تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
الفصل 21 — رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطيما يوسف
ماذا عن طلتها الخاطفة لأنفاسي وكأنها وحدها التي أنيرت المكان، أم ماذا عن رجفة قلبي في حضرتها وأريد في وجودها أن يتعطل الزمان، أم ماذا عن نظرتها الكفيلة أن تشعرني بالأمان، تناولتني تلك الأسئلة لمجرد حضورها فقط وتناوبت على قلبي وعقلي كالإدمان.
تدلف ريم المالكي صالة العرض وهي تتأبط ذراع أخيها رافعة قامتها لأعلى بشموخ، في زيها الزهري اللون المفضل لها بشدة وعلى رأسها حجاب باللون الأبيض ووجهها خالٍ من مستحضرات التجميل إلا بلمسات بسيطة أبرزت جمال وجهها المستدير.
كانت عيناي، أنا المالك، مثبتة على الباب منتظراً قدومها على أحر من الجمر، وما إن رأيتها حتى كادت دقات قلبي أن تشق ضلوعي من شدته. كان ينظر إليها كالمسحور من جمالها الهادئ الرقيق، فأقسم بداخله أنه لن يرى امرأة في جمالها من ذي قبل.
ساقته قدماه كالمسحور حتى وصل إليهم وهو يمد يده لأخيها مردداً بترحاب:
_ أهلاً وسهلا يادكتور رحيم، نورتنا وشرفتنا.
ثم نظر إلى ريم ملقيًا السلام:
_ أهلاً يامدام ريم، نورتي المكان.
بادلته السلام بابتسامة متوترة لنظرته التي تغيرت كليًا لها، وخاصة بعد اعترافه اليوم بحبها، فكانت في موقف حرج جدًا.
بادله رحيم السلام مرددًا بابتسامة:
_ أهلاً بيك يا مستر مالك، كويس إنك لسه فاكر اسمي.
ابتسم مالك مردفًا بدعابة:
_ بذمتك في حد ينسى الدكتور رحيم اللي أول ما دخل المكتب عندي موتّنا من الضحك بسبب دمه الخفيف.
انفرجت أسارير ذاك الرحيم وهو يردد بنفس الدعابة:
_ الله! ده أنا من مرة واحدة بقيت ماركة مسجلة؟ بقي في القلش!
واسترسل وهو ينظر إلى المكان بانبهار:
_ بصراحة المكان والعرض باين إنه حاجة تشرف قوي، وبإذن الله هينجح ويكسر الدنيا.
أماء مالك برأسه بموافقة قائلاً وهو ينظر تجاه ريم:
_ أنا واثق من ربنا إن العرض هيكسر الدنيا، وده طبعًا بفضله أولاً ثم بمجهود ريم اللي تعبت فيه جدًا وهينقل سوق الأزياء للزي الدراسي لحتة تانية خالص.
استشعر رحيم بنظراته الثاقبة إعجاب ذلك المالك بريم، مما جعله يفرح داخليًا لأجلها، فهو يريد لها أن تستقر وألا تدفن روحها بالحياة. وردد بتأكيد على كلام مالك:
_ والله كلامك صحيح جدًا، ريم من صغرها وهي طموحة جدًا، وأقل شيء بتعمله بيبقى مبهر والكل بيعجب بيه جدًا بصراحة من غير مجاملة إنها أختي.
وأثناء حديثه استمع إلى رنات هاتفه. نظر إليه ووجدها مريم، فاستأذن منهم عدة دقائق للرد عليها.
أما مالك، فور خروجه، تنفس الصعداء وكأن الدقائق التي يقضيها معها أمنية بات يحلم بها. فأشاد إليها منبهراً بطلتها:
_ اللون الزهري جميل جدًا عليكي يا ريم، والحق يُقال إنك عندك ذوق جدًا في اختيار الألوان للمناسبات.
أحست بالحرج الشديد من نظراته وتلميحاته، وأومأت له بخفوت:
_ متشكرة جدًا يا مستر لذوق حضرتك.
أحس بحرجها، ولكن فرصة تواجدهما في ذاك المكان ويقف معها وحدهما لن يضيعها. وأردف باستفسار:
_ إنتي ليه متعمدة تنسي اعترافي ليكي النهارده وبتحاولي تهربي بعيونك عني؟
وتابع حديثه بتصميم:
_ لعلمك بقى أنا عليكي مصمم، وبجد محتاجك في حياتي يا ريم وعايزك جنبي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وعلامات الخجل اعترت وجهها ببراعة، ولم تقدر على التفوه. إلى أن استمعت إليه:
_ ممكن تدينا فرصة نتعرف على بعض ونعمل يا ستي فترة خطوبة علشان تطمئني ومتحسيش إنك اتدبستي؟
رفعت أنظارها إليه وهي على نفس خجلها وأردفت بنبرة هادئة:
_ المشكلة مش فيك إنت، المشكلة فيا أنا وهي إني رافضة أي ارتباط بعد باهر الله يرحمه، وإني مقررة أعيش لولادي بس.
رفع حاجبيه وهتف باستنكار:
_ وده ليه يا ريم؟ ممكن أفهم؟ طيب أعمل إيه في قلبي اللي حبك واتعلق بيكي وبقي يعد الأيام علشان تبقي جمبه ومعاه؟
استمعت إلى دقات قلبها التي تأثرت بشدة من نبرته ونظرته، وخاصة أن لديها مشاعر إعجاب وليدة. وتلك المشاعر الوليدة تؤلمها بشدة، فهي تريد كبتها وموتها قبل أن تقتحم كل حصونها بشدة وحينها تكون معذبة. وأجابته بتوتر وخجل:
_ أنا كنت واضحة جدًا من البداية معاك، وعمري ما خضعت بقول ولا فعل يخليك تتعلق بيا.
_ كذابة… نطقها مالك بعيون راجية وأكمل دفاعه المستميت عن حبه:
_ مين قال كده؟ كلك على بعضك سحرني، تدينك والتزامك وهدوئك، أصلاً دخولك للمكان بيخطف الطلة وبحس إني مش عايز أعمل حاجة غير إني أبص لك وأركز معاكي ومع كل تفصيلة تخصك، بذمتك مش كده يبقى حرام عليكي وهتشيلي ذنوب كمان.
_ ذنوب! ذنوب إيه دي… نطقتها باندهاش شديد وتعجب.
اقترب منها بخطوة واحدة وأجابها بوله:
_ آه ذنوب قلبي اللي انتي معذباه معاكي بسبب رفضك، ذنوب نظرتي ليكي اللي بسرقها غصب عني علشان بتبقي وحشاني.
واسترسل مقنعًا لها بمراوغة:
_ إنتي متعرفيش إن النظرة سهم من سهام إبليس ولا إيه يا قلبي.
إلى هنا واكتفت من جرأته وتلميحاته، ورفعت سبابتها وأردفت بتحذير:
_ قلبك! لحد هنا وكفاية يا مالك، أنا مش مسؤولة عن اللي انت بتقوله ولا عن ذنوبك اللي عايز تحملها لي بدون وجه حق.
ابتسم على شراستها وتحدث هامسًا وهو قاصدًا النظر في عينيها كي يرى ارتباكها الذي يعشقه:
_ الله يا ريما، مالك خارجة منك قمر. بذمتك بعد مالك دي عايزاني أكبر دماغي وأسيبك؟
واسترسل بوعيد محبب:
_ طيب شوفي بقى، عندّي معاك مش هيجي سكة وهتجوزك يعني هتجوزك، مانا مش هفضل أسهر على الأطلال وأحلم بعيونك اللي دوبوني دول وأسيبك تدفني نفسك بالحيا علشان حق ربنا اداهولك وخايفة من المجتمع.
وتابع حديثه قائلاً وهو يشير بيده تجاه قلبها:
_ خلي بالك، أنا سامع دقات قلبك دلوقتي والقلب مبينبضش بشدة كده إلا لعاشق.
أنهى كلماته وتحرك من أمامها عندما لمح قدوم أخيها. تصنمت بمكانها من إحساسه بها بتلك الدرجة، وحدثت حالها بتخبط:
_ هو عرف منين بدقات قلبي وحيرتي؟ هو أنا للدرجة دي مكشوفة أوي كده؟ ياربي أنا مش قادرة أتنفس حتى في وجوده. ارحمني يارب واهدي قلبي وارزقني المقاومة.
كان رحيم يقف أمامها يحدثها وهي في عالم آخر، إلى أن أشار بيديه أمام عينيها مرددًا:
_ اللي واخد عقلك يتهنى به يا ست ريما.
_ ها بتقول إيه؟ … قالتها ريم بتيهة.
لوى شفتيه باستنكار:
_ ده انتي في عالم تاني بقي ياريم هانم، إيه يا حاجة فوقي كده، مالك متنحة كده ليه ومش سامعاني أصلًا.
واسترسل وهو يرى نظراتها تجاه مالك مرددًا بغمزة شقية:
_ الله! أنا ابتديت أشك والموضوع فيه إن بقي، يا تحكي يا تحكي برضو مش هسيبك إلا لما أفهم.
كادت أن تنطق إلى أن استمعت إلى إعلانهم عن بداية العرض، فانتبه الجميع ناحية المسرح، وبدأت مراسم العرض في منظر أبهجها بشدة.
بعد مرور ساعة كاملة من العرض، لاحظت انبهار الجميع بالتصميمات، ووجدت اسمها يُنادى من قبل مالك علنًا أمام الجميع قائلاً:
_ الحقيقة نجاح العرض يرجع لتصاميم مدام ريم، واللي هي أبدعت فيها جدًا لحد ما طلعت بالشكل ده. بعد إذنك يا ريم اتفضلي.
تلقائيًا نظرت إلى أخيها بتيهة. أشار إليها بابتسامة أن تصعد وهو يردد بسعادة:
_ روحي يا قلبي افرحي بنجاحك وخليكي واثقة في نفسك، وسيبك من الكسوف الزايد عن اللازم ده، وأنا واقف هنا بتفرج على نجاحك بكل فخر.
شكرته بعينيها بامتنان وتحركت تجاه مالك ووقفت في منتصف الجميع. تهافتت المباركات عليها وتهافت الإعلاميون في التصوير معها وانشغلت بهم، ومالك يقف بجانبها يدعمها ويساندها، وخاصة أنه رأى خجلها الشديد فحاول تشجيعها. فكان مالك مُعدًا لها حملة إعلانية رهيبة انبهرت بها بشدة.
وبعد قليل انتهت من الإجابة على جميع الأسئلة. فاستغل مالك انشغال الجميع وهمس بجانب أذنها بحب مما أصابها بالقشعريرة من همسه:
_ مبروك يا حبيبتي أول نجاح ليكي واحنا مع بعض، والمرة الجاية نحتفل بيه في بيتنا لوحدنا.
وأنهى همسه برقة:
_ ريم أنا بحبك أووووي، ياريت تفكري في الموضوع.
***
في نفس التوقيت وبالتحديد في المركز الطبي الخاص بصديق إيهاب.
التزم الجميع الصمت. وبعد ربع ساعة بالتحديد خرج إليهم طبيب آخر متابع لحالة مهاب وهو يُبطئ في خطواته وعلامات الحزن بادية على وجهه. ذهبوا إليه جميعهم ووقفوا أمامه متلهفين الاطمئنان. إلى أن تحدث إيهاب:
_ في إيه يادكتور؟ مالك وشك ميبشرش بالخير.
أجابه بأسف:
_ للأسف الشديد يادكتور، البقاء لله.
أمسكه إيهاب من تلابيب قميصه مرددًا بفزع:
_ انت بتخرف بتقول إيه؟ انت اتجننت؟!
تحدث الطبيب بأسف:
_ النبض وقف للأسف، وبحاول أنعشه والمحاولات بائت بالفشل.
انهارت فريدة وجميل وجلسوا على الكراسي بإهمال وهم يرددون:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم لا اعتراض. اللهم لا اعتراض.
أما راندا كانت مصدومة ولم يصدق حدسها ما استمعت إليه. وما إن انتبهت حتى شهقت بصوت عالٍ رج المركز بأكمله:
_ ابنننننننننننننننننننني! لااااااااااااااا يااااااااااااارب! ابني مماتش! مماتش!
ثم وجهت أنظارهم تلقائيًا إلى الممرضة التي تهرول إليهم مرددة بأنفاس متقطعة:
_ إحنا قدرنا ننعش الولد يادكتور الحمد لله والنبض رجع لطبيعته تاني. الدكتور هاني مرضيش يسيبه وحاول كتير لحد ما رجع النبض.
اتسعت أعينهم جميعًا لما استمعوا إليه. وسجد جميل وإيهاب سجدة شكر لله يعبرون فيها عن مدى شكرهم لربهم. أما راندا انطلقت مسرعة إلى حجرة العناية وهي تردد:
_ ابني ابني! ألف حمد وشكر ليك يارب.
حاولت فتح الباب لكن الممرضة لحقتها ومنعتها من الدخول:
_ ممنوع يافندم دخول العناية. أرجوكي كده خطر على صحته.
ضربت على صدرها بحدة ثم مدت يداها تشد الممرضة من على باب الحجرة هاتفة بصراخ:
_ بقولك أوعى! أنا عايزة أشوف ابني وأطمن عليه ومش من حقك تمنعيني.
استمعوا جميعًا إلى صراخها للممرضة، فهرولوا إليها جميعًا. أخذها والدها بين أحضانها قائلًا لها بطمأنينة:
_ اهدي يابنتي الحمد لله ابنك بخير ومينفعش تدخلي له. ادعي له ربنا يشفيه وتعالى استريحي شوية.
مسح إيهاب على رأسها بأسى ونطق بنصح:
_ بعد إذنكم يا جماعة، وجودكم هنا دلوقتي ملهوش لازمة. اتفضلوا روحوا، هو كده كده مش هيفوق إلا بعد ٢٤ ساعة على ما يعدي مرحلة الخطر.
هدرت به راندا بحدة وشراسة:
_ أروح مين؟ انت بتقول إيه؟ أنا لا يمكن أسيب ابني لحظة ولا هتحرك من هنا إلا وهو رجلي على رجله.
ربتت فريدة على ظهرها بحنو وأردفت بإرشاد:
_ يابنتي وجودنا هنا ملهوش لازمة، لازم تروحي ترتاحي علشان تقدري تقاومي. وبعدين بنتك مموتة نفسها من العياط هناك، لازم تبقى جنبها برضو تطمنيها.
أشارت برأسها برفض قاطع وتحدثت من بين دموعها:
_ والله ياماما لو انطبقت السما على الأرض ما هروح ولا هتحرك من مكاني إلا لو ابني خارج معايا بخير.
لم يقدروا عليها جميعًا، إلى أن تحدث إيهاب إلى جميل:
_ خلاص يا عمي خد طنط فريدة وروحوا انتوا علشان سما. وأنا وهي هنفضل هنا مش هنتحرك.
أخذ جميل نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء قائلاً برجاء:
_ طيب يابني أرجوك كل لما أكلمك ترد عليا على طول وتطمني عليه.
_ حاضر يا عمي ومتقلقش، بإذن الله هيبقي بخير…. قالها إيهاب بتمني.
أمن الجميع على كلامه وخرج جميل وفريدة من المركز عائدين إلى منزلهم بقلب ينفطر ألمًا. بينما عاد رحيم وريم من العرض ووجدوا سما تنتحب بشدة وعلامات البكاء على وجهها واحمرار عينيها جعلهم ينفطرون رعبًا. هرولوا إليها مرددين في آن واحد:
_ مالك يا سما بتعيطي ليه ياحبيبتي؟ وفين تيتا وجدو وماما والباقيين؟ سايبينك لوحدك ليه؟
ارتمت سما في أحضان خالتها وهتفت بشهقات عالية:
_ مهاب تعب جدًا يا خالته وراحوا بيه المستشفى.
نطق رحيم متعجبًا:
_ مستشفى! ليه ماله؟ إيه اللي حصل له؟ ولا تعبان إزاي؟
كادت أن تجيبهم إلا أن جميل وفريدة وصلوا إليهم. نظر إليهم رحيم قائلاً بعتاب:
_ إنت إزاي يابابا متتصلش بيا وتقولي إن مهاب تعب وفي المستشفى وسايبنا كده مش فاهمين حاجة؟
أجابه جميل بنبرة صوت متعبة:
_ والله يابني كل حاجة حصلت ورا بعضها وكنا متوترين وحالتنا ما يعلم بها إلا ربنا.
سألت ريم بقلق:
_ مهاب ماله يابابا وعامل إيه دلوقتي؟
أجابتها فريدة بنحيب:
_ مهاب تعبان أووووي ياريم، أوووي.
وتابعت نحيبها وهي تضرب بكلتا يديها على فخذيها بحسرة:
_ مهاب مدمن ياريم، مدمن! والإدمان سبب له سكتة دماغية وكان هيموت فيها لولا ستر ربنا.
انصدم رحيم وريم مما استمعوا إليه ولم يقدروا على التفوه، ينظرون إليهم بتعجب شديد وعيونهم متسعة بشدة وكأن الطير أكل رؤوسهم. وبعد استيعابهم للأمر تحدث رحيم:
_ لله الأمر من قبل ومن بعد. مهاب ابن أختي مدمن! والله العظيم ما مصدق.
أما ريم هتفت باستنكار:
_ مدمن إزاي ياماما؟ ده مهاب ولا له في اللف ولا الحوارات دي. إيه اللي جرى له؟
هنا تحدث جميل ناطقًا بإبانة:
_ مش بمزاجه بقى مدمن يا بنتي. مهاب جات له حالة نفسية من فراق والدته ووالده، وطبعًا أختك انشغلت في أحزانها وألمها ونسيت إن ليها أولاد عايزين رعايتها واهتمامها.
سألته ريم وهي تبتلع أنفاسها بصعوبة:
_ بس إزاي يابابا؟ وهي كانت عايشة معاهم ومفكرتش تتجوز تاني وكل حياتها ليهم ووقتها برضه؟
أجابها بهدوء:
_ مين قال لك إن الجواز بس هو اللي بيعطل الست عن تربية ولادها! لا يا بنتي مش زي ما إنتي فاهمه. لازم تعرفي إن وجود الأب والزوج مهم جدًا في حياة الست مهما كانت قوتها. وجوده وسط بيته سند وحماية وأمان.
سألته بتيهة وتخبط:
_ يعني أنا كده يا بابا ولادي ممكن يضيعوا في يوم من الأيام علشان ما لهمش أب؟
أحس جميل بأنه أخطأ أمامها بكلماته، ولكن أجابها بتوضيح:
_ مش كل حاجة يا بنتي. الست ممكن تقدر تتحملها وتحلها لوحدها. لو لقيتي نفسك في يوم من الأيام محتاجة وجود راجل في حياتك يقف معاكي ويسندك ويقبلك بكل حملك، ما تفرطيش فيه. الدنيا مش بتقف على حد وهي مكتوبة علينا ولازم نعيشها طالما ما بنعملش حاجة تغضب ربنا.
جلست بإهمال وهي ترتعب داخليًا مما حدث ومما استمعت إليه، وأصبحت تائهة في عالم آخر تفكر ماذا تفعل في مستقبلها.
***
عودة إلى المشفى حيث يجلس إيهاب وراندا في قلق ورعب شديد. يجلسون مقابل بعضهم في توتر بيِّن على معالمهم. كل منهم ينظر بشرود في اللاشيء، إلى أن التقت عيونهم في نظرة طويلة. نظراته لها تشير إلى الملامة والعتاب، أما نظرتها تلك المرة اختلفت من ذي قبل، نظرة احتياج لا شراسة، نظرة تطلب منه الاحتواء لا الابتعاد. فحدثتها عيونه:
_ ليه أهملتي في ابننا لحد ما وصل للمرحلة الصعبة دي؟
أجابته عيونها بوجع:
_ إنت السبب. انت اللي دمرتنا وفرقتنا.
ضيق عينيه باندهاش وكأنه فهم مغزى نظراتها:
_ مانا جيت لك واتحايلت عليكي، وانتي اللي مصممة على وجعك.
فرت دمعة هاربة من عينيها وأكملت تلك العين عتابها له:
_ كنت موجوعة منك أووي أووي وكنت عايزة أنتقم لكرامتي وكبريائي.
أخذ نفسًا عميقًا وعلى نفس نظراته:
_ سيبتك تفجرى طاقة الوجع اللي جواكي واستنيتك وقاومت أي إغراء علشان أنا بحبك. بس انتي عاندتي واتكبرتي لحد ما كنا هنخسر أعز ما نملك.
وللحديث العيون قوة تضاهي قوة حديث اللسان بل وتزيد، فالعين تفضح المكنون أيا كان.
وجدها غفلت من شدة التعب وذهبت في ثبات عميق. قام من مكانه ودثرها بالغطاء المتواجد في الغرفة وغادر الحجرة وأوصدها خلفه ونبه على العاملين بعدم فتحها نهائيًا. انتهى ذلك اليوم العصيب على الجميع وانتهت الأربعة وعشرين ساعة مرحلة الخطر واستقرت حالة مهاب بفضل الله وبدعوات من حوله. استدعى إيهاب عددًا من الأطباء في تخصص المخ والأعصاب وعلاج الإدمان واهتم بحالة ابنه.
مر ثلاثة أسابيع على تلك الأحداث في تعب وتوتر من الجميع. فريم أخذت إجازة في هذين الأسبوعين كي تبقى بجانب أختها. وكان الجميع يلتفون حولها يهنئونها بنجاة مهاب. وعادت معهم راندا وأبناؤها إلى بيت أبيها كي يراعوا مهاب معها، فهو يحتاج إلى فترة نقاهة وبالتحديد شهرين.
***
أذاعت قنوات التلفزيون والسوشيال ميديا عرض الأزياء والمقابلة التي تمت مع ريم وأصبحت ذات شهرة واسعة. في منزل باهر الجمال كانت هند واعتماد وابنتها التي عادت من سفرها بالخارج، يجلسن جميعًا وهن يتحدثون عن ريم ولما وصلت إليه. فتحدثت اعتماد بحقد:
_ شوفي يا أختي البت واقفة في وسط كام راجل ولا هاممها، دي معندهاش من الاحترام والأدب ذرة.
مطت هند شفتيها بامتعاض وهتفت متمتمة بسخرية:
_ الخياطة بقى ليها شنة ورنة دلوقتي ياحماتي وبقت ولا نجوم السيما.
تنفست بغل وأردفت باستهزاء:
_ ولما هي بقت مشهورة أوي كده وأكيد بتقبض بالدولار، ليه متنازلتش عن القضية اللي رافعاها علينا اللي ماتتسمى؟
هنا تحدثت ابنتها بإبانة:
_ حقها ياماما ومتزعليش من الحق.
رفعت حاجبها وهتفت باستنكار:
_ تك! كسر حقها يختي منك ليها! حق مين والناس نايمين؟ إنتي بتخرفي بتقولي إيه يابت إنتي؟
أجابتها بتأكيد:
_ بقول الحق اللي ميزعلش وإنه لازم يرجع لأصحابه. واسترسلت بنصح: ولعلمك بقى ياماما قضايا الميراث بالذات مبتاخدش وقت في المحاكم وبالتأكيد هيتحكم لها. وخلي بالك كمان من حتة إنها بقت مشهورة وشهرتها عالمية كمان، دي مش مصممة بس دي كمان صاحبة ماركة يعني بقت حاجة عالية أوووي، فاديها حقها اللي هو حق ولاد ابنك بدل فضيحتنا ما تبقى على كل لسان وساعتها هتندمي نفسك وهتقولي ياريت اللي جرى ما كان.
أحست اعتماد بالخوف داخلها ولم تبينه، فتحدثت هند وهي تضع سبابتها جانب فمها:
_ تصدقي عندك حق في كل كلمة قلتيها واحنا مش واخدين بالنا.
وتابعت حديثها وهي تحول أنظارها إلى اعتماد مرددة بتحذير:
_ خلي زاهر يديها حقها وتغور بيه ياماما بدل ما يتفضح ويتقال عليه آكل حقوق ولاد أخوه اللي مات. إحنا عندنا بنات وعايزين نربيهم من غير ما يطلع سمعة وحشة على أبوهم، أبوس إيدك.
وظلت ابنتها وهند يستخدمون معها أسلوب الترغيب والترهيب حتى لانت واقتنعت بمشورتهم، وفورًا أمسكت هاتفها وأبلغت المحامي وزاهر أن يعطوها حقها بالكامل وينهوا ذلك الحوار وهي تستشيط غضبًا وفي اعتقادها انتصار تلك ريم عليها.
***
في تلك المدة زادت علاقة القرب بين مالك وريم، حيث كان يحادثها يوميًا بحجة الاطمئنان على ابن أختها تارة، وتارة يخترع أي أسباب يسألها عن التصميمات. ولكنه أحب محادثتها في الهاتف وكأنه رجع شابًا في مرحلة مراهقته.
وذات يوم كانت ريم نائمة ظهرًا، وأثناء نومها استمعت إلى صوت هاتفها. مدت يداها وأجابت وأعينها مشوشة أثر النوم مرددة بصوت رقيق:
_ الو، مين معايا؟
أحس برعشة في جسده أثر استماعه لصوتها النائم وود لو كان بجانبها وكانت امرأته في تلك اللحظة. وأجابها هامسًا:
_ صوتك حلو أووي وانتي صاحية من النوم، بجد أسرني ودوبني أكتر مانا دايب يا ريم.
اعتدلت من نومها بتوتر شديد لما سمعته أذناها من ذاك المالك الذي لم يترك فرصة إلا ويغازلها. لقد أرهق قلبها وأتعبه بشدة وأصبحت أسيرته، ولكن تعاند حالها وتريد كبت شعورها، ولكن حصاره لها لم يمهلها فرصة. وتحدثت بهمس مغلف بالخجل:
_ مش هتبطل كلامك ده بقى وتفقد الأمل فيا؟
ضحك بشدة على كلامها وأردف بنفي:
_ شوفي لو السما اختفت والبشر انقرضت والدنيا مبقلهاش وجود، ساعتها هبطل أحبك.
أمسكت خصلات شعرها تداعبها بأناملها وعضت على شفتيها السفلية دليلاً على اندماجها لكلماته ونبرة صوته التي اعتادت على سماعها قائلة:
_ وبعدين بقى فيك؟ بطل طريقة كلامك دي، هعمل لك حظر على فكرة علشان أنت مستغل أووي.
كان يستدير بالكرسي حول نفسه بسعادة عارمة لكونه يتحدث معها فقط، فما تكون حالته عند لقائها الأول بين يديه. يحلم كثيرًا بذلك اللقاء وردد بحالمية:
_ حرام عليكي اللي انتي بتعمليه فينا ده يا ريم، والله العظيم حرام. إنتي بتحبيني زي مابحبك بالظبط وبتكابري، بس اللي متعرفيهوش إن المشاعر فضاحة. واسترسل بملامة: كفاية بقى كده وحني عليا ووافقي على ارتباطنا وأنا أوعدك إنك مش هتندمي أبدًا. وخلي بالك، بقولها لك للمرة التانية إنتي كده بتشيلي ذنوبي علشان كل لما أكلمك وأسمع صوتك بتسحر وبتخليني أقول كلام مينفعش يتقال غير من زوج لزوجته. وللمرة اللي مش عارفة عددها بقول لك أنا عايزك تكوني ليا.
ابتسمت على طريقته وكأنها الأخرى عادت ابنة السابعة عشرة عامًا، ثم ألقت كلمتها السريعة وأغلقت الهاتف فورًا:
_ خلاص هفكر.
استمع إلى كلماتها بقلب ينبض فرحًا وعشقًا، وصار بعقله يفكر كيف يكون لقاؤها الأول، بالتأكيد سيكون عاصفة شديدة في ليالي العشق والغرام.
نظرت للسقف بشرود وتيهة، وخطر على بالها رحيم. هي تريد أن تتحدث مع شخص يتفهمها، فأرسلت له رسالة عبر الواتساب:
_ رحيم عايزة نخرج أنا وإنت في مكان هادي، ممكن؟
جاءته رسالتها وهو يهاتف مريم، فاستأذن منها كي يراها. قرأها وابتسم تلقائيًا، ثم أنهى حواره مع مريم وأرسل لها بموافقة:
_ في ربع ساعة بالظبط هكون جاهز ياحبيبتي، يلا جهزي نفسك.
سعدت داخليًا من أجل حنان أخيها عليها، وقامت بنشاط وحيوية كي تأخذ حمامًا منعشًا، وبعد نصف ساعة كانوا متحركين بالسيارة. وصلوا إلى المكان المحبب لها، دلفوا إلى المكان وانتقوا مقعدًا بجانب البحر الذي تعشق الجلوس أمامه.
بعد استقرارهم في المكان أحس بحرجها. تود أن تتحدث معه في ذلك الموضوع، ولكن خجلها يقف عائقًا أمامها. ولكن تشجع قائلًا:
_ أنا حاسس بيكي ياحبيبتي وحاسس بتعبك وجهادك مع نفسك، بس ليه ده كله علشان باهر الله يرحمه اللي بين أيادي ربنا دلوقتي.
واستطرد نصحه كي يطمئنها من نزاعها الداخلي:
_ هو عند اللي خلقه، وانتي لسه عايشة في الدنيا بني آدمة بتتنفسي ونفسك ليها حق عليكي.
نظرت إلى البحر بروح منهكة حاربتها كثيرًا، وأومأت بخفوت:
_ مش قادرة أتخطى وجود باهر لحد دلوقتي، ولا قادرة أتصور نفسي مع راجل غيره يارحيم.
التوى ثغره بحسرة على حالة أخته:
_ ليه ياريم، ليه تعذبي نفسك وتعيشي على ماضي وذكريات وتأنبيها على حاجة ملكيش ذنب فيها؟ وكمان تدفنيها جوه دوامة هتسحب جمال روحك لحد ما تخليكي هشة.
_ طيب أعمل إيه؟ دلني على الصح… قالتها ريم برجاء وهي تنظر إلى أخيها.
ربت على يديها بحنان وأجابها:
_ تدي لنفسك ولقلبك فرصة. تدي لهم حق إنهم يعيشوا، وملكيش دعوة بكلام الناس، ارميه عرض الحيطة. محدش هينفعك وانتي بتضيعي سنين عمرك ورا سراب هيحطمك. عيشي الواقع والحقيقة وافرحي بشبابك طالما مبتعمليش حاجة تغضب ربنا.
سألته بتوهان:
_ طيب تنصحني أبتدي إزاي من جديد؟ وخاصة إني معايا ولدين، لا يمكن هسيبهم أبدًا أيا كانت الظروف.
تنهد براحة نظرًا لأنه على مشارف إقناعها براحتها:
_ أنصحك بأنك لو جت لك فرصة كويسة مع راجل محترم ومتدين يعرف ربنا وابن ناس، توافقي بس بشروطك، وأولهم ولادك وتانيهم شغلك، مانتي مش هتتنازلي عن حلمك للمرة التانية.
تلج الذكريات المحزنة كالمطارق في صدرها وقالت بيقين:
_ أكيد طبعًا، دي أول حاجة هطلبها وأمن عليها كمان.
وتابعت حديثها وهي تفرك يداها بتوتر:
_ طيب إيه رأيك لو كان الراجل ده مستر مالك؟
انفرجت أساريره بسعادة تلقائية وأجابها بموافقة:
_ يا زين ما اخترتي، راجل محترم وشهم وجدع وابن ناس وظروفه تنفع ظروفك جدًا.
واسترسل حديثه مستفسرًا بخفة:
_ احكي لي كل حاجة ودلوقتي حالا. حكم أنا بعشق حكايات العشق والغرام، وخاصة الممنوعين.
ابتسمت بشدة على دعابته وهتفت بعيون تلمعت بالحب فور حديثها عنه:
_ تقريبًا حبني واتعلق بيا من أول ماشافني، ومش بس كده، من قريب اعترف لي بحبه ومش عايزة أقول لك بقى محاصرني في كل مكان، وحتى التليفون.
_ الله الله يا ست ريم، ده انتي عيونك لمعوا وبيطلعوا دباديب أول ما جابت سيرته…. جملة دعابية نطقها ذاك الرحيم بخفة لطيفة.
أحست بالحرج الشديد، رغم أنه يداعبها، إلا أنها خجلت بشدة وأردفت بتحذير:
_ والله لو ما بطلت طريقتك دي لا أقوم أسيبك وأمشي يارحيم.
ضحك بشدة على خجلها وأردف بنفس الخفة:
_ خلاص يا ستي، متبقيش أفوشة كده، خدي وادي معايا. واسترسل حديثه مشيرًا إلى هاتفها: يالا امسكي التليفون حالا وقولي له إنك موافقة تقعدي معاه قعدة مبدئية تعرفوا فيها ظروف بعض، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
اعترضت على كلامه بشدة:
_ إيه ده؟ أكلم مين؟ مش بالسرعة دي، اهدى كده.
خطف الهاتف من أمامها قائلاً بتهديد:
_ هو انتو كده الستات تموتوا في المحايلة وتبقى نفسكم في الحاجة وتتمنعوا وأنتم الراغبات. واسترسل بوعيد: هتكلميه ولا أبعت له أنا رسالة دلوقتي من على تليفونك ومش عايزة أقول لك بقى هتبقى رسالة غرامية بحتة أبل بيها ريق الراجل اللي نشفتيه معاكي.
مطت شفتيها باعتراض وأردفت بمحايلة:
_ لااااا بالله عليك ما تعمل كده، وأنا خلاص هكلمه.
تحدث شارطًا:
_ هتكلميه دلوقتي وقدامي.
أومأت برأسها بموافقة وهي تبتسم. أعطاها الهاتف، وبيدين مرتعشتين طلبت رقمه ولم تنتظر أكثر من رنتين حتى أجابها قائلاً:
_ مش مصدق نفسي والله! ريم هانم المالكي بتتصل بيا بذات نفسها؟ ده بايني القمر طلع بالنهار وأنا مش واخد بالي.
أحس رحيم بخجلها الشديد وأشار إليها بتشجيع أن تستمر في الحديث. ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وألقت كلماتها:
_ أنا موافقة نقعد مع بعض مبدئيًا كده، واللي عايزه ربنا هو اللي هيكون.
قالت كلماتها وأغلقت الهاتف فورًا وصارت تتلفت حولها يمينًا ويسارًا من شدة خجلها.