تحميل رواية «دلال و الشيخ» PDF
بقلم شيماء سعيد
الفصل 12 — رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء. وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال. يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه ا...
رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة الثانية عشر
........
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
كم من أناس على مدار التاريخ ظنوا في أنفسهم مقدرة على مجاراة الكون في سننه، أو مصارعته في ثوابته، فصنعوا بذلك أفخاخهم بأفعالهم، وكانت نهايتهم الحتمية هي الدليل الكافي على بلاهتهم وسوء صنيعهم.
......
تلونت زينب تلك الأفعى باللون الأسود مثل قلبها، لتبث سمومها إلى سفيان وأخبرته بصاعقة نزلت على قلبه فأهلكته. وهى أن أخته الصغيرة خانت أختها مع زوجها من أجل الحب.
إنها حقًا مصيبة جعلت مقلتي سفيان أن تخرج من عينيه وتيبس جسده وشعر بنار تخرج من رأسه وقال بعدم تصديق:
أنتِ بتخرفي تقولي إيه يا ولية أنتِ..!
لم يعجبها زينب ما تلفظ به فاستنكرت:
ولية يا ابن إبتهال. ماشي مهو لما العيب لما يطلع من أهل العيب ميتسماش عيب. عشان عارفة إبتهال هتجيب إيه يعني غير ناس أنجاس زيك وزي أختك.
فصاح سفيان بانفعال:
امسكي لسانك عن أمي يا ولية أنتِ وإلا والله أقطعهولك.
تشنجت زينب وحركت يديها في الهواء قائلة:
أنت بتقولي أنا الكلام ده!!
والله لأندمك يا سفيان.
وروح يا شملول لأختك وعرضك اللي فوق، وربنا يكفينا شر الفضايح.
فأسرع سفيان إلى أعلى يدعو الله أن تكون تلك العجوز الشمطاء كاذبة.
فصغيرته أسماء لا يمكن أن تفعل ذلك به وبأختها وتضع رأسهم في الطين.
ولكن كلما اقترب من شقتهم، شعر بالاختناق وكأن الهواء نفد من حوله، حتى وجد أنهار تقف منهارة تبكي على باب شقة أشجان الذي تركته أشجان مفتوح سهوًا منها، عندما استمعت لآخر كلمات شفيق:
_ أنا هصلح غلطتي وأتجوزك يا أسماء وهطلق أشجان بالثلاثة، مبقتش تلزمني.
أنا بحبك أنتِ يا أسماء.
رأى سفيان أخته أنهار على هذا النحو، فتوقف وشعر أن قدميه أصبحت كالهلام لا يستطيع الوقوف عليها من الصدمة.
ولكن صوت أنهار الباكي أخرجه من صدمته عندما قالت بقهر:
_ أسماء يا سفيان كسرت أشجان وكسرتنا كلنا ومش هنقدر نرفع راسنا في وش حد بعد كده.
فصاح سفيان بصوت زلزل أركان المنزل ووصل إلى مسامع أسماء فارتجفت من الذعر وقامت على أثره أشجان تتأوه ألمًا ولكن الألم النفسي أقوى وأشد، زلزل كيانها من الداخل وودت أن لو ماتت قبل أن ترى أختها بين أحضان زوجها.
_ معش على الدنيا اللي يكسرنا يا أنهار لسه.
_ إفردي طولك وارفعي رأسك عشان هغسل عاري بإيدي دلوقتِ وبعد ما أخلص عايزك تزغرطي.
ثم ولج للداخل كالثور الهائج وعينيه تطلق شرار من شأنه يحرق الذي أمامه.
وعندما رأته أسماء ارتجفت وتراجعت للوراء وقالت بذعر:
_ لا يا أخويا صدقني مش أنا اللي أعمل كده، ده هو اللي ضحك عليه، منه لله.
أما شفيق فتراجع بقدميه للخلف خوفًا من بطش سفيان، ثم أسرع بالركض للأسفل يحتمي بوالدته.
التي زينت وجهها بابتسامة النصر عندما رأته فقالت:
_ ها خلص عليها ابن ابتهال ولا لسه عشان أبلغ ويروح في ستين داهية.
ويتقهر سليمان وإبتهال عليهم وأشوف الكسرة والحزن في عينيهم، ياه كنت بتمنى اليوم ده من زمان.
ثم وضعت يدها على كتفه وقالت بامتنان:
_ تعيش يا ابني اللي نولتلي اليوم ده، أنا كده بردت ناري خلاص.
أطلقت عين سفيان نار محرقة وصاح بقسوة:
_ وأنتِ صدقتيه وخونتي نفسك قبل ما تخوني أختك.
ثم استطرد بانكسار:
_ ليه كده يا أسماء، ده أنتِ بنتي ومربيكي على إيدي!
بكت أسماء بقهر وحاولت الدفاع عن نفسها:
_ والله ما عملت حاجة، أنا مظلومة، هو اللي...
قاطع حديثها سفيان بانفعال:
_ مش عايز أسمع ولا كلمة.
ثم انقض عليها، وحاوط عنقها بيديه وصاح:
_ مفيش حاجة هتغفر اللي عملتيه ده غير موتك وموته برده على إيدي.
أطبق سفيان يده على عنق أسماء بقوة فتلون وجهها بالزرقة واتسعت عينيها وأخذت تلهث.
لم تتحمل أنهار رؤية أختها تموت أمام عينيها، فصرخت واقتربت منهم لتنقذها من يده وحاولت نزع يده التي تحيط بعنق أسماء وترجته:
_ سيبها يا سفيان، دي أسماء حبيبتك.
سيبها وربنا سبحانه وتعالى هو اللي هيحاسبها لكن أنت حرام تروح بذنبها.
فنهرها سفيان:
_ أقسم بالله لو مبعدتيش إيدك لأكون مخلص عليكِ وراها.
فبكت أنهار وهي ترى أختها تموت أمام أعينها ولا تستطيع فعل لها شيء.
أما أشجان التي كانت شاردة ولا تعي ما حولها من الصدمة استفاقت على صوت صراخ أسماء فأدارت وجهها لترى سفيان على هذا النحو.
فلم تتحمل ووقفت رغم ما بها من ألم وكسرة نفس وأسرعت إليه تترجاه:
_ لا يا أخويا عشان خاطري، يهون عليك أختك تموتها بإيدك وتعيش ندمان العمر كله يا أخويا.
لا سيبها، أرجوكِ دي أسماء بنتك مش أختك وبس.
سيبها وخلي ذنبها بينها وبين ربنا ومأظنش أن فيه عقاب أكبر من إنها تتجوز شفيق عشان يستر عليها.
ربنا معاها ده أنا مشفقة عليها والله، سيبها يا أخويا أبوس إيدك.
فدمعت عين سفيان بالدموع ونظر إلى أشجان بشفقة وقال:
_ أنتِ اللي بتقولي كده يا أشجان، ده أنتِ اللي مفروض تخنقيها بإيدك.
أشجان بغصة مريرة:
_ دي أختي ومهما عملت قلبي ميقساش عليها ويسامحها.
فترك سفيان أسماء تلهث بشدة لتستعيد أنفاسها.
امتلأ قلب زينب بالفرحة لما حدث بعد أن ظنت إنها أخيرًا انتصرت على سليمان وقضت على أعز ما يملك انتقامًا منه.
زينب بتشفٍّ:
_ تعال ورايا يا شفيق نشوف سفيان خلص ولا لسه، عشان نتصل بالبوليس وتبقى الفضيحة على عينك يا تاجر.
شفيق برعب:
_ لا مقدرش أطلع ده، لو شافني هيقتلني زي أسماء.
فصاحت زينب:
_ يقتل مين! ميقدرش حد يمس شعرة منك وأنا موجودة، هي سايبة ولا إيه.
تعال ورايا بقول!
فاستمع شفيق لها رغمًا عنه وخطا بخطى سلحفاة من ورائها وتعالت نبضات قلبه من الخوف.
حتى وصل إلى شقته، فدلفت زينب للداخل وعلى وجهها ابتسامة مشرقة، لتتفاجأ بما لم تتوقعه.
حيث رأت أشجان وأنهار يطوقان أسماء بذراعيهم وعيونهم تشع بالحب والحنو نحوها.
وقد حدثتها أنهار:
_ خدي نفسك يا أسماء واحدة واحدة، وقومي معايا ريحي على السرير.
ورأت سفيان يضع يده على رأسه وعينيه تمتلئ بالدموع.
فتعاظم الحقد في قلبها وصاحت بغل:
_ كويس عملت بنصيحتي يا سفيان ومخلصتش عليها، بس يعني لا مؤاخذة هتمشي موطي رأسك بين الناس، يلا معلش مسير الأيام تعدي والناس تنسى.
ثم استطردت بتهكم:
_ بس ياعيني هتقعد جنب أمها عشان مش هتلاقي حد يجوزها بعد عملتها السودة دي.
فقبض سفيان على يديه بقوة وضرب الحائط وتلونت عينيه ببراكين الغضب ثم استدار إلى زينب وصاح:
_ مهو أنتِ لو عرفتي تربي ابنك مكنش ده حصل.
لأنه مفروض هو راجل وهي بنت عمه يعني دمه وشرفه وهو أكثر واحد مفروض يحافظ عليه.
فهاجمته زينب وقالت بحدة:
_ هو ده اللي قدرت تقوله يا ابن إبتهال، سبت الحمار وبتشطر على البردعة.
ده أنا كنت بحسبك راجل وهتخلص عليها عشان ترفع راسك بين الناس بس إظاهر أخرك كلمتين ملهمش لازمة.
ثم استطردت بجمود:
_ ويلا اتفضلوا من غير مطرود، وخد أختك الخاطية معاك.
وإياك تجيب سيرة ابني على لسانك تاني.
ده راجل يا حبيبي، مهما عمل اسمه راجل، أما العيب فعلى أختك اللي جتله برجليها لما عرفت أن أختها مش موجودة.
فصاحت أسماء بغصة مريرة:
_ كدب كدب، هو اللي اتصل بيه وقال أجي عشان أراضي أشجان ومتسبش بيتها ولما جيت شربني عصير ومدرتش بنفسي ساعتها وفوقت على المصيبة دي.
ثم أخذت تضرب وجهها بيديها وتصرخ بألم، فطالعها سفيان بحزن ولوهلة شعر إنها صادقة فيما تقوله.
فالتفت إلى شفيق وغابت عينيه بقتامة وانقض عليه يمسك بعنقه فصرخت زينب وقالت:
_ سيب ابني يا مجرم واتشطر على أختك.
صاح سفيان به:
_ عملت كده ليه يا شفيق، أنت إيه شيطان، معندكش أي ذرة ضمير.
هان عليك بنت عمك تضيع مستقبلها وهي لسه عيلة.
حاول شفيق إخراج صوته بصعوبة وقال:
_ لحظة شيطان يا سفيان، بس هصلح غلطتي وهطلق أشجان وأتجوزها.
وقعت تلك الكلمات على قلب زينب كالجمر فصاحت بغل:
_ تتجوز مين يا زفت، تتجوز واحدة فرطت في نفسها يا نطع.
يستحيل ده يحصل.
فردد شفيق:
_ لا يا حاجة معلش عشان خاطري دي بنت عمي برده.
صمتت زينب على أسنانها بغيظ:
_ مهي أشجان برده بنت عمك وأم عيالك يا نطع.
شفيق:
_ لا أشجان راحت عليها وهي طالق مني بالثلاثة وهتجوز أسماء.
سرى في جسد أشجان الفرحة وأطلقت زغرودة ابتهاجًا بطلاقها وخلاصها من هذا اللعين.
ولكنها نظرت إلى أسماء بشفقة وهمست:
_ يا عيني عليكِ يا أسماء منه ومن أمه وأنتِ لسه عودك طري يا قلب أختك.
فحدقت أسماء شفيق وزينب بغضب وأقسمت أن تنتقم منهم مما فعلوه بها.
ترك سفيان شفيق ونظر إلى أسماء بحزن قائلًا:
_ مبروك عليكِ شفيق يا أسماء.
ثم نظر إلى أشجان بشفقة قائلًا:
_ لمّي هدومك وهدوم عيالك وهاتي أختك وحصليني على بيت أبوكِ يا أشجان.
ثم غادر سريعًا، لتضم أنهار أشجان إلى صدرها وتبكي، فبكت أشجان حتى تعالت شهقاتها.
أما أسماء فوقفت وانضمت إليهم باكية ثم قالت مشيرة إلى أشجان:
_ وحياة دمعتك الغالية دي يا أشجان، لأخد حقك من شفيق وأمه.
ثم بكت بمرارة وتابعت:
_ أما أنا فربنا يتولاني برحمته ودي جزاتي عشان مكنتش بفكر غير في الوجهة الاجتماعية والجاه، أديني في الآخر هاخد شفيق.
استمعت همت لأذان الظهر فأخذت تردد من ورائه ثم قالت بعد الانتهاء:
_ اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته.
فسألتها دلال:
_ ليه يا حجة بتقولي ورا الآذان كده وإيه الدعاء ده؟
ابتسمت همت وقالت:
_ عشان يا بنتي، سيدنا محمد أمرنا بكده وأنه سبب في دخول الجنة وقال في الحديث: (قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو).
فرددت دلال:
_ صلى الله عليه وسلم، أنا أول مرة أعرف.
شكلي هتعلم حاجات حلوة كتير من حضرتك.
همت:
_ يا ريت عشان أخد أجر وأحس إني عملت حاجة مفيدة ربنا يغفر بيها ذنبي قبل ما أموت.
دلال:
_ بعد الشر عليكِ.
همت:
_ لكل أجل كتاب يا بنتي وهاتي يلا مية أتوضى وأتوضي أنتِ كمان عشان تصلي بيه جماعة، ويا ريت تسنديني أقعد.
ابتسمت دلال:
_ عيوني.
ثم استطردت بحرج:
_ بس أنا مبعرفش أصلي، متعلمتش للأسف وقليل لما كنت أشوف أمي بتصلي.
فاستغفرت همت:
_ استغفر الله العظيم، ليه كده بس يا بنتي.
على العموم ملحوقة، وأنا هعلمك كل حاجة.
بس هاتي ورقة وقلم هكتب ليكِ الفاتحة وسورة قصيرة، عشان تقرئيها وأنتِ بتصلي لغاية ما تحفظيها.
ولما أتوضى بصي عليَّ بعمل إيه واعملي زيي.
فأومأت دلال لها وذهبت لإحضار الماء، وتوضأت همت ثم فعلت مثلها، وقامت لتصلي وهي تقرأ الفاتحة من الورقة ومع كل كلمة كان ينبض قلبها بشدة، وعند السجود وجدت نفسها تبكي وتدعو لوالدتها بالشفاء وأن يلهمها الله الخير ويغفر لها ولم تنسَ أحمد فدعت الله أن يجمعها به.
انتهت دلال من صلاتها فنظرت إليها همت والابتسامة تزين ثغرها:
_ ما شاء الله بتتعلمي بسرعة ذكية يا بنتي.
وبصي كده على شكلك بالحجاب في المراية زي القمر إزاي.
فذهبت دلال مسرعة إلى المرآة لتنظر إلى نفسها، فابتسمت وقالت:
_ فعلًا شكلي حلو، بس صراحة فكرة إني أغطي شعري دي صعبة عليَّ وحاسة الحجاب بيخنقني.
همت:
_ كل حاجة في البداية صعبة وبنتعود عليها، وأنا مش هغصبك، هسيبك لما تيجي تقولي عايزة أتحجب بنفسك.
لأن الحجاب نعمة وستر للبنت يا دلال ويحفظك من العيون.
أدركت دلال حقيقة ما قالت وأنها بالفعل تعرضت للأذى كثيرًا بسبب ملابسها الكاشفة.
ولكن لم يكن عندها الجرأة لتتخذ هذه الخطوة بعد.
ولجت أشجان بطفليها إلى بيت أبيها والحزن قد أطفأ وجهها وكأنها في الستين من العمر وليست سبعة وعشرين عامًا أي ما زالت في ريعان شبابها.
ومن ورائها أسماء تتخبط في مشيتها وقد تلونت عينيها بالحمرة من كثرة الدموع ولم ترَ أمامها سوى سواد يحيط بكل الاتجاهات.
ويتقدمهم سفيان الذي صاح بقهر:
_ كل واحدة فيكم على أوضتها، ومتخرجش منها والأكل والشرب هيطلع ليكم فوق.
استمع سليمان وإبتهال لما قاله سفيان فخرجا مسرعين.
صاح سليمان:
_ فيه إيه حصل يا سفيان يا ابني وما لهم أخواتك.
وأشجان داخلة بشنطة هدومها ليه؟
إيه مفيش فايدة من شفيق مد إيده عليها تاني؟
لم تتحمل إبتهال صمته فصاحت بذعر:
_ ما تتكلم يا ابني، وأسماء مالها هي كمان؟
فحاول سفيان استنشاق الهواء بعد إحساسه أنه قد شارف على الاختناق فخرجت حروفه بصعوبة:
_ ماما، بابا، شفيق طلق أشجان لأنه بيحب أسماء وعايز يتجوزها وهي موافقة.
تيبس جسد سليمان من المفاجأة ولم يشعر بجسده فهوى به على المقعد الذي من ورائه.
أما إبتهال فصرخت ونفت ذلك قائلة:
_ إيه الجنان اللي بتقوله ده يا سفيان، طلق مين وعايز يتجوز مين، قول كلام يتعقل.
أخفض سفيان رأسه بخزي وردد:
_ هو ده اللي حصل وهيجي بكرة عشان يدي أشجان حقوقها ويتكلم على أسماء.
انفعلت إبتهال:
_ هو لعب عيال يسيب دي وياخد دي.
طيب طلق أشجان في داهية خلصنا منه ومن قرفه.
لكن يتجوز أسماء ويعمل فيها اللي عمله مع أشجان لا ده يستحيل.
وكمان أسماء لسه صغيرة ولسه بتتعلم.
فصاح سفيان بغضب:
_ بس هي موافقة وتقدرِ تسأليها.
ثم استدار سريعًا قبل أن تلاحظ تلك الدمعة التي هربت من جفنيه.
ولكن سليمان رآها وشعر إنها جمرة نار نزلت في قلبه فأحرقت جسده، وفطن لما حدث وأدرك أن زينب قد انتقمت منه في أعز ما يملك.
فوضع يده على وجهه وأخذ يردد:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
يا ريتها كانت خدت حقها مني أنا وبناتي لااااااا.
ثم وقف متصلبًا وسار نحو سفيان ووضع يده على كتفه وقال بعين مقهورة تتمنى أن ينفي ما يدور بخلده:
_ حصل اللي بفكر فيه يا سفيان؟
ارتجف سفيان وتوقفت الكلمات في حنجرته ولكن بكى وتعالت شهقاته.
فلم يستطع سليمان التحمل وخطا خطواته للخارج متوجهًا نحو زينب.
في تلك اللحظة كانت زينب في غرفتها تدور حول نفسها وتضع يدها على رأسها في محاولة تخفيف ذلك الألم الذي ينهش بها بعد ارتفاع ضغط الدم عليها جراء عصيان شفيق لها وزواجه من تلك الأفعى الصغيرة التي أهانتها من قبل.
وخسارتها أمام سليمان بزواج شفيق من أسماء بعد أن أرادت لها الموت على يد شقيقها، ثم حبسه وبهكذا تكون انتقمت من سليمان وردت له الصاع صاعين ولكن انهارت كل أحلامها بزواج شفيق من أسماء.
وبينما هي كذلك استمعت لصوت من ورائها تعلمه جيدًا، صوت ما زال يحرك قلبها رغم مرور كل تلك السنوات.
صاح سليمان بصوت حزين مقهور على فلذة كبده التي استحوذ عليها الشيطان شفيق واستحل عرضها وهدم حياتها وأحلامها:
_ ارتحتِ دلوقتِ يا زينب، وهديتِ وانتقمتِ لنفسك.
استدارت زينب له وأخذت تطالع تقاسيم وجهه بحب، فبرغم تلك الخطوط التي نقشت وجهه ببراعة من أثر الزمن لكن ما يزال وسيمًا كما رأته أول مرة.
ابتسمت زينب واقتربت منه كثيرًا حتى أصبح لا شيء يفصل بينهم واختلطت أنفاسهم.
فقالت بنعومة:
_ مفيش حاجة أبدًا هتريحني يا سليمان غير إنك تكون معايا.
ثم حاولت لمس وجهه قائلة بلهفة وشوق:
_ أنا لسه بحبك يا سليمان وعايزك، ودلوقتِ اللي كان بينا راح، وممكن نتجوز ونعوض اللي راح في الباقي من حياتنا.
فدفع سليمان يدها بقوة ألمتها وصاح بغضب:
_ أنتِ اتجننتِ يا زينب، عايزة بعد العمر ده كله أتجوز على ابتهال حب عمري وعشرة السنين ومن مين!
_ من أكثر ست بكرهها في الدنيا.
أنا عمري ما حبيتك بالعكس شايفك أنتِ والشيطان واحد، ومش بس كده يا زينب عشان افتريتِ بزيادة من أول اللي عملتيه في شمس لغاية اللي عملتيه في أحمد ودلوقتِ بنتي.
وحاسس أن قريب أوي ربنا هتشوفي نتيجة أفعالك عشان ربنا سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل.
قال كلماته تلك وتركها غادر وهو يردد (حسبي الله ونعم الوكيل) وأخذ يكررها كثيرًا حتى شعرت زينب بألم ينتاب قلبها وأن قدميها لم تعد تحملها فتراجعت للوراء حتى سقطت على التخت، فالتقطت الهاتف لتتصل لشفيق وهي تلهث:
_ إلحقني يا شفيق بسرعة بدكتور.
شفيق بذعر:
_ مالك يا حاجة فيكِ إيه؟
ولكنها لم تجبه بعد دخولها في إغماءة.
فأسرع شفيق إليها بقلب يرتجف وعندما رآها على هذا النحو، حملها وأسرع بها إلى المستشفى ومنها إلى غرفة العناية المركزة وعندما خرج الطبيب.
أسرع إليه شفيق وشاهين الذي جاء مسرعًا بعد محادثة شفيق له.
شاهين:
_ أمي عاملة إيه يا دكتور دلوقتِ، طمني الله يخليك.
الطبيب:
_ الحاجة عندها للأسف عندها قصور في الشريان التاجي ومحتاجة تدخل جراحي سريع عشان ننقذ حياتها وجيت أخد منكم إقرار بالموافقة.
شفيق:
_ موافقين طبعًا، بس تقوم بالسلامة.
الطبيب:
_ دعواتكم.
شاهين:
_ ربنا كريم.
لتمر ساعتان وخرجت زينب نحو العناية المركزة مرة أخرى.
أقبل شاهين يسأل الطبيب عن حالتها.
الطبيب:
_ هي حاليًا في حالة حرجة، بس بإذن الله مع الوقت هتتعافى.
شفيق:
_ يعني هتقدر تخرج إمتى يا دكتور؟
الطبيب:
_ مش قبل أسبوع إن شاء الله.
وجود شخص واحد في حياتك يحبك بصدق قادر على تخفيف كل ما تعانيه بكلمة واحدة أو لمسة حانية.
ولج سفيان إلى غرفته محملًا بالهموم، مبعثر الهيئة وكأنها أصبح كهلًا في الستين من العمر.
صدمت شهيرة من هيئته، فأسرعت إليه قائلة بلهفة:
_ سفيان مالك فيه إيه؟
سفيان بجمود:
_ مفيش حاجة، أنا محتاج أستريح بس، هاخد حمام وأطلع أنام.
وعندما استدار ليسير نحو المرحاض وجد من تحتضن خصره من الخلف، فأغمض عينيه مستسلمًا لهذه المشاعر الضارية التي افتقدها كثيرًا معها.
همست شهيرة بعشق:
_ لما تكون مضايق مش هتلاقي أحسن من حضني ترمي فيه همومك.
فالتفت لها سفيان يطالعها بحب قائلًا:
_ بجد يا شهيرة!
يعني أقدر أدفن نفسي في حضنك وألاقي الراحة اللي كنت بتمناها من زمان.
فأومأت له شهيرة، فاحتضنها بقوة ثم شعرت بسائل على كتفها، فنظرت فإذا هي دموعه، فدق قلبها بشدة وأخذت تمسح على خصلات شعره بحنو قائلة:
_ إهدى يا حبيبي وكل مشكلة ليها حل بإذن الله.
تنهد سفيان:
_ يا ريت بس خلاص اللي حصل.
ابتعدت عنه قليلًا شهيرة وتساءلت:
_ بس قولي حصل إيه يمكن أقدر أساعدك.
فضمها سفيان سريعًا وقال:
_ هش أنا مش عايزة حاجة دلوقتِ غير حضنك ده أنسى بيه العالم كله.
عاد أحمد إلى منزل عمه في تلك الليلة وعينيه تلمع بالسعادة لأول مرة بعد كل تلك الليالي الذي نام به والدموع تبلل وسادته من الحزن.
فأخيرًا سيكون له شأن بين رجال الأعمال، فما أجمل عوض الله الذي جاء على يد صديقه شيكو.
وعندما دلف للداخل وجد زوجة عمه قد انكمشت ملامحها حزنًا وتضع يدها على إحدى وجنتيها ولسانها ينهج لذكر الله:
_ استغفر الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يا رب افرجها على بناتي.
فتعجب أحمد وجلس بجانبها وقال بصوت رجولي أجش به حنو:
_ خير يا مرات عمي، مالك قاعدة زعلانة كده؟
تنهدت ابتهال بغصة مريرة قائلة:
_ أشجان يا ابني أخوك الله يسامحه طلقها عشان ياخد أسماء قال إيه بيحبها.
يا عيني عليكي يا أشجان مش كفاية شافت المرار معاه السنين دي كلها واتحملت الضرب والإهانة عشان خاطر عيالها.
يجي في الآخر يطلقها وكمان يتجوز أختها.
فتدلى فك أحمد بأسى وهو يستمع إليها غير مصدق ما تقول، فكيف يكون شفيق بكل تلك القسوة.
ولكن لا عجب من ذلك فهو ابن من؟ ابن زينب.
زفر أحمد بضيق:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
مقدرش أقولك غير الكلمة اللي بتطبطب على النفس وهي (لعله خير) يا مرات عمي.
مش يمكن ربنا حب يرفع عنها البلاء ويعوضها براجل تاني يقدرها.
فأومأت إبتهال برأسها واستطردت:
_ يا ريت يا ابني.
بس تفتكر مين اللي ياخد واحدة مطلقة بعيالها، صعب يا ابني في مجتمعنا ده.
أحمد:
_ مفيش حاجة تصعب على ربنا سبحانه وتعالى ومفيش في إيدينا غير نقول يا رب.
إبتهال:
_ يا رب.
عقد أحمد حاجبيه واستطرد باندهاش:
_ بس إزاي يتجوز أسماء!
أسماء أكيد مش هتوافق وهي عارفة طبعه واللي عمله في أشجان.
حركت إبتهال رأسها باستياء:
_ لا يا ابني موافقة وده اللي هيجنني، معرفش إزاي تقبل على نفسها كده.
تعجب أحمد وهمس:
_ معقول تكون هي كمان بتحبه.
بس إزاي، الموضوع ده فيه إنَّ.
إبتهال:
_ يا ريت يا ابني تدعيلهم وأنت بتصلي ربنا ينور بصيرتهم.
أحمد:
_ حاضر عيوني.
لم تفتر أشجان عن الدموع طوال الليل حتى تعالت شهقاتها متمتمة:
_ يا رب الصبر من عندك، عشان تعبت أوي واتظلمت كتير وضاع عمري من غير ما أحس بيه وخلاص كده انكتب عليَّ العمر كله أعيش ودمعتي على خدي، ووظيفتي أربي عيالي وبس، منك لله يا شفيق.
وبينما هي تبكي، مر أحمد أمام غرفتها ففزع من صوت بكائها، فطرق الباب قائلًا بهمس:
_ أنتِ كويسة يا أشجان، فيكِ حاجة تعبانة، أكلم سفيان ونوديكِ للدكتور؟
تلفظت أشجان اسمه بعذوبة "أحمد" ودبت قشعريرة في جسدها ثم وضعت حجابها بغير إحكام وأسرعت لفتح الباب.
وأخذت تطالعه بحب، فأخفض رأسه حياءً.
دفعة من الأدرينالين المتحمس تدفقت في دمائها لرؤيته فقالت:
_ بقيت كويسة لما شوفتك يا أحمد.
خجل أحمد من كلماتها الجريئة، فهو منذ وقت طويل يشعر في عينيها الكثير نحوه وكلما حاول أن ينهرها عن ذلك فهي زوجة أخيه، تماسك وكتم ذلك مبررًا:
_ كفاية اللي بيعمله فيها شفيق، مش هكمل عليها أنا طول ما هي متخطتش حدودها معايا وربنا يهديها.
ثم حاول أن يلهيها عنه وقال:
_ أشجان أنا عرفت اللي حصل ومش عايزك تزعلي، وفكري في اللي جاي وفي ولادك.
وادعي ربنا يعوضك براجل يستاهلك ويكون حنين على ولادك.
فحدقت أشجان النظر به وهمست:
_ ياااه لو كان العوض هو أنت يا أحمد!
ونعوذ بك من الرياء الخفي، والعمل من أجل الظهور لا من أجلك يا ربي، ونعوذ بك من قلة الإخلاص وفقدان الدليل.