامها فاقترب من كرسيها واستند بكفه على المكتب يميل عليها يسألها بأعين ماكرة:
_ بتلفي وتدوري ومصممة توصلي لإجابة السؤال ده صح؟
رمشت بأهدابها توترًا من اقترابه الخطر، وابتلعت ريقها بصعوبة مع تسارع أنفاسها وقالت بنبرة مرتبكة:
_ أيوه... مصممة، وبصراحة ده مقابل إني أوافق بشكل كلي... على... على الجواز يعني.
******
جلس أمامها في المقهى الذي اتفق معها على اللقاء فيه، وقال بابتسامة ارتسمت على ثغره:
_ هتشربي عصير مانجا كالعادة ولا ناوية تغيري؟
ابتسمت وهي تجيبه:
_ مانتَ عارف مبشربش غيره.
طلب لها مشروبها وطلب له قهوته الخاصة وبعدها نظر لها يقول:
_ امبارح جالك تليفون ومشيتي وملحقناش نتكلم، نزلتي مصر ليه وامتى؟ وكلمتيني ليه؟
ضحكت ضحكة صغيرة تقول:
_ كل دي أسئلة؟ عمومًا هجاوبك.
نزلت مصر من أسبوعين، وليه... عشان للأسف حياتي بره انتهت، وكلمتك ليه... فكلمتك عشان لما نزلت مصر معرفتش ألاقي أي حد من صحابي، ولقيت نفسي لوحدي.
افتكرتك.. وقولت أنتَ الوحيد اللي هعرف أوصلك لأن الأكونت بتاعك كان لسه عندي، قولت أكلمك ونرجع صداقتنا ويبقالي حد هنا على الأقل أسند عليه وقت ما يحصلي مشكلة أو أحتاج صاحب.
نظر لها بتمعن يسألها:
_ معقول! شايفه إننا ينفع نرجع صحاب؟ حتى بعد اللي حصل يا ليلى؟
تنهدت وهي تقول بينما تنظر بعيدًا:
_ اللي حصل بيني وبين أخوك زمان أنا عمري ما دخلتك طرف فيه، بالعكس طول الوقت حافظة جميلك إنك نبهتني وخوفت عليا اتخدع فيه، وعمومًا.... أنا نسيت شاهين من زمان يا مازن.
_ متأكده؟
سألها بشك واضح، لتبتسم في خفوت وقالت:
_ لو ماكنتش نسيته مكانتش اتجوزت.
_ اتجوزتي؟؟؟
رددها بصدمة وفاه فاغر وقد شعر بحجر ثقيل سقط فوق قلبه فجأة.
يتبع......