تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
الفصل 9 — رواية بين الحقيقة و السراب الفصل التاسع 9 - بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل التاسع 9 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل باهر الجمال، كانت ريم تجلس مع أبنائها، تحمل الصغير على فخذيها وتحتضن الكبير بيديها، وعيناها ممتلئة بالدموع. كانت تفكر في الواقع الأليم الذي تعيشه هي وأبنائها، وقلبها ينفطر حزناً على ما فات وعلى ما هو آت. كانت تغوص بأفكارها في كيفية الحياة بدون زوجها وحبيبها، وتتحسس شعر الصغير بحنان وتهدهد على ظهر الكبير لتشعره بالأمان.
وفجأة، استمعت إلى صوت عالٍ ينادي باسمها. لم يكن إلا صوت أم زوجها. وضعت الصغير في سريره ثم نظرت إلى الكبير قائلة له:
_ خلي بالك من أخوك يا حبيبي، عقبال ما أشوف تيتا عايزة إيه.
ابتسم الطفل ببراءة وردد بطاعة:
_ حاضر يا مامي، ما تقلقيش على أخويا، أنا بحبه جداً وهلعب معاه عقبال ما تيجي.
خرجت ونظرت من أعلى الأدراج قائلة بتساؤل:
_ نعم يا ماما، محتاجة حاجة مني؟ أنزل لك؟
قلبت الأخرى عينيها بنظرة مرتعبة وأجابتها بحدة:
_ أيوه انزلي لي حالاً، في حاجة مهمة أنا عايزاكي فيها، وخلي الأولاد عندك.
ارتعبت الأخرى من هيئة تلك السيدة ودخلت إلى أبنائها مرددة باستعجال وهي ترتدي حجاب رأسها:
_ أنا هشغل لك التلفزيون عشان تتفرج عليه، وأخوك عينه راحت في النوم، ما تجيش ناحيته، خلي بالك منه بس، وأنا هشوف تيتا عايزة إيه وهطلع لك تاني، ماشي يا حبيبي.
أومأ لها الصغير بموافقة، ثم نزلت إلى الأسفل ورأت على وجوههم ما لا يسر. فرددت في حالها قبل أن تلقي السلام:
_ مالهم دول؟ وشهم ما يبشرش بالخير، استر يا رب.
ثم نظرت إليهم مرددة السلام باحترام:
_ صباح الخير يا ماما، صباح الخير يا هند.
وأثناء إلقائها السلام، كان قد دلف إليهم زاهر مردداً السلام، ثم نظر إلى والدته قائلاً باستفسار:
_ فيه إيه يا ماما؟ جبتيني على ملي وشي من الشغل، فيه حاجة حصلت ولا إيه؟ قلقتيني.
نظرت إليه والدته نظرة ارتياح، كأنها تقوي حالها في وجوده، وكأنه هو بات مصدر الأمان والراحة بعد فقدان عزيزها. وأجابته بتوضيح:
_ اقعد بس دلوقتي، وهتسمع كل حاجة عشان يبقى كله على نور.
واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى ريم قائلة بتساؤل مريب:
_ قولي لي يا ريم، هو إنتي اتخانقتي إنتي وباهر الله يرحمه في الليلة اللي هو مات فيها؟ خناقة كبيرة؟
ما إن استمعت ريم إلى سؤالها، حتى هوى قلبها بين قدميها رعباً وهلعاً. ثم استفاقت من ترديد السؤال مرة أخرى لها وأجابت بعيون تتلفت يميناً ويساراً، حرجا بلجلجة:
_ عادي، خناقة عادية بين أي زوج وزوجة، ما إحنا ياما اتخانقنا ومحدش حس بينا ولا دري، إشمعنى المرة دي يا ماما اللي بتسأليني؟
ما إن استمع زاهر إلى سؤال والدته، حتى ردد إليها باستنكار:
_ وإيه لازمته السؤال ده يا أمي؟ واحد ومراته، هما أحرار، هما الاتنين، ليه بتفتحي في القديم اللي ملوش لازمة دلوقتي؟
واستطرد حديثه بإبانة:
_ وبعدين باهر الله يرحمه وريم عمرهم ما حد سمع لهم صوت في البيت، وحتى لما بيكون ما بينهم مشكلة، محدش كان بيتدخل ما بينهم خالص، وده كان بطلب من باهر.
ابتسامة سخرية خرجت من فمها عقب حديث ولدها الأكبر، وأشارت إليه أن يصمت، مكملة تساؤلاتها وهي تنظر إلى ريم:
_ متأكدة إنها خناقة عادية يا ريم؟
وتابعت حديثها الذي أصدم الواقف المدافع عنها:
_ الست هانم اللي إنت بتدافع عنها، في الليلة اللي جوزها مات فيها، كانت بتطلب منه إنها تروح تشتغل مع مصنع من اللي بتتعامل معاهم. ولما اشتد الحوار ما بينهم، قال لها: تختاري الشغل يا البيت والأولاد.
وهي بجبروتها قالت له: يبقى هختار الشغل. وكسرت قلبه وخلته مصدوم من قرارها، ونام ومات من القهرة إنها فضلت الشغل عليه هي وولادها.
واسترسلت حديثها بغضب عارم:
_ حصل الكلام ده ولا ما حصلش يا ست البرنسيسة والمصممة العالمية؟
انقلب وجهها لألوان الطيف مما استمعت إليه. ألم يكفها عذاب الضمير التي تعيش به كل يوم؟ ألم يكفها الصراع الذي تعيشه منذ أن مات زوجها؟ ألم يكفها أنها تؤنب حالها ولا تكاد تشعر بلحظة راحة منذ فراقه؟
جمعت الحروف على لسانها إجباراً وأجابتها بتوتر:
_ دي مش أول مرة أتكلم أنا وباهر في موضوع الشغل، ومش أول مرة نتخانق على إني عايزة أخرج أشتغل، وإني من حقي أكمل موهبتي قولاً وفعلاً، وإني مينفعش إني أفضل مغمورة جوه تصاميمي ومحدش يعرف عنها حاجة.
كانت تلك هند تقف وعلى وجهها علامات السعادة، لو طالت أن تهلل وتطير من كثرة البهجة على وقوف ريم كالمتهم في القفص، وأمامه القاضي والوكيل يجلد به جلداً. وترفع لها حاجبها بكيد ومكر.
أما ذلك الواقف، مصدوم مما حدث ومما استمع إليه، وعلامات الدهشة تعلو وجهه. فنظر إلى ريم وتحدث باستنكار:
_ بقى إنتي يا ريم اللي كنت بقول عليكي هادية وما بتطلعش العيبة منك، تعملي كده؟
بقي إنتي اللي كان جوزك بيجي طيران وما بيرضاش يتغدى مع أخوه ولا يوم من الأيام، وطول عمره بيتكلم عليكي بالخير ومهنيكي ومخليكي برنسيسة، تقهريه وتموتيه مقهور؟
واسترسل حديثه بوعيد:
_ أنا والله العظيم ما مصدق اللي وداني سمعته دلوقتي، بس ورب الكون، لا هتشوفي على إيدي وفي البيت ده مرار قد الهنا اللي عيشتيه. يعني كنت مفكراك أصيلة وطلعتي بتاعة نفسك في الآخر.
انتفضت ريم ناظرة إليهم جميعاً وأحست أنها وحيدة شريدة بينهم. قوت حالها ونظرت إليهم جميعاً مرددة بقوة:
_ مرار إيه اللي إنت هتوريه لي يا زاهر؟ إنت ملكش عليا حكم ولا كلمة أصلاً! اللي هيفكر فيكم يجي ناحيتي أو ناحية ولادي، والله ما هتشوفوا ريم الغلبانة بوشها الطيب، ومش هتشوفوا مني إلا وش ذئب مستعد ياكل اللي قدامه ويتغدى بيهم قبل ما يتعشوا بيه.
اتسعت هند عيناها بذهول. ورفعت إحدى حاجبيها متعجبة ورددت:
_ إنتي إيه يا شيخة الجبروت اللي فيكي ده؟ ولسه لك عين تنطقي كمان بعد اللي عرفوه ده؟ إنتي طلعتي ميه من تحت تبن.
قاطعت ريم حديثها المغلول وهدرت بها بنظرة غاضبة:
_ وإنتي مالك تدخلي في الموضوع ليه أصلاً يا اللي تموتي في الفتنة وتشعلليها وتقعدي تتفرجي. مفكرة إنك كده شطارة منك. مش هقول لك غير حاجة واحدة بس، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.
واسترسلت حديثها وهي تذكرها بعقوبة ذنبها وما فعلت بها:
_ إنتي ما تعرفيش إن ربنا سبحانه وتعالى قال: "ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً".
فنظرت ريم إلى زاهر وتلك الأم الذي ينشعل قلبها ناراً من عدم إنكار ريم لتلك الكلمات التي أودت بفقيدها الغالي في لحده. وتابعت حديثها وهي تشير بكفي يداها إلى تلك الحية التي تتلون جميع الألوان:
_ الست هانم اللي بلغتكم باللي هي اتصنتت بيه بيني أنا وجوزي الله يرحمه، جت وساومتني إني أسيب البيت أنا وولادي، يا إما هتبلغكم باللي حصل وإني أخرج من بيت جوزي اللي لسه مكملش 3 شهور على وفاته. وهددتني، وأنا طبعاً معملتش حاجة أخاف منها عشان أسيب بيت جوزي وأخرج منه.
كادت هند أن تموت رعباً من تصريحات ريم عن تهديداتها، ولكن حدث ما لا يحمد عقباه واطمأنت مما رأته، وارتسمت علامات المكر والكيد على وجهها مما أثلج صدرها وجعلها إلى الآن في موقف المحارب المنتصر.
***
في دار الأيتام، وبالتحديد في الحفلة المقامة فيها. استمعت تلك الأخصائية إلى حديثها وقامت من مكانها وأشغلت الشاشة، وابتدأ العرض. لفت الجميع أنظارهم إلى الشاشة، وكانوا ينظرون إلى تلك الشاشات بصدمة تعتلي وجوههم، وأفواه مفتوحة على ما عُرض أمامهم. ولم يكن إلا عبارة عن فيديوهات لتلك الفتاة التي كانت تغني أمامهم وهي في أوضاع مخلة.
كانت مديرة الملجأ في موقف حرج لا تحسد عليه، ونظرت إلى الأخصائية ورددت وهي تجز على أسنانها بحدة بصوت لا تكاد تسمعه الأذان:
_ إيه يا زفتة المعروض ده؟ إنتي مش مركزة خالص، إزاي يحصل كده؟ إنتي المسؤولة عن اللي حصل ده، قدامي يومكم كلكم مش فايت النهاردة، واقفلي بسرعة الزفت ده.
كانت تلك الماكرة الكائدة تربع يديها على صدرها وتقف في موقف مفرح لقلبها المريض الذي جعلها تفعل هذه الفعلة الشنعاء في تلك اليتيمة الأبية التي رفضت أن تسلك مسالك الشيطان. وهي تضع سماعات الأذن وتتحدث مع شخص ما قائلة له بأمر سريع:
_ يلا يا ابني، اعمل اللي أنا قلت لك عليه بسرعة، ومش عايزة أي غلطة، وإلا إنتوا حرين.
أما عن مريم، فكانت تضع يدها على فمها وهي تكتم شهقاتها، وعلامات الصدمة المفجعة تضرب بجسدها. وعلى الفور، نظرت إلى الجميع نظرات مرعبة مما سيحدث لها. فقامت من مكانها آخذة حقيبة يدها وانطلقت مسرعة إلى الخارج قبل أن ينفذوا عليها حكم الإعدام. مما أرعب تلك الواقفة، فلم يكن بحسبانها أن تتحرك مريم بهذه السرعة، فاعترضت طريقها كي تلهيها قائلة:
_ على فين يا ربة الصون والعفاف؟ ده الليلة ليلتك وهيتحفل عليكي جامد النهاردة، والأيام والسنين اللي جايه كلها.
واسترسلت حديثها وهي تنظر إليها من أعلاها لأسفلها بعيون تنطق شراً:
_ ما أنا قلت لك تعالي من الآخر، وما حدش هيدري ولا هيحس بيكي، وما لكيش حد يسألك رايحة فين ولا جايه منين، وركبتي دماغك وعملتي الغلط مع اللي ما ينفعش يتعمل معاهم الغلط.
وأثناء انشغالهم في الحديث، انقطعت الكهرباء عن المكان بأكمله، وباتت مريم أكثر رعباً، واطمأنت تلك الشيطانة الواقفة أمامها على سير خطتها المحكمة. وفجأة، أحست مريم بالغدر، فهي شديدة الذكاء، فانطلقت مسرعة من أمامها إلى الخارج، وأشعلت إضاءة هاتفها واختبأت في مكان خلف الدار لا يعرفه أحد، فهي تحفظه عن ظهر قلب.
ثم ضغطت زر الاتصال على منقذها الدائم الذي يرسله الله لها دون أي تخطيطات لكل منهما. وما إن أتتها الإجابة، حتى قالت بصوت ملئ بالفزع تطلب منه إنقاذها:
_ الحقني يا دكتور، أنا في مصيبة ومش عارفة أعمل إيه. أكيد حضرتك شفت الفيديو اللي اتعرض، وده اللي أنا كنت قايلة لك عليه، وأنا حاسة إن هي اللي ورا قطع النور ده، وإنها حاولت تعترض طريقي عشان ما أخرجش، أو عايزة تعمل حاجة تانية أنا مش فاهماها.
ثم مشطت المكان بعينيها بخوف رهيب وهي تخشى أن تراها عيون تلك الحية التي تهاجمها من كل صوب وحدب. واسترسلت حديثها بعينين كلها خوف ورجفة من القادم:
_ أنا عايزة أمشي من هنا فوراً، أنا جريت واستخبيت في مكان مش هيعرفوا يوصلوا لي فيه دلوقتي، لكن مجرد خمس دقائق بالكتير هيكونوا قدامي لو دوروا. يا ريت تيجي تاخدني عشان أنا مرعوبة جداً.
بالفعل، كان ذلك الرحيم يبحث عنها في كل مكان، خاصة بعد انقطاع الكهرباء اللامناسب في ذاك التوقيت بالتحديد. وعندما رأى نقش اسمها على الهاتف، أجابها على الفور. وعندما استمع إلى حديثها، كان بالفعل خارج وركب سيارته منطلقاً إلى مكانها في بضع ثوانٍ.
وفي الوقت ذاته، كانت رجال تلك الحية عيونهم تبحث عنها في كل مكان، حتى وجدوها تسرع مهرولة إلى تلك السيارة. حاولوا اللحاق بها مهرولين بنفس السرعة، لكن يشاء القدر أن تصعد السيارة وتغلقها، وفوراً في غضون ثوانٍ انطلق رحيم مسرعاً بها.
وفي ذات الوقت، تواصلوا مع زعيمتهم عبر سماعة الهاتف مرددين بإحباط:
_ للأسف يا مدام، هربت في عربية أخدتها ومشيت، والعربية دي كانت مستنياها.
استمعت إلى حديثهم بغضب عارم وكورت يديها وسحقت على أسنانها بغل مرددة على عجالة بسخط:
_ وراها يا بهايم، في لمح البصر تكونوا لحقتوا العربية ووصلتوا لها، ومتعملوش أي خطوة إلا بأمر مني. الدار ملهاش غير طريق واحد بس، يعني فرصة تسوقوا بأقصى سرعة وتجيبوهالي، وإلا هتكونوا في قبوركم النهاردة.
أثناء إلقاء الأوامر إليهم، كانوا بالفعل صعدوا السيارة وانطلقوا مسرعين، وهي مازالت تلقي عليهم عبارات السباب اللاذع. وبالفعل، استطاعوا الوصول إلى السيارة وأصبحت في مرمى أبصارهم.
أما داخل السيارة، كانت تلك المسكينة تندب روعها وتندب خوفاً ورعباً مما ستتلقاه في الأيام المقبلة. وبجانبها رحيم مشفقاً على حالتها وعلى روعها ويلقي عليها عبارات الاطمئنان:
_ ممكن بقى كفاية دموع؟ من ساعة ما مشينا وإنتي عمالة تعيطي. العياط عمره ما هيعمل لك حاجة، بالعكس هيأثر في نفسيتك أكتر، مش هيخليكي تعرفي تفكري ولا تركزي في اللي جاي. ممكن تهدي بقى عشان بجد دموعك زلزلتني.
ألقى عليها تلك الكلمات وأعطاها منديلاً ورقياً لكي تجفف دموعها. أخذته من يده بيد مرتعشة ورددت بصوت متقطع أثر البكاء:
_ مش قلت لك إنها بقت قوية جداً وواصلة ومش هتسبني في حالي.
واسترسلت حديثها بوجع وقلب ينبض ارتعباً:
_ عمرها ما هتنسى القلم اللي ادتهولها، وأديها انتهت بفضيحة ليا ومستقبلي ضاع.
وأثناء حديثها، رأى رحيم سيارتين تتبعاناه من خلال انعكاس المرآة. ازداد قلقاً عليها وبدا له أن الموقف لا يحتمل طمأنة بالفعل. وزاد من سرعته بطريقة أرعبتها وجعلتها تلتفت يميناً ويساراً كي ترى مالذي يحدث حولها. وما إن رأت تلك السيارتين، حتى ازدادت هلعاً، ليس على حالها فقط، بل على ذلك الجالس بجانبها يحاول بأقصى جهده كي ينقذها من براثينهم. ورددت وهي على حالة التفافاتها:
_ إنت كده هتتأذي بسببي، وأنا مارضاش ليك الأذية. ممكن تنزلني وأنا ومصيري وإللي ربنا كاتبه لي هشوفه.
نظر إليها بغضب على ما تفوهت به أثناء سيره السريع، وردد بتصميم ومقاطعة لكلماتها التي لا تسمن ولا تغني من جوع:
_ إنتي متخيلة إني ممكن أسيبك في الليلة المهببة اللي ما يعلم بها إلا ربنا دي! ممكن تهدي بقى خلينا نركز نشوف هنفلت منهم إزاي، لأنهم كتير والكتره تغلب الشجاعة. ومهما حصل، أنا مش هسمح لهم يقربوا منك.
أما على الجهة الأخرى، كانت تتابعهم باستمرار مرددة بعصبية:
_ طالما شايفينها يا بهايم، إنتوا هاجموها بسرعة قبل ما يطلعوا على الطريق العام، وساعتها مش هتعرفوا تعملوا حاجة. وعلى الله ما تخلصوش المهمة وتجيبوها لي لحد عندي سليمة ما فيهاش خدش واحد.
رد عليها واحداً منهم بتساؤل واستفسار:
_ طب واللي معاها يا هانم، نعمل فيه إيه؟
أجابته على الفور بأمر:
_ إنتوا ليكم مهمة محددة، تجيبوها لي لحد عندي، وما لكوش دعوة باللي معاها. أنا مش ناقصة بلاوي ومصايب. إنتوا قد التيران، تاخدوها منه وتسيبوه من غير أي أذى لأي طرف. أنا مش عايزة غير هي وبس، فاهمين؟
استمعوا إلى أوامرها بطاعة عمياء وفوراً زادوا من سرعتهم إلى أقصاها إلى أن وصلوا إلى سيارة رحيم، وبقي بضع سنتيمترات فقط على مهاجمتهم.
***
فلنعبر بخيالنا إلى إيطاليا، والتي تعتبر بإجماع الكثيرين وحسب آراء العديدين، عاصمة الفن العالمية. ولا شك أن ميلانو إحدى أهم المدن الفنية في العالم، بالإضافة إلى أنها تنضح بالتاريخ المتمثل في كنيسة سانتا ماريا ديل جراتسي لليوناردو دافنشي. بل تحتوي على أعظم متاحف العالم، على الرغم من أنها تعج بالمتاحف الشهيرة، لكن تعتبر لوحة الموناليزا للرسام ليوناردو دا فينشي التحفة الفنية الأشهر في البلاد. كما أنها بلد الأزياء العالمية وتقام فيها مختلف الفنون التشكيلية الجميلة.
حيث وصل مالك إلى تلك البلدة متجهاً إلى ذاك الفندق الذي تم حجزه. وبدور عمال الفندق قاموا بإيصاله إلى جناحه المحجوز بعد إنهاء إجراءات الحجز والإتمام عليها. دخل إلى ذلك الجناح بجسد منهك ومتعب أثر ساعات السفر. ألقى بحاله على الفراش لكي يعطي لجسده مهلة من الراحة لكي يستعيد نشاطه. وما إن وضع رأسه على التخت، حتى ذهب في سبات عميق جراء ساعات السفر المرهقة له.
وبعد مرور ثلاث ساعات من الراحة والاسترخاء، قام من نومه وأخذ حماماً دافئاً وتوضأ وقام بأداء فريضة العشاء. ثم ارتدي حلته الكاجوال وساعة يده ذات اللون الأسود المفضل لديه. ثم خرج من الجناح وبيده حقيبته الخاصة منتظراً في مطعم الفندق موعده مع صاحبة دار أزياء مشتركة في العرض السنوي وتعتبر المستورد الأساسي لدى المالك جروب.
وصل إلى المكان وجلس في ركن هادئ بعيداً عن الضوضاء. ثم طلب قهوته المعتادة وأمسك الهاتف وقام بإرسال رسالة لتلك السيدة بمكانه. وقام بفتح حاسوبه يراجع آخر ما وصل إليه من تصميمات. وبعد مرور حوالي خمس عشرة دقيقة، وصلت تلك السيدة وحددت مكانه لأنها تحفظ صورته عن ظهر قلب، فهي ملمة بجميع المصممين والمصممات، وخاصة المحترفين منهم في جميع أنحاء العالم، عدا ذاك المالك، فهي تحفه عن ظهر قلب.
وصلت إليه ورددت بابتسامة مشرقة:
_ مالك الجوهري، محتكر ماركة ريما ستور، صح ولا أنا غلطانة؟
رفع عينيه لأعلى كي يرى من صاحبة الصوت الأنثوي الذي يتحدث المصرية بطلاقة. وإذا به يتفاجأ بصاحبة العيون الفيروزية والبشرة الشقراء والوجه المستدير الذي تزينه الابتسامة الخلابة. إنها حقاً صاحبة الإطلالة الأجنبية في حيز الروح المصرية.
ابتسم وقام من مكانه ملقياً عليها التحية بكل تهذب، ومد يده قائلاً:
_ أهلاً بصاحبة التصميمات المميزة، وإللي كل سنة تصميماتها تكتسح العرض لأنها فعلاً مختلفة ومبهرة.
ذهب إلى مكان جلوسها ثم قام بإزاحة المقعد لكي تجلس في حركة منه تدل على مدى ذوقه في التعامل، مردداً بلطف:
_ اتفضلي يافندم.
جلست على المقعد بكل أريحية وشكرته بعينيها بامتنان على لطفه معها، واستمعت إلى سؤاله الذي ينم عن سرعة بديهيته في التعامل مع الأشخاص، مردداً:
_ بس إنتي بتتكلمي عربي كويس جداً، مع إنك مش من أصل عربي على ما أعتقد، وبالتحديد طريقة كلامك زي المصريين بالظبط.
أشار إليها بضحكة وإشارة برأسه علامة على صحة حديثها. واسترسلت حديثها بعينين تفيض حباً لمصر وأهلها:
_ شوف يا مستر، ولو تسمح لي أتعامل معاك بدون رسميات ملهاش لازمة.
أجابها بموافقة هاتفا بترحيب:
_ عادي جداً، خدي راحتك يا مدام جوليا.
أكملت حديثها بحب نابع لذكرياتها المحببة لقلبها عن أعظم بلد قامت بزيارتها العديد من المرات:
_ بابا كان دايماً ياخدني زيارة لمصر كل سنة وأنا طفلة صغيرة، ما تتصوروش الرحلة دي بالنسبة لي كانت من أحسن الرحلات إللي بابي كان بيطلعها لي في جميع أنحاء العالم. وكمان أنا واخدة كورس لغة عربية وكنت دايماً بتابع الدراما المصرية وبعشقها جداً، ولحد دلوقتي من أقرب الدراما لقلبي، وما يعديش عليا يوم إلا لازم أستمتع بفيلم أو مسلسل شدني، فبالتالي بعرف أتكلم مصري كويس وحافظة كتير من إفيهات المصريين اللي بجد funny.
علامات الاندهاش بدت على وجهه من حديثها الذي لم يكن بحسبانه. وحتى شكلها ككل لم يكن بحسبانه. فقد كان عالقاً في ذهنه ومتخيلاً أن صاحبة تلك الإمبراطورية العظيمة سيدة ذات سن أكبر من ذلك. ورد على حديثها بإعجاب:
_ قد كده بتحبي مصر والمصريين من لمعة عينك وإنتي بتحكي عن زياراتك ليها.
_ جداً، بحبها وبحب هواها وناسها وكل معالمها. جملة صادقة نطقتها تلك جوليا.
واسترسلت وهي تقوم بفتح حاسوبها:
_ نقدر بقى نبتدي شغل. إنت كنت قلت لي إنك عندك كذا تصميم مختلفين جداً ومبهرين، ممكن أشوفهم؟
قام بفتح الملف لتلك التصميمات ووجه الشاشة إليها مردداً بموافقة:
_ اتفضلي وعايز رأيك فيهم بكل صراحة.
ما إن رأت التصميمات وجالت بها بأعينها مدققة النظر بها والتي لفتت انتباهها ببراعة، حتى ظهرت علامات الانبهار بتلك التصميمات هاتفة:
_ oh my good, it’s wonderful. إزاي التصميمات دي ما تعرضهاش في الأتيليه السنوي وتحتكرها جوه مصر بس؟ وخاصة إن الماركة دي بالذات رقيقة في تصاميمها وكمان فيها ميزة من تصاميم الشرق والغرب مع بعض.
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه متعجبة ارتسمت رغماً عنه حين ألقى على مسامعه ذاك السؤال:
_ شوفي إنتي إعجابك الشديد بالتصميمات دي وإنها شدتك جداً وخلاكي منبهرة بيها خلاكي تتعجبي إزاي. إحنا بقى كفريق عمل بنتعامل في التصاميم دي مع مجهول، كل إللي يجمعنا بيه رقم تليفون وإيميلات بس.
واسترسل حديثه بتعجب عن حالة مالكة التصميمات:
_ تصوري إنها رافضة رفض قاطع إنها تظهر للعلن وإن الناس تعرفها أو إحنا حتى نعرفها!
بدت علامات الدهشة على وجهها من سمعته أذناها للتو وتحدثت باندهاش واستفسار:
_ إزاي كلامك ده يا مستر مالك! واحدة زي دي ماركتها مسمعة في الشرق الأوسط كله ومحدش يعرفها.
واستطردت حديثها بتساؤل:
_ طيب ليه ما اديتوهاش مكانتها اللي تستحقها وعرضتوا عليها عروض مغرية وتخلوها تظهر للعلن؟ صدقني لو عملت كده مؤسسة المالك فاشون هتعلى جداً.
بانت علامات الأسف على وجهه وقام بوضع الكوب من يديه وشبك كلتيهما بالأخرى معرباً بتأثر:
_ تفتكري إننا معملناش كل الكلام ده يا مدام! إحنا حاولنا كتير جداً وهي رافضة ومن غير ما تقولنا أسبابها خالص.
_ طيب مش خايفين يجي يوم وتختفي وساعتها مؤسسة المالك إللي أكتر تصميماتها قايمة على ريما ستور تنهار!
جملة تعجبية نطقتها بناءً على استغرابها الشديد لحالة صاحبه التصميم الغريبة التي لم ترَ مثلها من قبل.
تنهد مالك بثقل حينما ذكرته بالذي لم ينساه من الأصل، فهو خائف جداً من تلك النقطة بالتحديد.
ويحاول دائمًا البحث عن ماركة تشبه ماركة ريما ستور، لكنه بالطبع لم يجد ولم يسعفه الحظ إلى الآن في تلك المسألة بالتحديد.
وفي كل مرة ينفض تلك الفكرة عن باله، معللاً بأن الخالق الذي رزقهم لن ينساهم ولن يضرهم أبدًا.
وتابع حديثه معها مرددًا باقتناع:
_ والله أنا لحد آخر نفس في عمري هفضل وراها لحد ما توافق، لازم الواحد لما يلاقي مجتهد وشاطر في شغله يتمسك بيه وميسيبهوش، وعلشان كده هفضل أسعى لحد ما تلين.
ثم تابعا حديثهما عن عرض الأزياء الذي سيقام بعد أسبوع، بمناقشة تنم عن مدى اهتمامهم الشديد بذلك العرض.
وأعطته بطاقة دعوية لذلك الحفل ودعته للحضور، وأخذت منه موعدًا آخر لكي يتبادلوا التصميمات وإكمال بقية أعمالهم، وكل منهما معجب بنمطية تفكير الآخر ونجاحه.
***
في منزل باهر الجمال، حيث تُنصّب المحكمة التي أعدوها لتلك المسكينة التي لا حول لها ولا قوة، مُسنّين سيوفهم عليها بدون رحمة لقلبها المتألم على فراق زوجها الحبيب.
كادت هند أن تموت رعبًا من حديث ريم، ولكن أثلج صدرها رد تلك العبير بقسوة:
_ أيون، قولي أي كلام علشان تشوشي على عملتك السودا وتطلعي نفسك الملاك البريء اللي مبيغلطش، وإنتي السبب في موت ابني وقهرته.
واسترسلت وهي تبكي دموعًا غزيرة انسدلت من مقلتيها مرددة بدعاء:
_ منك لله وحسبي الله ونعم الوكيل فيكي.
عمري ما هسامحك ليوم الدين على كسرتك لقلب ابني بقوتك وجبروتك.
فتحت ريم عينيها على وسعهما واهتز جسدها منتفضًا بهلع حينما سمعت دعاء أم زوجها الراحل عليها، مرددة وهي تنزل تحت قدميها تطلب منها السماح عن ذنب لم ترتكبه:
_ والله العظيم يا أمي، أنا عمري ما قهرت باهر ولا كنت مسببة له قلق ولا كنت بنكد عليه.
يعلم ربنا إني بحبه حب كبير، وطول حياتي اللي عشتها معاه في البيت ده وأنا أتمنى له الرضا.
وهو كمان عمره ما زعلني، كنا زي النسمة مع بعض.
بس بتحصل مشاكل زي ما بيحصل ما بين أي زوجين، ويشاء القدر إن تحصل مشكلة في اليوم اللي ربنا كتب عليه الفراق ويروح لوجه رب كريم.
واسترسلت وهي تقف تواليهم ظهرها وتضع يدها على فمها تكتم شهقاتها التي تعلو شيئًا فشيئًا من شدة تأثرها، هاتفة بذعر:
_ ليه بتعملوا فيا كده ومصممين تشيلوني الذنب؟
ليه مصرين تخلوني أتعذب وأنهار على فكرة إني السبب في موته وتدمروني أنا وولادي.
ثم انهارت في البكاء بطريقة تدمي لها القلوب، ولكن مع هؤلاء القاسية قلوبهم لم يجدي نفعًا ولم يتأثروا ببكائها ولو ببنت شفة.
ثم استمعوا إلى صوت تصفيق زاهر أخيه، مرددًا باستهزاء على حال تلك المسكينة:
_ برافو برافو، بتعرفي تمثلي كمان أهو علشان خاطر تصعبي علينا، وإنتي في الحقيقة كنتي السبب في موت أخويا الوحيد.
واسترسل حديثه بوعيد وتهديد:
_ شوفي بقى يا اللي كنتي مرات أخويا الله يرحمه، اللي عدى على وفاته شهر ونص، باقي لك من العدة تلت أشهر.
اعملي حسابك بعد انتهاء العدة المأذون هيجي وهينكتب كتابنا.
وعلى فكرة ما عندكيش أي طريقة ترفضي بيها، لأنك مش هتخرجي من البيت ده، واللي إنتي كان نفسك فيه عمره ما هيحصل، وهخليكي تبطلي التصميم ده خالص اللي بسببه قهرتي أخويا وموتيه.
نزلت تلك الكلمات على هند كالصاعقة التي عصفت بمخالبها التي كانت تربيها لأجل تلك اللحظة، وتحدثت بهجوم قبل أن تستوعب ريم ما نزل على سمعها:
_ كلام إيه اللي انت بتقوله ده يا أبو البنات يا جوزي؟ ولا عامل لي أي اعتبار؟ بتطلب إيديها وأنا واقفة ولا همك أي حاجة، اعمل حسابك وجودي في البيت ده كوم ووجود البت دي كوم، ومش هيحصل طول ما أنا عايشة على وش الدنيا.
نظر إليها زاهر نظرة أرعبتها، ولكنها لم توضح ذلك وأجابها بوعيد:
_ إنتي بالذات تخرسي ومش عايز أسمع صوتك تاني، ده إنتي لسه حسابك تقيل معايا.
واسترسل حديثه بتقليل من شأنها:
_ اتفضلي اطلعي على فوق، ليا كلام معاكي ومع أبوكي اللي هبعته يجي لي حالا علشان يبقى الكلام على نور، اتفضلي.
قال كلمته الأخيرة وهو يشير بكف يديه نحو الباب بصوت عالٍ، مما جعلها تنتفض وتهرول إلى الخارج على عجالة.
أما ريم استجمعت قواها وقامت من مكانها مرددة وهي تتجه نحو الباب بكلمتين فقط:
_ على جثتي، ده في أحلامكم المريضة.
وعلى فكرة، وقفتي قدامكم وتوسلي ليكم ودفاعي عن نفسي مش ضعف مني، لأ ولا إني خايفة منكم.
واسترسلت توضيحها برأس مرفوعة:
_ مش ريم المالكي اللي تسمح لحد أيًا كان مين يؤمرها ويتحكم فيها أو يفرض عليها حاجة هي مش عايزاها.
ومن الآخر، جواز منك مش هتجوز، ولو اتهدت الدنيا فوق دماغي.
وكادت أن تخرج إلا أنه نزل على مسامعها بكلمات متتالية جعلتها فتحت عينيها على وسعهما من الصدمة وعادت إلى الداخل مرة أخرى، هاتفا ذاك الزاهر...
***
في منزل راندا المالكي في نفس تلك الليلة.
كانت تصعد سيارة والدها متجهين إلى المطار.
فكانت تجاوره في المقعد الأمامي والدتها.
وفي المقعد الخلفي تجلس هي وأبناؤها.
فتحدث جميل لأحفاده مرددًا بحزن:
_ والله هتوحشوا جدكم يا حبايب جدوا طول الشهرين دول.
حزنت راندا لأجل فراق والديها كعادة كل سفر لزوجها كل عام، مرددة بمواساة لحالها قبل أبيها:
_ والله يا بابا أنا نفسي ولا أروح ولا أجي.
نفسي نكون كلنا مع بعض في مكان واحد ومتفرقناش الظروف أبدًا، بس هنعمل إيه، أدي الله وأدي حكمته.
تنهد والدها بثقل من حديثها الدائم عند فراقها ككل مرة، قائلاً بنصح وإرشاد:
_ كل سنة أقول لك يا بنتي كفاية كده غربة على جوزك وخليه يرجع تكملوا بقية حياتكم وتلحقوا حبة من شبابكم، وإنتي مصره إن هو يفضل هناك، مع إنه كل مرة بيجي فيها بيبقى ناوي إنه ما يرجعش وإنتي اللي تصممي إنه يرجع.
واستطرد حديثه بإبانة:
_ أنا أبوكي وأفهم أكتر منك في الدنيا، وبقول لك إنما للصبر حدود، الفلوس مش كل حاجة، ووجود جوزك في وسطك إنتِ وولادك بالدنيا واللي فيها، وأديكم اتربيتوا تربية كويسة ونضيفة من غير ما أتغرب وأسيبكم.
ابتسمت لحديث والدها الذي دائمًا باله مشغول عليها وعلى حالها وحزين على حياتها، بالرغم من عدم شكواها من سفر زوجها ولو لمرة واحدة، وأجابته باطمئنان:
_ ما تقلقش علينا يا بابا، أنا وإيهاب كويسين جدًا مع بعض ومتفقين على حياتنا، وهو عمره ما اشتكى من الغربة، هو كمان زيي حابب يأمن مستقبل الولاد.
ده دايما بيقول لي وبيشفق عليا إني بتعب مع الأولاد، وخلاص كلها كذا سنة ويرجع بعد ما نكون أمنا مستقبل الولاد.
ابتسم ثم تنهد وتحدث عما يضيق بصدرها ومابات يؤرق روحها مؤخرًا:
_ جوزك لمح لي كذا مرة إني نفسه يبقى في وسط ولاده وبيته من كذا سنة، لكن شايف إنك كده مرتاحة وراضية، وقال لي طالما هي راضية ومرتاحة أنا مش عايز أكتر من كده.
معنى كلامه ده يا بنتي إنه مش عارف يعيش في الغربة وعايز يجي وسط ولاده وبيته، وإنتي اللي مش فارق معاكي.
عمومًا، أنا ياما نصحتك وبنصحك وهفضل أنصحك، كفاية كده من العمر بعزقة ولمي اللي باقي من حياتك وعيلتك وهاتي جوزك في إيدك وإنتي راجعة، العمر مش مضمون يا بنتي، كتير كانوا زيه والغربة أخدت شبابهم، وفي الآخر رجعوا بأمراض الدنيا ومتهنوش بالفلوس اللي اتغربوا علشانها.
انتفض قلبها لحديث والدها ولأول مرة تشعر بمدى صحته ووعدته أنها ستفكر جيدًا في ذلك الموضوع في تلك المرة بالتحديد، ثم تحدثت والدتها إلى أحفادها مرددة بدعوات:
_ خلوا بالكم من والدتكم في المطار، وخلي بالكم من نفسكم يا أولاد، وأول ما توصلوا طمنوني على طول، علشان أنا عارفة إن أمكم أول ما تشوف أبوكم هتنسى أهلها وأمها وأبوها والدنيا واللي فيها.
ابتسموا جميعًا على تلك السيدة التي لم تترك فرصة وتؤنب الجميع بتقصيرهم، وردد مهاب بطمأنة لجدته:
_ ما تقلقيش يا تيته، أول ما نوصل هتلاقي مني فيديو كول لينا كلنا، وده وعد من مهاب الراجل اللي مش هيرجع فيه أبدًا، وإنتي عارفة.
قال كلماته الأخيرة وهو يستعرض نفسه بشجاعة على سبيل الدعابة، مما أدخل في صدورهم جميعًا الطمأنينة والسعادة.
فهو دائمًا يخلق الابتسامة لكل من حوله بفكاهته المقبولة والتي تخرج بتلقائية منه دون تصنع.
وأكملوا باقي حديثهم أثناء سيرهم إلى المطار حتى وصلوا وهبطوا جميعًا، كل منهم يعرف مهمته.
بعد نصف ساعة من إنهاء الإجراءات، ودعت راندا وأبناؤها والديها بدموع كالعادة، وصعدوا إلى الطائرة بقلب شغوف مستعدين للقاء الحبيب من العام للعام في مفاجأة منهم لذلك الأب الحنون والزوج الراقي.
بعد عدة ساعات وصلوا فيها إلى المكان المنشود، وبالتحديد تحت مسكن والدهم، صعدوا في هدوء تام لكي يفاجئوه، فقد علمت راندا أنه بالبيت بذكاء منها عبر رسائل الواتساب.
دخلوا المنزل بقلب يأن لرؤية حبيبهم، وصعدوا درجات السلم بحذر كي يعطوا للمفاجأة روعتها.
وعندما وصلوا إذا بهم يشاهدون أبيهم في حالة يرثى لها، ناطقين بصدمة وهم يضعون أيديهم على أفواههم:
_ بابا!