تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
الفصل 18 — رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل راندا الجمال، تجلس على هاتفها تتصفحه بالساعات كعادتها، وكأنه أصبح وسيلة ملاذها التي تضيع فيها برضا تام.
تأتيها رسالة على الواتساب، وهي عبارة عن مقطع فيديو. فتحت الفيديو وجحظت عيناها مما رأته. لقد كان الفيديو لسما ابنتها وهي ترتدي هوت شورت، وناثرة شعرها على كتفيها، ووجهها يكسوه المكياج الخفيف الذي أبرز جمالها بشدة.
صعقت حقاً مما رأته أمامها، والذي كان عبارة عن إلقاء أغنية تقلد فيها الصوت بحركات الشفاه المغرية وحركات الجسد السافرة. في مشهد يزلزل القلب والعقل والروح. صغيرتها ومدللتها أصبحت من العاهرات. ومن العجب أيضاً أنها تجمع ما يقرب من نصف مليون مشاهدة على ذاك الفيديو، والذي كان من شهر تقريباً.
رفعت عينيها لأعلى الفيديو لترى ماذا تسمي نفسها. زادت الخيبات والحسرات عندما وجدتها مدونة اسمها "سمكة الشقية 😉😉".
خرجت من الواتساب وفتحت الفيسبوك، وبحثت عنها ولم تجدها. ظلت تبحث عنها ولم تصل إليها، وازدادت حيرتها. في النهاية استنتجت أنها تضعها في قائمة الحظر كي لا تراها.
وفي نفس التوقيت، أتتها رسالة من نفس الرقم المجهول، محتواها:
"كلنا بقينا في الهوا سوا يا طنط، وبنتك بقت متفرقش عن البنات الصايعة إللي مش متربية زي ماكنتي بتلقبينا، وتقعدي في كلوب وتقولي محاضرات فينا وأنا كنت ببقى سامعاكي. مبقاش حد أحسن من حد، ولو عملتي أكونت تاني، ادخلي وشوفي إبداعات سمكة وهتنبهري أوي. أصلك مش هتشوفيها من الحظر إللي هي عاملاه لك."
ألقت الهاتف جانبها بإهمال، واستندت على ذراعيها وهي تضع وجهها بين يديها، تحدث حالها:
"يا إلهي، أتلك ابنتي التي ربيتها سنوات وأفنيت عمري لها! أتلك ابنتي البريئة النقية الطفلة التي أصبحت بجسد أنثى! كيف لها أن تفعل هذا الهراء شهوراً وأنا لا أعلم ولا دراية بتلك المهزلة! أمن الممكن أن تكون وصلت إلى مستوى من الانحراف الذي نسمع عنه أعلى من ذاك! الآن قد علمت ماذا تفعل في غرفتها بالساعات وهي تغلق الباب على حالها وتستمع إلى الأغاني عبر مسجل الصوت."
انتفضت من مكانها وهبت واقفة، وصعدت الأدراج وهي تغلي كالبركان. وقفت أمام غرفة ابنتها، وقبضت على الباب كي تفتحه وتدلف دون استئذان كما عودتها. وجدت الباب مغلقاً.
اشتعلت النيران داخلها، وبقبضة قوية دقت على الباب بعنف، مما أزعج ابنتها. فقامت على الفور وفتحت الباب لترى لماذا تدق والدتها الباب بهذا العنف.
رددت وهي تفرك عينيها أثر النوم بانزعاج:
"فيه إيه يا ماما على الصبح؟ فيه حد بيخبط على حد بالطريقة دي؟"
لم تتفوه ببنت شفة، وهبطت بيديها على وجهها بصفعة من شدتها، فوقعت أرضاً. ثم هدرت بها بحده:
"السفلة السهلة الرخيصة، اللي اتقلبت من بنت بريئة ربيتها على إيدي وعلمتها إزاي تحافظ على نفسها من وهي صغيرة لواحدة ما بقتش عارفاها. من امتى اتحولتي وبقيتي بالبشاعة والسفالة دي يا بنت؟"
وضعت سما يدها على وجهها تدلكه من أثر الصفعة، وأجابتها وهي تجز على أسنانها:
"من ساعة إنتي كمان ما اتحولتي وبقيتي مش فاضية لنا وفرقتينا. وإذا كنت أنا اتدمرت ووصلت للمرحلة اللي إنتي بتتكلمي عنها دي، فيبقى بفضلك إنتي يا ماما."
جحظت عيناها ولمعت بالدموع، وهدرت بها وهي تشير بكلتا يديها بتعجب:
"ليه أنا عملت إيه عشان تقولي الكلام ده؟ أبوكم هو السبب، هو اللي عمل فينا كده، هو اللي دمرني وهو اللي جني عليا وهو اللي خانني وجرحني، وفي الآخر بتلومي عليا أنا؟ إن أنا اللي دمرت البيت ووصلتك للمرحلة المنحطة دي!"
جلست سما بإهمال على سريرها، وتحدثت بقسوة:
"أيوه إنتي وما فيش غيرك السبب في اللي وصلنا له ده."
وتابعت بنفس القسوة:
"ما هو طلقها وجالك واعتذر بدل المرة عشرين، وإنتي راندا هانم اللي ما ينفعش تتنازل."
أمسكتها من تلابيب ملابسها، ونطقت بحسرة:
"بقى بتجيبي اللوم عليا أنا! بعد ما ضيعتي عمري وشبابي وجمالي عليكم! بعد ما كنت ليكم الأب والأم والكل، وهو هناك بيتنعم في حضن واحدة وعايش حياته عادي، وأنا هنا الدادة اللي بتربي العيال."
رفعت حاجبيها، وتحدثت بنفس القسوة:
"بس في الآخر عملتي زي اللي فضلت تطبخ لولادها أحسن أكل وتعبت طول النهار، وجت على آخر اليوم قبل ما ياكلوا حرقت الأكل وبقى ولا له طعم ولا لون ولا ريحة. وفي الآخر تعبها راح، ولا هي اتهنت بيه ولا ولادها اللي كانوا طول اليوم بيضحكوا وبيلعبوا وكل شوية يشاغبوها أكلوا وناموا جعانين."
اتسع بؤبؤ عينيها، وردت بدهشة:
"بقى أنا كده يا سما!"
ردت بهدوء:
"أيون يا ماما كده وأكتر من كده كمان. أنا بقيت مش لاقياكي ولا لاقية بابا اللي عمل كل اللي في وسعه عشان ميسبناش. وخلي بالك مش أنا لوحدي اللي ضعت، مهاب كمان دخل طريق الضياع اللي أي حد بيدخل فيه مبيطلعش إلا وهو على نقالة."
تتوالى الصدمات على قلبها كالرياح التي سكنت مدة طويلة، وبدون سابق إنذار هبت واقتلعت في طريقها أشد الجبال الراسخة. وهتفت بعدم تصديق:
"إنتي بتقولي إيه! مهاب ماله؟"
اهتز فكها بسخرية، وأجابتها بنفس القسوة ولم ترعى حالها الذي تنشق له القلوب:
"مهاب بقى سهر وشرب مخدرات وكباريهات يومياً، وبيرجع نص الليل وإنتي نايمة ومصدقاه وهو بيقول لك إنه جه بدري، ومبتابعيش وراه."
لم تصدقها، وصفعتها على وجنتيها الأخرى، مرددة باستنكار:
"إنتي كدابة، مهاب لا يمكن يعمل كده أبداً! مهاب متربي، إنتي بتفتري عليه عشان تداري على عملتك السودا."
الآن تبدل وجه البنت القاسية التي رسمته ببراعة على وجهها، وكشفت وجه الطفلة البريئة التي دنستها قسوة الحياة بعدما كانت مدللة أبيها وأمها. ورددت بانهيار:
"أنا عمري ما كنت كدابة يا ماما، بس بقيت كدابة. أنا مبقتش سما الطفلة البريئة اللي إنتي خلفتيها وربتيها. أنا بقيت مشوهة من جوه ومن بره واتدمرت، وحياتي القديمة الجميلة اندفنت ومش هعرف أرجع لها تاني."
مسحت راندا دموع عينيها بحدة، ونظرت إليها بأعين دامية وهي تحاوطها من كتفيها، ورددت بحيرة:
"ليه كده يا سما، ليه عملتي فينا وفي نفسك كده؟"
واسترسلت بتساؤل مغلف بنفس الحيرة:
"ليه عملتي لي حظر، انطقي؟"
أجابتها باستفاضة وهي تجلس على السرير بإهمال وتضع وجهها بين كفيها:
"ومش بس إنتي يا ماما اللي عملت لك حظر، أنا عملت لجدو ولتيته ولخالو ولخالتو ولمهاب ولبابا، وكله مفكر إني قفلت صفحتي عشان خاطر حالتي النفسية بسبب اللي حصل لنا. لكن أنا خدعت الكل."
وضعت راندا يدها على صدرها وهي تحاول تهدئ من ضربات قلبها السريعة التي تنتابها كلما استمعت إلى كلمات ابنتها البشعة. وأكملت استفساراتها والتي من الواضح أنها لن تنتهي:
"اتعلمتي ده كله من مين وامتى؟"
سما بلا مبالاة:
"ياه يا ماما، دي الدنيا اللي حوالينا مسرح كبير اتعلمت منه، وإنتي بعيدة عننا وعايشة جوة دوامة الشوبينج وصالونات التجميل والخروج والفسح، وبعدتي أوي."
أحست بأن الكون يدور حولها، مما علمته عن أبنائها، وصارت تضرب وجهيها كالجهلاء من شدة الصدمة، وجلست أرضاً وهي تنتحب:
"يا مرارك يا راندا ومصيبتك اللي وقعت فوق دماغك."
وأكملت نحيبها:
"ليه يا رب يجرالي أنا كده دوناً عن الخلق كلهم! ليه يكون اللي باقي من عمري كله قهر ووجع، واللي فات عشته أم وأب، ودفنت نفسي سنين في الدوامة وملحقتش نصيبي من الفرح."
جلست سما بجانبها كالقرفصاء تضم ساقيها وتضع رأسها بينهم وهي تنتحب كوالدتها بشدة.
كيف تموت المرأة حية؟
قال غابرييل غارسيا ماركيز:
"رأيت امرأة ميتة يوم أمس، وكانت تتنفس مثلنا."
ولكن كيف تموت المرأة؟ وكيف تراها تحتضر؟
تموت إذا فارقت وجهها الابتسامة، إذا لم تعد تهتم بجمالها، إذا لم تتمسك بأيدي أحد ما بقوة، وإن لم تعد تنتظر عناق أحد، وإن اعتلت وجهها ابتسامة ساخرة إذا مر عليها حديث الحب. نعم هكذا تموت المرأة!!
نعم تموت المرأة وهي حية ترزق، تعلن الحداد داخلها، تعيش مراسم دفنها لوحدها، ثم تنهض، ترتب شكلها، تمسح الكحل السائل تحت عينيها، تعيده، ثم تخرج للعالم، واقفة بكامل أناقتها، تتنفس وربما مبتسمة وتضحك، لكنها ميتة ولا أحد يعلم!
فكم من امرأة تعيش بيننا تتنفس، لكنها ماتت منذ زمن.
انطفاء بريق الأمل والقوة في عينيها هو أولى علامات الموت.
والله أنا دماغي محتاجاها فعلاً بسبب دوشة الطلبة في الجامعة، واتصالات ريما اللي داوشاني بيها من الصبح.
نظر مالك وعلي إلى بعضهما باندهاش مرددين بصوت واحد:
"ريما!"
تحدثت بابتسامة هادئة:
"أيوة يا مستر مالك، ريما ستور."
نطق الاثنان بذهول:
"إزاي ده!"
معقولة!
ابتسمت علي ذهولهم غير المفهوم لها وهتفت باندهاش:
_ الله هو في إيه غير معقول في اللي أنا بقوله؟
أجابها علي مبتسمًا:
_ معلش اعذرينا أصل إحنا كنا مفكرين ريما ستور امرأة أربعينية محنكة.
أنهى كلامه وهو يضع يده على فمه مبتسمًا.
وأكمل مالك باندهاش:
_ والله أنا مش مصدق إن اللي بتبعت لنا التصاميم اللي بالدقة والروعة دي طول الخمس سنين اللي فاتوا تطلع سنها صغير كده.
ابتسم رحيم عليهم ونظر إلى ريما مرددًا بتفاخر مغلف بالمداعبة:
_ الله دي إنتي طلعتي هيرو بقي وليكي صيت ومحدش قدك ومش هنعرف نكلمك بعد كده.
لكزته بقدميها بخفة وهي تنظر له بحدة وتحدثت إليهم باعتذار:
_ معلش يا مستر مالك رحيم أخويا بيحب الهزار والضحك.
واسترسلت بتأني:
_ أنا جيت لحضرتك النهارده علشان ما كانش ينفع أقبل عرض الشغل على الواتس، فلازم كنت أجي علشان أبلغكم إني موافقة أنضم لمجموعة مالك الجوهري.
ابتسم ذلك العلي على موافقتها وأردف بترحيب هائل:
_ ياه أخيرًا ريما ستور هتنضم رسميًا لمجموعة مالك الجوهري، من زمان واحنا نفسنا في الخطوة دي معاكي، سبحان الله كل تأخيره وفيها خيره.
أما مالك فقد شعر بفرحة شديدة منذ أن أدلت عليهم بموافقتها، فهو كان منتظرًا لتلك اللحظة، فوجودها بينهم بتصميماتها المبدعة سيرفع من شأن المجموعة، وخاصة أنها مميزة في عالم الفاشون والجميع يتساءل عنها.
اهتز فكه بسعادة وهتف بترحيب:
_ شرفتينا يا مدام ريم وأهلاً بيكي، أنا سعيد جدًا لانضمامك لينا ولأننا نشتغل مع بعض وجهًا لوجه، وبكده ممكن نضيف للشغل أفضل ما يمكن بوجودك هنا.
وتابع حديثه بإبانة:
_ عايز أوضح لك حاجة مهمة جدًا، إننا هنا في المجموعة ما بنتعاملش كالمدير واللي شغالين عنده خالص، مجموعة مالك الجوهري كلها بتشتغل إيد واحدة مع بعضها علشان خاطر نرفع من شأن المجموعة وسط سوق الفاشون.
علشان كده أي حاجة تضايقك لازم تعرضيها عليا أنا شخصيًا، لأني حابب إننا نفضل نتعامل مع بعض.
واستطرد حديثه برجاء:
_ علشان كده بطلب منك وقت ما تحسي إن شغلك مش مجزي ماديًا ليكي، ما عنديش مانع إننا نتفاهم، لكن اللي يضايقني جدًا إنك تيجي في وسط الطريق وتقولي لي إن جالك عرض أفضل وتسيبي المجموعة، ساعتها أنا هبقى متضايق جدًا.
كانت تستمع إليه بآذان صاغية وتفهمت كلماته وأجابته باستجواد:
_ ما تقلقش من الناحية دي يا مستر مالك، أنا من النوع اللي لما بشتغل في مكان بتعلق بيه جدًا، والناحية المادية ما تفرقش معايا، لأني أنا بشتغل مش عشان خاطر أجمع فلوس كتير خالص، أنا بشتغل علشان أنا حابة مجال fashion designer.
يعني من الآخر أنا آخر حاجة أفكر فيها الماديات.
واسترسلت بتوضيح:
_ بس حاجة مهمة برضه، إني مش بحب حد يتدخل في تصميماتي أو يعدل عليها، أنا التصميم بتاعي بشتغل عليه من البداية للنهاية لتعديلاته.
ودي أكتر حاجة هي اللي تضايقني في الشغل، غير كده مش هنختلف بإذن الله يافندم.
طمأنها أنه لن يتدخل أحد في التصميم الخاص بها، وعلى الفور استدعى مدير الشؤون القانونية وطلب منه أن يكتب عقد التعامل بينهم بدون شروط على الطرفين، فمالك كلمته كلمة رجل وليس ذكر، وريم من النوع الذي لم يغدر أبدًا وتمتلك من الوفاء ما يجعل الطرف الآخر مطمئنًا لها.
بعد إنهاء التوقيعات على العقد، ناوله إياها قائلًا بابتسامة ظهرت على معالم وجهه:
_ اتفضلي يا مدام، نورتي مجموعة الجوهري وأهلاً بيكي، من بكرة إن شاء الله هتيجي هتلاقي مكتبك جاهز، هشرف عليه بنفسي من النهارده.
تناولوا المباركات فيما بينهم وبعد مدة غادرت ريم المكتب.
زفر مالك أنفاسه بارتياح وتحدث بسعادة:
_ أخيرًا يا علي، ما تتصور دي هتفرق معانا إزاي في المجموعة، الكل مستني ظهور ريما ستور، وخاصة الفنانين اللي كانوا عايزين يتعاملوا معاها وجهًا لوجه، مصممين عليها، هتبقى مكسب رائع جدًا لينا.
حرك علي رأسه وعلى وجهه علامات الابتسامة قائلًا:
_ أوي أوي، سبحان الله يا أخي، بعد ما فقدنا الأمل، ربنا يبعته لنا واحنا لا على البال ولا الخاطر.
واستطرد حديثه وهو ينتصب واقفًا:
_ هروح بقى أجهز لها المكتب اللي جنبك مباشرة.
تحدث مالك مشجعًا:
_ تمام، على بركة الله، ربنا يجعله فتحة خير يارب.
أما في سيارة رحيم يشاكس ريم مرددًا بمداعبة:
_ والله وبقينا مهمين وهنقعد على مكاتب وهنتعامل مع فنانين، والشهرة جاية لنا راكبة طيارة يا روميتي.
ضحكت بشدة حتى أدمعت عيناها من دعابة أخيها وهتفت متمتمة بآية الاستعاذة:
_ "قل أعوذ برب الفلق". إيه هتقر عليا وأنا لسه بقول يا هادي؟ عيب يا دكتور، ميصحش كده.
مط شفتيه مدعيًا الغضب وهتف بنبرة عتاب مصطنعة:
_ أنا الدكتور رحيم باشا اللي مدوب بنات الجامعة هحسدك إنتي يا ريم؟ هزلت والله. مكنش العشم كده يا قلب أخوكي.
ظل الحديث بينهم متخذًا نمط المشاكسة إلى أن أوصلها إلى المنزل قائلًا وهو ينظر في ساعة يداه:
_ أنا رايح مشوار كده يا ريم، بلغي ماما إني هتغدى بره.
غمزت بإحدى عينيها بشقاوة مرددة:
_ أيون، شكلك كده رايح تشم هوا ينعنش قلبك اللي جاله جفاف يا عين أختك.
رفع حاجبيه باستنكار هاتفا:
_ الله، هي ريم الرقيقة بتعرف تقلش وتتكلم من تحت لتحت؟
والله عجبت لك يا زمن!
ضحكت من كلماته وأشارت له أن ينطلق بسيارته ودلفت إلى قرة عينيها اللذان استوحشتهما كثيرًا.
***
في منزل باهر الجمال، تجلس اعتماد تغلي نارًا وهي تردد لولدها:
_ البت مبقاش حد قادر عليها. قلعت الأسود ورجعت تتشيك على سنجة عشرة، ولا كأن اللي مات كلب ولا يسوى.
تأفف زاهر من حديث والدته وسألها:
_ وإنتي عرفتي منين يا أمي؟ هو إنتي شفتيها؟
أجابته وهي تضرب بكلتا يديها على فخذيها:
_ من المحروق اللي اسمه الفيس يا أخويا، منزله على القصة بتاعتها صورتها وهي قاعدة بترسم رسومتها الهبلة اللي خسرتها بيتها وجوزها.
واسترسلت بنبرة شيطانية:
_ دي طلعت ولا أصل ولا فصل، وأهلها معرفوش يربوها. ده أنا لحد دلوقتي مقلعتش الأسود على أبوك الله يرحمه.
كانت هند تلتزم وضع الصمت، ولكن لم تقدر على ذلك وهتفت باستهزاء:
_ أمال إنتي مفكرة هتعمل إيه يعني يا حماتي!
دي لسه شابة صغيرة وجميلة، وأكيد لازم تخرج للدنيا وتعيش حياتها. مش هتدفن نفسها بالحياة يعني.
_ تصدقي بالله إنك معندكيش ذرة إحساس وجبلة... جملة تهكمية قالتها اعتماد لهند وأكملت بغضب:
_ إلا لو إنتي اللي في موقفها، كفى الله الشر على ابني، ربنا يحميه ويحرسه يارب، كنتي عملتي كده زي اللي ماتتسمي دي؟
لوت شفتيها بامتعاض وتحدثت:
_ بعد الشر عليا من الهم والحزن يا حماتي.
متقوليش عليا وترمليني بدري بدري كده.
قطب زاهر جبينه ولم يعجبه ردها وأردف ساخرًا:
_ لا يا مراتي، طلعتي ست ولا كل الستات!
بدل ما تردي تقولي بعد الشر على جوزي وربنا يخليه لي وتدعي لي بطول العمر، لاااا، كل اللي همك إنك متلبسيش أسود ولا تترملي وإنتي صغيرة! ده إنتي دبش دبش، مفيش كلام.
كادت أن تعترض على كلامه إلا أن اعتماد أشارت إليهم بحدة:
_ بقولكم إيه، هو انتو كل لما أكلمكم كلمتين على اللي ينخفي اسمها وصورتها تتخانقوا وتقلبوها لي نكد هنا؟
واسترسلت وهي تمسك هاتفها وبدأت بفتح تطبيق الواتساب:
_ والله لأبعت لها رسالة وأحر.ق دم.ها البعيدة وأخليها تغل.ي نا.ر من جواها، ولا أسيبها تتهنى وابني ضنايا مرمي في تربته.
لم يوقفها زاهر، فهو ضعيف الشخصية أمام والدته ولن يقدر أن يراجعها ولا أن يمنعها.
أما هند كانت تنظر إليها نظرات احتقار على ما تفعله.
دونت رسالتها والتي احتوت على:
_ إزيك الكونتيسة ريم هانم اللي دايرة على حل شعرها وشكل لما تكون صدقت جوزها مات؟
دي إنتي طلعتي معدومة الأصل، لا ده إنتي معندكيش أصل أصلًا.
استلمت ريم رسالتها وقرأتها وهي تستشيط غضبًا، ولكن استعملت معها منطق البرود التام وأرسلت لها إيموشن تأكيد ولم تعيرها اهتمام.
استشاطت اعتماد من تجاهلها، فهي كانت قاصدة أن تكيدها، ولكن هي التي وقعت في مكيدتها ورددت بغضب وهي تجز على أسنانها:
_ أه يانا من بنت المحرو.ق دي، بت باردة ولا بتحس.
قال جيت أكيد الناس، كدت أنا نفسي.
واسترسلت بوعيد:
_ والله ماهسيبها تتهنى ولازم أخلي اللي مايشتري يتفرج عليها ست حلويات دي.
وظلت تتآكل غضبًا جما، كاد أن يفتك برأسها وهم يستمعون إليها دون اعتراض.
***
في منزل مالك الجوهري، تجلس تلك الراقية مع ابنتها التي تحدثت باستفسار:
_ يعني يا ماما مالك ربنا شفاه من المرض اللي كان مانعه من الخلفة خالص؟
تنهدت بارتياح وأجابتها بابتسامة تشع حمدًا:
_ أه يا بنتي، ربنا تم شفاه على خير الحمد لله وجبر بخاطره.
واسترسلت وهي تنظر للسماء بدعاء:
_ ويا رب يرزقه ببنت الحلال اللي تعوضه مر العمر اللي ياحبة عيني بيمر بيه وملحقش يعيش من لحظاته ولا ساعة هنية.
عقدت هيام حاجبيها باندهاش وأردفت بتعجب:
_ طيب إزاي خف خالص بالسهولة دي؟
اندهشت عبير من تساؤلها ونطقت باستنكار:
_ يعني إيه إزاي يا هيام؟ مش فاهمة سؤالك ده.
بدل ما تقولي الحمد لله إن ربنا شفاه.
ابتسمت بسماحة وأجابتها على الفور:
_ مقصدرش يعني يا أمي. الحمد لله طبعًا.
واسترسلت بإيضاح:
_ أنا اللي أعرفه إنه حالته كانت صعبة ومحتاجة وقت، عشان كده استغربت.
اندهشت عبير أكثر وسألتها:
_ وإنتي عرفتي منين إن الحالة صعبة ومحتاجة وقت؟
أنا عمري ما جبت لحد سيرة.
انقلب وجهها بالاحمرار من حصار والدتها الغير مفهوم لها وأردفت بتعجب:
_ جري إيه ياماما، هو إنتي هتقفي لي على الواحدة؟
واسترسلت وهي تحمل حقيبتها وتستعد للمغادرة:
_ أنا مضطرة أمشي دلوقتي عشان هعدي أجيب الأولاد من التمارين. بعد إذنك يا ماما وابقي سلمي لي على مالك ومازن.
كانت عبير تنظر على أثرها بقلب يدق بخوف مما وصل إليه تفكيرها وأرعبها بشدة.
ولكن نفضت ذاك التفكير عن بالها واستنكرته تمامًا واستدعت الهدوء وعادت إلى مسبحتها تستغفر الله.
في مصنع مالك الجوهري كان يتجول في الطرقات، وإذا به يستمع إلى صوت أخيه يقف مع إحداهن. وجد نفسه يقترب أكثر كي يسمع ما يقال بينهما دون أن يروه.
مروان بغمزة:
_ بس إيه يابت الطقم الجامد ده، عود البطل بصحيح.
ضحكت بأنوثة مثيرة وأردفت بدلع:
_ والله طول عمري شياكة وأناقة ياموري، مش جديدة عليا يعني.
ربع ساعديه حول صدره وتابع بمشاغبة:
_ ده إنتي باينك كنتي بطلة الملاعب بقى يامزة.
مطت شفتاها بإغراء ويدها تعبث بخصلات شعرها الحريري وتحدثت بمراوغة:
_ ياه، متفكرنيش بقى ياموري بالأيام الحلوة. حكم أنا بقى عندي جفاف عاطفي على الآخر.
ابتسم بعبوس على حديثها وهتف بزعل مصطنع:
_ الله، هما أنا عِمي ولا إيه والنظر عندهم ضعف؟
هما مش شايفين الجمال والدلال ده ولا إيه؟
كادت أن تجيبه إلا أن مالك ظهر من العدم ناهراً إياه بحدة:
_ اتفضل على مكتبي حالاً، استناني هناك ومتتحركش منه لحد ما أرجع لك.
واسترسل حديثه وهو ينظر إليها باشمئزاز، هادراً بها بغضبٍ جم:
_ ده إنتي طلعتي قذرة ومقرفة أوي ياشيخة!
سبحان الله، الزمن مغيرش فيكي حاجة غير إنه خلاكي أوسخ من الأول.
أنا مش من النوع اللي بحب قطع الأرزاق، بس معاكي قطع رزقك عين الحلال والصح.
١٠ دقايق بالظبط ومشفش وشك هنا تاني، وإلا هخلي الأمن يطلعك بره.
أنهى حديثه اللاذع لها، وخطي من أمامها بخطوات مسرعة غاضبة قاصداً مكتبه.
كان مروان يجلس وعلى وجهه علامات الذعر من أخيه. وما إن رآه حتى أردف معتذراً وهو يومئ رأسه لأسفل:
_ أنا آسف يامالك، واعتبر دي آخر مرة يحصل كده.
زفر مالك أنفاسه بتعب من أخيه، وفضل أن لا ينفعل وأن يفهمه خطأه بكل هدوء، مردداً:
_ شوف يا مروان، أنا ممكن أسيبك تعمل اللي على كيفك وزي ما إنت عايز، بس مع البني آدمة دي بالذات ابعد عنها خالص، لأن لا هي شبهك ولا إنت شبهها.
دي واحدة مطلقة لسبب ما إنت متعرفهوش، وبتتكلم بأسلوب قذر. فمن الأفضل إنك تبعد عنها خالص.
وتابع حديثه وهو على نفس الهدوء بتحذير:
_ أنا مش جايبك هنا الشغل عشان تشقط البنات وتشغلهم، أنا جايبك عشان تشتغل وتبقى راجل يعتمد عليه. ارجوك ما تخلينيش أتعامل معاك بطريقة إنت مش بتحبها وكبرت عليها.
حرك رأسه بموافقة دون أي اعتراض وأردف بندم:
_ ماشي، حقك عليا يا أخويا، ما تزعلش مني. إنت عندك حق في كل كلمة قلتها، وأوعدك إني مش هعمل كده تاني.
هز مالك رأسه بابتسامة وتحدث وهو يربت على يده الموضوعة على المكتب:
_ تمام يا مروان، وأنا مصدقك لأنك راجل، والراجل معروف بكلمته وما بيكذبش أبداً. اتفضل على شغلك، واعمل حسابك هنتعشى مع بعض النهارده، ومفيش خروج.
انتصب مروان واقفاً وهو يردد بموافقة:
_ تمام يا فندم، علم وينفذ.
وصل رحيم البنك ودلف بخطواته المسرعة قاصداً مكتب محبوبته التي لم يرها منذ أكثر من عشرة أيام، ولا طاقة له تحتمل وحشتها أكثر من ذلك.
قبل أن يصل إلى المكتب الذي كان بابه مفتوحاً، استمع إلى أحدهم يردد:
_ فكرتي في الموضوع اللي أنا قلت لك عليه يا آنسة مريم ولا لسه؟
أجابته مريم بخجل:
_ أظن أنا رديت عليك يا باشمهندس على طول في نفس الوقت اللي عرضت عليا فيه الموضوع، وقلت لك رأيي.
انزعج الآخر من ردها وهتف برجاء:
_ طب إزاي ترفضي من غير ما تدينا فرصة نتعرف على بعض وإنتي أصلاً ما تعرفينيش؟
قبل أن ينطق فاهها الإجابة، استمعوا إلى حديث ذاك الغاضب مردداً بحدة:
_ عشان الآنسة مريم في حكم المخطوبة يا باشمهندس، وإن شاء الله قريب جداً هنعزمك واحنا بنلبس الدبل.
انقلب وجه ذاك الجالس علامات الطيف، وأخذ يحرك رابطة عنقه دليلاً على إحراجه واضطرابه من ذاك الموقف المهين. واستجمع الكلمات بصعوبة على فمه ونطق باستفسار وهو ينظر لمريم:
_ إنتي ليه معرفتنيش يامريم إنك مخطوبة أول ما عرضت عليكي طلبي وردك عليا كان يوحي بأنك ممكن توافقي؟
كاد قلبها أن يهوي بين قدميها من نظرات رحيم الواقف أمامها، فنظراته كانت كالبركان على وشك الانفجار. ولم تقدر أن تتفوه بحرف، وكأن لسانها ابتلع من شدة نظراته.
ولكن استجمعت حالها وكادت أن تجيبه، إلا أن رحيم أشار إليها أن تصمت وأردف ببرود:
_ ويخصك في إيه حضرتك تعرف إذا كانت مخطوبة ولا لأ؟ هي ملزمة تعرفك حياتها الشخصية ولا حاجة.
وتابع بنبرة تحمل الاستهزاء:
_ ماهي قالت لك إنها مش موافقة، إنت اللي عشمت نفسك بحاجة مرفوضة من البداية.
انتصب ذاك الشاب واقفاً بانزعاج وهو يردد بغضب:
_ أنا لا يمكن أستحمل الإهانة دي أكتر من كده. ليكي مدير بنك هنا يرد لي إهانتي دي؟
ثم خرج بغضب، ولكنه استمع لكلمات رحيم الأخيرة:
_ مع السلامة، والقلب داعي لك يا أخويا.
ثم نظر إلى مريم مردداً بغضب:
_ والله عال يا ست مريم هانم، بيتقدم لك عرسان وأنا المغفل اللي نايم على ودانه.
قال آخر كلماته وهو يضرب على المكتب بعنف جعلها ترتعب من غضبه الشديد الذي تراه لأول مرة. هدأت من حالها وأجابته بثبات اصطنعته بأعجوبة:
_ هو أنا يعني مش بنت زي البنات ولا إيه، وطبيعي جداً إني يتقدم لي عرسان يادكتور.
اتسع بؤبؤ عينيه من ردها وهتف بحدة:
_ إيه الكلام اللي إنتي بتقوليه ده يا مريم، فوقي لنفسك، أنا رحيم.
استجمعت شجاعتها وهتفت باستنكار:
_ هو أنا قلت إيه يعني يخليك تزهق عليا وتغضب ويبقى شكلك بالمنظر ده وكأني عملت عاملة، ولا كأنك دخلت لقيتني واقفة في حضنه مثلا؟
قاطع حديثها بحدة وهدر به بنظرة غاضبة:
_ والله عال، وكمان مش معترفة بغلطك وبتتريقي كمان ياهانم!
وتابع حديثه بتصميم:
_ اعملي حسابك إنت هتسيبي الشغل في البنك وترجعي الجامعة ويبقى مكان شغلنا واحد. أنا أصلاً مش موافق على شغلك في البنك من البداية.
جزت على أسنانها وصاحت به:
_ بأي حق تقرر عني وبأي حق تمنعني من شغلي اللي أنا بحبه؟
صمت لثوانٍ ثم حدق في عينيها وأردف بنبرة عتاب مغلفة بالهدوء:
_ بحق الحب اللي بينا يامريم، اللي وصل لمرحلة العشق.
بحق الأيام والليالي اللي بحلم نكون فيها مع بعض. بحق قلبي اللي امتكلتيه وعقلي اللي مشغول بيكي ليل نهار.
بحق الوعود والعهود اللي بينا إننا نكون قلب واحد ورأي واحد وكيان واحد.
واسترسل بنبرة ممزوجة بالحزن:
_ ياترى بعد كل اللي قلته ليا حق ولا مليش يامريم؟
زَمّت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
_ ماهو إنت اللي دخلت فيا شمال وحمّرت لي عيونك ورعبتني وخليت قلبي طب في رجلي، أعمل إيه يعني؟
وأكملت وهي تتمتم بصوت خفيض:
_ مستحملتش يارحيم، ولقتني بقول أي كلام.
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتابع باستفسار:
_ طيب قلتي إيه يامريم؟ عايزك تشتغلي معايا في الجامعة وتبقي مع بعض؟
تنهدت وتحدثت باستجداء:
_ أنا حبيت الشغل هنا أوي يارحيم، ولقيت نفسي في المكان ده، وفي الشهور القليلة دي بفضل الله اكتسبت خبرة، تعبت جداً عشان أوصل لها. أرجوك ياحبيبي اقف جمبي وادعمني ومتخليش موقف تافه زي ده يأثر عليك.
احمرت عيناه من جديد ونطق غاضباً:
_ والله إنتي شايفة إن ده موقف تافه!
ابتسمت وهي تشير إليه بكف يدها أن يهدأ:
_ طيب اهدي بقى ومترجعش لحالتك دي تاني، وأوعدك إن ده لو حصل تاني هقول لك والله.
زفر بسأم وتحدث باعتراض:
_ يعني برضه مصممة إننا نكون بعاد عن بعض؟
أجابته بتوضيح:
_ كده أحسن عشان طنط متظنش فيا السوء أكتر. أنا كده مرتاحة ومريحة.
واسترسلت بحب نابع من قلبها:
_ بس سيبك إنت، شكلك قمرر وإنت واقف كده ترد على معتز، والغيرة عليا خلت قلبي يرفرف من السعادة.
قطب جبينه وتحدث باستنكار:
_ وكمان بتنطقي اسمه قدامي!
بقولك إيه يامريم، اتقي شري النهاردة عشان أنا عفاريت الدنيا بتتتنطط في وشي.
ضحكت بشدة رغما عنها ثم هدأت وتحدثت بطاعة:
_ حاضر ياقلبي، أنا مش هتكلم تاني.
نظر إليها بقلب يدق بعنف وردد بوله:
_ بجد ياقلب رحيم، بتحبيني قد إيه بحبك؟
أجابته بعيون ولهة وهي تشير إلى قلبها:
_ والله مادق لحد قبلك ولا هيدق لحد بعدك، وكأن دقاته اتوصمت ليك انت وبس ياقلب مريم.
تنهد وبعينيه عاشقة أومأ لها بأهدابه وتحدث بتلبية:
_ خلاص أنا موافق تفضلي هنا، ومش بس كدة، اعملي حسابك في خلال عشر أيام بالكتير هاجي أخطبك، كفاية كدة الشهور دي كلها تأجيل، جبت أخري خلاص ومبقتش قادر أستحمل، متتبقيش على اسمي وملكي.
اعترى الخجل جسدها بأكمله وصارت دقات قلبها أكثر عنفًا ونطقت بنبرة يملؤها الشجن:
_ خايفة أصدق وأرتب وأجهز نفسي وفي الآخر أنصدم.
لاحظ حزنها الشديد فطمأنها بتأكيد:
_ مش واثقة فيا وفي كلامي يامريم؟
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
_ مش قصة ثقة فيك انت، لااا، ده في اللي حواليك وفي المجتمع نفسه اللي شايفني مستحقش أعيش وأحب وأتحب من اللي قلبي اختاره.
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقًا تحدث شارحًا:
_ ومين يقدر يبعدني عنك ولا يغير تفكيري في القرب منك، وأنا كلي بيناديكي تسكنيه؟
وتابع بتأكيد:
_ أنا كنت مخليها مفاجأة ليكي، بس عشان نظرات الحزن اللي في عيونك دي وقلة الثقة اللي محاوطاها بيها نفسك، هقولك. أنا بقى لي أكتر من شهرين أنا وريم وبابا بنقنع ماما، وخلاص قربنا نقنعها. وعايز أعرفك كمان إنها مش هتبقى خطوبة، لااا، إحنا هنكتب كتابنا علطول ياعمري.
انتفضت بسعادة بالغة من كلماته وأردفت بتساؤل:
_ بجد ياقلبي كلامك ده ولا بتصبرني وخلاص؟
استدار بكامل جسده وأجابها وهو ينظر داخل عينيها:
_ بجد جدًا ياعمري. ياه، نفسي بقى اليوم ده يجي بسرعة عشان نفسي أوي أتنفس عطرك عن قرب وأضمك لحضني ياقلبي.
خجلت بشدة من كلماته وهتفت بهدوء:
_ بعد إذنك يارحيم، بلاش تتكلم معايا بالطريقة دي والعلاقة بينا تاخد منحنى أنا مش حاباه، أو بمعنى أصح يغضب ربنا، كفاية كلامنا مع بعض بدون رابط شرعي، ده في حد ذاته حرام وهنتحاسب عليه.
واسترسلت حديثها بابتسامة نابعة من قلبها الجميل:
_ أنا نفسي أي شعور وأي نبضة من قلبي ليك أحسه في الحلال عشان أعرف أدوق حلاوته من غير ما ألوم نفسي.
بادلها نفس الابتسامة وردد بحالمية:
_ طيب، هحبك أكتر من كده إيه يابنت قلبي وروحي؟ ده أنا عديت مراحل الحب والعشق والغرام وخلصتهم فيكي.
ابتسمت وهي ترمش بأهدابها خجلًا من كلماته، وما إن رأى علامات الخجل على وجهها ردد بعشق جارف:
_ لا ده أنا كدة هدوب وقلبي مش هيستحمل ياروما.
قطبت جبينها وهتفت باندهاش:
_ بردو مفيش فايدة، ده كأني مبقولش حاجة. إنت وجودك دلوقتي هنا بقى خطر كبير، اتفضل يالا روح شوف وراك إيه عشان أنا كمان أشوف ورايا إيه.
جلس يشاغبها بخفة ظله قليلاً ثم ودعها بقلب حزين، ولكن وعد حاله أن لا ينقضي ذلك الأسبوع إلا وهي امرأته. وظل هائمًا بها ويردد داخله بكلمات عشقه لها.
أخبروها بأن عيناي تنتظر رؤيا طيفها هائمة.
أخبروها بأن أنفاسي متلهفة لمساتها الناعمة.
أخبروها بأنها عشقي الأبدي وحياتي بدونها قاتمة.
أخبروها بأنها روحي ودقات قلبي بنارها مغرمة.