تحميل رواية «دموع على ارض الصعيد» PDF
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كان الليل قد تمدد على المدينة الصعيدية كغلاف من سكونٍ ثقيل لا يعكره سوى نباح كلبٍ بعيد، أو حفيف شجرةٍ تميل تحت وطأة الريح. والطرقات خالية، والمنازل موصدة على أسرارها، الا من ظلّ واحد يمشي مترنحا بين العتمة. كانت فرات تمضي بصعوبة، وقدماها الحافيتان تجران جسدا منهكا وملابسها ممزقة لا تستر سوى بالكاد. و وجهها مخدوش والدم الجاف يلطخ وجنتها وعيناها محمرتان كأن البكاء سكن فيهما. حتى وصلت أخيرا إلى باب قديم ذي خشب متآكل، ف رفعت يدها المرتجفة وطرقت الباب ثلاث طرقات متتالية خفيفة لكنها مستغيثة. حتى فتح ا...
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل الأول 1 - بقلم نور الشامي
كان الليل قد تمدد على المدينة الصعيدية كغلاف من سكونٍ ثقيل لا يعكره سوى نباح كلبٍ بعيد، أو حفيف شجرةٍ تميل تحت وطأة الريح.
والطرقات خالية، والمنازل موصدة على أسرارها، الا من ظلّ واحد يمشي مترنحا بين العتمة.
كانت فرات تمضي بصعوبة، وقدماها الحافيتان تجران جسدا منهكا وملابسها ممزقة لا تستر سوى بالكاد.
و وجهها مخدوش والدم الجاف يلطخ وجنتها وعيناها محمرتان كأن البكاء سكن فيهما.
حتى وصلت أخيرا إلى باب قديم ذي خشب متآكل، فـ رفعت يدها المرتجفة وطرقت الباب ثلاث طرقات متتالية خفيفة لكنها مستغيثة.
حتى فتح الباب فجأة وتجمّدت الفتاة لثوانٍ، وحدقت في الطيف الواقف أمامها.
ثم شهقت شهقة اخترقت سكون الحارة مردده:
"فرات يا نهار اسود... إنتي جرالك إي عاد.. فرات.. مللك يا بنتي جوومي"
حاولت فرات أن ترد لكن جسدها خذلها وانهارت بين ذراعي بنت عمها.
فصرخت روح بكل ما فيها:
"يا ناس.... يا عمه... الحقينيييي.. يا لهوي"
خرجت امرأة في منتصف العمر من داخل البيت وهي تضع الطرحة على رأسها بسرعة وركضت نحو الباب وقد بدا الذهول على وجهها.
وهتفت:
"اي الصوت ده؟ يا روح مالك في اي يا بنتي بتصرخي اكده ليه"
صرخت روح بفزع وهي تحاول ايفاق ابنه عمها:
"فرات... فرات رجعت... بصي... بصي شكلها.. دي بتنزف..... الحقينا يا عمه هتموت.. فرات هتموت"
ركعت المرأة جوار الفتاة الملقاة وامسكت نبضها وربتت على خدها محاولة إفاقتها مردده:
"فرات يا بنتي... سمعاني؟ مين عمل فيكي اكده... فرات مالك"
لكن فرات لم تجب، واكتفت بدمعة وحيدة انسابت على خدها بهدوء كأنها اعتراف صامت بما عجزت عن قوله.
فرفعت روح نظرها إلى عمتها والذعر يملأ عينيها مردده:
"احنا لازم نوديها مستشفى... دي بتموت"
هزت المرأة رأسها ثم نظرت نحو الداخل وقالت بصوت حازم:
"روحي نادي حد من جيرانا يساعدنا... الليلة دي شكلها مش هتعدي على خير"
وبعد فتره في المستشفي، كاتت رائحة المطهّرات تخنق الممر والأنوار البيضاء تسكب قسوتها على وجوه المترقبين.
فـ وقفت نعيمة عمة فرات في زاوية الممر تشد الطرحة فوق رأسها كأنها تحاول أن تغلق على رأسها صخب الحقيقة.
وما إن لمحت الطبيب يخرج من الغرفة حتى اندفعت إليه بعينين تائهتين وصوت مختنق:
"يا حكيم… طمني عليها بنت أخوي مالها"
تنهد الطبيب ثم تطلع حوله بحذر قبل أن يقول بصوت خافت:
"الحالة اتعرضت لاعتداء للاسف... حاله اغتصاب"
جف حلق نعيمة وخارت قدماها حتى كادت تسقط ووضعت يدها على صدرها ثم تمتمت بصوت مرتعش:
"يا ساتر… يا رب استرنا…اي ال انت بتجوله دا يا حكيم... مستحيل... مستحيل"
وقبل أن ينطق الطبيب بكلمة أخرى أمسكته من ذراعه بتوسل:
"ابوس يدك يا بني متجولش لحد.. متكتبش في التقرير الكلام دا… الناس مش بترحم حد وسيرتنا هتبجب علي كل لسان والبنت دي هتتبهدل وهتودينا ف داهية.. ابوس يدك يا ابني"
سحب الطبيب يده وردد:
"بس لازم البلاغ.. دي جريمة ولازم ال عمل اكده يتحاسب"
نعيمه بلهفه:
"احنا هنلمها وناخدها ومش عايزين وجع جلب… حرام عليك، خليها تعددي ابوس يدك يا ابني"
نظر ابطبيب اليها بضيق ومضى في صمت، تاركا الباب مفتوحا.
فـ دخلت نعيمة الغرفة بخطوات سريعة وعيونها تقدح نارا.
وكانت فرات مستلقية شاحبة كأنما لا تزال تهرب بجسدها من ذكرى ما جرى.
فـ اقتربت نعيمة فجأة ومدت يدها إلى ملابسها ثم جذبتها بعنف وهتفت:
"مين عمل فيكي اكده يا بت انتي... انطجي مين.. سلنتي نفسك لمين"
ثم صفعتها دون وعي وهي تصرخ:
"فضحتينل يا جليلة الشرف... ده جزانا نربيكي ونتقي ربنا فيكي وانتي تعملي اكده"
تدخل الطبيب فجأة وأمسك بيدها مانعا إياها من ضربها ثانية مردفا:
"حرام عليكي يا حجه... دا مش ذنبها.... دي ضحية انتي مش شايفة حالتها"
تراجعت نعيمة وهي تلهث ثم صاحت بعينين جاحظتين:
"لازم نخرجها من اهنيه حالا... مفيش جعاد أكتر من اكده كفاية فضايح"
دخلت روح الغرفة وهي تبكي وتشبثت بيد عمتها محاولة إيقافها:
"حرام عليكي يا عمتي دي لسه تعبانة… خليها ترتاح.. مش كفايه ال حوصلها"
لكن نعيمة دفعتها بعنف وقالت وقد علا صوتها:
"اخرسي انتي كمان... البت جابتلنا العار... العار يا ناس.. مش هنجعد ثانية واحدة اهنيه... دي لازم تدفن وشها ف الأرض.. هنخرج يعني هنخرج"
سقطت دمعة ثقيلة من عين فرات، دمعة واحدة تاهت بين الوجع والخذلان.
بينما يدها الضعيفة تشد الغطاء على جسدها كأنها تحاول أن تختبئ من الدنيا كلها.
وبعد فتره كان ضوء الفجر قد بدأ يتسلل إلى الغرفة من خلف الستائر المهترئة يلون الجدران بلمسة باهتة من النور الرمادي.
وسكون ثقيل يخيم على المكان لا يقطعه سوى أنفاس متقطعة ممزوجة ببكاء مكتوم.
فجلست روح على حافة السرير تراقب ملامح فرات الشاحبة.
عيناها الأخيرتان كانتا مغلقتين لكن دموعها تنساب بصمت فوق خديها.
وكانت تضم نفسها كأنها تحتمي من برد العالم وخوفه.
فـ اقتربت روح أكثر وهمست بصوت مرتجف:
"فرات... جوليلي بس... إي ال حوصل.. أنا كنت في الشغل طول اليوم ولما رجعت لاجيتك اكده... مالك يا أختي مين عمل فيكي اكده"
ارتعشت شفتا فرات ثم خرج صوتها ضعيفا مبحوحا:
"هو... كاسر...كاسر بيه"
تجمدت ملامح روح واتسعت عيناها بالدهشة والذهول مردده:
"نعم؟! كاسر؟! كاسر الالفي... ال بتشتغلي عنده في الثرايا بتاعته"
أومأت فرات برأسها بخفة وانحدرت دمعة أخرى على خدها دون أن تفتح عينيها وهمست:
"ايوه هو..... هو يا روح ال عمل فيا اكده"
وفجاه غلبها البكاء فغطت وجهها بكفيها وانفجرت دموعها بحرقة.
فعضت روح على شفتها تحاول كبح غضبها ثم صاحت:
"لع يا فرات... مينفعش نسكت إحنا لازم نبلغ البوليس ده لازم يتحاسب ده مجرم.. مش علشان احنا مش معانا حاجه وعلي قد حالنا يبجي يعمل فينا اكده"
لكن فرات شهقت ورفعت وجهها المغطى بالدموع وصاحت وهي ترتجف:
"إنتي متعرفيش مين كاسر.. ده من عيلة الالفي... العيلة دي تطدر تدوس على اي خد ومحدش يجدر يفتح بوقه بكلمه واحده ممكن يجتلونا كلنا.. احنا مش قد كاسر الالفي بالتحديد.. الكل عارفه زين مش بيرحم حد واصلا هو هيسافر ويرجع القاهره تاني ممكن ميجعدش اهنيه في الصعيد كتير هو بيجي زيارات ويمشي"
سكتت روح لحظة ثم همست بنبرة مشحونة:
"بس انتي كنتي بتحبيه يا فرات... كنتي دايما بتتكلمي عنه"
صرخت فرات كأنها تتلقى طعنة وهتفت:
"متجوليش اكده... بالله عليكي متجوليش اكده... أنا مش عايزة حد يعرف حاجة... ولا كلمة يا روح... بالله عليكي"
وبينما كانت روح تحاول الاقتراب منها لتهدئتها لنفتح باب الغرفة بقوة ووقفت نعيمة عند العتبة و كانت عيناها تقدحان شرا وصوتها يحمل سما لا يخفى مردفه:
"يا فضيحتنا السودة... جيبتلنا العار يا بنت... ياريتك كنتي موتي قبل ما تعملي ال عملتيه... البنت ال زيك متستاهلش تعيش... لازم نموتك ونرتاح من عار"
انكمشت فرات مكانها كأن السقف سيسقط فوق رأسها وانفجرت تبكي بصوت أعلى.
فتقدمت روح بخطوة وصرخت في وجه نعيمة:
"حرام عليكي... هي ذنبها إي.... ذنبها إنها كانت لوحدها.... ذنبها إنها اتأذت.. عيب ال بتجوليه يا عمتي بدل ما نوجف معاها"
لكن نعيمة لم تظهر أي رحمة بل أشاحت بوجهها في اشمئزاز وقالت بغل:
"ما أنا عارفة إنها مغفلة طول عمرها....هنعمل اي دلوجتي مع ابن الالفي... مين يحدر يوجف جصاده.. جسما بالله ما هنجدر حتي نرفع نظرنا عليه.. ربنا ينتجم منك يا فرات يا بنت اخوي... والله انا لو مكانك لـ هجتل نفسي"
ألقت نعيمه كلماتها ثم استدارت وصفقت الباب خلفها بعنف.
وساد الصمت من جديد سوى صوت أنين فرات الذي خفت شيئا فشيئا.
وجلست روح بجانبها وفتحت ذراعيها لتضمها إليها بحنان وهمست وهي تمسح على شعرها:
"أنا معاكي... ومش هسيبك... حتى لو الكل باعك أنا معاكي."
وختم الأذان سكون الغرفة وكأن نداء السماء نفسه يشهد على الظلم.
وفي الصباح كانت تقف روح في المطبخ تعد الإفطار بصمت ويداها تتحركان كأنهما تحفظان طريق العمل عن ظهر قلب.
بينما قلبها يضج بأصوات لم تنم منذ الأمس ورائحة الخبز المحمص تعبق في المكان.
وفنجان الشاي يفور على النار فتطفئه وتمسح البخار عن عينيها.
ز رفعت الصينية ومضت بها نحو غرفة فرات تتجاهل صوت الخطوات خلفها.
فجاءها صوت عمتها حادّا كالسهم:
"انتي لسه اهنيه يا بنت ملكيش لازمة اجعدي يا اختي اعملي فطار خلي ال جابتلنا العار تنفعك"
نظرت روح بضيق ولم ترد وفتحت باب الغرفة بهدوء وابتسامة دافئة مرتسمة على وجهها.
قالت بنعومة:
"فرات... حضرتلك الفطار.... جومي كولي يا جلبي يلا"
ولكن الكلمات انطفأت في حلقها حين وقعت عيناها على السرير.
كان المشهد صامتا... لكنه صارخ بكل تفاصيله.
فـ تقدمت ببطء حتى وقفت بجوار السرير ثم سقطت الصينية من يدها على الأرض حين رأت يديها تنزف بشده والسكين ملقي علي الارض.
فرركضت نحو فرات مردده:
"فرات.. فرات جومي بالله عليكي ردي عليا... ليه اكده... ليه تعملي في نفسك اكده... جومي يا فرات"
هزتها بقوة وضغطت على يديها و نادت باسمها مرارا لكنها لم تجب.
ودموعها انهمرت كالسيل وصوتها تكسر وهي تحتضنها:
"ليه يا فرات؟ ليه تسيبيني... ليه اكده"
ثم ارتفعت عيناها واحمر وجهها من الغضب وخرجت منها الكلمات كأنها قسم مكتوب بالدم:
"كاسر الالفي... جسما بالله العظيم ما هسيبك... انا هنتجم منك بطريجه مستحيل تتخيلها... هجتلك.. هجتلك يا كاسر و"
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي
بعد مرور شهر تقريباً، هدأ الليل فوق قرى الصعيد، لكنه لم يهدأ داخل القصر العريق الذي يملكه كاسر. كانت الأنوار باهتة، والهواء محملاً بثقل لا يُرى، والحرس يتحركون في فناء القصر كأنهم يطاردون ظلاً، والخدم يتحدثون همساً كأن الحيطان قد بدأت تستمع.
وفجأة، انفتح باب القصر الكبير واندفع كاسر خارجاً بخطوات سريعة. كان وجهه مقفولاً وحاجباه معقودان، وصدره يعلو ويهبط بعنف. ففتح باب سيارته بحدة ورمى بجسده إلى الداخل وأدار المحرك بقوة جعلت صوت السيارة يخترق سكون الليل. تبعته ثلاث سيارات من الحراسة دون أن يجرؤ أحدهم على سؤاله أو حتى اللحاق بنظراته.
كان كاسر طويلاً عريض الكتفين، بوجه تلونه الشمس وعينين لا تعرفان الرحمة. لا أحد يقترب منه حين يغضب، ولا أحد يسأله لماذا.
أما في الداخل، وبين أروقة القصر، كانت الخادمات يتحركن بحذر شديد. في الزاوية الخلفية من المطبخ، اجتمعن حول صينية الشاي التي لم تُقدّم بعد، وبدأن يتبادلن النظرات والهمسات.
حتى قالت واحدة منهن وهي تضع السكر في الأكواب:
"هي الست هانم لسه في المستشفى؟"
ردت أخرى وهي تلمّع الكؤوس:
"أيوه يا أختي… الدكاترة بيقولوا حالتها حرجة ومفيش تحسن نهائي."
همست ثالثة كانت تراقب الباب كل لحظة:
"الناس بتقول إن جوزها السبب… وإنهم لقوا كدمات على جسمه."
رفعت الرابعة حاجبيها باستنكار:
"جوزها؟! ده لو فعلاً مد إيده عليها يبقى كتب نهايته بإيده… دي أخت كاسر بيه مش أي حد."
قهقهت إحداهن لكن بصوت خافت خوفاً:
"ده كاسر بيه يخلي المستشفى نفسها تنقلب نار لو عرف إن حد عمل فيها حاجة عاد. بس تعرفي الست رحمة طيبة قوي غير الست أميرة اخت كاسر بيه الصغيرة… تحسي إنها مدلعة وبصراحة جليلة التربية ومغرورة وشايفة نفسها."
وقبل أن ترد أي واحدة، دوى صوت جهوري من خلفهم:
"في إيه عاد… واقفين ليه؟! خلصوا شغلكم بدل ما أخصم منكم يوم كامل."
كان الصوت لسمية، رئيسة الخدم، التي وقفت ويداها على خصرها تنظر إليهم كأنها قائدة فرقة عسكرية. ورددت مرة أخرى:
"كل واحدة ترجع مكانها وإلا هخلي كاسر بيه يعرف ال بتعملوه."
تفرقت الخادمات على الفور.
وبعد منتصف الليل، توقفت السيارة أمام بوابة المستشفى واندفع كاسر إلى الداخل كالعاصفة. لم يلقِ السلام، ولم ينتظر المصعد، بل صعد الدرج بخطوات واسعة تخلع الأرض تحتها. ولم تكن ملامحه توحي بشيء سوى الغضب.
حيث فتح باب الجناح بقوة فارتج المكان وارتعد الممر. وعندما لمح الطبيب في نهاية الممر، تقدم نحوه بسرعة ثم أمسكه من ياقة المعطف الأبيض بعنف وقرب وجهه من وجهه وصرخ:
"إيه اللي حصل لأختي… إزاي تتعب بالشكل ده وفجأة أكده؟ مين المسؤول عن اللي حصلها؟ انتوا لازمتكم إيه مش فاهم؟ بتعملوا إيه أصلاً؟"
حاول الطبيب أن يحرر نفسه وهو يقول متوتراً:
"اهدأ يا كاسر بيه… كل حاجة تحت السيطرة دلوقتي والله واختك بقت كويسة الحمد لله… مفيش داعي للعصبية دي."
ولكن قبل أن يرد كاسر، اقترب شاب في الثلاثينات من العمر، وجهه شاحب ونظراته قلقة. كان أدهم، زوج رحمة، وقال بصوت متلعثم:
"إيه… ورحمة مالها؟"
التفت إليه كاسر بعينين تقدحان ناراً، لكن الطبيب تدخل بسرعة:
"في خطأ حصل… ممرضة بدلت الدوا بالغلط بس الحمد لله. ممرضة تانية كانت موجودة وتداركت الموقف وأنقذتها في آخر لحظة… دلوقتي حالتها مستقرة والله الحمد لله."
كاسر بغضب:
"فين الممرضة دي… أنا عايز أشوفها دلوقتي حالا."
أشار الطبيب بتردد:
"في أوضة استراحة الممرضين… الدور اللي تحت."
بدون كلمة زيادة، اندفع كاسر نحو السلم ونزل الدرجات اثنتين اثنتين حتى وصل إلى باب الاستراحة وفتح الباب فجأة دون أن يطرق.
وفجأة، ظهرت روح وهي ترتدي جاكيته وتستعد للمغادرة. والتفتت بسرعة، وما إن رأت وجهه حتى تجمدت لحظة ثم ارتفع حاجباها بغضب وهتفت:
"انت إزاي تدخل كده من غير استئذان؟ فاكر نفسك مين عاد عشان تتجرأ وتدخل بالطريقة دي؟"
اقترب منها كاسر بسرعة وقبض على ذراعها وصوته مليء بالاتهام:
"انتي أكيد كنتي قاصدة تقتلي أختي صح… إيه اللي عملتيه ده هااا؟ إيه حكايتك بقى؟ قوليلي مين دفعلك عشان تقتلي أختي؟"
نفضت روح يدها بعنف من قبضته ثم رفعت كفها وضربته على وجهه بقوة جعلت الصمت يسود المكان لثوانٍ ورددت:
"انت اتجننت؟ أنا معملتش حاجة… ولا لمستها. انت عايز مني إيه عاد؟ فاكر نفسك مين وإزاي تكلمني بالطريقة دي وتلمسني أكزي؟ امشي… اطلع بره يلا."
ضاق صدر كاسر أكثر واقترب منها بغضب وكأنه سيلتهمها. لكن قبل أن يلمسها، اندفع الطبيب إلى الداخل وصوته يحمل توتراً واضحاً:
"كفاية….. كفاية بقى يا كاسر بيه. روح هي السبب إن أختك لسه عايشة… الممرضة التانية اللي اتسببت في المشكلة اتحولت للتحقيق وروح هي اللي لحقت الموضوع وأنقذت حياتها. المفروض تشكرها."
توقف كاسر والتفت ببطء إلى روح وعيناه تحدقان فيها بشراسة. حتى اقترب منها خطوة أخرى وهمس بجانب أذنها:
"القلم اللي ضربتيهولي… هيرجعلك بس بطريقتي أنا."
ثم التفت وخرج من الغرفة يتبعه الطبيب بصمت مشحون. وظلت روح تقف مكانها ونفاسها متسارعة تحاول أن تهدئ نبض قلبها.
حتى دخل أدهم، زوج رحمة، واقترب منها بتردد:
"أنا آسف… معلش متزعليش من كاسر. هو بس متعصب على أخته شوية وحصل سوء تفاهم."
نظرت روح إليه بضيق وهي تتفحصه. نظراته كانت غريبة… عينيه لا تطابق كلماته وبصوته ما يشبه اللين لكن فيه شيء خفي. فمد يده ليضعها على كتفها، لكنها ابتعدت بسرعة ورددت بضيق:
"حصل خير. مفيش مشكلة. أهم حاجة دلوقتي إن مدام رحمة بخير."
ألقت روح كلماتها وتركته واقفاً، بينما نظراته تلاحقها… بنوايا لا تبدو بريئة أبداً.
وبعد فترة، داخل المقابر، كان كل شيء ساكناً صامتاً إلا من صوت أنفاس متقطعة ونشيج خافت. حيث جلست روح على الأرض، قدماها مثنيتان أمامها وذراعاها تعانقان ركبتيها، وهي تحدق بعينين دامعتين في شاهد قبر مغطى بالتراب وبعض الورد الذابل. مكتوب عليه اسم فرات.
فمدت يدها المرتجفة ولمست أطراف الحجر ثم انهمرت دموعها وهي تتحدث:
"عارفة يا فرات… شفت اللي كاسر ده النهارده… شفته بعيني… واحد معندوش قلب يا فرات… معندوش رحمة… دخل عليا زي العاصفة… مسكني واتهمني إني كنت عايزة أقتل أخته… متخيلة؟ بس أنا فعلاً كنت عايزة أقتلها وغيرت العلاج وفي آخر لحظة اترددت… مجدرتش أقتل واحدة ملهاش ذنب في أي حاجة غير إن أخوها شيطان معندوش إنسانية."
شهقت روح وارتعشت شفتاها وأكملت:
"بس أنا هنتقم… قسماً بالله يا فرات هخليه يدفع التمن… زي ما أنا خسرتك بسببه مش هسيب أي حد بيحبه يفضل جنبه… هبعده عن كل حاجة بيحبها… عن أخته… عن قصره وعن راحته… هخليه يعيش أسوأ أيام حياته."
مدت روح يدها تتحسس اسم فرات المكتوب على الشاهد ومسحت دموعها بكفها المرتعشة وسكتت لحظات ثم همست:
"نامي وانتي مطمنة… ومتخافيش… مش هسيبه وهاخد بتارك."
قامت روح ببطء ونظرت حولها في صمت. لم يكن هناك أحد سوى ظلال المقابر وأصوات ليل الصعيد الثقيلة. اتجهت نحو البوابة الصغيرة الحديدية التي تؤدي إلى الخارج ودفعتها بيدها وأحدث صوت الصرير فيها رجة خفيفة في السكون.
وما إن وضعت قدمها خارج المقابر حتى أضاءت أمامها أنوار سيارة سوداء ضخمة. توقفت فجأة وكأنها كانت تنتظرها. لم يكن هناك وقت للهروب. انفتح الباب الخلفي بعنف وقبل أن تصرخ أو تتحرك، انقض عليها رجلان ملثمان وسحبوها إلى الداخل. حاولت أن تصرخ… أن تضرب… لكن كفاً قوية كتمت صوتها وأخرى كبلت يديها.
فرددت روح بصوت مخنوق، متهدج:
"سيبوني… انتوا مين؟ عايزين مني إيه عاد… سيبوني."
لكن لا أحد أجاب والسيارة انطلقت في ظلام الليل تاركة المقابر خلفها. وكل ما بقي من روح في المكان… هو وشاحها الذي سقط بجانب قبر فرات يتمايل مع الريح كأنه يلوح لها الوداع.
وفي الصباح، استفاقت روح على صمت خانق. والغرفة التي وجدت نفسها فيها كانت خالية إلا من سرير خشبي مهترئ وستارة نصف ممزقة تراقصها نسائم خفيفة تتسلل من النافذة الصغيرة. وجلست فجأة وهي تلهث تتلفت حولها بذعر قبل أن تصرخ بأعلى صوتها:
"يا ناس في حد هنا؟ أنا فين؟ افتحوا… افتحوا الباب بالله عليكم."
لكن لا جواب. ترددت أصداء صراخها على الجدران كأنها وحدها في هذا العالم المهجور. فنهضت تتعثر في خطواتها حتى سقطت بجانب السرير. وهناك… لاحظت شيئاً. محفظة صغيرة ملقاة بعشوائية كأن أحداً نسيها أو تعمد أن يتركها.
فمدت يدها ببطء والتقطتها وفتحتها بأصابع مرتعشة. حتى صورتها وصورة كاسر. فتسمرت عيناها عليه وعلى الورقة المطوية خلف الصورة، ثم شهقت بانكسار وخرجت منها شهقة باكية وهي تهمس:
"فرات… دي محفظة فرات. هي محتفظة بصورتي وصورته بس ليه؟ ليه يا فرات؟ ده زبالة… إزاي تحبي واحد زي ده؟ أهه هو السبب في موتك… هو السبب في كل اللي حصلنا."
انفجرت روح باكية وقلبها يتمزق ووجهها يتلوى بين الذكرى والخوف. ثم زحفت نحو الباب وبدأت تضرب عليه بجنون:
"افتحولي… كاسر… أنا عارفة إنك انت اللي جبتني هنا. كاسر افتح. أنا مش هسكتلك… قسماً بالله ما أنا ساكتة. أنا عارفة إنك عرفتني وعرفت أنا مين. افتح بقولك."
ظلت روح تضرب وتصرخ حتى سمع صوت المفتاح يدور من الجهة الأخرى. فـ تراجعت خطوة وأنفاسها تتلاحق وجسدها يرتجف والباب يفتح ببطء.
وعندما رأت من يقف خلفه تسمرت مكانها وشهقت شهقة مكتومة ثم تمتمت:
"انت… مستحيل."
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل الثالث 3 - بقلم نور الشامي
تسمرت روح في مكانها وقد تجمد الدم في عروقها عندما التقت عيناها بوجهه.
وجه لم تعتقد أنها ستراه من جديد.
خرجت شهقتها مكسورة وبالكاد نطقت:
"إنت... مستحيل.. انت أي ال جابك أهنيه وعايز مني أي عاد."
دخل الغرفة ببطء والابتسامة الباردة ترتسم على شفتيه، تلك الابتسامة التي طالما كرهتها.
كان طويلا عريض المنكبين، عيناه سوداوان كغياهب الليل.
تقدم منها خطوة ثم أخرى، حتى بات على بعد أنفاس منها وابتسم قائلا بصوت خفيض مشبع بالحقد:
"مش مستحيل ولا حاجة... انتي ال جولتيلي بنفسك إنك بتؤمني إن الدنيا صغيرة... أهي لمتنا تاني يا روح."
ارتعشت شفتيها وهي تهمس:
"انت... كريم... انت عايز مني أي عاد."
ضحك ضحكة قصيرة كأنها صفعة ثم قال بتهكم:
"ايوه كريم... كريم ال كان خطيبك ال فضحتيه جدام الناس، وجولتي عليه خاين وميستاهلش كلمة راجل... ال لطختي سمعته وشوهتي صورته... والنهاردة أنا جاي أربيكي من اول وجديد واوريكي أنا راجل ازاي. انتي كنتي تطولي أصلا أخطب واحدة زيك.. دا مكنتوش لاجين تاكلو ولا تلبسوا.. بجا واحدة زيك تعمل فيا أنا أكده."
ارتدت إلى الخلف وهي تصيح بانفعال:
"ابعد عني... إنت مالك بيا.. أنا بكرهك... بحتقرك فاهم؟! مش ناسية إنك خونتني ودايما كنت تعايرني وبعتني من غير ما يرمشلك جفن... انت بالنسبالي ميت."
تلقت روح كلماتها لكنه لم يتراجع، بل اقترب فجأة كأن شيطانه قد استيقظ فيه، ورفع يده بعنف ليكمش ذراعها ثم جذبها إلى السرير الخشبي المهترئ ودفعها بعنف عليه.
صوته يعلو كأن كل جنونه قد انفجر دفعة واحدة وهتف:
"أنا هعلمك... هفرجك أنا ممكن أعمل فيكي إي... ال تجرسني وتكسرني جدام الناس مينفعش أسيبها تعيش مرتاحة."
صرخت روح وهي تحاول أن تتخلص من قبضته، لكنه أمسك بحبل كان ملقى في أحد أركان الغرفة.
وقبل أن تتمكن من الهرب كانت يداه توثقان يديها إلى قوائم السرير، وعيناها تمتلئان بالذهول والرعب.
حاولت أن تتكلم، أن تستجدي، أن تقاوم، لكن كلماتها خرجت كأنها تنهار من بين شفتيها:
"كريم... إنت بتعمل إي؟! إنت اتجننت؟! سيبني... بالله عليك سيبني!"
لكنه لم يسمع. كان قد أُغشي على عقله والظلمة التي سكنت قلبه جعلته لا يرى سوى الانتقام... لا يسمع سوى صدى إهانته القديمة ولا يشعر إلا بالرغبة في التمزيق.
وهي مربوطة اليدين، وفي مكان آخر في زاوية المكتب المظلم، جلس رائف خلف مكتبه الكبير ويداه تعتصران رأسه بين كفيه.
الأضواء الخافتة تعكس على وجهه ملامح الإرهاق والضيق، بينما الساعة تشير إلى اقتراب منتصف الليل.
دخلت فريدة بخطوات مترددة ووقفت عند الباب قائلة بنبرة خافتة:
"يا بشمهندس رائف… أنا خلصت كل اللي طلبته… والوقت اتأخر ممكن أمشي."
رفع رائف رأسه ببطء ونظر إليها بنظرة حادة كأنها أيقظته من كابوس، ثم قال ببرود مشوب بالاحتقار:
"أنا لسه موجود… يبجى انتي تفضلي موجودة."
تلعثمت فريدة قليلا قبل أن تقول بخوف:
"بس أنا اتأخرت جوى وأهلي هيقلقوا عليا… لازم أمشي بسرعه."
وقف رائف من مكانه فجأة واقترب منها بخطوات غاضبة، لكن قبل أن ينبس بكلمة واحدة، دفع الباب بقوة وظهرت أميرة واقفة بثقة الطفولة الممزوجة بالعناد:
"رائف... واحشتني."
تراجع رائف قليلا ونظر إليها مندهشا قبل أن يعقد حاجبيه قائلا:
"يا بنتي ميصحش كده… وبطلي الهبل ال بتعمليه دا. انتي جاية أهنيه لوحدك في الوقت ده إزاي... إزاي أصلا تخرجي دلوجتي."
تنهدت أميرة بضيق وهتفت:
"بدور على كاسر… تليفونه مقفول ومش لاجياه في أي مكان.. جولي أخويا فين."
ثم التفتت إلى فريدة وقالت:
"اعمليلي نسكافيه لو سمحتي."
نظرت فريدة إلى أميرة بضيق قبل أن تحول نظرتها المتأففة نحو رائف، فهز رأسه بإشارة باردة تدل على الأمر لا الطلب.
فاضطرت إلى الخروج.
جلس رائف على طرف المكتب وقال بصوت منخفض:
"وهو انتي طول الوقت ماشية ورا كاسر كده؟ ما تتعلمي تعيشي من غيره شوية."
أميرة بضيق:
"هو أخويا… ومقدرش أعمل أي حاجة من غيره.. لازم يبقى قدام عيوني أكده دايما."
لم يرد واكتفى بالنظر بعيدا إلى أن عادت فريدة تحمل كوب النسكافيه الساخن ووضعته أمام أميرة على المكتب.
فأخذته أميرة دون أن تشكرها وارتشفت رشفة واحدة… ثم عبست فورا ورددت:
"هو إي ده.... فيه سكر كتير جوي. أنا عاملة دايت."
وفجأة قذفت بالكوب على فريدة فارتد النسكافيه المغلي على يدها.
صرخت فريدة وهي تتراجع وقد احمرت يدها من الألم.
فنهض رائف فجأة واندفع نحوها بقلق واضح وأمسك يدها برفق:
"فريدة... إيدك… وريني أكده. سخن عليكي.. تعالي نروح للحكيم."
سحبت فريدة يدها بسرعة ونظرت له بعينين دامعتين:
"دي حاجة بسيطة… شكرا."
ثم خرجت من الغرفة بسرعة.
وقف رائف لحظات يراقب الباب المغلق، ثم نظر لأميرة بعينين تشتعلان بالغضب، وقال:
"يلا… جومي أهوصلك… كفاية دوشة وفضايح لحد أكده."
نهضت أميرة دون رد.
وبعد فترة، كانت روح ممددة على السرير الخشبي مقيدة بحبال خشنة غليظة تركت أثرها على معصميها.
الهواء في الغرفة ثقيل والرعب يخيم على كل زاوية.
صوت خطوات يقترب ببطء قاتل، ومع كل خطوة كانت أنفاسها تتسارع أكثر.
فدخل رجل غريب الملامح واقترب منها وعيناه تلمعان بنوايا لا يحمد عقباها.
مد يده نحوها فصرخت بكل ما تبقى في صدرها من قوة:
"ابعد عني بالله عليك متقربش مني … سيبني يا بني آدم انت. عايز مني أي عاد."
كانت تتلوى وتحاول الفكاك، تبكي وتصرخ وتناشد، لكن لا فائدة.
فقرب أكثر وهم بلمسها...
وفجأة انفتح الباب بقوة ليهتز معه الهواء واندفع كاسر إلى الداخل كإعصار هائج لا يرى أمامه إلا وحشا.
وردد:
"إنت بتعمل إي عاد."
صرخ به وهو يهوي على الرجل بقبضة من نار وظل يضربه حتى سقط الرجل أرضا بلا حراك.
ثم ركض نحو روح وفك قيودها وهو يردد:
"انتي كويسة.. حد لمسك... جولي لي."
وقفت روح في صدمة وعيناها معلقتان به غير مصدقة أنه أمامها...
وقبل أن تنطق بكلمة أخرى انطلق صوت تكة معدنية... ورجل آخر خرج من العتمة يصوب مسدسه نحو كاسر.
فصرخت روح بكل ما فيها، وبلا أي تفكير أو تردد، ألقت بجسدها أمامه لتتلقى الرصاصة في صدرها بدلاً منه...
ودوى صوت الطلقة ثم تبعه صوت ارتطام جسدها بالأرض.
فاقترب منها كاسر وحملها وخرج بسرعه.
وفي صباح يوم جديد، داخل أروقة المستشفى...
وقف كاسر أمام نافذة زجاجية تطل على حديقة المستشفى الصغيرة، ساكنا كأنه حجر يراقب حركة الناس بلا تركيز.
حتى اقترب منه رائف بهدوء وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يسأله باستغراب:
"بس انت مجولتشلي… إزاي عرفت إنها هناك؟ كنت رايح فين عاد."
استدار كاسر ببطء وغمغم بصوت خفيض فيه بعض الحدة:
"كنت شايف تصرفاتها غريبة… وشاكك إنها ناوية تعمل حاجة في رحمة… فـ بدأت أراقبها… لحد ما شوفتها وحسيت إن فيه حاجة غلط."
ضحك رائف بسخرية بسيطة وقال:
"يعني رايح تنقذ ضحيتك؟ وهي ال أنقذتك… سبحان مغير الأحوال."
وقبل أن يرد كاسر انطلقت خطوات سريعة نحوهما وظهرت أميرة تركض بعفويتها المعهودة لترتمي في حضن كاسر وهي تردد بلهفة:
"كاسر… يا أخويا... إنت كويس. أنا قلبي كان هيوجف من الخوف عليك."
ضمها كاسر برفق وقال بابتسامة باهتة:
"أنا بخير يا أميرة… جهزي نفسك علشان رحمة هتخرج من المستشفى النهاردة، والدكتور وافق خلاص."
اتسعت عينا أميرة بدهشة وهتفت:
"بجد؟! طب الحمد لله… وفين البنت ال بسببها كان ممكن يوحصلك حاجة... ال أنقذتها ومش عارف ليه أصلا والله."
ثم اندفعت أميرة بخطوات غاضبة نحو الغرفة التي ترقد فيها روح ودخلتها دون استئذان.
كانت روح جالسة على طرف السرير ويدها مربوطة بشاش أبيض ووجهها شاحب من الألم، لكنها كانت متماسكة.
فأشارت أميرة نحوها بإصبعها وهتفت بسخرية لاذعة:
"انتي بجد عندك وش تقعدي أهنيه... أخويا كان هيموت بسبب حاجة زيك ملهاش لازمة."
نهضت روح فجأة ودفعتها بعنف وصرخت في وجهها:
"ابعدي عني... انتي مين أصلا؟! وفاكرة نفسك إيه علشان تكلميني بالشكل دا."
أميرة بعصبية:
"أنا أخت كاسر.. ال كان هيموت بسببك."
روح بحده:
"وأنا ال أنقذت حياته! فلو سمحتي… لمي لسانك بدل ما أقوم أربيكي من أول وجديد. أنا مش ناقصة وجع دماغ."
وفجأة دخل كاسر ووقف بينهما ورفع صوته بغضب:
"كفاية! أميرة يلا مع رائف… روحي شوفي رحمة وخليكي بعيدة عن أي دوشة تانية.. أنا مش ناقص وجع قلب. يلا."
سحبه رائف بلطف وهو يومئ برأسه لروح بهدوء وخرج الاثنان من الغرفة.
فتقدم كاسر ببطء نحو روح ونظر إليها نظرة ناعمة لم يعتدها ثم قال بصوت صادق:
"أنا آسف… وشكرا… علشان أنقذتيني."
رفعت روح حاجبيها وقالت بنبرة باردة:
"وأنا بشكرك علشان برضه أنقذت حياتي."
ابتسم بخفة وقال:
"رحمة هتخرج من أهنيه النهاردة… والحكيم قال لازم يكون معاها حد يرعاها وهي بتحبك… وطلبتك بالاسم... أنا مستعد أدفعلك أي مبلغ… بس لو توافقي تبجي المرافقة بتاعتها."
سكتت روح للحظة، لكن قلبها كان يرقص من الفرحة… فرصة دخلت من باب القدر بل من نافذة الانتقام.
فهذه هي اللحظة التي انتظرتها ورددت في نفسها:
"أخيرا… هدخل بيت كاسر برجلي وهاخد كل حاجة... وأردهاله واحدة بواحدة."
استفاقت على صوته وهو يسألها:
"سرحتي في إيه عاد."
هزت رأسها سريعا وردت بابتسامة هادئة:
"لأ… مفيش… أنا موافقة."
ابتسم كاسر بخفة وقال:
"تمام… خليكي جاهزة. العربية هتكون مستنياكي بعد الضهر."
وغادر الغرفة.
أما روح… فجلست على طرف السرير وحدقة عينيها تلمع بنار دفينة وهمست في داخلها:
"اللعب ابتدى يا كاسر… وهنشوف مين فينا ال هيوجع التاني أكتر."
ظلت روح جالسة على السرير تحاول تهدئة أنفاسها، لكن عقلها لم يكن ساكنا… كان يحفر في أدق التفاصيل.
وفجأة شهقت كأن أحدهم ضربها على صدرها:
"المحفظة."
ثم تذكرت… في تلك الغرفة المهجورة وقبل أن تغلق عيناها من الألم… كانت هناك محفظة مرمية على الأرض… محفظة فرات.
فـ عقدت حاجبيها ورفعت رأسها في ذهول وهي تتمتم:
"إزاي… إزاي محفظة فرات تكون في مكان ليه علاقة بكريم. كريم... أنا لازم أعرف المكان دا بتاع مين… ولازم دلوقتي."
نهضت بسرعة وخرجت من المستشفى دون أن تلتفت وراءها و خطواتها كانت سريعة كأن الأرض تشتعل تحت قدميها.
وبعد ساعة تقريبا وقفت في أحد الشوارع الجانبية الهادئة تقابل شابا يبدو عليه الذكاء يحمل بيده بعض الأوراق.
فـ نظرت له بعينين تشتعلان بالقلق وسألته مباشرة:
"ها؟ عرفت المكان مكتوب باسم مين."
فتح الشاب الورقة ثم رفع نظره إليها وقال بنبرة ثابتة:
"أيوه… عرفت المكان متسجل باسم واحد اسمه رائف... رائف السباعي."
تجمدت روح في مكانها وعيناها تتسعان ببطء:
"رائف… رائف السباعي."
انسحبت الدماء من وجهها وضاعت ملامحها بين الذهول.
وفجأة ارتعبت عندما وجدت أمامها.
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي
نزلت روح من السيارة ببطء، تتفحص بعينيها المكان الذي وقفت فيه لأول مرة. بجوارها رحمة، ملامحها شاحبة وتبدو مرهقة، بينما كان كاسر يتابع خطواتهما بصمت، وأدهم يسير خلفهم وهو يمسك بذراع زوجته بعناية.
ارتفعت أنظار روح إلى القصر الضخم. كان شامخاً كأنه لوحة معمارية من زمن فات، مزخرفاً بلمسات قديمة تنبض بالفخامة. الفناء واسع تتوسطه نافورة ساكنة، وصوت المياه المنسابة منها يضفي سكينة غريبة رغم توتر الجو.
ما إن دلفوا إلى الداخل حتى ظهرت سيدة مسنة ذات وقار وهيبة، تحمل نظراتها حناناً خاصاً. أسرعت نحو رحمة واحتضنتها بقوة، ثم قالت:
"حمد لله على السلامة يا بنتي… نورتوا البيت كله والله.. تعرفي أنا هعمل ليلة لكل أهل البلد حلاوة رجوعك.. جوليلي عامله أي دلوجتي."
ابتسمت رحمة بتعب، ثم ردت بصوت خافت:
"الله يسلمك يا تيتة.. أنا بجيت كويسة اهه الحمد لله."
أشار أدهم نحو روح وهو يتحدث بهدوء:
"دي روح… هتكون مع رحمة الفترة الجاية تراعيها وتساعدها."
نظرت الجدة إلى روح طويلاً، ثم ابتسمت وقالت:
"ونعم البنت... شكلها طيب جوي.... البيت بيتك يا بنتي ال بيوجف جمب ولادنا… يبجى مننا."
ابتسمت روح بأدب وقالت:
"شكراً يا حجه. أنا اهنيه بس علشان أساعد مدام رحمة لحد ما تجوم بالسلامة."
لكن لم يلبث هذا الهدوء أن انكسر، حين خرج صوت أميرة من أعلى الدرج وهي تقول بامتعاض:
"يعني إي؟! هي دي هتجعد فوج معانا... تبجى جمب أوضنا اكده عادي."
اتجهت الأنظار إليها، لكن قبل أن تتحدث الجدة، قال كاسر بصرامة:
"أميرة… اسكتي انتي.. مش عايز اسمع صوتك."
سكتت أميرة وهي تكتم غضبها. فتقدم كاسر نحو روح وقال:
"تعالي أوريكي أوضتك."
سارت روح خلفه عبر الممر الطويل في الطابق العلوي، مرت بعدة أبواب حتى توقفت عند إحداها. فتحه وأشار إليها بالدخول، ثم قال:
"أوضتك اهنيه… وأوضة رحمة جمبك وأنا أوضتي الناحية التانية لو احتاجتي أي حاجة جوليلي."
أومأت برأسها ولم تتكلم. بينما خرج كاسر وأغلق الباب خلفه.
فتقدمت روح بخطوات بطيئة داخل الغرفة. كانت بسيطة الترتيب لكنها دافئة، ذات نوافذ تطل على الحديقة الخلفية. الستائر البيضاء تتحرك مع نسمات الهواء الهادئة. فوقفت في منتصف الغرفة ونظرت إلى الجدران، ثم همست وكأنها تخاطب قلباً غائباً:
"خلاص يا فرات… حقك هيرجع.. وجريب جووي.. أنا مستحيل اسمح إن حد فيهم يا يعيش مبسوط... بجيت في وسطهم وهجتلهم واحد واحد."
في تلك الليلة الهادئة ظاهرياً، كانت العاصفة تزمجر داخل غرفة رحمة، التي وقفت هناك في صمتٍ ثقيل تراقب أدهم وهو يخلع قميصه أمام الخزانة، وجسده مشدود كوت على وشك الانفجار. ونظراته لا تعبر سوى عن الجفاء والضيق.
فتقدمت رحمة نحوه بخطوات خافتة، ومدت يدها إليه بحذر. لكن قبل أن تلمسه، استدار فجأة وأبعد يدها بقسوة وهو يهتف بانفعال:
"أوعي تلمسيني فاهمه."
تراجعت رحمة للخلف بصدمة، وعيناها تتسعان في ذهول. فواصل أدهم بصوت ممتلئ بالاحتقار:
"أنا بكرهك… بقرف منك… ومش عارف أنا ليه مستحمل دا كله والله العظيم."
كانت كلماته كالسكاكين تقطع أوصالها في صمت. لكن رغم ذلك، تقدمت نحوه ثانية ودموعها تنساب بصوت مبحوح:
"أنا عملتلك إي؟! جولي بس… أنا بحبك والله العظيم بحبك انت ليه بتعمل معايا اكده."
نظر إليها باحتقار وهو يرد ببرودٍ قاتل:
"بس أنا بكرهك... مش بحبك ولا طايج ابص في وشك ولا طايق حتى نفسك."
تكسرت الدموع في عينيها أكثر، وتعلقت بنظراته المنفرة كأنها تبحث عن ذرة رحمة. وهتفت:
"طب جولي أعمل إي...أنا مستعدة أعمل أي حاجة علشان ترضى."
صرخ أدهم فجأة وكأن شيئاً انفجر بداخله:
"مفيش حاجة هترضيني منك... مفيش أي حاجة هترضيني... علشان أنا أصلاً مش عايزك!"
تجمدت رحمة في مكانها، ثم همست في انكسار وهي تبتعد عنه:
"خلاص… مدام مش عارفة أسعدك… طلجني."
وهنا انفلت صبره تماماً، واندفع نحوها كمن انقض عليه شيطان، وصفعها بقوة على وجهها. فسقطت أرضاً، ثم أمسك بشعرها وشدها بعنف مزمجراً في وجهها:
"عايزة تطلجي علشان أخسر الـ 5 مليون مؤخر ال أخوكي خلاني أكتبهم يوم جوازنا… علشان أخوكي يخربلي كل شغلي ويبهدلني في السوق صوح... دا ال انتي عايزاه.... أنا كرهتك… وعمري ما كرهت حد في حياتي زيك والله."
كانت رحمة تبكي بصوت خافت، تتوسل بنظراتها لكنها لم تنطق. وفجأة… دوى صوت طرقات على الباب، فتجمد أدهم في مكانه.
ثم أفلت شعرها بسرعة، وهتف وهو يلتقط قميصه ويرتديه على عجل:
"جومي… جومي بسرعة. يلا."
نهضت رحمة وهي تمسح دموعها بظهر كفها المرتعش، ووقفت خلفه تترنح. ففتح أدهم الباب، وكانت الواقفة هناك… روح، التي نظرت إليه بشك ورددت:
"العلاج يا مدام رحمة.. دا ميعاده.. انتي كويسة... شكلك تعبان جوي."
نظرت رحمة بتوتر وهتفت:
"أنا كويسة جوي مفيش حاجة.. تعالي اتفضلي يا روح."
وفي صباح يوم جديد… كان صباحاً هادئاً على غير العادة. النسيم يتسلل برقة من النوافذ العتيقة، يلامس الستائر البيضاء فتتمايل بخفة.
فخرجت روح من غرفتها ترتدي عباءة بسيطة، وخطاها تتجه نحو الممر الطويل، تتأمل الزخارف القديمة والأبواب الخشبية الضخمة، وتتمهل عند كل ركن كأنها تبحث بين تفاصيله عن أثر… عن خيط يقودها إلى الحقيقة.
حتى نزلت إلى الطابق السفلي، فسمعت صوت أواني وأحاديث ناعمة قادمة من جهة المطبخ. واقتربت بخطوات حذرة حتى وصلت إليه، فوجدت عدداً من العاملات منشغلات في تجهيز الإفطار.
وبادر بعضهن بالنظر إليها، فتقدمت روح بخطوات ودودة وابتسمت قائلة:
"صباح الخير يا بنات… تحبوا أساعدكم في حاجة."
تبادلت العاملات النظرات قبل أن ترد إحداهن بابتسامة بسيطة:
"صباح النور يا هانم… دا نورك والله ربنا يعزك إحنا تمام."
قالت أخرى كانت تقطع الخبز وتتحاشى النظر المباشر إليها:
"سبحان الله… انتي وشك فيه شبه كبير من بنت كانت شغالة عندنا اهنيه."
توقفت يد روح فجأة، وعيناها اتسعتا برهبة مكتومة، فهتفت بصوت مرتجف:
"مين.... اسمها إي عاد."
ردت الفتاة الأولى ببساطة:
"فرات… كانت بنت طيبة جوي… وشها كله نور... جلبها أبيض ودايما بتضحك وبتساعد الكُل."
تدخلت أخرى في الحديث قائلة بحنين واضح:
"والله كانت بتعاملنا زي خواتها… لا عمرها تعالت علينا ولا زعلت حد كل الناس في الجصر كانت بتحبها."
ثم خفضت صوتها قليلاً وأضافت:
"ما عدا رائف بيه وكاسر بيه… كانوا دايما بيعاملوها وحش… مش طايجينها خالص معرفش ليه عاد."
ارتبكت روح وهمست:
"ليه.... ليه مدام كانت كويسة اكده."
هزت إحداهن كتفيها وقالت:
"الله أعلم محدش عارف… بس في يوم اكده… اختفت. مرة واحدة من غير لا وداع ولا كلام… ولا حد سأل عنها."
تبادلت العاملات نظرات القلق، وكأن الحديث عنها ممنوع أو أن ذكراها ما زالت تحمل نذيراً ما. وقبل أن تنبس روح بكلمة أخرى… دخلت إلى المطبخ امرأة ضخمة الجسد، ملامحها صارمة، تضع على رأسها طرحة سوداء مشدودة وتعلو وجهها نظرة حزم لا تخطئها العين. كانت رئيسة الخدم، وتقدمت بخطوات ثابتة وقالت بصرامة:
"كفاية كلام… كل واحدة ترجع شغلها."
سكت الجميع على الفور. ثم التفتت إلى روح، وأخفضت صوتها قليلاً قائلة بنبرة مهذبة:
"كاسر بيه عايزك في أوضته… دلوجتي."
ابتسمت روح بارتباك وذهبت.
وفي غرفة كاسر، كان واقفا عاري الصدر، جسده مشدود وعضلاته تتحرك بانسيابية مع كل مرة ينخفض فيها ليؤدي تمرين الضغط. وقطرات العرق تنساب على ظهره وصدره العريض، وتنفسه كان منتظماً، لكن ملامحه تدل على انشغال ذهنه بأفكار أثقل من جسده.
حتى دوى صوت طرقات خفيفة على الباب، فقطع سكون الغرفة، واعتدل في جلسته وقال بصوته الأجش:
"ادخل."
دُفِع الباب ببطء ودخلت روح بخطوات حذرة. وما إن رفعت عينيها حتى ارتبكت من المشهد أمامها... جسده العاري المتعرق وشعره المبلل، ومنديل أبيض في يده يمسح به وجهه، وعينيه كانتا شاخصتين نحوها بثبات غريب. فتلعثمت قليلاً ثم قالت:
"حضرتك طلبتني."
نهض كاسر من الأرض، سحب قميصاً أبيض من فوق الكرسي، لكنه لم يرتده، بل تقدم نحوها وأعطاها ظرفاً بنياً متوسط الحجم، وهو يقول:
"دا مرتب شهرين... وطلب إجازة من المستشفى خدته ليكي مدفوع الأجر وموجود كمان في الظرف."
نظرت روح إلى الظرف باندهاش، ثم فتحت جزءاً بسيطاً منه لترى رزماً من المال بداخله، فرفعت رأسها نحوه وقالت:
"كل دا ليه عاد.. هعمل إي بالفلوس دي كله."
رد كاسر بجمود وهو يمسح عرقه:
"علشان انتي في بيتي... ومسؤولة عن أختي... وعلشان تبجي عارفة إن أي غلط.... أي خيانة... أنا هجتلك بكل سهولة."
جف حلق روح للحظة، ولم تستطع الرد، فقط اكتفت بالنظر إليه بتوتر. فأشار بيده وهتف:
"اتفضلي... اخرجي يلا."
استدارت روح لتخرج، لكن قدمها اصطدمت بأداة الحديد الخاصة بالتمرين، واختل توازنها وسقطت على الأرض. وفجأة صرخة ألم حادة خرجت منها، جعلت كاسر يتقدم نحوها بسرعة:
"مالك.. في إي عاد."
اقترب منها وانحنى، فحاولت الوقوف لكنها صرخت مجدداً. فلم تتكلم من الألم، فقط أمسكت بكاحلها بتوجع. فانحنى منها أكثر، ثم حملها بين ذراعيه دون أن ينظر في وجهها. توترت أنفاسها وخفضت رأسها بتوتر، وقلبها ينبض بعنف من قربه.
ثم وضعها على الفراش برفق، وجلس عند طرفه، ومد يده إلى قدمها المصابة، لكنها سحبتها فجأة في ذعر:
"لأ… لأ متلمسنيش."
رفع رأسه إليها وقال بجفاف:
"لازم أشوف رجلك… واضح إنها التوت."
ثم أمسك ساقها برفق وحاول تحريكها قليلاً، لكنها صرخت من شدة الألم، فتراجع ببطء وقال بنبرة حاسمة:
"خلاص… أنا هطلب الحكيم يجي يشوفك احسن."
نهض كاسر من مكانه وخرج من الغرفة بخطوات سريعة.
وبمجرد أن أغلق الباب، جلست روح وهي تتنفس بسرعة، وجهها شاحب وعقلها مشوش. نظرت نحو الباب الذي خرج منه، وهمست لنفسها بدهشة:
"هو في إي... أنا مالي بالظبط ولا إي بيوحصلي... لع لازم أفوق وأصحصح شوية.. أي هيضحك عليا أنا كمان.. دا واحد حقير وجليل الباب.. هو السبب في موت فرات ولازم دا ال يفضل في دماغي وبس."
وبينما كانت تهم بالنهوض ببطء، انتبهت إلى هاتفه المحمول الموضوع على المنضدة القريبة. والهاتف يهتز ويرن، وبلا وعي مدت يدها نحوه. وما إن قرأت الاسم على الشاشة حتى اتسعت عيناها بذهول وارتجف قلبها... كريم.
تحاملت روح على نفسها وهي تنهض ببطء من على الفراش، وأنين خافت خرج منها مع كل حركة، لكنها تجاهلت الألم. كل ما كانت تفكر فيه هو الاسم الذي رأته منذ لحظات على شاشة الهاتف... كريم.
وفتحت الباب بخفة، وما إن همت بالخروج حتى اصطدمت بنظرة كاسر الذي عاد لتوه. فاقترب منها بسرعة وقال بحدة:
"بتجومي ليه... اجعدي... الحكيم جاي حالاً."
قال كلماته وهو يضع الهاتف على أذنه، لكن ما إن لمح نظرة روح المترقبة نحو الجهاز حتى أنهى المكالمة فجأة وأغلق الهاتف. فنظرت إليه روح بعينين ممتلئتين بالشك والغضب، لكنها لم تتكلم، فقط شدت عباءتها وجلست بصمتٍ متشنج.
وما هي إلا لحظات حتى طرق الباب، فدَلَفت الخادمة وقالت بتوتر واضح:
"كاسر بيه… فيه واحدة تحت عايزاك."
رفع كاسر حاجبه باستغراب وسأل بجمود:
"مين؟"
ردت الخادمة بعد لحظة صمت:
"بتجول إنها... عمة فرات... ال كانت بتشتغل عندنا."
ارتبك وجه كاسر للحظة، لكن عين روح اتسعت في صدمة، وتعلقت بنظرات الخادمة التي لم تلاحظ ما أثارته كلماتها. فأكملت الخادمة:
"وبتجول انها عايزاك تساعدها علشان تلاحي بنت اخوها التانية و..."
لم تنهِ الخادمة كلماتها، وفجأة سقطت روح على الأرض مغشياً عليها.
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي
استيقظت روح على وقع لمسة دافئة على كتفها. فتحت عينيها ببطء لتجد الجدة واقفة بجوارها تتفحص وجهها القلق بنظرات حانية.
"مالك يا بنتي؟ شكلك مش على بعضك اكده لبه عاد وباين عليكي تعبانة جوي."
رفّت أهداب روح وهمست وصوتها مشوش من أثر النوم والقلق:
"كاسر بيه... هو فين كاسر بيه؟"
أجابت الجدة بهدوء وهي تضبط طرف طرحتها:
"تحت... مع عمة بنت كانت بتشتغل عندنا. مش عارفه عايزه مني اي عاد. هو اني عايزاه في حاجه يا بنتي."
اتسعت عينا روح في قلق وارتعشت يدها وهي تضعها على صدرها كأنها تحاول تهدئة دقات قلبها. لم تستطع أن تخفي التوتر الذي تسلل لملامحها.
مالت الجدة نحوها وربتت على يدها برفق وهي تقول:
"ارتاحي يا بنتي... شكلك تعبانة. نامي شوية وملكيش صالح بحاجه. انا هدي لرحمه العلاج."
هزت روح رأسها ببطء دون أن تنطق. وفي داخلها كانت الأفكار تعصف بها بلا رحمة.
في الأسفل... جلس كاسر في أحد أركان الصالون. انعكست أشعة الشمس المتسللة من النوافذ على ملامحه الجادة. أمامه كانت عمة فرات وروح تجلس وقد علت وجهها علامات التعب، لكن عينيها بقيتا ثابتتين على كاسر تتحدى نظرته الباردة.
وضع كاسر ظرفًا كبيرًا أمامها امتلأ بالمال حتى فاض طرفه. وردّ بصوت منخفض لكن حازم:
"اكده كفاية... الفلوس دي أكتر من ال يرضيكي كمان. ولا عايزه حاجه تانيه؟"
نظرت إليه العمة بنظرة مشتعلة ثم هتفت بحدة مكتومة:
"دا بجا تعويض عن دم بنت أخوي. انا مش جاية آخد فلوس. أنا جاية أسأل عن بنت أخوي التانية. وأنا واثقة إنك تعرف هي فين."
كاد كاسر أن يرد، لكن فجأة ظهرت روح عند أول درجات السلم تقف بثبات. عيناها كانت ترصد كل شيء. وحين وقعت عينا العمة عليها اتسعت حدقتاها من الصدمة. وشحب وجهها، لكنها لم تنطق، فقط تسمرت في مكانها.
أشار كاسر بيده نحو المال وقال:
"خدي الفلوس وامشي. خلينا نخلص."
نهضت العمة ببطء وقالت بنبرة مليئة بالخذلان:
"أنا مش عايزة حاجة. وغلطت لما جيت. حتى بنت أخوي التانية... هدور عليها وهلاقيها من غير ما أمد إيدي لحد. شكرا يا بيه."
ألقت الجدة كلماتها ثم استدارت وخرجت من القصر بخطى ثابتة. لم تلتفت وراءها ولم ترف بكلمة.
بعد دقائق نزلت الجدة من الطابق العلوي ونظرت إلى كاسر باستفهام:
"كانت عايزة إي الست دي يا ابني؟"
زمّ كاسر شفتيه وقال بحدة وهو يشيح بوجهه:
"جوزها. ييحي ياخد مني فلوس وهي جاية تعملي فيها صاحبة كرامة. بس أنا ال غلطان إني فتحتلهم باب."
كان صوت كاسر غاضبًا، لكن روح التي كانت قد وصلت بهدوء إلى أسفل الدرج وقفت متجمدة حين سمعت تلك الجملة. جوز عمتها خد منه فلوس.
ارتبكت أنفاسها واهتزت الأرض تحت قدميها للحظة. لم تعد تعلم من تصدق ومن تكذب. فقط تراجعت ببطء وعقلها يغلي بالأسئلة.
وبعد فترة... نزل رائف من سيارته الفاخرة أمام الشركة ينفث زفيراً من صدره كأنه يحاول كتم غضب لا يعرف مصدره. وبينما كان يغلق الباب بحدة لمحها.
كانت سارة تنزل بخفة من فوق الدراجة النارية وأمامها شاب. تخلع خوذتها بيد وتهز شعرها الطويل في حركة عفوية. لم تتحمل أعصابه رؤيتها.
فشد قبضته وغمغم:
"هو في إي عاد. ومين ال معاها دا كمان؟"
ثم اندفع داخل المبنى بخطوات سريعة كأن كل حجر في الأرض يستفزه.
وبعد دقائق كان يجلس على مكتبه وأمامه أوراق مبعثرة لم ينظر فيها. فقط يحتسي قهوته بعصبية ويدخن السيجارة تلو الأخرى. حتى قاطعه خياله صوت الطرق على الباب.
ودخلت سارة بملابسها المعتادة وشعرها المربوط تحمل ملفًا في يدها وابتسامة خفيفة في وجهها.
فنظر لها رائف بحدة وقال بلهجة جافة:
"أنتي عارفة إن دي شركة محترمة؟ والشغل اهنيه مش بالسلوك ده."
رفعت حاجبيها بدهشة وسألته:
"سلوك إي عاد يا بشمهندس. انا عملت اي يعني مش فاهمه."
رد وهو يرمي السيجارة في المنفضة:
"إنتي نازلة من على موتسيكل مع واحد قدام الموظفين دا منظر ينفع يتشاف؟!"
قالت بسخرية مستفزة:
"اه عادي يعني اي المشكله مش فاهمه. انا معملتش حاجه غلط اصلا."
نهض من كرسيه بانفعال وقال بعصبية:
"دي قلة احترام للمكان ولكل الناس ال اهنيه. مين دا اصلا ال انتي جايه راكبه وراه؟"
تقدمت خطوة نحوه وقالت بحدة:
"دا هيبقى خطيبي."
صدمته الجملة للحظة وانعقد حاجباه، وتجمدت نظراته. لكن كعادته... لم يظهر شيئًا.
"متدخلش في حياتي. ليك شغلي وبس. وأنا ممكن أقدم استقالتي عادي جدا. لكن ال حضرتك بتعمله دا مينفعش."
ثم استدارت وغادرت المكتب دون أن تنتظر رده.
فرمى رائف الكوب بقوة على المكتب وتناثرت القهوة. وصاح وهو يضرب سطح المكتب بيده، فانكسر الخشب تحت يده وارتفعت شهقة ألم مكتومة منه. وبدأ الدم يسيل من كفه.
ودقيقة... فتحت الباب مرة أخرى. كانت سارة تمسك ورقة الاستقالة. لكنها تجمدت حين رأت الدماء تسيل من يده. وهتفت بلهفة:
"ـإيدك... إنت إيدك اتعورت."
اقتربت منه بسرعة وهي تزيح الورقة من يدها وأمسكت يده بحذر. فحاول سحبها قائلاً بجمود:
"ـ متلمسينيش. ابعدي عني."
لكنها لم تتركه. أخرجت شنطة الإسعافات الأولية من أحد الأدراج وبدأت في تنظيف الجرح وتعقيمه رغم مقاومته. فتألم في صمت.
وهي تنهي ضمادة الجرح ثم مدت إليه الورقة ببرود:
"دي استقالتي حضرتك."
نظر إليها رائف بغضب وسحبها نحوها فجأة وقال ببرود ناري:
"ـ في شرط جزائي في عقدك الجديد. مليون جنيه لو سيبتي الشغل قبل ٤ سنين."
نظرت له ساره مصدومة وهتفت:
"إزاي.... الشرط دا مكنش فيه لما جددت العقد. مكنش فيه الشرط دا نهائي. ازاي بجا موجود؟"
قال بابتسامة خفيفة:
"انا كتبته بعد ما مضيتي. اتفضلي على شغلك."
ابتعدت عنه وهي تدمع ثم انفجرت وهي تصرخ:
"ـ انت عايز مني إي؟! سيبني فـ حالي بجا. ليه بتعاملني بالطريجه دي حرام عليك! انا عملت ايه؟ انت عايز مني إي اصلا؟"
وفجأة... دخلت أميرة ونظرت بينهما بذهول وهتفت:
"ـ إي ال حوصل ومالها إيدك يا رايف في اي عاد."
ثم التفتت نحو سارة بحدة وهتفت:
"ـ انتي لكيد السبب صوح. انتي ال وصلتيه لـ اكده."
لكن سارة لم ترد. فقط أخذت الورقة من على المكتب وركضت خارجة من الغرفة ودموعها تنهمر في صمت.
وفي المساء... في حديقة القصر. كان الليل قد أسدل ستاره على قصر العائلة وهدأت الأنفاس في الأرجاء. إلا من روح التي وقفت تحت شجرة في الحديقة تنظر حولها بحذر وهي تمسك هاتفها وتهمس بعصبية:
"أيوه يا عمتي. أنا هجيلك والله الهظيم وهفهمك كل حاجة بنفسي. بس خدي بالك من جوزك الراجل ده هيضيعنا. وانا دلوجتي اتاكدت ان كاسر هو ال عمل اكده في فرات. بس والله ما هسيبه وهعرف آخد حقي منه. هنتقم منه بأي طريجه."
وفجأة... جاءها صوت من خلفها كالسهم المباغت مرددًا:
"عايزة تنتقمي من مين يا روح؟"
تجمدت في مكانها وسقط الهاتف من يدها. ثم التفتت برعب لتجد كاسر واقفًا خلفها بوجهه الصارم وعيناه تلمعان بغموض في عتمة الليل.
فتلعثمت وهي تحاول التقاط أنفاسها:
"لا لا... دي ممرضة كانت معايا في المستشفى. دايما تضايجني وتجول عني كلام غلط. حضرتك فهمتني غلط."
اقترب منها خطوة وقال بنبرة أقل حدة لكنها لا تخلو من الاتهام:
"أنتي بتكرهيني ليه؟"
حدقت فيه بذهول وردت بسرعة:
"العفو يا بيه. أنا؟! مستحيل. حضرتك عملت معايا خير وربنا يعلم قد إي أنا ممتنة ليك. مين أنا علشان اتجرأ اكرهك؟"
ابتسم ببرود وفجأة أخرج مسدسًا صغيرًا من جيبه ووجهه إلى رأسها دون سابق إنذار. فتوسعت عيناها من الصدمة وتراجعت خطوة وهي تهمس بذعر:
"في اي يا بيه. اي ال حضرتك بتعمله دا. نزل البتاع دا بالله عليك."
لكنه لم يضغط الزناد. فقط اقترب أكثر وأزاح السلاح بعيدًا وقال بصوت بارد:
"ـ أنا مش مرتاحلك. وهفضل دايما أراقبك خطوة بخطوة."
ثم أشار بيده وقال بجفاء:
"يلا. دا وقت علاج رحمه. اطلعيلها."
ركضت روح بسرعة نحو القصر تكاد أن تتعثر في خطواتها من فرط الارتباك. وما إن دخلت من الباب حتى وضعت يدها على قلبها تحاول تهدئة ضرباته وهمست:
"في إي. إي ال بيحصلي دا؟ أنا لازم أسيطر على نفسي أكتر من اكده. أكده هموت قبل ما أنتقم منه."
ثم فجأة وضعت يدها على جبينه وغمغمت وهي تتلفت حولها:
"ـ ياه نسيت العلاج."
وفي الصباح استفاقت روح على ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر. كانت أنفاسها متقطعة ونبضات قلبها تتسارع دون سبب واضح. فرمشت عدة مرات وهي تحاول أن تستوعب أين هي. وما إن أنزلت عينيها حتى اتسعتا برعب مكتوم. كانت بلا ملابس.
فشهقت بصوت مكتوم وسحبت الغطاء سريعًا إلى جسدها. ونظراتها تتخبط في أرجاء الغرفة كأنها تبحث عن إجابة واحدة فقط: ما الذي حدث؟ وإلى جواره كان أدهم مستلقيًا بهدوء عاري الصدر. ملامحه ساكنة ونفسه منتظم.
فهمست وهي ترتعش:
"انا... أنا إزاي وصلت لـ اكده؟ حوصل إي وإمتى؟"
تحركت روح بسرعة مرتبكة تحاول أن تجمع ملابسها من على الأرض وتبكي في صمت. تصارع ارتباكها وخوفها وصدمة لم تعرف لها اسمًا. وارتدت ملابسها على عجل ودموعها تبلل وجنتيها وكأنها تغتسل من ذنب لا تعلم إن كانت اقترفته أم لا.
وما إن وصلت إلى الباب، وهمّت بفتحه والخروج حتى توقفت فجأة. كان كاسر واقفًا. جسده مشدود، ووجهه جامد، ونظراته تحمل ألف سؤال. وغضب يغلي في صمت قاتل. تراجعت خطوة للخلف وشفتيها ترتجفان.
وفجأة... استفاقت رحمة من نومها مفزوعة ونهضت من سريرها وهي تلهث كأنها كانت تغرق. وضعت يدها على قلبها وصرخت بصوت مرتجف:
"أنا ليه بحلم حلم زي دا؟ ليه بحلم إن روح... وإن أدهم جوزي بيخونوني مع بعض؟ ليه اكده مع ان محدش منهم ليه صلة ببعض. لع دي كابوس. تخيلات مني علشان انا تعبانه بس. روح الممرضة بتاعتي وادهم مستحيل اصلا يبصلها يعني."
وفجأة دلف أدهم إلى الغرفة في تلك اللحظة وهو يغلق أزرار قميصه. فرفعت رأسها نحوه والارتباك يملأ ملامحها وسألته:
"رايح فين يا ادهم الصبح اكده؟"
أجابها ببرود وهو لا ينظر إليها:
"ملكيش صالح. انتي مين اصلا علشان أقولك رتيح فين وجاي منين."
نهضت رحمه من الفراش بحدة وقالت:
"لأ ليا. أنت جوزي. جولي انت كنت مع مين ولا رايح لمين."
توقف لحظة ثم التفت إليها بنظرة غاضبة وهتف:
"تاني؟ مش هنخلص من تخيلاتك دي بجا."
اقتربت منه وهي تصرخ:
"طيب ليه؟! ليه بتعمل معايا اكده؟"
أدار وجهه عنها وقال بجفاء:
"علشان بكرهك. وانتي عارفة ده كويس."
صعقت من كلماته وتجمدت مكانها قبل أن تهمس:
"وبتحبها هي... صح؟"
التفت لها بحدة ونظراته مصدومة. لكن صمته كان أبلغ من أي اعتراف.
فقالت بصوت مهتز:
"علشان اكده. دايما حاساها واقفة بينا. حتى وهي مش اهنيه. مش عارفة تخرج من دماغك."
اقترب منها بخطوات غاضبة وأمسك يدها بعصبية:
"اوعي تجيبي سيرتها تاني. وايوه بحبها وهفضل أحبها طول عمري. وانتي ال بعدتيها عني."
بدأت دموع رحمة تسيل وهي تهمس بانكسار:
"أنا؟! أنا عملت إيه؟"
صرخ فيها بجنون مرددًا:
"هي ماتت بسببك. انتي ال جتلتي فرات."
عمّ الصمت في الغرفة لثوانٍ ثقيلة. لكنهما تجمدا فجأة حين سمعا صوت خطوات خلفهما. فالتفتا ببطء. ووجهيهما يكسوه الذهول. كانت روح واقفة أمام الباب. وإلى جوارها كاسر. عيناهما تتحدثان بما لم تنطق به الشفاه.
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي
كان كاسر واقفاً عند باب الغرفة يتأمل الوجوه المتجمدة أمامه، وقد بدت على ملامحه علامات الاستفهام أكثر من الغضب. لم يسمع شيئاً مما قيل، لكن الصمت وحده كان كفيلاً بإشعال الشك في قلبه.
تقدمت رحمة بخطوات بطيئة وهي تحاول استعادة تماسكها، ثم قالت بنبرة مرتجفة:
ادخل يا كاسر... تعالي اتفضل... تعالي يا روح.
نظر إليها كاسر مطولاً، ثم التفت نحو روح وقال بنبرة هادئة لكنها آمرة:
هاتي العلاج يا روح.
يُلا، تحركت روح نحو الحقيبة وقدمت له العلبة، لكن حين مدت يدها إليه، وقعت عيناه على آثار داكنة على معصمها. فقبض على يدها بسرعة وحدق فيها بحدة:
دا من إيه؟ إيه اللي عمل في إيدك أكده؟
ارتبكت رحمة وسحبت يدها بخفة، ثم تمتمت:
لا دا... أنا وقعت بس مفيش حاجة خالص.. متخافش أكده.
رمقها كاسر بنظرة طويلة، ثم أشاح بوجهه، بينما كانت رحمة تخفي ارتباكها خلف صمت مشحون. فشردت روح وهي تفكر لنفسها داخلياً:
إزاي كل حاجة حواليا بقت مربوطة ببعض... كريم خطفني في مكان تبع رائف... وفرات اسمها بيتكرر كتير قوي وأنا حاسّة إن فيه حاجة غريبة.. أنا متأكدة إني سمعت اسم فرات آدم بيجيله لرحمة.. العيلة دي مش طبيعية وأنا لازم أفهم علشان أنا زهجت وتعبت.
وفجأة قاطع شرودها صوت كاسر الجاف:
مالك؟ فوقي... سرحانة في إيه عاد؟
رفّت روح بعينيها نحوه، فأشارت رحمة من على السرير وهي تقول:
خد روح معاك تجيبلي العلاج التاني يا كاسر علشان مش موجود نهائي أهنه.
روح بلهفة:
لأ معلش أنا هروح أجيبه مفيش داعي.
لكن كاسر قاطعها بلهجة قاطعة:
لأ يلا تعالي معايا... حضري نفسك لحد ما أجهز العربية.
ألقى كاسر كلماته وذهب، وبعد مرت دقائق كانت روح تجلس جواره في السيارة تحتضن حقيبتها وكأنها درع يحميها من كل الأسئلة. حتى التفتت نحوه فجأة وقالت بتردد:
هو حضرتك... مين فرات؟
جمد كاسر للحظة، ثم رد بنبرة منخفضة:
بتسألي ليه؟
روح بتوتر:
بسمع اسمها كتير... الناس بتتكلم عنها.
زفر ببطء، ثم أجاب وهو يثبت عينيه على الطريق:
كانت بتشتغل عندنا... ومشيت من زمان زي ما أي واحدة بتشتغل.
وفجأة رن هاتفه فقطع اللحظة وأجاب باقتضاب، ثم أغلق الخط وقال:
معلش... لازم أعدي على الشركة دلوجتي ضروري.
قالت روح بهدوء:
طب خلاص نزلني أهنه وأنا أجيب العلاج والحاجة وأرجع.
هز كاسر رأسه وقال بصرامة:
لأ. هتيجي معايا الشركة وأول ما أخلص نبقى نروح نجيب العلاج.
وبعد فترة دخلا الاثنين الشركة، وبدت روح مأخوذة بتفاصيل المكان، عيناها تتحركان في كل اتجاه كأنها تحاول حفظ كل شيء. فدخل كاسر المكتب، وما إن فتح الباب حتى تجمد في مكانه. كان رائف مستلقياً على الأريكة ويده ملفوفة بضمادة غارقة في الدم. فصرخ كاسر وهو يندفع نحوه:
رائف إيه دا... إنت اللي عملت أكده في نفسك.... اتجرحت على مين؟ وكسرت الدنيا بالطريقة دي.
فتح رائف عينيه بتعب وقال:
مفيش... إنت اتأخرت ليه عاد مش قولتلك تعالي بدري.
اقتربت روح بحذر وقالت:
ممكن أعالج الجرح... هو بينزف جامد ولازم نوقف النزيف.
مدت روح يدها لحقيبتها، وعندما انتهت، فتح الباب ودخلت سارة بتوتر، وحين وقعت عيناها على روح اتسعت حدقتاها وهتفت:
روح.... ياااه... مش معقول... إنتِ أهنه إيه الصدفة دي.. عاملة إيه واحشاني جوي وفرات عاملة إيه؟
تجمدت روح في مكانها واتسعت عيناها بذهول، بينما التفت كاسر ورائف نحوها في اللحظة نفسها. الاسم الذي نطقته سارة ارتطم بجدار الصمت كالصاعقة. فنظرت روح وتمتمت بارتباك:
قصدك فاطمة.. آه. الحمد لله... هي... تمام.
لم تلاحظ سارة التوتر وتابعت بحماس:
تعالي بقى لما أعزمك على قهوة ونتكلم شوية انتي واحشاني جوي.
ثم التفتت لكاسر وقالت بابتسامة:
ممكن أستأذن؟
أومأ كاسر برأسه، وسحبت سارة روح معها. وما إن أغلق الباب خلفهما حتى قال كاسر وهو ينظر نحو رائف:
فيه حاجة غلط... بس ما علينا دلوقتي... قولي عملت أكده في نفسك ليه؟
نهض رائف ببطء وهو يرد بضيق:
هي هتتخطب... سارة!
كتم كاسر ضحكة ساخرة، ثم قال ببرود:
مدام بتحبها قولها بدل المصاريف دي كلها بسبب الحاجات اللي بتكسرها.. بلاش تعاند نفسك أكتر من كده.
تذمّر رائف وردد بضيق:
خلينا في الشغل أحسن.. شغلنا أهم دلوقتي.
أنهى رائف كلماته بضيق، وكانت الأيام تمر بسرعة تتسرب من بين أصابع الوقت كما يتسرب الماء من كفٍ مثقوب. لا شيء يذكر يحدث على السطح، لكن تحت الملامح الهادئة، كانت أمور كثيرة تتغير.
كانت روح تحاول المقاومة... تحاول أن تتذكر السبب الذي جاءت من أجله، تحاول أن تبقي في ذهنها صورة فرات وصوتها ودمعتها الأخيرة. لكن المشكلة أن كاسر لم يكن ذلك الشخص الذي ظنته. أيام وأيام، وكل يوم كان يجعلها تقترب منه أكثر. تراه يبتسم لطفل صغير من أبناء الخدم، يسمع وجع الجدة دون أن يتكلم، يقرأ في عينيها ألمها قبل أن تبوح، ويترك القهوة تبرد فقط لأنه شارد في حزن لم تفهمه بعد.
حاولت كثيراً أن تنتقم... حاولت أن تزرع الشك، أن تزرع له كميناً بسيطاً تفضحه فيه، لكنها كانت تتراجع في آخر لحظة. كانت عيناها تفضحها وقلبها يخونها كل مرة، وكان هو يقترب... دون أن يطلب شيئاً. دون أن يعترف، لكن صمته كان أكثر ضجيجاً من الكلام.
وفي صباح يوم دافئ كانت الشمس تتسلل إلى أرجاء القصر على استحياء. وكاسر يقف داخل غرفته عاري الصدر يلملم أزرار قميصه الأسود استعداداً للخروج. حين دق الباب بخفة وظهر وجه روح من خلفه، ودخلت بخطوات مترددة وهي تحمل صينية صغيرة عليها فنجان قهوة، ثم رددت بخجل:
القهوة... الشغالين مشغولين تحت فـ قولت أجيبها لحضرتك.
نظر إليها للحظات، ثم قال بصوت منخفض:
تعالي... دخليها.
تقدمت روح بخطوات بطيئة ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة قرب النافذة، لكنه لم يبتعد. كانت خطواته تقترب ودفء أنفاسه بدأ يخترق الجدار الذي حاولت تبنيه طوال الأيام الماضية. فـ قال وهو يراقب ملامحها دون أن يبتسم:
إنتِ بقيتِ بتخافي مني ولا إيه عاد؟ في إيه يا روح مالك؟
هزت روح رأسها سريعاً وهي تتفادى النظر إليه وهتفت:
لأ طبعاً يا بيه بتقول أكده ليه بس ياريت كل الناس تبقى زي حضرتك.
كاسر بضيق:
طيب ليه حاسس دايماً مش مرتاحة... صح؟
أرادت أن تكذب... أن تنكر، لكنها صمتت، وكان صمتها كافياً ليعرف كل شيء. ومرت لحظة صمت طويلة، ثم قالت فجأة كمن اتخذ قراراً مؤلماً:
أنا لازم أسيب الشغل.
تجمد مكانه وكأن كلماتها صفعة غير متوقعة:
إيه.... ليه... إيه اللي حصل.. فيه حد أهنه زعلك أو عملك حاجة تضايقك؟
نظرت إليه روح بعينين مبللتين وتمتمت:
أنا مش هقدر أكمل أكده... اللي بيحصل غلط... غلط قوي كمان.. لازم أمشي.
ارتفع صوت كاسر ليس غضباً بل ذهولاً وصاح:
غلط... إزاي يعني أنتي شايفة إنك غلطانة في إيه؟
نظرت إليه ثم إلى الأرض كأنها تخجل حتى من أفكارها:
أنا... أنا بحاول أفتكر ليه جيت أهنه... وبنسى كل حاجة لما بشوفك... أنا واحدة خاينة... مش كويسة.
اقترب منها خطوة، ومد يده ليوقفها حين تحركت مغادرة مرددة:
استني... مينفعش تمشي أكده. جوليلي في إيه.. أنا مش فاهم حاجة والله.
هزت روح رأسها بقوة ودموعها تنهمر:
مينفعش... أنا مش قادرة أكمل أكده... مش عارفة أعيش.. أبوس يدك سيبني أمشي.
أمسك كاسر يدها وسحبها نحوه وقال بصوت مختنق:
خونتي مين؟ إنتِ عمرك ما تكوني خاينة متقسيش على نفسك أكده.. لو فيه حاجة فهميني ونحلها مع بعض.
صرخت روح بانكسار وهي تبكي أكثر وهتفت:
إنت مش فاهم أي حاجة. مش فاهم حاجة خالص.. أنا بقيت بضعف قدامك. وأنا مينفعش أضعف أكده... مينفعش.
تركت رزح يده فجأة وركضت خارجة من الغرفة تاركة خلفها قلباً مأخوذاً وصمتاً يحاول أن يفهم ما جرى. أما كاسر، فظل واقفاً في مكانه يحدق في باب الغرفة المغلق بصدمة لا يفهم أي شيء مما يحدث.
وبعد فترة كان الصمت يسود أرجاء الغرفة إلا من صوت السوستة وهي تنزلق على حافة حقيبة السفر، بينما أدهم يحشو ملابسه بعنف كأنما يريد أن يخرج من جلده لا من البيت فقط. وكانت رحمة واقفة خلفه عيناها محمرتان ويدها ترتجف وهي تتوسله بعينين دامعتين مردفة:
بالله عليك استنى... إنت بتعمل إيه؟ رايح فين... متسبنيش أكده يا أدهم.. أبوس يدك أنا بحبك جوي والله.
لكن أدهم لم يلتفت، بل ازداد صمته حدة حتى نطق أخيراً بصوت جهوري:
خلاص... مش قادر أعيش معاكي أكتر من أكده.. ومش هاممني لو هخسر كل فلوسي المهم أبعد عنك.. أنا لو فضلت أهنه أكتر أكده هموت.
ارتجفت شفتاها وخرج صوتها متهدجاً:
علشان فرات صح... كل ده علشان فرات؟ بتبعد عني علشانها.
توقف لحظة، ثم التفت نحوها كمن انفجر داخله بركان قديم وصاح بألم:
أيوه علشان فرات..... فرات اللي بعتي ناس يعتدوا عليها اللي خوفتيها وجولتلها لو نطقتي باسمي هقتل كل اللي بتحبيهم. ماتت وأنا حتى معرفتش مكانها... ولا أهلها راحوا فين. فرات اللي إنتِ خليتي كاسر ورائف يصدقوا إن أميرة أختك هي اللي عملت فيها أكده علشان كانت بتغير منها... كرهوا أختك يا رحمة بسببك. بطلوا يشوفوها زي العار وهما ميعرفوش إنك إنتِ السبب الحقيقي... وأميرة نفسها مش فاهمة ليه الكل بيبعد عنها... ليه بيتعاملوا معاها كأنها جانية مش ضحية.
انحنت رحمة إليه باكية ومدت يدها تمسك بذراعه:
أنا آسفة... أنا بحبك يا أدهم... عملت أكده علشان بحبك... خفت أخسرك.
لكنه أبعد يدها عنه بعصبية وقال بقسوة:
انتهينا... أنا مش قادر أعيش معاكي تاني! الحب اللي بيوصلنا للعار ميبقاش حب... اسمه خراب.
وقبل أن يرفع حقيبته ويغادر الغرفة، انفتح الباب فجأة. كانت أميرة تقف هناك جسدها متخشب ووجهها شاحب والدموع تنهمر من عينيها دون أن ترمش:
يعني... إنتِ اللي عملتي أكده.... إنتِ السبب إن كاسر ورائف بيكرهوني.... ليه دا أنا أختك... أختك الصغيرة يا رحمة دا أنا بموت فيكي أنا دايماً مستعدة أضحي بحياتي كلها علشانك إنتِ وكاسر ورائف.
وفجأة صوتها تحول لصرخة مكتومة وهي تقول:
أنا لازم أكلم كاسر.. لازم أقوله الحقيقة كلها.
أسرعت رحمة إليها تمسكها بقوة مرددة:
مش هتروحي.... بالله عليكي يا أميرة استني أبوس يدك.
أميرة بصراخ:
ابعدي عني... لازم يعرفوا إني بريئة.... لازم أفهمهم... لازم أعرفهم إني مش الوحش اللي هما فاكرينه واني معملتش حاجة.. ومستحيل أعمل حاجة زي دي.
بدأت أميرة تتحرك باتجاه الباب، وقبل أن تلمسه... رفعت رحمة شيئاً ثقيلاً كان بجوارها... وهوت به على رأس أختها. وصرخة قصيرة خرجت من أميرة، ثم سقط جسدها على الأرض بلا حراك. فشهق أدهم وهو يندفع ناحيتها:
أميرة... أميرة فووقي بالله عليكي.. أميرة.
ركع أدهم بجوارها يتلمس نبضها، ثم رفع رأسه نحو رحمة ووجهه مذهول مرعب:
جتلتيها... جتلتي أختك بإيدك.
وفي تلك اللحظة... انفتح الباب مرة أخرى ودخلت روح وهي تمسك بالأدوية بين يديها، وما إن رأت المشهد حتى سقط الدواء من يدها... وجمدت مكانها تغمرها الصدمة وعيناها على جسد أميرة المسجى وصرخت وهي تتراجع للخلف.
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي
سعت عينا رحمة برعب حين رأت روح عند الباب وجسد أختها الصغير ممددا على الأرض كدمية مكسورة.
لكن غريزة البقاء كانت أقوى من الندم، فأطلقت شهقة مرتجفة وسرعان ما ركعت إلى جوار أميرة ووضعت يدها على جبينها وهي تصرخ بانفعال مصطنع:
"ياااه! أميرة... يا أميرة حد ينجدنا.. روووح اتصلي بالاسعاف بسرعه يا بنتي اختي وقعت... دماغها خبطت في الأرض."
تقدمت روح ببطء ومازالت في حالة صدمة لا تستوعب ما تراه، فهتفت من بين أنفاسها المتقطعة:
"هي... هي وقعت إزاي عاد؟"
قاطعها صوت رحمة أكثر ارتباكا من قبل وكأنها تحاول أن تهرب من نظرة أدهم المتجمدة:
"وقعت بجولك وقعت كانت خارجة ومش واخدة بالها وقعت على دماغها، كلموا الاسعاف!"
أخرجت روح هاتفها بسرعة واتصلت.
فيما اقترب أدهم من الجسد الملقى ينظر إليه بعينين يغمرهما الذهول والخذلان، ثم رفع عينيه نحو رحمة فتراجعت هي خطوة إلى الوراء وهي تهمس:
"انا معرفش... معرفش إي ال حوصل.. صدجني يا أدهم.. مكنش جصدي والله العظيم اعمل فيها اكده."
لكن أدهم لم يرد، بل التفت نحو روح وقال بحزم وهو ينهض من جوار أميرة:
"روحي معاهم في الاسعاف يا روح خليكي جمبها وانا هكلم كاسر ورائف دلوجتي حالا."
أومأت روح برأسها وركضت خلف رجال الإسعاف الذين بدأوا في حمل أميرة، وعيناها لا تزالا معلقتين على الجسد الهش الذي لم يتحرك منذ سقوطه.
ورحلت روح مع سيارة الإسعاف.
وبقي أدهم واقفا في منتصف البيت، كتفاه يهتزان من الغضب، حتي نظر إلى رحمة التي كانت تقف مذهولة قرب الباب تحاول تثبيت ابتسامة مترددة على وجهها كأنها لم تشارك في أي شيء.
لكن أدهم صرخ فجأة صرخة عالية زلزلت جدران القصر مرددا:
"كلكم تطلعوا برا دلوجتي حالا.... كل الخدم يمشوا من اهنيه يلا."
خرج الجميع في صمت مشوب بالقلق، بينما كان أدهم يحدق في رحمة بعينين كأنهما تسألان: "من أنتي؟"
لكنه لم ينطق.
الصمت بينهما كان أفظع من أي كلام.
وبعد فتره بسيطه كانت رحمة واقفة أمام أدهم... جسدها متخشب و ملامحها تجمدت كأنها لم تسمع جيدا ما قاله.
عيناها تتسعان وشفتيها تتحركان بالكاد مردده:
"يعني... يعني إي فرات عايشة دي؟"
لم يرد أدهم مباشرة، فقط أومأ برأسه وصوت حنجرته يخرج منه كأنه يجرّ الألم معه وهتف:
"ايوه... فرات عايشة."
ثم سقط في لحظة شرودٍ عميق وتجمد الزمن من حوله واندفع داخله الفلاش باك...
كان المكان معتما يملؤه صدى أنفاس مختنقة، وأدهم يفتح الباب الحديدي بعنف يدخل بخطوات متسارعة وعيناه تجولان المكان بجنون حتى وقعتا على الجسد المرتعش في الركن وركض إليها.
ثم ركع أرضا واحتضنها بقوة كأنه يحاول أن يلملم ما تبقى منها مرددا:
"أنا اهنيه... أنا جيت خلاص مش هسمح لحد يقربلك تانيك."
كانت تبكي بصمت وجسدها يرتجف تحت ذراعيه، فرفع وجهها ونظر في عينيها:
"رحمة كانت ورا ال حوصل... بس أوعي تخافي مش هسيبك. حسما بالله لـ هنتجم منها..انا هحليها تندم علي كل ال عملته..اسمعي كلامي كويس..احنا هنجول إنك موتي... ومحدش هيعرف إنك عايشة. أنا عندي خطة لكل حاجة علشان اجدر احميكي لحد ما اكشفها علي حقيقتها."
أغمضت فرات عينيها، وأومأت برأسها ببطء ودموعها تغرق وجهها.
فلااش بااك.
فاق ادهم من شروده يواجه رحمة بعينين اشتعلتا بالغضب والحزن:
"وكمان... ال متعرفيهوش إن روح... بنت عم فرات، وجات علشان تنتجم من كاسر... مع إنه عمره ما لمس فرات ولا عمل فيها حاجه وفرات دايما كانت مفهماها انها معجبه بيه علشان ميبجاش اي صله بينا ولا تشكك حد مع ان فرات بتحبني انا. وكانت هتسيب الشغل علشان متاخدش واحد متجوز. هي كانت هتبعد علشان نتجرحكيش بس انتي شيطانه.. انتي شيطانه يا رحمه."
تراجعت رحمة للخلف خطوة، لكن قبل أن تنطق بشيء انفتح الباب ودخلت فرات.
كانت هزيلة شاحبة الوجه وآثار الوجع محفورة تحت عينيها… ومع ذلك كانت واقفة قوية كأنها عادت لتأخذ حقها.
فـ وقفت رحمة مكانها مذهولة، ثم بدأت تتحرك ببطء نحو فرات... نظرتها غريبة مزيج من الدهشة وجنون وتمتمت وهي تمد يدها:
"إنتي... إنتي السبب... لو مكنتيش عايشة كان كل دا خلص... كان أدهم لسه ليا."
اقتربت أكثر ويدها ترتجف وهي تهم بالهجوم، لكن أدهم وقف فجأة بينهما وفتح ذراعيه ليحمي فرات.
فصرخت رحمة:
"ابعد... ابعد عنها... انت جوزي انا لوحدي... حبيبي لوي."
لكنه لم يتحرك فقط قال بهدوء:
"مش هخليكي تلمسيها تاني."
وفجأة انفتح الباب بعنف ودخل كاسر ورائف والشرر يتطاير من أعينهم.
فتابع قال أدهم ببرود مرير:
"اه نسيت أجولك... أنا جولت لكاسر ورائف كل حاجه وكل دا كان مترتب من زمان وكمان كل كلامك متشجل."
تجمدت رحمة في مكانها، ثم حاولت ان تبتسم ابتسامة مهزوزة وتتحرك ناحيتهم مردده:
"دا كدب... كله كدب... إنتو عارفيني... أنا بحبكم... أنا مستحيل اعمل اكده والله العظيم.. مستحيل انتوا مش هتصدجوه صوح."
لكن كاسر اقترب منها بخطوات غاضبة ورفع يده فجأة وصفعها صفعة قوية صاحت لها الجدران مردفه:
"إزاي.... ازاي جدرتي تعملي اكده!؟ أنتي أختي يا رحمة... أختي ولبستي أميرة تهمة ملهاش فيها... وضيعتي فرات... هو انتي ازاي جدرتي تعملي اكده.. وازاي جدرتي تتهمي احتك في حاجه زي دي.. دي اختك الصغيره."
كانت رحمة تبكي وتحاول الاقتراب منه، لكن رائف هتف بصوت جهوري:
"دي خاينة... لازم نجتلها دي مينفعش تستاهل تعيش حتي."
وقبل أن يتحرك أحد انفتحت الأبواب الخلفية ودخل رجال مسلحون ورفعوا أسلحتهم في وجوه كاسر ورائف.
فـ صرخت رحمة بانتصار وهي تشير إليهم:
"انا مش هسمح لحد ياخد أدهم مني.... انتو فاهمين؟ محدش هيبعدني عنه."
تحرك كاسر بسرعة ليسحب سلاحه، لكن الرصاص سبق يده...وطلقات سريعة أطلقت من أحد الرجال فسقط كاسر على الأرض يتلوى من الألم.
ثم لحقت به رصاصة أخرى في رائف فسقط هو الآخر وهو يصرخ:
"خاينة... حتي اخواتك..والله لـ هجتلك."
في تلك اللحظة أمسكت رحمه بالسلاح ووجهته ناحية فرات ودموع الجنون تغرق ملامحها:
"انتي السبب... انتي."
لكن قبل أن تطلق قفز أدهم فجأة وقف أمام فرات.
وفجاه غرست الرصاصه في جسد أدهم الذي سقط أمام فرات والدماء تنزف من صدره.
فـ صرخت رحمة صرخة مدوية وألقت السلاح وركضت نحوه ترفع رأسه وتبكي مردده:
"أدهم... بالله عليك متسبنيش... متسبنيش... كل ده علشانك... أنا عملت كل ده علشانك."
فتح أدهم عينيه بضعف وهمس:
"انا بكرهك يا رحمه."
ثم أغمض عينيه...
وبعد فتره بسيطه كانت الشمس تنسحب ببطء خلف التلال والهدوء الثقيل يخيم على أرجاء البيت الكبير كأنه يختزن نذير شؤم...
حتي توقفت السيارة أمام البوابة و نزلت روح بسرعة تتبعها سارة وقلبها يضرب صدرها بعنف غريب وخطواتهم كانت متسارعة وقلوبهم تسبقهم لهناك... إلى الداخل.
لكن ما إن عبروا عتبة الباب حتى شلت أجسادهم مكانها...وصرخة مكتومة خرجت من فم روح بينما عيناها اتسعتا برعب وهي تهمس:
"كــاسر."
كان كاسر ممددا على الأرض و وجهه شاحب ودماء تسيل من جانبه وإلى جواره رائف وأدهم... ثلاثتهم غارقون في الدم والمشهد أقرب إلى المجزرة.
فـ ركضت روح نحو كاسر و ركعت جواره وقلبها يوشك على الانفجار وهتفت وهي تهزه بقوة:
"كاسر اصحي بالله عليك... جاوبني... كاااسر."
لكنه لم يجب لا حركة... لا نفس.
أما سارة فقد كانت تبكي وهي تزحف نحو رائف تمسك بيده وتهمس كالمجنونة:
"— رائف... رد عليا ... بالله عليك رد."
وفجأة... ومن بين الظلال عند الدرج العلوي ظهر شبح جسد نحيل ووجه شاحب وثوب ممزق وخطوات بطيئة...
فتجمدت روح وصوت أنفاسها توقف وتعلقت عيناها بتلك الفتاة التي تهبط السلم.
نفس الملامح... نفس العينين... لكنها مكسوة بالكدمات والدم على طرف جبهتها.
وفجاه قبل ان تتفوه روح سقطت هذه الفتاه من علي درجات السلم.
فنهضت روح وهي تصرخ بصدمه:
"مستحيل... فرااات."
وفي الصباح في المستشفي كانت روح تقف مكانها وملامحها شاحبة وعيناها متجمدتان في ذهول لا تصدق ما تري.
فاقترب الظابط منهم وردد:
"وصلنا بلاغ من واحد من الخدم… جال إنه سامع صوت ضرب وضرب نار… ولما دورنا لجينا تسجيلات الكاميرات… ال حوصل كله متسجل.... رحمة هي المسؤولة عن كل دا… وهي حالياً هربانه بس بنطاردها… وإحنا هنحط حراسة على المستشفى اهنيه علشان تحميكم."
أومأت سارة برأسها بينما انهارت روح على المقعد القريب ودموعها تنهمر بصمت.
ثم شهقت وقالت بانكسار:
"أنا ظلمته… أنا شكيت فيه وطلع برئ… كاسر مكانش يستاهل مني اكد… أنا... أنا ال غلطانة!"
مسحت ساره دموعها وهي تحاول تضم روح إليها وهتفت:
"هنبجى كويسين يا روح… هما هيعدوا من كل دا انا متاكده والله."
خرج الطبيب بعدها بلحظات قصيرة كان مرهق الملامح لكنه هادئ حين قال:
"الحمد لله… الإصابات مش خطيرة حتى إصابة أدهم عدت من مرحلة الخطر بس لسه حالتهم مش مستقرة..... أما فرات… فهي في غيبوبة وهنحتاج نتابع حالتها كل ساعة."
هزت روح رأسها بتأثر وقلبها يتمزق من الألم والخوف.
وفي صباح جديد كانت الشمس تنزلق على نوافذ المستشفى بخجل وضوءها ينساب على وجه كاسر الشاحب وهو مستلقي على سريره.
أما روح فكانت تجلس جواره تمسك يده بحنان مرتجف… وعيناها تفيض بالدموع مردده:
"كنت كل يوم أجول إني لازم أنسى… لازم أنتجم… بس أنتكنت برئ… وكنت بتحاول تفهمني بطريجه مش مباشره. أنا آسفة... آسفة يا كاسر… متسبنيش بالله عليك."
فجأة… تحركت أصابعه بخفة ثم فتحت عيناه ببطء وصوته خرج واهن لكنه دافئ:
"روح... انتي كويسه."
شهقت وهي تنحني نحوه بلهفة:
"كاسر! كاسر حمد لله على السلامة! أنا اهنيه … موجوده جمبك.. انا اسفه.. اسفه سامحني بالله عليك."
ابتسم كاسر بصعوبة وقال:
"متعتذريش… أنا ال لازم أعتذر… كل ال حوصل سببه أختي.. وانا كمان غلطان وظلمت اميره."
سأل بعدها وهو يختنق بالقلق:
"رائف؟ أدهم؟ أميرة هما كويسين؟"
ردت وهي تمسح دموعها:
"كلهم بخير الحمد لله… أدهم فاق ورائف هيخرج من العناية بعد يوم… أميرة حالتها مستقرة…بس فرات… فرات في غيبوبة."
أغمض عينيه بألم فاقتربت أكثر ووضعت رأسها على صدره، وهمست بصوت مهزوم:
"بس بالله عليك… أنت متسبنيش… كفاية خسارة... كفاية وجع… أنا محتجالك يا كاسر والله."
أغمض كاسر عينيه ويده تحركت لتحتضن يدها بهدوء…والدموع كانت تتساقط بصمت لكن القلب لأول مرة شعر بالأمان وسط كل الفوضى.
مر يومان… وما زالت المستشفى تحت حراسة مشددة.
الليل يزحف ببطء على النوافذ الزجاجية والهدوء يلف المكان كسحابة ثقيلة.
لكن خلف باب إحدى الغرف... كان الظلام يخبئ شرا لم ينتهِ بعد.
وفي غرفة فرات حيث الأجهزة ترصد نبضات الحياة الهشة... جسدها لا يتحرك وملامحها ساكنة وعيناها لا تزالان مغلقتين كأنها نائمة في سلام وهمي.
فـ انفتح الباب بهدوء غير طبيعي... دخلت امرأة ترتدي عباءة سوداء ونقابا يخفي كل ملامحها… خطواتها بطيئة لكنها ثابتة وكأنها تعرف طريقها جيدا.
واغلقت الباب خلفها بالمفتاح... وسحبت النقاب عن وجهها.
كانت رحمة.
عيناها مجنونتان… شعرها مبعثر… وشفتيها ترتجفان وهي تخرج من عباءتها مسدسا صغيرا وتمد يدها به نحو فرات الممددة وهمست بصوت كأنه زحف أفعى:
"فاكرة نفسك كسبتي.... انتي السبب في كل دا...خدتِي مني إخواتي… خدتي أدهم…خليتيني وحيدة...أنا كان ليا كل دا… وانتي جيتي سرجتيهم واحد ورا التاني بسخلاص لازم تدفعي التمن... لازم تموتي يا فرات... لازم تموتي دلوجتي حالا."
لكن قبل أن تضغط على الزناد… تردد صوت من خلفها هادئ جامد كأنه نطق من قبر:
"ـخلاص اكده... اللعبه انتهت."
تجمدت رحمة في مكانها… والصوت تكرر مرة أخرى أقرب... أثقل لا يحمل تهديدا... بل حكما.
وفجاه فتحت فرات عينيها.
ببطء شديد... وسط كل السكون والرعب... فتحت عينيها، ونظرتها الأولى كانت ثابتة قوية تتجه مباشرة نحو رحمة… كأنها كانت تسمع كل شي.
رواية دموع على ارض الصعيد الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي
تجمدت رحمة وارتعشت يدها ثم شهقت بصدمة حين وقع نظرها على كاسر مرددة:
"أخوي.... إنت.... إنت لسه عايش؟"
نظرت بعينين مجنونتين نحو فرات ثم صرخت:
"هي السبب... هي السبب يا أخوي فرات! السبب في كل حاجة! خدت مني إخواتي.. خدت أدهم! هي تستاهل تموت مش أنا!"
وما إن أنهت كلماتها حتى كانت فرات تنهض ببطء، تتكئ على حافة السرير، وجهها شاحب لكن عينيها تشتعلان بالغضب. ثم فجأة صرخت:
"أنا هاقتلك يا رحمة... هاقتلك!"
وخطت نحوها خطوة قوية ثم صفعتها صفعة عنيفة على وجهها جعلت رأس رحمة ينحرف بعنف. وفي لحظة خاطفة سحبت فرات المسدس من يدها وثبتته في وجهها.
فـ شهقت روح بقوة وهتفت بانكسار:
"لأ يا فرات بالله عليكي… سيبيها.. هي هتاخد عقابها.. متضيعيش نفسك.. انتي الحق كله معاكي والله.. بلاش تعملي أكده أبوس إيدك!"
لكن فرات كانت تهتف بغضب:
"لأ... لازم تموت.... أنا هاقتلك يا رحمة.... إنتي مسيبتيش غير الشر لكل اللي حواليكي.. اللي زيك لازم يموت ونخلص منه!"
صرخت رحمة بمرارة ودموعها تنهمر:
"إنتي اللي خونتيني.... خونتيني مع جوزي! إنتي اللي لازم تموتي مش أنا.. يا أخوي اجتلها... اجتلها هي خاينة!"
وفجأة ارتفع صوت أدهم بغضب عاصف وهو يتقدم نحوها مردفاً:
"محصلش.... أنا اللي حبيتها جوايا… وهي أول ما عرفت جالتلي إنها بتحبني بس عمرها ما قربت مني.... وجالتلي إنها هتسيب الشغل عشان متاخدنيش منك... انتي المريضة يا رحمة مش هي... هي حتى محاولتش تتكلم معايا نص كلمة والله!"
اقترب كاسر بسرعة ووجهه محتقن وهتف:
"نزلي السلاح يا فرات… سيبيها تتحاسب.... إحنا مش زيها... بلاش تضيعي نفسك أكتر من أكده!"
وانضم إليهم رائف قائلاً بحزم:
"الشرطة جاية يا فرات … وهي هتاخد عقابها سيبيها هي في جميع الحالات ميته يبقى بلاش انتي اللي تتحاسبي على موتها!"
لكن فرات هزت رأسها بعنف والدموع تملأ عينيها وصرخت:
"لأ..... دي سرقت عمري كله عشان أكده لازم آخد عمرها!"
وفي لحظة خاطفة ضغطت زناد المسدس لكن روح قفزت أمامها صارخة:
"لأ يا فرات!"
وانطلقت الرصاصة تخترق ذراعها فتراجعت خطوة وهي تتأوه من الألم… ووقع السلاح من يد فرات وهي ترتجف والذعر يجتاحها. وفي اللحظة ذاتها انفتح الباب بقوة، ودخل رجال الشرطة مسرعين.
فصرخت فرات وهي ترتعش وهتفت:
"لا… روح.. قومي بالله عليكي أنا آسفة... أنا آسفة والله العظيم!"
بينما كانت روح تمسك ذراعها المصابة وتتراجع قليلا كان كاسر وأدهم ورائف يندفعون نحوها وهتف كاسر بلهفة:
"انتي كويسة... روح… كلميني بالله عليكي جولي أي حاجة.. يا حكيم.. يا حكيم حد ييجي بسرعة!"
أومأت روح وهي بالكاد تتنفس ودماؤها تنساب من ذراعها قائلة بتعب:
"أنا كويسة… مكنش ينفع أسيبها تضيع نفسها… كانت هتضيع نفسها بإيديها يا كاسر…"
صرخت رحمة وهي تقتاد نحو الباب والعساكر يمسكون بها جيداً مرددة:
"انتو هتندموا كلكم... أدهم انت بتحبني.. انت ليا... فرات مش هتفضل عايشة!"
صرخ كاسر على الأطباء حتى يأتوا.... لكن روح ترنحت بين ذراعيه وابتسامتها المرتجفة ارتسمت على شفتيها قبل أن تفقد وعيها بين أحضانه.
وبعد مرور شهرين… كانت روح تجلس على الكنبة الصغيرة في شقتها المتواضعة التي انتقلت إليها مع عمتها تحاول أن تتأقلم مع الهدوء الذي أعقب كل العواصف وصوت التلفاز منخفض وفنجان الشاي بين يديها فقد حرارته وهي تحدق فيه بشرود.
حتى قاطعها صوت رنين جرس الباب فنهضت بتردد وفتحت… وتجمدت في مكانها. كان كاسر واقفا أمامها. نفس الوقفة نفس العينين، لكن نظراته اليوم كانت مختلفة… هادئة وصادقة وفيها شوق الدنيا.
حتى ابتسم بخفة وقال:
"مشوفتكيش بقى لي كتير."
لم ترد فقط حدقت فيه بدهشة. فتنحنح وقال:
"سبتك تهدي... وجلت آخد وجتي بس مجدرتش أسيبك أكتر من أكده."
ثم أضاف بنبرة جادة:
"أنا لازم أتكلم معاكي يا روح."
اتسعت عيناها قليلا وهمست:
"اتفضل.. جول كل اللي انت عايزه واتفضل ادخل."
لكن كاسر هز رأسه برقة:
"مش هدخل... أنا جاي أقولك كلمتين وبس ومينفعش أدخل قبل ما أقولهم أصلاً."
ابتلعت روح ريقها بصعوبة، وتابعت صمته حتى قال بصوت متزن:
"أنا بحبك يا روح.... ومش قادر أعيش من غيرك لحظة واحدة. عارف إني غلط لما سكت علشان كنت خايف على أختي لما افتكرت إن أميرة هي اللي عملت كده.. أنا ندمان والله ومعترف بغلطي."
بدأت روح دموعها تنزل بهدوء. فاقترب خطوة وتابع:
"أنا جاي أطلب منك تسامحيني... انتي وفرات."
في تلك اللحظة انفتح باب الغرفة الخلفية وخرجت فرات وجهها هادئ، ونظراتها مليئة بالنضج. وقالت بهدوء وهي تقترب:
"أنا مش زعلانة منك يا كاسر... بالعكس أنت طول عمرك كنت كويس معايا. واللي عملته مع رحمة مش سهل... إنك تسلمها بإيدك للشرطي حتى وهي أختك... دا كان القرار الصح. وهي دلوقتي خلاص هتتحاكم والإعدام مستنيها... لكن إحنا لازم نعيش ونكمل ونسامح وأنا مسامحة."
نظر كاسر إليها بتأثر ثم أعاد بصره إلى روح وهمس:
"أنا آسف... آسف من طلبي... ومفيش لحظة عدت عليا إلا وأنا بدعي إنك ترجعيلي. أنا بحبك يا روح... بحبك أكتر من أي حاجة والله."
كانت روح تبكي واقتربت ببطء ونظرت إلى عينيه ثم وضعت يدها على قلبه وهمست:
"وأنا كمان بحبك... ومش قادر أعيش من غيرك لحظة واحدة. بس كنت مستنياك تيجي... تيجي وتجولها زي دلوقتي."
ثم ارتمت بين أحضانه واحتواها بذراعيه كمن احتضن وطنه بعد غربة طويلة.
وبعد مرور ثلاث اشهر في شرم الشيخ كانت الشمس تغازل صفحة البحر بلونها الذهبي والنسيم يداعب خصلات الشعر المفرودة. بينما خطوات ثلاث عرائس بالفساتين البيضاء ترسم ضحكة على رمل الشاطئ الناعم.......
روح وفرات وسارة كانوا يركضن بفستان الفرح يضحكون بأعلى صوتهم والدانتيل يرفرف خلفهن كأن الفرح نفسه يجري معهم. وصوت المصور ارتفع من خلف الكاميرا بحماس:
"بس كده... كفاية اللقطة طلعت تحفة!"
وفجأة خرج من بعيد كاسر ورائف وأدهم، ووجوههم مرسوم عليها مزيج من الانزعاج والسخرية. حتى ارتفع صوت كاسر وقال:
"خلصنا بقى يا عم! الفرح هيخلص واحنا لسه بنتصور.. والله أنا غلطان إني وافقت أعمله هنا ما كنا عملناه في الصعيد!"
ضحك رائف وردد:
"من أول اليوم وهما بيتصوروا صور أكتر من اللي في جوازات السفر!"
هز أدهم رأسه بمرح وقال:
"بس كله يهون عشان العرايس.. خلاص بقى سيبوهم براحتهم."
واقترب كل واحد من عروسته... ومد أدهم يده لـ فرات وقال بلطف:
"عارفة... لولاكي مكنتش هعرف يعني إيه حياة هادية وجلبي مستريح. انتي البداية الجديدة، وعمري الجاي كله.. أنا بحبك قوي والله العظيم."
ابتسمت فرات وهي تهمس له:
"وانت أول راجل حسيت معاه بالأمان... ومش هسيبك أبداً طول العمر.. أنا كمان بحبك... بحبك قوي!"
أما رائف فوقف أمام سارة وعيونه تمتلئ دفء وقال:
"من ساعة ما شوفتك وأنا عارف إنك انتي اللي هتبقي مرتي مع إنك ضايجتيني كتير قوي وأنا الصراحة كمان مكنتش بسكت بس والله بالرغم من كل ده عمري ما حبيت غيرك."
ردت ساره بضحك:
"طيب ما تقول كده من بدري بدل ما دوختني وراك بالشهور!"
ضحكوا الاثنين ثم التفتت الأنظار إلى كاسر وروح الذي كان يقف أمام روح واخذ نفس عميق مردداً:
"كل حاجة عدت الحمد لله أنا بحبك يا روح، ومش ناوي أعيش ثانية من غيرك."
وضعت روح كفها برفق على صدره ثم همست بصوتٍ يحمل كل ما في قلبها من حنين:
"وأنا يا كاسر... عمري ما كنت هبقى بخير من غيرك أنت روحي وكل حاجة ليا والله العظيم."
في تلك اللحظة، ارتفع صوت المصور من جديد يقطع سكون المشاعر مردداً:
"يلا يا جماعة عشان نجمعكم كلكم مع بعض في صورة واحدة."
تجمعوا جميعا... وفساتين العرس البيضاء تضيء المشهد والبدل الرسمية تزيده بهاء والضحكات المتبادلة كانت أصدق من كل العهود... لحظة من العمر لقطة ستبقى ذكرى لا تنسى محفورة في الوجدان قبل الصورة.
وقبل أن تلتقط الكاميرا آخر صورة... مال كاسر نحو روح وهمس في أذنها بصوتٍ لا يسمعه سواها مردداً:
"أنا بحبك."
ثم... التقطت الكاميرا الصورة.