تحميل رواية «ضد الزمن» PDF
بقلم حازم الباشا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
معبرت "ريم" من بوابة صالة الوصول بمطار القاهرة الدولي، بعد رحلة شاقة ومجهدة تنقلت فيما بين اليابان والصين وألمانيا. أخيراً أنهت تلك الإجراءات الروتينية، وخرجت يتبعها أحد عمال المطار، وهو يجر عربة مكدسة بحقائب السفر حتى خرجا من المبنى. سارت ريم بضع خطوات ذهاباً وإياباً، بحثاً عن عم "إبراهيم"، سائقها الخاص، فلم تجده!!! عادت لعربة الحقائق لتأخذ الهاتف من حقيبتها الشخصية وتتصل به، إلا أنها لم تجد الحقيبة!!! رمقت ريم عامل المطار بنظرة نارية وقالت: وديت شنطة إيدي فين يا حاج؟ أنا كنت حطاها هنا فوق الشن...
رواية ضد الزمن الفصل الأول 1 - بقلم حازم الباشا
معبرت "ريم" من بوابة صالة الوصول بمطار القاهرة الدولي، بعد رحلة شاقة ومجهدة تنقلت فيما بين اليابان والصين وألمانيا.
أخيراً أنهت تلك الإجراءات الروتينية، وخرجت يتبعها أحد عمال المطار، وهو يجر عربة مكدسة بحقائب السفر حتى خرجا من المبنى.
سارت ريم بضع خطوات ذهاباً وإياباً، بحثاً عن عم "إبراهيم"، سائقها الخاص، فلم تجده!!!
عادت لعربة الحقائق لتأخذ الهاتف من حقيبتها الشخصية وتتصل به، إلا أنها لم تجد الحقيبة!!!
رمقت ريم عامل المطار بنظرة نارية وقالت:
وديت شنطة إيدي فين يا حاج؟
أنا كنت حطاها هنا فوق الشنط!!!
ارتبك الرجل وقال بصوت مرعب:
الشنط كلها قدام حضرتك أهيه
ومكنش فيهم أي شنطة إيد!!!
ريم بنبرة منفعلة:
صلي على النبي كده يا حاج
وطلع الشنطة بالذوق
وأنا هأراضيك والله العظيم
بدل ما أوديك في ستين داهية
إنت ما تعرفش أنا مين
وممكن أعمل فيك إيه!!!
رد العامل المسكين، وقد جف لعابه من الخوف:
يا ست هانم
والله العظيم ما خدت أي حاجة
تعالي نبلغ الأمن جوه المطار
وهما هيلاقوا شنطتك بإذن الله
ما تقلقيش حضرتك
المطار كله متراقب بالكاميرات!!!
هدأت ريم قليلاً، وعادت مع عامل المطار إلى مكتب الأمن، حيث أبلغت عن فقدان حقيبتها.
وكان مجرد ذكر اسم والدها "ناصر الحديدي"، رجل الأعمال الشهير، كافياً بأن ينقلب المطار رأساً على عقب بحثاً عن تلك الحقيبة!!!
وقد حاول قائد أمن المطار أن يستضيفها في مكتبه كنوع من الترحيب، إلا أنها كانت تكره أجواء التملق والحفاوه المبالغة.
اعتذرت له، وأخبرته بأنها سوف تنتظر في أحد الكافيهات المتواجدة في مدخل المطار، لحين العثور على حقيبتها.
امتثل الرجل لطلب ريم هانم، وودعها بحفاوه، ثم أرسل معها أحد أفراد الأمن، ليجر عربة الحقائب الخاصة بها، وأمره أن يشتري لها مشروباً على نفقة المطار.
وبالفعل جلست ريم في الكافيه، بعد أن طلبت كوباً من الليمون المثلج، لتهدئة أعصابها بعد كل هذا التوتر.
وفي أثناء انتظارها للمشروب، دخل عليها فرد الأمن وهو يلهث قائلاً:
الحمد لله لقينا الشنطة يا ريم هانم
بس عاوزين حضرتك تشرفينا في مكتب الأمن
عشان تستلميها
وتتأكدي إن مفيش أي حاجة ناقصة فيها!!!
تهللت أسارير ريم، وهرولت مسرعة إلى مكتب الأمن، وما إن رأت الحقيبة، حتى قالت بامتعاض:
إيه ده!!! دي مش شنطتي حضرتك!!!
تأسف الضابط لريم قائلاً:
آسفين يا ريم هانم
بس الشنطة دي
بنفس مواصفات شنطة حضرتك
ومالقيناش جواها أي إثبات شخصية
بس مش عاوز حضرتك تقلقي
ربع ساعة بالكتير
وهنلاقي شنطتك إن شاء الله!!!
عادت ريم إلى الكافيه، وجلست تحتسي مشروبها بكل غيظ، وقد استبد بها التعب والضجر والضيق بعد تلك الرحلة المكوكية.
وسرعان ما وجدت أحد عمال الكافيه يهرع إليها بطبق فاخر من الحلويات.
وذلك كنوع من الضيافة الترحاب، التي اعتادت عليه ريم، بحكم كونها ابنة الملياردير الشهير "ناصر الحديدي".
ابتسمت ريم لذلك الشاب الوسيم، وهي تلتقط قطعة من الحلويات وتقول:
تسلم إيدك
جه في وقته!!!
رد الشاب بابتسامة ودودة قائلاً:
بألف هنا وشفا
تحبي أجيب لك أي حاجة تاكليها؟
المطعم هنا بيقدم وجبات سخنة وباردة!!!
ردت ريم وقد بدأ عليها بعض الضجر من ثرثرة ذلك الشاب:
ميرسي أويلو احتجت أي حاجة
هبقى أقولك!!!
وبعد عدة دقائق...
عاد الشاب مجدداً، حاملاً كوباً آخر من نفس العصير، ثم جلس على طاولة ريم، وبدأ يتقاسم معها طبق الحلويات في صمت!!!
اندهشت ريم من تصرف الشاب، ورمقته بنظرة غاضبة وصاحت:
إيه السخافة دي!!! إنت سايب شغلك
وقاعد تعمل إيه هنا؟
قوم يا ابني شوف شغلك
وبطل قلة ذوق!!!
رد الشاب بصوت هادئ وهو يبتسم:
واضح إن في سوء تفاهم
أنا مش شغال هنا!!!
أدارت ريم عينيها في المكان لتكتشف أن كل العاملين فيه يرتدون زي موحد.
وأن كل رواد الكافيه يقومون باستلام مشروباتهم بأنفسهم.
فزاد حنقها وهي تقول بانفعال واضح:
إيه البجاحة دي!!! طالما حضرتك مش شغال هنامين بس فهمك
إني قابلة إنك تعزمني على أي حاجة
ولا أنا مكتوب على وشي
"مرحباً بالسادة الزائرين"!!!
رد الشاب بكل تهذب، ومازالت الابتسامة تزين ملامحه الوسيمة:
ومين بس قال إني عزمت حضرتك على أي حاجة!!! أنا طلبت عصير
وقمت أجيب طبق حلويات
ولما رجعت لقيت حضرتك بتشربي العصير بتاعي
فحطيت الطبق
ورحت أطلب عصير تاني
ورجعت قعدت أشربه
ده كل اللي حصل!!!
هنا استوعبت ريم حقيقة الأمر...!!!
فلقد قام المطعم بإلغاء مشروبها بعد أن غادرت مع فرد الأمن.
ثم دخل ذلك الشاب للكافيه، وطلب نفس العصير، وبالمصادفة وضعه على نفس الطاولة التي كانت تجلس عليها ريم منذ قليل، ثم حدث ما تبع ذلك من تطورات.
في تلك اللحظة تمنت ريم أن تنشق أرضية الكافيه وتبتلعها.
فكم الحرج والإحساس بالحماقة وتأنيب الضمير الذي اعتراها، لم يكن بالشيء القليل!!!
فلقد قابلت تصرف ذلك الشاب المهذب معها، بمنتهى الغباء والوقاحة.
وحاولت ريم تدارك الموقف سريعاً وقالت:
أنا آسفة جداً جداً لحضرتك
أنا فهمت اللي حصل
وهاشرح لحضرتك الموضوع... أصل أنا كتير بتعرض لسخافات ومعاكسات بسبب...
قاطعها الشاب بابتسامته المعتادة:
مفيش أي داعي للشرح
أنا فاهم كويس
وواحدة في جمال حضرتك
أكيد هتتعرض ل....
قاطعته ريم وهي تداعب خصلات شعرها الذهبية، وقد احمرت وجنتيها ليتحول وجهها شاهق البياض إلى اللون الوردي، وقالت بصوت رقيق:
لا يا أستاذ...
أنا مكنش قصدي إن المعاكسات دي بسبب شكلي
أنا قصدت عشان أنا بنت....
ومجدداً قاطعها الشاب بلطف:
أدهم
اسمي أدهم
دكتور أدهم!!!
تنفست ريم الصعداء، وقالت بصوت رقيق:
اتشرفنا دكتور أدهم
أنا ريم
وارجوك اسمح لي أعزمك على طبق حلويات
بدل اللي أنا خلصته
وأهو أكفر عن ذنبي
وعن العك اللي عكيته!!!
حاول أدهم أن يمنعها، إلا أنها أصرت، وقامت مسرعة باتجاه الكاشير.
وما إن وقفت أمام عامل الكاشير، حتى انتبهت إلى أن كل النقود وبطاقات الائتمان الخاصة بها، موجودة في تلك الشنطة المفقودة.
ومجدداً تمنت ريم أن تنشق أرض القاهرة كلها وتبتلعها.
فعدت بخطوات متثاقلة نحو الشاب، وجلست، ثم قالت بحرج شديد:
أنا آسفة يا دكتور أدهم
مش هقدر أعزم حضرتك
لأن شنطتي ضاعت
وفيها كل فلوسي وتليفوني و.......
وقبل أن تتم عباراتها، كان أدهم قد التقط محفظته، وأخرج منها مبلغاً كبيراً من المال، ودسه من تحت الطاولة لريم.
في مشهد أقرب إلى طريقة تقديم الصدقة المخفية!!!
في تلك اللحظة.... شعرت ريم بأنه لا يوجد أي شق في العالم يمكنه أن يستوعب حجم الحرج والمهانة الذي تشعر بهما.
فـقالت بصوت مختنق وقد ترقرق عيناها بالدموع من شدة الحرج:
حضرتك فهمتني غلط جداً
أنا مش عاملة تمثيلية
عشان أشحت منك
أنا بنت ناصر ال......
وبكل رشاقة، مد أدهم يده، وامسك بيد ريم، وهو يقول بنبرة حنونة جدا:
إيه اللي انتي بتقوليه ده يا أستاذة ريم
أنا مش شايفك متسولة
أنا شايفك أخت ليا
اتعرضت لموقف سخيف!!!
اندهشت ريم من تصرف أدهم، حين وضع يده فوق يدها بكل جراءة!!!
ولكن دهشتها الكبرى كانت من ردة فعلها هي!!! فهي لم تسحب يدها من بين كفيه، بالعكس... قد شعرت ريم بارتياح عجيب!!!
تلاشت معه كل مشاعر الضيق والغضب والإحساس بالحرج الذي اعتراها، منذ أن وطأت قدماها أرض مطار القاهرة.
وتجمد المشهد للحظات...
قبل أن تسحب ريم يدها برفق شديد، وكأنها تتمنى لو أنه يقبض على يدها ولا يفلتها، ثم قالت بصوت عذب:
حصل خير يا أدهم
قصدي... يا دكتور أدهم
هو إنت كنت مسافر فين؟
رد أدهم:
أنا مكنتش مسافر
أنا كنت بوصل دكتور زميلي مسافر ألمانيا
ولقيت نفسي جعان
قـفلت آكل أي حاجة
وبعد كده أروح
يمكن ربنا أراد ده يحصل
عشان أقابلك يا أستاذة ريم
قصدي... يا ريم!!!
كانت لمسة يد أدهم لأصابع ريم، قد صنعت ما تعجز عنه أي كلمات.
فكلاهما شعر بارتياح شديد للآخر، وكأن تلك اللمسة لم تتوقف عند أصابعهما فقط!!! بل امتدت وتعمقت... لتصل بين قلبيهما.
ومضى الوقت سريعاً ولطيفاً... وقد بدأت ريم بتقديم نفسها إلى أدهم.
ثم قصت عليه ما حدث لها منذ أن وصلت للمطار.
فما كان من أدهم إلا أن عرض عليها أن يقوم بتوصيلها إلى المنزل.
حيث وافقت ريم دون تردد، فقد كان التعب والنعاس قد استبد بها، وكانت قد يأست من أن يجد الأمن حقيبتها المفقودة.
فخرج الاثنان من المطار، واستقلا سيارة أدهم الفاخرة.
وانطلقا صوب فيلا ناصر الحديدي بمدينة الشيخ زايد.
وبعد أقل من عشر دقائق.... كانت ريم تغط في نوم عميق، بينما أدهم يقود سيارته، وهو يراقب ملامحها الطفولية الجميلة.
***
وأثناء نوم ريم، رأت حلماً جميلاً...
(( رأت نفسها تحضر الغذاء في فناء منزل كبير
بينما يساعدها أدهم وهو يسألها: يا ترى يا روح قلبي
بتحبيني أنا أكتر
ولا نور ابننا؟
ردت ريم، وهي تبتسم بدلال واضح: بحب نور ابننا طبعاً.
فاغتاظ أدهم وقام بحملها من الأرض، وظل يدور بها وهما يضحكان بصوت مرتفع، حتى اختل توازنهما ووقعا على الأرض.
وانتهى الحلم... ))
***
بدأت ريم تفتح عيناها بصعوبة وتستيقظ تدريجياً.
لتجد أن حلمها الجميل... قد تحول إلى كابوس مرعب!!!
فقد وجدت ريم نفسها مكبلة اليدين والقدمين، ترقد حافية، داخل حفرة في وسط الصحراء.
بينما يقف أدهم على حافة الحفرة، والدموع تنهمر من عينيه بغزارة، ويقول بصوت يملاءه الأسى:
سامحيني يا ريم
أنتي لازم تموتي دلوقتي!!!
ثم أشهر مسدساً ضخماً، وصوبه باتجاه رأس ريم، استعداداً لقتلها...
رواية ضد الزمن الفصل الثاني 2 - بقلم حازم الباشا
تجمد المشهد المرعب للحظات.
وقف أدهم على حافة الحفرة التي ألقى بها ريم وهي مكبلة الأيدي والأقدام، وقد صوب سلاحه الناري إلى رأسها. قال والدموع تنهمر من مقلتيه:
"سامحيني يا ريم.
أنتي لازم تموتي دلوقتي."
في تلك اللحظة، لم يستطع عقل ريم استيعاب ذلك المشهد. فكل ما حدث لها خلال الساعات القليلة الماضية كان أقرب لفيلم هندي ساذج، قام بإخراجه شخص مخمور.
لم تبكِ ريم، ولم تصرخ، أو حتى تنطق حرفًا واحدًا. بل ظلت ساكنة، وهي ترمق أدهم بنظرة حسرة وخذلان.
ومضت دقائق عديدة، وما زال ذلك المشهد متجمداً. فأدهم قد أصاب الشلل أصابعه، وكأن قوة خفية جبّارة قد منعته من الضغط على زناد سلاحه وقتل ريم.
أما ريم، فقد لاحظت ذلك الحزن والارتباك الواضح على ملامح أدهم، مما ساعدها على التقاط أنفاسها، واستعادة بعضاً من هدوئها.
إلا أن كلاهما لم يكن يعلم بأن الفيلم الهندي الحقيقي، سوف يبدأ بعد لحظات قليلة.
***
ذهب أدهم إلى مكان ما في داخل الصحراء الخاوية، على مقربة من مطار القاهرة. ثم قام بحفر تلك الحفرة العميقة، حيث يستقر جسد ريم الآن.
بعد ذلك، توجه مسرعاً إلى المطار، ودخل صالة قدوم الرحلات الدولية. ثم بدأ يتفحص عمال المطار، حتى وقع اختياره على أحد العمال المخضرمين. ثم اقترب منه بهدوء، وقال:
"صباح الخير يا حاج.
ممكن آخد دقيقة من وقتك؟"
رد العامل ببشاشة وترحاب:
"صباح النور يا أفندم.
اتفضل يا سعادة البيه.
انت تأمر."
ابتسم أدهم في وجه الرجل، ثم أخرج من سترته رزمة كبيرة من المال، وبرفقتها صورة واضحة لريم. وبحركة سريعة قام بدسهم في جيب العامل، وقال:
"الأمر لله يا حاج.
أنا عاوز منك خدمة بسيطة أوي.
محتاجك تساعدني.
أعمل مقلب في واحدة قريبتي."
رد العامل بحماس شديد وهو يتحسس النقود في جيبه:
"تحت أمرك يا بيه.
عاوزني أعمل إيه بالظبط؟"
أدهم:
"الآنسة اللي في الصورة دي.
هتوصل في طيارة بكين بعد ساعة تقريباً.
أنا عاوزك تكون منتظرها في صالة وصول الشنط، وتطلعها لحد باب المطار."
اندهش العامل وقال:
"وهي الخدمة دي تستاهل كل الفلوس دي؟!"
رد أدهم وهو يربت على كتف العامل العجوز:
"لأ طبعاً.
أنا عاوزك تحط شنطة إيدها جوا أي شنطة من شنطها، بشرط إن ده يتم بدون ما الكاميرات تلقطك، وأكيد طبعاً... من غير ما هي تاخد بالها.
وأنت راجل قديم هنا وعارف الكاميرات محطوطة فين."
بدأ التوتر يظهر على ملامح العامل وهو يقول بارتباك:
"طب فرضا هي خدت بالها وعملت مشكلة معايا واتهمتني بالسرقة؟"
رد أدهم بهدوء:
"وهو أنت سرقت حاجة يا عم الحاج؟
ما الشنطة هتفضل طول الوقت جوا شنطة من بتوعها.
ولما تحصل المشكلة، فكل المطلوب منك إنك تاخدها للأمن بتاع المطار."
قبل العامل المهمة، وبالفعل انتظر ريم. واستغل انشغال ريم أثناء عبورها منطقة تفتيش الحقائب. ثم دس حقيبة يدها في إحدى حقائب السفر الكبيرة الخاصة بها، وحدث ما تبع ذلك من أحداث.
في نفس الوقت، كان أدهم يراقب ريم منذ أن عبرت صالة الوصول. وتعمد ارتداء قميص أبيض، وأن يتعامل معها داخل الكافيه بالشكل الذي يوحي لها بأنه يعمل كنادل في الكافيه. وقد دس بعضاً من المنوم ذو المفعول التدريجي في كوب العصير الذي شربته.
وتوالت بعد ذلك الأحداث التي تعرفها. نهاية بأن قام بخطفها، ثم اقتادها إلى تلك الحفرة، وهي تحت تأثير المنوم القوي.
***
نعود بكم الآن، إلى مشهدنا المتجمد.
وقد مر ما يقرب من عشر دقائق، إلى أن حدثت المفاجأة الكبرى. فقد توقف أدهم عن البكاء فجأة، ثم أغمض عينيه وحول فوهة المسدس المصوبة إلى رأس ريم، ووضعها تحت ذقنه.
هنا انتفضت ريم من سكونها وصاحت بقوة:
"يا نهار أسود!
انت هتعمل إيه؟
الله يخرب بيت سنينك!
انت كده هتموت كافر!"
ثم استطردت وقد بدأت في البكاء:
"بالله عليك ما تعمل كده في نفسك.
اهدا كده، وأرجوك فهمني إيه اللي بيحصل ده!"
خارت قوى أدهم، وأفلت المسدس من يده وقال بصوت يحمل كل معاني الأسى والحسرة:
"أنا مش هاقدر أشرح لك أي حاجة.
وحتى لو شرحت لك، فـأنا مستحيل تفهمي."
ردت ريم وقد زاد نحيبها:
"مش مهم، مش عاوزة أفهم أي حاجة.
بس أكيد في حل للمشكلة اللي أنت فيها، من غير ما تقتلني أو تقتل نفسك."
رد أدهم بنفس النبرة:
"صدقيني يا ريم، الموضوع أكبر مني ومنك بكتير.
وأنا فكرت كتير، ومش لاقي أي حل."
هدأت ريم قليلاً وقالت بصوت متزن:
"خلي عندك أمل في ربنا.
مفيش مشكلة إلا وليها حل.
وأنا معاك، وهاحاول أساعدك، وإن شاء الله هنلاقي طريقة نعالج بيها الموقف ده.
صدقني أنا مش هاسيبك."
في تلك اللحظة، انتفض أدهم، وكأن عبارة ريم الأخيرة قد ألهمته بمخرج آمن من تلك الورطة. فقال بصوت منفعل:
"صح، هو ده الحل.
إزاي ما فكرتش في الحل ده من الأول!"
وما أن أنهى عبارته، حتى انطلق يعدو مسرعاً، تاركاً ريم مقيدة داخل الحفرة، وهي تصرخ بصوت عالٍ:
"يا أدهم... يا أدهم!
انت يا متخلف، سبتني ورحت فين!
الله يخرب بيت هبلك ده!"
اختفى أدهم عن أنظار ريم، التي ظلت تحاول فك قيد معصمها دون جدوى. وقد غمر الظلام والسكون أرجاء المكان.
مرت الدقائق بطيئة ومخيفة، حتى عاد أدهم وقفز إلى الحفرة وهو يقول:
"توعديني يا ريم إنك فعلاً هتساعديني، وإنك هتسمعي كلامي من غير ما تسأليني أنا بعمل إيه؟"
وقبل أن ترد ريم، كان أدهم يفك وثاقها. وتلامست أيديهما، ليسري بأعماقها ذلك الشعور الغريب بالأمان، فقالت بحماس:
"أوعدك يا أدهم، ها أفضل معاك، وها نفذ كل اللي تطلبه، بدون ما أسألك بتعمل إيه."
رد أدهم وهو يلتقط مسدسه ويعطيه لريم:
"خلي المسدس معاكي، عشان تكوني مطمنة."
ابتسمت ريم وهي تعيد له المسدس:
"شوف يا أدهم، برغم إنه واضح جداً إنك مجنون، بس أنا مش عارفة أنا واثقة فيك ليه.
وأتمنى إنك تطلع راجل محترم وما تخذلنيش أبداً."
رفع أدهم حاجبًا، وقال بامتعاض:
"راجل! إيه راجل دي!"
رمقته ريم بنظرة حادة وقالت بانفعال:
"يا سلاااااام!
زعلان ومقهور أوي عشان قلت لك راجل!
هو أنت مش واخد بالك، أنت خدرتني، وخطفتني، ومن سِكة كده كنت ناوي تقتلني!"
انتبه أدهم لكم الحماقات التي ارتكبها، فقام بالقبض على يد ريم بقوة وقال بصوت حنون:
"معاكي حق.
أنا فعلاً أحمق وغبي.
ارجوكي سامحيني يا ريم."
وقد غمر ريم بنظرة حانية واستطرد:
"أوعدك إن عمري ما هاخذلك أبداً، وهـيـيجي يوم وتفهمي كل حاجة."
قال ذلك وهو يضع كفيه على كتفي ريم، فشعرت ريم بأن العالم كله قد تلاشى من حولها، وتلخص في صورة شخص واحد فقط. هو ذلك الوسيم الأخرق الذي يدعى... أدهم.
***
انقضت تلك اللحظة الرومانسية سريعاً. ثم خرج الاثنان من الحفرة، ليقص أدهم على ريم حقيقة ما فعله بالمطار، دون أن يطلعها على مبرراته لكل ما فعله.
وقد احترمت ريم رغبة أدهم في التكتم على دوافعه، فلم تسأله عن أي تفاصيل. فقد كان من الواضح أن كلاهما يسطران أولى الصفحات لقصة حب أسطورية.
***
بدأ أدهم وريم في فتح حقائب السفر، بحثاً عن حقيبة يد ريم، حتى وجداها. وهمت ريم بفتح هاتفها، لكي تطمئن أهلها، فقد مر أكثر من 5 ساعات منذ وصولها للقاهرة، ولا أحد يعلم عنها شيئاً.
هنا أوقفها أدهم قائلاً:
"إحنا اتفقنا إنك هتساعديني، وأنا عارف إن أهلك كلهم لسه في ألمانيا، يعني مفيش حد هيقلق عليكي.
فـأرجوكي ما تفتحيش تليفونك لحد ما نتفق هنعمل إيه."
ردت ريم باستسلام:
"حااااااضر يا أدهم.
بس فهمني عاوزني أعمل إيه، وأساعدك إزاي، وأنا هنفذ من غير ما أسأل."
أجابها أدهم بنبرة حاسمة:
"من اللحظة دي يا ريم، حاولي تنفذي كل اللي هاطلبه منك، مهما كان طلبي مش منطقي، أو تصرفاتي تبان غريبة.
بس لازم تفهمي حقيقة واحدة...
إن حياتك وحياتي وحياة ناس كتير تانية متوقفة على اللي هتعمليه الأيام الجاية!"
ومن تلك اللحظة، بدأ أدهم يضع خطة غامضة، لتحقيق هدف أكثر غموضاً. فطلب من ريم أن تتصل بأهلها في ألمانيا لتطمئنهم أنها بخير. ثم طلب منها أن تتصل بعم إبراهيم السائق الخاص بها وتخبره بأن يعطي كافة الخدم إجازة مفتوحة، لأنها تريد أن تكون وحدها بالفيلا.
وبعد ذلك انطلقا بالسيارة، وقد لاحظت ريم أنهم يسيرون في اتجاه مخالف لاتجاه منزلها.
اندهشت ريم وقالت بتعجب:
"هو أنت تايه يا ابني، ولا أنت مش عارف أصلاً أنا ساكنة فين؟"
رفع أدهم حاجبه مجدداً، وقال بامتعاض:
"هو يا أما عيل، يا أما ابني!
يا ريم أنا كنت طالب محترم في ابتدائي، في الوقت اللي كنتي حضرتك بتلبسي فيه بامبرز مقاس أربعة أو خمسة بالكتير."
تغاضت ريم عن سخرية أدهم السمجة، وقالت:
"برضوا ما جاوبتنيش، أنت موديني على فين؟
أنت مش ساحب معزة في إيدك، لو سمحت فهمني، إحنا رايحين فين؟"
رد أدهم وهو مبتسم:
"تعرفي إن دمك خفيف بجد، وطيبة أوي من جواكي، وجدعة ومتواضعة جداً، برغم إنه يبان العكس إنك مغرورة وسخيفة."
تحول لون بشرة ريم من الأبيض الناصع إلى الوردي الفاتح، وقالت بخجل:
"ميرسي على الكلام الحلو ده.
بس ياريتك كنت اتخرست قبل ما تعك الدنيا في الآخر.
وبرضوا ما قولتليش إحنا رايحين فين؟"
انفجرت ضحكة عالية من أدهم قبل أن يقول:
"دمك شربات، ونبيهة جداً، ما شاء الله عليكي.
وخدتي بالك إني مش عاوز أقول لك إحنا رايحين فين.
فـأرجوكي بطلي زن.
لأني فعلاً مش هقدر أقول لك أي تفاصيل."
وقبل أن ترد ريم، كان أدهم قد أوقف سيارته أمام جراج خاص بأحد المصانع الكبرى في إحدى الضواحي القديمة بالقاهرة.
اندهشت ريم وقالت:
"إيه المكان الغريب ده؟
ليه يا أدهم؟
أوعى تكون غيرت رأيك وناوي تقتلني في الحتة المقطوعة دي!"
رد أدهم بصوت غاضب:
"من أولها كده يا ريم!
إحنا اتفقنا إنك مش هتسأليني عن أي حاجة لحد ما ييجي الوقت المناسب وأشرح لك كل حاجة."
ريم وهي تضع يدها على فمها:
"حاااااضر يا أدهم، أديني اتكتمت."
رد أدهم وهو يغادر السيارة، وقد وضع كاتماً للصوت في فوهة سلاحه:
"استني هنا في العربية، وأوعي تتحركي منها لحد ما أرجع لك."
شعرت ريم بذعر شديد، فأومأت برأسها دون أن تنطق، ولكن الفضول والخوف دفعاها لأن تتسلل خلف أدهم دون أن يشعر بها.
وهنا حدثت مفاجأة مرعبة. فأدهم الذي كان منذ ساعات بسيطة يبكي كالطفال، وهو عاجز عن قتلها، قد باغَت اثنين من أفراد الأمن وأرداهما قتيلين بدم بارد. ثم دخل إلى ساحة الجراج وأشعل فيه النار. وظل يشاهد السنة اللهب التي تصاعدت للسماء، وهو يبتسم ابتسامة شيطانية.
انخلع قلب ريم من ذلك المشهد المرعب. وجرت أقدامها المرتعدة حتى عادت إلى سيارة أدهم، وقد تيقنت أنها قد منحت قلبها لوحش دموي مختل عقلياً.
رواية ضد الزمن الفصل الثالث 3 - بقلم حازم الباشا
كان ادهم يخطو مسرعا باتجاه سيارته، وما إن دخلها حتى أشعل المحرك وانطلق.
وبدأ يخاطب ريم بنبرة متوترة:
"قبل ما تسألي أنا حرقت العربيات دي ليه، أرجوكي اصبري لحد بكرة، وأوعدك إنك هتلاقي الإجابة لوحدك."
لم يكن ادهم يعلم أن ريم قد تسللت خلفه وشاهدته من بعيد وهو يقتل الحارسين بسلاحه الناري الكاتم للصوت.
مرت دقائق وادهم ينتظر أن يسمع تعقيبا من ريم، إلا أنها لم تنطق حرفا واحدا ولم تحرك ساكنا. فقد كان الرعب قد استولى عليها، فاكتفت بإيماءة من رأسها والدموع تتحجر في مقلتيها.
وظلت هذه الحالة من السكون حتى وصلا إلى منزل ريم الذي كان خاليا تماما. دخلت ريم دون أن تلتفت لادهم أو حتى ترحب به. ثم صعدت إلى غرفتها بالطابق العلوي وصفعت بابها بقوة. ثم ارتمت على فراشها وانجرفت في نحيب وبكاء.
بينما تمدد ادهم على أريكة في بهو الفيلا وغط في نوم عميق.
وفي تلك الأثناء، كان التشتت والإحباط قد بلغ مداه مع ريم. فقلبها من ناحية قد تعلق بذلك الوحش الدموي، ومن ناحية أخرى ضميرها يعذبها على صمتها عن فعلته النكراء.
ولكنها استطاعت بعد ساعات من التفكير أن تصل إلى قرار صائب. فالقاتل يجب أن ينال عقابه على جريمته البشعة، حتى وإن كانت قد أحبته.
همت ريم بالاتصال بالشرطة والإبلاغ عن جريمة القتل، إلا أنها تذكرت أن حالة الهلع التي انتابتها قد أنستها هاتفها في سيارة ادهم.
فقررت الانتظار حتى الصباح، وقد كان التعب والإرهاق قد استبد بها، فاستسلمت للنوم.
***
وفي أثناء نومها، حلمت بأنها ترتدي فستان زفاف أبيض جميل، وبجانبها يجلس ادهم، وقد علت أصوات الأغاني ودقات الدفوف من حولهم. وانتهى الحلم مع تصاعد أصوات الدفوف.
***
استيقظت ريم على صوت دقات ادهم على باب الغرفة وهو يقول:
"صباح الخير يا ريم. أنا لازم أروح مشوار مهم جدا دلوقتي ومش هتأخر."
ردت ريم بصوت صارم بدون أن تفتح الباب:
"لو سمحت، أنا عاوزة شنطي وموبايلي من عربيتك."
رد ادهم:
"حاضر يا ريم. هدخلهم لك قبل ما أمشي، بس ارجوكي ما تخرجيش من البيت لحد ما أرجع."
وبالفعل قام ادهم بنقل حقائب ريم وهاتفها إلى المنزل ثم انصرف.
طلت ريم من شرفتها لتتأكد من رحيل ادهم، ثم هرولت لتلتقط هاتفها وتتصل برقم النجدة لتخبرهم بأنها تعرف هوية قاتل فردي الأمن ومكانه.
وكالعادة، كان ذكر اسم أبيها كافيا لأن تتحرك قوات الشرطة بسرعة فائقة إلى منزلها.
في غضون نصف ساعة، كانت قوة من خمسة أفراد أمن يتقدمهم ضابط قد وصلت لمنزل ريم، التي استقبلتهم بترحاب قائلة:
"الحمد لله إنكم وصلتوا بسرعة."
رد الضابط وهو يصافح ريم بحفاوه بالغة:
"صباح الخيرات يا ريم هانم. مع حضرتك الرائد هشام عبدالرحيم من المباحث الجنائية. فين المجرم اللي حضرتك مقدمة فيه البلاغ؟"
ردت ريم بتوتر:
"للأسف هو خرج دلوقتي، بس قالي إنه مش هيتأخر."
رد هشام بصوت منفعل وقد علت وجهه كل ملامح التعجب:
"أفندم! معلش قولي تاني كده عشان أنا تقريبا ما سمعتش حضرتك كويس. هو مين ده اللي خرج؟ وقال لك مش هيتأخر؟ أنا مش فاهم أي حاجة!"
تلعثمت ريم وقالت:
"ارجوك يا أستاذ هشام، ما تتعصبش عليا. اديني فرصة وأنا هاشرح لك الموضوع كله."
ثم انطلقت ريم تقص على الرائد هشام تفاصيل كل ما حدث بينها وبين ادهم. بداية من واقعة اختطافها ومحاولة قتلها، ومرورا بقتل فردي الأمن، ونهاية بحرق عربات نقل عمال المصنع.
وبمجرد أن انتهت ريم من روايتها لكل الأحداث، حتى صاح هشام بكل حماس:
"ولا يشغل بالك يا ريم هانم، إحنا بعون الله هنجيب الكلب ده من قفاه."
قاطعته ريم بنبرة منفعلة:
"لو سمحت، ما تقولش عليه كلب، أنا ما اسمحلكش. وبعدين المتهم بريء حتى تثبت جريمته."
قاطعها هشام:
"قصدك حتى تثبت... إدانته. وبعدين ما هو أدانه أهيه... واقفة بتتكلم قدامي. أنا مش فاهم حاجة."
ردت ريم بغيظ واضح:
"هو إيه اللي في كلامي مش مفهوم؟ ما أنا حكيت لحضرتك كل حاجة."
تمالك هشام غيظه وحاول أن يستعيد نبرته الهادئة وقال:
"اللي مش مفهوم يا أفندم هو إن حضرتك زعلتي واتقهرتي أوي عشان قلت على الكلب... بلاش الكلب... الفهد اللي خطف حضرتك. اسمه إيه؟"
زاد تهكم هشام من توتر ريم، فصاحت فيه بكل حدة:
"لو حضرتك فضلت تتريق كده على كلامي فأنا هكون مضطرة أنهي المقابلة دي!"
رد هشام بنبرة ساخرة:
"مقابلة إيه اللي عاوزة تنهيها دي! هو أنا جاي لحضرتك من (كارفور المعادي)؟ أنا معايا محضر ولازم أقفلُه!"
تمتمت ريم بكلمات غير مفهومة، ولكنها رضخت في النهاية.
فقام هشام بتحرير محضر رسمي كتب فيه كل اتهامات ريم لادهم. وقامت الأخيرة بالتوقيع على أقوالها في المحضر، وهي تقول:
"هو حضرتك مهتم أوي ليه بقصة الخطف وسايب الموضوع الأهم... جريمة القتل؟"
رد هشام:
"خطف أنثى والشروع في القتل دي جناية، إنما حرق الجراج ده مجرد جنحة، والحمد لله مفيش أي حالات وفاة أو حتى إصابات حصلت في الجراج."
قاطعته ريم باندهاش:
"إزاي يعني مفيش حالات وفاة! أنا بقول لحضرتك أنا كنت هناك وشفت ادهم وهو بيضرب نار على الرجلين اللي كانوا بيحرسوا الجراج."
رد هشام:
"يا فندم، أنا تواصلت مع قسم شرطة مصر القديمة واتأكدت بنفسي من الواقعة."
ريم بلهجة مستعطفة:
"طب ينفع حضرتك تتصل بيهم تاني لأني عاوزة أعرف إيه اللي حصل بالتفصيل."
بدا الغضب واضحا على ملامح هشام، إلا أن مكانة والد ريم في المجتمع منعته من التعبير عن ذلك الغضب. فرد بنبرة هادئة:
"تحت أمر حضرتك، بس أكيد الاتصال ده مش هينفع دلوقتي، لأن الدنيا مقلوبة بسبب موضوع حريقة المصنع."
ردت ريم بصوت مرتعد:
"هي الحريقة وصلت للمصنع!"
أجابها هشام بنبرة ساخرة:
"حريقة إيه يا ريم هانم اللي هتوصل من جراج في مصر القديمة لمصنع في العاشر من رمضان بينهم وبين بعض 100 كيلومتر! وبعدين حريقة الجراج دي كانت امبارح بالليل والمصنع اتحرق النهارده الصبح!"
ريم بصوت منفعل:
"يبقى أكيد ادهم هو برضه اللي حرق المصنع، عشان كده خرج وسابني."
ضحك هشام بصوت عالٍ، ثم قال:
"واضح جدا إن حضرتك مغلولة جدا من الواد ده ونفسك تلبسيه مصيبة كبيرة بأي طريقة. عموما ما تقلقيش، المحضر بتاعك ده هيلبسُه 25 سنة سجن. لكن موضوع حريقة المصنع ده... هو ملوش أي دخل بيه."
ريم وقد وصل احتقارها إلى ذروته:
"إزاي يعني؟ أنا مش فاهمة."
رد هشام:
"المصنع ده كان قديم ومتهالك وجايله أمر إزالة من أكتر من سنة وصاحبه كان عمال يماطل. والنهاردة الصبح سقف المصنع وقع كله ودمر خزانات السولار اللي جوه المصنع. وده اللي عمل الحريقة الضخمة دي. وستر ربنا إن مفيش حد من العمال كان متواجد النهارده بسبب التلفيات والحرايق اللي حصلت في أتوبيسات الشركة بالليل."
بدأت ريم في ربط الحقائق ببعضها البعض. فما أطلقه ادهم بالأمس على الحراس، أما كان رصاصا مطاطيا أو إبر مخدرة، وليس رصاصا حقيقيا. وما قام به من إحراق وإتلاف لحافلات نقل العمال، كان هو السبب في تغيبهم عن العمل اليوم، وبالتالي فقد أنقذ ادهم حياة أكثر من ألف عامل.
لكن السؤال المرعب الذي برق في عقل ريم... هو كيف علم ادهم بأن المصنع سوف ينهار غدا! خصوصا وأن هذا الانهيار لم يكن مدبرا.
سرت قشعريرة غريبة في جسد ريم عندما جال هذا السؤال بخاطرها. واكتشفت أنها ظلمت ادهم وخانت ثقته فيها. بل وأنها حكمت على هذا الشخص البريء بالهلاك.
فذلك المحضر الذي ذيلته بتوقيعها منذ قليل، سيكون سببا بأن يمضي ما تبقى من عمره داخل ظلمات السجن.
انتاب ريم ندم شديد لما فعلته، وانخرطت في نوبة بكاء هستيرية. لم يوقظها إلا أصوات رنين جرس باب الفيلا.
هرولت ريم مسرعة صوب الباب، إلا أن هشام وجنوده كانوا أسرع منها. ومن بين مناكب الجنود، لمحت ادهم وهو ينظر لها وقد جمّـَـتـْـه الصدمة، فتجمد في مكانه.
وفي لحظات انقض عليه أفراد الأمن، ثم أسقطوه على الأرض، وعيناه لا تتحرك عن ريم، حيث دار بينهما حوار بالعيون فقط.
فعيناها تقول... أنا آسفة سامحني.
وعيناه ترد... أنتِ خذلتيني.
رواية ضد الزمن الفصل الرابع 4 - بقلم حازم الباشا
لمعت فكرة في عقل ريم، فصرخت في الجنود وهي تحاول إزاحتهم عن أدهم:
"انتو بتعملوا إيه يا أغبيا؟ ده أحمد ابن أونكل رأفت، وزير الزراعة!"
كان لتلك العبارة مفعول الصاعقة على الجنود. انتفض الجميع وأفلتوا أدهم.
نهض أدهم ببطء وهو ينفض التراب عن ملابسه. وثب هشام ليربت على كتفه وقال بصوت متحشرج:
"إحنا آسفين يا أحمد بيه، ارجوك سامحنا على سوء التفاهم ده."
قبل أن يرد أدهم، قطعت ريم الحوار وهي تحاول أن تمسك يده:
"معلش يا أحمد، هما افتكروا إنك المجرم اللي حكيت لك عنه في التليفون."
أزاح أدهم يد ريم بشكل صارم وقال بصوت منفعل:
"حصل خير يا..."
استطردت ريم موجهة كلامها لهشام:
"معلش يا هشام بيه، أنا من اللخبطة اللي كنت فيها نسيت أقولك إني اتصلت بأحمد عشان يكون معايا، لأني خفت إنكم تتأخروا."
رمق أدهم ريم بنظرة نارية ثم قال:
"أظن إنه خلاص مفيش داعي لوجودي. البركة في هشام بيه ورجالته، هما هيعرفوا يتعاملوا مع المجرم الحقير ده أحسن مني ألف مرة."
رد هشام بابتسامة عريضة:
"أوعد حضرتك إن الحيوان ده هيبات الليلة في الحبس، وبكرة الصبح هيتعرض على النيابة بتهمة خطف أنثى والشروع في قتلها، وبعدها أوعدك إنه هيقضي باقي عمره في السجن!"
رد أدهم بابتسامة صفراء باهتة:
"البركة في ريم، لولا شجاعتها وذكائها ما كنتوش هتعرفوا تمسكوا الحيوان اللي حضرتك بتتكلم عليه ده."
كانت ريم تبذل جهدها لتمنع نفسها من البكاء، حفاظًا على خطتها. حاولت أن تقترب من أدهم لتمسك يده مرة أخرى، إلا أنه انتبه لخطواتها فأخذ خطوة للوراء.
صمتت وهي تتطلع إلى أدهم بنظرة استعطاف منكسرة، بينما بادله أدهم بنظرة تحمل كل معاني الاشمئزاز والخذلان.
انسحب أدهم في هدوء، بعد أن صافح هشام بكل ود، متجاهلاً مصافحة ريم. ثم قال وهو يبتسم ابتسامة باهتة مصطنعة:
"معلش بقا يا جماعة، أنا مضطر أمشي. زي ما انتي عارفة يا ريم، أنا لازم أسافر."
استطرد وهو يرمق ريم بنظرة لخصت كل مشاعر الخذلان في قلبه:
"بس بجد يا ريم، مفيش أي كلمة ممكن تعبر لك بيها عن مدى فخري وسعادتي بذكائك وشجاعتك دي. أشوف وشك على كل خير."
ردت ريم بصوت كله أسى، بينما كان أدهم قد أدار لها ظهره مبتعدًا:
"خد بالك من نفسك، وارregu سامحني على كل الأذى اللي سببتهولك."
ظلت ريم تراقب أدهم وهو يبتعد ويستقل سيارته وينطلق، تاركًا ريم يلتهمها ندم مميت وقلبها يتمزق أسفًا على أدهم، فهي تعلم أنها لحظات الوداع الأخيرة.
مضت ساعات عديدة والجنود يجوبون كل مداخل ومخارج الفيلا في انتظار ظهور المجرم دون جدوى. استبد الضجر والاحباط بهشام من طول الانتظار.
فقرر أن يسحب القوة ويغادر، ودار بينه وبين ريم الحوار التالي:
هشام مخاطبًا ريم:
"ريم هانم، إحنا بقالنا أكتر من ٥ ساعات هنا والمجرم ما ظهرش. وأنا أعتقد إنه حس بوجودنا ساعة ما جه أحمد بيه، عشان كده هرب."
ردت ريم بصوت عليه الإعياء والتعب:
"معاك حق، شكله فعلاً هرب ومش راجع تاني."
استطرد هشام:
"طيب أنا مضطر أسحب القوة وأمشي. وهاسيب مع حضرتك رقمي، لو حصل أي جديد يا ريت تبلغيني فورًا وأنا هاكون عندك في أقل من ربع ساعة."
نادى هشام على أحد معاونيه وقال:
"اجمع القوة يا سعيد، واعمل حسابك إنك هتسيب فرد أمن يفضل حراسة هنا على بيت ريم هانم لحد الصبح."
رد العريف سعيد بكل انضباط:
"حاضر يا أفندم، علم وينفذ يا هشام بيه."
قاطعتهم ريم بصوت منكسر، وقد بدا عليها الإعياء الشديد:
"مفيش داعي يا هشام بيه، أنا هاروح أبات عند عمتي وهناك في حراسة وأمن كتير أوي."
هشام بصوت منفعل:
"انتي كويسة يا ريم هانم؟ انتي شكلك تعبانة، تحبي أوديكي أي مستشفى أو أطلب لك دكتور هنا؟"
أجابته ريم بحسرة واضحة:
"لا، أنا تمام. كل الحكاية إني بقالي يومين ما نمتش، ومتشكرة على اهتمام حضرتك."
هشام بنبرة ودودة:
"طب تحبي أوصلك لحد بيت عمتك؟"
ريم:
"كتر خيرك يا أفندم، أنا هاطلب السواق بتاعي يوصلني. ارجوك ما تعطلش نفسك أكتر من كده، وأسفة على كل التعب اللي سببته لكم النهارده."
ما أن انصرف هشام وجنوده، حتى انخرطت ريم في نوبة بكاء محمومة، حتى سقطت على الأرض في بهو الفيلا مغشيًا عليها.
وفي مساء نفس اليوم، وعلى أحد المقاهي المشبوهة في منطقة نائية بالقاهرة، كان سعيد معاون الرائد هشام يجلس مع أحد أصدقائه، والذي يعتبر واحدًا من أشهر المجرمين في تلك المنطقة.
دار بينهما هذا الحوار:
المجرم الملثم:
"خير يا سعيد؟ اتصلت بيا وجبتني على ملا وشي ليه؟ مش إحنا متفقين إن أي ترتيبات بينا تبقى في التليفون عشان ما نفتحش عيون البوليس علينا!"
رد سعيد:
"مكنش ينفع يا صاحبي، أنا جايب لك النهارده خبطة العمر، عملية هنعدي بيها الفقر والضنك اللي إحنا عايشين فيه ده."
سال لعاب المجرم وهتف بحماس:
"إيه بقا ده الكلام؟ شوقتني يا سعيد. هنسرق مين الليلة؟"
رد سعيد وهو يناول المجرم مفتاحًا صغيرًا:
"هنسرق فيلا ناصر الحديدي! أنا كنت في مأمورية هناك الصبح، ومن حظك الحلو إني بالصدفة لقيت مفتاح باب الخدمين، ومن تساهيل ربك الفيلا الليلة فاضية."
ارتبك المجرم وقال بنبرة متوترة:
"فيلا ناصر الحديدي حتة واحدة! دي عملية خطيرة أوي يا سعيد، لو اتقفشنا هنروح كلنا في ستين داهية."
رد سعيد بصوت هادئ:
"جمد قلبك يا عم الحاج، العملية دي هتلبس في واحد تاني خالص."
زاد اندهاش المجرم وقال:
"أنا مش فاهم أي حاجة!"
رد سعيد بهدوء:
"ابلع ريقك كده وأنا هفهمك. بنت الحديدي عاملة بلاغ في واحد متهمة إنه خطفها وحاول يقتلها، والنهاردة إحنا رحنا عشان نقفشه، بس ابن المحظوظة هرب قبل ما نوصل، وضيع علينا حلاوة من أبوها مكنتش هتقل عن مليون جنيه!"
المجرم بصوت كله حماس:
"مليوووون جنيه حلاوة! أومال اللي خاطفها كان طالب فيها كام؟"
سعيد:
"وأنا إيش عرفني... بس أنا واثق إنه لو طلب 100 مليون كان أبوها هيدفعهم. الناس دي عندها فلوس مالهاش أول من آخر يا عم الحاج."
انتهى الحوار وافترق الشيطانان، وقد أسرع المجرم في حشد أفراد عصابته استعدادًا لاقتحام فيلا ناصر بيه الحديدي.
وعند منتصف الليل، تسلل المجرم الملثم إلى فيلا ناصر الحديدي وقام بقطع التيار الكهربي، فساد ظلام دامس كل أرجاء الفيلا.
وفي أثناء تفقده للفيلا، فوجيء بجسد ريم ممددًا على الأرض.
انتهى ذلك المشهد بأن قرر المجرم أن يغير الخطة الأصلية ويقوم باختطاف ريم، وذلك بعد أن اكتشف أنها في حالة شديدة من الإعياء، وقد أصابها هذيان شديد، مما أفقدها أدنى قدرة على المقاومة.
فقام بتغطية جسدها، ثم حملها بين ذراعيه، وتسلل بحذر إلى خارج الفيلا، دون أن يشعر به بقية المجرمين الذين انشغلوا بنهب محتويات الفيلا.
وبسرعة شديدة خرج المجرم من الفيلا، ووضع ريم في سيارته، وانطلق مغادرًا في هدوء وحذر تام، حتى وصل إلى وكره الخاص، في إحدى المناطق السكنية الجديدة التي كانت لا تزال معظم مبانيها تحت الإنشاء.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت ريم وهي في حالة يرثى لها من الغثيان والتخدر، وكأنها قد ابتلعت برميلاً كاملاً من الخمر الفاخر.
فتحت عينيها بصعوبة شديدة، وهي تشعر بألم عنيف يفترس كل خلية من جسدها، لتجد نفسها مكبلة اليدين والقدمين في فراش قديم، داخل غرفة صغيرة مظلمة خالية من الأثاث، لا يوجد بها أي نوافذ، فقط باب حديدي موصد عليها.
حاولت ريم أن تصرخ، إلا أن حالة الإعياء الشديدة منعتها، فخرج صوتها مبحوحًا بسعال شديد، وهي تهمهم بكلمات غير واضحة.
انتبه المجرم الملثم لصوت ريم وأدرك أنها قد استفاقت، فأسـرع إلى غرفتها، والتقط زجاجة محلول متدلية بجوار فراش ريم، وقام بحقنها بمادة ما، ثم غادر الغرفة وأوصد بابها بإحكام.
تنبهت ريم لذلك الأنبوب المتصل بوريدها، وأدركت بأن ذلك الملثم القذر قد حقنها بمادة مخدرة. وقد شعرت بيديه وهي تزحف على جسدها.
فاستجمعت ما تبقى من قوتها، في محاولة فاشلة لفك قيود يديها وقدميها، وظلت تصرخ:
"ابعد إيدك عني يا حيواااان! ابعد إيددددددك القذرة دي عني!"
واستمرت تردد نفس العبارات، حتى سقطت مجددًا في بئر عميق مظلم من اللاوعي.
ظلت ريم على تلك الحالة من اللاوعي، لأكثر من أسبوع. فهي غائبة عن الوعي طوال الوقت، لا تستفيق إلا للحظات بسيطة، على لمسات ذلك الوحش لجسدها، أو على وخزات إبر المخدر في وريدها.
واكتشفت أنها قد أصبحت مجرد دمية لإشباع شهوات ذلك الوحش الدنيء.
رواية ضد الزمن الفصل الخامس 5 - بقلم حازم الباشا
مضت أيام عديدة لم تستطع ريم احتساب عددها، فقد كانت تعيش في هذا الجحيم المظلم داخل تلك الغرفة الصغيرة، وهي في حالة من الهذيان والتخدير، ما بين غياب للعقل وانتهاك للجسد.
كانت لحظات استفاقتها لا تتجاوز بضع دقائق كل يوم، إلا أنها كانت تمر عليها كسنوات طويلة من العذاب والألم والعار. فكل ذرة من جسدها تئن من الألم الفظيع الذي قد وصل لأعمق عظامها، وكل خلية من عقلها تصرخ من صداع شرس يفترسها ببطء شديد، وكل بقعة من جسدها تشمئز من لمسات ذلك المجرم الحقير.
وزاد من حسرتها ومرارتها أنها قد فقدت حتى قدرتها على الكلام، فذلك السعال الحاد قد أخرسها تمامًا عن النطق.
حتى جاء يوم ما وحدثت المعجزة.
واستيقظت ريم لتجد نفسها في حالة من الوعي التام والإدراك الكامل، وقد اختفى ذلك الصداع المرير من رأسها، حتى أن أنفاسها المكتومة أصبحت تخرج بشكل طبيعي.
لم تجد ريم تفسيراً لهذا التحول الغريب، ولم تكترث للتنقيب عن أسبابه، فقد كان كل ما يشغل بالها في تلك اللحظة هو الانتقام من ذلك المسخ الذي انتهك جسدها ودنس شرفها الغالي.
فحسمت أمرها بأن تقتله وتمزق جسده إلى أشلاء، لتجعله عبرة لكل من تسول له نفسه الإقدام على ذلك الفعل الدنيء.
وبدأت ريم في محاولة فك قيودها ببطء وحذر شديدين، ساعدها في ذلك استعادتها لعافيتها من جهة، وضعف الأربطة التي تقيد معصميها وقدميها من جهة أخرى، والتي كانت مجرد أقمشة حريرية ناعمة، إلا أن المخدر قد جعلها تتوهم أنها مكبلة بسلاسل حديدية غليظة.
وأخيراً نجحت ريم في فك قيودها، وتسللت بحذر لتبحث عن أي آلة حادة داخل تلك الغرفة، حتى وجدت سكينًا صغيرًا، فعادت إلى فراشها وأعادت ربط القيود بشكل وهمي، وقد أخفت السكين تحت ساقيها.
ثم قامت بالنوم في وضع مثير حتى تشتت انتباه ذلك الوحش، وتباغته بطعنة نافذة فور دخوله غرفتها.
مرت دقائق حتى سمعت ريم صوت وطء خطوات ذلك المجرم وهي تقترب من الغرفة، فأغلقت عينيها متصنعة النوم.
وما إن دخل الوحش الغرفة واقترب منها، حتى باغتته بطعنة نافذة في أحشائه، فسقط على الأرض والدماء تسيل منه.
وبسرعة شديدة انقضت ريم على المجرم وهمت بنزع ذلك القناع الغريب الذي يخفي وراءه ملامحه البشعة، لتبادره بطعنة جديدة في عينيه، وهي تصرخ بجنون: "أنا هقطع جسمك ده عشرين حتة يا حيوان يا قذر يا..."
وفجأة انخرس صوت ريم وتجمدت في مكانها.
وقد سقط السكين من يدها وشحب وجهها فصار أقرب لوجوه الموتى من هول الصدمة.
فلقد كان ذلك الوحش الحقير هو أدهم.
الزمان: في مطلع عام ٢٠٢٨ ميلادياً.
المكان: المركز العالمي للبحوث الطبية بالقاهرة.
حيث انعقد مؤتمر صحفي عالمي في إحدى قاعات المركز، وذلك للإعلان عن نجاح فريق طبي مصري في إنتاج علاج جديد للمتحور رقم خمسة من فيروس كورونا.
وبدأ المؤتمر بصعود مندوب من منظمة الصحة العالمية إلى المنصة، حيث بدأ كلامه بالترحيب بالحاضرين وعلى رأسهم الباحثة المعروفة الدكتورة نوران عزمي رئيسة الفريق الطبي.
ثم قام بتقديمها لإلقاء كلمتها قائلاً: "رحبوا معي جميعاً بمخترعة أحدث وأفضل علاج لوباء كورونا".
صعدت الدكتورة نوران إلى المنصة وسط موجة تصفيق حارة من الحاضرين، وبدأت حديثها قائلة: "أشكر جميع الحضور، ولكني حابة أصحح المعلومة اللي قالها زميلي الفاضل، أنا لم أخترع أي دواء، أنا فقط توصلت لبروتوكول ناجح مكون من مجموعة أدوية معروفة ومتداولة بالفعل من عشرين سنة، لكنها للأسف لم تكن تستخدم ضمن أي بروتوكول سابق لعلاج الكورونا".
ثم استطردت قائلة: "وعلى الرغم من أن البروتوكول الجديد بيدخل المريض في حالة من عدم الإدراك الواعي أشبه بتأثير البنج المخدر، إلا أنه بفضل الله كان فعالاً جداً على أكثر من 1000 حالة، وتماثلوا للشفاء التام في خلال أسبوع واحد تقريباً".
قاطعها أحد الصحفيين سائلاً: "طب مع حالة التخدير دي إزاي المريض بيقدر ياكل ويشرب طول فترة العلاج؟"
ردت دكتورة نوران: "إحنا كنا بنعتمد على تغذية المريض عن طريق المحاليل طول فترة العلاج زي حالات الغيبوبة في العناية المركزة، لكن مش هو ده الجزء الصعب".
ثم استطردت قائلة: "الصعوبة الحقيقية هي أن جزء من البروتوكول العلاجي كان بيستلزم دهان جسم المريض بمرهم باسط للعضلات، وده لمساعدة العضلات على مقاومة أضرار الفيروس".
صمتت الدكتورة نوران للحظة، ثم أشارت إلى زملائها في الفريق الطبي بالصعود إلى جوارها بالمنصة، وقالت بصوت حماسي: "عشان كده أنا لازم أوجه الشكر لكل زمايلي في الفريق الطبي اللي تحملوا الإهانة، وبعضهم تعرض للضرب من بعض المرضى".
ثم علا صوتها بنبرة خجل وهي تقول: "وده بسبب حالة انعدام الوعي للمرضى، فكان معظمهم بيتوهموا إنهم بيتعرضوا للتحرش والاعتداء الجنسي أثناء قيام أفراد الفريق الطبي بدهان أجسامهم بالمرهم".
في تلك اللحظة غمرت القاعة موجة من التصفيق الحار تقديراً لذلك الجهد والعناء الذي تحمله أفراد الطاقم الطبي.
بينما توجهت دكتورة نوران إلى شاشة العرض الضخمة الموجودة في القاعة وقامت بتشغيلها، لتظهر صورة لفتاة شقراء بارعة الجمال.
وما إن رأى الحاضرون تلك الصورة حتى برزت ملامح الاستياء الواضحة على وجوههم، وانفجرت حالة من الهرج والهمهمة في أرجاء القاعة.
قطع تلك الحالة صوت الدكتورة نوران وهي تقول بنبرة يكسوها الحزن: "أنا عارفة إن الصورة دي بتثير مشاعر الحزن والغضب عند معظمكم، وده لأنكم للأسف بتحملوا البنت المسكينة دي ذنب موت ملايين المصريين في الهجمة الأولى للفيروس على مصر سنة 2020".
تنهدت الدكتورة نوران وقد بدأت الدموع تلمع في عينيها، وقالت بصوت متلعثم: "لكن ده ظلم كبير من المجتمع للبنت دي، لأن أي حد منا كان ممكن يكون مكانها، ده قضاء ربنا. وصدقوني البنت دي اتعذبت شهور طويلة وهي بتكافح المرض، وزي ما هي كانت سبب في دخول المرض لمصر، فهي أيضاً كانت سبب في حصولنا على نسخة من الفيروس الأصلي، وده اللي ساعدنا نقدر نعمل تجارب توصلنا لطريقة القضاء عليه. وعشان كده فأنا برجو من جميع الحاضرين قراءة الفاتحة على روح الشهيدة ريم ناصر الحديدي".
وبالفعل امتثل جميع الحاضرين لمطلب الدكتورة نوران، ووقفوا يتلون الفاتحة على روح بطلتنا المسكينة ريم الحديدي.
ومع انتهاء ذلك المشهد تنتهي رحلتنا عبر الزمن، فالمشهد السابق كان يجسد إحدى النسخ من المستقبل، والتي قد علم بها أدهم بطريقة ما، وقرر أن يتدخل ويغير هذا المستقبل المأساوي.
فقد كانت خطة أدهم في البداية هي قتل ريم الحديدي التي عادت من الصين وهي تحمل النسخة الأصلية الفتاكة من فيروس كورونا في نهاية عام 2020، حيث تدور أحداث قصتنا.
وكان قتل ريم هو رحمة بها من معاناة كانت سوف تستمر لأسابيع طويلة، قتل أن تفارق الحياة جراء ذلك الوباء اللعين، كما كان قتلها في تلك البقعة المعزولة من الصحراء سوف يدمر تلك النسخة القاتلة من الفيروس وينقذ ملايين من الأرواح البريئة.
إلا أن ما تفجر من مشاعر بين أدهم وريم منعه من قتلها، وقد ألهمه الله بأن يعدل تلك الخطة عندما قالت له ريم "إن لكل مشكلة علاج".
وبدلاً من أن يقتل ريم، فقد بدأ في علاجها مستخدماً ذلك البروتوكول الطبي الذي لم يكن قد تم اكتشافه إلا في عام 2028.
وقد نجح أدهم في خطته الجديدة وقام بعلاج ريم، إلا أن تلك الحمقاء ريم قد تسرعت وقتلته، ظناً منها أنه كان ينتهك جسدها، وهذا الشيء لم يحدث إلا في خيالها المشوش فقط.
رواية ضد الزمن الفصل السادس 6 - بقلم حازم الباشا
انخلع قلب ريم من مكانه، وهي تشاهد أدهم غارقًا في دمائه. سالت الدموع من عينيها رغما عنها، بينما ظل عقلها غاضبا ومشتتا، فهي لا تستوعب لماذا تصرف معها أدهم بهذه البشاعة والوحشية.
صرخت بكل غضب:
إنت إيه يا أخي!
إنت مستحيل تكون بني آدم طبيعي.
إنت أكيد مختل عقليًا!
في تلك الأثناء، كان أدهم يحاول النهوض، وهو يضع يده على بطنه، في محاولة يائسة لمنع نزيف الدماء.
وقال بصوت يكسوه الألم:
انتي معاكي حق...
أنا فعلاً مش بني آدم طبيعي يا ريم.
بس ارجوكي اديني فرصة...
وانا هاشرح لك كل حاجة.
مدت ريم يدها معاونة أدهم على النهوض من الأرض، وأجلسته على الفراش وهي تقول:
ما تتكلمش دلوقتي خالص.
أنا لازم أطلب الإسعاف حالا.
كان مصدر ذلك التغير المفاجئ في سلوك ريم، من الغضب الناري إلى السكينة والعطف، هو تلك اللمسة السحرية التي حدثت عندما تشابكت يدها مع يد أدهم، بينما كانت تعاونه على الجلوس في فراشه.
تلك اللمسة التي كانت ولا تزال قادرة على غمر كيان ريم بكل السكينة والأمان.
وكأن سحرًا ما يتدفق من يديه إلى يديها، ثم يغمر كل ذرة من جسدها، ليحتضن في النهاية... قلبها النقي العطوف.
قطع صوت أدهم المتحشرج تلك اللحظة الرومانسية قائلاً:
مش هينفع تتصلي بالإسعاف.
لأن البوليس بيدور عليا.
ولو دخلت أي مستشفى...
هيتقبض عليا فورًا.
ردت ريم بهلع:
اومال هنعمل إيه!
إنت بتنزف...
ولازم دكتور يشوفك حالا...
ويوقف النزيف ده.
رد أدهم بصوت متهالك:
أنا دكتور يا ريم.
ولو سمحتي اهدي.
الجرح ده مش عميق...
بس لازم نوقف النزيف بسرعة.
سكت لحظة ليستجمع أنفاسه، ثم استطرد قائلاً:
اسمعي اللي هاقولك عليه...
ونفذيه بالظبط.
لأني في خلال دقايق...
هافقد الوعي بسبب النزيف.
في تلك اللحظة... تذكرت ريم تلك المحادثة التي دارت بينهما في أول لقاء جمعهما، عندما أخبرها أدهم أنه جاء إلى المطار لتوديع طبيب زميل له.
وعلى الفور... قامت ريم بتنفيذ كل الخطوات التي طلبها أدهم، من تطهير للجرح، وخياطة للجلد وتضميده.
فمن حسن حظهما أن ذلك المنزل، كان مجهزًا بكل المستلزمات الطبية.
وكأنه قد تم إعداده مسبقًا ليكون نموذجًا لجناح طبي متكامل.
وأخيرًا... تم الأمر بنجاح، وتوقف النزيف، واستقرت حالة أدهم، لكنه سقط غائبًا عن الوعي!
فانتهزت ريم الفرصة، لتتفقد ذلك المنزل، حيث وجدت دفتر مذكرات أدهم!
وكان ذلك الدفتر يحتوي على مفاجأة صادمة!
وبرغم هول وضخامة تلك المفاجأة، إلا أنها قد أجابت عن كل علامات الاستفهام التي تدور حول ذلك الشخص الغامض المدعو... أدهم.
قرأت ريم كل حرف مكتوب في ذلك الدفتر، وهي في حالة من الذهول.
إلا أنها أخيرًا قد وجدت إجابات لكل الأسئلة التي كانت تعصف بعقلها!
وما أن أنهت قراءة تلك المذكرات، حتى هرعت إلى أدهم، وعيناها تكسوها الدموع، بينما ارتسمت على ملامحها ابتسامة واسعة.
اقتربت ريم بحذر من أدهم، وقامت بتقبيل يديه بكل حب وهي تقول:
أنا آسفة يا أدهم.
سامحني يا قلبي.
سامحني يا حب عمري!
ثم احتضنته برفق، وأسندت رأسه على صدرها، كأم حنون، واستسلمت للنوم.
وقد تبدد كل الغضب والحزن والارتباك بداخلها، وتحول إلى فيض غامر من الحب والحنان.
والآن جاء دورك عزيزي القارئ لتعرف من هو (أدهم) وما سر كل تلك التصرفات الغريبة التي قام بها!
وحتى لا تتسرع بالحكم على قصتنا، بأنها إحدى القصص الخيالية التي تتناول فكرة (السفر عبر الزمن).
فدعني أستعيد معك أول جملة قرأتها ريم في مذكرات أدهم.
فقد استهل أدهم مذكراته بالآية رقم ٦٥ من سورة الكهف:
بسم الله الرحمن الرحيم
[فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا]
صدق الله العظيم.
ولمن لا يعلم... فتلك الآية الكريمة كانت تتحدث عن رجل منحه الله علمًا واسعًا (بالمستقبل).
وقد عُرف ذلك الرجل في معظم كتب السيرة النبوية المشرفة، باسم "سيدنا الخضر".
وتعتبر قصته مع سيدنا "موسى" هي إحدى أشهر قصص القرآن الكريم.
وفي عالمنا المعاصر، تم رصد العديد من الوقائع في كتب (علم الماورائيات) تتحدث عن أشخاص يتمتعون بقدرات مماثلة، وقد أطلق عليهم اسم "المستبصرون".
وفي قصتنا... يعتبر أدهم واحدًا من هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بتلك النعمة، وهي معرفة بعض الأحداث التي سوف تحدث في المستقبل.
كان أدهم على علم (ألهمه الله إياه، عن طريق رؤية واضحة تندفع إلى عقله أثناء النوم) بأن ريم سوف تكون سببًا في نقل وباء كورونا إلى مصر، بعد عودتها من تلك الرحلة التي قامت بها إلى الصين.
وكان ذلك قبل تفشي الوباء في العالم بأسابيع قليلة.
وقد كانت ريم تحمل في دمائها نسخة شرسة جدًا من ذلك الفيروس اللعين، الذي قد يتسبب في الفتك بملايين الأبرياء (غرارًا لما حدث بالفعل في إيطاليا على سبيل المثال).
وقد كان أدهم يعلم أنها ستلقى حتفها، بعد صراع مرير مع الألم والمرض.
فألهمه الله أن يعجل بموتها، رحمة بها من عذاب المرض، ووقاية للملايين من الأبرياء، الذين كان ذلك الوباء سوف يتسبب في وفاتهم.
فقام بحفر تلك الحفرة في الصحراء، وأعد خطته المحكمة، لتقتلها في مكان معزول، لتفنى معها تلك النسخة القاتلة من الفيروس.
(للعلم: فقد قام سيدنا الخضر بقتل غلام صغير، أثناء رحلته مع سيدنا موسى، وكان ذلك امتثالًا لأمر من الله عز وجل).
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه أدهم، فلقد عجز عن قتل ريم، وقاده الحوار الذي دار بينهما في ذلك الوقت لأن يبحث عن (علاج) لها بدلًا من (قتلها).
فتركها في الحفرة، وذهب يتضرع إلى الله أن يلهمه الصواب، ثم عاد إليها.
وقد هداه الله إلى خطة بديلة لإنقاذها، وكذلك إنقاذ ملايين الأبرياء من ذلك الوباء اللعين.
(لمزيد من التفاصيل - برجاء مراجعة الحلقة الثانية).
وفي أثناء ذلك، كان أدهم قد علم (بالهام من الله) بأمر انهيار ذلك المصنع.
فقام بإتلاف سيارات نقل العمال، لإنقاذهم من ذلك المصير القاتل.
(لمزيد من التفاصيل - برجاء مراجعة الحلقة الثالثة).
وتوالت بعد ذلك الأحداث التي تعرفها عزيزي القارئ...
حتى ألهم الله أدهم، بأن يذهب لاختطاف ريم في نفس توقيت السطو الذي دبره ذلك الشرطي الفاسد "سعيد" وأعوانه من المجرمين.
وقد قام مسبقًا بتجهيز ذلك المنزل بكل اللوازم الطبية التي يحتاجها، بعد أن (ألهمه الله) بذلك البروتوكول الطبي الفعال، والذي لن يتم اكتشافه إلا بعد ثمانمائة عام من الآن، على يد د/ نوران.
ولم يقم أدهم بأي انتهاك لجسد ريم، فقد كان كل ما تشعر به هو مجرد هذيان وهلوسة بسبب المخدر، أثناء قيام أدهم بمسح جسدها بذلك المرهم الباسط للعضلات.
حيث أن كلا من المخدر والمرهم، هما عنصران مستحدثان في ذلك البروتوكول العلاجي الجديد.
(لمزيد من التفاصيل - برجاء مراجعة الحلقة الخامسة).
كان تدخل أدهم، هو تغييرًا في مسار المستقبل، فتلك النسخة التي عرضناها من عام ٢٠٢٨، قد تم محوها.
فريم التي سقطت في الفيلا، وقد بدأت تظهر عليها آثار المرض، لن تقوم د/ نوران بعلاجها، ولن تموت، كما كان مقدرًا أن يحدث قبل تدخل أدهم، وتغييره لأحداث المستقبل.
فقد قام أدهم بعلاجها وإنقاذ الملايين من الأبرياء، وهو ما حدث بالفعل في مصر، التي كانت من الدول الأقل تضررًا بذلك الوباء اللعين.
عزيزي القارئ، أتمنى أن تكون تلك الفقرة الإيضاحية قد أجابت عن كل استفساراتك بخصوص أدهم وتصرفاته الغريبة.
فكل هذه الحقائق والمعلومات كانت مذكورة في دفتر مذكرات أدهم، التي قرأتها ريمتمعنًا.
وأدركت أنها وقعت في غرام شخص أسطوري، قد منحه الله فضلًا ونعمة لم يمنحها إلا لعدد قليل من عباده المخلصين.
واكتشفت أنها قد ظلمته كثيرًا، وأوشكت على قتله، في حين أنه قد فعل المستحيل لإنقاذ حياتها.
إلا أن سؤالًا أخيرًا، لم تجد ريم إجابة عنه في مذكرات أدهم...
لماذا تعمد أدهم إخفاء كل تلك الحقائق عنها!
ولماذا اختطفها وأوهمها بأنه مجرد مجرم قام باختطافها!
رواية ضد الزمن الفصل السابع 7 - بقلم حازم الباشا
مرت ساعات طويلة، وكانت ريم قد استسلمت للنوم، بعد أن ضمت رأس أدهم بين ذراعيها، وهو في حالة من الوهن الشديد جراء ما فقده من دماء.
وفي أثناء نومها، راودها حلم غريب.
حلمت ريم بأنها تجلس في فناء مسجد واسع الأركان، تفوح من جنباته رائحة العراقة والأصالة.
بينما كان أدهم يرتكن أمامها على أحد الأعمدة، ممسكًا مصحفًا كبيرًا، مزركشًا بنقوش ذهبية بديعة.
وكان يقرأ سورة الكهف بصوت عذب، وقد ترقرت عيناه بالدموع.
حتى وصل للآية رقم ٧٨، وظل يكرر جزءًا منها:
"هذا فراق بيني وبينك"
ومع كل مرة يكرر فيها هذا الجزء من الآية الكريمة، كان صوته يعلو ويعلو، حتى ملأ كل أرجاء المسجد.
وانتهى الحلم.
وفجأة استيقظت ريم، وهي تشعر بوخز حاد في قلبها من جراء ذلك الحلم الغريب.
وقبل أن تفتح عينيها، تحسست رأس أدهم برفق، فوجدته مازال نائمًا بين ذراعيها.
والعرق يتصبب منه بغزارة، وقد ارتفعت حرارته بشكل ملحوظ.
فقامت بفحص موضع الجرح، فوجدته بخير، وقد توقف النزيف تمامًا.
ارتبكت ريم، وهي تحاول إفاقة أدهم ليخبرها كيف تتصرف لعلاجه.
إلا أنه رد عليها بصوت واهن، وهو يهذي:
"أنا كويس. ما تقلقيش يا ريم. أنا كويس جدًا."
فزعت ريم من تدهور حالة أدهم، ونهضت تاركة رأسه يستقر على الوسادة برفق.
وظلت واقفة في وسط الغرفة تفكر كيف تهرب بأدهم، دون أن تتسبب في إلقاء القبض عليه.
وكان الحل الوحيد، هو أن تحضر له طبيبًا ممن تثق فيهم، لتأتمنه على سر أدهم.
كانت ريم تشعر بالعجز التام.
فهي لا تحمل هاتفًا، ولا حتى نقودًا، ولا تعلم أي شيء عن هذا المكان، الذي احتجزها فيه أدهم.
بالإضافة إلى أن أدهم لم يكن يحمل هاتفًا، وحتى أن محفظته لم تكن تحوي إلا بعض النقود، ولا يوجد فيها أي إثبات شخصية.
وفجأة وبدون أي تردد، ارتدت ريم بعضًا من ملابس أدهم.
وأخذت النقود التي وجدتها معه، ومفاتيح سيارته، وخرجت تبحث عن أي وسيلة تسعف بها أدهم.
وما أن فتحت باب ذلك المنزل، حتى اكتشفت أنه يقع في بناية ما زالت تحت الإنشاء.
فنزلت مسرعة للشارع، وكان الليل قد أسدل ستائره على المكان.
لتكتشف أن المنطقة بالكامل تحت الإنشاء، وأنه لا وجود لسيارة أدهم.
فسارت بخطى سريعة، متتبعة بصيصًا من الضوء يأتي من بعيد، حتى وصلت لكشك خشبي صغير.
كان صاحبه قد أشعل بعض أعواد الحطب لتمنحه قليلًا من الدفء في تلك الليلة الباردة.
فبادرت بسؤال صاحب الكشك:
"مساء الخير يا حاج. المنطقة اللي إحنا فيها دي اسمها إيه؟"
رد صاحب الكشك باندهاش واضح:
"هو حضرتك تايهة؟ إحنا في المجاورة الثانية الجديدة في ٦ أكتوبر."
ردت ريم بابتسامة باهتة:
"طيب ممكن تسمحيلي أعمل مكالمة من تليفونك؟"
رد صاحب الكشك:
"أوي أوي يا أفندم. تحت أمرك. ثواني بس. هروح أجيب التليفون من أوضتي وأرجعلك."
خرج الرجل من الكشك، ودخل إلى البناية المجاورة للكشك.
ثم عاد بعد لحظات حاملاً هاتفًا حديثًا، وناوله لريم، وقال بترحاب واضح:
"التليفون أهو. فيه رصيد. وفيه نت كمان."
ردت ريم بابتسامة لطيفة:
"ألف شكر يا حاج. مش عارفة أشكر حضرتك إزاي."
ثم انزوت جانبًا، وقامت بالبحث عن رقم عيادة دكتور عادل الباجوري على الإنترنت.
وهو طبيب العائلة، الذي كانت تجمعه بريم علاقة أبوة منذ أن كانت طفلة صغيرة.
وجدت ريم الرقم، واتصلت به.
فردت عليها إحدى الممرضات قائلة:
"مساء الخير يا أفندم. عيادة الدكتور عادل الباجوري مع حضرتك. أقدر أخدم حضرتك إزاي؟"
ردت ريم:
"من فضلك. أنا عايزة أكلم دكتور عادل شخصي."
ردت الممرضة:
"أنا آسفة يا أفندم. الدكتور عادل مسافر حاليًا. أنا ممكن أحول حضرتك على دكتورة نوران عزمي، النائبة والمساعدة بتاعته."
وقبل أن ترد ريم، كانت الممرضة قد حولتها بالفعل على دكتورة نوران.
والتي لم تكن تجمعها بريم، إلا علاقة سطحية فاترة.
وجاء صوت نوران عبر الهاتف:
"مساء الخير. مين معايا؟"
قاطعتها ريم:
"إزيك يا نوران. أنا ريم الحديدي. وكنت عايزة أطلب منك..."
قبل أن تكمل ريم عباراتها، اندفعت نوران صائحة بصوت عالٍ:
"أنتي فين يا أستاذة ريم؟ أنتي كويسة؟ البلد كلها مقلوبة عليكي."
قاطعتها ريم بصوت منفعل:
"أرجوكي يا نوران. اديني فرصة أتكلم واسمعي اللي هاقوله لك كويس. أنا عايزة منك خدمة. لو عملتيها هعتبر ده جميل كبير أوي، وعمري ما هانساه لك أبدًا."
ردت نوران بصوت مترقب:
"حاضر يا أستاذة ريم. لو الخدمة دي في استطاعتي، أكيد هاعملها. بس طمنيني الأول أنتي كويسة؟ هربتي من اللي خاطفينك إمتى وإزاي؟ تحبي أتصل بالبوليس؟"
قاطعتها ريم بصوت حاد:
"مش وقته يا نوران. اطمني. أنا كويسة الحمد لله. وما فيش حد خطفني. كل ده سوء تفاهم مش أكتر. اسمعيني كويس أرجوكي..."
ثم قصت ريم على نوران، تفاصيل كل ما حدث لها باختصار شديد.
وشرحت لها حالة أدهم، وطلبت منها أن تأتي بأقصى سرعة لاسعافه.
وأن تعاهدها بأنها لن تخبر أي مخلوق على الأرض بتلك المكالمة.
ردت نوران بنبرة حاسمة:
"حاضر يا أستاذة ريم. أنا هاجيلك حالا. بس ابعتيلي اللوكيشن بتاعكوا. وأهم حاجة دلوقتي إنك ما تسيبيش حرارة جسمه ترتفع. لازم تعمليله كمادات بسرعة لحد ما أوصل."
أنهت ريم المكالمة، وأخرجت مبلغا من المال، وأعطته لصاحب الكشك.
ثم طلبت منه أن يقرضها هاتفه لمدة ساعة واحدة فقط.
كان المبلغ المالي مقنعًا لصاحب الكشك، فلم يتردد في قبول طلب ريم، بعد أن أقسمت له بأنها ستعيد إليه الهاتف، وتكافئه بمبلغ مالي محترم، جزاءً لصنيعه معها.
ثم هرولت ريم عائدة إلى أدهم، الذي كان لا يزال نائمًا.
وبدأت سريعًا في عمل كمادات لتبريد جسده، الذي بدا وكأنه تحول إلى جمرة من النار.
مضت نصف ساعة تقريبًا، حتى وصلت نوران إلى موقع أدهم.
وبدأت في إسعافه، وهي تخاطب ريم:
"من الواضح إن الأخ ده حصلت له عدوى في مكان الجرح. وده معناه إني لازم أفتح تاني. وأنضف الجرح. وأديله حقنة مضاد حيوي."
ردت ريم بقلق واضح:
"طيب أرجوكي يا نوران. اعملي أقصى ما في وسعك. الإنسان ده هو كل حياتي. ولو جراله أي حاجة. أنا مش ممكن أسامح نفسي أبدًا."
كانت نوران قد جهزت حقنة المضاد الحيوي، وقالت وهي تستعد لإعطائها لأدهم:
"ما تقلقيش يا أستاذة ريم. بإذن الله الحقنة دي هتخليه يقوم زي الحصان. بس استأذنك تطلعي بره لحد ما أديله الحقنة."
ردت ريم بحنق واضح:
"أطلع ليه يعني؟ هو أنتي هتديهاله فين؟"
ردت نوران بهدوء:
"دي حقنة عضل يا ريم. وأنا معايا رخصة شرعية بحكم إني دكتورة."
قاطعتها ريم بانفعال كبير:
"لو أنتي معاكي رخصة، فأنا الرخصة ذات نفسها! شوفي شغلك يا نوران. أنا مش هتحرك من مكاني."
ردت نوران بهدوء:
"زي ما تحبي يا ريم. اتفضلي بقا حضرتك لفيه ونزلي البنطلون شوية."
تحركت ريم بدلال، وقامت باحتضان أدهم، بشكل غير مبرر، وذلك أثناء قيامها بتعديل وضع جسده، وكأنها تحاول إرسال رسالة واضحة إلى نوران، مفادها: "أدهم لي، وأنا له".
تغاضت نوران عن تلك المناوشة الصبيانية، وقالت بصوت منخفض جدًا:
"الصبر من عندك يا رب."
التفتت إليها ريم وقالت بصوت عالٍ:
"بتقولي حاجة يا نوران؟"
ردت نوران بتهكم:
"بقولك اتعبي معانا شوية كمان. ونزلي البنطلون حبة كمان. وانجزي بقا عشان الحقنة قربت تبوظ."
استشعرت ريم حساسية الموقف، فامتثلت لطلب نوران، وتراجعت للخلف، تاركة المجال لنوران لتؤدي واجبها.
وبالفعل انتهت نوران المهمة وقالت:
"كده الحمد لله كله تمام. ساعة كده والمضاد هيشتغل ويفوق بإذن الله. أنا هامشي دلوقتي. ولو حصل أي جديد كلميني على طول."
ردت ريم، وهي تحتضن نوران بحرارة شديدة:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي بجد. جميلك ده فوق راسي. بس بليييز استني معاه ١٠ دقايق بس. أنا لازم أنزل عشان أرجع الموبايل ده لصاحبه. وهرجع لك تاني جري."
وافقت نوران، ونزلت ريم مسرعة، لتعيد الهاتف لصاحب الكشك، وتشكره على حسن صنيعه معها.
وما أن وصلت للكشك، حتى وجدت آخر شخص تتوقع رؤيته في تلك اللحظة.
وجدت الملياردير ناصر الحديدي، والدها.
تسمرت ريم في مكانها من هول المفاجأة.
بينما اندفع ناصر، معانقًا ابنته، وهو يبكي بحرقة ويقول:
"ألف حمد وشكر ليك يا رب. حمدلله على سلامتك يا بنتي. أنتي كويسة؟ ردي عليا يا ريم. حد مس شعرة منك؟"
دفنت ريم رأسها في حضن أبيها، وقد انتبهت لوجود عناصر من الشرطة، كانت مختبئة داخل البناية.
وعلى رأسهم الرائد هشام عبدالرحيم.
وسمعت صوت هشام، وهو يخاطب أباها:
"حمدلله على سلامة ريم هانم يا ناصر بيه. لو تسمح لي أتكلم معاها دقيقة. إحنا لازم نتحرك بسرعة عشان نمسك الكلاب اللي خطفوها."
لم يعره ناصر أي اهتمام، ورفع رأس ريم مخاطبًا إياها بصوت حنون:
"يا بنتي ردي عليا. طمنيني. أنتي كويسة؟ حد من الكلاب دول لمسك أو عمل فيكي أي حاجة؟"
ردت ريم بصوت منكسر:
"ما تخافش يا بابا. أنا كويسة الحمد لله. الموضوع مش زي ما أنت فاهم خالص. أنا ما كنتش مخطوفة أصلًا."
قاطعها هشام بصوت حاد:
"اومال حضرتك كنتي مختفية كل المدة دي ليه؟ وإيه اللي جابك الحتة المقطوعة دي؟ وإيه اللبس العجيب اللي حضرتك لابساه ده؟"
وقبل أن تجيب ريم، كان ناصر قد رمق هشام بنظرة صارمة، قائلاً:
"مش وقته خالص الاستجواب ده. البنت تعبانة. ولازم نروح البيت عشان تستريح."
كانت تلك النظرة الحادة، كافية بأن تجعل هشام يصمت إلى الأبد، وهو يردد بصوت منخفض لا يسمعه سواه:
"كان مالها بس تجارة أسيوط. مش أحسن من قلة القيمة اللي أنا فيها دي."
وفي تلك الأثناء تقدم عم إبراهيم، السائق الخاص بريم، نحو صاحب الكشك.
وناوله ظرفًا كبيرًا من المال.
انتزع الرجل الظرف بسرعة، وقد تهللت أساريره وهو يحتضن النقود، ويقول مخاطبًا ناصر بيه:
"والله يا أفندم أنا أول ما شفت ريم هانم عرفتها على طول. واتصلت بيكوا."
ثم التفت لريم وقال:
"أستأذن حضرتك في الموبايل بتاعي يا ريم هانم."
وكان صاحب الكشك قد خدع ريم.
وأوهمها أنه سوف يذهب إلى غرفته، ليحضر لها الهاتف، ليكسب بعض الدقائق، ويجري الاتصال الهاتفي، بذلك الرقم المثبت على إعلان المكافأة، لمن يدلي بمعلومات تساعد في العثور على ابن ناصر بيه الحديدي.
نظرت ريم إلى صاحب الكشك، بنظرة نارية، وهي تمد يدها في جيبها، وتلتقط الموبايل وقالت:
"أنت تقصد الموبايل ده يا حاج؟"
وفي لمح البصر، قذفت ريم بالهاتف في وسط أعواد الحطب المشتعلة.
ليتحول إلى كتلة من اللهب، في أقل من لحظة واحدة.
زمجر صاحب الكشك بصوت غاضب، وقال بحسرة:
"ليه كده بس يا ست هانم؟ ده أنا لسه شاري الموبايل ده وعليه أقساط."
ردت ريم بصوت حاد:
"أنت تحمد ربنا إنها جت على قد كده. أنا لو عليا كنت هارميك في النار دي بدل الموبايل."
تدخل ناصر بصوت أكثر حدة وقال:
"هو الحيوان ده عملك حاجة؟"
ردت ريم بصوت هادئ:
"لا يا بابا معملش حاجة. بس ارجوك خلينا نمشي حالا من المكان ده. أنا أعصابي مش مستحملة."
انسحب صاحب الكشك في هدوء.
بينما استقل رجال الشرطة سياراتهم، وقد تصاعد الدخان من رأس هشام الذي يكاد أن يموت غيظًا، وظل يردد:
"هي العالم دي فاهمة إننا شغالين في السيرك القومي؟ ربنا يتوب علينا من الخدمة في البيوت!"
كان هشام يتمنى انتزاع ريم من شعرها، وقذفها في إحدى سيارة الشرطة، لتقضي ليلتها في جحيم زنزانة القسم.
إلا أن نفوذ والدها الواسع، حال بينه وبين تحقيق مبتغاه.
أما ناصر فقد ضم ابنته تحت ذراعه، وانطلق بهما عم إبراهيم عائدين إلى المنزل.
وطوال الطريق، كانت ريم تبكي في صمت، بينما ناصر يحاول أن يفهم منها ما جرى دون جدوى.
كان جسد ريم بين أحضان أبيها، بينما كان قلبها وعقلها لا يزالان في تلك الغرفة الصغيرة، حيث يرقد أدهم بين الحياة والموت.
رواية ضد الزمن الفصل الثامن 8 - بقلم حازم الباشا
وصلت ريم بصحبة أبيها إلى المنزل، لتجده قد تحول إلى ثكنة عسكرية.
فعلى كل زاوية من أركانه، يقف أحد أفراد الأمن مفتولي العضلات، في مشهد سينمائي.
وكأننا نقف أمام أحد قصور أباطرة المافيا في تسعينيات القرن الماضي.
لم تكترث ريم لذلك المشهد الغريب، فقد كان ذهنها مشتتاً ما بين خوفها على أدهم، ورغبتها في الاطمئنان عليه من جهة، وبين ذلك الصدام الوشيك بينها وبين أبيها من جهة أخرى.
وما إن صعدت ريم إلى غرفتها، حتى لحق بها والدها.
ثم أوصد الباب خلفه بإحكام، وهو يقول بصوت منفعل:
"ممكن بقى أفهم أنتِ كنتِ فين؟"
"وبتعملي إيه طول الأسبوع ده؟"
ردت ريم بصوت مرتعش، وهي تحاول حبس دموعها:
"بص يا بابا... أنا هاحكي لك كل حاجة."
"واقسم لك بالله أنا ما كنتش عارفة إنك نزلت مصر."
"وإن البلد كلها بتدور عليا."
ثم اقتربت من أبيها قليلاً وقالت:
"أنا كنت عيانة أوي، جالي مرض جديد اسمه (كورونا)."
"وربنا بعت لي إنسان شهم ومحترم وجدع."
"هو اللي أنقذ حياتي."
انبثقت كل علامات التعجب من عيني ناصر، وقال بصوت مرتبك:
"إنتي بتقولي إيه؟"
"أنا مش فاهم منك أي حاجة."
"والكورونا دي يا بنتي نوع شوكولاتة مش مرض!"
زفرت ريم زفرة طويلة:
"طب يا بابا اهدا كده واسمعني."
"أنا هاحكي لك الموضوع كله من أوله لأخره."
وبدأت ريم تروي كل تفاصيل ما حدث بينها وبين أدهم منذ أن التقيا بالمطار، وحتى اللحظة التي التقت فيها مع أبيها.
إلا أن حرصها على سلامة أدهم، جعلها تحذف بعض التفاصيل.
فحذفت كل ما يتعلق بالدكتورة نوران، واستبدلت اسم (أدهم) باسم مستعار هو (نور)، وذلك لتضليل أبيها في حال محاولته البحث عن أدهم.
وما إن انتهت ريم من سردها، حتى انتفض أبوها في موجة عارمة من الغضب، وقال بصوت حاد:
"إيه الجنان والتخاريف اللي انتي بتقوليها دي يا ريم!"
"واضح إنك يا إما عقلك اتلخبط."
"يا إما فاكرة إن أبوكي ده أهبل وهيصدق قصة الوباء القاتل دي!"
انكمشت ريم قليلاً، وقالت بصوت مرتعب:
"أقسم لك بالله يا بابا إني مش بكذب عليك."
"وبكرة تشوف بنفسك لما الوباء ده ينتشر في العالم كله."
رد ناصر بصوت اهتزت معه جدران الغرفة:
"براحتك يا ريم."
"واضح إني دلعتك أوي."
"وديتك حرية أكتر من اللازم ودي النتيجة."
"بس أنا هعرف إزاي أعيد تربيتك من جديد."
"هتفضلي محبوسة في أوضتك ومش هتطلعي منها."
"لحد ما تقولي كنتِ فين! ومع مين!"
زمجرت ريم باستياء، لكنها لم تعترض.
فهي تعلم تماماً أنه لا يوجد مخلوق على الأرض يستطيع الوقوف في وجه ناصر الحديدي أثناء ثورته.
فانتظرت لحظة حتى هدأ ناصر، وقالت بصوت منكسر:
"اللي نشوفه يا بابا."
"احبسني براحتك."
"بس لو سمحت أنا عاوزة موبايلي."
رد ناصر وهو يخرج من الغرفة:
"ولا حتى هتلمسي الموبايل يا ريم."
"وهتفضلي معزولة عن العالم كله لحد ما أشوف آخرتها معاكي."
ثم أغلق الباب بعنف، وصاح على أحد الحراس بلهجة حازمة:
"ريم هانم ما تخرجش من أوضتها."
"ولا تلمس موبايل."
"ولا حد يدخل لها إلا بأمر مني."
"فاهمين كلكم!"
رد طاقم الحراسة:
"أوامرك يا ناصر بيه."
استطرد ناصر بغضب واضح:
"مفيش حاجة تعدي من الباب ده غير الأكل والشرب."
"ولو حد كسر كلامي ده ما يلومش إلا نفسه."
ارتعد ذلك الحارس مفتول العضلات، وكأنه فأر مذعور في مواجهة قط بري شرس، وقال بصوت مرتعب:
"أوامرك يا ناصر بيه."
شعرت ريم بأن العالم كله ينهار فوق رأسها، فقد تبدد أي أمل بداخلها أن ترى أدهم، أو حتى تطمئن عليه.
فكان عزاؤها الوحيد أن ملابسه لا تزال تحتضن جسدها، حاملة معه عطر جسده، الذي منحها بعض السكينة.
***
وعلى جانب آخر، في نفس التوقيت.
كانت الدكتورة نوران قد نجحت في تطهير جرح أدهم، الذي بدأ يستعيد وعيه تدريجياً.
بينما كان يقتلها القلق لاختفاء ريم غير المفهوم.
وكان الوقت قد تأخر، وانتصف الليل، فقررت نوران أن تنتظر حتى يستفيق أدهم.
ولم تفعل نوران ذلك إرضاءً لريم، أو خوفاً من بطشها.
ولكن لأنها كانت طبيبة بمعنى الكلمة، لا يمكن أن تتخلى عن شخص مصاب يحتاج إليها.
وجاءت اللحظة الحاسمة.
واستفاق أدهم، ليصعق بوجود الدكتورة نوران جالسة على كرسي مجاور لسريره، وقد هزمها النوم.
فاعتدل ببطء معانداً ألم جرحه الشديد، وقال هامساً، وهو يتحسس يد نوران برفق:
"دكتورة نوران... دكتورة نوران."
انتفضت نوران مستيقظة وقالت:
"حمد الله على سلامتك يا دكتور أدهم."
ثم استطردت بصوت مرتبك:
"هو حضرتك عرفت اسمي إزاي؟"
فرد عليها أدهم بصوت أكثر ارتباكاً وقال:
"وحضرتك عرفتي اسمي إزاي؟"
"وإزاي دخلتي هنا؟"
ردت نوران:
"أستاذة ريم اتصلت بيا عشان حضرتك دخلت في حالة إغماء."
"وحرارتك كانت مرتفعة بسبب تلوث الجرح."
"وأنا جيت وعملت كل اللازم."
"والحمد لله حضرتك أخيراً فوقت."
أدهم مقاطعاً:
"وريم اتصلت بيكي إزاي؟"
"وهي فين دلوقتي؟"
ردت نوران:
"هي نزلت الشارع ودورت على تليفون وكلمتني منه."
"وبعد كده قالت لي: أنا هنزل ١٠ دقايق أرجع التليفون لصاحبه."
قاطعها أدهم مجدداً:
"الكلام ده حصل إمتى؟"
ردت نوران:
"الكلام ده بقاله أكتر من ساعتين."
"ولحد دلوقتي ما رجعتش."
"وأنا فعلاً قلقانة عليها جداً."
رد أدهم بصوت مرعب، وقد لاحظ وجود دفتر مذكراته بجوار نوران:
"هو حضرتك فتشتي في دولابي وقريتي المذكرات دي؟"
ردت نوران بنبرة غاضبة:
"لأ يا أفندم."
"مش من أخلاقي إني أتجسس على أي حد."
"ومذكرات حضرتك دي لا تعنيني في أي شيء!"
استشعر أدهم الحرج، وقال بصوت رقيق:
"أنا آسف يا دكتورة."
"أكيد ريم هي اللي قرت المذكرات."
"وأرجوكي تسامحيني على..."
قاطعته نوران بحدة:
"حصل خير يا دكتور."
"أنا لولا إن ريم قعدت تتوسل ليا إني أجي وأسعفك."
"مكنتش هحط نفسي أبداً في موقف زي ده."
"ولعلم حضرتك... أنا فضلت قاعدة لحد دلوقتي عشان خايفة على حياتك مش أكتر!"
رد أدهم بحماس:
"اللي حضرتك ما تعرفيهوش إن حياتك إنتي أهم مني."
"وأهم من حياة ريم ألف مرة!"
اندهشت نوران من رد أدهم وقالت بنبرة ساخرة:
"اشمعنى يعني!"
التقط أدهم دفتر مذكراته، وفتح إحدى صفحاته، التي كانت تحوي أرقاماً وكلمات غير مفهومة.
ثم ألقى نظرة على ساعة معلقة في جدار الغرفة، وقال بصوت صارم:
"أنا مش هعرف أشرح لحضرتك أي حاجة دلوقتي."
"بس كل اللي هطلبه منك إنك تثقي فيا."
"وتعملي اللي هطلبه منك بمنتهى الدقة."
لم تدري نوران ما هو سبب ارتياحها الغريب لأدهم.
فقد وجدت نفسها ترد دون أي تردد:
"حاضر يا دكتور."
"أنا هثق فيك وهنفذ كل اللي تطلبه مني."
"بس اوعدني إنك مش هتخذلني ولا هاتعمل أي حاجة تأذيني."
أمسك أدهم يد نوران برفق، وقال بصوت حاسم:
"أوعدك يا دكتورة."
"أنا عمري ما هأذيكي."
"وصدقيني لو قلت لك أنا على استعداد إني أفدي حضرتك بحياتي."
شعرت نوران بأن جسدها بدأ ينتفض من شدة الخجل، وقد ازدادت دقات قلبها، الذي اجتاحه سعادة غريبة.
وقالت بصوت رقيق جداً:
"أنا هصدق كلامك يا دكتور أدهم."
"رغم إني مش فاهمة سبب اهتمامك بيا."
"ولا حتى فاهمة سبب ثقتي فيك."
رد أدهم بصوت حنون:
"ثقتك دي في محلها يا دكتورة."
"وبكرة الأيام هتثبت لك ده."
"بس إنتي لازم تنزلي دلوقتي حالا من هنا."
"وتسافري لأهلك في المنصورة."
"وتختفي هناك كام يوم لحد ما أجيلك وأحكيلك على كل حاجة."
ثم استطرد قائلاً:
"في حاجة مهمة جداً قبل ما تروحي البيت."
"ضروري تشتري سرنجة وحقنة أنسولين."
اندهشت نوران لمعرفة أدهم بتفاصيل عن منزل أسرتها، وقالت باندهاش:
"بس أنا الحمد لله معنديش سكر."
"ولا أي حد من أهلي عنده مرض السكر."
"إيه لازمة الأنسولين ده!"
رد أدهم بنبرة حاسمة:
"أرجوكي ثقي فيا."
"الوقت مش في صالحنا."
"لازم تنزلي حالا."
صافح الاثنان بود، وودع كل منهما الآخر، وقد لاح في الأفق أن قصة طويلة، قد بدأت أول سطورها اليوم، لتجمع بين أدهم ونوران.
***
وقبل بزوغ فجر اليوم التالي.
كانت نوران قد وصلت إلى أعتاب منزل أسرتها، في إحدى القرى الصغيرة بضواحي مدينة المنصورة.
دقت نوران جرس المنزل مراراً وتكراراً، ولكن دون جدوى، فاستخرجت مفتاحها ودخلت، لتجد جسد والدها ممدداً على الأرض في منتصف الردهة.
شهقت نوران وهي تهرول باتجاه أبيها، وهي تصرخ:
"بابا... بابا... فوق يا بابا ورد عليا."
ولكن الأخير كان في حالة إغماء تام، والعرق يتصبب منه بغزارة، بينما كانت أطرافه باردة كالجليد.
لم يكن من الصعب على طبيبة ماهرة مثل نوران، أن تكتشف أن حالة الحاج عزمي والدها، ليست إلا... غيبوبة سكر.
أسرعت نوران بالتقاط أنبوبة الأنسولين من حقيبتها، وحقنت والدها بجرعة بسيطة منه، وقد كانت كل ذرة من جسدها ترتجف بشدة.
مرت الدقائق بطيئة ومرعبة.
حتى استفاق الحاج عزمي.
وأخبر ابنته أن أمها وأختها كانا قد سافرا مساء الليلة المنصرمة، إلى بلدة مجاورة، لحضور زفاف إحدى بنات أخوالها.
وقد كان مخططاً أن يلحق هو بهما بعد انتهاء عمله اليوم، إلا أنه قد شعر بإرهاق شديد، فآثر أن يعتذر عن الحضور.
وبرغم استفاقة الحاج عزمي وتعافيه، إلا أن حالة الفزع التي أصابت نوران لم تهدأ.
فلم يكن قلقها على أبيها هو سبب خوفها الوحيد.
بل كان خوفها الأعظم هو... كيف علم أدهم بما أصاب والدها قبل ساعات من حدوثه!
وهنا لمعت عبارة ريم في عقل نوران، عندما أخبرتها... (أن أدهم ليس مجرد بشر عادي)!
اختلطت مشاعر الخوف والارتباك داخل قلب نوران، مع إحساس غريب بالفرح والزهو.
ولما لا!
فذلك الشخص الأسطوري المدعو أدهم، كان قد أخبرها من سويعات قليلة... أن حياتها هي... أغلى عنده من حياته.
بل وأغلى من حياة ريم نفسها!
رواية ضد الزمن الفصل التاسع 9 - بقلم حازم الباشا
مرت ثلاثة أيام منذ عودة ريم إلى منزلها. المسكينة لا تزال في محبسها، معزولة في غرفتها الأنيقة، لا تعلم أي شيء عن العالم الخارجي وقلبها يكاد ينفطر خوفًا على حبيبها أدهم. وقد أضربت عن الطعام، في محاولة يائسة لاستدرار عطف ناصر بيه، والدها، الذي تعمد أن يتجاهلها تمامًا، بل ومنع أي شخص من التواصل معها، وكأنها إحدى المعتقلات السياسيات في زمن الثورة البلشفية.
وكانت ريم قد خلعت قميص أدهم، مخافة أن تطغى رائحة جسدها على عطر جسده، ووضعته في مكان منعزل بداخل خزانة ملابسها الضخمة. وظلت تتردد عليه ضماً وتقبيلاً، كلما استبد بها الشوق والحنين لأدهم.
***
وفي صباح اليوم الرابع، حدثت المعجزة!
دخل ناصر غرفة ريم، وهو في حالة ذعر شديد قائلاً:
"سامحيني يا بنتي. أنا آسف. كلامك طلع صح!"
ردت ريم في ذهول:
"في إيه يا بابا؟ مالك متوتر كده ليه؟ قصدك إيه بـ 'كلامي طلع صح'؟"
ضم ناصر ابنته إلى صدره، وقال بأسى واضح:
"التلفزيون أعلن عن وباء جديد اسمه كورونا!"
وعلى عكس ما كان متوقعاً، بأن تتقاسم ريم مع أبيها حالة الرعب والفزع، فقد تهللت أساريرها بشكل عجيب، وقالت بنبرة كلها لوم وعتاب:
"أنا قلت لك يا بابا إني مش بكذب عليك، وإن الإنسان ده مش مجرد شخص عادي."
ثم استطردت بحماس:
"أرجوك يا بابا سبني أروح أطمن عليه. وبالله عليك مفيش داعي إن أي حد يعرف حاجة عن موضوع أدهم ده."
باغتها ناصر قائلاً:
"أدهم مين! أنتي مش قلتي إن اسمه (نور)؟"
كانت المفاجأة قد أفقدت ريم جزءاً كبيراً من تركيزها، فنسيت أنها أخفت اسم أدهم عن والدها، مخافة مطاردته له. فردت ريم:
"أنا آسفة يا بابا. أنا خبيت اسمه عشان كنت خايفة عليه منك. خليني أنزل أطمن عليه دلوقتي، أبوس إيدك."
رد ناصر بصوت حاسم:
"مفيش نزول إلا لما تأكلي، ورجلي على رجلك. أنا مستحيل أسيبك تروحي لوحدك. هنروح سوا ومعانا طقم الحراسة."
هرولت ريم إلى صحن الطعام الذي كان أمامها، وبدأت في الأكل، وهي تقول باستسلام:
"حاضر يا بابا. أنا بأكل أهو. بس مش هينفع أي حد ييجي معايا كده سر أدهم هيتفضّح، وده خطر جداً عليه، وحضرتك عارف إن البوليس بيطارده دلوقتي!"
رد ناصر بنفس النبرة الحاسمة:
"معاكي حق. هنروح أنا وانتي بس. خلصي أكلك والبسي، وأنا هستناكي تحت. وده... آخر... كلام... عندي!"
خضعت ريم لشروط أبيها، وأكملت وجبتها على عجل، ثم ارتدت ملابسها في أقل من دقيقة واحدة، ونزلت مسرعة لتقفز داخل سيارة أبيها الفاخرة، متجهين إلى منزل أدهم.
***
وصلت ريم إلى منزل أدهم. وقبل أن تهم بفتح باب سيارة أبيها، فوجئت بأبيها يغلق كافة الأبواب أوتوماتيكياً، ثم يتناول هاتفه، ليتأكد من أن إشارة تتبع المواقع لا تزال تعمل بشكل جيد! وقال مخاطباً ريم بلهجة قاسية:
"استني هنا مكانك. أنتي رايحة فين؟"
غمر الذهول والخوف كل ذرة من كيان ريم، وقالت بصوت مرتعد:
"في إيه يا بابا! أنا مش فاهمة أي حاجة!"
رمقها ناصر بنظرة حادة، وهو يقول:
"أنتي فاهمة إنك لما تمنعي الأكل هتخليني أكسر كلامي وأسيبك تمشي على حل شعرك!"
ثم استطرد:
"واضح إن العيل النصاب ده أكل دماغك بشوية الكلام الفارغ اللي قالهولك."
ردت ريم بانكسار:
"يعني مفيش وباء ظهر، صح! وأنت كنت بتضحك عليا عشان أجيبك هنا وأسلمك أدهم بأيدي....! ليه كده يا بابا، حرام عليك."
انفجرت دموع ريم، وانشق قلبها نصفين، خوفاً على أدهم! وكادت أن يغشى عليها، لولا أن سمعت طرقات حادة على زجاج الباب المجاور لمقعدها. فالتفتت لتجد... الرائد هشام عبدالرحيم، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، وقال مخاطباً ناصر:
"اطمن يا ناصر بيه. القوة هاتطلع تجيب الكلب ده من قفاه حالاً."
رد ناصر:
"ربنا معاكوا يا رجالة."
وقبل أن يصعد هشام لمنزل أدهم، أخرج من جيبه قالب شوكولاتة، ثم ناولها إلى ريم، وهو يقول بنبرة ساخرة:
"دقائق يا ريم هانم، وهاجيبلك الكلب ده راكع تحت رجليكي، واخليه يعترف قدامك إنه عيل نصاب وما يستهلش دمعة واحدة من عنيكي."
اعتصرت ريم قالب الشوكولاتة بغضب، فقد كانت تحمل اسم تلك الماركة المصرية الشهيرة...( كورونا)!
***
مرت الدقائق ثقيلة... حتى عاد هشام وجنوده مطأطئين رؤوسهم، بينما ردت الروح إلى ريم، وهي تشاهد ذلك المشهد الذي يحمل عنواناً واضحاً ((خيبة الأمل راكبة جمل)).
فكما توقعت يا عزيزي المشاهد، لم يجد هشام وجنوده أدنى أثر لأدهم. فقد عاد ذلك المنزل إلى سيرته الأولى... مجرد منزل فارغ تحت الإنشاء!
تهللت أسارير ريم، وهي تخاطب هشام بكل استهزاء:
"مالك يا بطل؟ نازل مدلدل راسك كدا ليه؟ وفين النصاب اللي وعدتني إنك هتجيبه راكع ده؟"
رد هشام بصوت منكسر:
"مسيره هيقع يا ريم هانم، وبشرفي لأجيبه من قفاه."
ضحكت ريم بصوت عالٍ، وهي تناوله قالب الشوكولاتة قائلة:
"طب خد بقى الشوكولاتة دي، خليها تذكار للوكسة الكبيرة بتاعت النهارده."
التقط هشام قالب الشوكولاتة من يد ريم، وبدأ في تناوله بنهم شديد. ثم رفع يده، وكأنه ينوي صفع ريم، وقال وهو يبتسم ابتسامة صفراء:
"بصي يا ريم هاااانم. في كف إيدي ده... وافتكريه كويس... لأن في قصة حب طويلة هتبدأ قريب جداً بين كف إيدي وقفا الكلب... اللي اسمه أدهم."
ردت ريم باستهزاء واضح:
"اللي أنا شايفاه بوضوح إن في قصة حب بدأت النهارده بين كف أدهم وقفا حضرتك!"
وكالعادة... امتص هشام الإهانة في صمت، فقد حال نفوذ ناصر بيه، بينه وبين تهشيم رأس تلك المغرورة... ريم.
أما ناصر بيه... فقد كان صامتاً شارداً، لدرجة أنه لم يلحظ ذلك الحوار المطول بين ابنته والرائد هشام. فمنذ لحظات كان ناصر بيه، قد تلقى رسالة مرعبة، من مكتبه في الصين. وكان محتوى تلك الرسالة... [أن وباءً قاتلاً اجتاح عدة مقاطعات صينية، وقد تسبب ذلك الوباء في قتل العشرات... !!!]
وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية على هذا الوباء اسم... ((فيروس كورونا)) !!! !!!
***
وفي نفس تلك اللحظة، وعلى بعد ٣٠٠ كيلومتر، في إحدى القرى المتاخمة لمدينة المنصورة، كان أدهم يطرق باب منزل عائلة الدكتورة/ نوران عزمي.
فتحت نوران الباب، واستقبلت أدهم بحفاوة بالغة وقالت:
"أهلاً وسهلاً. اتفضل يا دكتور أدهم. المنصورة كلها نورت."
رد أدهم بابتسامة رقيقة:
"ألف شكر. ده من ذوق حضرتك يا دكتورة. طمنيني أولاً عن صحة الوالد؟"
نوران بحماس كبير:
"ألف حمد وشكر لك يا رب. لولا اللي أنت عملته، كان زمان بابا راح فيها. بعد الشر عليه يا رب."
ثم استطردت:
"جميلك ده دين في رقبتي، وأنا عمري ما هانساه أبداً. بس أنا هاتجنن! أنت إزاي عرفت إن بابا هيتعب؟"
رد أدهم بهدوئه المعتاد:
"جميل إيه بس يا دكتورة. ده أنتي اللي أنقذتي حياتي. وأنا جاي النهارده عشان أشكرك أولاً، وعشان أشرح لك كل حاجة زي ما اتفقنا."
نوران بخجل واضح:
"طيب الأول خليني أعرفك بأهلي ونتغدى عشان يبقى عيش وملح، وترتاح شوية من السفر. وبعد كده نطلع نقعد في أي مكان ونتكلم براحتنا."
وبالفعل تم ذلك... ثم خرج أدهم ونوران ليجلسا في أحد الكافيهات الهادئة.
وبدأ أدهم حواره، بأن طلب من نوران أن تقطع عهداً على نفسها، بأن لا تجادله فيما يطلبه منها، ولا تسأله عن أي تفاصيل تتعلق بكيفية معرفته لمجريات أحداث المستقبل.
وكانت نوران حاسمة في ردها، بأن تحترم ذلك العهد. فثقتها الآن في أدهم، كانت أكبر من ثقتها في أهل الأرض مجتمعين!!! فقد نبت في أعماقها شعور جارف، بأن أدهم هو أكثر شخص بالعالم يمكن أن تأتمنه على نفسها!!!
وبدأ أدهم في سرد كل ما سيحدث بالعالم من جراء وباء كورونا، وشرح لها تركيبة البروتوكول الذي باستطاعته هزيمة ذلك المرض اللعين.
شعرت نوران بكثير من الفزع، بسبب ما ألقاه أدهم على مسامعها، من ويلات وكوارث تنتظر العالم!!! إلا أن هذا الفزع كان ممزوجاً ببعض الحزن!!! لأنها للأسف قد أدركت أن اهتمام أدهم بحياتها، لم يكن لميزة تخصها شخصياً، ولكن لدورها، كطبيبة سوف تساهم في إنقاذ حياة الكثير من الأبرياء.
أنهت حوارها مع أدهم، وهي تقول بصوت يصبغه الحزن:
"بعد اللي حضرتك قلته ده، أعتقد إن ده هيكون آخر لقاء بينا يا دكتور أدهم."
رد أدهم بتعجب:
"ليه بتقولي كده يا دكتورة؟"
نوران بنفس نبرة الحزن:
"لأن حضرتك خلاص شرحتلي كل حاجة، وأديتني تركيبة البروتوكول العلاجي، ومعدش فيه أي سبب يخليك محتاج تتواصل معايا تاني."
رد أدهم بصوت هادئ:
"لأ طبعاً يا دكتورة. إحنا هنفضل أصدقاء، والتواصل بينا مش هينقطع بإذن الله. ولي عندك طلب أخير."
ثم استطرد وقد غمر ملامحه حزن واضح:
"ياريت ريم متعرفش أي حاجة عن مقابلتنا النهارده. أنتي هتقولي لها إنك أسعفتيني واتأكدتي إني بقيت بخير، وبعد كده نزلتي ورحتي لأهلك في المنصورة!!!"
ثم أخرج مظروفاً مغلقاً من جيبه، وناوله لنوران وهو يقول:
"الظرف ده هتديه لريم في حالة واحدة بس... لما يجيلك خبر وفاتي!!!"
شهقت نوران بصوت حاد:
"بعد الشر عليك يا أدهم.... أقصد يا دكتور أدهم. ربنا يحفظك ويديك الصحة وطولة العمر."
رد أدهم بنبرة إيمانية واضحة:
"لقاء ربنا عمره ما كان شر يا دكتورة نوران."
ردت نوران بصوت تغمره السكينة:
"ونعم بالله."
كانت تلك هي آخر جملة في حوارهما، وعلى أثرها قاما، ثم تصافحا بكل ود، وذهب كل منهما في طريقه.
إلا أن نوران لم تدرك السبب الحقيقي وراء تمسك أدهم بصداقتها... فحتى هذه اللحظة.... لم يكن الله قد أذن لأدهم بأن يخبر نوران.... بأنها بعد سنوات قليلة من الآن، سوف يخرج من أحشائها طفل ما، كانت تنتظره الإنسانية كلها!!!
فعلى يد ذلك الطفل، سوف تسترد الأمة العربية والإسلامية شرفها المهدر، وكبريائها الجريح، وسوف يحمل ابنها لقباً خالداً وهو... ((محرر القدس)) !!!