تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
الفصل 20 — رواية بين الحقيقة و السراب الفصل العشرون 20 - بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل العشرون 20 - بقلم فاطيما يوسف
جاء اليوم الذي انتظره رحيم بصبر طالت أيامه ولياليه، اليوم الذي سيتقدم فيه لخطبة ملاكه الجميل التي يعشقها ويتمناها برغبة شديدة.
صعد ذاك العاشق سيارته وهو في كامل أناقته الكلاسكية، حيث كان يرتدي حلة باللون الأسود تليق عليه، فكان حقًا وسيماً يخطف الأنظار.
وبجانبه تجلس ريم التي تنظر له بسعادة عارمة وهي تردد بمداعبة:
_ الله الله ياعريس علي الشياكة والأناقة، ولا ريحة البرفيوم ده؟ انت هتجنن البنوتة وتخليها تدوب أكتر ومش هنعرف نلحقها بعد كدة.
ابتسم على مداعبة أخته الصغيرة مرددًا مداعبتها بخفة:
_ ومالوا ياريما، عندها حق تدوب وتعشق، ده أنا الدوك رحيم على سن ورمح.
أنهى كلامه وهو يحرك رابطة عنقه بدعابة. ابتسمت الأخرى ورددت باستنكار مصطنع:
_ يانهار أبيض على الغرور إللي إنت فيه، يبني من تواضع لله رفعه.
نظر إليها رافعًا أحد حاجبيه مرددًا بمرح:
_ الله، بهزر ياريما، حرام يعني، ولا كله نكد نكد كدة.
أمأت على ظهره بحب وأردفت بنبرة حنونة:
_ هزر واضحك وحب وعيش حياتك ياحبيبي، ربنا يسعدك يارب ويرزقك الراحة اللي في الكون كله.
تنهد بثقل حينما لمح نظرة الحزن بعينها وأردف ملبيًا:
_ اللهم آمين يارب العالمين وإياكم يارب.
واستطرد حديثه متسائلاً:
_ إلا قولي لي ياريم، هو إنتي لو اتقدم لك حد توافقي؟
ضمت عيناها بعبث وأجابته باستفسار مغلف بالتعجب:
_ اشمعنا سؤالك ده يعني؟
استوعب حيرتها وتحدث بإيضاح:
_ أقصد يعني إنتي لسة صغيرة ويعتبر مفرحتيش بجوازك، وأنا مش حابب إني أشوف عمرك بيضيع كدة هباءً.
أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بهدوء وأردفت بنبرة حزينة:
_ العمر مش هيروح هباء ولا حاجة يارحيم، كل فدا ولادي اللي علشانهم أفديهم بعمري وأهدي لهم أيامه.
رفع حاجبه وهتف باستنكار:
_ وايه علاقة إنك تبدأي حياتك من جديد بولادك، أنا مش فاهم.
واسترسل وهو يشير بيديه معترضًا:
_ دي نقرة ودي نقرة.
أدارت وجهها إليه وأجابته بإبانة:
_ إزاي يعني، هي نقرة واحدة وانت مش واخد بالك، أنا لا يمكن أسيب ولادي وأعيش وأبني حياتي مع حد تاني وأجيب لهم جوز أم.
وتابعت حديثها وهي تنهي ذاك الحوار:
_ وبعدين ده وقت نتكلم فيه في الموضوع ده بذمتك! إنت عريس ورايحين نتفق على خطوبتك وكتب كتابك ياقلبي، افرح ومتشغلش بالك بيا.
تنهد بحزن لأجلها وراعى شعورها المختنق حينما فتح ذاك الموضوع وفضل السكوت لئلا يضغط عليها.
***
وعلى صعيد آخر في سيارة جميل، حيث كان يتحدث مع فريدة مرددًا بدعابة:
_ فيه واحدة رايحة تخطب لابنها وهي لسه صغيرة كدة، بالله اللي يشوفك يفتكرك أخت العريس مش والدته.
ابتسمت على دعابته التي يخصها بها دائمًا، فهو محب بل عاشق لها، ودوماً يغازلها ويجعل روحها هائمة في سماء أخلاقه. تنهدت بسعادة وأردفت بحب:
_ لحد امتى هتفضل تشوفني حلوة وصغيرة ياجميل؟
نظر إليها بحب نابع من عينيه وأجابها:
_ لحد علامات الشيب ما تسيبش حاجة من ملامحنا خالص، وبردو مش هبطل أشوفك غير فريدة بنت العشرين اللي جمالها وجمال روحها يغطي على الكل.
كان يجيبها بصدق نابع من قلبه، ولكن المغزى من وراء لطفه معها كي ينعش مزاجها ويجعلها تدخل على تلك اليتيمة مبتسمة.
بعد نصف ساعة، استقلت السيارتان أسفل البناية وصعدوا إلى ذاك الطابق. كانت مريم في أبهى استعدادها لحبيب الروح الذي وصل للتو، وأخبرها بالتسجيل الصوتي كي يجعلها تستعد. كانت تقف أمام المرآة تتفحص شكلها بتوتر بالغ.
وأثناء وقوفها، شردت بحزن عميق حيث أنها كانت وحيدة، لا أم ولا أب ولا أخ يقف بجانبها في أهم يوم بعمرها. ولكن دعت الحزن وولته جانباً، فكفاها أحزان طيلة العمر.
استمعت إلى وصولهم وفتحت لهم الباب بابتسامة بشوشة جعلتها كالحوريات من رقتها. أشارت إليهم بيديها للدلوف مرردة بترحيب:
_ أهلًا وسهلًا بيكم، نورتوا بيتي المتواضع.
تبادلوا السلامات جميعًا وجلسوا في غرفة الاستقبال. كانت فريدة تنظر إلى المكان بانبهار، فنظافته ورائحته العطرة اخترقت أنفاسها. كانت متعجبة كيف لمريم ومن أين أتت بتلك الشقة ذات الأساس العصري المنمق، فبالطبع ثمنها غالي. ولكن نفضت التفكير عن رأسها حينما استمعت إلى جميل يردد:
_ شوفي يامريم يابنتي، أنا جاي النهاردة مش مع رحيم كأب أطلب ايدك، لااااا أنا جاي النهاردة وأنا في مقام والدك وهو يطلبني منك وأنا اللي أتشرط عليه.
واسترسل مبتسمًا بحنو:
_ تمام يابنوتي القمر؟
رعشة خفيفة اجتازت جسدها داخليًا، فكيف لذاك الخلوق أن يخطف روحها بحنانه البالغ. وأقسمت بداخلها أنه أب لم تلده الأيام لها. وأردفت بنبرة خجولة:
_ شكرًا ياعموا، أنا والله مش عارفة أودي جمايل حضرتك دي كلها فين.
اتسع بؤبؤ عينيه وأردف بنبرة تحذيرية مصطنعة:
_ بنت عيب، في بنوتة تشكر باباها على واجبه تجاهها؟ متقوليش كدة تاني.
كان رحيم وريم وفريدة ينظرون إليه بفخر لكون ذاك الرائع الذي لم يوجد أمثاله كثيرًا أبا لهم. وبالتحديد رحيم الذي ود أن يحتضنه ويقبله بنهم شديد لحنانه على حبيبته. وأردف بنبرة سعيدة:
_ أنا جاي النهاردة يابابا وحابب أطلب منك مريم على سنة الله ورسوله.
أماء جميل برأسه مرددًا بحكمة:
_ وعندك استعداد تدفع مهر بنتنا الغالية ولا لا؟
ابتسم رحيم بعشق وأجابه وهو ينظر داخل عينيها بهيام:
_ ده إللي تطلبه البرنسيسة مريم، أفحت في الصخر علشان أجيبه لها لحد عندها وزيادة كمان.
أعجبه رد رحيم بشدة وتساءل بجدية:
_ عندك استعداد تواجه أي صعوبات تقابلك علشان خاطر بنتي ولا هتقع وتتخلي عنها في نص الطريق؟
تنهد رحيم بحب وأجابه بثقة:
_ الطريق لو كله شوك همشيه معاها وأشيلها على راسي وأتحمل ألمه، ولا إنها تتوجع لحظة.
كانت دقات قلب تلك المريم تسبقها ويكاد الجميع أن يسمعها. كانت تنظر إليه بعشق بالغ، ولو كان الأمر متاحًا لارتمت في أحضانه وسكنت أمانها.
أشاد جميل بتنبيه:
_ خلي بالك، مش هيحصل كويس لو زعلتها في يوم من الأيام، أو جيت عليها، أو عملت لها أي حاجة، أو جرحت شعورها قولًا أو فعلًا. ساعتها هقف صفها ومش هسمي عليك.
ابتسم رحيم بخفة وأردف بدعابة:
_ مين إللي يعمل كدة؟ ده أنا غلباااان.
ابتسم الجميع على دعابته وهتف جميل ناهيًا استجوابه بأخر:
_ طيب، خطوة الخطوبة وكتب الكتاب بالنسبة لي ميثاق، مفيش رجوع فيه. انت واثق من نفسك ومن اختيارك وإنك مش هيجي يوم وتندم.
شبك كلتا يديه وتحدث وهو قاصدًا النظر داخل عينيها مرددًا بعشق:
_ أندم!
وتابع وهو ينظر لها بعشق:
_ لو الزمن رجع بيا ألف عمر لاختارتها في الألف ألفاً، ولفتحت لها بابا ثانياً من أبواب قلبي وعززته بثالث وأجلستها في ثنايا القلب ثانياً، فعسى المقام بالمقيم يليق، فمرحبًا بها أولًا وثانياً وعمرًا وأخيرًا، فلا الخصام طبعنا ولا الفراق طريقنا.
كانوا ينظرون إليه بعيون منبهرة من عشقه اللامتناهي لتلك اليتيمة، وكأن الله وضعها في طريقها كي يعوضها حنان الأم، فكفاها بحنانه، وعوضها به أبًا. كانت الكلمات والنظرات الممتنة له لاتكفيه على حديثه الذي أثلج صدرها وجعلها تهواه كثيرًا. وحدثته عيناها بهيام:
_ كيف لك أن تسحبني لعالمك بتلك الدرجة من العشق لك رحيمي؟ أنا ذائبة عاشقة متيمة وأكاد من فرط الجمال أذوب. لاعبـارات الشكر تكفيك ولا قصائد الحب ترثيك ولا حكايات الغرام الذي عشت أقرأها وأسمعها تمثل ذرة واحدة من حبك ومن حنانك الذي رطب قلبي وجعله يجوب في هيامك.
أما هو، كانت عيونه في حضرتها لا ترى غيرها، وكانت أنفاسه تتلهف للقرب منها. ولكن حدث نفسه:
_ مهلًا يا أنا، مهلًا يا قلبي، اهدأ وانتظر، فالصبر آخره جبر، لا تتعجل، فأنا في انتظارك حبيبتي حتى نلتقي، ولقاء لذة أعدك بأن مذاقها سيجعلك تحلقين في سماء الهيام والغرام، فلنتمهل، ولكن عدّي حالك لأجل ذاك اللقاء الذي حتمًا سيكون حربًا بين عاشقين فرقهما الزمان، ولكن عادا بأمان، وعودتهم لن تمر مرور الكرام.
تحدثت فريدة قائلة بابتسامة:
_ مبروك يا حبايبي، ربنا يتمم لكم على خير يارب وأفرح بيكم.
وتناولوا المباركات، وقاموا بقراءة فاتحة الكتاب، واتفقوا على أن كتب كتابهم بعد أسبوعين من الآن. وأخيرًا، التقى الرحيم ومريميته بعد عناء وطول انتظار.
***
في منزل هيام، شقيقة مالك، وبالتحديد في الساعة الخامسة صباحًا، كانت تجلس على تختها وهي تتصفح هاتفها باستمتاع وصوت الفيديو الذي تسمعه عالٍ بعض الشيء. ولم تبالي لذاك النائم بجوارها وكأنه من عدم.
تململ في نومه متأففًا ولم يعد يتحمل حماقتها أكثر من ذلك. رفع الوسادة من على رأسه ونظر إليها متحدثًا بغضب:
_ أنا مش فاهم، إنتي إزاي عايشة كدة! ولا بتعملي حساب لبني آدمين ولا عندك ذرة إحساس بغيرك.
لوت شفتيها بامتعاض وهتفت بحدة:
_ اصبحنا واصبح الملك لله على الصبح، هو انت صاحي تقول يشر اشتر!
اعتدل من نومته وردد باستنكار:
_ كويس والله إنك عارفه إنه صبح، أمال بسلامتك منمتيش لحد دلوقتي ليه؟
مطت شفتيها وهتفت بكبر:
_ والله أنا حرة، أنام الصبح ولا بالليل، هو حضرتك هتتحكم فيا؟ هنام امتى وأصحي امته كمان!
ضرب بكلتا يديه متحسرًا داخله على ردها المتعجرف وردد:
_ إنتي فيكي كمية كبر وعجرفة وقلة ذوق تكفي العالم كله ياشيخة.
واسترسل تعنيفه قائلًا باستنكار:
_ تنامي علشان عندك أولاد محتاجين رعايتك ومحتاجين وجودك جنبهم، محتاجين تحسي بيهم.
قلبت عينيها بملل وأجابته بسخط:
_ هو كان حد اشتكى لك يعني، ولا انت كل لما تشوفني مبسوطة بتحب تنكد عليا؟
حزن داخله من أجل تلك المرأة التافهة التي لا تعرف للأمومة طريقًا وهدر بها بحدة:
_ كل اللي في بالك أنكد! دي إنتي ست مقرفة وعيشتك مقرفة، واللي مصبرني عليكي الولاد.
واستطرد حديثه متهكمًا:
_ إنتي من النوع لو جالك الطوفان حطيتي ابنك تحت رجليك، بمعني أصح إنتي ممكن تبيعي حد من عيالك علشان الفلوس وحب المال إللي مالي قلبك.
انتفضت بحدة وقامت من تختها وهي تردد بحماقة:
_ وفيها إيه يعني لما أحب الفلوس؟ دي أهم شيء في الدنيا، وهي اللي بتحقق لنا كل الأمنيات اللي بنحلم بيها، وهي اللي بتخلي الكل يحترمنا.
اهتز فكه بغضب وأردف ساخرًا:
_ في حاجات الفلوس ما بتشتريهاش لو حتى بمليارات، الأمومة وإنك تحبي ولادك وتراعيهم ما لهاش علاقة بالغنى والمال. أنا لولا والدتي كان زمان جنه وياسر ضاعوا، لكن ولادك متربيين لدرجة إنهم مش بيفوتوا فرض، وإنتي ما تعرفيش حاجة عنهم.
_ قول بقى كده إن أمك بتعايرني عشان بتساعدني في تربية الولاد وهي اللي مسخناك عليا….
جملة تهكمية نطقت بها تلك الفارغة. فقد الأمل من استيعابها التافه وأشاد بفقدان أمل:
_ تصدقي إنك بس مش أنانية ومش بتحبي غير نفسك، لا ده إنتي كمان تافهة.
واسترسل بإيضاح:
_ للمرة المليون بقول لك إن والدتي بتراعي أحفادها حبًا فيهم مش مساعدة ليكي. وآخر تنبيه مني ليكي، مش هقدر أستحمل أكتر من السنين دي كلها تاني، فخليكي بقى في صراع حب الفلوس والبحث عنه وازاي تجيبيه بطريقة مشروعة وغير مشروعة، ومفكراني أهبل مش دريان بيكي.
وصاروا يتنازعون دون جدوى، لا هي تعترف بالخطأ ولا هو يأخذ قرارًا جذريًا وينفصل عنها. ولكنها الظروف المحاطة بنا، هي فقط التي تجعلنا مكتوفين الأيدي أمام سعادتنا. ولكن الشخص الذي يفكر جيدًا عليه ألا يدع الظروف تأخذ من عمره وتجعله يضيع هباءً منثًا، فقط لابد عليه أن يختار راحته كي يصبح سويًا.
***
بعد مرور عشرة أيام على تلك الأحداث، في مجموعة مالك الجوهري التي تأج بالعمل على قدم وساق، حيث يعمل الجميع لأجل العرض الذي نظمته المجموعة والجميع في حالة تأهب واضطراب.
في غرفة الاجتماعات، بعدما نبه مالك على الجميع بضرورة الالتزام والانتباه لكل شيء، انتهى الاجتماع وطلب مالك من ريم أن تبقى لأنه لاحظ اضطرابها طيلة الاجتماع.
تجلس أمامه تنظر إلى شاشة العرض التجريبي الذي أقيم وهي في حالة توتر بالغ. تنهد مالك بابتسامة وهو يردد بهدوء:
_ ممكن أعرف إيه سر التوتر اللي على ملامحك ده يا أستاذة؟
فركت يداها بتوتر وتفوهت بهدوء:
_ مش عارفة، حاسة بتوتر شديد كأني داخلة أصعب امتحان النهاردة.
واسترسلت باستفسار:
_ يمكن عشان أول مرة أحضر عرض وكمان مقام على شرف تصميماتي؟
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وتحدث يطمئنها:
_ طبيعي إنك تكوني متوترة وقلقانة، لكن مش بالطريقة الرهيبة دي!
وتابع طمأنته لها:
_ خليكي واثقة من ربنا إنك هتكسري الدنيا النهاردة وهترجعي عالم الأزياء بتصميماتك، وبعد العرض ما يخلص هتلومي نفسك على سنين عمرك اللي ضاعت وانتي مختفية.
رفعت رأسها إليه وهتفت باسمه بهمس دون قصد:
_ بجد يامالك؟
نظر إليها بدهشة اعتلت معالم وجهه، وكاد حدسه أن لا يصدق ما استمع إليه للتو. فحقا نطقت اسمه من فمها دون ألقاب! يا لكِ من رائعة عزفت على أوتار قلبي.
أما هي، ابتلعت أنفاسها بصعوبة وعلامات الخجل تجوب جسدها بأكمله، وصارت في موقف حرج من همسها التلقائي. فقامت من مكانها وهي تستأذن الخروج دون أن تنظر له:
_ بعد إذنك يا مستر.
قالتها وهرولت من أمامه مسرعة. إلا أنه انتفض من مكانه مسرعًا وقبل أن تصل كف يداها الصغيرة إلى الباب، لأن الخارجين من الغرفة قد أوصدوه ورائهم. كان واقفًا أمامها، ناظرًا بأم عينيها ناطقًا بوله:
_ إيه على فين ياريم؟
لم تقو على النظر إليه وأجابته بصوت خفيض:
_ هروح عشان أجهز نفسي.
جالت عيناه إلى ساعته تلقائيًا وهو يردد:
_ لسه فاضل ٥ ساعات على العرض.
واسترسل برجاء:
_ بعد إذنك، عايز أتكلم معاكي شوية.
مشاعر من التخبط داخلها والخجل والخوف والاضطراب، جميعهم ترصدوها بشدة ولم تقدر قدماها على احتمال الوقوف. جميع جسدها حاربها وأحست بالرعشة من نظراته، همساته، رقته اللامتناهية معها. ولكن لا مفر من الهروب ولا مفر من حصاره، فتدللت بخطواتها إلى الكراسي الموضوعة في جانب الغرفة وهي تنظر أرضًا.
كان ينظر إلى خجلها متيماً، لم يرى مثل تركيبتها على مدار عمره. كانت نظراتها وخجلها وعبيرها ورقتها تأسر أنفاسه وتجعله ينجذب إليها دون أن يفتعل ذلك. جلس أمامها قاصدًا النظر إلى عينيها مرددًا بهمس:
_ إنتي جميلة جمال من نوع خاص أوي ياريم.
لم ترد عليه ولم تقو النظر إليه مثلما هو يفعل، فأكمل همسه:
_ أنا ليه حاسس إنك مصرة تقفلي على نفسك وتحرميها من أبسط حقوقها؟
تنهدت بثقل وألم نفسي انتابها جراء سؤاله وأجابته وهي تنظر أرضًا على وضعها:
_ خلاص، أنا مبقاش ليا حقوق، كل حياتي وهبتها لولادي وشغلي وبس.
اهتز داخله بعنف من إجابتها وردد باستنكار:
_ لا، مش هسمح لك على فكرة.
رفعت رأسها إليه وهتفت باستنكار وهي تنظر داخل عيناه:
_ معلش يعني، على أساس إيه حضرتك تسمح أو ماتسمحش؟
رفع حاجبه لشراهتها في الرد وأجاب بثقة:
_ على أساس كبير أوي ياريم.
واسترسل مباشرة بعيون عاشقة:
_ يمكن عشان بحبك مثلًا، ونفسي تكوني ليا.
لم تتوقع رده، بهتت ملامحها، لم تستطع التفوه أمامه ببنت شفة وقامت مسرعة من أمامه تخرج من الغرفة دون أن تعطيه ردًا، وتركته كالمسحور الهائم الذي صمم داخليًا على أن يجعلها من حده ونصيبه وتكن ختامها مسك. وردد بلسان حاله وهو يسترخي على الأريكة باستمتاع:
_ كيف لروحي أن تهيم عشقًا من همسة من نظرة من ابتسامة أودعتني السلامة؟ كيف لعيني أن تحيا على أمل رؤياكي دون أن يعتريهم ملل أو كلل؟ فقط عبيرك يسبق خطواتك كعلامة. ولكن أهديكي خاطرة من قلبي، وضعيها في قلبك أمانة:
"الروح تسبح في عالم الخيال
تتمني رؤياك، ومن يسكن الروح
كيـــــف للقــــــلب أن ينســـــاه"
#خاطرة_مالك_الجوهري
#بقلمي_فاطيما_يوسف
عادت ريم إلى المنزل وهي طيلة طريقها تفكر وتفكر حتى تعبت من كثرة الفكر والانشغال لما قاله لها ذاك المالك. هي بين نارين تنكوي بهم، نار شعورها الوليد تجاهه والذي تحاربه بعقلها وتشن حربًا عاتية على كبت شعورها، ونار فقيدها وحبيب عمرها وأبنائها. تلوم حالها بشدة على شعورها الوليد، تجلد نفسها بشراهة على تفكيرها الذي ينساق إليه وتود أن تقتلع قلبها من صدرها وترميه في أعماق البحار من شدة تأنيبها لحالها.
دلف أبوها وجدها تضع رأسها بين يديها. أحس بالقلق تجاهها فساقته قدماه إليها بهدوء كي لا يزعجها وجلس بنفس الهدوء وهو يومئ على ظهرها بحنو ويردد:
_ مش صح إنك تحاربي قدر ربنا وقهري نفسك وتجلديها لمجرد إنك عايزة تجلديها على شعورها.
رفعت أنظارها إلى أبيها بتعجب وهي تتساءل داخلها كيف علم شعورها وحربها الداخلي! وسألته بدهشة:
_ بتتكلم عن إيه يابابا؟ مش فاهمة؟
اقترب منها أكثر وأجابها:
_ لو خبيتي شعورك وإحساسك عن الدنيا كلها وحاولتي بقدر الإمكان محدش يحس بيكي، مش هتقدري تعملي كدة مع باباكي اللي فاهمك وحافظك أكتر من نفسك يابنتي.
كادت أن تخرج له ما في صدرها إلا أنهم استمعوا إلى قدوم ضيف. انتبهوا ناحية الباب وإذا بهم يفتحون أفواههم من الصدمة لما رأوه، إذا باعتماد تدلف إليهم بوجه لا يبشر بالخير. طمأن جميل ابنته بنظراته القوية الداعمة لها دائمًا وهو يربت على ظهرها بحنان أب لم يكرره الزمان كثيرًا. دلفت إليهم وهي تنظر إليهم بعداء. رحب جميل بها ونادى على فريدة كي تأتي. وعندما دلفت فريدة إليهم ورأت تلك الاعتماد أدارت وجهها تلقائيًا ومطت شفتيها بامتعاض. ولكن للضيف حق، فرحبت بها الأخرى.
جلسوا جميعًا وتحدثت تلك الشمطاء بحدة:
_ مش عيب اللي بنتك عملته ده ياجميل؟
أجابها بهدوء:
_ وايه العيب لما بنتي تطلب حقها وحق ولادها يا أم زاهر.
رفعت حاجبها وهتفت باستنكار:
_ تطلب حقها بأنها ترفع قواضي على أم جوزها الله يرحمه، واستطردت بتهكم: والله وعرفت تربي ياجميل.
ربع ساعديه حول صدره وأجابها بنفس الهدوء الذي يمتثله:
_ متشكرين يا أم زاهر وتسلمي على كلامك إني عرفت أربي، في دي عندك حق ومغلطيش.
اغتاظت من حديث ذاك اللئيم في وجهة نظرها وأردفت بحماقة:
_ متقلبش كلامي وتفهمه على كيفك، أنا جايالك النهاردة وبقول لك بكل هدوء خلي بنتك تتنازل.
نظر إلى ابنته وأذن لها بالحديث، فهي كانت ملتزمة الصمت تاركة الرد لوالدها احترامًا له. أما هي، نظرت إليها بقوة ورددت بثقة:
_ مش هتنازل يا جدة ولادي اللي مبتسأليش عنهم خالص.
شبكت اعتماد كلتا يديها وتحدثت بحقد وهي تتدعي الهدوء:
_ فلوس ولاد ابني في الحفظ والصون، مش هديهالك تبعزقيها على اللبس بتاعك وشغلك الأهبل.
واسترسلت حقدها اللامتناهي:
_ ولا علشان تروحي تتجوزي وتديها لراجل غريب.
كاد والدها أن يرد بدلاً عنها ولكنه استأذنه أن يعطيها حق الرد فأذن لها. أما هي، مطت شفتيها بمكر وأردفت باستفزاز:
_ وماله ياحماتي، أخد حقي وحق ولادي أعمل بيه اللي على كيفي إن شاء الله حتى أ.لع فيهم شئ ميخصكيش.
هزت رأسها باندهاش وهدرت بها:
_ والله عال يامرات ابني ياللي قلعتي برقع الحيا وبينتي وشك المكشوف وجوزك ميت مكملش سنتين ونص.
اتوجعت داخليًا من اتهاماتها ولكنها عهدت قوية متمردة، ترد الصاع صاعين ولا تسمح بإهانة نفسها أبدًا. فتحدثت وهي تنظر في ساعتها وتدعي الاستعجال:
_ شوفي بقى يا حاجة، أنا مش فاضية ولا عندي وقت للتفاهات اللي انتي تعبة نفسك وجاية تسمعيها لي. قال إيه وأنا اللي خير اللهم اجعله خير افتكرتك جاية تطمني على أحفادك.
واسترسلت بتهكم:
_ ده أنا طلعت هبلة أووي.
أنهت كلماتها وهي تنظر إلى والديها مرددة باستئذان:
_ بعد إذنك يابابا، انت وماما، هطلع آخد شاور عشان ألحق الميتنج بتاعي، ماعندييش وقت.
كانت فريدة تجلس وهي تبتسم نصف ابتسامة على ردود ابنتها وقصفها لجبهة تلك الاعتماد بتلك الجرأة وهتفت داخلها:
_ جدعة يا بت ريم، تربية فريدة بحق.
ثم نظرت إلى اعتماد مرددة بتحذير:
_ شوفي بقى يا اعتماد، بنتي خط أحمر، متجيش ناحيتها نهائي وإلا هعمل إللي متحبيش تشوفيه مني.
_ واللي بنتك بتعملوا ده يصح يافريدة هانم….
جملة اعتراضية نطقت بها تلك الحاقدة وأكملت بنفس الحدة:
_ خلي بنتك تتنازل عن القضية وكفاية فضايح.
هنا تحدث جميل مرددًا برفض قاطع:
_ طول ما أنا عايش على وش الدنيا، هفضل دعم لبنتي وسند بعد ربنا سبحانه وتعالى، ومش هسيبها غير لما حقها يرجع.
قامت من مكانها وهي تحمل حقيبتها وتستعد للمغادرة مرددة بوعيد:
_ تمام، أنا قلت نتفاهم بالتي هي أحسن، وطالما مصرين على المحاكم يبقي تستحملوا بقي اللي هيحصل.
رددت فريدة بتذكير لها:
_ أنتم السابقون ونحن اللاحقون ياعسل.
وتابعت بسخرية:
_ وسيبك بقى من العنتزة الكدابة دي وكلامك اللي لا بيودي ولا يجيب، وكله فشر ياختي.
نظر إليها جميل بتحذير لأنها ضيفة في منزله وخرجت الأخرى تدب في الأرض غضبًا. أما هي، لاحظت نظراته المعترضة وهتفت بدفاع:
_ وليه مستفزة؟ حرقت د.م البت وحرقت د.مي أنا كمان! معرفش إيه كمية الغل اللي فيها دي!
أوقفها جميل عن الحديث مرددًا بتنبيه:
_ خلاص هي مشيت يافريدة، واحنا مكيفينها ومفيش داعي نغتابها وتاخد حسنات على حسنات.
واسترسل بدعاء:
_ يالا الله يسهلها ويسامحها ويكفينا شرها، قومي اطمني على ريم هتلاقيها فاتحة مناحة فوق ومتأثرة بالكلمتين الصعبين إللي حماتها سمت بدنها بيهم.
قامت من مكانها وهي تردد بسخط:
_ وليه بومة جاية تنكد عليها في يوم مهم زي ده، وأهي بلاوي وبتتحدف علينا.
_ فريدة! خلاص بقى مفيش فايدة فيكي! أنا قلت إيه من شوية، اطلعي يالا.
صعدت الأدراج وهي تتمتم في سرها ولم تعير كلمات جميل اهتمام، فهي تكره من يؤذي أبناءها قولًا أو فعلًا.
***
في فيلا راندا المالكي، حيث كانت جالسة تتصفح هاتفها وتتابع وراء ابنتها بعد أن عنفتها بشدة، وأحكمت حصارها عليها ولم تتركها وحدها إلا ساعات النوم فقط. وفجأة استمعت إلى صوت ارتطام شديد. انخلع قلبها وقامت من مكانها وصعدت إلى الطابق العلوي ودلفت إلى غرفة مهاب، وإذا بها تشهق بشدة، حيث كان مهاب مستلقيًا على الأرض ويبدو عليه الإغماء، ومما جعلها تموت رعبًا رؤيتها لأثر تقيؤ بجانب ولدها ومنظره المدمي.
هبطت لمستواه بفزع وحملته إلى أحضانها مرددة بدموع:
_ مهاب فوق ياحبيبي، فوق يابني، متوجعش قلبي عليك، مهاب مهاب….
ظلت تنادي باسمه وتضغط على وجهه وتحركه يمينًا ويسارًا كي يستفيق، ولكنه في عالم آخر. بهت وجهها رعبًا وأمسكت هاتفها تتصل بوالدها ويداها ترتعش هلعًا. ظلت تهاتف والدها ووالدتها وأخيها ولم يأتيها رد من أي منهم. لم تعد تحتمل أكثر من ذلك وقررت أن تهاتف إيهاب.
وفور اتصالها أتاها رده مندهشًا:
_ والله ما مصدق نفسي! راندا المالكي بذات نفسها بتكلمني!
أجابته بصوت متقطع أثر البكاء:
_ الحقني يا إيهاب بسرعة.
انخلع قلبه من نحيبها وردد بفزع:
_ اهدي ياراندا وفهميني في إيه؟
_ ابن.ن.نا يا إيهاب، الح.ق.ه….
كلمات متقطعة خرجت من فاهها بصعوبة. حمل مفاتيحه وهاتف طبيبًا صديقًا له هاتفا:
_ متقلقيش ياراندا، مسافة الطريق وهكون عندك، اهدي لو سمحتي.
وبعد مرور حوالي عشرين دقيقة، كان الطبيب واقفًا في الغرفة معهم يفحص مهاب وعلامات وجهه لا تبشر بالخير. وتقف بجانبه تردد بأنفاس متقطعة أثر البكاء:
_ ماله في إيه؟ في إيه؟ رد عليا.
بملامح منزعجة تمامًا وفورًا أمسك الطبيب هاتفه طالبًا المركز الطبي الخاص به:
_ أيوه يابني ابعتلي عربية إسعاف حالا على العنوان اللي هبعته لك ومتتأخرش.
أمسكته من كتفيه تهزه بهلع وهي تردد:
_ إسعاف! ابني جري له إيه يا إيهاب؟
أجابهم الطبيب بأسى:
_ للأسف يا إيهاب، جت له سكتة دماغية، ودي مش بتيجي غير في حالات معينة وأهمها الإدمان.
واسترسل حديثه بنبرة ملامة:
_ ومن العلامات الزرقا اللي في جسمه والسواد اللي تحت عينيه أحب أقول لكم إن الولد ده مدمن.
اتسع بؤبؤ عينيها وردت باستنكار:
_ مدمن! مش ممكن أبدًا ابني يكون مدمن، مش ممكن!
أكد الطبيب تشخيصه ونظر إليها إيهاب بملامة:
_ مدمن! كنتِ فين وابنك وصل للمرحلة دي ياهانم! بقي دي الأمانة اللي أنا سبتهالك؟
هدرت به بحدة مرددة باستنكار:
_ أنا كنت فين؟ وإنت يابشمهندس كنت فين إنت كمان وانت مبتسألش فيهم غير كل فين وفين ومشغول بعماراتك وجوازتك.
أمسكها من كتفيها يهزها بعنف مرددًا بغضب:
_ هو إنتي لسه ليكي عين تتكلمي كمان بعد اللي ابنك وصله وتجيبي الغلط عليا!
وتابع حدته لها بإبانة:
_ مانا ياما اتحايلت وحاولت بدل المرة عشرة أرجع بيتي وولادي وإنتي اللي مصممة، سنتين وزيادة وأنا بتأسف وبعتذر وبعترف بغلطي وإنتي الكبرياء عماكي لحد ما ولادنا اتدمروا وهما اللي بيدفعوا التمن.
ظلا الاثنان يتجادلون مع بعضهم إلى أن استمعوا إلى سيارة الإسعاف، فتحدث منهيًا الحوار:
_ بلاش كلام في الموضوع ده دلوقتي، ممكن نهدي عشان مش وقته خالص.
أشارت برأسها بموافقة وهي تحتضن كف ولدها بدموع. انتقلت سيارة الإسعاف بمهاب إلى المركز الطبي الخاص بذاك الطبيب. وأثناء سريانهم استمعت راندا إلى رنات هاتفها ووجدته والدها. أجابته وهي تنفطر ألمًا:
_ الحقني يابابا، مهاب تعبان جدًا وواخدينه في الاسعاف ورايحين المركز عند إيهاب.
انتفض جميل من مكانه وهو يحمل مفاتيح سيارته وينادي على فريدة كي تأتي معهم مرددًا يطمئن ابنته:
_ طيب اهدي ياحبيبتي أنا جاي لك أهو أنا وماما، هدي أعصابك وإن شاء الله هيبقي بخير.
بعد مرور ساعتين من دلوف مهاب إلى المركز، خرج إليهم الطبيب ويبدو عليه التعب والإنهاك، وجلس على الكرسي بإهمال. التفوا جميعًا حوله بقلق مرددين في صوت واحد:
_ ها مهاب عامل إيه يابني؟ فاق ولا لسه؟
أجابهم الطبيب بأسى:
_ الولد مدمن من الدرجة الأولى والإدمان سبب له سكتة دماغية زي ما كنت شاكك وحالته حرجة جدًا.
انصدم إيهاب وجميل وفريدة بشدة. أما هي، صارت تلطم على وجهها بهستيرية مما سمعته أذناها وصارت في حالة يرثى لها. ردت فريدة وهي تجلس أمام قدماي إيهاب بهلع:
_ يعني إيه كلامك ده يا دكتور؟ وحالته حرجة إزاي يعني؟
هتف الطبيب بحزن:
_ يعني الولد حاليًا في حالة حرجة يا أمي.
نطق إيهاب بحسرة:
_ ابني ممكن يموت في لحظة وأنا واقف عاجز إني أعمل له حاجة.
قامت من مكانها ورددت بدعاء وهي تلتفت في المكان مرددة ببكاء:
_ يارب تشفيه يارب وترجعه لنا بالسلامة، ربي يشفيك يامهاب ياحبيبي يارب يارب.
أما جميل، نظر إلى كليهما هادرًا بهم بحدة:
_ شفتوا آخر العند عمل فيكم إيه؟ البيت اتخرب والبنت راحت طريق اللي بيروح فيه مبيرجعش إلا وهو مسجون أو ميت بردوا.
نظر إليه إيهاب باستغراب من كلماته وهتف باستفسار:
_ يعني كلامك ده يا عمي بنتي سما مالها؟
_ مش وقته الكلام في الموضوع ده خالص، خليك في المرمي بين الحياة والموت جوة ده….
كلمات قالها جميل بنبرة تحذيرية، وتابع تحذيره وهو ينظر إلى ابنته:
_ اعملي حسابك لو ابنك جري له حاجة، ذنبه في رقبتكم انتوا الاتنين.
انتفضت من مكانها ونطقت بصوت عال وهي تشير إليهم جميعًا:
_ خلاص كلكم جايبين اللوم عليا أنا! هو المجني عليه والمظلوم بقي في وجهة نظركم انتوا جاني وظالم.
واسترسلت بنحيب:
_ والله العظيم ده حرام وميرضيش ربنا، حرام حرام.
قامت فريدة وأخذتها بين أحضانها وهي تردد بملامة لهم:
_ والله العظيم حرام عليكم، سيبوها في حالها بقى مش كفاية اللي هي فيه وكمان بتزيدوه عليها، ممكن نهدي بقى ونقعد ندعي للي مرمي جوة ده ونبطل نلوم على بعض.
التزم الجميع الصمت وبعد ربع ساعة بالتحديد خرج إليهم الدكتور المتابع لحالة مهاب وهو يتبطأ في خطواته وعلامات الحزن بادية على وجهه. ذهبوا إليه جميعهم ووقفوا أمامه متلهفين اطمئنانه إلى أن تحدث إيهاب:
_ في إيه يا دكتور؟ مالك وشك ميبشرش بالخير.
أجابه بأسف:
_ للأسف الشديد يا دكتور، البقاء لله.