تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
الفصل 4 — رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الرابع 4 - بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الرابع 4 - بقلم فاطيما يوسف
عصراً داخل البنك الأهلي بمدينة الإسكندرية، يجلس جميل على مكتبه يفحص بعض الميزانيات ويراجعها وهو يرتدي نظارته بمهنية.
ثم استمع إلى دقات على باب المكتب وأذن للطارق بالدخول.
وإذا به المهندس نادر يدلف وعلى وجهه علامات السعادة مردداً بنصر:
_ أخيراً وصلت له يا جميل بيه.
_ اترصدت له وجبت لك اسكرينات بمحاولاته للسرقة من كذا مكان.
ومد يده بالملف المطبوع به الاسكرينات.
أخذه منه جميل وهو يثني عليه بامتنان متطلعاً إليه وعلامات السعادة بادية على وجهه:
_ عظيم عظيم يا هندسة.
_ كنت واثق ومتأكد إنك هتجيب آخره.
_ ما أنا مش بشغل معايا أي حد برده.
واسترسل حديثه وهو متعمق في قراءة الاسكرينات مردداً بتساؤل:
_ طيب الاسكرينات دي كفيلة إنها تسجنه ولا هيقول إن ده مش إيميلي والحوارات دي، وخاصة إنك بتقول إنه ذكي ومأمن نفسه كويس جداً؟
استمع نادر إلى سؤاله بتركيز وأجابه بدقة شارحاً له:
_ شوف يا فندم الاسكرينات اللي مع حضرتك هتلاقيني موضح أربع كافيهات كان متواجد فيهم وهو بيحاول يهكر بيهم البنك.
_ والكافيهات دي ملغمة بالكاميرات.
_ وإحنا لما نقدم الأوراق اللي معانا دي لمباحث الإنترنت هي بمعرفتها هتتأكد إن الاسكرينات دي صحيحة.
_ وكمان هتلاقي في الملف اللي مع حضرتك صورة له لقطها له لما كنت في الكافيه اللي في الجيزة اللي بالصدفة عرفت أوصل له منه.
واستطرد شارحاً بتنبيه:
_ هتلاقي مع حضرتك في الملف ميعاد كل مرة راح فيها كل كافيه تقريباً من سبع أيام بالظبط راح الكافيهات دي.
_ فإحنا لازم نتحرك بسرعة ونبلغ مباحث الإنترنت لأن الكاميرات بتتفرغ بعد 15 يوم بالظبط علشان يتأكدوا.
نظر له جميل وسأله بتركيز:
_ طيب إنت عرفت إزاي إنه كان بيروح الكافيهات دي؟
أجابه نادر بعملية وذكاء:
_ كنت مكلف واحد يراقبه ويشوف وهو رايح فين في كل مرة بيروح فيها.
_ وطبعاً أنا معايا رقم الأيباد بتاعه كنت ببحث عن مكان الكافيه اللي موجود فيها وأنا قاعد مكاني.
_ وفعلاً بتأكد إن الجهاز ده موجود في المكان ده وبسجل اليوم والساعة زي ما موجود عندك في الاسكرينات.
_ هايل هايل يا باشمهندس نادر بجد إنت بهرتني.
قالها جميل وهو معجب بذكاء نادر وأكمل باستعجال وهو يجمع الاسكرينات الورقية من أمامه ويعطيها له قائلاً باستعجال:
_ حالا تاخد محامي من الشؤون القانونية اللي تبع البنك وتروحوا فوراً على النيابة وتقدموا بلاغ فيه، مش هنستنى زي ما إنت ما قلت لي.
_ علشان يبقى عبرة لكل واحد يفكر نفسه ذكي عصره وأوانه ويفكر في السرقة بدل ما يستغل موهبته الإلكترونية وذكاؤه في السرقة.
أخذ نادر منه الملف مردداً وهو يقوم من مكانه باستياء:
_ أنا مش عارف أهالي الشباب اللي زي دي إزاي سايبينهم كده ولا بيسألوهم رايحين فين ولا جايين منين ولا بيعملوا إيه؟
أجابه جميل بتوضيح:
_ والله يا نادر يا ابني ساعات الأب والأم بيبقوا بيسعوا على رزقهم علشان يخلوا أولادهم مش محتاجين حاجة.
_ فأكيد الولد ده مش راضي بحاله ولا اللي ربنا قسمه له فلجأ للسرقة واكيد أمه وأبوه مش عارفين هو بيعمل إيه.
اعتدل نادر بوقفته وانتصب منتوياً الخروج مردداً باستنكار:
_ ما أعتقدش يا فندم إن الولد ده من ذوي الطبقات المتوسطة أو اللي تحت المتوسطة، وده واضح جداً من الكومباوند اللي ساكن فيه.
_ ومن نوع الأيباد اللي شايله وطبعاً عنده كذا واحد وكمان الكافيهات اللي بيروحها ما يدخلهاش أولاد الناس اللي حضرتك بتقول عليهم.
ثم استأذن من مديره باحترام وتركه.
وبعد أن خرج حدث جميل نفسه بتعجب:
_ أنا مش عارف إيه الجيل المهبب اللي ما يعلم به إلا ربنا ده، يعني حالتهم المادية كويسة جداً وبيسرقوا.
_ فعلاً ما بتهونش إلا على الغلبان.
ثم عاد إلى عمله.
وأثناء انشغاله رن هاتفه المحمول برقم ابنته ريما.
أجابها مبتسماً:
_ ريما حبيبة بابا.
وكاد أن يكمل سلامه عليها إلا أنه استمع إلى انهيارها وهي تردد بنحيب:
_ الحقني يا بابا باهر مغمى عليه وعمال أفوق فيه مش بيفوق خالص مش عارفة أعمل إيه تعالى لي بسرعة.
انتفض جميل من مكانه وحدثها باطمئنان:
_ اهدي يا حبيبتي واشرحي لي إيه اللي حصل بالظبط علشان أتصل بالدكتور وأحكي له.
تحدثت من بين شهقاتها بكلام لم يفهمه والدها بتاتاً ولكنه سألها:
_ اهدي يا حبيبة بابا أنا جاي لك على طول مسافة الطريق بس وهتصل بالدكتور يحيى يجي لنا على هناك.
_ طيب ما ندهتيش لوالدته ليه ولا لأخوه بدل ما إنتي لوحدك كده؟
أجابته وعيونها متعلقة بباهر الملقى أمامها:
_ مش موجودين.
_ حماتي ميعاد زياراتها للقبور النهارده وبتتأخر وزاهر هو اللي بيوديها وأنا هنا لوحدي.
واكملت بكائها بشدة.
_ طب يا حبيبتي هدي أعصابك بس علشان الولاد ما يخافوش وأنا خلاص 10 دقائق وهكون قدامك.
قالها جميل وهو يقود سيارته باستعجال.
وما هي إلا دقائق حتى وصل إلى العمارة التي تسكن بها ابنته.
وقبل أن يصعد إلى الطابق المنشود هاتف الطبيب واستعجله أن يأتي سريعاً.
ثم صعد إلى شقة غالته ووجدها تفتح له الباب بسرعة عندما استمعت إلى صوت سيارته.
وأدخلته إلى غرفة زوجها.
احتضن يداها وهو داخل لكي يطمئنها.
ووصل إلى باهر الملقى على سريره لا حول له ولا قوة.
نظر إليه نظرة عميقة وتحسس كف يديه وجبهته وجدهم مثلجتين تماماً.
انخلع قلبه مما جال بخاطره ولكنه لم يفصح عنه خوفاً على ابنته وفضل السكوت تماماً إلى أن يحضر الطبيب ويقوم بفحصه لعل وعسى يخلف ظنه.
وبعد ربع ساعة وصل الطبيب وأدخله جميل إلى غرفة باهر.
أخذ الطبيب سماعته وقام بفحصه تماماً.
وبعد أن انتهى نظر إليهم بأسى وحزن مردداً:
_ البقاء لله يا جماعة.
جحظت ريما بعينيها وتحركت برأسها يميناً ويساراً وغير مصدقة ما قاله الدكتور للتو.
وذهبت إليه ممسكة بتلابيب حلته وهي تهزه مرددة بانهيار:
_ إيه اللي إنت بتقوله ده يا دكتور باهر مات!
_ لا إنت غلطان لو سمحت عيد الكشف تاني وتأكد من كلامك من فضلك يا دكتور من فضلك عيده تاني.
كل ذلك بدموع تهبط على وجهها كالشلالات وحدسها يؤكد لها أنه ما زال حياً وعلى قيد الحياة وأنه لم يمت ويتركها هي وأبناءها.
نزع أبوها يدها من على الطبيب وجمع معه أشياءه وتركه يغادر.
إلا أنها رفضت تماماً أن يغادر الطبيب قبل أن يعيد الكشف وهجمت عليهم بكل قوتها مردفة بعنف:
_ إنت بتعمل إيه يا بابا سيبه بالله عليك يكشف عليه تاني هو أكيد غلطان باهر ما ماتش هو وعدني إنه هيفضل جنبي ويكمل معانا أنا والأولاد وعدني إنه مش هيسيبني خالص هو أكيد غلطان أكيد غلطان.
احتضن ابنته وربت على ظهرها كي يهدئها وهي منهارة تماماً ولم تستمع لأي من كلماته.
وإلى الآن لم يصدق حدسها ما حدث.
وابتعدت عن أبيها وذهبت إليه وهي تحتضنه مرددة ببكاء يمزق القلب:
_ لا يا باهر قوم يا حبيبي وأنا هعمل اللي إنت عايزه ومش هشتغل وهبطل التصميم خالص.
وأكملت وهي تتشبث به بشدة:
_ قوم يا حبيبي ما تسيبنيش مش هقدر أكمل من غيرك إنت وعدتني إننا هنكمل مع بعض لآخر العمر ما لحقتش أتهنى بيك ولا أتدفى في حضنك.
جذبها أبوها من ظهرها واحتضنها وهو يربت على ظهرها مهدئاً لها:
_ يا حبيبتي هدي نفسك علشان خاطر أولادك بيعيطوا من منظرك.
_ ده عمره والأعمار بيد الله كلنا مسيرنا سايبينها وهنروح للي خلقنا واللي أحن علينا من أي حد.
_ وافتكري قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
واسترسل حديثه وهو ينظر داخل عينيها ليحثها على الهدوء:
_ اهدي يا حبيبة أبوكي اهدي علشان خاطر ابنك الكبير بيرجف من الخوف والصغير مفروم من العياط كأنه حاسس.
_ اهدي يا ماما اهدي.
ما إن ذكر أبوها اسم أولادها جرت عليهم واحتضنتهم ودموعها على وجهها كالشلالات والتي أيقنت من داخلها أنها لم تجف بعد.
احتضنتهم وهي تهدئ من روعهم فقد كان ابنها الأكبر منزوياً في ركن وجسمه يرتعش من منظر والدته وهو لا يفقه شيئاً مما حدث لأبيه إلى الآن مرددة له:
_ اهدي يا عمر أنا كويسة ما فيش حاجة بس يا حبيبي.
هاتف أبوها زاهر أخيه وطلب منه أن يعود إلى المنزل لأمر جلل واستعجله أن لا يتأخر هو ووالدته.
وهاتف أيضاً زوجته وابنه رحيم وابنته راندا أن يأتوا على عجالة لكي يقفوا بجانب ريما التي أوشكت على الانهيار وهي جالسة بجانب زوجها تنتحب بشدة.
وبعد نصف ساعة وصل الجميع وهم لا يفقهون شيئاً مما حدث فجميل فضل أن لا يحاكيهم في الهاتف خوفاً من ذعرهم.
صعد زاهر ووالدته إلى مسكن باهر كل ذلك وهم يعتقدون أن باهر وزوجته بينهم مشكلة كبيرة يريدون حلها ولم يخطر ببال أحد منهم أنه توفى.
دخلوا إلى الطابق ووجدوا فريدة تحتضن الكبير وتربت على ظهره، وراندا أختها تحمل الصغير وتهدهد فيه ودموعهم تنزل على وجوههم بسخاء.
استنتج باهر ما حدث فجرى مسرعاً إلى غرفة أخيه وجد زوجته جالسة على الأرض وهي تمسك يداه وتبكي بشدة.
ذهب ناحيتها وسألها بدهشة:
_ إيه اللي حصل لأخويا يا أم عمر أخويا جرى له حاجة انطقي؟
_ مات باهر مات وسابني لوحدي أنا وأولادي مات حبيبي مات!
وقع الخبر على قلبه كالصاعقة.
نظر إلى أخيه بقلب مفطور وعيون محدقة على جسد أخيه ولسانه كأنه شل ولم يعد على النطق.
ساقته قدماه إلى الجهة المقابلة لزوجة أخيه ممسكاً بيدها وواضعاً جبهته عليها قائلاً بانهيار:
_ لا يا حبيب أخوك وابن عمري مشيت وسبتني بدري واحنا لسه في أول الطريق.
نطق كلماته تلك وهو ينفطر دموعاً على العزيز أخيه.
أما والدته في الخارج جلست بجانب فريدة وسألتها باستغراب:
_ هو إيه يا أم رحيم مالكم يا حبيبتي بتعيطوا ليه هي ريما تعبانة ولا جرى لها حاجة؟
استمعوا إلى سؤالها وبكوا جميعاً بصوت عالٍ ولم يقدر أي منهم على نطق حرف واحد.
فهوى قلبها بين قدميها وجرت إلى غرفة صغيرها.
وما إن وصلت وشاهدت منظر زوجته وابنها الأكبر واستنتجت ما جرى حتى سقطت مغشياً عليها من أثر الصدمة.
هرولوا جميعاً ناحيتها عدا تلك ريم التي لم تتحرك من مكانها وهي تبكي على الفقيد الغالي.
بعد مدة عادت إلى رشدها ووضعت يدها على رأسها وانطلقت بالعويل مرددة:
_ آه يا ابني آه يا حبيبي لا يا باهر ما تسيبنيش يا حبيب أمك ضاع شبابك ما لحقتش تتهنى بعيالك يا حبيبي قوم يا زاهر قوم يا حبيبي ما تعملش في أمك كده.
وظلت على عويلها ولم يقدروا عليها أن يجعلها تصمت.
في نفس اليوم عصراً في دار الأيتام كانت مريم تدلف إلى الدار عائدة من الجامعة.
وأثناء دخولها لمحت تلك الشمطاء وهي تصافح مديرة الملجأ وأخذتها ودلفت معها إلى غرفة مكتبها.
تبعتهما مريم بعينيها إلى أن اختفوا من أمام ناظريها وساقتها قدماها إلى أقرب مقعد وجلست عليه وهي واضعة يدها موضع قلبها مرددة لنفسها بارتعاب شديد:
_ يا مرك يا مريم ما تكونيش جاية توريها الفيديو يا فضيحتك يا فضيحتك.
وأكملت وهي تضرب على قدميها بكف يدها:
_ أعمل إيه يا رب دلني على الصح، أدخل دلوقتي عليهم وأفهم المديرة قبل ما الكلبه دي تشوه صورتي قدامها ولا أعمل إيه؟
_ دبرني يارب.
واستطردت ببكاء:
_ أنا كده هتطرد من الملجأ وأنا لسه في الجامعة ولا ليا مكان يأويني ولا حد يواسيني في مصيبتي دي.
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا مي ربنا ينتقم منك ويوريني فيكي يوم ويشردك زي ما إنتي عايزة تشرديني.
وأكملت حديثها مع نفسها وهي في حيرة اتذهب لهم أم تنتظر مصيرها المحتوم.
وفجأة رفعت أنظارها تجاه الباب وجدت المديرة وتلك مي خارجتين من المكتب تصافح كل منهما الأخرى.
ثم ارتدت مي نظاراتها الشمسية قائلة لمديرة الملجأ:
_ أي حاجة يحتاجها الملجأ من تبرعات أو مساهمات أنا تحت أمرك يا مدام شريفة وربنا يقدرني على فعل الخير.
شكرتها الأخرى بحفاوه وربتت على يديها مرددة بامتنان مغلف بالطمع:
_ تسلمي لنا يا ست البنات وربنا يجعله في ميزان حسناتك وما يحرمش اليتامى دول من عطاياكي وهداياكي ولا يحرمني أنا شخصياً.
واسترسلت حديثها بزيف:
_ ما تتصوريش معزتك عندي قد إيه يا آنسة مي بعتبرك زي بنتي بالظبط، ما أنا اللي مربياكي هنا مع أخواتك في الملجأ بس إنتي ربنا كرمك واشتغلتي شغل حلو عشان دايماً دماغك حلوة وبتفهميها وهي طايرة.
ابتسمت لها مي بسماجة لتذكرها ماضيها في الملجأ والذي تبغضه ولو ودت واقتلعت جذورها من تلك الملجأ لفعلت مع العلم أنها في حياتها لم تذكر أمام أحد أنها كانت مرباة في الملجأ.
وأردفت ببرود:
_ طبعاً حضرتك زي والدتي وربنا يعلم أنا بحبك وبحب أخواتي هنا قد إيه تؤمريني بحاجة تانية يا مدام شريفة.
ابتسمت لها الأخرى وأومأت برأسها:
_ ما نستغناش عنك يا ميوشة وما تغيبيش عننا يا ليدي يا جميلة.
أومأت لها برأسها بابتسامة وتركتها وذهبت إلى مكان مريم وهي تنظر لها بشماتة من تحت نظارتها.
ثم أردفت قائلة بمراوغة:
_ يا ترى العيون الجميلة دي بتعيط ليه إيه اللي راعبك قوي كده ومخليكي مش على بعضك يا رومي؟
واسترسلت وهي تخلع نظارتها وتمسكها بيدها مرددة بسخرية:
_ يا ترى مصروفك خلص اللي إنتي بتاخديه من الدار هو ده اللي مخليكي قاعدة مقهورة كده وبتعيطي يا بيضا؟
استوعبت مريم سؤالها وأردفت بنبرة جادة متجنبة سخريتها منها:
_ ليه بتعملي معايا كده أنا آذيتك في إيه علشان تعملي فيا كده؟
واسترسلت بعيون لامعة من أثر الدموع المتجمعة في مقلتيها:
_ ليه مصممة تدمريني وتدمري مستقبلي وعايزة تمشيني في طريق أنا مش حابة إني أمشيه.
لوت فمها وأجابتها بنبرة ساخطة وهي تنظر داخل عينيها بجبروت:
_ إنتي يا بت هتدخلي لي قفص ولا إيه ومفكراني يخيل عليا الحركات دي والعياط وبيأثر فيا.
واسترسلت وهي تشير لها بكفي يديها بامتعاض:
_ لا يا ماما غيرك عملوا كده معايا كتير ومجوش سكة معايا، فاخلصي يا بت إنتي علشان أنا جبت آخري منك واديكي شفتيني وأنا خارجة مع المديرة قلبك وقع في رجليكي فما بالك بقى لما أسيبك يا مزة.
فكرت مريم وهي تدور بمقلتيها إلى جدران الدار التي تحتويها أن تجاريها في حديثها إلى أن تنتهي من سنتها الدراسية وهي محاطة بتلك الجدران بعناية.
مردفة بتردد:
_ طيب ممكن تديني فرصة لحد ما أخلص السنة دي علشان خاطر أكون فاضية معاكي وعلشان ما أقصرش في مذاكرتي.
ضحكت مي بصوت عالٍ وهي تنظر لها مجيبة لها بسخرية:
_ إنتي يا هبلة إنتي مفكراني دقة عصافير ولا لسه نونو بيضحك عليها من حتة عيلة زيك.
_ لا يا ماما أنا فاهماكي كويس جداً.
واسترسلت وهي تكشف لها طريقة تفكيرها المكشوفة أمامها:
_ إنتي عايزة بقى تخلصي السنة بسلام وأمان وبعد كده مش هيهمك حاجة ما إنتي اتخرجتي بقى وساعتها هتقولي لي أمك في العشة ولا طارت؟
واستطردت وهي تضع يدها على كتفها بتهديد:
_ مش مي اللي تتختم على قفاها وبعدين يا ستي لو على الدراسة مش هطلب منك غير فيديو واحد بس كل أسبوع وأظن ده مش هيعطلك عن المذاكرة مجرد فيديو هياخد ساعة منك ولا هيعطلك ولا هيبطلك، ها إيه رأيك بقى؟
وأكملت بسخرية:
_ أنا كده طيبة خالص وعملت معاكي الصح وزيادة.
نزعت مريم يدها من على كتفها بشدة وأردفت بقوة:
_ ده بعدك يا حقيرة نجوم السماء أقرب لك من إن مريم عماد تبقى منحطة ووضيعة زيك.
واسترسلت حديثها وهي تشير إليها بسبابتها:
_ أنا عندي أنام في الشوارع وعلى الأرصفة وعندي أموت من الجوع أو أتسجن من التشرد بس بشرفي ولا إني أبقى سافلة زيك.
اتسعت عيناها بذهول من تجرؤ تلك المريم عليها وإهانتها بتلك الألفاظ ورددت بنظرة محرقة لو طالت الأخضر لجعلته يابساً:
_ واللي خلق الخلق يا مريم لأدفعك كل إهانة أهنتيها لأسادك يا لقيطة.
قالتها بملامح وجه مكفهرة من الغضب الشديد.
وما كادت أن تختفي من أمامها إلا أن مريم باغتتها وهوت على وجهها بضربة من أثرها أطاحت بها إلى الخلف مردفة بعنف:
_ اللقيطة دي تبقى إنتي أما أنا ليا أصل وفصل وإنتي عارفة كده كويس قوي إن أنا يتيمة مش لقيطة في فرق كبير ما بينهم هم الاتنين، كبير.
واكملت مريم بتوضيح:
_ في لقطاء كتير أشرف منك لأن ما لهمش ذنب في غدر الزمان بيهم واللي حملهم اللقب ده.
ثم تركتها مستشاطة ودخلت إلى الدار بسرعة ودموعها منهمرة على وجهها.
أما الأخرى كانت مصدومة وهي واقفة وواضعة كف يدها مكان الصفعة التي تلقتها على حين غرة وهي تتوعد بداخلها لتلك المريم بأشد أنواع الهلاك.
وغادرت إلى سيارتها بخطوات سريعة وعيون تشبه عيون الشياطين في نظرتها.
أما مريم كانت مرتبكة خائفة وأمسكت هاتفها تتصفحه وأول شيء وقعت عيناها عليه منشور من أحد الصفحات العامة محتوياً: "كن بخلقك يصلح أمرك" فاطمئن قلبها أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير.
في مكتب مالك الجوهري يجلس على مكتبه وهو يشاهد ملف عارضات الأزياء المحجبات اللاتي تقدمن للمسابقة التي أجريت من أجل اختيار أفضل خمسة منهن.
والذي قام علي بدوره باختيار هؤلاء الخمسة وأرسلهم إلى مالك لكي يدلي برأيه النهائي.
وأثناء انشغاله دلف إليه علي وجلس مقابله متسائلاً بمهنية:
_ ها يا بص إيه رأيك في الخمسة اللي أنا اخترتهم تمام ولا فيه واحدة مش عاجباك؟
رفع مالك أنظاره من على اللاب توب وأجابه وهو يومئ برأسه:
_ لا برافو عليك يا علي اختيارهم مناسب جداً وجميل.
_ دلوقتي عايز تجمعهم لي علشان خاطر أفهمهم النظام ماشي إزاي.
واسترسل حديثه وهو ينظر إلى ساعته:
_ أنا قدامي نص ساعة كده أخلص فحص التصاميم اللي قدامي وتكون جمعتهم لي في غرفة الاجتماعات.
واستر سل متسائلاً بتذكر:
_ آه صحيح هي ريما ستور ما بعتتش ليه تصميم اللي كان من يومين مش عادتها التأخير يا ترى بتفكر في إيه واللي خلاها تتأخر علينا؟
أجابه علي وهو يرفع كلتا يديه كعلامة لعدم معرفته السبب:
_ والله ما أعرف يا مالك أنا حاولت أبعت لها اليومين اللي فاتوا لكن هي قافلة الواتس بتاعها خالص ومش بترد مش عارف في إيه بالظبط.
_ ممكن يكون عندها ظروف أو تعبانة مثلاً علشان كده مش عارفين نوصل لها لعل المانع خير ما تقلقش.
ثم ضرب على جبهته كعلامة للتذكير:
_ بقول لك صحيح جوليا أخدت الشحنة كلها وعجبتها جداً.
_ أنا مش فاهم يا أخي الست دي مهتمة بمصنعك إنت بالذات دوناً عن باقي المصانع؟
مط شفتيه باستنكار:
_ إنت هتقر علينا يا عم، امسك الخشبة ينوبك ثواب، الست بتحب شغلنا وبتقدره.
تحدث علي مبتسماً بخفة:
_ بتحب شغلنا! آه، ماشي يا عم مالك.
ثم انتصب واقفاً أمامه وأردف قائلاً:
_ هروح أمر على المصنع في النص ساعة دول وهبلغ السكرتارية تجمعهم لك وهاجي لك على غرفة الاجتماعات كمان نص ساعة.
وأثناء فحصه لتلك الفتيات فتح عينيه على وسعهما ممن رآها والذي لم يتوقع في يوم من الأيام أنه لن يقابلها مرة أخرى.
وبعد الانتهاء من فحصه انتصب واقفاً وهو يغلق أزرار بدلته وانتوى المغادرة إلى غرفة الاجتماعات.
وبعد قليل وصل إليها وولج إلى الداخل وجد علي والفتيات في انتظاره.
القى عليهم السلام ببشاشة وجه مردداً بتواضع:
_ السلام عليكم ورحمة الله يا أهلاً بيكم في تيم مالك الجوهري اتفضلوا اقعدوا.
رددوا السلام جميعهم ومن بينهم تلك التي تبتسم ابتسامتها الحالمة ظناً منها أنه سيجن فرحاً من رؤيتها.
تحدث مالك بمهنية:
_ دلوقتي هعرفكم على النظام اللي هنمشي عليه في مجموعة مالك الجوهري، هيجيلكم فريق مدربين سيدات هيدربوكم على طريقة العرض اللي إحنا هنعملها بإذن الله في السيزون ده.
واكمل حديثه ببيان:
_ أنتم عارفين إن مجموعة الجوهري بتهتم بالدقة جداً في العرض والعرض ده بالذات نازلين بتصاميم جديدة ومختلفة تماماً عن أي سنة وأنا واثق إنكم هتجتهدوا معايا علشان خاطر العرض ينجح وشغلنا ينتشر بشكل أكتر.
أومأت له جميعهن بتأكيد على حديثه وأنهن سيفعلن قصارى جهدهن لكي يقدموا الأفضل وأنهن سعيدات جداً للانضمام إلى مجموعة الجوهري.
وبعد وقت استغرقوه في المناقشات وهم يضعون جميع النقط على الحروف أذن لهم مالك بانتهاء الاجتماع.
خرجوا جميعاً ما عدا التي تتمهل في جمع الأوراق من أمامها كحجة للانفراد مع مالك لكي تتحدث معه.
ولكن خاب أملها وهي تراه يخرج أمامهم.
لملمت أشياءها باستعجال وجرت مسرعة ووجدته يهرول ناحية المصعد الكهربائي.
وقبل أن يغلق مالك باب المصعد اقتحمت هي المصعد قبل أن يغلق الباب.
نظر إليها مالك بإستغراب شديد وتحدث.
في منزل باهر الجمالي يجلسون جميعاً في صمت تام ووجوههم تبكي دموعاً بلا صوت وقلوبهم تنزف وجعاً بلا جرح.
وما زالت الصدمة تعتلي وجوههم على ذلك الفقيد.
ولكن لم تكن والدته من ضمن الجالسين لانهيارها التام.
فقد أحضروا له الطبيب عند إغمائها ولكن ما إن عادت إلى رشدها عاودت العويل مرة أخرى بشكل مريع فاضطر الطبيب أن يعطيها مصل مهدئ لكي لا تفقد أعصابها أو يحدث لها انتكاسة مفاجئة فهي كانت أجرت عملية قلب مفتوح منذ عشرة أعوام فخافوا عليها أن يحدث لها شيء.
أنهى والد ريما جميع الأشياء الخاصة بالدفن وذلك لأن أخيه منهار تماماً ففعل كل شيء هو ورحيم ولده.
وبعد عدة ساعات من الإجراءات دفن باهر في مشهد تقشعر له الأبدان من قسوة رؤيته.
فالجميع في حالة حزن شديد وانهيار من البعض وتماسك من البعض الآخر.
ومن ضمن المنهارين تماماً زوجته ريم حيث كانت جالسة على سريرها تحدث حالها بكلمات تنقطع لها القلوب:
_ غادرت وتركتني ولم تعود وعلى العهد لم تبقِ، وذهبت إلى لحدك وتركتني وحدي أعاني مر البعاد بدون أن أرضى.
_ سأعيش وأتنفس ولكن روحي دفنت معك وقلبي مات ولم يعد يحيى.
_ سلام الله على العزيز زوجي من الوحدة فيا رب اجعل مسكنه خير المأوى.
واكملت حديثها مع نفسها وهي تنظر إلى أطفالها بقلب ينشطر على يتمهم وهم في المهد صبياً:
_ كيف لك أن تتركني وحدي يا نبض القلب وكيف لي أن أتحمل أن أعيش تلك الحياة وأمضي مع تلك الأيام بدونك يا عشقي الأبدي.
_ ماذا سيكون طعم الحياة بدون أنفاسك العطرة التي كنت أستنشقها.
_ فيا رب خفف علي قلبي وعلى روحي ألم الذكرى.
كانت تحادث حالها بدموع منهمرة على وجهها والتي تأكدت أنها لن تجف بعد اليوم بعد فقيدها الغالي وهي جالسة القرفصاء على سريرها.
أما أخيه في حاله لا يختلف عنها كثيراً فقد كانوا إخوة متحابين مترابطين متعاونين وأخذ يحدث نفسه بلوعة الفراق:
_ غادرتني يا أخي ولم أنتهِ من أحاديثي معك، فكل أشجاني ذابت إلا اشتياقي إليك، ما زلت يا أخي أرى الود في عينيك رغم المسافات وحنيني إليك.
_ أخي وإن جار الزمان وافترقنا، فلا القلب يهدأ ولا الروح تنساك.
_ ما أجمل تلك الأيام يا أخي، كنا والحب رفيقنا نلهو معاً بلا تعب.
_ يارب إن لي أخاً قابعاً داخل القبر الذي بلا جدران، فاحفظه بحفظك يا الله، وأرحمه برحمتك.
_ أرجو في صباحي ومسائي نهاري وليلي، سباتي وصحوتي لا أرجو من الله إلا أن يدخل جنان الخلد.
_ ربي إني أستودعك أخي وروحي فحاسبه برحمتك لا بعدلك، رب إني رجوتك أن تجعل أخي من الساكنين جنتك وأن ترحم قلبي وتجبر كسره.
وظل على وضعه يبكي دموعاً على أخيه الذي توفى دون أن يودعه أو أن يأخذه بين أحضانه مات على فجأة ويا ويلنا من موت الفجأة.
أما عن والدته بعد أن أفاقت الأخرى والتي زارتها الكوابيس في غفوتها تجلس على الفراش تنتحب بشدة فولداها هما كل حياتها.
ولم تأبى أن تتزوج بعد أبيهم وفضلت أن تعيش مع أبنائها وأحفادها.
نائمة على فراشها تبكي وعيونها منتفخة من كثر البكاء مرددة:
_ مع السلامة يا حبيبي يا اللي فارقتني بدري بدري ويومك كان قبل يومي ما كنتش أتوقع أبداً إني أنا اللي أودعك مش إنت اللي تودعني.
_ طب كنت استنى لما آخدك في حضني وأشم ريحتك لآخر مرة آه يا باهر آه يا حبيبي.
_ يا رب صبر قلبي يا رب آه يا قلب المكوي على فراقك يا ابني.
وظلت تردد كلمات العويل وزوجة ابنها بجانبها تهدئها ولكن لا فائدة وظلت على وضعيتها كما هي.
بقول لك إيه أنا هبعت لك فيديو وهقول لك على اللي هتعمله لي فيه بالظبط عايزه حاجة متكلفة متروقة علشان خاطر دي واحدة حبيبتي وعايزة أوجب معاها قوي.
استنشق الآخر زفيره بصوت مقزز من أثر المخدرات التي يتجرعها مردداً بفظاظة:
_ ده إنت تؤمريني يا ست الهوانم ده أنا هخلي اللي يتفرج يدعي لك على الحلويات اللي أنا هعملها لك.
واسترسل حديثه وهو يلهث المخدر الذي أمامه قائلاً بطمع:
_ بس وحياة الغالية اللي هنوجب معاها تزودي لي الأوبيج شوية، زي ما إنت عارفة الدنيا غليت والكيف بقى مزاجه عالي قوي قوي وسعره غالي على الآخر يا ست الناس.
اشمأزت هي من صوته والحركات التي يفتعلها من أثر المخدر هادرة به باشمئزاز:
_ إيه القرف اللي إنت بتعمله ده وأنا بكلمك مش قادر تبطل شرب لحد ما أخلص معاك المكالمة! تاتك القرف.
وأكملت بنبرة صوت حادة وعيون تنطق شراً:
_ إنت عارف الفلوس ما تفرقش معايا وإن أنا بخدم اللي بيظبطوا لي الشغل من غير ما يطلبوا اعمل لي إنت بس المفيد وأنا هروق عليك على الآخر، ما تتأخرش عليا زي المرة اللي فاتت وتنسى نفسك.
قالتها تلك الشمطاء وأغلقت الهاتف في وجهه وهي تنوي في داخلها من الشر ما لا يرضي رب ويؤذي العبد ويرفع من الذنب.
أحياناً تبتلينا الحياة بصدمات يتوقف عندها عقلنا ونبات نجزم أن تلك الصدمات ستكون نهايتنا ولكن ما هي إلا بدايتنا.
في نفس اليوم عادت راندا إلى منزلها في وقت متأخر من ساعات الليل بعدما تأكدت من نيام أختها هي وأبناؤها وتركت معها والدتها ووالدها فهم أصروا المبيت معها والأ يتركوها وحدها في تلك الأزمة الصعبة.
دخلت إلى المرحاض وأخذت حماماً يزيل عنها أثر فاجعة اليوم فهي حزينة على أختها الصغيرة حزناً شديداً.
ولكن ماذا عساها أن تفعل بحزنها في تلك الفاجعة؟
وأوت إلى سريرها واتكأت بظهرها على شباكه وأمسكت هاتفها واتصلت بزوجها تخبره برجوعها.
أما هو عندما وجد نقش اسمها على هاتفه أجابها على الفور مردداً بقلق:
_ حمد لله على السلامة يا حبايبي لسه راجعين دلوقتي؟
أجابته بصوت مختنق من أثر الدموع الظاهرة على وجهها والتي لم تهدأ إلى الآن:
_ آه يا حبيبي لسه راجعين يا دوب الأولاد خدوا شاور ودخلوا يناموا هم كمان ياحبة عيني انفطروا من العياط النهارده على جوز خالتهم إنت عارف هما كانوا بيحبوه قد إيه.
كان يستمع إلى حديثها بقلب حزين لابتعاده عنهم في تلك الأزمة مردداً بأسى:
_ ما تتصوريش كم الحزن اللي أنا حاسس بيه دلوقتي وأنا بعيد عنكم في الظروف دي بجد أنا مخنوق خنقة ما يعلم بها إلا ربنا.
واسترسل حديثه بأمل مفقود:
_ للأسف أول ما سمعت الخبر حاولت أحجز طيران بس ما كانش فيه طيران النهارده في الوقت ده، بس أنا حجزت بكرة إن شاء الله طيارة ستة الصبح وعلى عشرة كده هكون معاكم.
فرحت بشدة لمجيئه لأنها في أشد الاحتياج إليه في تلك الأيام الصعبة وأردفت متسائلة:
_ طب يا حبيبي مش كده خطر عليك في الشغل إن إنت تاخد إجازة مفاجئة مش لازم تستأذن في الإجازة قبلها بتلت أيام على الأقل؟
أجابها مطمئناً إياها بتوضيح:
_ ما تقلقيش يا حبيبتي أنا حكيت لهم الظرف اللي خلاني أسافر على فجأة وهو عذروني طبعاً وفوراً فضولي على إجازة أسبوع هقضيه معاكم وأعزي ريما وآخد بخاطرها وأرجع على طول.
واسترسل بدعاء وملامح وجه حزينة:
_ ربنا يصبر قلبها ويعينها على البلاء الشديد اللي هي فيه ويعينها على تربية أولادها من غير أبوهم.
واستطرد متسائلاً:
_ إلا قولي لي حالتها عاملة إيه يا راندا؟
تنهدت بثقل وألم انتاباها إثر سؤاله على أختها ورددت بحزن شديد:
_ والله يا إيهاب ريما حالتها ما تطمنش خالص ما بتنطقش وما بتتكلمش، حتى عياطها بتعيطوا بسكوت وأنا خايفة عليها لا تنهار ولا يجي لها صدمة عصبية.
ثم انفجرت في البكاء عندما تذكرت حال أختها.
انخلع قلبه من بكائها وهو ليس بجانبها ولعن الغربة وأيامها بسبب عدم وجوده بجانب زوجته وحبيبته لكي يخفف عنها ويواسيها.
وظل يهدئها ويطمئنها بكلماته لكي يخفف عنها ألم الحزن.
وأغلق معها الهاتف لكي تخلد إلى النوم لكي ترتاح من ذلك اليوم الشنيع عليهم جميعاً.
وقام يعد حقيبته لأنه لم يتبقَ إلا سويعات قليلة على ميعاد سفره بقلب متعجل لرؤية الأحباب حتى لو كان الظرف قاسي.
ترى مالمخبأ لأبطالنا من ويلات الزمن؟