تحميل رواية «فراشة في سك العقرب» PDF
بقلم ناهد خالد
الفصل 24 — رواية فراشة في سك العقرب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تسمرت في مكانها حين لمحت وقوفه قريبًا منها، وصمتت عن الحديث غير قادرة على التفوه بحرف واحد، ورد الفعل الصحيح تجهله. فماذا ستفعل وأين ستخفي الهاتف وهو يقف مجاورًا لها وعيناه بالتأكيد لا تفارقها. ثوانٍ مرت عليها كالساعات حتى دلفت "نورهان" غرفته فجأة. ليلْتَفِت لها، فتسرع "فيروز" بالتصرف وهي تسقط الهاتف في إناء زرع قريب منها، ووقفت تعدل خصلات شعرها وكأنها لا تنتبه لهم. "إيه يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟" نظرت له بتردد واضح جعله يحثها على الحديث، فقالت بحذر: "كنت عاوزة أسألك سؤال، لو هيعصّبك بلاش ترد." اب...
رواية فراشة في سك العقرب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ناهد خالد
وفي اليوم التالي في فيلا شاهين...
وقبل حلول المساء كانت سيدة ومعها فتاة أخرى في غرفة فيروز يقومان بعملهما في تجهيزها من حيث وضع مستحضرات التجميل وتصفيف الشعر وغيرها، حتى انتهيا فنظرت "فيروز" لنفسها في المرآة لترى نفسها ولأول مرة جميلة إلى حد ما!
فالمستحضرات التجميلية التي تم وضعها على بشرتها أبرزت جمال ملامحها وأخفت العيوب التي كانت تمقتها، ورغم أنها لم تغير من لونها فحين طلبت من السيدة أن تفتح درجة بشرتها رفضت متعللة بأنها لن تليق عليها والأفضل أن يتم وضع الكريمات التي تطابق لونها.
وبعدما أصبحت بمفردها اتجهت لذلك الثوب الذي لم تراه فقد أتى منذ عدة ساعات وأوصلته صفاء لغرفتها، لكنها لم يتيح لها الفرصة أن تراه، فتحت سحاب الغلاف القماشي الخاص به وأخرجته منه لتتسع عينيها انبهارًا بهِ وللمرة الثانية يحسن شاهين الاختيار.
فقد كان فستانًا من اللون النبيذي بقماشته اللامعة بشدة، ينسدل على جسدها كاشفًا عن ذراعيها والقليل من مقدمة صدرها عبر فتحته المثلثية وظهرها، وأما عن طوله فيصل إلى الأرض، ولكن حين ارتدته وارتدت الحذاء الذي أتى معه والذي كان بكعبٍ عالٍ ارتفع الفستان عن الأرض ليصبح بطول مناسب.
وقفت تنظر إلى نفسها في المرآة التي استطاعت أن تعطيها صورة كاملة لجسدها، ولا تعرف لِمَ خطر في بالها هذا الشيء حين أجرت مقارنة سريعة بين الثياب التي اختارها لها مازن من المول مبررًا بأنها ليست مرتدية للحجاب، فكانت معظم الثياب إن لم تكن جميعها كاشفة الكثير من جسدها، وتبرير آخر منه بأنها قضت معظم عمرها في لندن لذا فهذه هي الثياب المناسبة تمامًا.
أما عن شاهين فمنذ أن أتت لهنا وكل الثياب التي أحضرها لها سواء كانت الثياب التي ترتديها يوميًا أو فستان الحفلة السابقة وفستان هذه الحفلة أيضًا، فكانت ثياب إلى حد ما محتشمة لا تكشف الكثير من جسدها وهذا حولها علامة استفهام كبيرة!
تعرف أنها لن تصل لإجابة أسئلتها.. فهل كل هذه الثياب ليست من اختيار شاهين؟ والإجابة لا، فقد علمت أكثر من مرة من صفاء بطريقة غير مباشرة أنه من يختار الثياب عبر موقع إلكتروني وتأتي لباب المنزل عبر عملاء التوصيل.
والاحتمال الآخر هل شاهين من أنصار الثياب المحتشمة؟ ولا يحبذ أن تُظهر المرأة مفاتنها للجميع والإجابة نفس الإجابة السابقة "لا"، فشدوى جميع ثيابها مكشوفة لدرجة أنها رأتها منذ عدة أيام وهي تعود من الخارج وكانت ترتدي فستان قصير للغاية يصل إلى قبل ركبتيها بمسافة ليست بهينة، وهو في نظر فيروز ليس سوى ثياب خاصة بالنوم..
وكما توقعت في البداية لن تصل لإجابة مقنعة، فنفضت رأسها مما بهِ وهي تنظر لنفسها في المرآة نظرة أخيرة، وكأنها تتعرف على الشخصية الجديدة التي لم تظن يومًا أن تعيش دورها، فهيهات الفرق بين "فُله" و"فيروز" هانم التي اقترنت بعلاقة مع "شاهين بيه المنشاوي".
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تلتقط حقيبة اليد والتي لم تخلُ أبدًا من الزخرفة، والفصوص اللامعة بها، وخرجت من الغرفة على موعد مع "نورهان" والتي ستذهب معها للحفل.
******
وبأحد أفخم فنادق القاهرة...
توقفت إحدى سيارات "شاهين المنشاوي" والتي كانت تنقل "فيروز ونورهان" لمكان الحفل، ليترجل الاثنتان منها وفيروز تنظر حولها بانبهار بمدخل الفندق والأنوار التي تملأ المكان.
وبعد ثوانٍ من السير وجدت نفسها تدلف من بوابة أخرجتها على مساحة واسعة مفتوحة بها الكثير من الطاولات المتراصة المزينة بشكل جميل، ومنصة صُممت بديكور مُبهر تقبع في آخر المكان وفي المنتصف تمامًا، وبعض الديكورات الأخرى التي أخذت منظرًا رائعًا، وأضفت لمسة جمالية لطيفة.
والأرض لم تكن مستوية بل كان المنتصف مستويًا وعلى الجانبين ارتفاع وفوقه يوجد الطاولات الأخرى، أشبه قليلًا بدور العرض المسرحي.
وحين كانت تتفحص المكان بعينيها وقفت كالصنم حين وقع بصرها على "مازن" يقف في أحد الجوانب يصافح بعض الرجال ويتحدث معهم، وللحقيقة كان الأمر مفاجئًا لها فلم تتوقع قدومه.
وفي نفس الوقت كانت "نورهان" انتبهت لوجوده فقالت:
– ما توقعتش إن مازن ييجي.
التفتت لها "فيروز" تقول بتأكيد:
– ولا أنا بصراحة.
تنهدت "نورهان" معقبة:
– هو متعود بيجي كل حفل ثانوي للشركة لأنه طبعًا شريك فيها، بس قلت المرة دي ممكن ما يجيش بسبب المشاكل الأخيرة اللي حصلت، وخصوصًا إنه أكيد مش حابب يشوفني.
نظرت لها "فيروز" تقول بحنو:
– ما تقوليش كده ما فيش أخ ما يحبش يشوف أخته، هو آه حصل بينكوا مشاكل بس يعني مش هتوصل إنه مش عاوز يشوفك.
ابتسمت "نورهان" بألم ونظرت لفيروز بعينين أغرورقت بالدموع تقول:
– اقولك على حاجة ما قلتهاش لشاهين نفسه.
أومأت برأسها تحثها على الحديث فقالت بنبرة مختنقة:
– أنا روحت لمازن الشغل وكان في مكتبه، بس ما رضيش يقابلني.
اتسعت عيناها بصدمة فهي لم تتوقع أن يكون الأمر بينهما لهذا الحد وقالت:
– معقولة؟!!
هزت الأخرى رأسها بتأكيد وهي تقول بمرارة:
– مازن زعله وحش قوي فوق ما تتخيلي، لدرجة إنه مستعد في ساعة الغضب يقطع علاقته بأي حد ويدوس عليه، يعني هو لما رفض يقابلني ما فكرش حتى إن ممكن يكون حصل معايا مشكلة، أو حصل مشكلة بيني وبين شاهين، ما فكرش يقابلني ويشوف أنا عاوزة إيه، وإن كنت جاية له عشان أصالحه يرفض بس يطمن عليا.
لم تجد "فيروز" ردًا مناسبًا لِمَا قالته "نورهان" وهي ما زالت في صدمتها من رد فعل مازن القاسي من وجهة نظرها، فأكملت "نورهان" مبتسمة:
– عكس شاهين خالص، شاهين مهما عملتي فيه أو حصل بينكوا لو حس إنك ممكن تكوني في خطر بيرمي كل شيء ورا ضهره ويكون معاكي، افتكري في مرة كنا مقاطعينه لما ماما كانت عايشة، وجيت اتصلت بيه في يوم ولقيت رقمه مقفول فكلمت سكرتيرة مكتبه وقولتلها لما يوصل بلغيه إني عوزاه ضروري في مسألة مهمة، أنا مكنتش عوزاه في حاجة أنا بس كان وحشني وعاوزة أسمع صوته بس قولت كده عشان عارفة إنه هيخاف عليا ويكلمني، وفعلاً أول ما بلغته رن عليا خمس مرات بس أنا تلفوني كان فصل شحن من غير ما أخد بالي… تخيلي لقيت البواب بيخبط على شقتي وبيقولي كلمي واحدة صاحبتك تحت، نزلت لقيته شاهين بس قال للبواب يقول كده لأن ماما كانت مانعة أنا أو مازن نتواصل معاه.
– جالك تحت البيت عشان يطمن عليكي وأنتِ مقطعاه؟؟!
ابتسمت بحب وهي تقول:
– شاهين طول عمره حنين، قلبه مش قاسي، غير مازن… عارفة مازن واخد قساوة قلب مامي.
رفعت حاجبها ذهولاً:
– مامتك كانت قاسية؟
– أيوه، تخيلي قعدت 3 سنين قاطعة علاقتها بشاهين ومحرمة أي حد فينا يتواصل معاه، مامي طول عمرها كانت قاسية على شاهين رغم حبها له، وكان أي غلط له بتعاقبه بقسوة، مامي كانت بتحب شاهين ومتعلقة بيه تعلق مرضي.. طب تعرفي إنها كانت بتكره شدوى عشان العيلة كلها كانت بتقول إنها هتكون مراة شاهين، مكانتش مستوعبة إنها هتاخده منها!
ظهرت الصدمة واضحة على وجه "فيروز" مما تسمعه وبداخلها تتمتم أن هذه العائلة تخفي الكثير من الأسرار، وقبل أن تعلق سمعت صوت "شدوى" المألوف وهو يقول:
– نورهان كويس إنك وصلتي، الحفلة فاضل لها خمس دقائق بالضبط وتبدأ وشاهين هيطلع يقول كلمته.
تفحصتها "فيروز" بعينيها لتؤكد ما كانت تفكر بهِ قبل بعض الوقت، فلقد كانت "شدوى" ترتدي فستانًا بدون أكمام فقط بسير رفيع بهِ بعض الفصوص التي لا تستبعد أن تكون من الألماس فهي بطبيعة الحال مُطْرِفَة، معظم ثيابها فيها بزخ واضح، وكان يظهر جزء لا بأس به أبدًا من مقدمة صدرها وكذلك ظهرها، وبه فتحة طويلة بدايةً من فخذها اليمنى، وفي المجمل لم يغطِ الفستان الكثير من مفاتنها.
على عكس "نورهان" التي كانت ترتدي فستانًا من اللون الأزرق الداكن، والذي كان ينساب على جسدها ويصل طوله إلى كعبيها، فقط أحد أكمامه تم استبدالها بسير رفيع به فصوص مشابهة لسير فستان "شدوى" ولكنه في المجمل كان ساترًا بشكل كبير، يبدو أن نورهان بطبعها لا تفضل ارتداء الملابس التي تكشف الكثير من جسدها.
وبالطبع تجاهلت "شدوى" "فيروز" تمامًا كأنها لم تراها واكملت قاصدة إغاظتها:
– سوري بجد يا نور إني ما قدرتش أستناكي نيجي مع بعض، بس أنتِ عارفة أنا لازم أكون مع شاهين من أول الحفلة ونستقبل الناس سوا.
لم ترد "نورهان" على حديثها لأنها تعرف جيدًا ما تحاول "شدوى" فعله بل سألتها مباشرةً:
– هو شاهين فين مش شايفاه في المكان؟
أجابتها وهي تنفض شعرها بغرور حين رأت نظرات فيروز المسلطة عليها:
– شاهين هو ومعاذ راحوا يستقبلوا العيلة، أصلهم بره.
ظهر الفرح الشديد على وجه "نورهان" وهي تسألها بلهفة:
– بجد هو جدو والعيلة كلها بره؟ أنا توقعت إنهم مش هييجوا عشان كانوا بيقولوا إن عمتو تعبانة.
لم تعير الأمر اهتمامًا وهي تقول:
– ما أعرفش أنا عرفت إنهم بره.
وبالفعل ما إن أنهت حديثها حتى رأت شاهين ومعاذ يدلفان من بوابة الحفل ومعهم بعض الأشخاص، فأسرعت لهم وهي تقول:
– أهّم جم.
التفت "نورهان" وحين رأتهم تحركت فورًا تتجه لهم، ولاحظت فيروز أن "مازن" قد فعل المثل، والعائلة التي تحدثوا عنها كانت أربعة أفراد رجل كبير في السن خمنت إنه جدهم، وسيدة ربما في منتصف الأربعينات تجاوره بالتأكيد عمتهم، وشاب ينقص عن شاهين في الطول القليل من السنتيمترات يبدو على وجهه الجدية والضجر! وبجواره فتاة تمسك في ذراعه خمنت إنها زوجته.
لم تجد لنفسها مكانًا بين كل ما يحدث فاتجهت إلى أحد الطاولات الفارغة لتجلس عليها وهي تردد في عقلها بأن هذه الحفلة لن تختلف كثيرًا عن حفلة "تيم" والتي لم يكن لها أي وجود بها، ولكن قد خاب ظنها فبعد دقائق قليلة رأت "شاهين" يصعد على المنصة الموجودة في المكان والآن قد استطاعت أن ترى مدى أناقته ووسامته في البدلة التي اختارها اليوم بلونها البني الذي تراه عليه لأول مرة.
بدأ في الحديث مُرحبًا بالضيوف بعد عِدَّة جمل تخص مجال العمل والشركة وما إلى ذلك، فشعرت بأنها تريد الذهاب للحمام فنهضت تخرج من المحيط باحثة عن مكانه.
وعند شاهين وبعد ترحيب خاص منه بجده والعائلة كان يقول:
_ بالمناسبة السعيدة دي أحب أبلغكم خبر سعيد عني.. أنا خطبت وإن شاء الله قريب هتشهدوا كلكوا على فرحي وهتكونوا مدعوين له.
همهمات تسبقها الدهشة وشهقات مستنكرة، توترت الأجواء بشكل ملحوظ وبدأ التهامس يعلو والجميع يمرر بصره بين المتحدث "شاهين" وبين زوجته المعروفة "شدوى" والعقول تتساءل كيف أعلن خطبته من أخرى وهو لم يعلن انفصاله عن زوجته! وكيف لها أن تقبل الوضع المهين الذي وضعها بهِ الآن!!
وكان مدركًا لِمَا وراء الهمهمات المتصاعدة، ومتفهمًا اندهاشهم ونظراتهم التي تتسلط على زوجته الأولى، وبكل هدوء ودون اهتمام لأي أحد أو أي شيء يحدث حوله أكمل موضحًا:
_ ومنعًا لأي أخبار مغلوطة أو إن حد يطلع يتكلم ويحلل الأحداث عن لساني هجاوبكوا على السؤال اللي بيلح على عقلكوا دلوقتي…
والهدوء عم المكان والجميع كله انصات للآتي، وهي تقف تتابع ما يتابعه الجميع كعرض مسرحي سخيف، تشعر بالسعير يشب في جسدها، وتتمنى فقط لو تتصدع الأرض وتسقط بها مختفية عن أنظار الجميع التي تحرقها، موقف لم تتخيل بأسوء كوابيسها أن يضعها "شاهين" بهِ، ولو كانت تمتلك قدرة للهرب الآن لفعلت بكل رحابة، لكنها تيبَّست وتَسَمَّر جسدها بأرضه فقط أنفاسها الهادرة التي تنم عن اختناقها هي ما تصدر عنها، وعيناها كجمرَتَيْن من النيران الحامية وهي تنتظر تكملة حديثه وتخصه وحده بنظراتها التي لا يهتم لها من الأساس.
ارتخَتْ ملامحه بدَى وكأنه يخبرهم عن أحوال الاقتصاد في البلاد، أو عن خطة تنموية لنهضة الدولة! ملامح هادئة ونبرة تماثلها وهو يكمل:
_ بالنسبة لخطوبتي وأنا لسه متزوج من مدام شدوى مراتي، فده برضا جميع الأطراف،
وكل شخص عنده ظروفه وأحواله الخاصة اللي مينفعش يشاركها مع حد، يكفيكوا أقولكوا إن مدام شدوى هي أم ابني اللي بكنلها كل الاحترام والتقدير المتبادل، فمش هسمح إن حد يدخل نفسه في أموري الشخصية وينزل بأخبار أو توقعات مش صحيحة عن علاقتي بيها.. ولو ده حصل مش هتردد أرفع قضية على الناشر لأني زي ما قولت مابسامحش ومش هسامح أي حد يدخل نفسه في تفاصيل حياتي أنا أو أي حد يخصني.
كانت "فيروز" قد عادت مع جملته الأخيرة لكنها لم تفهم منها شيء فظنت أن الأمر يتعلق بالشركة أو بعلاقته بأخيه..
رفع نظره لبعيد فرآها تتهادى لمحيط المكان، ابتسامة خفيفة ماكرة زينت ثغره وهو يطالعها بتمعن منتظرًا صدمتها التي ستتلقاها كالمطرقة فوق رأسها الآن، مسح جانب عنقه بكفه، وعاد يتحدث في المكبر الصوتي وعينيه لا تحيد عنها:
_ فيروز… لو سمحتي تعالي هنا.
توقفت ورفعت رأسها بغتة وهي تسمع اسمها بعلو صوته، يناديها لتشاركه المنصة الصغيرة! والجميع التف في هذه اللحظة ليرى من تكون المدعوة فيروز! بهتت معالمها وابتلعت ريقها الذي جف فجأة وهي تجهل ما يحدث ولماذا يناديها ألم تتفق معه أن يظهرا في الحفل كأنهما أقارب!
حادت ببصرها لجهة أخرى تقصدها، فوجدته يطالعها بوجه مشتعل بحمرة غضب أدركتها لكنها جهلت سببها! ماذا حدث في الأجواء في الدقائق القليلة التي مكثتهم في الحمام لتعدل هيئتها؟ هل حلت كارثة ما! "مازن" ملامحه غير مبشرة أبدًا وكأنه تلقى لكمة عنيفة بوجهه للتو!
_ فيروز!
نادها ثانية حين طال صمتها وسكونها، فانتبهت وحركت نفسها مجبرة بعد أن سلط الجمع الغفير أنظاره عليها وحدها، اقتربت من المنصة التي تحمل ثلاث درجات لتجده يقترب منها سريعًا يمد كفه لها بلباقة ليساعدها في الصعود، جحظت عيناها لفعلته وظلت تحدقه بنظرات رافضة علّه يبتعد ويصرف نظره عما يريد فعله، لكنه لم يتزحزح أنشًا، فزفرت أنفاسها المعبئة بصدرها من التوتر وهول الموقف وهي تضع كفها في كفه فجذبها برفق لتصعد الدرجات واتجه بها وهو مازال ممسكًا كفها تحت استغرابها وذهولها، ووقف أمام المكبر الصوتي يقول معرفًا:
_ دي آنسة فيروز الحديدي خطيبتي وقريب هنعلن عن ميعاد فرحنا..
وبتلقائية همست بأعين متسعة وهي تنظر لجانب وجهه:
_ يخربيت أهلك!
لف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه في حدة غير ملحوظة وهو يقول:
_ لمي لسانك واضحكي.
تصنعت الابتسامة وهي ترفع نظرها للجمع الذي أمامها، لتقع ببصرها على "مازن" الذي كان واقفًا بجوار الطاولة التي جلس عليها أفراد عائلته ووجهه كجمرة نار مشتعلة، واستطاعت أن ترى قبضة يده التي تشتد في محاولة منه للتحكم في غضبه، وفجأة وجدت "شاهين" يميل عليها حتى باتت أنفاسه تضرب عنقها، ويهمس بجوار أذنها بما أسرى رعشة في جسدها لم تعرف حينها هل هي رعشة خوف أم ماذا؟ :
_ لو فكرتي تقربي منه أو تقفي معاه هزعلك.
لفت رأسها تنظر له عبر السنتيمترات القليلة جدًا بينهما في نفس الوقت الذي كان هو مازال يطالعها، لتلتقط عدسات المصورين صورة رائعة لثنائي سيكون حديث الأخبار لعدة أيام مقبلة….
انتهى العرض السخيف من وجهة نظر "فيروز" وتركا المنصة لتزيل ذراعه من حول خصرها بعنف غير مهتمة بنظرات الجميع، فكظم غيظه وهو يسير لجوارها حتى التفت له وقالت بوجه محمر غضبًا:
– أنا عاوزه أتكلم معاك.
توقف وهو يجيبها ببرود:
– لما نروح.
– دلوقتي!
قالتها بنبرة حادة لأول مرة يسمعها منها، ومع نظراتها علِمَ أنها لن تتراجع، لكنه وعلى أي حال أعند منها، فاحتدت نظراته وهو يعيد جملته بقوة:
– قولت بعدين، مش ست اللي هتمشي كلامها على شاهين المنشاوي، لو مش قادره تصبري لحد ما نروح على الأقل خلينا نسلم على عيلتي واعرفك عليهم بعدين هاخدك مكان نتكلم، وقت نزول الضيافة.
قضمت شفتيها بقوة وهي تشير له بعصبية:
– اتفضل عرفني عليهم ما هو ده اللي ناقص.
التقط ذراعها الذي تشير بهِ تحت ذهولها وجره منها لطاولة عائلته، وحين وقفت أمام الطاولة مرغمة حاولت إخفاء غضبها وابتسمت ابتسامة مصطنعة..
– دي فيروز خطيبتي، أنا عارف إنكوا متفاجئين بس جدي كان عنده علم.
أردفت السيدة تقول بعتاب:
– واحنا مش أهلك عشان تعرفنا! يعني جدك بس اللي يعرف.
أجاب الجد نيابةً عنه:
– مكانش لسه في حاجة رسمي يا سهير.
بدأ "شاهين" يعرفها عليهم:
– ده جدي المنشاوي، ودي عمتي سهير، وده سيف ابن عمي مختار لسه مشوفتيهوش بس سيف بيكون أخو شدوى، ودي زينة مراته.
تفاجأت بوجود أخ لـ"شدوى" لكن حين دققت النظر بهِ وجدته يشبهها تمامًا حتى في وجومها وكبريائها وغرورها وفي الحقيقة لم ترتاح له أبدًا.
– ودي فيروز الحديدي زي ما عرفتها على الاستيدج.
رحبت العمة في هدوء:
– أهلاً بيكي، شكلك سحرتي لشاهين عشان يخطبك.
وأخذت "فيروز" حديثها على أنها تسخر من شكلها كما فعلت "شدوى" في أول تعارف بينهما، فقالت بنبرة حادة مدافعة عن نفسها:
– هتقولي إني مش ذوقه! بس عمومًا أنا ماعملتش له أي حاجة، هو وقع فيا لوحده.
أدركت "سهير" أنها فهمت حديثها خطأ فقالت موضحة:
– لا مش عشان كده، بس أصله كان مضرب عن الجواز، ورافض يدخل واحدة جديدة حياته.
قطبت ما بين حاجبيها مستغربة ومتعجبة وأردفت:
– ويدخل واحدة تانية ليه ما مراته موجودة! ولا أنتوا عندكوا في العيلة لازم تعدد الزوجات!
تدخل "شاهين" يقول:
– عمتي مش وقته الكلام ده.
أتى أحدهم يهمس له بشيء فانسحب آخذًا معه "فيروز":
– عن إذنكوا راجعين تاني.
وحين ابتعد بها ولدهشتها تركها يقول:
– روحي اقعدي على الطاولة الفاضية دي على ما أجيلك.
نظرت للطاولة وهي تغمغم بضيق:
– طب ماسبنيش معاهم ليه على ما يخلص مشغولياته!
جلست عليها وغاب هو عن نظرها لبعض الوقت، كان كافيًا لـ"مازن" أن يقترب منها ويجلس جوارها قائلاً:
– هو قالك إنه هيعلن خطوبتكوا؟
نظرت له بخضة من وجوده المفاجئ ثم هدأت وقالت:
– لأ، أنا اتصدمت لما عمل كده.
هز رأسه باختناق واضح وقال:
– شاهين بدأ ياخد خطوات غير اللي اتوقعتها منه وكده مش هنعرف نفهمه ولا نتوقع تفكيره.
– أنتَ ليه رفضت تقابل نورهان لما جاتلك الشغل؟ ليه قسيت عليها للدرجة دي مهما كانت أختك؟
وقد كان حديث "نورهان" لا يغادر عقلها منذُ أخبرتها بهِ، نظر لها متفاجئًا من حديثها وصُدم حين أكملت بشرود كأنها تفكر فيما تقول:
– بتقول إن شاهين أحن منك حتى حكتلي موقف عن كده، ازاي وهو مجرم وتاجر سلاح يكون بالحنية دي!
تجاهل كل حديثها وفجأة وجدته يسألها بغضب:
– أنتِ هتكملي بعد اللي بيعمله! احنا مبقناش هنتوقع خطواته، راضية إنه يعلنك خطيبته قدام الكل!
استطاع جذب انتباهها فنظرت له تسأله بحيرة:
– هعمل إيه؟
زفر باختناق وغضب واضحين وقال:
– فيروز أنا ههربك من عنده، مش هينفع تكملي المهمة.
نظرت له بأعين متسعة تسأله:
– ليه؟
نظر لها داخل عيناها يقول:
– عشان خايف عليكي، مش متوقع خطوة شاهين الجاية.. ثم أنتِ عارفة إن ممكن شاهين بين يوم وليلة يجيب المأذون أو يعمل حفلة جوازكوا من غير ما يعرفك! مش هنفضل ساكتين لحد ما يعمل كده!
التمست خوفه عليها، وشعرت بأنه يكن لها شيئًا ما، وكم تمنت هذا! فسألته بلهفة خفية، وأمل يدعو بداخلها:
– وحتى لو اتجوزني إيه اللي يضايقك! كده كده المهمة هتتنفذ، بالعكس وقتها هتتنفذ أسرع.
نظر لها بغضب حارق وهو يردد:
– أنتِ مجنونة! لا طبعًا يتجوزك إيه! ي***** دي مهمة، أنا مستحيل أقبل بكده.
ابتهجت ولمعت عيناها وأصرت على الضغط عليهِ علّها تتأكد بأنه يكن لها مشاعر:
– ليه بردو؟ أنا مش شايفة فيها مشكلة! مهو هيتحبس بعدها وهكون حرة.
مد كفه يمسك كفها يقبض عليها بقوة وقال:
– مش هسمح إن شاهين يعتبرك مراته أو يلمسك.. مش هسمحله يقرب منك للدرجة دي، فيروز أنا….
صمت لثواني فقط ينظر لها، حتى سحرته نظراتها فوجد نفسه يردد:
– أنا بحبك… مش عارفة ازاي وإمتى ورغم إنه مكانش ينفع.. بس أنتِ تتحبي، وأنا بحبك…
انقطع الهواء عنها وعيناها ثبتت عليهِ وعقلها بالكاد يستوعب جملته!!