تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
الفصل 13 — رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل باهر الجمال ليلاً.
عاد زاهر إلى منزله منهكًا من عمله ووجد والدته تقف على أعتاب شقته تنتظره وهي على أحر من الجمر. وما إن رآه حتى أشارت إليه بيديها أن يدلف، بعلامات وجه لا تبشر بالخير أبدًا.
أطاعها ودلف إلى الداخل، فقامت هي بإغلاق الباب والنوافذ حتى لا يسمعهم أحد. أما هو فضاق ذرعًا، فهو عائد من العمل منهكًا ومتعبًا جدًا.
فنظر إليها وتحدث وهو يمسح على شعره بارهاق بدا على معالم وجهه:
_ في إيه يا ماما؟ إيه اللي حصل يا ترى مخليكي واقفالي على الباب ومستنياني كده لما أرجع؟ يا رب ما يبقاش في مصيبة، أصل البيت ده من ساعة باهر ما مات والمصايب ما بتبطلش فيه.
أوكأت على فخذيها بغل وأجابته بنبرة صوت حادة وهي تجز أسنانها بعنف:
_ هو انت إيه؟ ملكش دور خالص في الحوار اللي إحنا فيه ده، ولا أنا اللي هحارب السهونة دي لوحدي!
واستطردت حديثها بصدمة لما استمعت إليه من تجبر تلك الريم:
_ دي البت طلعت قوية وحربوقة من الدرجة الأولى، ووشها مكشوف أوي.
اندهش زاهر من غضب والدته ومن حديثها، وألقى مفاتيحه بعنف وأردف متسائلاً باستغراب:
_ ليه يا أمي الكلام ده؟ هي عملت إيه؟
دي محدش بيسمع لها صوت، ولا كأنها موجودة في البيت أصلًا.
أخرت من بين أسنانها أصوات استنكار لما قال، وتحدثت بفم مملوء بالعبارات التي أدلتها عليها ريم، وانتهت بسرد كلماتها الأخيرة بقلب ينفض حقداً:
_ لا وتقول لي إيه كمان؟ "هتضربي هضرب، هتكِسري هكسر". وشادة حيلها عليا على الآخر بنت المالكي.
وتابعت آمرة إياه وهي تشير بإصبعها بأوامر صارمة:
_ عايزاك تطلع للبت دي وتميل دماغها وتحاول تلين معاها وتدخل لها في سكة حنية، وأنا أشد وأنت ترخي. مش عايزين نشد الحبل إحنا الاتنين حواليها فتفكر في الخروج من هنا.
لازم تحس بحنيتك وإنك عايزها فعلًا، وإنك مش هتأذيها وهتبقي أمان ليها ولولاد أخوك الله يرحمه.
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجباً:
_ يعني إيه يا ماما معنى كلامك ده!
إنتي عايزاني أشاغل مرات أخويا الله يرحمه وأدخل لها دخلة الحبيب وهي فاضل لها شهر لسه في عدته؟
قاطعته بحدة وهدرت به بنظرة غاضبة:
_ أخوك الله يرحمه مات وساب ولدين من صلبه، وأنا عمري ما هسيبهم يخرجوا برة البيت ولا يتربوا بعيد عني كده. مش هيبقى مرتاح في تربته. واللي بنعمله ده مجبورين عليه.
إحنا يابني بنعمل الصح اللي هيخليه يرتاح في نومته إن ولاده مخرجوش بره بيته.
واسترسلت حديثها وهي تضغط على كتفيه مكملة حديثها بتشجيع:
_ يابني الضرورات تبيح المحظورات، والبت دي بجحة وعينيها قوية. ولو معرفناش نسيطر على الأمور وهي لسه في عدتها، وأول ما توفيها نكتب على طول مش هنعرف نعمل معاها حاجة.
كان في حيرة وتردد من أمر وحكم والدته، ولكنه انصاع إلى طلبها وهتف بطاعة خشية أن تغضب منه ويصيبها مكروه، وأومأ بموافقة:
_ حاضر يا أمي. هطلع لها دلوقتي وهحاول معاها وربنا يهديها وتلين معايا.
_ عين العقل يابني ربنا معاك. كلمات تشجيعية خرجت من فمها وهي تربت بيديها على ظهره.
خرج زاهر من عندها قاصداً شقة ريم لكي ينفذ ما أملته عليه والدته دون أن يفكر في العواقب.
وصل إلى الطابق الثالث وضغط زر الجرس، وما هي ثوانٍ معدودة حتى فتحت ريم الباب مرددة أمامه باستغراب:
_ زاهر!
هي طنط حصل لها حاجة؟
ابتسم بسماجة وتحدث موضحًا لها:
_ لا يا ماما بخير، متقلقيش. أنا بس جاي لك عايز أتكلم معاكي شوية. ممكن أدخل؟
لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة:
_ تدخل فين يا زاهر؟ أنا هنا لوحدي ومش معايا غير طفلين لاحول لهم ولا قوة.
واسترسلت وهي تشير إليها بكفي يديها بامتعاض:
_ هو إنت ينفع تدخل عندي وأنا لوحدي ونتكلم مع بعض في مواضيع؟
أنتم مفكرني إيه بالظبط؟ إنت وطنط عشان تتعاملوا معايا بالسذاجة دي!
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرًا بدهشة ظهرت على معالم وجهه الذي تصبب عرقًا من تعنيفها:
_ ليه الكلام ده كله؟ هو أنا هاكلك ولا حاجة!
دول كلمتين هنتكلمهم والباب مفتوح والبيت مليان ناس فوق وتحت. متستكبريش أوي كده يا ريم.
واستطرد بدفاع عن موقفه:
_ وبعدين إنتي عايشة معانا بقالك سنين. عمرك شفتي مني حاجة وحشة لاسمح الله تخليكي خايفة ومش مطمنة لي بالشكل ده؟
رفعت حاجبيها وأردفت باستنكار وهي تغلق باب شقتها وتحدثه خارجًا وهم على درجات السلم:
_ انت متعرفش الحديث اللي بيقول "إياكم والحمو، فالحمو الموت" بمعني إن الحمو ده أخو الزوج ومينفعش يقعد مع مرات أخوه في مكان لوحدهم أبدًا.
واسترسلت وهي تنجز في الحديث معه الذي لا فائدة منه من الأساس:
_ اتفضل، معنديش مانع تقول اللي إنت عايزه هنا على السلم على البسطة دي. اتفضل، أنا سامعاك.
أحس بالحرج الشديد من كلامها ومن حدتها معه في الحديث وأمسك منديله الورقي وجفف حبات العرق الظاهرة على وجهه من كلماتها التي ألقتها عليه.
وتحدث مرددًا بنبرة صوت حنونة:
_ ممكن أعرف إنتي رافضة مبدأ الجواز مني ليه بعد ما تنتهي عدتك؟ وصدقيني يا ريم، كده أفضل لينا كلنا. لماما وللولاد وليكي إنتي كمان.
وأنا والله العظيم ماهضايقك أبدا. وكل تهديداتي اللي أنا هددتك بيها كانت من حرقة قلبي على أخويا.
فتحت أعينها على وسعهم من كلامه وبنبرة صوت عالية أسمعت من تحت فهي كانت تشعر بوقوفها منذ البداية مرددة بكلمات حادة لاذعة وهي تضرب كفًا بكف:
_ صحيح اللي اختشوا ماتوا. وباين الرجالة ماتت في الحرب!
إنت إزاي يابني آدم انت تفكر ويجي لك الجرأة تطلع تطلب مني كده؟ وأخوك بقاله تلت أشهر ميت وأنا لسه في العدة.
كان واقفا أمامها ويعلم أن موقفه مخجل ومهين له، لكنه رأى أعين والدته بالأسفل توحي له أن يكمل ولا يلقي بالًا لغضبها.
وأردف بنبرة صوت فيها بعض الحدة:
_ معلش، بلاش تشبيهاتك اللي متصحش دي.
أنا طالع في الخير وقاصد الستر ليكي إنتي وولادك اللي هما ولاد أخويا. فعايزك تهدي وتفكري كويس قبل ما يصدر منك أي رد فعل تندمي عليه.
كانت عيناها تشع غضبًا ووجهها من شدة الافتعال يشع احمرارًا كأنه نارًا. وفي لحظة قلبت المنضدة الموجودة بالمكان من شدة غضبها وخرجت الكلمات من بين أسنانها وهي تنظر لتلك الحماة من أعلى مرددة بغضب عارم:
_ والله عال يا ماما عبير. يا ستي كملي إنتي وشورة أمه اللي واقف قدامي. مبقاش عندكم ولا دين ولا أخلاق ولا حشا من أي حاجة.
ولا حتى احترمتوا العادات والتقاليد. ده انتوا عديتوا ليفل البجاحة بمراحل.
وتابعت حديثها بحدة بالغة للغاية بتحذير لكل منهما:
_ شوفي بقى وربنا اللي في السما ده ومش هحلف به كذب. لو ملمتي تعابينك إنتي وابنك بعيد عني، لا أخلي لكم البيت مليان عقارب. وإن ماسبتونيش أنا وولادي في حالي، لهخلي المنطقة كلها تتفرج عليكم وعلى بجاحتكم وعينكم المكشوفة دي.
ويكون في معلومك جواز مش هتجوز. ولو قلبتي قرد وعملتي المستحيل، ما هخلي شرابة الخرج الدلدول ده يلمس شعرة مني.
وإن وصلت تبقى ياقاتل يامقتول. وولادي هسيبهم للي هيربيهم أحسن مني.
فاشتري عمرك بدل ما أنا اللي هقلبها لك جحيم. أنا مش قليلة ولا ضعيفة ولا مكسورة الجناح زي ما ظاهر لكم. أنا وقت اللي يتعدي حدوده معايا أجيبه تحت رجلي ولا يهمني.
أنا هنا عايشة في حالي وكافية خيري شري.
ونظرت إلى زاهر مرددة بتحذير:
_ وحسك عينك تهوب ناحية باب الشقة دي تاني. والله العظيم هندمك المرة الجاية. أنا تربية جميل المالكي اللي عمرها ما تغضب ربها ولا عمرها بردوا هتوطي راسها.
كانت تلك الحماة تنتفض غيظًا يزداد كلما استمعت إلى حديث تلك الريم. ولم ترد عليها بكلمة واحدة. فقط نظراتها لها كانت كفيلة أنها فهمتها.
***
في دار الأيتام دلف رحيم إلى الداخل قاصدًا مكتب المديرة وأوصلوه إياها.
ألقى السلام باحترام وتحدث إلى المديرة برجاء:
_ أنا جاي أطلب من حضرتك ملف الآنسة مريم من الدار عشان ربنا كرّمها واشتغلت ولقيت مكان كويس هتقعد فيه.
تحركت بكرسيها يمينًا ويسارًا وهي تمسك القلم بكلتا يديها وسألته باستفسار مغلف بالاستهزاء:
_ إيه؟ لقيت لها مكان تقعد فيه من شغل الحرام بتاعها اللي بتكسبه من ورا فيديوهات العري اللي بتقدمها؟
أمسك رابطة عنقه يحركها يمينًا ويسارًا بإحراج مما استمع إليه وأجابها بنفي:
_ حضرتك فاهمة غلط يا فندم. مريم محترمة جدًا. وعمرها ما تعمل كده. هي اتضحك عليها وحد هكر موبايلها وهو اللي عمل فيها كده ولعب في الفيديوهات لحد ما وصلت لكم بالبشاعة دي.
اعتدلت من جلستها واستقامت وهتفت بنبرة استهزاء:
_ هي لحقت تفرمط لك دماغك انت كمان؟ باين عليك ابن ناس ومحترم. والأشكال اللي زي مريم دي ما ينفعش إن انت تنزل بمستواك وتيجي تتكلم عنها أصلًا. أنا بنصحك نصيحة لوجه الله.
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا:
_ هو ليه حضرتك متجنيه عليها قوي كده؟
مش يمكن مظلومة فعلًا؟ لأني كنت معاها وقت الحفلة وشفت فعلًا اللي بيطاردوها وربنا نجانا منهم بأعجوبة. ولولا إني كنت موجود كان زمانها ضاعت. بس ربنا سترها معاها.
اندهشت من حديثه ونطقت باستفسار:
_ يعني إيه؟ مش فاهمة. كنت معاها إزاي ومين دول اللي كانوا بيطاردوكم؟
أخذ زفيرًا قويًا ونظر إليها بعيون راجية متمنية أن توافق على طلبه وأجابها على استفسارها بصدر رحب:
_ زي ما بقول لك كده يا فندم. اللي عملت فيها كده واحدة كانت صاحبتها زمان وكانت موجودة هنا في الملجأ وهي اللي هكرت موبايلها وصلتها للمرحلة دي لأنها عايزاها تشتغل معاها ضمن شبكة الدعارة الإلكترونية اللي هي شغالة فيها. ومريم رفضت جدًا. وبسبب رفضها ده عملت فيها مقلب الفيديو ده عشان تشوه سمعتها وتنطرد من الدار أو تلحقها قبل ما الأحداث تاخدها. وساعتها هتنفذ تهديدها.
اجتمعت الخيوط في مخيلتها وأصبحت مدركة من يقصد ذلك الرحيم. وقلبها بات مشتعلًا من تلك الماكرة التي استغلتها لتوقع بتلك المريم اليتيمة المسكينة. فهي تحبذ المال جدًا، لكن عند الشرف واستغلال الفتيات وإضاعة عمرهن في الوحل لن تصمت أبدًا.
وكان في علمها أنها تزوجت من رجل أعمال ووافته المنية واستلمت إرثها وأصبحت من ذوي الأموال.
ولكن ما استمعت إليه الآن جعل قلبها ينفض رعبًا من أن تكون تملكت من فتيات أخري من الدار.
وسألته بعيون زائغة مما جال في خاطرها:
_ طيب وعملتوا إيه مع البنت اللي بتطاردكم دي؟
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه مكفهرة ارتسمت رغما عنه:
_ الموضوع ده حضرتك بقى له شهر. بس هي مش بتبعت لها خالص من ساعة اللي حصل. لكن تقريبًا هي عرفت طريقها وخلاص. الترم التاني من السنة الدراسية ابتدى ولازم مريم هترجع الجامعة. عشان كده متخوفين. فجيت سألت هنا من أسبوعين وعرفت أن الدار عدت الموضوع على خير ونفت أن مريم تعمل كده وأثبتت كده كمان بالدلائل. لكن الخوف لو رجعت تاني هنا البني آدمة اللي لا عندها دين ولا أخلاق دي ترجع تاني تهددها. وممكن تاخدها من جوه الدار كمان.
واسترسل حديثه برجاء:
_ عشان كده بقول لحضرتك إن أنا محتاج ورقها. وهي هتسكن في مكان آمن ليها. والجامعة مش هتروحها إلا على الامتحانات لحد ما تخلص أو لحد ما نتصرف في الموضوع ده ونحل الأزمة بتاعتها.
نظرت له بعيون الصقر وسألته السؤال الذي لم يتوقعه أبدًا:
_ هو انت ليه بتعمل معاها كده؟ أنا تقريبًا أول مرة أشوفك النهارده وما أخدتش بالي منك حتى في الحفلة.
تنهد وأجابها باستجداء:
_ أنا عندي أختين ما أتمناش لواحدة فيهم أي ضرر ولا سوء. وما ينفعش أشوف طالبة عندي بتتهدد وحياتها معرضة للانقلاب. وخاصة لما يكون من النوع ده. وأسيبها؟ بابا ما ربانيش على كده.
دققت بالنظر داخل عينيه بترقب شديد لباقي كلماته ونطقت باستفسار:
_ بس اللي أنا شايفاه قدامي بيقول غير كده يا دكتور.
أومأ باستغراب وسألها مستفسرًا عن مقصدها:
_ تقصدي إيه حضرتك؟ مش فاهم معنى كلامك.
ابتسمت على بلاهته وأجابته:
_ خلاص ما تاخدش في بالك يا دكتور. أهم حاجة أنا عايزك دلوقتي تجيب مريم هنا الدار عشان عايزة أستفسر منها عن حاجات كتير. وأوعدك أنها هتخرج معاك بورقها.
لازم أحقق في الموضوع ده لأن مستقبل بنات الدار في إيدي أنا وهما أمانة معايا.
انتابه القلق الشديد من طلبها لأن مريم كانت تحكي له عن قسوتها في معاملتهن وأنها لم تحبها يومًا من الأيام. لذلك كان شديد القلق. ولكن فكر أن يعرض الأمر على مريم أولًا ثم يقرر الرد عليها. وأجابها وهو يقوم من مكانه منويًا المغادرة:
_ تمام يا فندم. هبلغها بطلب حضرتك وهرد عليكي لو هي وافقت أو رفضت.
بعد إذنك وفرصة سعيدة إني اتشرفت بمعرفتك.
ابتسمت له بحضور. وما إن خرج من مكتبها حتى أمسكت هاتفها تتصل برقم ما. وما إن جاءها الرد حتى رددت بملامح وجه مبهمة:
_ أنا عايزاكي تجيلي حالا وتسيبي كل اللي وراكي. ما تتأخريش. أنا في مكتبي ومستنياكي.
بعد أن خرج رحيم ارتدى نظارته ودلف إلى سيارته وأرسل رسالة إلى مريم عبر الواتساب أن تسبقه إلى المطعم الموجود بجانب منزلهم.
وأنه سيصل إليها في غضون النصف ساعة. كان يقود سيارته بقلب منشغل وعقل يفكر.
طيلة الطريق قلبه يدق وجعًا وحيرة على من سكنت قلبه. ومن كل نساء العالم لم يختار قلبه غير ما وراءه الشقاء. ولكن ما على القلب من سلطان.
وصل إلى المطعم وهبط من سيارته ودلف إلى باحثًا بعينيه عن مكان تواجدها. وما إن رآها حتى وصل إليها قائلًا بمشاغبة:
_ تصدقي المطعم كله نور بوجودك فيه يا ست البنات.
ابتسمت وأدارت وجهها له وهتفت بنبرة اعتراضية بنفس مشاغبته:
_ بطل بقى البكش ده يا دكتور. مش لايق عليك.
ضحك بصوت عالي على حركات وجهها وهي تتحدث وجلس على كرسيه في مقابلتها وأردف بحب:
_ عارفة يا مريم أكتر حاجة بعشقها فيكي إيه؟
هدوئك وجمال روحك وطيبتك. بحس إنك عاملة زي الملايكة بالظبط.
دقات قلبها أعلنت الطبول من كلماته التي يثني عليها بها.
والتي خرجت من قلبه صادقة وعلامات وجهه تدل على ذلك. وهتفت بخجل:
_ مش للدرجة دي يا دكتور. انت رافعني لفوق قوي في منطقة تقريبًا ما أستحقهاش.
وتابعت حديثها بحزن وشرود:
_ خايفة أحبك أكتر من كده وفي الآخر أفوق على قلبي المجروح لما الزمن يفرقنا وما يرضاش بإن بنت الملاجئ تتجوز دكتور الجامعة اللي من عيلة وابن ناس.
أحس بالحزن الشديد جراء كلماتها وقلبه بات يدق عنفًا وحزنًا على شعورها الدائم بالخوف. وأجابها بتأكيد لكي يطمئنها:
_ مش أنا اللي يحبك يا مريم وتملكي قلبه ويسيبك! إنتي بالنسبة لي خلاص بقيتي المستقبل والحاضر. وكنت أتمنى تبقي في الماضي.
واسترسل حديثه وهو ينظر لها بعيون عاشقة حد النخاع:
_ أنا مش بس بحبك يا مريم. أنا بعشقك وحبي الأول اتولد على إيدك. وقلبي ما دقش إلا ليكي. وما حسيتش بطعم حياتي إلا لما دخلتيها.
واوعدك إني هواجه الدنيا كلها معاكي بحلوها وبمرها لحد ما نوصل أنا وإنتي لبر الأمان. بس عايزك تطمني قلبك يا حبيبتي.
ومش عايز أشوف لمعه الحزن دي في عينيكي أبدًا عشان بتقطع فيا.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار:
_ طيب والدك ووالدتك هيقبلوا ارتباطنا ببعض يا رحيم؟
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا:
_ وإيه اللي هيخلي ماما وبابا يرفضوا ارتباطي بيكي يا قلب رحيم؟
أجابته بتوضيح وهي تنظر إلى الكوب الموضوع أمامها:
_ لازم نكون واضحين في مشاعرنا وعلاقتنا من البداية. وأنا متوقعة الجرح قبل ما نوصل لنهاية الجبر في علاقتنا. ومتوقعة الرفض ليا من كل اللي حواليك. ومش هلوم عليهم. لأن حقهم إنهم يختاروا لك المناسبة جدًا من جميع ظروفها.
لكن أنا المستقبل معايا فيه خطر عليك. ومش هرضى إني أظلمك معايا.
انفعل جدًا من حديثها وثار من كلماتها وهتف بحدة:
_ ليه التشاؤم ده يا مريم؟ هفضل كل يوم أقول لك خليكي متفائلة وواثقة فيا شوية. مش عيل صغير أنا عشان ما دافعش عن حبي وأقف وقفة محارب شجاع. اطمني يا حبيبتي الوجع هنعيشه سوا والجبر برده هنعيشه سوا. وأنا وإنتي راكبين نفس المركبة. سواء كان ليها شراع يحمينا أو إحنا اللي هنخلق لها الشراع اللي هيحمينا لحد ما نوصل لبر الأمان. اطمني يا مريم.
تنهدت بارتياح من كلماته وأحست ببضع من الأمان. ثم سألته باستفسار عن ما حدث في دار الأيتام:
_ ما قلتليش عملت إيه مع المديرة واتكلمتوا في إيه؟
قص عليها ما حدث بالتفصيل إلى أن عرض عليها في آخر حكواه طلب المديرة مكملاً كلماته:
_ بصراحة ما رضيتش أديها وعود أنك تروحي إلا لما نتكلم مع بعض الأول وندرس المقابلة أو انت هتوافقي ولا لا. إيه رأيك يا مريم؟
أنا شايفها اتصدمت لما حكيت لها كل حاجة وتقريبًا كده اتعاطفت معاكي.
فتحت مقلتيها على وسعهما وأردفت باستنكار:
_ انت عايزني أروح لها برجلي لحد الدار يا رحيم؟ انت مصدق وش الملاك اللي هي بتبينه ده؟ دي عمرها ما عملتنا بما يرضي الله وطول عمرها قاسية علينا. وأنا عمري ما أروح لها ولا أعتبر الدار دي تاني.
***
في منزل جميل المالكي عصرًا حيث تجلس رندا وابنائها ووالديها يتبادلون أطراف الحديث في موضوعات مختلفة. وإذا هم يستمعون إلى زر الجرس يعلن عن وصول أحدهم.
ذهبت سما لتفتح الباب وإذا بها تتفاجأ بأبيها. وتلقائيًا رمت نفسها بين أحضانه وهي تشهق بصوت عالي مملوء بالفرحة:
_ بابا حمدًا لله على السلامة. وحشتني قوي. تعالي اتفضل.
ما إن علمت حضوره حتى قامت من مكانها مستأذنة من أبيها:
_ بعد إذنك يا بابا أنا هطلع أوضتي.
قبل أن يأذن لها كادت أن تتحرك من مكانها إلا أنه أشار إليها بكلتا يديه أن تجلس مرددًا بأمر:
_ ما تبدئيش معركتك بالهروب. لازم تواجهي من البداية. عشان المواجهة مهما أجلتيها ومهما طنشتيها مسيرك هتقومي بيها. اتفضلي اقعدي.
كادت أن تعترض على حديث والدها إلا أن والدتها أمسكتها من يديها وأجلستها بجانبها مرددة بصوت خفيض:
_ اقعدي يا راندا واسمعي كلام باباكي. عيب لما يقول لك على حاجة وما تسمعيش الكلام. ما انتيش صغيرة يا بنتي. وبعدين هو هيعمل لك إيه يعني؟ ما إحنا كلنا موجودين أهو.
تأففت بشدة بسبب إصرار والديها على المكوث معه.
ما كان في مخيلتها أن يأتي سريعًا ورائها. وما كان عندها أي استعداد للمواجهة.
حضر إيهاب وقام بإلقاء تحية السلام وذهب إلى جميل ومد يده واحتضنه. وبدوره بادله السلام بحرارة وهو يربت على ظهره.
وذهب إلى فريدة التي ردت سلامه بفتور واحتضن ابنه مهاب بشدة. وبادله مهاب نفس حرارة السلام كجده.
أشار إليه جميل بالمكوث مرددًا بالترحيب:
_ اتفضل اقعد يا إيهاب يا ابني. حمدًا لله على سلامتك. انت هتلاقيّك جاي من السفر على هنا على طول وتعبان.
واسترسل حديثه وهو يطلب من فريدة فنجانًا من القهوة قائلًا بهدوء:
_ من فضلك يا أم رحيم اعملي لنا فنجانين قهوة عقبال ما تجهزي الغداء عشان إيهاب هيتغدى معانا.
أومأت بأهدابها بطاعة وذهبت إلى المطبخ فالتحقت بها راندا مرددة:
_ استني يا ماما هاجي معاكي. في حاجات كنت بعملها هاجي أخلصها.
تركها أبوها لأنه كان يريد التحدث مع إيهاب منفردًا في البداية وطلب من سما وإيهاب أن يتركوهما وحدهما.
وما إن قاموا حتى نظر إلى إيهاب مرددًا بلوم مغلف بالحدة:
_ ما كنتش أعرف إني لما أدِّيتك بنتي من 18 سنة وأمنتَك عليها هتعمل فيها كده وتخونها وتغدر بيها. عمري ما كنت أتخيل منك كده يا إيهاب.
آخر حاجة كنت أتوقعها في الدنيا إنك تتجوز على بنتي.
أحس بالحرج الشديد من ملامات جميل فهو يحبه جدًا ويعتبره في مقام أبيه. ومنذ أن دلف إلى ذاك المنزل وهو يتعامل معه بحب شديد. وكذلك جميل بالمثل كالأب وابنه. ونطق وهو يبتلع كلماته غصبًا:
_ أنا معترف إني غلطان يا عمي. والغلط راكبني من ساسي لراسي.
واسترسل حديثه بإبانة:
_ انت كل كلمة قلتها ما أقدرش أراجعك فيها. بس اللي حصل حصل. وأنا كان غصب عني. لقيتني محتاج لحضن وقت ما كنت تعبان ومش لاقي اللي يداويني. وهي جت قدامي ضعفت واستسلمت واتجوزتها. لكن والله العظيم عمري ما حسست راندا بأي حاجة. وكنت عارف إن هيجي يوم من الأيام وهتعرف. بس ما كنتش حاسب غضبها بالشكل ده. شكلي حسبتها غلط. وكلنا هندفع التمن. وأولهم الأولاد.
شعر جميل بكل كلمة نطق بها أنها حقيقة. فهو لم يكذب أبدًا طيلة السنين الماضية. وأصبح بين قاب قوسين أو أدنى أيواسي رجلًا مثله استخدم حقه في الحياة وتزوج من ثانية. أم يواسي ابنته التي مكثت تحافظ على عهد زواجها أبيَّة وربت أبنائها كما ينبغي أن يكون. وهنا كفة الميزان لا تعرف إلى أي وجهة تميل.
تنهد بحيرة وضيق وسأله:
_ طيب هتحلها إزاي يا إيهاب؟ هتطلق اللي انت وعدتها إنك هتفضل معاها واتجوزتها هناك؟
ولا هتفضل على ذمتك وتخسر راندا؟ انت يا ابني في موقف صعب جدًا. وبصراحة المسألة معقدة على الآخر. عايزة لها معادلات عشان تتحل.
كل كلمة تحدث بها حماه كانت منطقية. فهو منذ أن حدث التصادم بينهم وعلمت راندا وأصبحت حياته بائسة مدمرة كالصحراء الجرداء لا زرع بها ولا ماء. ولكن الأمر أصبح واقعًا ولابد للمعضل أن يحل.
ثم تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماته وهتف طالبًا منه العون:
_ أنا بس بطلب منك يا عمي إنك تقف جنبي وتحاول تلين دماغ راندا إنها تلغي من فكرتها الانفصال. عشان سما ومهاب هيتدمروا بسبب الانفصال ده. وأنا والله اللي هي عايزاه هنفذه كله بالحرف الواحد. أنا كنت أصلًا متفق مع فيروز على الانفصال في أي وقت لو ما قدرتش أكمل من قبل ما أبدأ معاها.
وأثناء حديثهما أتت فريدة بالقهوة وجلست معاتبة إياه وهي تناوله المشروب:
_ انت عارف آخر حاجة كنت أتخيلها إن انت تتجوز على راندا؟ حاجة عمرها ما جت في بالي أبدًا يا إيهاب. ليه عملت فيها كده؟ وفي ولادكم وفي حياتكم؟ ليه تسرعت؟
أجابها جميل فضلًا عنه مرددًا:
_ كلمة لو ملهاش لازمة دلوقتي خالص. إحنا دلوقتي قدام أمر واقع لازم نحله بالعقل عشان جميع الأطراف تخرج مرضية. لو سمحت اندهي راندا وخليها تجيلي هنا حالا.
قامت بالنداء عليها وبعد دقيقة خرجت وعلى وجهها علامات العبوس. جلست بجانب والدتها تنظر أرضًا إلى أن استمعت إلى حديث أباها يردد لها:
_ ارفعي راسك يا بنتي. الموضوع مش مستاهل إن انتي تنزلي راسك للأرض. الحاجة الوحيدة اللي غلط فيها إيهاب إنه ما قالكيش بجوازه عشان خاطر تختاري تكملي أو توافقي. وطالما هو جاي ومعترف بغلطه وعايز يصلحه يبقى لازم تديله فرصة وتسمعيه.
غشاوة الدموع تلمعت في عينيها ورددت بملامح حادة:
_ أسمعه وهو بيقول لي إيه؟ إنّي اتجوزت عليه غصب عني!
طب ما أنا كمان كنت هنا أم وأب وكنت مستحملة وما فكرتش أخونه زي اللي بتخون جوزها طول سنين سفره.
واسترسلت والدموع تنهمر على خديها بغزارة من ألمها وجرحها مرددة برفض قاطع:
_ مهما تقول يا بابا ومهما هو يقول ومهما تعملوا أنا برده اللي في دماغي في دماغي. هتطلق يعني هتطلق.
ود أن يذهب إليها ويأخذها بين أحضانه ويمسح دموعها بيديه ويعتذر آلاف المرات. لكنه خشي رفضها وحدتها.
وتحدث بكلمات معتذرة:
_ يا راندا ما تهديش حب السنين والبيت اللي قعدنا نبني فيه أنا وإنتي عمرنا كله.
ولادنا اللي هيدفعوا التمن. سما ومهاب يستحقوا منا إن إحنا نضحي عشانهم.
أنا ما لحقتش أعيش معاكم. ما لحقتش أتهنى بقربكم. ما لحقتش سنين عمري اللي ضاعت وأنا بعيد عنكم في الغربة. على الأقل وهم كانوا قدامك. أما أنا كنت ببقى نفسي آخدهم في حضني ما بقدرش. عشان بينا مئات الأميال.
كنت بتعب وفي عز تعبي كان نفسي تبقي جنبي إنتي وأولادي وتخففوا عني. وما كنتش بلقاكم. سنين عشتها كل لحظة تعب مرت عليا علمت في جسمي لما كنت لوحدي.
من سنين اترجيتك ارجع ونعيش بالموجود بس أكون وسطكم وسط عيلتي اللي بحبها وما أقدرش أعيش من غيرها. وإنتي في كل مرة تتحججي بالمستوى والمنظر وتقولي لي عشان خاطر ولادنا نضحي. غصب عني ضعفت وغصب عني استسلمت لما لقيتها قدامي ما عندهاش مانع إننا نتجوز في السر. زي ما هي ما عندهاش مانع دلوقتي إني أسيبها ونتطلق.
رغم تعلقها الشديد به ورغم أنها تعشقه عشقًا جما. إلا أنها قامت من مكانها وربعت ساعديها وأعطتهم ظهرها مرددة وهي تمسح دمع عينيها بقسوة:
_ وأنا لا يمكن أعيش معاك أبدًا. ولو حتى طلقتها فدلوقتي حالا ترمي عليا اليمين لأني مش هرجع لك يا إيهاب مهما حاولت.
كان متوقع رد فعلها وقسوتها وأشار بعينه إلى والديها أن يتركوهما وحدهما لعل وعسى يقدر على إقناعها بالرجوع إليه والإقلاع عن فكرة الطلاق.
فهموا إشارته وانسحبوا إلى الخارج وبقيا وحدهما. هو بانفطار قلبه عليها وهي بدمع عينيها اللتان كساهم لون الدم من شدة البكاء.
ذهب إليها واحتضنها من الخلف وما إن لمس كتفيها قامت بنزع يديه على الفور وأدارت وجهها إليه مرددة بجحيم:
_ وعهد الله يا إيهاب إن إيدك دي اتمدت عليا تاني إنت حر. هعمل اللي مش هيعجبك واللي عمره ما صدر مني.
واسترسلت بوعيد:
_ انسي إنك تلمس شعراية مني بعد النهاردة. انت خيبت ظني فيك.
قلب عينيه بتعب ثم زفر شهيقًا قويًا ينم عن مدى تعبه وإرهاقه الشديد وعلى ما هو قادم إليه. أصبح ليس لينًا.
نظر إليها بعيون مترجية مرددًا:
_ يا راندا الكلام اللي انتي بتقوليه ده ما ينفعش. إحنا بينا أولاد هيتدمروا. صدقيني انت مش باصة لقدام.
قطعت حديثه وهدرت به بحدة:
_ واشمعنى انت اللي ما بصيتش لقدام قبل ما تعمل عملتك دي؟ ولا انت تغلط والمفروض إني أسامح واعدي عشان خاطر الأولاد؟ ما عملتش انت حساب للأولاد ليه من البداية قبل ما تقتلني؟
رفع كلتا يديه في الهواء واخفضهما هاتفا بصوت عالٍ بعض الشيء:
_ جرحتك؟ قتلتك!
اللي حصل حصل وإحنا قدام أمر واقع. وأنا جاي لك وللمرة المليون بقول لك يا راندا ما تهديش البيت. وللمرة المليون بأعتذر لك. وللمرة المليون فكري كويس عشان خاطر أولادنا اللي هيدفعوا التمن.
_ تعتذر لي... عقبت بها بنبرة استهزائية واسترسلت بتصميم على طلبها:
_ اللي انت عملته ما ينفعش معاه الاعتذار.
انت ما ضربتنيش قلم عشان خاطر أسامح وأعدي. انت مسكت سكينة تلمع وغرستها في قلبي. وكنت مفكر إنها هتجرحني بس. لكن للأسف هي قضت عليا. وجعتني. من فضلك ارمي اليمين حالا لأني هتطلق يعني هتطلق.
***
أما في إيطاليا كان مالك راكبًا السيارة وذاهبًا إلى المطار مصطحبًا جوليا التي أصرت أن تذهب معه زيارة إلى مصر وهي متشجعة إلى تلك الخطوة.
انتهوا من الإجراءات وصعدوا إلى الطائرة جالسين جوار بعضهم.
زفر مالك أنفاسه بإرهاق ثم تحدث إليها بعيون تفيض ارتياحًا:
_ ما تتصوريش أنا عايزة أشكرك قد إيه عشان خاطر وقفتك جنبي طول الشهر اللي إحنا سافرنا فيه.
بجد انت ليكي فضل كبير عليا جدًا بعد ربنا في تحسن نفسيتي. تسلمي لي يا جوليا.
ابتسمت إليه ابتسامتها المعتادة التي تظهر جمالها أكثر فأكثر وتحدثت بعيون تفيض عشقًا:
_ ليه بتشكرني يا مالك؟ هو إحنا لسه في بينا شكر!
إحنا اتفقنا إن إحنا هنبقى قلب واحد وعقل واحد ونخاف على بعض جدًا. وأنا ما عملتش أكتر من كده.
اعتدل من جلسته ونظر إليها قائلًا بتساؤل:
_ يا ترى إيه سر النظرة الحزينة اللي شايفها في عينيكي دي يا جوليا؟ ممكن أعرف سببها؟
لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لتساؤل ذلك الحبيب الذي وصل لأعماقها وتوغل في روحها. فهو حقًا قرأ عينيها وفهم أنها مهمومة. وأجابته بشرود:
_ خايفة إن يكون اللي إحنا عملناه ده غلط واتسرعنا فيه. وفي الآخر هيتحكم علينا بالفشل.
حرك عينيه بهدوء وبنظرات طمأنتها وتحدث باستجداء:
_ مش عايزك تقلقي خالص. إحنا مش صغيرين على الخطوة اللي إحنا أخدناها. وأنا وانت مقتنعين تمام الاقتناع للخطوة دي. وإن شاء الله كل حاجة هتبقى تمام. عايزك تهدي وتدي لنفسك سلام نفسي عشان خاطر لما نوصل تبقي في قمة الهدوء والارتياح.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بانتشاء ونطقت بحب:
_ انت عارف عمري ما شكيت لحظة إن انت ما تطلعش نفس الصورة اللي أنا راسماها في بالي من زمان ليك.
رفع حاجبيه وتساءل بمكر:
_ وإيه بقى الصورة اللي كنت راسماها لي في بالك يا ست جوليا؟
واسترسل بمشاغبة:
_ ده أنا كنت ساكن عقلك من زمان وأنا مش واخد بالي. اتاريكي واقعة وأنا مش داري.
ضحكت بشدة على حديثه ومشاغبته وهتفت بصدق:
_ آه كنت شاغلة عقلك ومش بس كده ده قلبي كمان. هكذب ليه يعني وهحور ليه.
من زمان وأنا متابعة شغلك ومتابعة صورك. وطبعًا كنت دايما براسلك على إيميلات الشركة لحد ما تعاملت معاكم. وكنت بحاول دايما أكلمك كتير لو انت مش واخد بالك إن كنت دايما بطول معاك في الكلام أطول وقت عشان كنت مشدودة ليك جدًا. ولما كنت بتيجي الأتيليهات السنين اللي فاتت كنت بفضل باصة عليك من بعيد. لحد بقى ما اشتغلنا مع بعض وتقابلنا. النوبادي ما كنتش متوقعة إن إحنا نوصل للمرحلة اللي إحنا وصلنا لها دي.
وبقيا يتناولان أطراف الحديث إلى أن هبطت الطائرة إلى مطار القاهرة. فكانت فرحتها بوصولها إلى مصر أرض الأمن والأمان لا تضاهيها فرحة. فهي عاشقة لمصر.
رأى الفرحة في عينيها. وبعد أن انتهوا من الإجراءات ركبوا السيارة وذهبوا إلى الفندق التي حجزت به ووضعوا الحقائب الخاصة بها.
ثم اصطحبها معه إلى والدته والذي لم يخبرها بمجيئه وفضل أن يجعلها مفاجأة.
وصلوا إلى المنزل وكانت تنظر إليه بانبهار فقد نال إعجابها جدًا. ولاحظ مالك ذلك فنطق باستفسار:
_ عجبك البيت بتاعي؟
ابتسمت له وعيونها تدور حول المكان وأجابته:
_ جميييييل أوووي يا مالك. ذوقك تحفة.
أشار بيديه إليها أن تدلف هاتفا بابتسامة:
_ طيب يلا بينا عشان تسلمي وتتعرفي على أطيب قلب في الدنيا.
دلفت معه ومشيت بجانبه وقلبها مملوء بالسعادة. إلى أن فتح مالك الباب ودلف وراءه وأشار إليها أن تتبعه مرددًا بنبرة سعيدة:
_ يابيرو ياست الكل إنتي فين؟ نحن هنا.
ما إن سمعت والدته صوته في المنزل دق قلبها لعزيز عينيها الغائب عنها شهرًا. وكأنه غائب منذ قرن.
هرولت إلى الخارج مسرعة تبحث بعينيها عن مكانه إلى أن وجدته. ولكنها لاحظت وجود ضيف معه. فذهبت برتابة وألقت السلام وهي تحتضنه مرددة:
_ حمدًا لله على السلامة يا نور عيني. نورت مصر. نورت بيتك ونورت الدنيا بحالها.
احتضنها بحب وقبلها من يديها ورأسها. وأمسكها من يدها وهو يعرفها على جوليا قائلًا بابتسامة:
_ أعرفك يا ماما بجوليا. اتعرفت عليها في إيطاليا. هي fashion designer وخطيبتي هناك.
استمعت إلى آخر كلماته وفتحت فاهها على وسعه مرددة بتلقائية مغلفة بالصدمة:
_ خطيبتي!