تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
الفصل 23 — رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فاطيما يوسف
وضعت يدها على صدرها وشهقت بفزع أثر دخوله المفاجئ.
قائلًا لها بحاجب مرفوع:
_ اسم الله عليكِ من الخضة ياقطة.
واسترسل ملامًا:
_ حمد لله على السلامة. أخيرًا افتكرتي إن عندي شغل وخلصتي عذابك في صاحب الشغل وحنيتي عليه وشرفتي؟
ابتلعت أنفاسها بصعوبة ورددت بتوتر وهي تنظر إلى المصعد، وبينه نظرات مشتتة:
_ إيه ده؟ هو إنت إزاي تدخل الأسانسير وتقتحمه كده وأنا لوحدي؟
ضغط على أزرار المصعد بحركة مباغتة وأوقفه تمامًا وهو يجيبها بمكر وعيونه مثبتة عليها:
_ الله! شوفتك وإنتي تحت رحمتي أخيرًا. وهعمل فيكي زي ما بتعملي معايا بالظبط.
تحدثت بعيون زائغة:
_ إيه ده؟ أنت عملت إيه؟ لو سمحت كده مينفعش. أنت عايز إيه بالظبط يا مالك؟
_ عايزك، وإنتي معذبانِية ومطلعة عيني.
قالها مالك بنظرة عتاب وأكمل:
_ بقى يا قادرة تقعدي أكتر من أسبوع متجييش الشغل، وليكي عين تسألي كمان!
تمسكت بحقيبتها وما زالت أعينها تدور في المكان وهتفت بحدة خفيفة:
_ هو ينفع توقف الاسانسير كده يا مالك؟
بملامح وجه متعصبة أجابها:
_ مالك، مالك، مالك تعب يا شيخة وأعصابه باظت بسبب جريه وراكي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة ورددت وهي تبتعد عنه حينما لاحظت اقترابه:
_ هو ينفع الكلام ده في المكان ده يعني؟! أنت جرى لك إيه؟
أومأ برأسه بموافقة قائلًا بتأكيد:
_ آه ينفع. ولو مطلعتيش ورايا على المكتب دلوقتي نتفاهم، ولا نفضل هنا والشركة تتفرج علينا وتبقى ليلة.
اتسع بؤبؤ عينيها وهتفت باندهاش:
_ أنت متهور بقى على كده وأنا كنت واخدة فكرة عنك غير كده خالص.
اقترب منها وأصبح محاصرها كي يجعلها تستكين وتخضع لطلبه بسرعة:
_ على إيدك، بقيت متهور على إيدك يا أستاذة.
واسترسل حديثه وهو ما زال مقتربًا منها غامزًا بإحدى عينيه:
_ بس قولي لي بقى إيه الفكرة اللي إنتي كنتي واخداها عني؟ احكي نفسي أسمعك يا حب.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة والدهشة ما زالت تسكن ملامحها. اقترابه منها ورؤيتها لملامحه الرجولية عن قرب وأنفاسها تستنشق رائحته التي عبأت ذاك المكان الضيق. وتحدثت بلسان يرجف:
_ هو إحنا هنفضل هنا كتير ولا إيه؟
بنفس غمزته الشقية أجابها:
_ شكلك كده إنتي اللي عاجبك الوضع والحوار ده وحابة نفضل هنا كتير. وبصراحة كده أنا عاجبني المكان.
وتابع حديثه برغبة:
_ كفاية إني بتنفس أنفاسك، وده كفيل يحنيني عمر بحاله.
_ مالك كفاية بقى كلامك ده…. قالتها بتيهة وتابعت:
_ شغل الأسانسير وهنتكلم في المكتب أفضل.
ابتسامة عريضة ارتسمت على معالم وجهه وفورًا ضغط على الزر قائلًا بتحذير:
_ حذاري تغيري رأيك وتكبري دماغك، وعشر دقايق وتكوني على مكتبي. لا هتلاقيني جاي لك واللي هعمله مش هتتوقعيه.
تذكرت حديث أبيها أن لا يعرف أحدًا بشأن مالك وخافت من تحذيره ويتهور ويعلم الجميع ويحدث ما لا يحمد عقباه. وأشارت برأسها مرددة:
_ حاضر جاية متقلقش.
أنهت كلماتها وانفتح المصعد وهرولت منه وهي تتلفت يمينًا ويسارًا كاللص الذي يخاف أن يراه أحد، وهي تردد بلسان حالها:
_ ربنا يسامحك يا مالك خلتني أبص حواليا شكل ما أكون عاملة عَمْلة.
وذهبت إلى مكتبها ووضعت أشيائها، وارتاحت قليلًا على كرسيها وهي تفرك جبهتها بإرهاق. وبعد مرور نصف ساعة ذهبت إلى مكتبه ودقت على الباب. فقام من مكانه مسرعًا لقد رآها عبر الكاميرات وفتح لها الباب قائلًا ببواله:
_ القمر اللي نور المكان وزاده نور، اتفضلي.
ارتجف داخلها من نظراته وطريقته ودلفت بخطوات بطيئة وجلست أمام المكتب. لحقها بخطواته السريعة وجلس أمامها ولم يجلس على كرسيه قائلًا:
_ تحبي تشربي إيه؟ أطلب لك قهوة ولا عصير فريش؟
أجابته وهي تتحسس جبهتها بإرهاق:
_ ممكن قهوة لأني عندي صداع.
انتابه القلق عليها وأردف بخوف:
_ مالك يا حبيبي؟ إيه اللي فيكي؟ شكلك فعلًا مرهق جدًا.
نظرت إليه بانبهار من ذاك الحنان النابع من نظراته وهمساته، وحدثت حالها بتخبط:
_ يا إلهي! أكل ذاك الحب القابع في عيناه لذاتي؟ أكل ذاك الحنان النابع من قلبه والذي يحاوطني به لأجل إرضائي؟ أتكون تلك عناية الله التي شملتني بها وعفا عني وعوضني بذاك الراقي؟
لاحظ تشتتها وحيرتها فتحدث بعيون تشع عشقًا:
_ مالك يا ريما بجد قلقتيني وشغلتيني عليكي وحاسس دائمًا إنك في صراع قوي هلك روحك وأعصابك.
أخذت نفسًا عميقًا ثم استدعت الهدوء وتحدثت باستفاضة:
_ ممكن أتكلم معاك وأخرج لك كل اللي في قلبي من غير زعل.
واسترسلت بتخبط:
_ يعني هعتبرك دلوقتي دكتوري النفسي مش حبيبي ولا في بينا مشاعر وليدة.
نظر إلى الباب المفتوح وأجابها بسعة صدر:
_ طيب ممكن تثقي فيا ونقفل الباب عشان تتكلمي براحتك.
أشارت برأسها بموافقة، فقام من مكانه وأغلق الباب ثم عاد إلى مكانه مرددًا بابتسامة:
_ اتفضلي. هو أنا أطول أسمع القمر؟ بس قبل ما تتكلمي ولا تقولي أي حاجة لازم تعرفي إني بحبك ومش هتنازل عن وجودك في حياتي. أنا ما صدقت لقيتك.
أصغت إليه بانتباه وابتسمت على تصميمه عليها وحمدت ربها داخلها.
_ أنا حابة إني أحكي لك عن حياتي مع باهر. حاسة إني عايزة أحكي عشان خاطر تعرف إيه اللي حصل بالتفصيل. وبالرغم من إني ماضي وحياتي القديمة ملهاش علاقة بعلاقتنا، بس أنا اتفقت معاك إني هكلمك كدكتوري النفسي.
وأثناء حديثها دخل عامل البوفيه بالقهوة وقدمها لهم وخرج. قدم لها القهوة بذوق وأشار إليها أن تكمل. ارتشفت القليل منها ثم تابعت حديثها:
_ أنا وباهر كنا بنحب بعض جدًا وحياتنا كانت هادية بطريقة ما تتخيليهاش. عمرنا ما كنا بنتخانق غير بسيط جدًا، بس كان يجي علينا الليل وهو ناهي المشكلة اللي ما بينا وعمرنا ما نمنا واحنا زعلانين من بعض. وحياتي معاه طول السبع سنين استمرت على كده. بس طبعًا كان ليا حماتي شديدة جدًا وسلفتي ما كانتش بتسيبني في حالي وعلى طول عينها على حياتي. أنا كنت بحب التصميم وأخدت في كورسات كتير وطورت نفسي فيه. شغالة فيه أصلًا من وأنا صغيرة، وكل مشاكلنا دائمًا كانت بسبب إني عايزة يبقى ليا كيان وأشتغل وأحقق ذاتي والناس تعرفني، وده لأن عندي موهبة ربنا إدهالي وحرام إني أدفنها. باهر بالرغم من حنيته عليا وحبه الكبير أوي واحتوائه ليا، إلا إنه لما كان يجي سيرة إني عايزة أشتغل أو أخرج للشغل بنفسي كان بيتعصب جامد. واستحملت عصبيته كتير جدًا بسبب الموضوع ده. وحتى لو الموضوع انفتح قدام ماما وبابا وإخواتي كان يتعصب بنفس الدرجة. واتكلمت معاه في الموضوع ده بدل المرة ألف مرة وللأسف نفس الرد ونفس العصبية ونفس الرفض القاطع.
واسترسلت حديثها وغشاوة الدموع تلمع في عينيها عندما تذكرت الليلة التي رحل عنها فيها. لاحظ مالك ذلك وحاول تهدئتها بكلماته قائلًا:
_ حبيبي هدي أعصابك وخليكي ريلاكس وبلاش انفعال وإنتي بتحكي. وبعدين كملي.
وضعت يدها على قلبها تهدئ من ضرباته وأخذت نفسًا عميقًا ثم أكملت تلك الذكريات المؤلمة:
_ لحد الليلة اللي حصل فيها مشكلة كبيرة وصممت إني أنزل اشتغل. ما استوعبش كلامي وتصميمي فخيرني ما بين حياتنا والشغل. ساعتها كل اللي جه في بالي إني أضغط عليه زيي زي أي ست، بمعنى الدلال يعني، يمكن يتأثر. فقلت له ساعتها: هختار الشغل. ملامحه ساعتها اتغيرت وانصدم من ردي اللي كنت قايلاه وأنا أصلًا مش في نيتي إني حتى أسيب بيتي. وفي الليلة دي قال لي: اخرجِ وسبيني لوحدي. وتاني يوم مات.
ثم انفجرت في البكاء وهي تضع يدها على وجهها تكتم صوتها أثر شهقاتها العالية. كان جالسًا أمامها قلبه ينكوي من بكائها أولًا، ومن رؤية عيناها اللامعة حينما تذكرت زوجها ومن ذكر اسمه أمامه أيضًا. نار الغيرة شبت في ضلوعه، ولكنه حكم عقله لأنها وعدها بالأمان حينما تتحدث. أما عن شهقاتها فقد انفطر قلبه لأجلها وردد بهمس كي يهدئها:
_ ريم حبيبتي هو مات لأن عمره انتهى. وأنا شايفها خناقة عادية بين أي راجل ومراته. دول في زوجين مش بيبقوا متخانقين أصلًا ولا في بينهم أي حاجة، وفي لحظة يموت وهو قاعد جنبها. الأعمار بيد الله ومحدش بيموت عشان حد. لازم تثقي في كده.
هدأت قليلًا من شهقاتها وأخذت منه المنديل الورقي الذي مد يده به وجففت عبراتها وأكملت:
_ بابا كمان قال لي كده، بس أنا وهو كنا بنحب بعض جدًا. لكن لما اتعرفت عليك خفت أوووي إن مشاعري تتحرك ناحيتك. كنت محرمة على نفسي أي راجل تاني بعديه. لكن حصارك ليا بالكلام وبالنظرات شتتني في الأول. وكل لما أحاول مفكرش فيك تعمل مواقف تخليك متطلعش من بالي. قاومت وعافرت كتير أووي بس مقدرتش يا مالك.
وتابعت حديثها وهي ترفع عيناها اللامعة بالدموع والعشق معًا:
_ لقيتني بفكر فيك ليل ونهار وبقيت تايهة ما بين الحاضر والماضي. بقيت مشتتة في تفكيري وبألُوم نفسي إزاي قدرت أبَدّل باهر أبو ولادي وحب عمري بيك يا مالك. متتصورش الصراع النفسي اللي عايشاه بقالي فترة عامل فيا إيه. مدمرني ومخليني كارهة نفسي أوووي ومش طايقة أبص على نفسي في المراية واحتقرتني. وبعد جلدي الشديد أوووي لنفسي أرجع لنقطة البداية وهي صورتك اللي قدامي ومبقتش تفارقني لحد ما بابا حس بيا وقال لي كلام هداني شوية. عرفني إن القلوب بإيد ربنا سبحانه وتعالى هو اللي بيبدلها زي ما يريد. لكن لما بقعد مع نفسي تاني مش قادرة أتخطى إن ممكن أحب وأتجوز راجل تاني غير باهر وأعيش معاه. وفي نفس اللحظة تكون في بالي وبفكر فيك ومش قادرة إني أتخطى وجودك في حياتي وأنا رافضة أي فرصة أديها لنفسي تاني إني أكمل حياتي. وبين الخناقات الكبيرة اللي جوايا بلاقيني ما بقتش شايفه إلا أنت.
يا الله! عظيمة أنتِ تجرحين وتداوين في نفس اللحظة. تشتتين روحي وتدميها بكلماتك ثم تطيبها في نفس اللحظة. كيف لكِ أن تلعبي بأوتار مشاعري وتعزفي على نيران عشقي بتلك الدرجة! لقد تعبت ولكني في محراب حبك متمسك، ولكن بنار غيرتي أحترق. كيف لكِ أن تفعلي الشيء وعكسه في آن واحد! إذا فلأصدق حدسي أنكِ الرائعة التي يحتاجها قلبي.
انتبه من تشتته السريع ووقفت أذناه عند اعترافها بحبها له غير الصريح، ولكن علم بأنها تحتاجه وتفكر فيه بل وتريده كما أرادها. لم ولن يتحدث معها الآن عن ماضيها وسيغلق عليه بمفتاح عشقه لها، وسيقتحم قلبها أكثر من ذي قلب رغم وجعها. رأى أن يحدثها عنهما لكي يثبت لها أن الماضي ما هو إلا كالسراب بالنسبة له وهو الحقيقة الماثلة أمامها الآن. لذلك سيسحبها معه إلى عالمه بطريقته وستسكن قلبه وأحضانه بكل اطمئنان وسلام منها.
ثم تحدث هائمًا في سماء عشقها:
_ هو أنا ينفع أجي أتقدم لك النهاردة ونكتب الكتاب بكرة؟ أنا خلاص الصبر زهق من صبري يا ريم.
فتحت فاهها باندهاش لعدم انزعاجه من اعترافاتها وكأنها سراب. ثم تساءلت باندهاش:
_ إيه ده؟ هو إنت مزعلتش من كلامي ولا حتى اتأثرت بيه وكأني مقلتش حاجة؟
رفع حاجبيه وهتف بمكر:
_ الله! هو إنتي بتنسي ولا إيه؟ هو إحنا مش اتفقنا إنك هتكلميني على إني دكتورك النفسي؟ وأنا رديت عليكي من شوية على أساس كده.
واسترسل بحب:
_ أما دلوقتي أنا مالك حبيبك اللي هبقى عن قريب أوي جوزك.
وتابع بمشاغبة وهو يغمز لها بشقاوة:
_ شفتي بقى أنا مركز معاكي أوووي وواخد بالي حتى من تفاصيل كلامك، عشان تعرفي بس إني بحبك بجد مش مجرد كلام وخلاص.
ابتسمت برقة على كلماته وكأن بابتسامتها تلك ودعت الأحزان التي مرت بها كثيرًا وقررت أن تترك مصيرها للقدر. ثم تحدثت بنبرة هادئة:
_ تمام أنا موافقة بس ليا شروط.
انفرجت أساريره وود أن يأخذها بين أحضانه، بل ود أن يمسكها من يديها ويذهب بها إلى المأذون كي يدون سحر اللحظة قولًا وفعلًا. فتحدث بعيون ناطقة بالعشق:
_ بجد يا ريم موافقة تكملي اللي باقي من عمرك معايا؟
أومأت برأسها بخجل وتابع هو:
_ ياه! أخيرًا يا شيخة! ده إنتي عذبتيني وطلعتي روحي. اشرطي واطلبي وأمري يا جميل.
كانت تفرك بيدها كعلامة على التوتر والخجل ثم تحدثت بنبرة واثقة:
_ أول حاجة بل وأهم من كل مهم، ولادي قبلي وهيعيشوا معايا ومش هسيبهم أبدًا ولا هتخلى عنهم. ولو في يوم اتضايقت من وجودهم ومحبتهوش وطلبت إنهم يمشوا يبقى أنا همشي قبلهم.
واسترسلت بنبرة حزينة سكنت عيناها:
_ عشان لا قدر الله ميحصلش اللي حصل قبل كده.
تنهد بارتياح عقب استماعه لشرطها الأول وهتف باستجداء:
_ ولادك هيبقوا زي ولادي بالظبط وأنا مش من النوع اللي أحقد على أطفال أو أغير من وجودهم معانا، متقلقيش يا حبيبتي.
واستطرد حديثه بحزن نابع من قلبه:
_ دول في عنيا وأنا هبقى أب ليهم وهحس معاهم إحساس افتقدت وجوده في حياتي. كملي شروطك.
أحست بحزنه من خلال نبرته التي تحدث بها ولا تعرف ما السبب الكامن وراء ذلك الحزن وأكملت شروطها:
_ ثانيًا أنا حابة إني أكمل في الشغل وحابة إني يبقى ليا اسم وكيان ودايمًا هيبقى عندي طموح إن ماركتي تسمع العالم كله شرقه وغربه. فأرجوك متموتش حلمي وساعدني إني أوصل وشجعني على كده. ولو لقيتني قصرت معاك في يوم من الأيام ساعتها يبقى ليك حق إنك تعاتبني بكل هدوء.
تنهد براحة نفسية لسهولة شرطها الثاني وأجابها بحب:
_ أنا الست اللي أحبها لازم أحب نجاحها، وأحبها تبقى شاطرة في مجالها وده شيء يشرفني جدًا ومتقلقيش هنوصل مع بعض لمكانة عمرك ما كنتي تحلمي بيها وده لأنك تستحقيها.
تنفست الصعداء وارتاحت روحها لتفهمه لها وتابعت:
_ تمام. الحاجة الثالثة ودي بردوا مهمة ولازم تعرفها إنني هتنازل عن كل ورثي وورث أولادي عشان أشتري بيهم راحتنا وإن أولادي يفضلوا في حضني ومحدش يقرب ناحيتنا أبدًا. يعني هتاخدني بولادي واحنا لا نملك شيئًا.
وكادت أن تكمل كلماتها إلا أنه أوقفها بإشارة من يده مرددًا بذهول:
_ إنتي متوقعة أو جه في بالك إني ممكن أبص لفلوسك أو إني متابع وعارف ورثك والحوارات دي؟
أجابته بإبانة:
_ لاا خالص والله. أنا عارفة بتكلم مع مين كويس، بس لازم أعرفك وأحط النقط على الحروف من البداية ومجبتش أخبي أي حاجة وإني أبقى كتاب مفتوح قدامك.
ابتسم برقة وأردف بأمل:
_ كده تمام. أتوكل على الله وأجي لبابا النهاردة ولا في حاجة تاني؟
ابتسمت بشدة على استعجاله وهتفت بتمهل:
_ إيه يا مالك مالك متسرع كده ليه؟ اصبر بس كده عشان عندي آخر حوار مع حماتي وابنها هخلصه وساعتها هقول لك الدار أمان اتفضل.
سألها باستفسار مغلف بالغيرة:
_ أخو باهر إنتي مالك وماله؟
اتسعت مقلتيها بذهول لغيرته السريعة:
_ يعني إيه مالك وماله؟ مش عم ولادي وهو اللي هنهي كل حاجة معاه تخصني وتخص ولادي.
أحس بالغيرة الشديدة ولكنه اقتنع بكلامها وأردف متعجبًا:
_ طيب وجوازنا إيه علاقته بأنك تنهي الحوارات دي معاه؟
أجابته بتوتر:
_ ماهو دي آخر حاجة كنت هقولها لك، إن بابا اتفق معايا إني مجبش سيرة جواز ليا أو حد يعرف بالموضوع ده لحد ماخد تنازل عن ولاية أولادي والوصاية عليهم إلى الأبد وأسجل التنازل ده في الشهر العقاري، ساعتها هنعلن وإحنا بقلب جامد عشان محدش يستغلني ويذلني بولادي.
تفهم الأمر وسأل:
_ طيب الموضوع ده قدامه قد إيه؟ مش يومين تلاتة بالكتير.
أجابته:
_ هياخد أسبوع أو عشر أيام بس مش أكتر إن شاء الله.
ضرب كفًا بكف وأردف بخيبة أمل:
_ ده إيه النحس ده! لسه هستنى عشر أيام بحالهم. لله الأمر من قبل ومن بعد.
ابتسم داخلها على اعتراضه مردفة باندهاش:
_ هو أسبوع ولا عشر أيام كتير؟ ده إنت صبرت شهور جت على حبة أيام.
وظلوا يتحدثون عن كل شيء عنها وهي لم تعرف شيئًا عنه، ولكن وعدها أن يقص عليها حياته مرة أخرى.
***
في منزل إيهاب البحيري يجلس هو وراندا مع حالهما في غرفتهما يتحدثان في أمور حياتهما. فتذكر أمر سما فسألها بجدية:
_ آه صحيح فيه حاجة مهمة افتكرتها وكانت غايبة عن بالي.
اندهشت ملامح وجهها وسألته:
_ حاجة إيه دي يا حبيبي؟
أجابها وهو يعتدل من جلسته:
_ سما بنتنا مالها؟ لما كنا في المستشفى سمعت من والدك تقريبًا وهو بيقول لك "الولد والبنت ضاعوا".
واسترسل استفساره:
_ ممكن أعرف يقصد إيه بكلامه ده؟
انقلب وجهها بعلامات الطيف، فهي كانت لا تود إخباره بذاك الموضوع. ولكن استجمعت شتاتها وأجابته بصراحة لأنها تعرفه جيدًا يكشف التحوير في الحديث بمهارة:
_ سما جت لها فترة اتعرفت على بنت مش كويسة. البنت دي خلتها تعمل أكونت على التيك توك والمواقع التانية اللي شبهه بالظبط. وقالت لها إنها تعمل فيديوهات تجيب لها مشاهدات ومتابعين كتير. وعشان سما ما عندهاش خبرة وكنت أنا في الفترة دي متدمرة زي ما أنت ما عارف. عملت أكونت جديد خالص وكانت حاظرانا كلنا منه عشان ما نشوفش الفيديوهات بتاعتها. وتقريبًا أصحابها المقربين عملت لهم برده حظر. وبقيت تنزل فيديوهات ليها وهي في أوضتها لابسة لبس مكشوف وحاطة ميك أب أوفر وبتعمل حركات ما تعملهاش بنوتة في سنها. وفي يوم كنت قاعدة لقيت فيديو ليها جاي لي على الواتساب من صاحبتها دي بس بعد طبعًا ما بقى عندها تقريبًا ما يقرب من نص مليون متابع وزيادة كمان. وأنا شفت الفيديو انصدمت.
اتسعت عيونه من هول ما سمع. أيمكن أن تكون صغيرته وقعت في شباك السوشيال ميديا واتبعت طريق الضياع والذي لا يليق بها ولا بهم. وتساءل بملامح شديدة الدهشة:
_ وإنتي كنتي فين وهي بتعمل الفيديوهات دي كلها لحد ما بقى عندها نص مليون متابع بالسرعة دي؟ وازاي أصلًا وصلت للمتابعين دول في الوقت القليل ده؟
ابتلعت أنفاسها بصعوبة عندما رأت علامات الغضب مرسومة على وجهه. واردفت وهي تداري عينيها خوفًا من غضبه الآتي:
_ أنا كنت في الفترة دي وطول ما إحنا مطلقين تعبانة جدًا ونفسيتي متدمرة. ما كنتش مركزة معاهم خالص. وأظن إنك لازم تعذرني وتديني مساحة العذر الكافي عشان اللي حصل لنا ما كانش هين عليا.
انتفض من مكانه وقام من جانبها وجلس على الأريكة الموجودة في الحجرة قائلًا بتوبيخ:
_ عذر أقبح من ذنب يا راندا هانم. ياما جيت لك واترجيتك إننا نلم بيتنا وعيالنا وإنتي كنتي مصممة على اللي في دماغك. ياما قلت لك العيال هيضيعوا وكنت دائمًا بسألك عليهم عاملين إيه تقولي لي كويسين وبخير وابعد عننا إنت. شفتي كبريائك عندك وصل الأولاد لأيه وبنتنا بقت عاملة إزاي اللي كانت زي الملاك؟
انتفضت تلك الأخرى من مكانها وعيناها لمعت بالدموع مرددة بحرقة:
_ غصب عني كنت موجوعة ومجروحة وكنت بعمل تصرفات ما كانتش في وعيي وإنت السبب الأول في ده كله. إنت متتصورش أنا عشت الفترة اللي فاتت دي أسوأ فترة في حياتي وما كنتش دريانة بأي حاجة حواليا ولا حتى بنفسي. أنا جرحي منك كان كبير قوي يا إيهاب.
بعيون تطلق غضبًا كما هي هتف برفض:
_ برده ده مش مبرر إنك كنتي تهملي في الأولاد لحد ما يوصلوا للدرجة دي. أنا سبتهم أمانة معاكي والمفروض كنتي تحافظي عليهم أكتر من كده.
دارت في المكان حول نفسها بغضب وهتفت بصوت عالٍ بعض الشيء وعيونها تشع احمرارًا من أثر البكاء:
_ دلوقتي أنا اللي بقيت مهملة في وجهة نظرك! طيب إنت واللي عملته فيا وتدميرك ليا ده مش سبب يخليني أنسى الدنيا باللي فيها.
وتابعت كلماتها وهي تشير بيدها في اللاشيء بسبب توترها:
_ طيب ما تيجي نبدل الأدوار كده يا بشمهندس ونشوف ساعتها موقفك إيه؟
اعتلى الذهول ملامح وجهه وسألها بدهشة:
_ يعني إيه مش فاهم كلمة نبدل الأدوار دي تقصدي بيها إيه؟
جلست على التخت بإهمال وهي تضع وجهها بين يديها وأجابته وهي تنتحب بشدة:
_ إنت فضلت متغرب عني أكتر من ١٥ سنة وكنت في غيابك صاينك وحافظاك ومراعيه ربنا فيك وعمري ما عملت حاجة تغضب ربنا مني ولا رحت لطريق الضياع اللي بتروحوا ستات كتير أوي لما جوزها يبقى مسافر. مكنتش مستنية منك الخيانة وإنك تبيعني وتتجوز عليا وأنا هنا محرمة على نفسي كل حاجة.
واسترسلت وهي تعرض عليه صورة الخيانة تجاهها:
_ تصور لو أنا اللي خنتك وعرفت راجل غيرك كان هيبقى موقفك إيه ساعتها؟ كنت هتسامحني بردوا؟
استنكر دفاعها بشدة وقام من مكانه واقفًا أمامها وأمسكها من كتفيها يهزها بعنف مرددًا بفحيح:
_ ده أنا كنت دفنتك حية يا راندا وعملت فيكي اللي ميتعملش! إنتي اتجننتي أصلًا! إزاي تقارني دي بدي؟ أنا راجل كنت متجوز على سنة الله ورسوله مش ماشي مع واحدة والسلام فيه فرق جامد.
نزعت يداه من على كتفيها وردت بعنف حينما ذكر زواجه عليها:
_ بس من ورايا ومن غير ما أعرف ولا إديتني حرية الاختيار اللي ربنا إدهالي. تبقى أنت كنت خاين ساعتها يا إيهاب والخيانة واحدة مبتتجزأش في الآخر بتوجع الطرفين سواء كانت بعقد ولا من غير.
قالت كلماتها وارتمت على تختها تبكي بشدة على أمر ذكرى مرت بحياتها ولن تنساها. توجع قلبه لأجلها ورأى أنه حملها أكثر من طاقتها فهبط لمستواها وحرك خصلات شعرها من على وجهها وتحسس خديها برقة وهو يحاول تهدئتها مرددًا باعتذار:
_ حقك عليا يا حبيبتي متزعليش مني. أنا اتعصبت بسبب اللي حصل لسما واللي ما كنتش أتوقعه إنه يحصل أبدًا.
ظلت على وضعها تنتحب بشدة فقد صعبت عليها نفسها بشراهة، وكلما استمع إلى شهقاتها لام حاله بشدة فحملها وجذبها إلى أحضانه وهو يقبل جبهتها وكل إنش بوجهها مرددًا بأسف:
_ حقك عليا يا حبيبي متزعليش. خلاص يا ستي أنا اللي غلطان في كل حاجة من البداية مش عايزين نفتح الموضوع ده تاني خالص وندفنه عشان أنا مش هقدر أعيش من غيرك ولا أستغنى عنك أبدًا.
واستطرد أسفه بتوضيح:
_ وإذا كان على ولادنا مسؤولين مني قبل منك بعد كده وهنتشارك مع بعض كل خصوصياتهم وعيني هتبقى عليهم قبل عينك وهشيل عنك سنين العمر اللي تعبتي فيها وإنتي بتربيهم وأنا كنت بعيد عنكم. موضوع سما ده سيبيه عليا أنا ولازم ترجع سما البريئة الراقية بتاعة زمان واللي إنتي مربياها بإيديكي يا قلبي. خلاص بقى ممكن نهدى يا حبيبي.
كان يردد تلك الكلمات وهو يمسح دموع عينيها بكلتا يديه وما كان منها إلا أن هدأت من كلماته وقبلت اعتذاره. فهي قررت أن تغير من حالها كي تحافظ على بيتها وزوجها ومن أهم التغيرات أن تقبل اعتذاره وأسفه دون تطويل حتى لا يتسبب البعد في الجفاء بينهما، وهذه تلك الأشياء التي خرجت بها من تلك التجربة المريرة التي عاشتها في الفترة السابقة.
ومرت تلك الليلة عليهما بسلام بعد أن هدئ الطرفان وبعد أن وعدها بأنه سيحل مشكلة ابنتهم بأسرع وقت دون إيذاء شعورها.
***
بعد مرور يومان كان جميل يجلس هو وابنته ريم يتحدثون في أمرها الهام الذي كان شغلها الشاغل هي ووالدها. فتحدث جميل بابتسامة عريضة:
_ بصي بقى أنا سويتهم لك على نار هادية وسايبهم يتحايلوا عليا من بقى لهم أكتر من عشر أيام بس أنا كنت بماطل شوية لحد قبل ميعاد الجلسة بحاجة بسيطة عشان منقعدش نحكي كتير. وكمان عقبال ما جهزت عقود التنازل عن الولاية بتاعت أولادك مع المحامي عشان منضيعش وقت خالص.
واسترسل حديثه برأي صائب:
_ يالا تغور الفلوس في ستين داهية أهم حاجة راحتك إنتي وولادك وإنك تعيشي في سلام نفسي. أصل راحة البال يا بنتي متكفيهاش كنوز الدنيا بحالها.
نال رأي والدها استحسانها وحمدت ربها على وجود ذاك الأب الخلوق ذو العقل الرشيد الذي دائمًا يقف بجانبهم ويحل معهم مشاكلهم دون كلل أو ملل. فتحدثت بتأكيد:
_ كلامك صح يا بابا. كنوز الدنيا متسواش وجود ولادي في حضني بسلام ومن غير ما حد يهدد أمننا ومن غير ما حد يقدر ياخدهم مني ولا يلوي دراعي بيهم في يوم من الأيام. وأنا متأكدة إن اعتماد وزاهر يعملوها. ولكن جال في خاطري أمر ما جعل قلبي يدق خوفًا فتابعت بتيهة:
_ هما ممكن ميوافقوش يا بابا على كده وياخدوا منى ولادي لو اتجوزت؟
حرك رأسه بنفي وأجابها:
_ متقلقيش يا حبيبتي عمرهم ما يرفضوا. أصل اللي يقبل ياكل مال اليتيم المدة اللي فاتت دي كلها ويستخسر يديهم حقهم بحجج فارغة يقبل يبيع نفسه عادي جدًا. وهما أول ما نقول تنازلك عن الفلوس هيريلوا عليها وما يصدقوا. دول بيحبوا الفلوس أكتر من نفسهم أنا عارفهم ولا يهمهم عيال ولا يحزنون.
وأثناء حديثه رن هاتفه ورأى اسم المحامي الخاص به منقوشًا على هاتفه، فأمرها قبل أن يجيبه:
_ طيب يالا قومي المحامي بيرن أهو سبقنا على هناك. ولما نروح متتكلميش خالص وسيبيني أنا العالم دي هعرف أتعامل معاهم.
ثم أجاب على المحامي وأبلغه بقدومهم. وصعدوا إلى السيارة منطلقين إلى تلك الجلسة التي تعد بمثابة الحرية لريم وأبنائها وهي تناشد ربها داخلها أن يجعل التوفيق حليفها.
وأثناء سيرهم أتتها رسالة على الواتساب الخاص به. فتحته ووجدتها من مالك مرسلًا لها:
_ وحشتيني جدًا على فكرة.
ابتسمت بحالمية وتفاعلت مع رسالته وأرسلت إليه إيموجي يعبر عن الإعجاب. جن جنونه من ذاك الرد ولم يعجبه فأرسل إليها بتحذير:
_ هتردي عليا ولا أرن فون أو ماسنجر وإنتي حرة بقى وهعمل لك إزعاج؟
حركت رأسها بذهول من جنونه وأجابته:
_ هو إنت طول عمرك كده هتفضل تستخدم أسلوب التهديد معايا ولا إيه؟ أنا كده هخاف منك خالص.
كان يدور حول نفسه بالكرسي الخاص به وكانت تلك حركته المفضلة التي يعشقها عندما يكون في حالة سلامه النفسي وأجابها:
_ ماهو إنتي لو بتسمعي الكلام وشطورة هتلاقيني معاكي لين، لكن إنتي بتستخدمي معايا نظام التقل صنعة عشان تخليني ملهوف عليكي.
واسترسل كلماته بغرام عبر الفويس الصوتي:
_ ببقى نفسي أكلمك كل لحظة وتبقى قصادي كل وقت. ببقى دائمًا ملهوف لكلامنا مع بعض. هو إنتي مش بتبقى ملهوفة زيي؟ أو لما تشوفي رناتي ولا رسايلي قلبي مش بيدق ولا بتحسي إنك ملهوفة على الرد بسرعة؟ أوصفي لي إحساسك يا قلبي بحب أتكلم معاكي أوووي وبحب أسمعك جدًااا.
استمعت إلى رسالته الصوتية عبر سماعة الهاتف وكم كان صوته المبحوح وهو يحاكيها بغرام جعلها تهيم به عشقًا في تلك اللحظة بالتحديد. تركت كل الهراء الذي بداخلها الذي يؤنبها عن عشقها له واستمعت إلى رسالته عدة مرات. حقًا لقد أحبته لا بل عشقته. ثم وجدت أصابع يديها تنقش تلك العبارة وهي في سماء هيامها به:
_ لما بتتكلمني أو بنقعد مع بعض ببقى مش عايزة الوقت يعدي ولا يمر. بحس إني عايزة أبقى منتبهة معاك أوووي. ومتشكرة جدًا لوجودك في حياتي يا مالك.
لم تصدق عيناه رسالتها ولم يصدق حدسه أن تلك الكلمات المنقوشة أمامه لتلك الريم التي عذبته بذاتها. أكل ذاك الشعور بالاشتياق داخلي لها جراء تلك الكلمات البسيطة! فماذا عن اعترافها بعشقها لي كيف يكون مذاقه لقلبي وعيني! يا الله كم أنتِ ماهرة في أن تجعليني جسدي يتمرد عليّ ويريدك بلهفة.
وسجل رسالته الأخرى بصوت مبحوح أثر دخوله عالمها الهائم:
_ بحبك، لاا بعشقك، ونفسي تقوليها لي بقى صريحة. بجد هبقى ساعتها أسعد راجل في العالم يا عمري. قوليها يا ريم وأنا أوعدك إنك مش هتندمي عليها طول عمرك.
لو كان أمامها لرأى الاحمرار يغزوا علامات وجهها كألوان الطيف. وتلك المرة أيضًا استمرت في سماع اعترافه كثيرًا. ومن شدة خجلها لم تقوى على الرد عليه. ولكنه انتظر ردها وحينما تأخرت علم خجلها وكأنه يراها الآن أمامه. وظل يردد مع حاله وهو يعيد قراءة سطورها المعدودة ولكن كانت بالنسبة له آلاف الترنيمات لعشقه:
_ مختلفة إنتي يا امرأة غير كل نساء العالم أجمع. في عيناكي شراسة تخبئ ورائها احتياج، وفي طلتك قوة تخبئ ورائها اشتياق، وفي أحضانك عزة تخبئ ورائها سكن يؤمن الأوطان. أريد أن أقتحم حصونك ولكن وقت احتياجك واشتياقك لكي أعبر أوطانك بكل سلام.
وأفاق من تفكيره في تلك الصغيرة على صوت الراديو. فمالك يعشق الإذاعة بشدة ولابد أن يشاركها يومه. أفاق على كوكب الشرق تغني أغنيته المفضلة والتي انتبه إليها بإنصات شديد ولأول مرة منذ ولادته يشعر بمعاني تلك الكلمات وكأنها تنشدها لأجله. وكانت تلك الكلمات:
كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا
بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين
شوف بقينا إزاي أنا فينيا حبيبي وانت فين، إنت فين، إنت فين
كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا
بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين
شوف بقينا إزاي أنا فينيا حبيبي وانت فين، إنت فين، إنت فين
والعمل إيه العمل ما تقول لي أعمل إيه
والأمل إنت الأمل تحرمني منك ليه
والعمل إيه العمل ما تقول لي أعمل إيه، إيه
والأمل إنت الأمل تحرمني منك ليه
عيون كانت بتحسدني على حبي
ودلوقتي بتبكي عليّ من غلبي
وفين إنت يا نور عيني يا روح قلبي فين
وفين إنت يا نور عيني يا روح قلبي فين
فين أشكي لك فينا
عندي حاجات وكلام وحاجات
فين دمعك يا عيني
بيريحني بكايا ساعات
بيريحني بكايا ساعات
بخاف عليك وبخاف تنساني
والشوق إليك على طول صحاني، صحاني، صحاني
غلبني الشوق وغلبني، غلبني، غلبني
وليل البعد دوبني، دوبني، دوبني
ومهما البعد حيرني
ومهما السهد سهرني
لا طول بعدك يغيرني
ولا الأيام بتبعدني بعيد، بعيد، عنك.
يتبع….