تحميل رواية «ديسليكسيا» PDF
بقلم أسماء عبد الهادي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تجلس القرفصاء بأريحية على المقعد المبطن بقماش مزخرف ومسنده من الخشب الزان الأصلي، في الفناء الذي يطل على الشارع أمام منزلها الصغير المتواضع، ويظلله شجيرات الليمون الصغيرة. وفي يدها عصاة طويلة من الخرزان.. تلك التي يهابها الجميع ليس لبطشها ولا لقوتها، فهي ضعيفة للغاية، وإنما لأنها على حق وما تريد سوى تعليم أبناء قريتها الصغيرة. رفعت عصاتها تضرب بها تلك السيدة التي تجلس جوارها، والتي صرخت من ألم ضربة تلك العصاة التي تلقتها على ظهرها. "اااه.. هو أني عملت ايه بس يا أبلة؟" لفحتها مرة أخرى على ظهرها و...
رواية ديسليكسيا الفصل الأول 1 - بقلم أسماء عبد الهادي
تجلس القرفصاء بأريحية على المقعد المبطن بقماش مزخرف ومسنده من الخشب الزان الأصلي، في الفناء الذي يطل على الشارع أمام منزلها الصغير المتواضع، ويظلله شجيرات الليمون الصغيرة.
وفي يدها عصاة طويلة من الخرزان.. تلك التي يهابها الجميع ليس لبطشها ولا لقوتها، فهي ضعيفة للغاية، وإنما لأنها على حق وما تريد سوى تعليم أبناء قريتها الصغيرة.
رفعت عصاتها تضرب بها تلك السيدة التي تجلس جوارها، والتي صرخت من ألم ضربة تلك العصاة التي تلقتها على ظهرها.
"اااه.. هو أني عملت ايه بس يا أبلة؟"
لفحتها مرة أخرى على ظهرها وهي تكشر عن أنيابها بغيظ من فعلتها.
"جومي من جدامي بدل ما أكسر العصاية دي علي جتتك.. كل دي وبتسألي عملتي إيه؟.. جومي فزي جومي."
ركضت السيدة عدوا من شدة تلك العصاة التي معها.
فلا أحد يستطيع أن يعارض كلامها ولا الجلوس في حضرة عصاتها التي تترجم كلماتها بضربات على أنحاء جسدهن.
زفرت بضيق وهي مغتاظة من تلك المرأة التي لا تنفذ ما تقوله ولا تتبع تعليماتها ولا نصائحها.
"وأني يا أبلة أعمل إيه في مشكلتي دي... المشكلة عويصة جوي ومنيش عارفالها حل."
قامت من مقعدها لنلاحظ أنها ذات قامة قصيرة وجسد نحيل يظهر على وجهها مسحة حزن أطفأت بريق عينيها رغم كونها في سن النضج والشباب... ذلك السن الذي يضج بالحيوية والأمل.
رغم عنفوانها ونشاطها لكن من ينظر لها عن كثب يعرف كم أن بداخلها حزن لا تكفي سنوات لبُرءه.
لتجلس جوار تلك الفتاة اليافعة التي في عمر الزهور، فانتفضت الفتاة في مكانها خوفا من تلك العصاة التي في يدها.
فابتسمت لها وتركت عصاتها بعيدا وقالت بجدية يتخللها الثقة بالنفس:
"مفيش مشكلة عويصة على الأبلة شوق يا بت.. انتي مش عارفاني ولا إيه؟"
"لاه لاه عارفاكي يا أبلة.. علشان كده جيتلك تساعديني."
مدت شوق يدها ووضعتها على أرجل الفتاة.
"قوليلي يابت يا آيات انتي جد يا بت عايزة تكملي تعليم وهتذاكري وهتلتزمي ولا هو لعب عيال وخلاص؟"
"لاه لاه والله يا أبلة مهواش لعب عيال... أني عايزة اتعلم وأتنور وأكون أبلة زيك كده.. أنا معيزاش أكون جاهلة وأتجوز وأقعد في البيت... عايزة ألف العالم كله وأتعلم من هنا وهناك."
ربتت شوق على أرجلها وابتسمت لها بإعجاب فهي تذكرها بنفسها مذ أن كانت صغيرة.
"برواة عليكي يا بت تعجبيني... أني بحب الناس اللي طموحهم عالي في السما كده."
أخفضت آيات رأسها تنظر للأرض بأسف.
"بس أهلي يا أبلة شوق.. أهلي ممانعين وأبوي حالف عليا وعلى أمي يمين طلاق... علشان يخليني أتجوز ولد عمي وأنا مريداهوش... أني رايدة التعليم ومبفكرش في جواز دلوقتي من أصله."
جاءت نسرين وتحمل في يدها صينية دائرية الشكل وعليها كوبا من الشاي السادة الثقيل.
"الشاي يا أبلة شوق."
مدت شوق يدها وحملت منها كوب الشاي.
"من يد ما نعدمها... تسلم إيدك يا نسرين.. هبقى أعطيكي درس بحق الشاي يابت."
وضعت نسرين يدها والتي تمسك بطرف شالها على فمها بحرج.
"يووه... بعد ما شاب ودوه الكتاب يا أبلة شوق.. أني هجيبلك عيال عيالي تعلميهم وتنوريهم... حاكم أني أسمعك على طول تجولي إن العلم زينة."
لتهتف شوق وتقول الأبيات والتي تحبها كثيرا ودائما ما ترددها على مسامع من تجلس معهم حتى باتوا يحفظونها عن ظهر قلب دون حتى أن يدروا معانيها، فأصبح يتغنى بها الصغير والكبير بالبلدة.
"إن المعارف للمعالي سُلَّمٌ ***** وأولو المعارف يجهدون لينعموا"
"والعلم زينة أهله بين الورى ***** سيان فيه أخو الغنى والمعدم"
"فالشمس تطلع في نهار مشرق ***** والبدر لا يخفيه ليل مظلم"
"وأخو العلا يسعى فيدرك ما ابتغى ***** وسواه في أيامه يتظلم"
"والخاملون إذا غدوت تلومهم ***** حسبوك في أسماعهم تترنم"
"في الناس أحياء كأموات الوغى ***** وخز الأسنة فيهم لا يؤلم"
"فاصدم جهالتهم بعلمك إنما صدم ***** الجهالة بالمعارف أحزموا"
"خدم بلاداً أنت من أبنائها ***** إن البلاد بأهلها تتقدم"
كانت تقول الأبيات وترددها معها آيات، والتي كانت تعتبر شوق قدوة ومثل أعلى لها، فابتسمت لها شوق بمحبة وتعهدت أن تقف جوارها... وألا تتركها إلا وقد حققت حلمها التي تهفو إليه.
ضيقت نسرين عينيها بعدما تأكدت أن من تجلس جوار شوق هي آيات، لتهتف بقلق... فهي تعرف أن والدها لم يعد يسمح لها بالخروج من المنزل لأنه يرفض أن تكمل تعليمها ويبغي تزويجها من ابن أخيه.
لكنها تتسلل خفية من أجل أن تقضي بعض الوقت بصحبة معلمتها شوق لتستفيد من علمها ونصائحها.
"يا نهار مش فايت يابت يا آيات أبوكي زمانه هيعود من شغله يا بت ولو عرف إنك سايبة الدار وخرجتي من غير إذنه هيطين عيشتك ومش بعيد يربطك في الدار كيف البهيمة."
وقفت آيات كالصريعة يرتجف بدنها برعب من والدها.
لتهتف شوق بغضب:
"كلام إيه اللي بتجوليه ده يا نسرين... يا شيخة حرام عليكي فزعتي البت."
مدت يدها وأمسكت بيد آيات التي كانت ترتجف.
"اقعدي يا بت ويبقى ياجي أبوكي بس يتحدت وأني اللي هقف قصاده ويبجي يوريني هيقدر يعمل إيه."
اهتزت يد آيات بين يدي شوق وهتفت برعب من تصور ما قد يحدث لها من بطش والدها.
"أني.. أني خايفة يا أبلة."
شدت شوق على يدها وطالعتها بحزم.
"أني جلت لك متخافيش.. أني في ضهرك وإن مكانش حد هنا قادر يوقف أبوكي عند حده يبقى أني اللي هقفله."
تركت يدها ودفشتها برفق حازم.
"يلا روحي انتي على الدار وأني هخلص الحصة اللي وراي وجايلكم.. اوعي تعتلي هم."
ابتسمت لها آيات ورمقتها بارتياح قبل أن تعود فارة إلى بيتها تطوي الطريق بسرعة لتصل للبيت قبل أن يعلم والدها بذلك.
عادت شوق إلى مكانها وهتفت باهتمام وهي تنظر لساعة يدها.
"ده وقت حبايبي الصغيرين مش كده يا بت يا نسرين؟"
"ايوة يا أبلة... زمان العيال على وصول."
"طب روحي شيّعيلي العيال اللي جلتلك عليهم."
"متجلجيش يا أبلة أنا لسه من شوية جلت لأهلهم وكل عيل أمه هتجيبه وتاجي دلوقتي."
رمقتها شوق بابتسامة رضا.. وحركت رأسها بحركة جانبية.
"عفارم عليكي يا بت يا نسرين.. عفارم."
بعد عدة دقائق استمتعت فيهم شوق بشرب كوب الشاي الذي أعدته نسرين تماما كما تحب شوق أن تشربه.
بدأت الأطفال بالقدوم والجلوس في أماكنهم كما اعتادوا.
رحبت بهم شوق بفرحة ونهضت من مكانها وانحنت برأسها تجاه الأطفال تقبل كل واحد منهم من رأسه حبا لهم وفرحة وتعلق بهم.
لاحظت قدوم إحدى الأمهات ومعها طفلا واحدا من أطفالها، فأخذت تنظر خلفها باحثة عن طفلة بعينها لكنها لم تجدها معها.
فهتفت باهتمام:
"فين البت يا أم السعد؟"
مدت أم السعد يدها على ظهر ابنها لتدفشه ليجلس جوار زملاءه واقتربت من شوق لترد على سؤالها.
"هجيب البت تعملايه يا أبلة شوق... دي بت عبيطة ولا تعرف الألف من كوز الدرا وغلبت معاها ومفيش فايدة دماغها زي البَلغة ما بتفهمش."
أغتاظت شوق من حديثها ذاك عن ابنتها فرفعت عصاتها وضربت بها أم السعد وهي تهتف بغضب.
"والله ما حد بلغة غيرك يا ولية يا خرفانة انتي.. والله ما أنا راجعة عنك النهاردة."
تأوهت أم السعد من قوة الضربات ووقفت بعيدا لتتفادى ضرباتها.
شاهدت هذا الحال سيدة ما قادمة بابنها مع نسرين بأمر من شوق... لكن تلك السيدة لم تكن تعرف شوق، فهي كانت من بلدة أخرى مجاورة.
لذا هتفت بتساؤل وضيق مع مط شفتيها باستنكار.
"إيه دي أبلة شوق!!!... ودي مالها جاعدة ناطحة في الكل كده... لا والولية ساكتة ولا بتهش ولا بتنش."
ضحكت نسرين وهتفت بإعجاب بشوق.
"دي أبلة شوق محدش يجدر يكلمها.. لأن أهل البلد كلها بيحبوها... وهيه بتعمل كده لمصلحة العيال.. وهتضرب الأهل اللي مهيعملوش اللي بتجولهم عليه في تعليم وتربية أولادهم... الأبلة شوق مكرسة حياتها علشان تعلم عيال الجزيرة وتنورهم وكمان بتعمل البتاع الأبصر إيده ده... كان اسمه إيه يا بت يا نسرين؟"
ضربت على مقدمة رأسها.
"ايوة ايوة.. افتكرت.. تدورات تثقيفية مجانية لأولياء الأمور.. بتوعيهم وتعلمهم الطرق الجديدة والإيجابية في تربية أولادهم."
رفعت السيدة أحد حاجبيها بإعجاب ثم تساءلت.
"طيب فين أهلها أنا شايفة إنها لحالها.. هي ملهاش حد ولا مقطوعة من شجرة؟"
ردت نسرين بنبرة مشفقة.
"هي ياحبة عيني جاعدة لوحدها بعد ما أمها فاتتها وماتت وأبوها اندلى على مصر ومحدش يعرفله طريق جرة ولا اتجوز ولا ليها قريب ولا نسيب.. ورغم الحاجة اللي فيها... بتعطي الدروس كلها لأهل البلد بالمجان مبتاخدش مليم أحمر واحد وزي ما انتي شايفة عايشة في العشة دي لحالها.. وممكن تقع عليها في أي لحظة... في ناس بتجول إن أبوها ساعات بيبعتلها فلوس بس هي بترفض ومبترضاش تاخدها."
"واه.. أومال بتعيش منين وكيف بتاكل وبتشرب؟"
"أهل البلد بجولك بيحبوها وكل يوم واحدة من الستات تجيبلها غداها.. كانت الأول بترفض وبتتعفف لكن الحاجة وحشة أضطرت يانظري تقبل هبات الناس هتعمل إيه."
"طيب ليه مبتتجوزش لحد دلوقتي... شكلها مش صغيرة."
حركت نسرين يدها دليل على استيائها من شوق.
"يوووه.. غلبنا فيها كتير واتقدملها عرسان ياما... بس هي رافضة وبتجول إنها مسخرة حياتها للعلم وبس... دي مش بس بتعلم عيال البلد هنا لا دي كمان بتتعلم وبتأخد كورسات زيادة علشان تزيد في العلم أكتر وأكتر."
طالعتها السيدة برضا تام لأنها سترسل ابنها عند تلك المعلمة المثابرة والتي تحاول أن تكرس حياتها ووقتها لخدمة وتعليم أولئك الصغار.
حاولت أم السعد أن تختبأ من بطش تلك العصا في أحد الأعمدة التي تسند المظلة التي تظلل الفناء التي تجلس به شوق.
"واه يا أبلة.. في إيه.. أني بشرحلك حالة البت وإنها مفيش منها رجا خالص.. البت عقلها خفيف ومينفع لهاش تعليم."
لتهب شوق من مكانها وتنقض على أم السعد بغضب.
"وانتي مين يا ولية يا مخبولة انتي اللي تحكمي على بنتك كده."
"اسمعيني بس يا أبلة... الناس كلها بتجول عليها كده.. يعني الكل عارف مش أنا بس."
تهتف شوق بحسرة من أجل الصغيرة.
"وتلاقوكم بتجولوها لها في وشها يا حبة عيني وكأنها حيطة مبتحسش وكأنها معندهاش مشاعر... متعرفوش إنكم بتقتلوا البت بكلامكم اللي عامل زي السم ده في اليوم مليون مرة... متعرفوش إنكم ممكن تسببوا للبت حالة نفسية بعملكم دي.. هتخلوا البت تتعقد لبقية عمرها... منكم لله."
تراجعت أم السعد قليلا وهتفت بارتباك.
"طب أعمل إيه بس يا أبلة.. ربنا خلقها كده.. ادي الله وادي حكمته."
أخفضت شوق يدها وعادت إلى مكانها وهتفت بنبرة حزينة.
"متعمليش حاجة أني اللي هعمل... هاتيها وتعالي بسرعة... أني جاعدة مستنياها."
"ماشي يا أبلة."
راقبت طيف أم السعد يختفي من المكان وعلقت أعينها في نقطة ما في الفراغ وشردت فيما حدث قبل ٢٥ عاماً.
رواية ديسليكسيا الفصل الثاني 2 - بقلم أسماء عبد الهادي
رواية ديسليكسيا الفصل الثاني بقلم أسماء عبد الهادي
رواية ديسليكسيا الفصل الثاني
ركض بأقصى سرعته ليلحق بها بعدما لاحظ جلوسها على فوهة السطح وربما تطيح من أعلاه في أي لحظة ....وصل في اللحظة المناسبة كانت عندها قد وقفت أعلى السور فأسرع إليها وأمسك بيدها ومن ثم زفر براحة أنه استطاع اللحاق بها قبل أن تسقط
أنزلها لتقف أمامه ومن ثم خاطبها بصرامة لألا تفعل ذلك ثانية
_ينفع اللي عملتيه ده ... اوعي تكرريه تاني انتي فاهمة ولا لا .
نظرت له ببراءة كقطة وديعة فهي طفلة تحمل أعين قط مسكين
_أنا عملت إيه أنا كنت قاعدة على السور شوية ولما عجبني المنظر وقفت علشان أشوف كويس
زم شفتيه من تلك الطفلة البلهاء كيف لها أن تصعد الى هنا من الأساس ألا تخشى أن تسقط...لذا هتف ساخرا
_وانتي مش خايفة لتقعي ورقبتك تتكسر
هتفت بابتسامة امتلكت قلبه بوداعتها
_تؤ تؤ مش خايفة
ابتسم على براءتها وروحها المرحة فهتف بتحذير
_طب إوعي أشوفك تاني طالعة فوق هنا ...المكان ده ممنوع للطلبة ..الكبار بس اللي مسموح يطلعوا هنا ..يلا اتفضلي انزلي.
رمقته بنظرة مطولة خالية من التعابير لم يستطع تفسيرها قبل أن تغادر ..فعمد هو إلى الباب الخشبي وأحكم غلقه حتى لا يتسني للأطفال فتحه والصعود الى السطح مرة أخرى
_______
وصلت إلى فصلها متوجهة مباشرة إلى مقعدها والتي تجلس به وحدها فلا أحد يريد أن يجلس معها أو يصادقها ليتركوها تشعر بالوحدة الشديدة رغم أن عشرات الأطفال يحيطون بها
وجدت زملاءها بالفصل يقومون بطي الاوراق بعشوائية ومن ثم يرشقونها به ومن ثم يهتفون ساخرين منها
_الغبية أهي الغبية أهي
نظرت إليهم بضيق واغرورقت عيناها بالدموع بصمت فلم تجرؤ على فتح فمها
وما ان وصل معلم المادة حتى كان الجميع يجلس معتدلا في مكانه ...ليلاحظ أوراق كثيرة مبعثرة حولها فيتسائل من تسبب بتلك الفوضى، فيشير الجميع عليها بالإجماع ...لتحملق بهم غير مصدقة ...فتجد المعلم ينهرها بشدة ان فعلت ذلك ثانية ويطلب منها أن تقوم بجمع تلك الأوراق ووضعها في السلة ... فاضطرت لأن تفعل بعد أن رمقت زملاءها بضيق شديد .
_______
كتب المعلم جملة على السبورة وبدأ يسأل من يمكنه قراءتها ... رفع الجميع يده بما فيهم هي ليختارها المعلم لتقرأ تلك الجملة التي كتبها ..لكنها لم تستطع وظلت تتهته لفترة دول أن تصل
فكتب المعلم جملة أخرى فتفشل في قراءتها مرة أخرى
ليستاء المعلم منها ويطلب منها الجلوس والانتباه إلى ما يقوله والى ما يقرأه زملاءها
طلب المعلم من طالبة أخرى قراءة ما كتبه فقرأته بسهولة ... ومن ثم اوقف طالب أخر فأجاب بشكل جيد..فأراد المعلم أن يختبرها ثانية وطلب منها قراءه الجملة لكنها تعثرت في بعض الحروف وقامت بالتهجئة بشكل خاطئ ليضحك كل الطلبة عليها ويعلوا صوت قهقهاتهم ...فتصاب بالاحراج وتخفي رأسها بين يديها
وبقيت على هذا الحال بقية اليوم الدراسي.. تخفض رأسها لأسفل لا تريد أن ترى أحد أو يراها أحد ....انتظرت أن ينتهي اليوم الدراسي بفارغ الصبر حتى تخرج من هذا المكان الذي باتت تختنق منه ولا تشعر فيه بالراحة أبدا
______
انقضى اليوم أخيرا فانتظرت أن يرحل الجميع ويغادروا الصف ..ثم نهضت هي بعد أن ارتدت حقيبتها على ظهرها وتوجهت للخارج ظنا منها ان الجميع غادر لا تعرف أنهم يدبرون لها المكيدة بالخارج
فهي ما ان خطت قدماها لخارج فصلها حتى وجدت بعضا منهم يرشقونها بأكياس العصير وبقايا الطعام الذي معهم ..فاتسخت ملابسها وأصبحت في حالة يرثى لها.
وقفت مزهولة من فعلتهم لفترة ومدت شفاها لأسفل وهي تشاهدهم يضحكون على هيئتها المزرية ويسخرون منها ...لم تشأ أن تبكي أمامهم حتى لا يحصلون على مبتغاهم من الشماتة فيها وانتظرت صامتة مكانها إلى أن انتهوا من قهقهاتهم وبدأوا ينصرفون واحدة تلو الآخرى .
رغما عنها فرت دمعة من عينيها تحسرا على حالها وحزنا على ما حدث لملابسها وبالفعل هي لن تخبر والدتها بما حدث حتى لا تنال وابلا من التوبيخات لأنها تركتهم يدنسون ثوبها هكذا .
وصلت المنزل وقبل أن تلج ... خلعت قميصها المدرسي الوردي اللون ودسته في حقيبتها حتى لا تلحظه أمها .
انتبهت لها أمها فرمقتها بضيق
_انتي خلعتي هدومك ليه كدا!!
حاولت هي أن تخترع حجة بغية ألا تخبر أمها الحقيقة فقالت بصوت متلعثم
_الجو حر ...وكنت زهقانة فخلعته يا ماما .
اقتربت منها أمها وضربتها على رأسها بغضب
_إنتي عبيطة يابت.. تخلعي هدوم المدرسة في الشارع كدا وتمشي بهدوم البيت اللي تحتها...أبوكي لو عرف مش هيعديها على خير.
_خلاص خلاص يا ماما مش هكررها تاني .
حركت أمها رأسها باستياء
_طب ...اتحركي على أوضتك غيري هدومك دي وأغسلي إيدك علشان تتغدي وتكتبي الواجب.
تنهدت مطولا ثم تحركت لغرفتها أبدلت ملابسها بأخرى بيتيه وراقبت أمها لتجدها مشغولة بالمطبخ ...فأخرجت قميصها المتسخ من الحقيبة وركضت إلى الحمام ..لتغسله بالماء والصابون جيدا ...
لاحظت أمها غيابها في الحمام فهتفت منادية عليها
_بنتعملي ايه عندك في الحمام كل ده
تلعثمت وتوترت وبدأت تتصبب عرقا
_بب.. بساعدك ياماما وبغسل هدوم المدرسة .
استغربت أمها لذلك فهي أول مرة تقوم بذلك لكنها لم تعطي بالا كثيرا للأمر... وهتفت بلا مبالاة فهي منشغلة بمسؤليات المنزل التي لا تنتهي.
_طيب تعالي يلا علشان تتغدي .
مشت بتثاقل نحو طاولة الطعام وبدأت بتناول الغداء بدون شهية تذكر لكنها على أية حال انهت طبقها كله حتى لا تثور امها عليها
_
بعد الطعام طلبت منها أمها أن تحضر دفاترها وكتبها كي تنهي واجبها ...لم ترد هي أن تفعلها لكنها أتت بهم كما طلبت منها أمها... وكعادة أمها ما إن رأتها ترص أدواتها على الطاولة استعدادا لحل واجبها المنزلي ..حتى نهضت من مكانها وتركتها تنهي واجبها وحدها وذهبت هي لتنهي أعمالها المنزلية التي لا تنتهي أبدا .
وكعادة الصغيرة لا تستطيع قراءة ما المطلوب منها لحل الواجب ..فتحله بطريقة عشوائية جدا ..تدون بعض الحروف التي تعرفها فحسب.. لم يستغرق الأمر منها وقتا ..لتغلق دفاترها وتضعها في حقيبتها مرة أخرى وتنهض لتلعب بدميتها التي تحبها ولا تفارقها حتى عند نومها .
أسماء عبد الهادي
انتهى اليوم سريعا لتشرق الشمس معلنة عن بدء يوم جديد مليىء بالأمل مفعم بالحياة لكنه بالطبع ليس كذلك عليها
أبت أن تستيقظ لحتى لا تنهض للمدرسة لكن مع إصرار أمها عليها .. نهضت بتثاقل شديد وارتدت ملابسها بروتينية مملة وركبت مع والدها سيارته لحتى يُقلها إلى مدرستها... تلك المدرسة التجريبية الخاصة الذي ألحقها والدها بها متمنيا أن تحظى ابنته بمستقبل تعليمي باهر ..لكن تُراه هل يعرف مستوى ابنته!!! هل يهتم بمراجعة دروسها معها... لا إنه لا يفعل فهو منشغل بعمله الذي هو مكنب عليه طوال ساعات النهار ولا يعود إلا عندما يبلغ منه التعب مبلغه فيعود للمنزل لا يرى أمامه فيتناول طعامه ويغط في نوم عميق... قد تكون الدقائق الأولى من النهار والتي يوصلها فيها والدها للمدرسة هي الوقت الوحيد التي ترى فيها والدها
وصلت صفها وجلست مكانها ...ليستعلم المعلم عن الواجب فتسلمه دفترها بهدوء تماما كما فعل الجميع..ليصححه المعلم وهو جالس في مكانه على مكتبه أمامهم .
وعندما وصل الى دفترها نادى عليها... علم الجميع أنها ربما بالتأكيد قد حلت واجبها خطئا فهم يعرفون أنها لا تفقه شيئا ..لتنهض هي من مكانها بعد ان ترمقهم بضيق لنظراتهم الشامتة نحوها .
شبكت يدها ببعضهما وتقدمت من المعلم بهدوء دون ان تنطق
ليهتف هو بعد أن أشار لها على الحل الذي خطته بيدها
_ايه ده .
هتفت ببراءة شديدة
_ده حل الواجب يا مستر
رفع بصره نحوها وتحدث بانزعاج
_وانتي مسمية اللي كتبتيه ده حل!!
حركت رأسها لأعلى وأسفل بمعنى نعم .
ليحاول المعلم التحكم في أعصابه ويرمقها بضيق وهو يناولها دفترها.
_بعد كدا ..اطلبي من حد من أهلك يساعدك في حل الواجب.
تناول دفترها منه وهتفت بهدوء
_حاضر يا مستر
ثم عادت إلى مكانها ثانية ولكن قبل أن تعود إلى المقعد الخاص بها في آخر الصف ..مدت زميلة لها قدمها أمامها فلم تنتبه له فسقطت على وجهها مرتطمة بالأرض ...لينفجر الجميع ضاحكا عليها
لكنهم سرعان ما صمتوا في الحال بسبب نظرة المعلم الصارمة لهم ثم هتف بجدية لها
_ ركزي وانتي ماشية علشان متتعوريش
نهضت بتأوه ..لم تكن السقطة قوية كفاية الا أنها آلمتها ...لترمق تلك الفتاة التي كانت السبب في ذلك بغيظ ثم استقرت في مقعدها بهدوء.
حان وقت الاستراحة ليخرج كل منهم الساندويتشات الخاصة به ويبدأ في التهامها ... أخرجت شطيرتها وما ان وضعتها على فمها حتى وجدت من يدفشها من الجانب لتسقط الشطيرة أرضا وتناثرت محتوياتها لتصبح غير صالحة للآكل .
فاض بها الكيل فوقفت لتنتقم من تلك الفتاة التي افسدت عليها وجبة الفطور الخاصة بها ... لتجد الفتيات كلهن يقفن مع الآخرى ضدها
فتراجعت للخلف وتخلت عن تلك الفكرة ومن ثم ركضت بأقصى سرعتها لخارج الفصل تجري وتجري ...نزلت الدرج عدوا إلى أن وصلت الى فناء المدرسة فاستندت بيدها إلى السور ووجهها للحائط وتركت لأعينها العنان لتبكي بحرية....وحدها ...بعد برهة وجدت أن الآخرين سينتبهون إليها فمسحت دمعاتها سريعا وفضلت أن تبحث عن مكان حيث تكون وحدها فلم تجد سوى سطح المدرسة
فصعدت من نفس المكان الذي صعدت منه المرة السابقة وهي فتحة أخرى جانبية لم ينتبه اليها المعلم ولم يسدها جيدا.
صعدت إلى السور وجلست تأرجح قدمها إلى أسفل لتشعر أنها حرة بعيدة عن تلك التنمرات التي تتعرض لها ...بعيدة عن سخرية الآخرين عليها ووقوفها وحدها تخشاهم ولا تستطيع رد الظلم عن نفسها.
لم يلحظها أحد ولم ينتبه لها أي معلم فظلت في مكانها مستمتعة بالمنظر من أعلى متناسية تماما أن للاستراحة وقت محدد وها هو انتهى منذ نصف ساعة بل انتهى اليوم الدراسي وهي على وضعها ..انتبهت وهي ترى الطلاب يغادرون المدرسة ..فنزلت على الفور بزعر تخشى ان يغلقوا المكان عليها ويتركوها حبيسة بالداخل
وصلت الى صفها تلهس من التعب والخوف تود ان تأخد حقيبتها لحتى تخرج من البوابة بسرعة
لكنها صعقت عندما رأت
.......
#ديسليكيا
#أسماء_عبد_الهادي
توقفت عن الركض وبدأت تسير ببطىء وهي ترى محتويات حقيبتها كلها على الأرض ودفاترها كلها ممزقة بالكامل ...لم يكن هنالك وقت كافي لأن تحل الصدمة على قسمات وجهها ،فبسرعة كبيرة جمعت كل متعلقاتها بعشوائية داخل الحقيبة وركضت مرة أخرى لتخرج من المدرسة بأكملها
وما ان خرجت واطمأنت أن المدرسة لن تـغلق عليها وتحبس بها وحدها ...حتى توقفت عن السير ووقفت مكانها برهة وتذكرت دفاترها وما فعلوه بها ..فضمت شفتيها بغضب شديد وقررت ألا تقف مكتوفة الايدي وأن ترد لهم الصاع صاعين فهي لن تسمح لهم بالمزيد بعد الآن.
تابعت سيرها نحو منزلها ...فاستقبلتها أمها المشغولة بأعمال المنزل كعادتها...وبكلماتها الروتينية البحتة رددت نفس الكلمات التي تُسمِعها لها كل يوم
_بسرعة غيري هدومك واغسلي إيدكي علشان أحطلك الغدا.
فعلت ما طلبته منها أمها لا لأنها تستوعب كل هذه التعليمات المتتابعة وانما لأنها أعتادت على ذلك كل يوم ...وجلست الى المائدة تنتظر أن تضع لها أمها الطعام ...جلست أمها على المقعد المجاور وبدأت تشارك ابنتها في وجبة الغداء .
ابتلعت هي ريقها وقررت أن تتحدث
_ماما أنا عايزة ..تفاتر جديدة
تركت أمها طبقها ونظرت لابنتها وهتفت باستغراب
_ودفاترك اللي معاكي راحت فين ...ملحقتش تخلص
أخذت نفسا عميقا ثم قالت لتخفي الحقيقة
_انا قطعت تفاتري القتيمة علشان الواجب غلط... ومستر العربي عايزك تحلي معايا الهوم ورك علشان مش بعرف أحله
"ملحوظة بطلتنا الصغيرة عندها مشكلة في نطق حرف الدال..فتقوم بنطقه تاء "
زفرت الأم بحنق
_اووف ...هتفضلي طول عمرك متعرفيش تعملي حاجة لوحدك أبدا... امتا هتكبري بقا وتعتمدي على نفسك .
لم تلقي بالا بما قالته أمها لأنها بالأحرى لم تفهم ما كانت تقصده فهتفت بهدوء
_ يعني هتحلي معايا الواجب يا ماما ؟
زمت الأم شفتيها وأشاحت بيدها بقلة حيلة
_هحله وأمري لله .
بعدما أنهت طعامها عمدت الى غرفة المكتب الخاصة بزوجها وأحضرت دفاتر أخرى غير تلك التي ادعت ابنتها انها مزقتها
وجلست جوار ابنتها مرة أخرى
_جبتلك دفاتر جديدة... اوعي تقطعيهم تاني مفهوم؟؟؟
حركت رأسها بأنها ستفعل
لتأمرها أمها أن تذهب وتجلب حقيبتها لترى ما هو الواجب التي عليهما حله اليوم
فأحضرتها في الحال واشارت لأمها على الصفحة التي طلب منها المعلم حلها
فما كان من أمها إلا أنها كتبت الإجابة بالقلم الرصاص على الكتاب وطلبت من ابنتها ان تنقل ما كتبه بخطها هي في دفتر الواجب
لتقول هي لتتأكد
_اكتب اللي كتبتيه ده في التفتر؟؟
_ايوة يلا اخلصي مش فاضية ورايا غسيل
_حاضر
بدأت الصغيرة تنقل ما كتبته أمها حرفا حرفا بداخل الدفتر الجديد
لتصرخ أمها بها فيبدو أنها لأول مرة تجلس جوار ابنتها وتشاهد ما تكتبه فانصدمت بالحقيقة التي كانت تغفل عنها... فهي وجدت ابنتها تكتب الأحرف بطريقة معكوسة فمثلا الجيم تكتبه وكأنه حرف S كبيرة وبداخله نقطة
_ايه اللي انتي بتهببيه ده !!
ردت بهدوء وتلقائية شديدة
_بنقل اللي انتي كاتباه يا ماما .
أمسكت أمها الممحاة وبدأت تمسح الحروف الخاطئة التي كانت تكتبها ابنتها ..وقالت بحزم وهي تتذكر كومة الغسيل التي تنتظرها
_أتفضلي عيدي كله من الأول تاني ....واكتبي كويس انتي فاهمة!
قالتها الأمر وهي تتركها وتذهب عائدة لعملها المنزلي.
لتبدأ الفتاة بالكتابة بنفس الطريقة السابقة فهي لا تعرف غيرها .
انهت ما بيدها وأعادت حاجياتها الى حقيبتها وقامت تلعب بدميتها في ارجاء المنزل
لتنادي عليها أمها
_خلصتي الواجب
_اااه خلصته
اطمأنت الأم بأن ابنتها انهت واجبها ...لكن هل تأكدت أن ابنتها فهمت الأسئلة وطرق الحل؟؟؟
هل تأكدت أن ابنتها تستطيع القراءة بشكل صحيح؟
هل تأكدت ان ابنتها تستطيع الكتابة بشكل صحيح ؟
كلا لم تفعل ولن تفعل ...فالبطبع هي لا تضع ابنتها وتعليمها في قائمة اولوياتها المزدحمة كلها بتنظيف وترتيب المنزل
ترى إن تركت البيت فقط لنصف ساعة دون تنظيف هل كان ليشتكي؟؟؟
أسماء عبد الهادي
في صباح يوم جديد
أوصلها والدها الى المدرسة بروتينية شديدة ...يجلس جوارها لكن عقله ليس معه فعلى ما يبدو أنه يفكر في شىء ما بدا مهما من ابنته التي تحدثه منذ أن استقرت جواره بالسيارة وهو يهز رأسه لها رغم أنه لم يسمع شيئا مما قالته ابنته
لم تجد الفتاة البريئة أي رد من والدها ...فهزت كتفيها بقلة حيلة وانشغلت بالنظر عبر النافذة الى أن اوقف والدها سيارته أمام بوابة المدرسة
تنهدت بضيق مسموع لكن بالطبع لم يسمعها والدها وعبس وجهها لمجرد تذكر ما تفعلنه زميلاتها معها .
فتح لها والدها الباب وأوصاها أن تهتم لنفسها وتأكل فطورها وتستمع جيدا لدروسها وانصرف سريعا وكأنه كان واقفا على جمرة من نار ..
دلفت المدرسة ومن بعيد وجدت شلة الفتيات المتنمرات عليها يقفن جنبا الى جنب...ففضلت عدم المرور من جوارهم وبقيت مكانها تختبىء خلف الحائط الى أن يرحلوا .
لكن شاهدها أحد المعلمين وطلب منها
_بسرعة روحي أقفي في الطابور ...الطابور هيبتدي حالا
أومأت برأسها وانتظرته الى ان ابتعد وظلت مكانها لم تتحرك الا بعدما انتهى الطابور وصعد كل التلاميذ الى صفوفهم
رغم أنها تحب التمرينات التي تؤدونها في الطابور ... تحب تلك الحركات والتصفيقات الإيقاعية كثيرا ..الا أنها فضلت عدم الاشتراك بغية ألا تقف جوار الفتيات المزعجات
بعدها بدأت تتحرك بتثاقل نحو صفها وما جعلها تنفخ بضجر أكثر هو رؤيتها لمعلم مادة الإنجليزية يدلف الصف
تلك المادة التي لا تفقه فيها شيئا ولا حتى حروفها الابجدية فالمادة بالكامل بمفرداتها وقواعدها اللغوية هي لا تفهمها
وقفت امام باب الصف تقدم قدم وتؤخر الأخرى فلاحظها المعلم فحثها على الدخول
_come on....
لم تفهم عليه وبدأت تلتف حولها لتنظر الى من يتحدث ليشير اليها هي بضيق
_انتي ... ادخلي بسرعة .
وما ان دلفت وكادت أن تعبر من أمام مكتب المعلم حتى قالت إحدى الفتيات وتدعى سالي مشيرة إليها
_مستر ... حضرتك كنت طلبت منها تسمع كلمات الليسون اللي فات على البورد.
تذكر المعلم ذلك والتفت إليها وطلب منها أن تمسك القلم وتبدأ في كتابة ما حفظته على السبورة
بدت مترددة لا تدري ما تفعل لكنها على أي حال تناولت القلم من المعلم والتفتت للسبورة لتكتب
لبتسم سالي رافعة شفتها العليا بشماتة وخبث فهي متأكدة أنها لن تستطيع كتابة حرف واحد
وقد كان فبطلتنا لم تستطع كتابة اي شىء فبدأ المعلم في مساعدتها بقوله الحرف الأول من الكلمة لكنها فشلت حتى في رسم شكل الحرف بصورة صحيحة فحرف a من الحروف القلائل التي تعرفه في اللغة الإنجليزية الا أنها أحيانا تكتبه بطريقة معكوسة دون عمد منها
ليغتاظ المعلم منها ويطلب منها أن تردد خلفه الكلمة لحتى تكتبها بصورة صحيحة
_ريبيت أفتر مي (قولي ورايا) آبل ..apple 🍎
لم تفهم ما يقصده فهو يتحدث بالكامل بالإنجليزية فكيف لها ان تفهم ما يطلبه منها ..لذا نظرت له بصمت
ليكرر مرة آخرى كلامه ليظل الصمت حليفها .فينفجر الطلاب بالضحك كالعادة عليها
ليصرخ فيها المعلم بنفاذ صبر
_قولي ورايا وخلصيني apple
_app..eele
_no, قولي apple
_a..pple
_ doll
_toll
_no, doll
_toll
حاول المعلم كظم غيظه بينما هي تنظر بغضب لطلاب صفها الذين يسخرون منها .
استاء المعلم من تلك الطالبة البليدة وأمرها أن تجلس مكانها وتخرج كتبها وتستمع اليه جيدا ...ثم تكتب ما سيكتبه على السبورة عدة مرات
لم يعي عقلها الصغير تلك الأوامر الكثيرة التي طلبت منها في وقت واحد فلم تفهم سوى أول أمر فقط فذهب للتخت الخاص بها وجلست بهدوء وما زالت حقيبتها مستقرة على ظهرها ....ليصيح بها المعلم
_سمعتي أنا قلت إيه ...ولا كمان مبتسمعيش.
نظرت له باستغراب لماذا يصرخ عليها هكذا هي نفذت ما قاله وجلست في مكانها
لتهتف سالي ساخرة
_معلش يا مستر .. أصلها غبية ومبتفهمش
غضبت غضبا شديدا من تلك الفتاة التي تسمي سالي وانتهزت خروج المعلم من الصف فعلى ما يبدو أنه ذهب ليخبر المدير بأمرها
ونهضت من مكانها وانتظرت انشغال سالي بكتابة شيئا ما بدفترها وقامت بالضغط على رأسها ...ليصطدم رأسها بالمقعد بقوة فتصرخ سالي من الألم وما يزيد صراخها هو رؤيتها لقطرات من الدم تسيل من أنفها
فزاد الهرج والمرج بداخل الصف ومعظم الطلاب التفوا حول سالي بخوف وقلق
فتراجعت هي لمكانها وجلست بهدوء وكأن شيئا لم يحدث .
أما هناك في مكتب المدير ..جلس معلم اللغة الإنجليزية يشتكي مستواها
فلم تكن تلك الشكوى الأولى الذي يتلقاها المدير بذلك الشأن فاستدعى معلم اللغة العربية ايضا ليشاركهم الحوار
ليهتف المدير باستياء
_ مستر سامح .. انت كلمتني في الموضوع ده قبل كدا وطلبت منك تبلغها بإحضار ولي امرها نناقشه في مستوى بنته
_ايوة حصل يا مستر ..قلتلها اكتر من مرة ولا حياة لمن تنادي.... البنت مبتفهمش يا مستر
حك المدير ذقنه وهتف بتفكير
_لا الوضع ده زاد عن حده ...اتفضلوا على الكلاسز بتاعتكم وأنا هتصرف.
انصرف المعلمون الى صفوفهم لمتابعة حصصهم بينما استعدى المدير ... السكرتيره الخاصة بمكتبه فحضرت على الفور
_افندم يا مستر شوكت
_في طالبة عايزك تشوفي الملف بتاعها وتجيبي رقم والدها وتكلميه وتأكدي عليه يجي بكرة يقابلني .
أومأت له برأسها بعملية
_تمام يا مستر .
أعطاها اسم الفتاة ورقم صفها فتابعت هي بحثها في خزانة الملفات الخاصة بالطلبة ....الى أن وجدته وفعلت ما طلبه منها المدير .
🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼
أسماء عبد الهادي
لنعد لبطلتنا الصغيرة
كالعادة لم تمرأها سالي لها وعندما عاد المعلم للصف مرة أخرى ...استدعت دمعاتها وذهبت اليه تدعي ألم أنفها الذي زال من مدة وشكت سوء فعلتها
فلم تسلم هي من توبيخات المعلم ونظراته الغاضبة لكنها لم تهتم كثيرا لذلك فالأهم عندها أنها حققت انتقامها من سالي وردت لها ولو جزءا بسيطا مما فعلته هي بها من آذى .
انتهت حصة اللغة الثقيلة على قلبها وحان وقت أكتر مادة تفضلها على الاطلاق وهي التربية البدنيةBE
حيث فيها تلعب وتلهو بحرية وليس مطلوبا منها أن تحفظ او تقرأ او تكتب
تحمست كثيرا وخاصة أنها تفوز في سباقات العدو لأنها الاسرع من بينهم ولا أحد منهم يستطيع اللحاق بها
توجهت الفتيات إلى خزائنهن وبدلن ثيابهن لاخرى خاصة بالرياضة
ووقفن جميعهن في صف واحد أفقي أمام المعلمة...التي أملت عليهم بعد التعليمات..قبل البدء في مزاولة التمرين
ثم أمرتهم بالركض حول الملعب ٣مرات بدءا من اليسار
فاستعد الجميع لذلك ورمقتها سالي بنظرة ساخطة قبل أن تبدأ بالجري.
وجدتها المعلمة هي الوحيدة تنطلق في الركض في الاتجاه المعاكس ...فزفرت بضيق وهتفت بغضب تظن أنها تعمدت أن تتخلف عن الآخرين
_شوق ...ايه اللي انتي بتعمليه ده
وقفت المسكينة محلها ولم تدري ما الخطأ الذي اقترفته لتنظر لها المعلمة بغضب هكذا الا عندما وجدت نفسها وحيدة وبقية صفها يركضون في الاتجاة الآخر فحاولت أن تعود ادراجها لتركض في اتجاههم
لتهتف المعلمة بحزم
_اتفضلي اقعدي في الاستراحة هنا انتي ممنوعة من المشاركة في التمرين دا
رمشت شوق عدة مرات ونظرت لمعلمتها بحزن
لتشير لها المعلمة نحو المقعد ..فتمشي شوق بخفوت مطأطأة رأسها لأسفل فالمعلمة حرمتها من المشاركة في أحب نشاط لها ... ولسبب هي لا تعرفه ..ولا دخل لها فيه ...ليس ذنبها أنها لا تستطيع أن تفرق بين الاتجاهات ليس ذنبها أنها لا تعرف اليمين من اليسار .
سقطت دمعاتها تباعا وهي تشاهد زملاءها يركضون بمرح ونشاط
استغلت سالي عبورها من أمامها لتقف وتخرج لسانها لشوق بغية الشماتة فيها وإثارة غضبها
فما كان من شوق الا أن قامت لتهجم على سالي بكل ما تحمله في قلبها من غيظ وغضب بسبب حرمانها من احب نشاط لقلبها.. فما كان ينقصها هو سماجة تلك الفتاة ومضايقاتها الدائمة لها
لذا انقضت عليها لتوقعها ارضا وتصعد فوقها ومن ثم تشبعها أرضا ولم ينجد سالي من غضب شوق سوى المعلمة التي أمسكت يد شوق سريعا قبل أن تطال سالي من أول ضربة
أوقفتها سريعا وساعدت سالي على أن تنهض على قدميها ومن ثم اطمأنت عليها وهي تنخفض بجسدها نحوها وتهتف باهتمام
_سالي حبيبتي انتي كويسة!!!
انزعجت شوق من لهفة المعلمة على سالي في حين أنها لا تستحق ذلك الحب فهي فتاة شريرة خبيثة
انتبهت شوق وهي ترى المعلمة تنهرها وتؤنبها على ما فعلته فضمت شفتيها بحزن والتفتت ببطىء لتعود ادراجها لتجلس مكانها وحدها على المقعد ولا أحد يبالي ولا يشعر بها .
يتبع الفصل الثالث
رواية ديسليكسيا الفصل الثالث 3 - بقلم أسماء عبد الهادي
عادت للمنزل بعد يوم كئيب كسابقيه بالنسبة لها.
تجد أباها ولأول مرة منذ مدة يتواجد في المنزل في مثل هذا التوقيت.
أشار إليها لتذهب له على الفور.
ليتحدث بصرامة:
_ أنتي ليه مقلتليش يابنت أن المدرسة طالبة تقابلني!!
_ ما أنا قلتلك يابابا وانت مردتش عليا.
ظن أنها تدعي كذبا لذا كشر بوجهه وهدر بها:
_ قولتيلي!!! ... اسمعي يابنت، كذب مش عايز انتي فاهمة! .... اعترفي عملتي ايه يستعدى إنهم يطلبوا يقابلوني أكتر من مرة أنا مش فاضي لوجع الدماغ ده.
_ قولتلك النهاردة في العربية يا بابا.
في الواقع هي أخبرته عدة مرات ولأيام متتالية بطلب المعلمة منها استدعاء ولي أمرها.
لكنه كالعادة لم يكن يوماً مصغياً إليها ولا مهتماً لما تقوله.
زفر بحنق، فهو غير مهتم بأي شيء يخصها، فما ينتظره أكبر من مشكلة قد تكون قد سببتها ابنته في أي حال من الأحوال.
فهو مرشح لرئاسة مجلس إدارة الشركة، وهو الحلم الذي يتمناه منذ مدة، لذا لا يريد لأي شيء أن يعطله عما يريد.
في صباح اليوم التالي، أوصلها إلى المدرسة ودلف معها لينظر في أي شيء يريدونه.
طلب منها لأن تذهب لصفها وتوجه هو لمكتب المدير ليجلس في غرفة الانتظار حالما تُعلم السكرتيرة المدير بشأنه.
جلس يطرق بأصابع يده على المكتب أمامه، فهو في عجلة من أمره.
إلى أن أذنت له بالدخول.
وعندها طلب المدير من معلمي شوق الحضور وشرح مستوى ابنته له، الأمر الذي جعله يتفاجأ كثيراً لعدم معرفته بمستوى ابنته من قبل.
لكن رد فعله كان غريباً للغاية:
_ أنا مش فاهم .. مين اللي المفروض يشتكي أنا ولا إنتم ... أومال أنا جايب بنتي المدرسة هنا ليه ... مش علشان تتعلم ... ما كنت سبتها في البيت ولا وديتها أي مدرسة وخلاص ... يا سادة دي مشكلتكم انتم .. البنت مش بتفهم .. يبقى ده لأن حضراتكم مش شايفين شغلكم كويس... أنا مقدملها في المدرسة هنا وبدفع في الشهر شيء وشويات علشان تجيبوني وتعطلوني عن شغلي وتبلغوني ان بنتي مستواها متدني!
نظر الأساتذة لبعضهم البعض مستغربين رد فعله.
ليقول المدير بانزعاج:
_ فها هو والد شوق يتهمهم بالإهمال ويقلل من مستوى المدرسة ومعلميها الأمر الذي لم ولن يتقبله، فسمعة مدرسته في خطر إن انتشر هذا الأمر على لسانه بهذه الطريقة.
_ يا حضرت ... إحنا عندنا هنا نخبة من الخبراء والمعلمين الأكفاء.
_ ماهو واضح فعل.
ليطرق المدير بيده على مكتبه بعصبية:
_ يا أستاذ أنا مسمحلكش تعيب في المنظومة التعليمية والتربوية بهذا الشكل المهين ... وان مكانش عاجبك الأسلوب اللي بنتبعه هنا ... اتفضل خد بنتك وقدملها في أي مدرسة تانية ... ده إن قبلوها أصلاً.
لينهض والد شوق بانزعاج من حديث المدير:
_ أنا فعلاً هنقلها من هنا ... بنتي مش هتقعد في المدرسة دي من اللحظة .... من فضلك هاتلي بنتي والأوراق بتاعها علشان أمشي.
وبالفعل أخذها والدها وأعادها للمنزل حالما يبحث لها عن مدرسة أخرى مناسبة، ولم يفكر فيما قالوه المعلمون عن مستواها الدراسي ولا عن ملاحظاتهم بشأنها.
بعد عدة أيام كانت شوق في مدرسة أخرى.
ارتاحت هي لكونها ابتعدت عن سالي ونزقها، وظنت أنها هنا ربما ستستطيع أن تحظى بصديقات أو معاملة أفضل.
لكن الحال كان كسابقيه، لم تسلم من سخرية الآخرين من مستواها، بل والأسوأ من سخرية وتنمر المعلمون أنفسهم.
ونعتها بالبليدة والغبية طوال الوقت، وعدم جعلها تنضم معهم في أي من الأنشطة التي يجرونها لمعرفتهم المسبقة بأنها لم ولن تفلح في تأديتها، بل ستتسبب في إضاعة وقت زملاءها هباءً.
الأمر الذي جعل شوق ترفض الذهاب للمدرسة مرة أخرى، وقد وصل الأمر أنها كانت تبكي كل صباح لحتى لا تذهب.
لكن كان كل ما تفعله دون جدوى، فوالدها كان يجبرها لأن تذهب في كل مرة، سواء بالصراخ في وجهها تارة أو بالضرب تارات أخرى.
في تلك المرة التي كانت شوق ترفض الذهاب فيها إلى المدرسة وبشدة.
قرر والدها أن تذهب معها أمها لتستعلم ما الأمر ولمَ ترفض ابنته الذهاب للمدرسة.
فلم يفكر في سؤال ابنته قط عن السبب أو عما قد تقابله ابنته هناك من مضايقات.
وصلت معها الأم للمدرسة لتنصحها بعد المعلمات بجلب معلم خاص لشوق بسبب مستواها الدراسي المتدني وعدم استطاعتها مواكبة زميلاتها بالصف، فهي حتى لا تستطيع تمييز الحروف من بعضها البعض.
وهي ورغم هذا السن "العاشرة" مازالت تكتب الأحرف بطريقة خاطئة.
_ حضرتك اللي غلطانة ازاي تسيبي بنتك لحد السن ده من غير تأسيس أو متابعة لمستواها ... الأفضل تجيبي للبنت أستاذ يعطيها درس خصوصي لوحدها في البيت علشان تلحق اللي فاتها وإلا هيفوت الأوان.
زفرت الأم بحنق، فزوجها سوف يوبخها إن علم بحقيقة الأمر.
لذا قررت أن تستمع لنصيحة المعلمون بالمدرسة وطلبت الاستشارة منهم في إرشادها عن معلم مناسب ليعلم ابنتها.
فالطبع أرشدوها لواحد منهم، لحتى يحظى هو بمبلغ ليس هينا جراء تعليم الفتاة.
مدعياً أنه سيتعب كثيراً مع ابنتها، فهي تحتاج لجهد جبااار لتتعلم.
لكن لم يعلم أن كل جهوده ستذهب سدى وأنه هو بنفسه من سيطلب أنه لن يكمل مع تلك الفتاة.
فهو ما إن يعلم الفتاة بعد القواعد البسيطة حتى سرعان ما يجدها نسيتهم بسرعة كبيرة، ولم يمضي على تعليمه إياها سوى دقائق معدودة.
_ قلنا إيه فعل يكون "verb...to...be" يتكون من "am...is...are" ... بتكون من إيه ؟؟.. ها قولي.
صمتت قليلاً لتتذكر ثم هزت كتفيها بعدم معرفة، فلقد نسيت تماماً.
_ مش عارفة.
لينهض هو من مكانه حانقاً:
_ لا كدا كتير... أنا بقالي شهر بشرحلك القاعدة البسيطة دي وانتي إيه!!.. انتي إيه يا شيخة ... ده لو كانت حيطة كانت نطقت عنك أعوذ بالله.
رمقته شوق بنظرة تختلط فيها الدمعات ببعضها ثم ذهبت إلى غرفتها بنفس بائسة حزينة.
لتأتي أمها لتستفهم سبب رغبته في الرحيل قبل موعده ليخبرها أنه لن يكمل بتلك الطريقة.
_ أنا أسف ... البنت مفيش فايدة فيها نهائي... دماغها مقفولة وحقيقي مبتفهمش ... أنا غلبت معاها بكل الطرق الممكنة ومفيش استجابة... عن إذنكم.
ليستمع والدها إلى ما قاله المعلم فيهتف بغضب جم:
_ يعني إيه!! بنتي أنا هتبقى غبية ومبتفهمش بالشكل ده ... إزاي يعني.
لتقترب منه زوجته لتهدأ من روعه:
_ استنى بس يا غريب ... هنجيب للبنت مدرس واتنين وعشرة لحد ما تفهم ...
لينتزع هو يده من يدها ويمسكها هو بحدة:
_ كله منك إنتي ... فضلت نايمة على ودانك وناسية البنت لحد ما كل اللي هنعمله هيكون في الفاضي ومبقتش حاجة هتنفع معاها ... وعلى رأي المثل علم في المتبلم يصبح ناسي.
ابتلعت هي ريقها وهتفت بخوف:
_ هتنفع يا خويا ... وهتبقى عال وهترفع راسك لفوق لما تلاقيها في أعلى المراكز ... بس الصبر يا أبو شوق الصبر.
أبعد يده عن زوجته وهتف وهو غير مقتنع بحديثها:
_ هسيبلك انتي موضوع تعليم البنت واتصرفي انتي... بس وربي وما أعبد إن البنت ما اتعلمت ليكون ليا معاكي انتي وبنتك تصرف تاني... فاهمة.
حركت رأسها بخوف:
_ فاهمة يا خويا فاهمة.
بدأت أم شوق تبحث عن معلمين لابنتها هنا وهناك، وجميعهم أجمعوا أن الفتاة لا تفهم ولا جدوى منها، ثم ينسحبون مستسلمين واحداً تلو الآخر بعد فترة وجيزة من تعليمها.
انقضى العام ولا جديد يذكر في حالة شوق، حتى أنها فشلت في اختبارات نهاية العام، وأمها تعمل على إخفاء حقيقة أمرها عن أبيها، هي لا تعلم ما قد يفعله بها وبابنتها جراء ذلك، لذا كان كلما يسألها كانت تدعي أن مستوى ابنته في تحسن مستمر.
لكنه لم يكن مقتنعاً أبداً، وخاصة عندما لاحظ تغير المعلمون باستمرار.
لذا في بداية العام الجديد قام بنقل ابنته للمرة الثالثة.
لكن هذه المرة قرر نقلها لمدرسة حكومية، وعندما سألته زوجته عن السبب أجاب منزعجاً:
_ هفضل أدفع فلوس في الفاضي ليه ... وهيه في الآخر مبتتعلمش ولا هتفلح .. يبقى تخليها في مدرسة حكومي وأهو كله في الآخر تحصيل حاصل ... واسمعي كمان ... المدرسين اللي كل شوية داخلين .. خارجين وآكلين وشاربين في بيتي دول خلاص فضيهم ... وإن ما فلحتش في الحكومي كمان يبقى أنا عداني العيب ... هقعدها من المدرسة وهجوزها أول ما سنها يسمح.
طالعته زوجته بدهشة، أهذا هو زوجها المتعلم الحاصل على أعلى المراكز؟ أهذا هو تفكيره؟ ماذا ترك للرجال الآخرين؟ ماذا ترك لأولئك الذين لم يحصلوا على قسط وافر من التعليم ولم يدركوا قيمته؟ كيف لا يسعى ويتعب من أجل ابنته؟ كيف لا يفعل المستحيل لإيجاد حل لما تعانيه؟ كيف لا تؤرقه ما ألم بها؟ وكيف يفكر بوجاهته ونفوذه ومركزه الاجتماعي أكثر من مصلحة ابنته؟ كيف للنقود أن تغيره هكذا؟
هي تعترف أنها أهملت ابنتها، انشغلت عنها فلم تدرك باكراً ما تعانيه.
لكنها عندما أدركت لم تتوانى، تحاول أن تجد حلاً، لا تريد ترك ابنتها هكذا بدون سلاح، بدون زاد تقتات به ليعينها على مناكب الحياة.
لم يعطها زوجها فرصة للاعتراض أو التحدث، بل ألقى عليها كلماته وتحرك مغادراً إلى عمله.
لتجلس هي منكبة على وجهها، تعتصر رأسها، كيف ستخرج ابنتها مما هي فيه؟ كيف ستجعلها تتعلم أم تراها ستستسلم وتتركها هكذا؟
لكنها قررت أن تحاول معها ثانية وتستمر في إعطائها الدروس الخصوصية والبحث لها يومياً على معلمين، بدون علم زوجها، حتى ولو ستتكبد عناء ذلك، المهم أن تجعل ابنتها على الأقل تتعلم كيف تفك الخط، تتعلم القراءة والكتابة.
في اليوم التالي ذهبت مع ابنتها إلى أول مدرسة حكومية ترتادها ابنتها، وهدفت إلى البحث عن معلم حتى وجدته.
وجدت معلمة ظنتها مثالية، واتفقت معها على الأيام المناسبة لها للحضور، وذلك في الأوقات التي تعرف هي فيها أن زوجها لن يعود للبيت باكراً.
ثم عادت للمنزل وهي تتمنى الخير لابنتها وأن ينصلح أحوالها في التعليم، وأن تنال منه حظاً وافراً، لا أن تكون مثلها، فهي لم تكمل تعليمها رغم حبها له.
فتلك عادات أهل بلدتها أن تخرج البنت من التعليم لتتزوج وتكون أسرة، فهذا أرجى لها وأصلح.
في المدرسة، ورغم أن شوق لا تتعرض للمضايقات، فلا أحد يعرف مستواها بعد، إلا أنها قد فقدت الثقة بنفسها وأصبحت متكورة على نفسها.
لا تعرف تكوين صداقات ولا تجيد التحدث إلى أحد.
بحثت عن مقعد لتجلس فيه وحدها، لكن الصف كان متكظاً بالطلبة، فوقفت مكانها لا تدري أين تجلس وما عليها فعله.
وقفت تنظر للصف وللطلبة الذين يحدقون بها، فهي الطالبة الجديدة والتي التحقت بصفهم اليوم.
لتجد إحداهن تشير إليها لأن تجلس جوارها هي وصديقتها، فهناك مكان لها بجوارهما.
فتقدمت شوق إليهما بتثاقل، فلا مكان آخر لتجلس فيه.
فسحت لها إحدى الفتيات المكان لتجلس في منتصفهما، فأخذت شوق نفساً عميقاً ثم جلست بقلة حيلة.
لكنها انكمشت في نفسها ولم تفتح فمها بحرف واحد، ولا حتى نظرت إليهما من الأساس.
حاولت الفتاتان التحدث معها، إلا أنها لم ترد على محاولاتهما في الحديث معها وفشلوا حتى في معرفة اسمها ولو لمرة واحدة.
لدرجة أن الفتاتان يأسن منها وكففن عن التحدث إليها.
لم تشارك شوق في أي من الأنشطة المدرسية ولم تتجاوب مع أي من معلميها على الإطلاق.
لاحظها ذلك المعلم الجديد الذي التحق في نفس اليوم الذي التحقت به شوق لتلك المدرسة.
فأراد أن يعرف سبب عزلتها تلك وعدم انسجامها مع زملاءها.
فقرر مراقبتها أكثر.
ليحين موعد الفسحة ليجدها تنفر بسرعة نحو الخارج بحقيبتها على ظهرها.
فيمشي خلفها بهدوء ليجدها بحثت عن مكان خالٍ إلا منها وجلست إليه، ومن ثم أخرجت شطيرتها والتهمتها بسرعة وهي تتلفت حولها.
فاستغرب هو فعلتها تلك وقرر متابعتها لنهاية اليوم.
لكن أحد زملاءه قد نادى عليه، فالمدير يطلب رؤيته.
فاضطر لأن يترك متابعة تلك الفتاة التي أثارت دهشته وريبه في نفس الوقت، لوقت لاحق.
في اليوم التالي، دخل المعلم إلى صفه الجديد والذي هو نفس الصف التي به شوق.
فبدأ يمارس مهنته بسلاسة كما يفعل دائماً، ليجدها لا تنظر حتى إليه ولا تلتفت على الإطلاق للشرح.
فاقترب من المقعد التي تجلس به وطلب منها أن تقف، ففعلت ومازالت رأسها لأسفل لا تنظر إليه، ليسألها هو عن اسمها.
_ اسمك إيه.
لتجيب إحدى الفتيات التي تجلس معها:
_ دي باينها مبتتكلمش يا أستاذ ... من أول ما جت المدرسة هنا امبارح وهيه منطقتش بحرف واحد.
ليكرر المعلم سؤاله مع احتفاظه بنبرة هادئة معها:
_ ها مش هتقوليلي إسمك إيه وترفعي راسك ده وتبصيلي وأنا بكلمك!!
لم يجد منها أي ردة فعل، فطلب من الفتاة التي جوارها أن تقف لتخرج شوق إليه.
وبالفعل أخذها وأمسك يدها وجلس هو إلى طاولته في مقدمة الصف، وبأطراف أصابعه رفع ذقنها ليجعلها تنظر إليه.
_ ممكن تبصيلي.
ليجدها تنظر ليده التي يمسكها بها بخوف.
ليشجعها على عدم الخوف منه:
_ مالك خايفة ليه كدا ... أنا مش هعمل فيكي حاجة أنا عايز أعرف اسمك.. ممكن!!
رفعت بصرها إليه وهتفت بخفوت:
_ شوق.
ليتذكرها هو على الفور.
إنها تلك الفتاة من مدرسته السابقة والتي رآها تجلس على السور أعلى سطح المدرسة والذي طلب منها ألا تكررها ثانية، وأعجب بتلك الابتسامة البريئة التي رمقته بها حينها.
إليه يهتف بمرح ليخرجها من توترها:
_ إيه ده انتي نقلتي هنا زيي... أنا كمان يا ستي مدرس جديد هنا زيك بالظبط ... واسمي مستر حسام مدرس الإنجليزي الجديد.
حاولت هي إفلات يدها التي يمسكها المعلم، فعلم أنها ما زالت ترهب المكان، فربت على كتفها بحنان وطلب منها أن تعود لمكانها، ولكن عليها أن ترفع رأسها وتنتبه لما يشرحه.
وجدها تجلس لمكانها بهدوء، لكنها لم ترفع رأسها إليه، ليهتف بصوت عال:
_ ارفعي راسك وبصي على السبورة يا شوق.
فعلت في الحال وهي تنظر لزملاءها في الصف خوفاً من أن يسخروا منها.
لكنها لم تجد أحداً يفعل ذلك، فتنهدت براحة ونظرت للمعلم وتابعته وهو يشرح، لكنها كالعادة لم تفهم شيئاً.
سأل المعلم حسام جميع من بالصف وحان دورها.
لكنها لم تكن تعرف الإجابة، رغم أن معظم من بالصف أجاب، لسلاسة وسهولة شرحه، إلا هي لم تستطع النطق بحرف واحد.
فطلب منها أن تأتي إليه ثانية.
وأراد هو أن يختبرها ببضعة أسئلة على انفراد ليعرف مستواها الحقيقي وهل صمتها وامتناعها عن الإجابة هل هو خجل زائد أم أنها حقاً لا تعلم.
بدأ يسألها سؤالاً تلو الآخر بصوت خفيض حتى لا يسمع بقية الطلبة، وهي تقف كالبلهاء لا تفقه شيئاً.
فكان يتراوح في الأسئلة من الصعب إلى السهل.
ليلاحظ أنها حقاً لا تعرف أي شيء.
فقرر كتابة أحد الأحرف على السبورة، فعرفته ونطقت باسمه.
فتنهد بحسرة من أجلها وتابع سؤالها بحرف آخر فأجابت عليه.
ليعطي لها هو القلم ويطلب منها كتابة حرف A.
أمسكت القلم بيد مرتعشة وهمت لتكتبه، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وهتفت بخفوت:
_ مش بعرف.
ليشجعها هو على كتابته:
_ لا تعرفي يلا حاولي .. ها.
لتحرك هي رأسها بالنفي:
_ لا مش بعرف ... أنا غبية ومبفهمش.
ليضيق هو ما بين حاجبيه ليهتف باستغراب:
_ مين اللي قالك الكلام ده؟؟؟
لتهتف بحزن ممزوج بالوجع:
_ الكل بيقولي كدا .. ماما وبابا وكل المدرسين وحتى البنات اللي ف المدارس التانية اللي كنت فيها بيقولوا كدا.
حرك حسام رأسه أسفاً من أجلها، فيبدو أن تلك الفتاة عانت كثيراً في الفترات السابقة من الجميع، مما أفقدها ثقتها بنفسها وأدخل الحزن والاكتئاب إلى قلبها.
لذا انخفض ليكون بمستواها وأشار إلى نقطة ما على السبورة وهتف بابتسامة صافية لا تفارقه:
_ بس أنا بقى متأكد إنك مش غبية ... وبتفهمي وهتعرفي تكتبيها.. يلا حاولي وأنا هساعدك.
مدت شوق يدها بارتعاش ليحثها هو ثانية:
_ يلا اكتبي متخافيش.
فقامت بكتابتها بطريقة صحيحة.
ليبتسم لها ويقول بصوت جعله يبدو مرحاً وحاول أن يرفع معنوياتها المنعدمة:
_ ما انتي طلعتي شطورة أهو وعرفتي تكتبيها .. يلا اكتبي حرف B.
تشجعت بعد كلماته وكتبتها على الفور، لكنها كانت معكوسة.
ليتغاضى حسام عن ذلك الخطأ ويهتف مدعياً الإعجاب:
_ برافو برافو يا شوق شطورة. اتفضلي ارجعي مكانك.
تابعها بنظراته وهي تعود لصفها وبداخله هم من أجلها.
لا يدري لم همه أمر تلك الفتاة ويريد مساعدتها لتتحسن.
يريد أن يمحو تلك النظرة المنطفئة في عينيها بأخرى ذات بريق لامع، فما زالت صغيرة على الانطفاء هكذا.
رواية ديسليكسيا الفصل الرابع 4 - بقلم أسماء عبد الهادي
صدفة، وبينما يعبر الرواق سمع معلمة ما تتحدث مع أم شوق. لم يكن يعرف أنها أمها سوى من وقوف شوق بجوارها، وهي تنظر للمعلمة التي تتحدث عنها بحزن شديد.
قالت المعلمة:
أنا آسفة أوي يا مدام، مش هقدر أكمل مع بنتك. مفيش استجابة منها وأنا بحس إني بتعب في الفاضي، أنا آسفة.
تنهدت أم شوق مطولًا ونظرت للمعلمة بنظرة مجردة خالية من أي تعبير، لكن قلبها يصرخ من الوجع. فماذا عساها تقول أو تفعل؟ أحضرت لابنتها العديد من المعلمين وكلهم يجمعون على نفس الشيء أن البنت لن تفلح أبداً. شيعت المعلمة بنظراتها البائسة ثم نظرت إلى ابنتها بحسرة شديدة، لترمقها ابنتها بانكسار شديد وكأن كلمات كل معلم في حقها طعنات في ثقتها بنفسها حتى كادت أن تصبح شبه شفافة باهتة.
مما أصاب الأم من غضب وقلب مكلوم، لذا هتفت بغيظ لابنتها:
عاجبك كدا؟ مفيش ولا مدرس عايز يكمل معاكي. أعمل إيه يا شيخة؟ أنا طهقت وغلبت معاكي وأبوكي بدأ يزهق منك. مبقاش في إيدي أي حاجة أعملها. قوليلي أعمل إيه معملتوش؟
ساءه ما سمع، لذا وجد نفسه تلقائيًا يتقدم نحوهما ليتحدث باهتمام وعينه على تلك الصغيرة المنكسرة:
السلام عليكم. حضرتك والدة شوق؟
خشيت أم شوق أنه قادم ليشكو ابنتها كعادة معلميها دائمًا، لذا هتفت بتوجس وهي تخرج ما بصدرها من اختناق:
أيوه يا أستاذ... حضرتك عايز تشتكي من مستوى البنت؟! أنا عارفة مستواها كويس وصراحة غلبت معاها فاستحملوها كدا هنعمل إيه.
ليحرك حسام رأسه بالنفي وقال بينما يمسد على شعر شوق:
لا أبدًا... البنت عسولة وشطورة خالص.
تفاجأت الأم بما يقول ثم أدركت أنه يسخر من ابنتها فكشرت بوجهها.
ليقول حسام بهدوء بغية أن يرفع معنويات شوق وأمها المحطمتين:
دي الحقيقة يا أم شوق، البنت صحيح محتاجة مساعدة كبيرة بس ده ميمنعش إن البنت شطورة دي حتى طلعت من كام يوم على السبورة وكتبت بعض الحروف اللي مليتهالها.
لينشرح قلب أم شوق بأن هناك من يتحدث بإطراء عن ابنتها، لذا أرادت أن تستغل تلك الفرصة وتعرض عليه أن يعطي ابنتها دروسها:
ربنا يجبر بخاطرك يا أستاذ... طب أنا كنت بدور للبنت على مدرس يدرسلها في البيت... ممكن؟! وهعطي لحضرتك المبلغ اللي تطلبه.
ليهتف حسام:
أنا للأسف مش بعطي أي دروس خصوصية أبدًا... لكني مستعد إني أساعد شوق... البنت فعلًا محتاجة مساعدة ودعم معنوي كبير جدًا.
ياريت الله يخليك يا أستاذ، أنا مبقتش عارفة أعملها إيه.
بصي حضرتك الكلام في الموضوع ده يطول شرحه وأنا عندي حصة دلوقتي... لو بإمكانك تنتظريني لحد ما أخلص حصتي وأتناقش معاكي في بعض المسائل بخصوص البنت؟
وافقت هي على الفور:
مفيش مانع أبدًا... هنتظر حضرتك تخلص اللي وراك.
بعد حوالي ساعة حضر حسام إلى المكان الذي تنتظره فيه أم شوق وهو عبارة عن حجرة المعلمون، ولكن لم يكن سواها بها. فألقى التحية عليها مبتسمًا:
أنا آسف اتأخرت على حضرتك.
ولا يهمك يا أستاذ... أنا مش عايزة أعطل حضرتك.
جلس على مسافة منها:
مفيش عطلة ولا حاجة أنا خلاص خلصت الحصص اللي عندي النهاردة... ممكن أسألك شوية أسئلة بخصوص شوق؟
أتفضل يا أستاذ.
ممكن حضرتك تحكيلي أخبار شوق في السنين اللي فاتت أنا عرفت إنها انتقلت من مدرسة خاصة لهنا.
بدأت أم شوق تقص عليه كل ما حدث مع شوق منذ أن بدأت تدرك أن ابنتها تعاني مشكلة في التعلم.
أخذ حسام يفكر فيما قالته أم شوق ليهتف بعد أن تأكد يقينًا أن شوق تعاني من صعوبات في التعلم:
ممم بنتك للأسف... بتعاني من صعوبات التعلم... معقولة محدش من المدرسين نوهوا لك بده.
حركت رأسها بالنفي:
كلهم كانوا بيقولوا إن قدرتها الاستيعابية منعدمة وإن دماغها واقفة مبتستجبش خالص.
حرك رأسه يرفض ما يقولونه:
لا طبعًا اللي بيقولوه ده كله غلط... البنت بتستوعب كويس جدًا... بس المشكلة عندها في طريقة تلقي المعلومة نفسها... بمعنى أن الأسلوب المتبع معاها نفسه من الأول غلط... حالة شوق بيعاني منها العديد من الأطفال بدرجات متفاوتة وحالة شوق الأصعب من بينهم.
يعني إيه يا أستاذ وإيه صعوبات التعلم اللي بتقول عليها دي ونحلها إزاي؟
صعوبات التعلم ده أنواع كتير... وباب واسع جدًا ومحتاج متخصصين ودراسة متعمقة... ولحسن حظ شوق إني بعمل رسالة الماجستير بتاعتي عن صعوبات التعلم وأنواعها وطرق علاجها ويمكن ده اللي خلاني أقدر أكتشف حالة شوق.
هتفت الأم بفرحة:
طيب قولي الله يخليك يا أستاذ أتصرف إزاي مع البنت... ده أبوها حالف لا يخرجها من المدرسة ويجوزها.
الأول علشان نعرف نتعامل صح مع البنت لازم نعرف أي نوع من أنواع صعوبات التعلم بتعانيه شوق هل صعوبة الحركة (ديسبراكسيا)... أم صعوبة الحساب (ديسكالكيولا)... أم اضطرابات الانتباه والتركيز... أم صعوبة الكتابة (ديسجرافيا)... ولا عسر القراءة (صعوبات القراءة.. ديسليكسيا).
حملقت به أم شوق بعدم فهم فلأول مرة تسمع المصطلحات التي يقولها... وعلى ما يبدو أن الأمر ليس سهلًا كما كانت تظن. لذا هتفت بحيرة:
وهنعرف إزاي يا أستاذ؟
دي مهمتي... هقعد مع البنت مرة واتنين وتلاتة لحد ما أحاول أني أحدد أي نوع بالظبط بتعانيه شوق.
ياريت يا أستاذ وهيبقى جميل مش هنساهولك طول العمر.
ده واجبي يا مدام... واطمني شوق أنا بعتبرها زي بنتي بالظبط ويهمني أمرها... ممكن بس رقم حضرتك علشان لو في جديد أبلغ حضرتك أو لو عايز أستفسر عن جزئيات معينة؟
أخرجت هاتفها من حقيبتها بلهفة فأخيرًا وجدت من سيخرج ابنتها من مشكلتها:
أوي أوي يا أستاذ... اتفضل... ٠١٠
أنا عايز أقول لحضرتك إن الموضوع مش سهل لإن اكتشاف أي نوع من أنواع الصعوبات دي أمر معقد جدًا وده لإنه كل الأعراض متداخلة ومتشابكة ببعضها وده هيخليني أستعين بخبراء متخصصين علشان أوصل.
اعمل اللي حضرتك شايفه صح وأنا معاك في أي فلوس حضرتك تحتاجها المهم بنتي نلاقي لها حل.
الفلوس دي آخر حاجة ممكن نفكر فيها... حضرتك ادعي بس وقولي يا رب يوفقنا في حل مشكلتها... والأهم دلوقتي... إن حضرتك ووالد شوق تتفهموا مشكلتها ومتحسسوهاش بأي قصور أو فشل... ياريت تقدموا لها الدعم النفسي والمعنوي وإنكم جنبها وبتحبوها ومتقبلينها زي ما هيه... بتحبوها بكل حالاتها... وياريت بلاش الكلام اللي يحبط أو أي نظرة تحسس البنت بالعجز أو الفشل... زي الكلام اللي حضرتك كنتي بتقوليهولها أول ما قابلتكم... الكلام ده والنظرات دي كفيلة إنها تهدم كل اللي هنعمله وهتخلينا نفشل قبل ما نبتدي.
بدأت أم شوق تشعر بمدى صعوبة المشكلة التي تمر بها ابنتها وبعظم المسؤولية التي تقع على عاتقها:
إن كان عليا حاضر هوعدك إني أعمل كدا... بس أبوها اللي مش عارفة أعمل معاه إيه... يا رب يسمع كلامي ويساعدني.
آه يا ريت تحاولي معاه وتتعبي علشان بنتك لو عايزة فعلًا مصلحتها.
بإذن الله يا أستاذ... أنا معرفتش اسم حضرتك.
حك حسام شعر رأسه بسخافة:
آه صح أنا نسيت الحماسة خدتني معلش... أنا أستاذ حسام الدمنهوري.
أهلًا وسهلًا يا أستاذ ده أنت ربنا بعتك لبنتي من السما.
ربنا يقدرني وأقدر أساعدها فعلًا.
أسماء عبد الهادي
بعد فترة دامت شهر كامل من البحث وسؤال المختصين والتقييم لأداء شوق من خلال كونه معها لحظة بلحظة، استطاع حسام أن يعرف أن ما تعانيه هو الديسلكسيا "عسر القراءة" والتي كانت أعراضه جلية على شوق وهي:
القراءة البطيئة أو غير الدقيقة.
هجاء فقير جدًا.
صعوبة في الربط بين الكلمات الفردية مع معانيها الصحيحة.
صعوبة في مراعاة الوقت، ومفهوم الوقت.
صعوبة في مهارات التنظيم.
صعوبة فهم التعليمات السريعة، صعوبة اتباع أكثر من أمر واحد في وقت واحد أو تذكر تسلسل الأمور.
انتكاسات للحروف (بي ودي) وعكس كلمات (saw for was).
الفشل في رؤية (وأحيانًا سماع) أوجه التشابه والاختلاف في الحروف والكلمات.
ضعف في التمييز بين أحرف العلة فقد تقرأ كلمة (فول) فيقول (فيل).
ضعف التركيز عند الاستماع للقصص.
لذا هاتف والدتها وطلب مقابلتها في المدرسة فهو المكان الذي يلتقيان فيه دائمًا لمناقشة أمور شوق ومدى تقدير الأمور في حالتها. استأذنت زوجها على الفور عن طريق الاتصال به هاتفيًا فلم يكن هو يبالي بأي شيء يخص ابنته وكأنه نفض يده عنها، لذا أخبرها أن تفعل ما يحلو لها بشأن ابنتها. لم تكذب هي خبرًا ولم تضيع أي فرصة على ابنتها وارتدت ملابسها على الفور وذهبت لتقابل المعلم ربما سيخبرها بما سيقر عينها ويطمئن قلبها السقيم على ابنتها.
في المدرسة وتحديدًا في المكتبة.
قالت الأم:
إزيك حضرتك يا أستاذ حسام؟
أهلًا بحضرتك... أنا كويس الحمد لله... أخباركم إيه... عسى تكونوا بخير إن شاء الله... اتفضلي اقعدي.
هتفت وهي تتخذ مقعدًا:
الحمد لله بخير يا أستاذ... طمني وصلت لحاجة بخصوص البنت بشرني الله يسترك.
أنا قدرت بعون الله بعد سؤال المختصين إني أعرف إن شوق عندها الديسلكسيا... يعني عسر القراءة... ومع ذلك منقدرش نجزم 100% إنها مؤكد بتعاني من النوع ده بعينه... لكن المؤشرات كلها والأعراض بتشير إليه أكثر من غيره.
تنهدت أم شوق بغلب:
طب والحل إيه؟
دلوقتي احنا حطينا إيدينا على أول الطريق الصحيح... لو اتبعنا الطرق العلمية الصحيحة إن شاء الله هنلاقي نتايج مرضية.
أيوه يا أستاذ حسام أنا مش فاهمة إيه اللي المفروض نعمله.
أول حاجة وقبل ما نحدد كورس العلاج... لازم طبيب مختص يفحص شوق ونشوف هل في أي مشاكل عضوية ولا لا؟
حملقت به أم شوق وهتفت بزعر:
يا لهوي يعني البنت معاقة ذهنيًا يا أستاذ حسام؟؟ عندها مشاكل في عقلها؟؟
هز حسام رأسه بالنفي:
أنا مقلتش كدا أبدًا...
الديسلكسيا مش معناها تخلف عقلي أو إن البنت غبية أو تفتقر للذكاء، بل بالعكس شوق تمتلك نسبة الذكاء الطبيعي ولسه كمان هنقيس مستوى ذكائها أكتر من مرة بعد كل مرحلة من مراحل العلاج والتأهيل التربوي. أنا اتكلمت مع أستاذ الحساب اللي بيدرّس لشوق وأكد لي إنها بتقدر تحسب وتستخدم عقلها في العمليات الحسابية، المشكلة عندها في التمييز بين الأرقام وده اللي هنعالجه بإذن الله.
_أنا تهت منك يا أستاذ حسام ومبقتش عارفة إيه المطلوب مني دلوقتي.
_المطلوب دلوقتي حضرتك تيجي معايا عند دكتور المخ والأعصاب... أنا حجزت معاد معاه لشوق علشان نقف عند أساس المشكلة العضوي ومعالجته... حضرتك عندك أي مانع في النقطة دي؟ يا ريت توافقي علشان مصلحة البنت.
حركت أم شوق رأسها نفيًا فلقد فكرت في زوجها الذي لا يهتم... لذا قررت أن تفعل كل شيء بمفردها ولا تعتمد على زوجها في ذلك وحمدت ربها أنه سخر لها ذلك المعلم الطيب لمعاونة ابنتها على التحسن.
_أنا جاية معاك يا أستاذ وموافقة على أي حاجة حضرتك هتعملها، المهم مصلحة البنت.
وقف حسام مبتسمًا.
_يبقى توكلنا على الله... هروح استأذن من المدير، اللي فهمته حالة شوق والحمد لله تفهم جدًا... وهجيب شوق وهرجع لحضرتك.
في عيادة الطبيب المختص.
وبعدما أجرى الفحوصات اللازمة والأشعة على دماغ شوق وبعدما أخبره المعلم بكل ما يتعلق بحالتها.
جلس ثلاثتهم "حسام وشوق وأمها" أمام الطبيب لينظروا ماذا سيقول.
فبدأ الطبيب بإلقاء بعض الأسئلة على أم شوق بينما يدقق النظر في الأشعة في يده.
_قوليلي يا مدام... هل زوجك كان بيتعاطى الكحول أو أي نوع من أنواع الإدمان التانية؟
طالعته أم شوق باستغراب ونظرت للمعلم الذي أومأ لها لتتشجع وتجيب على السؤال بصراحة.
لتحرك هي رأسها بالنفي.
_لا يا دكتور... أبو شوق مش مدمن على الحاجات دي الحمد لله.
_ولا كان قبل كدا في فترة حملك بالبنت؟
_لا خالص، عمره ما شربها.
_ولا حتى سجاير؟
_آه أيوه... السجاير دي على طول... غلبت فيه يبطلها بس مقدرتش... بطلها شوية ورجع تاني يشربها بشراهة أكتر من الأول.
_تمام... سؤال تاني من فضلك... هل عندكم حد في العيلة بيشتكي من اللي بتشتكي منه شوق... يعني هل في العيلة حد بيعاني من عسر القراءة؟
شردت أم شوق تفكر في سؤال الطبيب.
_ممم... مش عارفة يا دكتور... أحنا صعايدة وكنا ساكنين في قرية بسيطة محدش من أهلي اتعلم غيري حتى أنا مكملتش... وكمان غريب محدش في أهله اتعلم وكمل تعليمه غيره.
ضم الطبيب شفتيه وعاد بنظره يدقق في الأشعة.
_اممم... بصي يا مدام لازم تعرفي إن الديسلكسيا بتكون نتيجة خلل في خلايا الدماغ نتيجة تعرض الجنين في بطن أمه لدخان السجاير أو المواد المدمنة عن طريق استنشاق الأم ليها أو تعاطيها وليها نوعين إما وراثي وده بيكون صعب علاجه بس مش مستحيل وإما ثانوي زي اللي بتعاني منه شوق... واللي له حل بإذن الله مع كورس العلاج الطبي اللي هعطيهولها والتدريب المكثف اللي هيقوم بيه مستر حسام.
ليتحدث حسام.
_أفهم من كدا يا دكتور إن اللي حصل لشوق كدا بسبب تعرض أمها أثناء الحمل للسجاير اللي كان بيشربها زوجها؟
_بالظبط كدا... فاتأثر دماغ البنت وهي جنين... فبالتالي المخ لم ينمو بطريقة صحيحة وحدث فيه مشكلة وخلل بسيط أدت للأعراض اللي بتعاني منها شوق دلوقتي.
نظرت أم شوق لابنتها باشفاق ومن ثم ضمها إلى صدرها.
_يا حبيبتي يا بنتي كل اللي فيكي ده بسببي أنا وأبوكي والله مكنتش أعرف إن ممكن دخان السجاير ده يأذيها بالشكل ده.
ليتحدث الطبيب بجدية.
_أومال حضرتك فاكرة إيه... الموضوع أخطر من اللي أي حد يتصوره... استهتار الأهل بأبنائهم حتى وهما أجنة ده شيء خطير وبيترتب عليه مفاسد كتيرة جدًا.
طالعته تستنجد به بعد أن قبلت ابنتها عدة مرات باشفاق عليها.
_والعمل دلوقتي يا دكتور... الله يرضي عليك شوف للبنت حل.
تحدث الطبيب بعملية شديدة.
_ما أنا قلت لحضرتك يا مدام... بناءً على الأشعة اللي قدامي هكتب للبنت على العلاج المناسب لتنشيط الدماغ ده غير إن مستر حسام عليه إنه يجتمع مع معلمين شوق ويصمم برنامج تعليمي خاص بيها ومناسب لحالتها... الموضوع كان هيبقى أسهل ما يمكن لو كنتوا اكتشفتوا البنت بدري عن كدا.
ليهتف حسام مؤكدًا ليوضح لأم شوق.
_ده صحيح... الأعراض بتكون واضحة جدًا في سن ما قبل المدرسة... يعني هتلاقي الطفل لما يمسك كوباية الماية إيده تترعش وتتهز ويوقع الماية من الكوباية... تأخر في الكلام وصعوبة في نطق بعض الكلمات والجمل... وكمان صعوبة في ارتداء الملابس كالحذاء أعزكم الله... صعوبة في التركيز في الاستماع لما يقرأ له من قصص.
طالعتهم أم شوق بتوجس وخشيت استحالة أو صعوبة علاج ابنتها فهي تأخرت في اكتشافها فبدلت نظراتها التائهة بينه وبين المعلم حسام وبدت كالتائه وسط صحراء قفر لا حياة فيها ولا سبيل للنجاة.
ليفهم حسام ما يعتري قلبها من قلق فقال محاولًا أن يبدد قلقها وتوترها.
_بإذن الله ربنا هييسرلنا... وكل حاجة هتبقى تمام... وشوق هتتحسن بس انتي قولي يا رب.
رفعت يدها عاليًا بسرعة وتوسل.
_يااااارب... عليك صلاح الحال يا رب.
بعد أسبوع.
يمكننا القول أن حسام قد سخر كل وقته واهتمامه بحالة شوق وعلاجها فقام بعمل الآتي:
_استطاع إعداد برنامج تعليمي خاص مع إمكانية التغيير المستمر به ليناسب حالة شوق في كل مرة.
_كما عمل على تحديد أدوات ووسائل خاصة لتساعد شوق على سهولة تلقي واستيعاب المعلومة.
_تصميم بيئة عمل خاصة بحالة شوق وحدها لتستطيع استيعاب المعلومة دون مشتتات.
_كما أنه عمل على تقسيم المهام الكبيرة إلى مهام صغيرة لتستطع شوق إدراكها وإنجازها بسهولة فتشعر بالإنجاز... وبالتالي ستزيد ثقتها بنفسها أكثر وأكثر.
لم تعد شوق تحضر دروسها مع زملائها في الصف وإنما أصبحت مسؤولية تعليمها كاملة على المعلم حسام... الذي وجدها مثالًا حيًا لإنجاز مشروعه العلمي وإنهاء دراسته لإكمال رسالة الماجستير الخاصة به.
لاحظ حسام حب شوق لحصة الـ BE والألعاب الرياضية فاستغل ذلك فدمجه في التعليم لذا كان يجعل شوق تتلقى المعلومة بينما تمارس العدو مثلًا... أو تقوم بالقفز في المكان وذلك لتحفيز الدماغ وتنشيطه.
كما كان يطلب منها أن تقول النص على هيئة أنشودة سهلة الحفظ بينما تقفز أو تحنجل وتكررها عدة مرات إلى أن تحفظها.
صمم لها بطاقات مكتوب عليها الأحرف باللغتين العربية والإنجليزية ويطلب منها تكوين كلمات من خلال تلك الحروف.
في البداية كان الأمر عسيرًا عليها... لكن مع الاستمرار والمتابعة والتقييم المستمر بالإضافة إلى تناول علاجها الذي وصفه الطبيب بانتظام... بدأت تستجيب ولو استجابة طفيفة في كل مرة.
استمر بها الحال فصلًا دراسيًا كاملًا مع البرنامج التعليمي المكثف.
كما تعلمت الأم كيف تتعامل مع ابنتها وكيف تلقي إليها الأوامر لذا فبدلًا من أن تقول لها:
_ادخلي أوضتك وغيري هدومك بعدين اغسلي إيديكي وتعالي اقعدي على السفرة علشان نأكل وبعدها هتجيبي الواجب علشان نخلصه مع بعض.
كانت شوق في السابق لا تعي شيئًا مما تقوله أمها وتقف ثابتة كالبلهاء... فتصرخ أمها عليها وتعيد عليها تلك الأوامر ولكن بصوت أعلى وأعنف.
لكنها الآن بدأت تفهم طبيعة حالة ابنتها ومتطلباتها فأصبحت الأوامر التي توجهها لابنتها مباشرة ويسيرة.
_شوق ادخلي غيري هدومك.
وما أن تفعل شوق ذلك حتى تطلب منها الأمر الذي يليه.
_اغسلي إيديكي.
ففعلت شوق في الحال... لتتجه الأمر للأمر الذي يليه.
_يلا اقعدي علشان نتغدى.
وحرصت على إعداد الأطعمة المنشطة للدماغ كما أوصاها الطبيب... كالبيض والأسماك الدهنية والخضروات الورقية والمكسرات والشوكولاتة الداكنة.
وجدت أم شوق أن الأسئلة المباشرة البسيطة تستطيع شوق إنجازها وبكل سهولة مما حسن من العلاقة بينهما فلم يعد هناك صراخ أو صرامة أثناء الحديث ولم تجد تشنجًا أو عنادًا من شوق.
وأثناء امتحانات الترم الأول.
تم إعداد اختبار صمم خصيصًا ليناسب حالة شوق فيقوم به حسام بالمكوث معها وشرح لها الأسئلة بطريقته الخاصة لتجيب هي عليه تمامًا كما علمها.
كما تم منح شوق وقتًا إضافيًا لموعد انتهاء الاختبار لحتى تتمكن شوق من حل كل الأسئلة.
وبطول تلك المدة تعلقت شوق بمعلمها الذي كان حنونًا عطوفًا معها مقدرًا حالتها لأقصى حد ممكن... سهلًا يسيرًا معها... فباتت لا تستغني عنه ولا تأتيها شجاعتها وثقتها بنفسها إلا بحضوره.
أراد حسام أن يشرك شوق مع صفها ولو ليوم واحد في الأسبوع... لحتى تكسر الروتين ولحتى تتمكن من اكتساب بعض الأصدقاء فلا تظل وحيدة مختلفة عن البقية.
ففي مرة من المرات التي كانت فيها شوق تشارك صفها وتجلس معهم.
سأل المعلم سؤالًا في تهجي كلمة "توجيهات"...
شعرت شوق أنها تعرف تلك الكلمة، لكنها ترددت هل ترفع يدها كالبقية. ولأول مرة ترفع يدها وهي على يقين بالإجابة.
لاحظ المعلم ترددها، فطلب منها أن تجيب بغية تشجيعها. فكل المعلمين بالمدرسة قد أعلمهم المعلم حسام بحالة شوق لحتى لا يسيئوا معاملتها.
وما إن طلب منها المعلم أن تقوم بتهجي الكلمة، وما أن فتحت شوق فمها لتنطق حتى شعرت أنها نسيت تمامًا ما كانت تود قوله، رغم أنها كانت تعرفها جيدًا. لكن يا للأسف طارت الكلمة عن رأسها تمامًا. فأخذت تتهته تتتتت... دون أن تستطيع أن تقول الحرف الذي يليه. فأخفضت رأسها بخيبة أمل كبيرة أصابتها، ونزلت دموعها رغمًا عنها. وشعرت وكأن من بالصف جميعهم ينظرون إليها ويسخرون منها كسابق عهدهم معها.
أجل، إنهم يسخرون منها مرة أخرى... يرشقونها بنظراتهم الضاحكة، ينعتونها بالغبية ثانية... ظنت أنها ارتاحت من ذلك العناء... ظنت أنها لن تسمع كلمات تؤذيها وتصيبها بالإحراج بعد أن أصبح مستواها أحسن... هي تبذل قصارى جهدها كي تتعلم، كي تلحق بهم... كي تمحي الأثر النفسي الذي تسببه لها هم الساخرة عليها... كي لا تكون منبوذة من الجميع حتى المعلمين... حتى لا تبيت ليلها كله باكية تستعيد يومها الطويل الذي كان يمر عليها كالدهر وهي تتحمل شماتة تلك وسخرية ذاك... تتحمل جفاء المعلمين وقسوتهم... وصرامة والدها ونظرته المشمئزة لها.
لكن هيهات هيهات، يبدو أنها كانت تحلم... أو تتوهم، فها هي تعود للتهتهة مرة أخرى... لا تستطيع أن تجيب معلمها... لا تستطيع القراءة ولا تذكر الأحرف... ليعود كل شيء كما كان، كما لو لم تفعل شيئًا... ليصاب قلبها بالكمد والهم... فتخفض رأسها لأسفل لتخفي وجهها عن الجميع، تود لو أن تختفي من العالم أجمع علها تريحهم منها أو ترتاح هي.
انشغل المعلم بشرح بقية الدرس ولم ينتبه لها إلى أن انتهى الدرس وخرج المعلم من الصف، وما إن فعل... حتى هبت شوق تركض خارج الصف بكل ما أوتيت من قوة قبل أن يدلف المعلم الآخر للصف... متناسية حقيبتها... متناسية كل شيء. المهم أن تبتعد عن الجميع... تبتعد وتبتعد...
كانت الحصة التالية من نصيب المعلم حسام الذي دلف الصف، وأول شيء بحث عنه بابتسامة منفرجة هي شوق... متفائلًا بطفلته التي يستبشر بها خيرًا... ومؤمنًا يقينًا أنها ستتحسن وستصبح ذا شأن يومًا ما.
تاهت نظراته وهي تتحول في أوجه البنات جميعهن ولا يجد شوق من بينهن.
لتعبس قسمات وجهه وتتحول تلك البسمة لنظرات قلقة ليهتف بتساؤل:
"هيه شوق فين... راحت التواليت؟!"
لتنهض إحدى الفتيات والتي تتسم بالجرأة والصوت العالي:
"لا يا مستر... دي أول ما الحصة خلصت... خدت بعضها جري ومشيت علطول."
رفع حسام حاجبيه بذهول وهتف بغضب:
"حد زعلها؟!"
لتهتف الفتاة باستهزاء من شوق وهي تتذكر عدم قدرة شوق على تهجي الكلمة:
"أصلها يا مستر معرفتش تتهجى كلمة، وفضلت طول الحصة تخبي وشها من الكسفة اللي هيه فيها."
تجهم وجه حسام وتعكر مزاجه، وقرر أن يذهب ليبحث عنها، لكن أولًا ليذهب إلى معلم اللغة العربية ليستفهم منه ما الذي حدث. لذا هتف بصرامة بينما يمسك بحقيبة شوق في يده:
"مش عايز حد يتحرك من مكانه لحد ما أرجع، مفهوم!"
حرك الجميع رؤوسهم:
"حاضر يا مستر."
ذهب إلى الأستاذ عبد العزيز مدرس اللغة العربية ليحكي له ما حدث.
فيسأله حسام:
"وإنت زعقت لها أو ضربتها؟!"
"لا خالص... ولا بينت ليها أي حاجة وكملت شرح عادي."
"طيب محاولتش تطيب خاطرها بأي حاجة؟"
"صراحة لا، التفت للدرس علطول علشان أخلصه، أصلنا متأخرين في المنهج حبتين."
زفر حسام بضيق وأومأ للمعلم بصمت وتركه باحثًا عن تلك التي لم تتحمل فشلها ثانية.
بحث عنها في أرجاء المدرسة كلها، لكنه لم يجد لها أثر... لكنه بعدها أدرك أين يجدها... فرفع بصره لأعلى ليجدها تمامًا كما توقع... كما اعتادت هي أن تخلو بنفسها فتذهب لمكان لا يذهب إليه أحد.
تنهد متأسفًا على حالها وهمّ بصعود الدرج بغية الوصول إليها.
تجلس على حافة السطح تنظر للأفق بلوعة وكأنها عصفورة صغيرة حبيسة ما تعانيه، فلا تستطيع الخلاص واللوذ بالحرية.
وقف جوارها مزينًا وجهه بابتسامة هاتفًا وكأنما شيئًا لم يحدث:
"نسيتي شنطتك."
التفتت إليه لتجده يطالعها ببسمة حانية وكأنه بذلك ضغط على زناد دموعها فانفجرت باكية تلقي بنفسها في أحضانه.
تركها لتخرج ما بداخلها من هم لحتى ترتاح، ومن ثم مسّد على شعرها بحنان بالغ وظل صامتًا ليترك لها حرية الخيار إما أن تخبره ما بها أو تصمت كعادتها.
ليجدها تنفجر وكأنها قنبلة موقوتة مرة أخرى بالبكاء، لكن هذه المرة وهي تشكوه معاملة الجميع لها ومعاناتها بسبب مشكلتها:
"أنا تعبت يا مستر... أنا غبية وهفضل طول عمري غبية... مفيش فايدة فيا زي ما الكل بيقول... كنت مفكرة إني هقدر أكون زي زمايلي... كنت مفكرة إن خلاص هكون شاطرة زيهم ومحدش هيستهزأ بيا تاني... مش هكون وحيدة من تاني وهقدر أكون صداقات زيهم... ظنيت إن معاناتي خلاص انتهت وبابا هيرجع يحبني زي زمان... بس الظاهر إني هفضل طول عمري كدا... أنا زهقت وتعبت وعايزة أموت نفسي يمكن أرتاح."
قالتها وهي تبكي بقهر على حالها.
تركها إلى أن انتهت تمامًا وأخرجت كل ما بجعبتها من دمعات حتى كفت تمامًا، كل ذلك وهو يحتضن رأسها بين يديه.
وما إن انتهت حتى ابتعد عنها وصعد إلى سور السطح ووقف عليه.
تابعته شوق بعينيها باستغراب، وما إن رأته يمد إحدى أرجله للخارج.
حتى نهضت من مكانها فزعة وهتفت بخوف عليه متناسية حزنها وبكاءها:
"مستر، حضرتك بتعمل إيه؟!"
التفت إليها وهتف مدعيًا اللامبالاة:
"ولا حاجة... عايز أموت نفسي يمكن أرتاح زي ما قلتي."
ازدردت ريقها بتوجس مع حركة بؤبؤ أعينها الفزعة، وتلقائيًا حركت يدها نحو قدمه تتشبث به لتثنيه عما يود فعله:
"لا يا مستر، أوعى تعمل كدا."
ابتسم في نفسه بمكر، فهو فعل هذا كي يلقنها درسًا من خلاله تتعلم ألا تفكر بتلك الطريقة المأساوية أبدًا.
لذا استدار لها وجلس على حافة السور مدعيًا الضيق:
"لأ ليه يا شوق... أنا تعبان في حياتي ومش مرتاح، وإنتي قلتي بنفسك لو موت هأرتاح... سيبي أرتاح بتمنعيني ليه؟!"
هتفت بقلب صادق:
"علشان بحبك يا مستر ومقدرش أتحمل بعد حضرتك عني أو إنه يحصلك أي حاجة وحشة."
"يعني حبك ليا كافي إنه يزيل همومي ويخليني أرتاح؟"
تلقائيًا مدت يدها تشدد على كفة يده وطالعته بدمعات تنهمر من عينيها كنهر عذب:
"بس أنا لسه صغيرة ومقدرش أعمل حاجة علشان أساعدك."
"معنى كلامك إن وجود حد جنبي بيحبني ده كفيل إنه يخليني مرتاح؟"
"أيوه يا مستر... أرجوك مش عايزة أشوفك زعلان تاني."
"طيب ليه أنا شايفك حزينة بالشكل ده ومش مرتاحة، رغم إنك عارفة إني بحبك وماما وبابا وناس كتير تانية بتحبك؟"
تركت شوق يده وأدارت ظهرها له لتخفي حزنها وانكسارها.
ليحملها من كلتا كتفيها ويجلسها جواره.
لتخفض هي رأسها وتقول بكدر:
"محدش بيحبني يا مستر غيرك إنت وماما... حتى بابا بطل يحبني علشان أنا غبية... مش مرتاحة وأنا بشوف نظراتهم ليا وتقليسهم عليا... رغم إني بحاول أتحسن، بحاول أكون شاطرة مش بتكاسل أبدًا."
أخذ حسام نفسًا عميقًا ثم رفع رأسه لتطالعه ليهتف بجدية ناصحًا إياها:
"إنتي تعبتي علشان منتظرة راحتك من الناس. متعلقة بنظرة الناس ليكي، ولو اتحسنت هتتحسني وده أكبر غلط. متراقبيش الناس ومتنتظريش الناس تمجدك علشان تعلي في نظر نفسك. لازم تكوني عارفة إن بداية النجاح... هو إيمانك إنتي بنفسك. خليكي شجاعة وواجهي تضارب تصرفات البشر بتحدي... خلي كل نظرة استهزاء وشماتة بدل ما تموتك تكون دافع ليكي لقدام. تجاهلي أي موقف ميعجبكيش وبصي للجانب الإيجابي وافرحي بتقدمك خطوة بخطوة."
مسحت دموعها بباطن كفها:
"كلامك صعب يا مستر مش قادرة أستوعبه."
ليبتسم هو ويشدد من قبضته على يدها:
"أنا آسف، أنا فعلًا كلامي كبير شوية عليكي، بس خليكي فكراه لو مفهمتيهوش دلوقتي بكرة هتفهميه... إنتي لسه في أول المشوار، لو عايزة تنجحي ويكون ليكي مستقبل زي ما وعدتيني، خليكي قوية زي النخلة، ممكن الرياح تهزك شوية بس في الآخر إنتي ثابتة ولسه مكانك... الرياح معرفتش تحيدك عن طريقك اللي راسماه لنفسك... شوق إنتي مش غبية، ولو مكنتش شايف فيكي أمل مكنتش سبت اللي ورايا وفضلت معاكي لحظة بلحظة.... شوق إحنا لازم ننجح، إنتي مش لوحدك بس اللي بتعاني، في كتير زيك كدا ومحدش عارف حالته أو يتعامل معاه صح... إنتي لازم تنجحي علشان تكبري وتساعديني في إننا نقضي على معاناة أي طفل بيواجه صعوبة في التعلم... أوعديني إنك لما تكبري تمشي على خطايا يا شوق."
حدقت به غير مصدقة ما يطلبه منها فأشارت إلى نفسها بتعجب:
"أنا يا مستر؟!"
ابتسم لها بحنو مشجعًا إياها:
"آه إنتي، متقلليش أبدًا من قيمة نفسك... وخدي بالك مش هقبل منك أي أعذار... هتذاكري وهتتفوقي وهتساعدي كل الأطفال اللي بتعاني من نفس مشكلتك... ماهو مش بيحس بالنار غير اللي اتلسع منها، وإنتي أكتر حد هيحس بيهم وهيساعدهم يتغلبوا على مشكلتهم."
ابتسمت له شوق ورجع لروحها الأمل من جديد فتورد قلبها وعاد يخفق بحماسة متسائلًا:
هل ستنجح؟!
هل هي حقًا الشخص المناسب لتلك المهمة الهامة؟!
ليومئ لها حسام بأعين مؤكدة على أنها كذلك، فينشرح قلبها بذلك الأمر وعادت إليها عزيمتها وثقتها بنفسها من جديد.
قفز حسام بخفة من السور ووقف أمام شوق الذي اتسعت ابتسامتها.
_ أنا ملاحظ إنك بقيتي تنطقي حرف الدال كويس خالص أهو.
ابتسمت له شوق بحرج، ليبادلها الابتسامة وهو ينزلها من حافة السور.
_خلينا يلا نشوف حل لمشكلة النسيان اللي بتقابلك دي.
نزلا من سطح المدرسة إلى المكان الذي بات مكانهما، يعلمها فيه حسام كل يوم.
جلس جوارها على الأرض العشبية وقال بهدوء:
_ إنتي بتقولي إنك نسيتي الكلمة مش كدا؟
هزت رأسها ببأس:
_اه... كنت عارفاها وأول ما وقفت علشان أقولها فجأة مرة واحدة اتبخرت ونسيتها ومبقتش عارفة أنطق حرف واحد، مش عارفة ليه.
وضع حسام يده على ذقنه وكأنه يفكر، وهتف:
_اممم.. قولي لي كنتي حاسة بإيه أول ما وقفتي علشان تتهجي الكلمة؟!
زاغت أعين شوق وتحرك بؤبؤ أعينها بسرعة وهي تقول:
_كنت حاسة إن الفصل كله بيبص عليا ومركزين معايا وكلهم مستعدين إنهم يضحكوا عليا زي كل مرة... وكمان كنت حاسة إن الأستاذ بيبص لي بخيبة أمل لإنه متأكد إني مش هعرف أقول حاجة كالعادة.
_بس ده مش صحيح.. مجرد تخيلات عقلك اللي فرضها.
طالعته شوق باهتمام، ليردف هو حديثه:
_ قلة ثقتك بنفسك هي السبب يا شوق... إحنا اتفقنا إنك تؤمني بنفسك وتخليكي شجاعة... أول ما تقفي علشان تجاوبي على السؤال ما تفكريش في أي حاجة تانية غير إجابة السؤال وبس، ما تخليش عقلك يتشتت بمراقبة تصرفات زملائك وردود أفعالهم حتى لو مش هتعجبك... اقفي وخليكي قوية وواجهي مخاوفك بقلب جامد... ولو غلطتي ما فيش مشكلة، دي مش نهاية العالم... أنا قلتلك قبل كدا إن مشوارك طويل شوية ومحتاج مثابرة واجتهاد أكتر... ها، مستعدة علشان نبدأ تدريبات النهاردة؟
أخذت شوق نفسًا عميقًا بحماس:
_مستعدة يا مستر.
_طيب يلا اتهجي كلمة مثابرة.
أغمضت شوق أعينها وبدأت تجمع حروف تلك الكلمة في رأسها ثم قالت:
_ م....ث...
أخذت تفكر قليلًا ليهتف المعلم حسام:
_شوق.. اتفقنا تستخدمي أكتر من حاسة علشان تفكري... يلا نطّي أو حنجلي زي ما إحنا متعودين.
بدأت شوق تفعلها، تقفز مع كل حرف تقوله:
_م... ث... ا... ب... ر..ة.
صفق لها حسام بحرارة مشجعًا إياها:
_برافو... برافو يا شوق... طب إيه بقا؟!
أخفضت شوق شفتيها لأسفل:
_ما هو أنا في الفصل مش هقدر اتنطط كدا يا مستر... الفصل كله هيضحك عليا زيادة.
ابتسم لها حسام ضاحكًا ونهض من مكانه وقال وهو يومئ لها بعينيه:
_في أكتر من طريقة بدل النط أو الحنجلة... ممكن تخبطي بصباعك على البنش.. أو حتى على رجلك.. المهم يكون في إيقاع شغال وإنتي بتحفظي أو بتستدعي المعلومة من دماغك... يلا اتفضلي طلعي بطاقاتك وأوراقك علشان نبدأ درسنا النهاردة... لحد ما أروح أطلب من مستر حمدي... يدخل حصتي مكاني... وأجيب الوسيلة اللي محضرهالك لدرس النهاردة.
كان حسام يستخدم مع شوق في شرح قواعد الإنجليزية "الوسائل التعليمية" الذي يعدها هو خصيصًا لتناسب حالة شوق؛ حتى تفهم القاعدة بسهولة... فلا تتعلم شوق بأسلوب التلقي والاستماع فقط، وإنما تجعلها الوسائل التعليمية تستخدم جميع حواسها كالمس وتحريك أيديها وأرجلها بالإضافة إلى البصر والسمع وأحيانًا الشم والتذوق في المواد التي تحتاج لذلك كالعلوم على سبيل المثال.
حيث أحضر حسام مجموعة مكبرة من الصور والكلمات ووضعها بترتيب معين ثم قام ببعثرتها، ثم يطلب من شوق أن تعيد ترتيبها خطوة بخطوة حسب تذكرها للشكل الذي كانت عليه في السابق وحسب شرحه هو وتوجيهاته في كل خطوة... إلى أن تتقن شوق القاعدة وتفهمها جيدًا... قد تحتاج القاعدة الواحدة عدة تدريبات بوسائل مختلفة وتمرين مختلف في كل مرة حتى تتقنها وتستوعبها بالكامل.
وكل مرة يفعلها حسام بدون كلل أو ملل منها... الأمر الذي يجعل شوق تقبل على التعلم بحماس يزيد يومًا بعد يوم.
في الصباح، وتحديدًا في السيارة، تجلس شوق جوار والدها الذي ينظر أمامه ولا يلتفت إليها أبدًا.
تفرك في يديها تريد أن تفتح فمها لتتحدث لكنها تتراجع في كل مرة إلى أن ترائى لها صورة المعلم حسام أمامها وهو يشجعها، فقررت أن تحسم أمرها وتتحدث.
_بابا حضرتك بتحبني؟!
قالتها بقلب متوجس منتظرة إجابة والدها بفارغ الصبر كي يرتاح قلبها.
ليلتفت إليها ولأول مرة ينتبه لما تقوله له، فيهتف بصوت حازم:
_لو ذاكرتي كويس واتحسنت علاماتك والمدرسين مبقوش يشتكوا منك... ساعتها هحبك وأكون مبسوط منك كمان.
لتهتف هي بحماس وبراءة:
_أوعدك يا بابا هكون عند حسن ظنك وهتكون فخور بيا.
توالت الأيام والليالي على بطلتنا الصغيرة، لم تدخر فيها جهدًا وتحسن مستواها الدراسي بشكل ملحوظ لكنها لم تصل بعد للمستوى المطلوب وما زال تدريبها وعلاجها قائمًا إلى أن تدرك بقية زملائها.
وفي بداية السنة الجديدة والتي كانت شوق متحمسة لها كثيرًا ومتشوقة لعام دراسي ستحاول فيه جاهدة أن تبذل قصارى جهدها، لكن حدث ما لم يكن متوقع وقلب الموازين رأسًا على عقب.
ففي الليلة قبل بدء العام الدراسي بيوم واحد، تحدث والدها إلى والدتها:
_انتوا هتروحوا تعيشوا في البلد.
استغربت كلامه وضيقت أعينها بتساؤل:
_هنرجع للصعيد تاني ليه يا غريب... أنت مش قلت إنك عايز تستقر في مصر وبعت كل اللي حيلتك هناك علشان نيجي ونعيش هنا وخلاص بقى ليك شغلك واسمك ومركزك.
_غيرت رأيي وعايزكم تعيشوا هناك.
لم تنتبه أنه لم يجمع نفسه معهم وأكملت بتساؤلاتها المندهشة لطلبه الغريب كاسمه ذاك:
_ بس إحنا كدا هنبدأ من الصفر تاني يا غريب وما صدقنا قدرنا نوصل للي إحنا فيه ده.
_المستوى اللي إحنا فيه ده أنا اللي وصلت له لوحدي... كل الخير والهنا اللي إنتي فيه ده من تعبي وشقايا أنا.
حملقت به بتعجب واستنكار لما يقوله:
_وأنا وأنت إيه يا غريب مش واحد... مش أنت زي ما بتكد وبتتعب في شغلك... أنا كمان بتعب هنا وأشقى علشان أعملك لقمتك وأنضفلك هدومك وأوقف البيت ده على رجليه.
رفع شفته العليا بتهكم:
_اللي بتعمليه أي خدامة بإمكانها تعمله... ما اخترعتيش الذرة يعني فما تفكريش إنك عملتي حاجة يعني... دي حتى بنتك مش عارفة تشوفيلها حل.
كلماته اللائمة لها على ابنتها أنستها مرارة ما قاله في حقها، لذا هتفت بعدم تصديق أهو يلومها على حالة ابنتها:
_والبنت أعملها إيه... دي حكمة ربنا إن عقلها يكون بالشكل ده ومع ذلك الدكتور قال إن في أمل كبير تتحسن هي بس تمشي على العلاج... والأستاذ بتاعها متفائل جدًا كمان.
_وأنا مش هستنى أشوف العلاج هيفلح ولا مش هيفلح، أنا خلاص أخدت قراري ومبقتش عايزكم معايا.
صدمة صفعت وجهها بقسوة لتهتف هي باختناق ووجه بدأ في الشحوب من أثر الصدمة:
_يعني إيه يا غريب؟!
أجابها بجمود وكأنه لم يفعل شيئًا:
_اللي فهمتيه... إنتي هترجعي الصعيد تاني إنتي وبنتك تعيشوا هناك.
_وأنت؟! ... هتعيش هنا لوحدك ليه؟! وليه تتخلى عنا بالشكل ده؟
_أنا بصراحة قررت أتجوز... وجودكم هيعيق كل حاجة.
لتصرخ هي به وتمسكه من ملابسه:
_قول كدا بقا... قول كدا يا راجل أبو عين زايغة... عايز تسربنا علشان يحلالك الجو... طب إيه رأيك أنا مش متنقلة من هنا.
أزاح يدها عنها بعنف:
_شيلي إيدك... إنتي اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة ونسيتي إنتي بتكلمي جوزك؟!
لتهتف هي بحسرة:
_جوز إيه بقا ما أنا خلاص بترمني أنا وبنتك علشان واحدة ست لعابك سال عليها.
ليرد عليها بصفعة مدوية على وجهها، لتصرخ شوق بفزع على والدتها عندما تجد أبيها يتهجم بالضرب على أمها.
_اخرسي... وحسك عينك أسمعك تقلي أدبك عليا تاني... إنتي هترجعي إنتي وبنتك الصعيد وده آخر كلام عندي ومش عايز أشوف وشكم تاني إنتي فاهمة... من بكرة الصبح هتكونوا راكبين قطر سوهاج.
علمت أن زوجها قد رتب لكل شيء مسبقًا ولا مجال للتراجع أو لتغيير رأيه، فلم يهمها ما سيفعله بها فابتلعت غصة علقت بحلقها لكنها هتفت بلوعة من أجل ابنتها:
_طب والبنت... البنت بتابع مع الدكتور هنا... والأستاذ بتاعها كمان اللي مسؤول عن تعليمها كمان هنا، ما ينفعش نمشي البنت كدا هتضيع.
وجدته يقف بجمود ويوليها ظهره لتقترب منه تتوسل إليه غير مهتمة بضربه إياها ولا بزواجه عليها فكل ما يشغل بالها هو ابنتها ومستقبلها.
_بالله عليك يا غريب... ما تفرط في بنتك... البنت مستقبلها كله متوقف على علاجها... دي بنتك يا غريب ما تتخلاش عنها... لو مانتش عايزني... أنا... أنا مستعدة أبعد لكن شوق لأ حرام عليك... بص بص أنا هروح أنا الصعيد بس سيب البنت هنا تكمل كورس العلاج بتاعها أنا ما صدقت عرفنا المشكلة فين... بالله عليك يا غريب ما تظلمهاش... أنت من أمته بقيت قاسي كدا.
ظنت أن كلماتها أثرت فيه وأنه سيتراجع عن قراره الأحمق ذلك بصمته الذي طال.
فوقفت تحتضن ابنتها وتبتلع ريقها وهي تطالعه بعينيها برجاء، لكن ما قاله جعلها تتصنم مكانها فالصدمة ألجمتها بكل المقاييس:
_إنتي طالق.
رواية ديسليكسيا الفصل الخامس 5 - بقلم أسماء عبد الهادي
ألجمت الصدمة لسانها وعقلها، فوقفت تطالع زوجها بذهول، متسعة أعينها على آخرهما، ويكاد فمها يصل للأرض. أهو طلقها للتو؟! ولماذا؟! لأنه أدرك فجأة أنه لم يعد يريدها؟! أم شعر الآن فقط أنها لم تعد تناسبه ولا تناسب مركزه ووجاهته الاجتماعية؟ أجل، فكلامه يدل على ذلك. هو ينسب نجاحه وكل ما وصل إليه لنفسه هو. أنسي أنها من كانت تشجعه دائمًا؟ أنسي أنها تحملته وتحملت فقره في بادئ الأمر، وقبلت أن تترك أهلها وبلدتها وكل شيء من أجل أن تكون معه؟ أنسي أنها كانت تنتظره كل ليلة بقلب قلق إلى أن يعود متأخرًا، فتعد له طعامه وتجلس على راحته إلى أن يذهب إلى غرفته ويغط في نوم عميق، دون كلمة شكر أو امتنان واحدة تسمعها منه؟ أنسي جفاءه معها وصبرها على ذلك؟ أباع عشرتها من أجل أخرى أغرت أعينه لجمالها أو مالها؟!
ثم إذا ما كان الأمر كذلك، ما دخل ابنته بهذا الأمر؟ لم يتخلى عنها هي الأخرى؟ أليست ابنته؟ أم أنه كرهني لهذه الدرجة حتى لم يعد يحب أي شيء له صلة بي حتى لو كانت ابنته؟
حركت رأسها بأسف دون أن تنطق بحرف واحد.
ليستدير هو وكأنه لم يفعل شيئًا، لكنه هتف بجمود آمرًا ابنته:
"شوق اطلعي جهزي شنطك حالًا. القطر معاده ٦ الصبح."
قالها ثم تركهم يتخبطون في بعضهن البعض، غير عابئ بمشاعرهن وكأنهن لم يكنّ يومًا.
سحبت شوق طرف ثوب أمها تشده برفق لتنتبه لها أمها:
"ماما هو في إيه؟"
أغمضت الأم أعينها بمرارة، ولم تدرِ ما تقوله لابنتها سوى أنها ضمتها إلى صدرها وجلست على الأرض تحيطها بذراعيها وبكت.
لم تفهم شوق ما الذي يحدث، وإنما ظنت حزن أمها وبكاءها بسبب ضرب والدها لأمها، لذا مدت يدها وبرقة شديدة مسدت على وجه أمها مكان الصفعة:
"متزعليش يا ماما... تلاقي بابا في حاجة مغلباه في الشغل علشان كدا هو متعصب... مش انتي بتقوليلي كدا لما كان بيضربني؟! خلاص بقى يا حبيبتي حقك عليا أنا."
دققت النظر في ابنتها ونظرت لتلك الأعين البريئة بغم شديد، فهي لا تستحق كل هذه القسوة. لذا عزمت في نفسها أن تحاول مع زوجها ثانية لعله يوافق على مكوثهم هنا لحتى تنهي شوق علاجها على الأقل. أجل، ستعافر من أجل ابنتها.
في المساء، ظلت مستيقظة طوال الليل تنتظر عودته للمنزل لتتحدث معه، إلى أن أتى أخيرًا بعد الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وعندما دلف المنزل ووجدها أمامه تنتظره.
عبس بوجهه وهتف بصوت رخيم:
"إنتي إيه اللي مصحيكي؟"
ازدردت ريقها وفتحت فمها بتردد استعدادًا للتحدث، متمنية أن يوافق على طلبها. فخرج صوتها متحشرج:
"ممكن أطلب منك طلب أخير؟"
تحدث بتأفف وجلس بإرهاق على الأريكة:
"قولي وخلصيني."
طالعته بعتاب، أفَهانت عليه لهذه الدرجة؟ وبالطبع هو لم يرَ نظراتها تلك لأنه لم يكن ينظر إليها. لذا تنهدت بقلة حيلة:
"ممكن تخلينا نعيش هنا... في أي حتة مش هتفرق المهم نفضل في القاهرة علشان علاج البنت يستمر، أرجوك يا غريب... مش علشان خاطري علشان خاطر بنتك."
نهض من جلسته وهتف بضيق:
"تعيشوا هنا فين؟ انتوا عايزين تفضحوني... لا طبعًا الكلام انتهى في الموضوع ده، وسفركم بكرة في معاده."
طالعته بتعجب وهتفت باستنكار:
"نفضحك؟! بقى دي آخرتها يا غريب... بتستعر مني ومن بنتك... ماشي يا غريب إحنا هنمشي... بس يا ريت تنسانا خالص، والأيام كفيلة إنها تعرفك الجريمة اللي عملتها فيا وفي حق بنتك... روح ربنا يديك على قد نيتك."
قالت كلامها وتركته ورحلت لغرفة ابنتها تبكي وتندب حظها العكر الذي أوقعها مع أب لا يملك في قلبه ذرة مشاعر تجاه ابنته.
احتضنتها وغفت بجوارها بعد أن أنهكها التعب وكثرة البكاء.
استيقظت أو بمعنى أدق انتبهت مع بداية شروق الشمس، وأول شيء فعلته هو أنها اتصلت به تتطلب العون والمساعدة، فزوجها مصمم على إبعاد ابنته عن حياته نهائيًا.
علّى رنين الهاتف في الغرفة، فأمسكته لترد فقالت بصوت ناعس:
"ألووو."
استغربت هي صاحبة الصوت، لكنها خمنت على الفور أنها ربما تكون زوجته، فهتفت بحرج:
"أنا آسفة إني اتصلت في وقت زي ده، بس أنا لازم أكلم مستر حسام ضروري."
نظرت هي لشاشة الهاتف فأدركت أنها والدة الطفلة شوق التي تعرف حكايتها من زوجها. لذا هتفت بترحيب:
"حضرتك والدة شوق مش كدا... أهلًا بحضرتك... حاضر لحظة بس هصحي حسام لأنه لسه نايم."
"أنا والله محروجة منكم معلش أصلي..."
قاطعتها زوجة حسام بابتسامة ودودة:
"حصل خير... مفيش مشكلة أبدًا، منبه حسام كان خلاص هيقوم علشان يستعد لشغله على أي حال... اتفضلي هو معاكي."
تحدثت معه والدة شوق وقصت له سريعًا ما حدث، وأنها في حيرة من أمرها بشأن ابنتها.
وعلى الرغم من أن قلب حسام التاع وأصيب بالكمد من أجل الصغيرة وتخلّي والدها عنها في مثل ظروفها تلك، إلا أنه أجاب بهدوء شديد كي يبعد القلق عن قلب تلك الأم المكلومة في حالتها البائسة تلك:
"مفيش مشكلة خالص يا أم شوق... انتوا هتسافروا... وشوق هتكمل علاجها هناك عادي وتمشي على الروشتة اللي وصفها الطبيب. أما بالنسبة لتعليمها فأنا هتابعها دائمًا بالتليفون... هيكون عندكم هناك أرضي مش كدا؟"
أجابته بقلة حيلة وتنهيدة تخرج كل ما يعتلي صدرها من هم:
"والله ما أنا عارفة الدنيا هناك هتكون عاملة إزاي."
"متشيليش هم، هتواصل معاكم بأي طريقة وهكون معاكي خطوة بخطوة وهفهمك تعملي إيه بخصوص المذاكرة لشوق."
على الرغم من أنه نفسه لم يكن مقتنعًا بكلامه وليس متأكدًا من أنه سيجدي نفعًا مع شوق وهو بعيدًا عنها، إلا أنه لم يملك خيارًا آخر ولا لديه شيء غيره ليقدمه لتلك المسكينة الصغيرة. عملت كلمات المعلم حسام على طمأنة قلب الأم ولو قليلًا، فنهضت بقلب خلا من الحياة تجمع حاجيات ابنتها وتعد نفسها، ومن ثم توقظ ابنتها وتعدها هي الأخرى من أجل توديع المكان وإلقاء نظرة أخيرة على بيتها قبل أن تغادره للأبد.
أنهت كل شيء وخرجت من الغرفة لتجد زوجها أمامها يقول بنبرة خلت من المشاعر وكأنه لم يفعل بهما شيئًا:
"العربية برا مستنياكم هتوصلكم لحد سكة القطر، وأول ما توصلوا هتلاقي واحد مستنيكم هيدلكم على البيت اللي هتسكنوا فيه، وهبعتلكم مصروفكم شهريًا... وخدي دول خليهم معاكي لحد الشهر الجاي."
مدت يدها تلتقط الأموال منه بجمود ثم هتفت بتهكم:
"كتر خيرك يا غريب بيه."
لاحظ هو أنها حزينة وتتحدث بمرارة فأراد أن يصلح موقفه ولو قليلًا ليقول:
"صدقيني ده أنسب حل... أنا..."
قاطعته هي بضيق فلا تود سماع أي مبرر لتخليه عنهما فأي حجج سيقولها ستكون واهية بالنسبة لها:
"متقولش حاجة... مبقاش ينفع خلاص... يلا يا شوق."
طالعت الصغيرة أباها وأمها باستغراب:
"ماما إحنا رايحين فين؟"
ركبتا السيارة بصمت تام والصغيرة متعجبة مما يحدث فهي لا تفهم ما يدور حولها.
لكنها ما إن ترجلت من السيارة أمام السكة الحديدية لتجد أمها تقول:
"شوق أنا كنت قلتلك إننا أصلنا من الصعيد صح... إحنا دلوقتي راجعين الصعيد تاني."
"يعني هنروح نتفسح هناك يا ماما؟"
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بمرارة:
"لا يا بنتي هنفضل هناك على طول."
لتهتف شوق على الفور بتساؤل على أول واحد خطر في بالها وراعها ابتعادها عنه:
"ومستر حسام؟!"
لتجده يرد عليها بابتسامته المعهودة:
"وأنا جيت بنفسي أسلم عليكي قبل ما تمشي."
لتلتفت خلفها وبدون تردد تلقي بنفسها بين ذراعيه ترجوه ألا يتركها:
"مستر حسام متسبنيش... أنا مش عايزة أروح مكان وانت مش موجود فيه... انت الوحيد اللي حبتني... انت الوحيد اللي حاولت تساعدني وتخرجني من مشكلتي... مينفعش دلوقتي تسيبني... أنا لسه محتاجاك يا مستر... ومقدرش استغنى عنك."
أدمعت أعين حسام، ففي حقيقة الأمر هو أيضًا كان أمر سفرها صدمة بالنسبة له، هو تعلق بالصغيرة وأحبها بصدق كابنة له يهمه أمرها، لا فقط من أجل مشروعه العلمي وبحوثاته، وإنما أيضًا على الجانب الشخصي. فشوق ببراءتها وعفويتها قد استطاعت أن تسلب لبه وتعلقه بها، لذا أحزنه ما حدث لها ولأمها، ولكن ما باليد حيلة وعليهم جميعًا تقبل الأمر الواقع. لذا فما كان منه إلا أنه عانقها بشدة وردد بحنو بالغ:
"وأنا مش هسيبك ولا عمري هتخلى عنك... أنا هتواصل معاكم دائمًا وهكون معاكي خطوة بخطوة وأي مشكلة تقابلك على طول كلميني وهتلاقيني جنبك."
هتفت بحزن وأعين تتلألأ فيها الدمعات:
"مستر."
أخرجها من بين ذراعيه ثم نظر لعينيها مبتسمًا:
"ممكن بنوتي الصغيرة تبتسم كدا علشان بابا حسام ميزعلش."
كان يعلم بحاجتها للحنان والعطف، يعلم كم أن والدها جاف في معاملتها، لذا كان من واجبه إعطاءها جرعة حنان تقويها في ذلك الوقت.
حملقت به ورمشت بجفونها عدة مرات:
"بابا!!!"
"ده صحيح... أنا بعتبرك زي بنتي يا شوق... تسمحي أكون ليكي مش مجرد المعلم بتاعك وأكون زي باباكي؟!"
ابتسمت له وعانقته مرة أخرى:
"أنا مبسوطة أوي... بحبك يا بابا حسام."
ربت على كتفها بحنان:
"مش عايزك تشيلي هم أي حاجة اتفقنا... كله هيبقى تمام بإذن الله."
تنهدت شوق بقلة حيلة:
"حاضر... بس اوعدني إنك تيجي تزورني هناك."
"أكيد طبعًا كل أجازة هقضيها معاكي هناك."
صعدت شوق القطار وجلست بجوار النافذة لتطالع معلمها والذي أصبح بمثابة أب، كيف لها وهو الذي كان حانيًا عليها أكثر من أبيها، وهو الذي دائمًا تجده بجوارها مساندًا لها، يدفع عنها أي حزن قد يقع بقلبها بعكس والدها والتي لم تشعر بالسوء أبدًا لأنها ستبتعد عنه، فجفاءه معها قد بنى أميالًا من الحواجز بين قلبيهما فلم تعد تكن له أي مشاعر، رغم أنها كانت تتمنى يومًا أن يحبها والدها وترى تلك البسمة الراضية عنها في عينيه.
لوحت بكلتا يديها له، ومع ابتعاد القطار كانت لا تزيح عينيها عنه، وما إن شعرت أنها لم تعد تراه جيدًا حتى نهضت من مكانها ووقفت على مقعدها لتخرج جسدها بالكامل من النافذة حتى تراه، حتى كادت تسقط من خارج القطار لولا انتباه أمها لها وإمساكها في اللحظة المناسبة، فهي تودعه بقلبها تخشى أن تكون تلك آخر مرة تراه فيها.
بعد أسبوعين، وبعد أن استقر الحال بأم شوق في منزلهما الجديد والذي كان متواضعًا للغاية بعكس المكانة التي وصل لها زوجها، فها هو يقصيهم عن حياته ويرمي بهم في غيابات بيت معدم فقير.
لم تشأ أن تشكو شيئًا لأهلها، فكيف تفعل وهي التي تركتهم من أجله؟ فلقد تحايلوا عليها يومًا ألا تترك ناسها هنا وتذهب معه، لكنها أصرت أن تبقى جوار زوجها وتسانده في تحقيق أحلامه، وها هي وفت بوعدها وساندته وإن لم يكن ماديًا فمعنويًا، فكان رده للجميل أن باعها مع أول فرصة ليبدلها بأخرى يظن أنها ستليق بمنصبه ومكانته الجديدة.
رضيت بحالها وحمدت ربها على جميل ستره، لكن ما كان يعكر صفو بالها هو امتناع ابنتها عن الذهاب للمدرسة، فالحسنة الوحيدة التي فعلها والدها أنه ألحقها بمدرسة جيدة الصيت رغم بُعد المسافة قليلًا، لكن لا يهم، المهم أن تتعلم ابنتها ولكنها ها هي ترفض وبشدة الذهاب.
لذا كان السبيل الوحيد لجعل شوق تغير رأيها هو أن يحدثها المعلم حسام ويقنعها بنفسه.
_ شوق إحنا اتفقنا على إيه؟ نكون أقوياء ومنستسلمش.
_ مش هعرف يا مستر أنا خايفة.
_ فين ثقتك بنفسك يا شوق؟ أنا مش قلتلك الأمور بتكون صعبة لو أنتِ شيفاها كدا! إحنا بإيدينا اللي بنرسم ملامح الطريق اللي ماشيين فيه... علشان كدا بطلتي الصغيرة هتتجاهل تمامًا أي شيء يزعلها وهترفع راس بابا حسام وهيفضل طول عمره فخور بيها.
_ تفتكر يا مستر!
_ إلا افتكر أنا متأكد.
_ بس أنا... مش هفهم... مش هعرف أقرأ... هنسى كل حاجة.
_ انسى خوفك وانسى أي حاجة ممكن تقلقك... ركزي بس في شرح الأساتذة ومتتردديش في السؤال مرة واتنين وتلاتة عن أي جزئية وقفت معاكي... واستعيني بربنا يا شوق... إحنا اتفقنا إننا لما بنرفع إيدينا وندعي ربنا... هيسمعنا وهيستجيب وهيفرحنا بجميل فضله.
تابعت شوق تعليمها والمعلم حسام معها ولم يتركها حتى أنه جاء بلدتها بعدها مباشرة وتحدث إلى معلميها، يُعرفهم بحالتها وكيفية التعامل معها، وأيضًا أصبح يسافر لها خصيصًا إذا ما وجد حالتها متأزمة وتستدعي وجوده لجوارها.
وبعد عدة سنوات من العناء تخلصت شوق من مشكلتها تلك "الديسلكسيا" بفضل دعاء والدتها وعلاجها ومساعدة المعلم حسام... وبإرادة الله أولًا وأخيرًا.
وها هي بدأت تربط بين المفردات المختلفة ومعانيها... بدأت تركز في سرد القصص وتذكرها بشكل جيد... بدأت في الربط بين الكلمات المتشابهة والقدرة على التفريق بينهما... الاتجاهات لم تعد تشكل مشكلة معها فهي باتت قادرة على تمييز الاتجاهات بشكل صحيح... باتت تستطيع تهجي الكلمات بشكل صحيح متبعة الأسلوب التي نصحها به معلمها إلى أن استطاعت الاستغناء عن ذلك الأسلوب أيضًا بعدما نمت ثقتها بنفسها يومًا بيوم.
وبعد عمل الأشعة والفحوصات وإرسال التقارير لطبيبها المعالج عن طريق المعلم حسام... أقر الطبيب بأنها أصبحت فتاة عادية تمامًا، فمن رحمة ربها أن مشكلتها كانت من النوع الثانوي الذي يزول بعد العلاج الصحيح والبيئة التعليمية المخصصة.
سافر حسام خصيصًا لشوق وزارها في بلدتها ليطلعها على ما قاله الطبيب ويبشرها بأنها أخيرًا ستجني ثمار تعبها طوال السنوات الماضية.
كبرت شوق وأصبحت آنسة صغيرة في الخامسة عشر من عمرها.
وهتفت بفرحة وكأنه هنالك عيد... ليس فقط بما قاله معلمها بأنها أصبحت فتاة عادية كسائر زميلاتها، وإنما برؤية تلك السعادة الحقيقية البادية على وجهه من أجلها ففرحت لفرحه.
_ أنا مش فرحانة باللي حضرتك قلته زي ما أنا فرحانة بفرحتك اللي شايفاها في عينيك دي... للدرجة دي يا مستر... أمري يهمك... للدرجة دي سبت شغلك وبيتك وجيت علشان تقولي الخبر ده رغم إن كان ممكن تبلغهولي في التليفون عادي... أنا حقيقي أسعد بنت في الدنيا وأكثر بنت محظوظة في العالم علشان عندها أستاذ زي حضرتك... أنا فخورة بكوني تلميذتك يا مستر... فخورة بجد.
ليهتف ذلك المعلم الذي ترفع له القبعات إجلالًا واحترامًا له:
_ وأنا فخور إني عندي طالبة نجيبة ومثابرة زيك يا شوق... فخور ببنتي اللي تعبت وذاكرت ومدخرتش جهد وقاومت كل التحديات اللي قابلتها علشان تتغلب على مشكلتها وقد كان... أنتِ عملتيها يا شوق.
رمقته شوق بامتنان:
_ وأنا ما كنتش هقدر أتخطى مشكلتي من غيرك بعد ربنا يا مستر.
_ الحمد لله... الحمد لله يا بنتي... ربنا يسلك لك طريقك ويوفقك في بقية مشوارك يا رب... شوق أنتِ كدا وفيتِ لي بأول وعد... باقي وعد تاني إنك هتسيري على خطايا وهتكملي المشوار اللي بدأناه سوا.
عودة
فاقت شوق من شرودها بدمعة ثقيلة فرت من قلبها... ترثي ذلك المعلم الفاضل والذي لم ولن ترى مثله قط... فلقد كانت تلك الكلمات آخر كلمات سمعتها منه قبل أن توافيه المنية ويموت إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة يرتد على إثرها ميتًا.
ورغم الصاعقة التي تلقتها بخبر موته إلا أنها ظلت صامدة من أجل أن تحافظ على وعدها له وتوفي به... بل وتحيي ذكراه في كل طفل تساعده كما أراد.
فهتفت هامسة وكأنه سيسمعها:
_ وفيت بوعدي يا مستر... ربنا يرحمك ويجازيك الجنان... وحشتني كتير... وعمري ما هنسى أفضالك عليا... هتفضل في قلبي لطول العمر.
استغلت أم السعد شرود شوق وفرت من أمامها لتحضر ابنتها كما طلبت لحتى لا تتعرض لتلك العصا وجلدها مرة أخرى.
فاقت شوق من شرودها على صوت نسرين وهي تقترب مع السيدة وتهتف بابتسامة فهي تعرف أن شوق ستفرح كثيرًا.
_ أبلة شوق... وأدي طالب جديد جالك كمان.
سريعًا أزاحت شوق تلك العبرات المحترقة شوقًا لغياب معلمها الفاضل وحلت محلها ابتسامة عريضة لترحب بذلك الطفل وتقبله من بين عينيه.
_ أهلًا أهلًا يا حبيبي... تعالى يا نضري تعالى... المكان بيك يا قلبي.
ومن ثم أجلسه جوار البقية ومن ثم تنظر لهم بفرحة ففي كل وجه من وجوههم ترى السعادة من أوسع أبوابها... ترى الأمل وإن كان بعيدًا لكنه ليس مستحيلًا... ترى معلمها ينظر لها بابتسامة راضية لما تفعله لتتنهد هي براحة وتهمس مرة أخرى وهي تتخيله أمامها:
_ هكمل مشوارك لحد آخر العمر.
ابتسمت أم الطفل لتلك المعلمة الحانية وتلك المعاملة الإنسانية الطيبة وكأن الأطفال أولادها حقًا... تحنو عليهم وتحيطهم بجناحها بحنانها... تنظر إليهم بفرحة وكأن كل طفل مولود جديد لها يأتي إليها بعد طول انتظار.
فتنهدت براحة واطمأن قلبها على ولدها ودعت للمعلمة شوق بالبركة والسعادة ثم انصرفت عائدة لبيتها على أن تأتي لاصطحاب ابنها ثانية بعد أربع ساعات كما أخبرتها نسرين بذلك.
فشوق تنسى نفسها مع أولئك الأطفال وهم ينسون أنفسهم معها أيضًا ويندمجون معها ولشرحها المبسط والذي يفهمه الجميع دون عناء.
حتى أن بعض النسوة اللواتي لم يحظين ببعض من التعليم تجلس بالقرب منهم لتستمع لما تقوله شوق فتفهمه على الفور فينشرح قلبها وتنهض من مجلسها بعد أن تنتهي شوق من حلقتها التعليمية وتقدم الحلوى للأطفال كما وعدتهم.
لتقول إحدى السيدات الطاعنات في العمر:
_ ربنا يحفظك يا بنتي... أني كان طول عمري نفسي أفك الخط وأهو على الأقل أفهم أي حاجة بدل ما أني ورقة فاضية إكده... لكن قعادي جاركم إهنه كل مرة ابتديت أعرف الحروف وأحاول أكتبها كماني.
قبلت شوق يدها بحب صادق:
_ أبدًا يا خالة أنتِ مش ورقة فاضية ولا شيء والأمي مش هو اللي ما بيعرفش يقرأ ولا يكتب... الأمي هو اللي ما بيعرفش يتعامل مع الناس ولا يفهم شيء من اللي بيدور حواليه وأنتِ اسم الله عليكي يا خالة عقلك يوزن بلد.
رسولنا سيدنا النبي محمد يا خالة كان أمي صحيح... بس قدر يكون قائد عظيم لأمة بحالها ولسه لحد دلوقت كلامه وبلاغته وفصاحته يشهد لها أعتى الرجال في الذكاء والتعليم ومفيش حد يقدر يضاهيه.
العقل يا خالة مكتسب من التجارب والخبرة ومعنى كلامي إني ما أنكرش فضل العلم لا أبدًا لكن اللي أقصده إنك ما تقلليش من شأن نفسك أنتِ كبيرة قوي قوي يا خالة.
وأنتِ خليتيني أفكر إني أفتح فصول محو الأمية إهنه يا خالة وأني بنفسي اللي هأشرف على تعليمكم.
ابتسمت لها الخالة وسحبت يدها من يد شوق تقبلها بامتنان:
_ كتر خيرك يا أميرة يا بنت الأمراء... كتير اللي بتعمليه ده للبلد... ربنا يحميكي يا بنتي.
لتسحب شوق يدها بسرعة وتقول بذهول:
_ واه يا خالة... والله ما يحصل أبدًا... أني اللي أبوس يدك وراسك ورجلك كمان... أنتوا هنا أهلي وناسي وكل دنيتي وخيركم كتير قوي قوي عليا... كفاية إني بسمع دعواتكم الحلوة دي ومعيزاشي من الدنيا حاجة بعد إكده.
ربتت الخالة على ظهر شوق قبل أن تنصرف لحالها:
_ ربنا ينولك كل اللي بتتمنيه ويسعد قلبك الحزين ده يا بنتي ويريح بالك المتعكر.
طالعتها شوق باستغراب وهي تشاهدها ترحل بعيدًا لتقول في نفسها بحيرة بينما ترفع إحدى حاجبيها:
_ عرفت منين دي إن قلبي حزين وأني على طول ببين عكس إكده.
قالتها وهي تتنهد بقلة حيلة... فما بقلبها يقبع منذ سنوات ولا سبيل لراحته ثم نفضت ملابسها استعدادًا للذهاب لبيت والد آيات للتحدث معه كما وعدتها.
وصلت أمام المنزل وبصوت عالٍ نسبيًا هتفت منادية:
_ يا ست جليلة... يا أم آيات.
انفتح باب البيت لتطل منه سيدة متوسطة القامة ثمينة البدن تقول بوجه مبتسم بعد أن استطاعت التعرف على صاحبة الصوت:
_ يا أهلًا وسهلًا بالأبلة... تعالي يا أبلة شوق... ادخلي... الدار نور والله.
ابتسمت لها شوق وهتفت مجاملة:
_ منور بأصحابه يا ست جليلة.
أجلستها أم آيات إلى مقعد في باحة البيت.
لتهتف شوق بتساؤل:
_ أبو آيات أهنه يا ست جليلة... كنت رايداه في كلمتين.
عرفت جليلة في أي شيء تريده شوق لذا هتفت بتوجس:
_ سيبك منها البنت المخبولة دي... ما تاخذيش على كلامها عاد... دي بنت السكينة سارقاها وما ناخذهالهاش على كلام واصل.
طالعتها شوق بعتاب وهتفت بحزن:
_ ما تسيبي بنتك تعمل اللي هي عاوزاه يا ست جليلة... هتوقفوا في طريقها ليه عاد.
جلست جليلة جوارها وتنهدت بغلب:
_ إن كان عليا أني... ربك والحق البنت صعبانة عليا قوي... لكن أبوها شديد وما أقدرش عليه.
ربتت شوق على يدها وهتفت بحماس:
_ إن كان إكده سيبي الموضوع ده عليا أني... وأني هتصرف... قومي بس قولي له إني عايزة أتحدث معاه في كلمتين مهمين.
دلفت جليلة على مضض للداخل لتنادي على زوجها.
ليأتي هو مقفهر الوجه يزم شفتيه فهو أيضًا قد خمن في أي شيء تريده لذا هتف ساخرًا:
_ عايزة إيه يا أبلة... أوعي تكوني عايزة تعطيني أني راخر دروس إياك... ما هو ده اللي ناقص.
ابتسمت شوق وهتفت بهدوء:
_ مهياش عيبة أبدًا يا أبو آيات... الإنسان بيفضل يتعلم كل يوم لحد ما يموت يا بونا... العيبة إننا نفضل مسنجرين راسنا على اللي في دماغنا وبس حتى ولو كان غلط.
ليهتف هو غاضبًا فبدا صوته مزمجرًا:
_ وإيه الغلط بقى في إني بفكر في مصلحة بناتي وعايز أجوّزهم وأسترهم...
وأظن دول عيالي وأنا حر فيهم... إن شاء الله أموتهم حتى ولا حد له دخل يتحدث بكلمة واصل.
قابلت ثورته تلك بهدوء تام.
_اجعد يا بونا وما تتحمقش إكده وخلونا نتكلم بالهداوة.
لينتفض مكانه وأشاح بيده.
_أني ما أتحدثش مع حريم... يلا ارجعي على بيتك وسدي عليكي بابك.
_وأنا مش جاية أقول كلام من عندي... أني جاية أقولك كلام سيدنا النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى الصلاة.
_اللهم صل عليك يا نبي... ها قولي.
_لأول اجعد اكده واهدى والكلام أخذ وعطا وكله لمصلحة بناتك.
_ادخلي في الكلام على طول.
_قولي أنت خابر زين إن العلم لازمن ولابد منه ومابقاش حد دلوك بيمنع بناته من التعليم.
_وأني ما منعتهمش وسبتهم يتعلموا كيف ما بدهم... لكن لحد هنا وكفاية يتجوزوا ويشوفوا حالهم وكفاية لحد إكده.
_طب ولو البت زينة وشاطرة وبتيجي على العلام ورايدة تكمل... نجفوا في طريقها!
احتدت ملامحه بضجر ليهتف باستنكار.
_يعني عايزاني أودي البت آخر بلاد المسلمين... وأسيبها ترمح كيف الخيل لوحدها في بلد غريبة عنها... وإحنا أهنه ما نعرفوش عنها حاجة!
_ما فيش الكلام ده... هنحاول نوديها أقرب جامعة من أهنه مش في آخر بلاد المسلمين ولا حاجة، عايز تطمن عليها هي ساعتين زمن وتكون عندها هناك.. وكمان هتسكن في سكن جامعي وفيه مشرفات وأمن هيحافظوا على البنات... ثم إنك مربي بتك زين وعارفها وعارف أخلاقها يبقى ما منوش كلامك ده.
فتح فمه ليتحدث معترضًا على كلامها... لتردف هي مسرعة حتى لا يستطيع أن يتحدث بعدها.
_رسولنا الكريم سيدنا النبي قال: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة".
وكمان في مقولة بتقول: "اطلبوا العلم ولو في الصين"، يعني الرجال والنساء كماني.... ها قلت إيه يا أبو آيات... الله يرضى عليك سيبها تكمل البت دماغها واعرة قوي وإن شاء الله هترفع راسك وتكون حاجة كبيرة قوي تفخر بيها وتقول الدكتورة آيات جات الدكتورة آيات راحت... بلاش تقتل فرحتها وفرحتنا بيها.
وجدته صامتًا شارداً فظنت أنه ربما متحير شائك بسبب المال ومصاريف تعليمها فقالت بنفس مترددة.
_وإن كان على الفلوس فـ فـأني مستعدة أتكفل بتعليمها لحد ما تخلص وتتخرج كمان.
قالتها وفي قلبها تخوف وتوجس كبير أنها ستقبل نقوده ثانية.. فمنذ وفاة والدتها بعد معاناة مع مرضها والتي لم يكلف والدها نفسه بأن يأتي لزيارتها يومًا إلا يوم موتها حضر ليحضر جنازتها وعاد مرة أخرى. لتقسم شوق بعدها أنها لن تقبل منه أي إحسان أو مِنّة بعد الآن فهي هكذا تعد نقوده التي يرسلها كل شهر فلا تشعر بأنه والدها وإنما مجرد رجل غريب يتكفل بها، ولا هو يهتم بها حتى أنه لم يعرض عليها أن تعود معه إلى القاهرة وتركها تعيش وحيدة وكأن الأمر لا يهمه.
ليهتف هو بصوته الأجش وكأن حمية الرجولة قد جرت في عروقه.
_لا فلوس إيه... الفلوس دي آخر حاجة هفكر فيها.
ابتسمت هي.
_يبقى على خيرة الله... أقوم أفرح البت.
ليقفز هو من مكانه يلوي من الغيظ.
_كأنها بنت المضروبة دي... جاتلك واشتكتلك... وعلشان إكده جيتي تقنعيني... هتمشي كلمتها عليا إياك... وربنا لأكسر رقابتها على صدرها.
بسرعة وقفت شوق أمامه ومدت كلتا يديها أمامه تثنيه عما يود فعله.
_استنى بس يا بونا مش اكده... أنت قلبت ليه إكده كيف ولا بلاش... اسمع البت ما أجرمتش لما استعانت بيا ما هي شايفة مستقبلها بيضيع تعمل إيه تقعد تتفرج ولا تقعد تندب حظها!... عارفة إنها ضعيفة ومكسورة الجناح قدام أبوها وأمها ما هتعرفش تعملها حاجة يبقى ما فيش غيري يساعدها ويقدر يقنعك... وبعدين تمشي كلمتها عليك كيف بس والبت يا حبة عيني ما بتقدرش ترفع رأسها تطلع في وشك ولا ترفع عينيها في عينيك... آيات طيبة ومكسورة بلاش تيجي عليها أكثر من إكده.
ده سيدنا النبي قال: "رفقًا بالقوارير".
...بناتك سترك من النار يا سيد الناس بلاش تظلمهم وتستغل ضعفهم وخذهم تحت جناحك وتآويهم بعطفك وحنانك.. الرجولة ما هياش فرد العضلات وشخط ونتر طول الوقت... كمال الرجولة إنك تكون حنين ولين مع أهل بيتك اللي هم في الأصل أولى.
صمتت قليلًا ثم قالت بنبرة ترجي مازحة.
_ها قلت إيه.. بالله توافق... كأنك عايز تردني والناس تأكل وشي... ده أهل البلد كلياتها فرحانة للبت ومعتمدين عليا إني هأقدر أقنعك.
_وهي اشتكت للناس كماني.
_لا... بس كلهم عارفين إن البت غاوية تعليم وعلشان البت طيبة والبلد كلها تشهد بأخلاقها وأدبها الكل يتمنى ليها الخير.. فما بالك بأبوها بقى.
تنهد بقلة حيلة فشوق قد حاصرته ولم يستطع الخلاص.
_ماشي وأمري لله... بس لو حصل حاجة اكده ولا إكده ما تلومش إلا نفسها.
_ما هيحصلش حاجة واصل والبت هتكون عند حسن ظنك بيها وهترفع راسك كماني.
في تلك الأثناء طرق صبي الباب وهتف ليقول لشوق.
_في راجل مستنيكي قدام الدار يا أبلة شوق.
لتهتف شوق بتذكر.
_آه تلاقيه عبيد أني شيعتله من يومين... توه لسه متذكر يجي... ده ليلته هباب النهاردة.. الراجل الظالم مدشدش الكرسي على عياله وكسر عضمهم يا حبة عيني... ده أني كنت عايزة أبلغ عنه في القسم بسبب عملته دي... روح يا واد قوله أني جاية وراك أهو.
لتلتف هي لوالد آيات.
_نادي على بتك وفرحها أنت بنفسك.. يلا أنا ما فضياش خليني أروح للبو قبل ما يفر من يدي.
_بت يا آيات... أنتِ يا بت.
قدمت آيات بسرعة لتلبي نداء أبيها في الحال.
فوقفت أمامه تقوم مخفضة رأسها لأسفل متوجسة خيفة في أي شيء يريدها.
_أيوة يابا.
_عايزك تكملي علامك يا بت!
ظنت أنه يوبخها وربما ستتلقى عقابًا شديدًا فانكمشت في نفسها وقالت بصوت باكٍ مستضعف.
_ااا... أني.. يابا.. ما هو.. أصل...
ليقترب منها بضعة خطوات.
فتعود آيات للخلف بذعر وهي تضع يدها أمام وجهها تخبئه وغيرت رأيها لتتفادى بطشه.
_خلاص.. خلاص يابا اللي أنت عايزه هعمله... بالله عليك ما تضربني!
لتتفاجأ به يحيطها بذراعه تحت أنظار شوق المبتسمة فرحًا لفعلته.
_ما تخافيش إكده.. أني موافق تكملي علام يا بت.
حملقت في والدها بذهول وهتفت غير مصدقة.
_صحيح يابا...
ونظرت لشوق بفرحة لا تسعها.
ليهتف والدها بتحذير.
_بس على شرط.
بادلت نظراتها بين شوق وبينه لتهتف بلهفة وحماس.
_اشرط يا بوي براحتك وأنا طوع يدك.
_تحافظي على نفسك يا بت وترفعي راسي وإلا هدفنك مطرحك بالحيا.
أمسكت هي يده الخالية وانخفضت لتقبلها.
_اطمن يابا أني تربيتك... وعمري ما هدس راسك في الطين أبدًا... ربنا يخليك لينا يابا وما يحرمنا منك أبدًا.
لتتنهد شوق براحة وتعود أدراجها مغادرة البيت.
_مهمتي أهنه انتهت بنجاح... فوتكم بعافية هأروح ألحق ولد المخروب ده.
لتلحق بها آيات وتلقي بنفسها بين أحضانها في عناق تبثها فيه كل فرحها وامتنانها لصنيعها.
_أني ما أعرفش أقولك إيه ولا أشكرك إزاي يا أبلة شوق... أنتِ رديتِ روحي من جديد.
_افرحي يا حبيبتي... واتعلمي وزيدي بيه جمال ورفعة.
قالتها ثم هتفت بأبيات الشعر تلك قبل أن تعود لبيتها والتي باتت آيات تحفظها عن ظهر قلب.
_ليس الجمال بأثواب تزيننا إن الجمال جمال العلم والأدب
وليس اليتيم من لا والدين له إن اليتيم يتيم العلم والأدب
كن ابن من شئت واكتسب أدبًا يغنيك محموده عن النسب
حسود مريض القلب يخفي أنينه ويضحي كئيب البال عندي حزينه يلوم علي إن رحت في العلم دائبًا أجمع من عند الرواة فنونه
فيا عاذلي دعني أغالي بقيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه
قد يجمع المرء مالًا ثم يسلبه عما قليل فيلقى الذل والحرب
وجامع العلم مغبوط به أبدًا فلا يحاذر منه القوت والطلب
اقتربت من الباحة الأمامية لبيتها لترى ظل رجل واقف لم تتبين ملامحه جيدًا فهو يوليها ظهره فأمسكت عصاتها واستعدت لتوح بها في الهواء لتضرب بها عبيد وقالت وهي مغتاظة منه.
_أخيرًا جيت... ده أنا مغلولة منك قوي.... بقى يا راجل دي عملة تعملها في العيال وربنا أنت مفتري.
اقتربت منه أكثر لتتبين أن تلك الملابس يستحيل أن تخص عبيد فعبيد يرتدي دائمًا عباءة كعادة معظم أهل البلد.
ليستدير هو ليقابلها بوجهه فتعود هي للخلف خطوة من أثر المفاجأة ولكنها لم تفتح فمها لتنطق بحرف واحد.
ليهتف هو بوجه بشوش راسماً على وجهه ابتسامة لم ترها شوق إلا مؤخرًا فهو كان دائم العبوس في وجهها بل كان لا يوليها أي اهتمام على الإطلاق.
_إزيك يا شوق.
ابتلعت ريقها بغضب وهتفت بنبرة حرصت ألا تخرج ساخرة.
_أهلًا وسهلًا يا غريب بيه... نورت البلد بحالها.
اقترب منها أكثر ليهتف بحميمية.
_عاملة إيه يا بنتي؟
هذه المرة لم تستطع أن تمنع نبرة التهكم من الخروج.
_واه توك افتكرت إن ليك بنت وبتسأل عن أخبارها.
ليغضب غريب من حديثها ذاك.
_شوق ما تنسيش نفسك أنا مهما كان أبوكي.
تنهدت لتخرج ما بداخلها من هم وحاولت أن تكون أكثر لباقة مع والدها رغم تخليه عنها طوال تلك السنوات... رغم غضبها الشديد منه ومن ظلمه لها ولأمها إلا أنه أبيها على أي حال واحترامه واجب.
_آسفة يا بويا... حقك عليا... أني كويسة الحمد لله.
قالتها ثم أشارت لباب منزلها لتدعوه للدلوف.
_اتفضل ادخل.. البيت مش قد المقام.
بس أهو الحمد لله نعمة من ربنا.
لحق بها أبوها وعمد إلى كرسي بجواره طاولة مستطيلة الشكل فجلس إليه، لتدلف شوق غرفتها وتجر كرسيًا آخر وتجلس قبالة أبيها.
_ نورت البيت يا بويا، يا ترى إيه سر الزيارة المفاجئة دي؟
ثم هبت واقفة قبل أن يقول أي كلمة، واقتربت من إحدى الزوايا حيث توجد طاولة مشابهة التي يجلس إليها والدها، وموضوع عليها بعض البرطمانات التي تحوي الشاي والسكر، فأخذتهم وانحنت بجسدها نحو الشعلة لتعد لوالدها بعض الشاي.
انتظرها والدها إلى أن أنهت صنع الشاي وجلست جواره بعد أن قدمت له كوبًا خاصًا به، لينظر لها مطولًا بعد أن ارتشف بعض رشفات من الشاي.
_ شوق إنتي هترجعي معايا مصر.
حملقت به شوق في بادئ الأمر، لكنها هدأت مرة أخرى وفتحت فمها لتعترض، فكيف تعود بعد تلك السنوات، وتعود من أجل من؟ هي في تلك البلدة، في بيتها، وبين أهلها والذين يحبونها. هل هناك مع والدها أحد يحبها أو يعرفها من الأساس؟! الذي كانت تتوق للعودة لمصر من أجله قد فارق الحياة وتركها باكرًا "المعلم حسام" فلم العودة إذا؟
لكنه سبقها قائلًا ليعلل لما يريدها هناك:
_ شوق أنا محتاجك في خدمة ومتأكد إنك قدها.
استغربت حديثه، فأي خدمة يريدها أبوها منها وهو رجل الأعمال المشهور ذو المكانة العالية؟
ليردف هو:
_ إخواتك يا شوق، إخواتك حالهم مش عاجبني وغلبت معاهم بكل الطرق ومفيش فايدة، علشان كدا قلت مفيش غيرك اللي هيصلحهم، وخاصة بعد ما شفت طريقتك في البلد هنا والناس كلها بتعملك ألف حساب.
_ مش فاهمة يابا، أنت عايزني أعمل إيه معاهم؟ أدرس لهم يعني؟
_ اعملي اللي تعمليه معاهم، مش هناقشك، المهم إخواتك حالهم ينصلح، قلت إيه؟
لتهتف هي بمرارة عاتبة عليه:
_ ودلوك توك شفتني؟ توك آمنت بيا وبقدراتي؟ وإني هييجي مني؟ هل بقيت دلوك أنفع أكون بنت غريب بيه وهشرفك وسط الناس؟
ليهتف هو بجمود كعادته:
_ شوق ممنوش لازمة الكلام ده دلوقتي، المهم جهزي نفسك علشان أوديكي عند إخواتك.
لتنفل هي ولم تستطع كبح جماح غضبها:
_ أومال إيه اللي له لازمة؟! موصلحة أولادك مش إكده؟ مش مهم أنا أولع بجاز! المهم أولادك اللي معرفش شكلهم ولا سنهم ولا حتى اسمهم إيه؟ مشاعري أنا وقلبي المكسور أدفنهم بالحيا علشان أبويا ميهمهوش غير موصلحة أولاده اللي لولاها ما كنت شفته قدامي دلوك ولا عبرني! وحتى يا ريتك جيت علشان تأخذني أعيش معاكم اللي ما عملتها بعد موت أمي وقلت أخذها حرام أسيبها قاعدة لحالها، لاه جاي تأخذني أعلم أولادك اللي مسميهم إخواتي؟ إخواتي من أي اتجاه عايزة أفهم؟ إخواتي من أبويا اللي معرفش عنه حاجة غير اسمه ولا عمري في يوم حسيت بأي عاطفة من ناحيته تجاهي! أبويا اللي كنت بتقطع من قسوته وبعده عني، اللي كنت أتمنى في يوم يأخذني في حضنه ويحس بمشكلتي ويقولي هنتخطاها سوا، مش يبيعني مع أول فرصة علشان يخلص مني ومن مشكلتي، ويرميني أنا وأمي في بيت زي ده رغم بيتك الكبير اللي في مصر.
أخذت نفسًا محملًا بكل الوجع الذي قد يحمله إنسان وأخرجته بغُلب، فلا فائدة من الكلام ولا العتاب، فلا شيء مما فات قد يعود.
_ بس صحيح معاك حق يا بويا، ممنوش عادة الكلام دلوك خلاص.
ظنت أن بكلماتها المعاتبة تلك أن تراه نادمًا، لكن لا شيء، ما زال على جموده التي تعهده عليه دائمًا. لتجده يقول بضجر:
_ لو خلصتي كلامك يا ريت تجهزي علشان نمشي.
اغتاظت من تلك اللامبالاة وذلك البرود الذي يغلف قلبه، يا لذاك الرجل، لا يحمل في قلبه ذرة حب أو مشاعر والدة تجاه ابنته. لذا هتفت ترفض دعوته:
_ أني آسفة يا غريب بيه، شف لك مدرس غيري يدرس لعيالك، أني مانيش فاضية، أهل البلد محتاجني أكثر من أي حد، على الأقل عيالك تقدر تجيب لهم مدرس أو اثنين أو ثلاثة، لكن هنا الناس مش لاقية تأكل يا غريب بيه، ورغم إكده الحب مالي قلوبهم وفايض كمان لدرجة إنهم بيوزعوه على بقية الخلق.
زفر غريب حانقًا وتحدث بحدة:
_ شوق إنتي مش هتكسري كلامي، قلت هتيجي معايا علشان إخواتك يعني هتيجي، إنتي فاهمة؟! ومفيش مجال للنقاش.
أغمضت شوق أعينها بحسرة ووجع، فها هو يعاملها معاملة الغريب وكأنها لا تنسب له يومًا، لذا هتفت بقلب مكسور ينزف وجعًا مدميًا:
_ حاضر يا غريب بيه، اللي تؤمر بيه هاجي إمعاك أعلم إعيالك، دقايق بس ألم خلجاتي وجاية.
غابت عنه لبضع دقائق على ما يبدو أنها كانت تبكي خلالهم حسرة على حالها، لكن كان عزاءها الوحيد أنها ستذهب لتكمل مسيرة معلمها، فتعليم إخوتها هدف نبيل وجزء من رسالتها. لذا عزمت أن تنهي مهمتها مع إخوتها الصغار وتعود مرة أخرى لدارها. مدت يدها أزاحت تلك العبرات العالقة على أهدابها، لتعود مرة أخرى وتحمل حقيبة صغيرة تحوي ملابسها وبعض متعلقاتها الشخصية.
_ أني جاهزة، بس جولي هما إخواتي دول كم أعمارهم علشان يكون عندي فكرة في الأول بس بدل ما أنا على عمايا إكده.
أطفأ السيجارة التي كان أشعلها بينما ينتظرها إلى أن تنتهي وهتف بهدوء:
_ الكبير ٢٥، الوسطاني ٢٢، والصغير ١٩.
حملقت به بذهول:
_ كام؟! دول شحوتة يابا، هعلم فيهم إيه دول؟ يا دي المرار الطافح، أني فكرتهم عيال أكبرهم في الإعدادي ولا الثانوي.
وبكدا خلصت شوق فتاة الديسلكسيا التي استطاعت بفضل مثابرتها التغلب على مشكلتها التي كانت تتعرض بسببها للتنمر من الزملاء والمعلمين، وحتى والدها الذي أبعدها عن طريقه لمجرد أنها تعاني من صعوبة في التعلم. ولكن الجزاء من جنس العمل، فها هو ابتلاه بذرية أخرى تعكر عليه صفو حياته.
رواية ديسليكسيا الفصل السادس 6 - بقلم أسماء عبد الهادي
حملقت به بزهول 😳😳😳
_؟؟؟؟ كام؟؟؟ ...دول شحوطه يابا هعلم فيهم إيه دول ..يادي المرار الطافح ...أني فكرتهم عيال أكبرهم في الأعدادي ولا الثانوي