تحميل رواية «بين العشق والخداع» PDF
بقلم عائشة الكيلاني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
حطت الأطباق على السفرة. بصتله بابتسامة: - صباح الخير يا حبيبي. آدم قبل راسها بحب: - صباح النور يا حبيبتي. قعد على كرسي السفرة وتناولوا الفطار. خلصوا فطار. جميلة دخلت المطبخ ترتبه. في تغسل الأطباق. آدم وقف على باب المطبخ، بصلها بحب: - بقولك يا جوجو. جميلة وهي مركزة في اللي بتعمله: - نعم يا حبيبي. آدم: - أنا مسافر بالليل عشان الشغل. مانتي عارفة إن كل حاجة تقف من غيري. المدير معتمد عليا في كل حاجة. جميلة قفلت صنبور الماية وبصتله بابتسامة: - ولا يهمك يا حبيبي، أنا مش زعلانة. المهم راحتك. آدم قبل جبي...
رواية بين العشق والخداع الفصل الأول 1 - بقلم عائشة الكيلاني
حطت الأطباق على السفرة.
بصتله بابتسامة:
- صباح الخير يا حبيبي.
آدم قبل راسها بحب:
- صباح النور يا حبيبتي.
قعد على كرسي السفرة وتناولوا الفطار.
خلصوا فطار.
جميلة دخلت المطبخ ترتبه.
في تغسل الأطباق.
آدم وقف على باب المطبخ، بصلها بحب:
- بقولك يا جوجو.
جميلة وهي مركزة في اللي بتعمله:
- نعم يا حبيبي.
آدم:
- أنا مسافر بالليل عشان الشغل. مانتي عارفة إن كل حاجة تقف من غيري. المدير معتمد عليا في كل حاجة.
جميلة قفلت صنبور الماية وبصتله بابتسامة:
- ولا يهمك يا حبيبي، أنا مش زعلانة. المهم راحتك.
آدم قبل جبينها. مسك إيديها. بصلها بابتسامة:
- تعرفي إنك أحلى حاجة في حياتي.
جميلة بابتسامة:
- وأنت تعرف إني بحبك أوي فوق ما تتخيل.
آدم:
- انتي مجنونة من يومك.
جميلة بعدت عنه، ضربته في كتفه:
- تصدق إنك رخم.
آدم:
- وأنتي جميلة جدا.
آدم خرج من المطبخ، راح أوضته غير هدومه وراح على الشغل.
جميلة خلصت المطبخ ونزلت تجيب طلبات البيت، وبعدين بدأت ترتب البيت.
بالليل، آدم ودع جميلة.
قعدة وحاسة بقبضة قلب أو عدم ارتياح.
بعد وقت، في مكان تاني.
أسيل راحت تفتح الباب. كان آدم.
أسيل بفرح:
- بابي.
آدم شالها:
- روح بابي انتي.
آدم قفل الباب.
حنين حضنته بفرح:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
آدم:
- الله يسلمك يا حبيبتي.
بعدت عنه:
- كل دا تأخير؟ لا لو كدا أنا هخليك تستقيل من الشغل دا.
آدم قبل إيديها:
- مفيش حاجة في الدنيا تقدر تبعدني عنك.
أسيل دخلت أوضتها وخرجت وهي معاها كراسة:
- شوفت يا بابي أنا رسمت إيه.
حنين:
- يادي الرسمة اللي محيراكي.
آدم أخد الكراسة من أسيل. بص للرسمة:
- إيه القمر ده؟ انتي اللي رسمتيها لوحدك؟
أسيل بحماس وسعادة طفولية:
- رسمتها كلها لوحدي. حلوة صح؟
آدم:
- تجنن يا حبيبتي. خدي الشوكولاتة واللعبة دي. روحي العبي.
أسيل بصت للعبة بفرح:
- حلوة أوي يا بابا.
آدم:
- عجبتك؟
أسيل:
- تحفة. أنا هروح ألعب بيها عقبال ما ماما تحضر العشا.
أسيل جريت على أوضتها.
آدم قعد على الركنة. حط إيديه على عينيه.
حنين قعدت جنبه:
- مالك يا آدم؟ انت كويس؟
آدم شال إيديه وبصلها بابتسامة وحب:
- أنا كويس يا حبيبتي، بس مضغوط شوية من كتر الشغل.
حنين:
- ولا يهمك يا حبيبي. صحيح أخبار الشغل إيه؟ الشركة ماشية كويس؟
آدم بتوتر وكدب:
- آه آه ماشية كويس جدا.
حنين:
- أكيد مفيش حاجة؟
آدم بضيقة:
- يوه! هو في إيه؟ قولت مفيش حاجة يبقى مفيش حاجة. لازم أعيد وأكرر كلامي. انتي ليه مش بتفهمي من أول مرة؟
حنين بحزن وهدوء:
- لا مفيش حاجة. هقوم أحضر العشا. نورت البيت يا آدم.
حنين قامت تحضر العشاء.
وآدم قعد بيفكر في حياته وهي يعمل إيه معاهم.
تاني يوم في بيت أهل حنين.
الأب:
- أخبار مشروع حبيب القلب إيه؟
حنين بهدوء:
- كويس يا بابا.
الأم:
- مش باين يا حنين.
أسيل بفرح:
- تيته شوفتي بابي جابلي إيه؟
الأم:
- حلو يا حبيبتي. بقولك إيه، خدي التليفون العبي في أوضك.
أسيل أخدت التليفون بتاع جدتها وراحت أوضتها تلعب فيه.
الأب:
- اومال مجاش معاك ليه؟
حنين:
- عنده شغل كتير.
الأم:
- شغل إيه اللي يخليه يغيب بالشهر؟
الأب:
- شغل إيه اللي يخليه يغيب كل دا؟
الأم بصتلها بهدوء وحزن مش عارفة سببه، لكن مش مطمنة.
عدى يومين في بيت جميلة.
جميلة قامت بصدمة:
- إيه؟ انت مين؟ وإيه اللي بتقوله ده؟
حضرتك جوزك عمل حادثة على الطريق. هو في المستشفى دلوقتي. العنوان***.
جميلة قفلت بسرعة. كانت مش قادرة تقف على رجليها من الصدمة.
لكن فاقت من صدمتها. راحت غيرت هدومها وخرجت من الشقة.
قفلت الباب ونزلت جري. ركبت التاكسي وراحت على العنوان.
بعد وقت، في المستشفى.
حنين وصلت المستشفى. اتجهت على الاستقبال بلهفة.
حنين بقلق:
- لو سمحتي، آدم الحسيني فين؟
آدم الحسيني في غرفة العمليات. الدور الرابع.
حنين اتصدمت. دقات قلبها طالعت على السلم وهي بتدور عليه زي المجنونة.
وقفت قدام غرفة العمليات.
بعد شوية، جت جميلة. طبعًا سألت الاستقبال وبعدين طلعت.
جميلة كانت بتبص عليه من الإزاز وبتعيط.
حنين دموعها نزلت بوجع وقهرة. زوجها وأبو بنتها بين الحياة والموت.
من رغم إنها متعرفش عنه حاجات كتير، بس حبته.
جميلة الإنسان الوحيد اللي حبته ومتعرفش غيره.
وأحلى حاجة في حياتها بين الحياة والموت.
مش قادرة تتخيل إنه يموت ويسيبها بعد ما حبته واتعلقت بيه.
بعد وقت، اتفتح الباب وخرج الدكتور.
جميلة بلهفة:
- دكتور طمني. آدم هو كويس؟ فيه حاجة؟ ارجوك طمني.
قالتها بدموع.
الدكتور:
- مين حضراتكم؟
حنين:
- أنا مراته يا دكتور. أنا مرات آدم الحسيني.
جميلة بصتله بصدمة.
و
رواية بين العشق والخداع الفصل الثاني 2 - بقلم عائشة الكيلاني
جميلة بصتلها بصدمة. الوقت وقف في اللحظة دي. الكلام طار من لسانها، عقلها وقف. حست بدوران، كانت هتقع.
حنين مسكتها وقعدتها وقالت بقلق:
- انتي كويسة يا حبيبتي؟
جميلة بصتلها بوش خلي من التعبير، لكن الدموع مغرقة. هزت راسها بنفي وقالت بصوت مرتعش:
- أنا مش كويسة، أنا... أنا...
حنين مكنتش عارفة مالها ولا سبب حالتها. كانت حاسة بقبضة قلب من فترة، لكن كتمت جواها الشعور ده. حضنت جميلة اللي أخيراً لقت نفسها بتعيط في حضن ضرتها.
حنين بصت لفوق بدموع محبوسة وقلب موجوع، متعرفش سبب وجعه. الدكتور بص ليهم باستغراب ومشي. محدش سأل عن حالته.
حنين قعدت وهي مذلول حضنها. بعد وقت، خرجوا آدم من العمليات وحطوه في غرفة عادية. حنين وجميلة مذلولين في مكانهم في انتظاره يفوق.
حنين:
- بقيت كويسة؟
جميلة هزت راسها. حنين قامت نزلت الكافتيريا. بعد وقت، طلعت وكان في إيديها عصير. قعدت جانب جميلة وقالت:
- اشربي العصير وهتكوني أحسن.
جميلة بصتلها بصدمة وشفقة في نفس الوقت. قد إيه جميلة وفعلاً اسم على مسمى. حنين شربت العصير.
حنين حضنت إيديها وقالت بابتسامة:
- قوليلي بقا انتي مين وإيه سبب زعلك؟
جميلة بصتلها بتردد وتوتر وقالت:
- انتي فعلاً مرات... يعني اسم جوزك؟
حنين:
- آدم الحسيني.
جميلة اتنهدت بمرارة:
- بتحبيه؟
حنين بابتسامة:
- طبعاً، مش جوزي وأبو بنتي. آدم ده حب حياتي الحقيقي. ملقتش في حنانه وخوفه عليا. حتى لو زعقلي، عارفة إن من ورا قلبه. أجمل حاجة حصلت في حياتي. حياتي بقت جنة لما آدم بقى فيها.
كملت بابتسامة حب:
- عمري ما هنسى أول مرة شفنا بعض فيها، ولا أول مرة قالي بحبك. رغم إن سنه صغير، إلا إنه أثبت نفسه وعمل حاجة وبقى صاحب شركة. أنا فخورة بيه. تعرفي نفسي أمشي في الشوارع وأقول للدنيا إني مرات الراجل ده وإني بحبه. أنا أسعد واحدة في الدنيا.
جميلة هزت راسها ومسحت دموعها:
- ربنا يخليكم لبعض.
حنين:
- قوليلي بقا انتي بتعيطي ليه؟
جميلة:
- مفيش، اتاثرت بقصتكم.
حنين:
- بطلي رخامة بقا.
جميلة:
- أنا اكتشفت إن النهاردة أكبر مغفلة. الدنيا كلها خدعتني. بس الوقت فات عقبال ما فهمت ده. فات.
قالتها بقهرة ومرارة ممزوجين بدموع. حنين حضنتها.
تاني يوم، كان آدم فاق وحنين مكنتش موجودة في غرفة آدم.
آدم:
- جميلة حبيبتي.
جميلة قطعته بغضب وقهرة:
- اخررررس! انت كداب يا آدم، كداب. متجوز قبلي؟ طب وأنا؟ انت قولت إني أول وآخر واحدة في حياتك.
آدم حاوط وشها بين إيديه وقال بحب:
- أنا مكدبتش. انتي فعلاً أول وآخر ست في حياتي. انتي حبي الحقيقي.
جميلة بدموع:
- لسه بتكدب؟ انت إيه يا أخي؟ إيه؟
قالتها بصرخة. آدم مسح دموعها وهز راسه:
- لا لا يا جميلة، أنا عمري ما ضحكت أو كدبت عليكي. أنا فعلاً بحبك بجنون.
جميلة بسخرية:
- فعلاً؟ لدرجة إنك متجوز ومخلف ومداري عني؟ أنا حامل. بس أوعدك إنك مش هتشوف ابنك. لا لا، هجهضه. لأن مستحيل يبقى أم لعيال خاين زيك. انت عمرك ما حبيبتني.
آدم باندفاع:
- أنا محبتش غيرك. وخبيت موضوع جوازي من حنين لأن مش هممني. حنين مجرد وسيلة. أنا عمري ما حبيتها ولا عمرها كانت مهمة عندي. أنا عمري ما حبيتها ولا هحبها.
جميلة بصدمة وهمس:
- حنين؟
آدم رفع عينيه. كانت حنين واقفة على الباب بتبصله بصدمة ووجع.
آدم بتوتر وارتباك:
- حنين...
حنين الدموع في عينيها قالت بوجع وصوت مرتعش:
- طلقني يا آدم. أنا مش عايزك.
آدم بصلها...
رواية بين العشق والخداع الفصل الثالث 3 - بقلم عائشة الكيلاني
ظل ادم ثابتاً، عينيه متسعتين بصدمة.
حنين بابتسامة:
- صدقني لو كنت قولتلي إنك محبتنيش، صدقني أنا كنت اختفيت من حياتك بدل ما أنت عايش بين اتنين.
...
- أنا نسيت أسألك، أنتِ جاية لمين؟ اتاريِكِ في انتظارِه، ما هو جوزك وحقك، ربنا يهنيكم ببعض ويسعدكم.
دموع جميلة تنزل بضيقة ممزوجة بقهرة. لفت وشها الناحية التانية بتحاول تكون هادية، لأن كلام حنين صعب جداً. في ثانية، حنين كانت اختفت من الغرفة.
جميلة مسحت دموعها، لفت وشها له.
- أنت بتعمل إيه؟
آدم بيشد المحاليل من إيديه بلهفة وغضب من نفسه.
- لازم ألحقها. لازم أفهمهم. لازم تسمعني. دي حنين يا جميلة.
جميلة مسكته.
- مش هسيبك تنام وأنت كدا. أنت مش شايف نفسك. أنت حد مش قادر تقعد. تقول تروح وراها. روق عشان خاطري.
آدم شال إيديها وقام جري برا الأوضة. كان فعلاً مش قادر، لكن تحمل وبقى بيجري وينادي عليها.
آدم:
- حنين استني.. حنين اقفي اسمعيني.
حنين دخلت الأسانسير وضغطت على زر الدور. آدم بص لطيفها واتجه للسلم. وصل الدور الأول. حنين خرجت من الأسانسير وهي في غاية برودها. آدم مسك إيديها.
- حنين اسمعيني.
حنين بهدوء:
- بعد إذنك خليني أمشي، وكفاية أوي لحد كدا اللي بينا دلوقتي. أسيل وبس.
آدم لفها له وقال بنفي:
- لا لا دا مستحيل. حنين أنا آدم. أنتي كدا بتوجعيني. أنا بحبك.
حنين مكنتش قادرة تستحمل أكتر من كدا. قالت باندفاع وصريخ:
- ما تبطلل كدب بقااا أي! لحد دلوقتي وبتكدب؟ استغلتني واتجوزت عليا؟ سمعتك بنفسي وأنت بتقول عليا وسيلة، ودلوقتي بتحبني! ااانت فاكر نفسك إيه؟ حرام عليك يا آدم. حرام عليك.
قالتها وهي بتبصله بكسرة وعتاب. هو بصلها بندم. حررت نفسها منه وخرجت من المستشفى. ركبت العربية واتحركت.
آدم حط إيديه في شعره. بص حواليه، كان كل اللي في المكان بيبصله نظرات هو نفسه مش فاهم معناها. طالع غرفته.
جميلة كانت رايحة جاية في الغرفة بحزن وجنون.
- هو إيه بالظبط؟ مين اللي متجوزاه طالما مش بيحب حنين؟ بيجري وراها ليه؟ وليه يتجوز عليها من أصله؟
آدم جاه.
جميلة:
- آآه عملت إيه؟ كلمتها؟
آدم:
- أنا دفعت حساب المستشفى، هغير وهمشي. لازم أمشي من هنا.
جميلة:
- أيوه يا آدم، بس أنت تعبان. طب خليك، وأنا هروح أعتذر ليها. بس أنت تعبان.
آدم مردش عليها. دخل التواليت غير وخرج. الدكتور دخل.
الدكتور:
- ااانت بتعمل إيه؟ مينفعش تمشي وأنت كدا. أنت لسه تعبان وكمان الجبس.
آدم بهدوء:
- ابقا أتابع مع حضرتك، بس أنا لازم أمشي. الموضوع حياة أو موت. مينفعش أقعد وحياتي بتتخرب، بيتي بيتخرب. لازم ألحقها، لازم تسمعني.
آدم خرج وجميلة بتجري وراه. خرج من المستشفى وركب تاكسي وجميلة جانبه.
أما في فيلا أهل حنين.
الأم بتخبط على الباب بقلق.
- يا بنتي ردي عليا.. طب اتخانقتوا؟ طب الدكتور قالك حاجة؟ هي اللي مخلياكي كدا؟ متوجعيش قلبي وقولي إيه اللي حصل. حنين ردي عليا.
جوا كانت حنين واقفة قدام المرايا بتبص على انعكاسها. بتلعب في شعرها وبتعيط من غير صوت. قلبها بيتمزق وبيصرخ من غير صوت. اتجهت لغرفة الملابس، طلعت جلابية باللون الأسود. وبعدين راحت التواليت. فتحت الماية ووقفت تحتها وبقت بتعيط بانهيار وصوت مكسور. نزلت على الأرض، حطت إيديها على راسها وانهارت.
- كفاااية يا آدم. حرام عليك. أنا معملتش حاجة. ليه بتأذيني؟ ليه دايما عقابتي على حبي ليك؟ الوحيدة اللي وقفت معاك وجانبك، إني وقفت ضد الدنيا عشانك. ليه تكسرني بالشكل دا؟ تتجوز عليا؟ طب ليه؟ إيه اللي ناقصني؟ أنا نسيت نفسي واسم أهلي وكنت بس عايشة ليك خدامة وعاملة على راحتك. آخر ما تم تقولي إنها وسيلة. هههه. حااا. أنا بالنسبة لآدم وسيلة عشان يكون آ دم بيه آ دم باشا. لا برافو هههه.
بقت بتسقف وبتضحك. بعد وقت نزلت على صوت آدم. كانت لابسة جلابية باللون الأسود ورابطة طرحة على راسها. نزلت على السلم بهدوء.
- إيه الصوت دا؟
أسيل كانت هتجري على أبوها. حنين ضربت إيديها على السور بغضب وجنون.
- اااسيل! هو أنا هوى قدامك؟ على أوضك وياكي تطلعي منها... فااهمة.
أسيل بصتلها بحزن وبصت لابوها اللي جميلة ماسكة إيديها. طالعت أوضتها جري.
عدنان أبو حنين جاه، لأن مامت حنين اتصلت بيه. قال:
- إيه دا؟ في إيه؟ وأنت إزاي تيجي وأنت كدا؟
حنين نزلت بهدوء. وقفت قدام آدم بسخرية.
- خير يا عريس، إيه اللي جابك؟ معقول أكون وحشتك؟ ولا عايزني كوبري لصفقة ما؟ هي مش جديدة عليك.
هاندا:
- الزمي حدودك وأدبك وأنتِ بتتكلمي مع جوزك.
حنين بصتلها وقالت بصرخ:
- كفااية بقا! أنا بسبب كلامك انخدعت. اللي قدامكم دا أكبر كداب في العالم. اتجوز عليا؟ سمعت كلامك وبقيت خدامة ليه؟ عشان أبقى زوجة محترمة؟ ما الزوجة لازم تبقى خدامة لجوزها وتأيد إيديها العشرة شمع ليه؟ عشان يشوف غيرها.
بصتله بصرخ:
- ااانت ها! طلقني ومش عايزة من وشك حاجة تمام.
آدم:
- حنين احنين.
حنين حطت إيديها على راسها.
- بسسس! اخررس! أنت مش بتزهق من الكدب؟ وكمان جايبها لحد بيتي؟ ااانت إيه يا أخي! ارحمني! حرام عليكم!
عدنان ضرب آدم كف.
حنين بصتله بوجع.
- ثانية واحدة. ااانت إزاي متجوز عليا وبتتعامل معايا عادي؟ بتعملها إزاي؟ طب أنت بتبقى راجع من عندها إزاي؟ أنا معرفتش أو شكيت.
حنين بدموع:
- بتغير في الفندق عشان معرفش أمسك عليك حاجة. طول الوقت دا بتشتغلني؟ بتضحك عليا يا آدم.
قالتها لما مسكته من هدومه وبقت بتضرب على كتفه.
آدم زقها بغضب.
- بسسس! لحد هنا وخلص. اااه اتجوزت عليكي. عارفة ليه؟ لأنك غبية ساذجة. أنا محبتكيش. وأمك السبب. أمك اللي عملت نفس اللي عملته أمك. اللي أخدت واحد من مراته وعياله. أمك اللي بسببها اتحرمت من أمي. وبعد ما خسرت أبويا اللي وراه وقدامه رميته. اسأليها.
آدم بص لهاندا.
- إيي يا مرات أبويا سابقاً. أنتِ محكتيش لأهلك على ماضيكي وإنكِ خرابت بيوت؟
آدم رفع راسه.
- أنا آدم مراد الحسيني. إيه لسه مش فاكرة الاسم؟ مفكركِش بحاجة صح؟ الفلوس بتنسي بسرعة وبتجمد القلب.
حنين بصتله.
- ااانت لسه بتكدب وبتعلق قرفك على غيرك.
هاندا:
- كلامه صحيح يا حبيبتي.
رواية بين العشق والخداع الفصل الرابع 4 - بقلم عائشة الكيلاني
حنين وقفت مكانها واتصلت بالإسعاف، مع إنها لسه مصدومة ومخضوضة من المنظر ومش طايقاها، بس مهما كان دي روح ولازم تنقذها.
بعد وقت جت الإسعاف، حطوها في السيارة وحنين ركبت معاها.
بعد وقت في المستشفى، كانت حنين قدام غرفة العمليات.
حنين رايحة جاية بحيرة وتفكير:
"أعمل إيه؟ أتصل بيه ولا لأ؟ ممكن يقول إني عملت كده. أنا غبية، المفروض مكنتش جيت. ولا هتصل بيه يجي وأمشي."
حنين فتحت الفون وفكت البلوك اللي كانت عاملاه لآدم واتصلت بيه وهي مذل رايحة جاية:
"رد بقى. الو. آدم أنت فين؟"
آدم:
"فكرتي في كلامي؟ وافقتي تديني فرصة تانية عشان أسيل؟"
حنين اتنهدت بهدوء، غمضت عيونها وفتحتهم:
"جميلة في المستشفى."
آدم قام بفزع ولهفة:
"إيه؟ مستشفى إيه؟ إيه اللي حصل وإيه اللي جمعكم ببعض؟"
حنين اتنهدت وقالت بمرارة وسخرية:
"ابقى اسألها. يا ريت تيجي دلوقتي لأني مش فاضية ولا عايزة أقعد أكتر من كده. عنوان المستشفى.
ياريت متتأخرش."
حنين قفلت السكة في وشه. وقفت قدام غرفة جميلة، حطت إيديها على جبينها بحزن واختناق. دموعها نزلت بوجع، وقالت لنفسها:
"خايفة عليها أوي. أما عمرك ما خفت عليا. ولا بنكدب يا آدم؟ دمرتني عشان حاجة مليش يد فيها. عمري ما هسامحك، ولو حتى عشان بنتي. بنتي اللي ذنبها إنك أبوها. بس هو ملوش ذنب. الذنب ذنبي أنا. أنا اللي حبيته ودخلته حياتي. حبيته لدرجة نسيت نفسي وروحي عشانه. مكنتش عايزة حاجة منه غير إنه يحبني. رسم عليا الحب. طب ليه؟ ليه مصارحنيش من الأول؟ كنت مش هسيبه، كنت هفضل جنبه طالما على حق. ليه دبحني بالقسوة دي؟"
قعدت على الكرسي، كانت حاسة إنها هتموت من التفكير. مكنتش تتخيل إن يفضل حد عليها، مع إن هي اللي وقفت جنبه وساعدته يبقى حاجة. في الآخر تدمرت من أكتر إنسان حبيته.
بعد شو شيه كان آدم جاه بينهج:
"هي كويسة؟ جميلة حصلها إيه؟"
فاقت من سرحانها على صوته، وقالت من غير ما تبصله:
"معرفش حاجة. الدكتور لما يخرج، يبقى يقول حصلها إيه."
حنين قامت لسه هتمشي.
آدم بتردد:
"حنين، بلاش تكوني أنانية عشان بنتك على الأقل."
حنين لفت وشها:
"أنت آخر واحد يقول أعمل إيه ومعملش إيه. بنتي محدش هيخاف عليها أو على مصلحتها غيري. بعد إذنك."
الدكتورة خرجت من الغرفة. آدم وحنين بصوا لها بقلق.
الدكتورة بحزن:
"للأسف فقدنا الطفل."
حنين حست بحزن، صحيح مش بتحب جميلة بس ولا بتكرهها.
آدم وقف مكانه مصدوم وحزين، تقريبًا مش قادر يتكلم.
حنين بصت له بقهرة:
"طب هي كويسة دلوقتي؟"
الدكتورة:
"واضح إنها محاولة قتل لأنها مضروبة بسكين. أنا للأسف هقدم بلاغ لأن اللي حصل ده جريمة. بعد إذنكم."
حنين بصت لطيف الدكتورة وقعدت، وهي مذل مصدومة مش عارفة تحزن على حالها ولا على جميلة اللي برضه ملهاش ذنب.
فاتت ساعات. كانوا نقلوا جميلة غرفة عادية.
فلاش.
الباب خبط. جميلة قامت بسرعة:
"أكيد هي."
اتجهت للباب بأمل وقلق. فتحت الباب:
"انتوا مين؟"
الستات زقوها لجوة، قفلوا الباب. جميلة في وقتها حست إنها في خطر، لكن ملحقتش تصرخ ولا تدي رد فعل، لأن اتنين كتفوها والتالتة وقفت قدامها. حطت لزق على بوقها وفضلت تضرب فيها هي وست رابعة معاهم، وبعدين طعنتها بالسكينة. شالت اللزق من على بوقها. جميلة وقعت على الأرض وغمضت عيونها.
الست:
"يلا بينا قبل ما حد يشوفنا. اوعوا تنسوا حاجة."
فتحوا الباب وخرجوا بسرعة. كانت مغمضة عينيها، لكن كانت سامعة صوتهم وتحركاتهم.
باك.
فتحت عيونها. بصت حواليها. عينيها نزلت دموعها لما اتأكدت إن ده واقع. كان آدم واقف قدامها وحنين قاعدة جنبها.
بصت لهم بوجع:
"ابني راح، صح؟ ساكتين ليه؟ قولوا حاجة."
آدم اتجهت ليها، قعد على السرير قدامها:
"حمد الله على سلامتك."
جميلة بانهيار ودموع:
"سلامة إيه؟ وأنا خسرت ابني. عن إيه سلامة بتتكلم إنت؟"
جميلة بصت لحنين:
"حقك جاه يا حنين."
قالتها بوجع:
"أنا مكنتش أعرف والله، ماكنتش أعرف إني هاخده منك ولا إني دمرت حياتك."
حنين قامت، مسحت دموعها ومسكت إيديها:
"جميلة، مفيش حاجة من دي. أنا مش زعلانة منك ولا جاه في بالي إنك السبب. ده نصيب وكان هيحصل، هيحصل. أنتِ ملكيش ذنب. وكمان البيبي عمره كدا. المهم إنك بخير. بكرة يا حبيبتي ربنا يعوضك بأحسن منه. كله خير صدقيني."
جميلة بدموع وانهيار:
"ضربوني لحد ما راح مني."
حنين حضنتها، وجميلة مذل بتعيط بانهيار. فضلت طول اليوم وروحت في الفيلا.
هاندا مربعة إيديها:
"كنتي فين؟ ومتقوليش شغل علشان كلنا عارفين إنك خرجتي بدري من الشركة."
حنين بهدوء:
"كنت مع جميلة في المستشفى لأن حالتها صعبة."
هاندا اتصدمت، مسكتها من دراعها وقالت بحدة:
"إنتي أكيد اتجننتي؟ إيه اللي يوديكي ليهم؟ إحنا مش خلصنا؟ إنتي مالك بيها؟ خطر ولا مش خطر؟ سيبها تغور في داهية دي."
حنين واقفة مصدومة من كلام أمها وطريقتها معاها. حررت نفسها منها:
"دي بنادمـة على فكرة. ثم إن مشكلتي معاكم مش معاها. إنتي اللي دمرتيني. عيلة بحالها وأنا بدفع الضريبة مع إني معملتش حاجة. بس معلش... هو إنتي ليكي يد في اللي حصل لجميلة؟ ماما الموضوع أرواح ناس وكان ممكن يحصلي اللي حصلها."
هاندا بصدمة وعصبية من اتهام حنين ليها:
"بسسس. اخرسي. بتشكي فيا؟ بتتهمني يا حنين؟ ثم إني أعرف بيتها ولا مكانها منين؟ مستحيل أعمل كده. أنا مشكلتي مع الزفت مش معاها."
حنين:
"ماما."
هاندا بصدق:
"والله العظيم ما أعرف. إنتي بتتكلمي في إيه؟ ولا إيه اللي حصلها أصلاً."
حنين بجنون:
"اومال مين اللي عمل كده؟ البت أجهضت بفعل فاعل. كانت هتموت لولا ستر ربنا. ماما أرجوكي أوعي تكوني بتقولي كده عشان تهديني."
هاندا:
"أنا لو كنت عايزة أعمل حاجة كنت قتلتها قدامه ولا يهمني."
حنين:
"طب وفلوس أبو آدم عملتي بيها إيه؟"
هاندا:
"دخلت مشروع وفشل. ده قبل ما أتـجوز أبوكي."
حنين:
"يا ماما."
هاندا:
"عايزة إيه يا حنين؟"
حنين:
"كان كام المبلغ اللي أخدتيه منه؟"
هاندا:
"مبالغ كبيرة عادي."
حنين بشك:
"طب بعد إذنك هروح أنام."
حنين طلعت أوضتها، أخدت شور ونامت.
بعد أسبوعين جميلة خرجت من المستشفى، وحنين كانت بترعاها وتهتم بيها في بيت آدم.
جميلة:
"كنت عايزة أقولك فكري على الأقل عشان أسيل. ولو مش عايزاني مع آدم، أنا مستعدة أخرج من حياته."
حنين:
"الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة. أنا وآدم بينا أسوار. وبعدين إحنا مبسوطين كده."
جميلة اتنهدت بمرارة:
"بس آدم مش مبسوط."
حنين:
"آدم بيحب كل حاجة تحت رجله وبين إيديه. حتى لو مش بيحبني. ممم. لعبة بالنسبة له. لعبة مش أكتر. يلا أسيبك أنا."
جميلة طبطبت على إيديها وقالت بابتسامة:
"شكراً يا حنين."
حنين بابتسامة:
"مفيش شكر بينا. وأنا معملتش حاجة."
حنين خرجت من البيت. فتحت الباب، كانت هتركب العربية.
آدم قفل الباب ووقف قدامها:
"عايز أتكلم معاكي."
حنين:
"مفيش كلام بينا. ولو على أسيل، تقدر تتصل بـ بابا وتحدد المعاد والمكان اللي تشوفها فيه. حاجة تانية بعد إذنك."
آدم بغضب:
"هو إنتي تقتلي القتيل وتمشي في جنازته؟"
حنين بصدمة من طريقته وعدم فهم:
"إنت اتجننت؟ إزاي تتكلم معايا بالطريقة دي يا زبالة؟"
آدم بغضب واحتقار:
"الزبالة دي اللي تتفق على مراتي تجيب لها ناس عشان تجهضها؟ لا تموتها؟ برافو عليكي. أنا مش مستغرب على فكرة. إنتي تباني ملاك ومحترمة، لكن من جواكي زبالة وشيطانة. وكويس جداً إني طلقتك."
طلع الفون وفتحه، قال بغضب واحتقار:
"إنتي ولا مش إنتي؟ هي وصلت بيكي إنك تقتلي مراتي؟"
حنين بصت له ودموعها بتنزل وهي مصدومة ووووو
رواية بين العشق والخداع الفصل الخامس 5 - بقلم عائشة الكيلاني
حنين بصتله بقهرة وعدم تصديق.
"هو ده اللي حبيته واخترته بين كل الناس؟ ده الشخص اللي بتدعي إنه يكون طول العمر معاها. مين ده؟ ده واحد متعرفوش، كأنه شخص غريب. قدامه ولا يمكن كان كده وهي اللي مش واخدة بالها؟"
بصتله بوجع وقهرة.
"لدرجة دي؟ انت مش عرفني؟ إحنا كنا أغراب عن بعض على كده. انت بتشك فيا أنا؟ أنا يا آدم؟"
"طب أنا هاذيها ليه؟ آه، موجوعة من عملتك وإنك اتجوزت عليا، بس مستحيل أساهم في أذية حد. حتى لو كان عدوي."
قالتها بدموع وحِدة.
"انت واحد أنا معرفوش ومش عايزة أعرفه. أكتر حاجة بتوجعني دلوقتي إني اكتشفتك على حقيقتك متأخر أوي. انت دمرت حياتي ولسه بتأذيني بكلامك. أنا مش طايقة أشوفك ولا أسمع صوتك. أقولك يا آدم؟ آه، أنا اللي عملت كده. عارف ليه؟ عشان تدوق نفس الوجع اللي شفته على إيديك. روح بلغ عني بقى، تمام."
ركبت العربية ورزعت الباب واتحركت.
***
"هتفضل تبصلي كده كتير؟"
"بحب أشوف ضحكتك، يا ريت تضحكي على طول. الزعل مش لايق عليكي. بحبك وعمري ما هسيبك."
***
حنين ضربت إيديها على الطارة بانهيار. وأخيراً سمحت لصوتها إنها تطلع، سمحت لقلبها إنه يصرخ بأعلى صوته. كانت بتفتكر كلامه اللي بالنسبة لها خنجر في قلبها. نظرات الاتهام ليها، وخوفه على جميلة، وحنيته عليها اللي ولا مرة شافته. خايف عليها للأسف. كل حاجة معاها كانت مزيفة، بس عشان يوصل لهدفه.
أما آدم، كان بيبص لطيفها بشرود. فاق من شروده وطالع.
"مالك يا حبيبي؟"
"أكتر إنسانة اتخدعت فيها للأسف كانت حنين. أم بنتي. مثلت دور الإنسانية بجدارة."
"انت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة."
"حنين ساعدتك، وهي نفسها اللي بعتت ناس يضربوكي، وجت عشان تطمن إن خططها نجحت."
"انت بتقول إيه؟ انت مصدق اللي بتقوله؟ مستوعب كلامك؟ مستحيل طبعاً، مستحيل. سامع يا آدم؟"
"سامع ومتأكد مليون في المية. أكيد بتنتقم مني. حبت توجعني فيكي."
"بسسس! ولا كلمة. حنين مستحيل تعمل كده. ولو على إنها جت، فأنا اللي اتصلت بيها وترجيتها تيجي."
"انتي مبقاش فيكي عقل. تتصلي بيها وتترجيها؟ بتاع إيه؟ مين دي أصلاً؟"
"لأنها أم بنتك. لو كنت نسيت تاني حاجة، أنا مش ببني سعادتي على حساب حد. ولو كنت أعرف إنك بالأنانيّة دي، صدقني ما كنتش بصيت في وشك. هي المفروض تاخد روحك، لكن لأنها محترمة سامحتك. أنا لولاها كنت زماني ميتة ومحدش حس. هي وقفت جانبي. لو كان عندي أخت ما كنتش عملت اللي عملته، ولا كانت خافت عليا. حنين ما عملتش كده."
مسكت تليفونها وشافت الصورة ووجهت التليفون في وشه.
"الصورة دي حد ابن حلال بيعزكم انتوا الاتنين. فـ قال للناس دي يقولوا كده إن حنين اللي اتفقت معاهم. وبالنسبة للصوت، الدنيا اتطورت يا باشا، وفيه مين يقدر يقلد الصوت، أو برنامج ذكاء اصطناعي يعملها."
سكتت لحظة، واقفة مكانها. حسّت بخوف وغصة في قلبها من آدم. شك في أم بنته، وأكتر واحدة وقفت جانبه، غدر بيها. وكمان بشك فيها. لأول مرة تحس إنها مش في أمان وهي معاه. وزي ما باع حنين، يقدر يبيعها في ثانية.
آدم قام بغضب وخرج ورزع الباب.
***
"بس أنا بحبه يا آدم."
"حبك برص! انتي ها تعمليهم عليا؟ خلاص قلت اللعبة خلصت. طالما أخدنا منه كل حاجة، يبقى خلصت."
"لااا! اللعبة مخلصتش. أنا بحب عدنان."
"اهد يا آدم مش كده. يا ناريمان اهدوا شوية. وبعدين يا آدم، ما حصلش حاجة لكل ده. هي بتحبه، يبقى إيه المشكلة؟"
"انتوا هتجننوني! ده أبو صاحبتها."
"وانت اللي زقيتني عليه. وحقيقي حبيته. وأهو بالمرة أكسر راس العقربة هاندا اللي بتزعق لنا كل شوية."
آدم مسح على وشه بغضب. ناريمان قامت فتحت الباب وخرجت.
"ممكن تهدّي بقا؟ مفيش حاجة مستاهلة كل ده. البت متغلطش. إحنا مش لعبة في إيدك. اقعد بقا."
"حنين قتلت ابني يا يسر."
"حنين لمرة الألف بتُظلم منك يا آدم. حنين بريئة."
آدم بص لها وسكت.
"في إني حبيتك، حبيتك أوي لدرجة إني مبقتش عارفة نفسي. كنت بقول إن حنين أوفر، لكن لما بقيت بحبك مبقتش عاقلة. ملقتش غير إني بغير عليكي أكتر منها."
"أنا اللي اتفقت مع الستات عشان يجهضوا جميلة. وكده كده حنين مش بتحبها، فـ أكيد ها تأذيها. سا سامحني يا آدم."
"بتقولي إيه؟ انتي عملتي إيه يا يسررر؟"
آدم خنقها. يسر وشها ازرق وبدأت تتخنق. آدم زقها. يسر وقعت على الكنبة وبتكح وهي حاسة باختناق، بتاخد نفسها بالعافية.
"أنا محدش حبك غيري. فيها إيه عشان تتجوزها؟ واحدة ساذجة. أنا بحبك يا آدم."
قامت بصتله بدموع ورجاء.
"بص، أنا راضية أكون زوجة تانية. مش هقولك سيب جميلة، بس أنا غيرت والله غيرت. لم لقيت مهووس بجميلة، عملت كده عشان آخد حقك من حنين. صدقني يا آدم، أنا بحبك."
آدم زقها وخرج بغضب. يسر وقعت على الأرض وبتعيط.
***
"ها تفضلي ساكتة وآخرتها يا حنين؟ مفيش حد يستاهل يا حبيبتي."
"مفيش حاجة يا ماما. كله نصيب."
"سامحيني يا بنتي."
"اللي حصل حصل والحمد لله يا رب على كل حاجة. كله نصيب. هو يستاهل كل خير، وجميلة كمان."
"اومال فين صحابك اللي قرفنا بيهم؟ معقول ميجوش حتى يهونوا عليكي؟"
"أكيد يعني ليهم مشاكلهم. ما هو مش معقول هبسّطوها وييجوا يطبطبوا عليا في مشكلة تافهة زي دي."
"جايز."
هاندا بصت في تليفونها.
"طيب هسيبك أنا."
"رايحة فين يا ماما؟"
"هشوف هنشوف أنا رايحة فين. خدي بالك من نفسك لحد ما أرجع."
هاندا خرجت من أوضة حنين، غيرت هدومها وخرجت من الفيلا. ركبت العربية وماشية بسرعة عالية.
***
"مين اللي جاي دلوقتي؟"
"خليكي. أنا اللي ها أفتح."
عدنان فتح الباب وقف مكانه بارتباك. أما هاندا واقفة مكانها بصدمة. بصتلهم باحتقار ونزلت من البيت.
ناريمان رزعت الباب بغضب. بصتله بخوف وغيرة.
"انت مش ها تسيبني؟ مش ها تسمع كلامها، صح ولا إيه؟"
"لازم. الحق حنين دي. المهم عندي أنا. مش هسيبك يا ناريمان. وعد إني مش هسيبك مهما حصل."
عدنان نزل من البيت.
***
"يا ماما اهدى عشان نفهم."
"اهد اااي؟ أبوكي الكبير المحترم ماشي."
"عندك مش معنى إني ساكت فـ أكون خايف منك. لااا. فوقي فوقي يا هاندا. أنا معملتش حاجة غلط. أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله، ودا شرع الله. ناريمان مراتي. ومرضناش نعلن جوازنا فـ دا عشان خوفنا على حنين ومشاعرها."
"ا ناريمان مين حضرتك؟ بتهزر صح؟"
"ناريمان صاحبتك. البت اللي أكلت معانا عيش وملح، اللي دخلت بيتك، تبقا مرات أبوكي."
"بقااا أكبرك وأعملك حاجة؟ تتجوز عليا؟"
"ههه. لا. عندك فلوسك اللي انتي سرقاها من جوزك الأولاني خسرت. أما دي فلوسي. عملتها بتعبي ومجهودي."
عدنان كان ها يكمل، لكن التليفون رن.
"الو. إيه؟ بتقول إيه؟"
عدنان التليفون وقع من إيده.
"في إيه يا بابا؟"
"خسرت كل حاجة. تعب السنين راح."
عدنان قال كده ووقع على الأرض.
"باباااا!"
رواية بين العشق والخداع الفصل السادس 6 - بقلم عائشة الكيلاني
رواية بين العشق والخداع الفصل السابع 7 - بقلم عائشة الكيلاني
ج٢-٢٧-" معجزة الكاف والنون "
لم تتأثر بنوبة البكاء والنواح التى اجتاحته ما أن أنتهت من قول عبارتها ، والتى أفادت بأن ذلك الرابط بينهما والذى كانت تحمله بأحشاءها لم يعد له وجود ، وعليه ألا يطمح فى أنها ستكون والدة لأطفال يحملون صفاته وأخلاقه الشيطانية ، حتى ركوعه أمامها وأخذه يديها بين كفيه يتوسلها أن تخبره بأنها تمازحه لم يكن ذا فائدة ، إذ نفضت يديه عنها ولا تعلم ذلك الشعور بلذة الانتصار الذى اجتاح حواسها فجأة وهى تراه هكذا ذليلاً ويرى عالمه يعمه الظلام ، كأنه فقد أغلى ما يملك وليست سوى دماء تجمعت فى رحمها ، ولم تكن تظهر لها معالم التكوين إلا مرحلة البداية
فإن كان أذاقها مرارة العيش بجانبه من حرمانها من أسرتها وحريتها وجعلها أسيرة حبه الجنونى والذى لم تجنى منه سوى ذلك الحال الذى وصلت إليه ، فقد حان الوقت ليذق نتاج أفعاله ، ويشعر كيف يكون فقدان أغلى أمنياته مُرًا ، والعجيب أنها لم تشعر بالندم أو أن ضميرها وخزها لفعلتها تلك ، بل على النقيض سرى فى عروقها شعور بنشوة طاغية من أنها تسمع صوت بكاءه ، كما أبكاها هو أياماً ، فكل دقيقة مرت عليها وهى زوجته ، كأنها قضتها ببؤرة من المفاسد المحرمة ، خاصة أنها تتقاسم منزلاً مع رجل لا يحق له الإقتراب منها إذ لم يكن من دينها ولا عقيدتها حقاً ، سوى صفة أطلقها على ذاته من أجل إكسابها الشرعية اللازمة لإقترانه بها
أخذ ديفيد كفيها ثانية يقبلهما قائلاً برجاء وتوسل جنونى :- قولى أنك بتضحكى عليا يا ياسمين ، قولى انك زعلانة منى علشان كده قولتى أنك اجهضتى نفسك وموتى ابننا بس ده محصلش ، قوووووولى
صراخه الذى كاد يشعر بأنه سيتلف أحباله الصوتية ، جعلها ترتعد رغماً عنها وتفكر أنه لن يجد مشقة وهو راكعاً أمامها هكذا بأن يرفع قدميها ويلقى بها من على سور الشرفة ويدق عنقها فى الحال ، ولكن كان عليها أن تظل بجمودها وجحودها ليعلم أن الحياة بينهما مستحيلة ، وأنهما لن تلتقى طرقهما أبداً
إنسكبت دمعة دافئة من عينيها اليمنى وهى تنظر أمامها متحدية كل ما تشعر به فى تلك اللحظة من أنها أولاً وأخيراً أنثى ، تغلبها عاطفتها حتى فى أشد الأوقات الحالكة ، فقالت بنبرة باردة جاحدة كجحود عينيها اليسرى التى لم ترغب فى مؤازرة عينيها اليمنى فى أن تبكى على سجينها :- أنا قولت اللى عندى ومكنش سهل عليا إن اخلص من حتة منى وشيلاها جواها بس ده كان لازم يحصل ، لأن مكنتش هشوف ابنى بيكبر قدام عينى ويبقى زيك ولا إنه يبقى يهودى وتشربوه طباع الغدر والخداع والخيانة بتاعتكم
هب ديفيد واقفاً على قدميه وقبض على كتفيها وهز جسدها بعنف وقسوة وهو يصيح بها :- مكنش هيبقى زيى علشان أنتى اللى كنتى هتربيه ، ومكانش هيبقى يهودى ، لأن أنا دلوقتى مش يهودى أنا مسلم زيك وأعلنت اسلامى قبل ما اتجوزك ، يعنى اتجوزتك وأنا تميم المسلم مش ديفيد اليهودى
إبتسمت ياسمين وقالت بسخرية رغم إنسكاب عبراتها :– مسلم ! وفين أفعالك دى اللى تثبت أنك زى ما بتقول أعلنت إسلامك ها ، بتشرب خمرة ، حابس مراتك فى بيتك غصب عنها ومهدد أهلها أنك ممكن تقتلهم لو حاولوا ياخدونى من هنا ، بتاجر فى السلاح ، بتتعامل مع ناس مفيش فى قلوبها شفقة ولا رحمة وعاملين زى السافحين بيقتلوا ناس أبرياء وملهاش ذنب ، أنت كمان شايل ذنب كل الناس اللى بتموت بسبب السلاح اللى أنت بتاجر فيه ، يعنى ايدك دى كل ما أبصلها كأنها بتنقط دم ، ومش قادرة أشوفك غير شيطان مجرد من كل معانى الرحمة والانسانية
رفعت أحد كفيه وهزته ليعى مدلول حديثها من أن له النصيب الأكبر فى تلك الجرائم والآثام التى ترتكب بواسطة إستخدام تلك الأسلحة ، التى يعمل هو على مد هؤلاء المجرمين بها من أجل تنفيذ مجازرهم البشرية
قبض على كفها حتى شعرت بأنه كاد يسحق أطراف أناملها ، إلا أنها أبت أن تبدى له ضعفها ، فهى لن تخسر أكثر مما خسرته ، ولكنه أرخى يده عنها قليلاً وقال محاولاً ضبط أعصابه :–أنتى ضيعتى الحاجة اللى كنت مستنيها ، قوليلى أعمل فيكى ايه دلوقتى
- طلقنى نطقت بصوتها الخالى من أى شعور ، رغم أن جسدها إجتاحه دفء نتج عن قربها الشديد منه حد الالتصاق ، وكم رغبت فى تلك اللحظة أن تفر من بين يديه لشعورها بالانزعاج من غريزتها كأنثى تريد البكاء لتخفيف من وطأة الضغوط النفسية التي تشعر بها ولكنها لن تجعل من صدره أو كتفه ملجأ لرأسها ولا مبكى لعينيها المتورمتين وفقدتا صفاءهما منذ علمت حقيقة وضعها من أنها صارت زوجة لشاب يعمل زعيماً لمافيا تجارة الأسلحة والأدهى والأمر من ذلك أنه ينتمى لعائلة يهودية الأصل والمنشأ
- دلوقتى عيزانى أطلقك
إستقام واقفاً بعدما كان منحنياً إليها بجزعه العلوى ، حاسداً ذاته من أنه واتته القوة لأن يقف أمامها ، وهو الذى شعر بالعجز والجزع كأنه لن يعود ويسير على قدميه ثانية ، ولم يكن يظن أن شعوره بفقدان شئ لم يكتب له الوجود سوى داخل أحشاءها سيكون ممزقاً لفؤاده هكذا ، كأنه خسر إبناً جاء للعالم وتربى بكنفه ورآه ينمو يوم عن اخر
عقدت ياسمين ذراعيها لعلها توقف إرتجافها الملحوظ ، فأشاحت بوجهها عنه وقالت ببرود مغلق بقوة واهية:
- أيوة يا ريت تطلقنى وتخلينى أمشى من هنا ، علشان أنا وأنت مننفعش لبعض لا أنا هبقى فى يوم ليك ولا أنت هتشوف اليوم اللى تلاقينى أتقبلت زوج ليا ، لأن أنا اتجوز تميم موسى مش ديفيد دانيال وأنا مستحيل أبقى زوجة ليك
داهم الضعف نبرة صوته وهو يقول بعشق خالص :– بس أنا بحبك يا ياسمين ، يعنى معقولة مش شايفة فيا أى حاجة كويسة تخليكى تفكرى أنك ممكن يوم تحبينى ، أنا عندى استعداد أتغير علشانك ، أنا مأعلنتش إسلامى إلا علشان خاطرك أنتى
ضمت ياسمين شفتيها ولكن دمعاتها التى مازالت تذرفها كانت خير دليل على أنها حقاً قد وقعت فى شرك غرامه عندما ظنته شخص أخر ، فقالت بصراحة متناهية محاولة أن تخرج كلماتها واضحة دون ذلك الإرتجاف الذى ألم بصوتها :
– وده أكبر غلط أنت عملته ، يعنى أنت اخدت إسلامك وسيلة علشان توصل ليا ، غير كده إنت مفكرتش تعلن إسلامك علشان خاطر نفسك أو علشان خاطر أنك حابب ده ، لو أنت كنت صارحتنى من الأول من قبل ما نتجوز ، صدقنى كنت هساعدك ، لكن إنك توهمنى وتخدعنى وتخلينى أكتشف حقيقتك تانى يوم جوازنا وكمان حبستنى فى البيت وبتحاول تفرض حبك عليا ، ده إسمه هوس وجنون ، وتفكيرك إن بعمايلك دى هحبك تبقى غلطان ، لأن أكيد مش هحب سجانى اللى سجنى جوا بيته ، وحرمنى من أهلى اللى أنا عارفة ومتأكدة أنهم دلوقتى زعلانين ومقهورين عليا ، وخصوصاً بابا الله أعلم حالته إيه ، يعنى أنت بحبك ده مجنتش عليا أنا بس لاء وعلى أهلى كمان
أرتعبت من حملقته بها بعيناه اللتان أضحتا عاصفتان ، كأن هناك عاصفة لن تبقى ولا تذر ، ستمزقها وتحطمها وربما ستقتلها ، إلا أنها تجلدت فلن يحدث لها أكثر مما حدث ، ولكنها فغرت فاها ما أن سمعته يقول بصوت هادئ لا يمت بصلة لصياحه فى وجهها منذ قليل :
- جهزى شنطتك يلا علشان أرجعك بيت باباكى ، خلاص مش هتقعدى هنا تانى ، مش أنتى عايزة ترجعى لأهلك ، أنا هوديكى ليهم
ظنت أنها إستمعت لصوت يهمس لها بأحلامها ،وليس أنه أمامها حقاّ ويخبرها بنيته فى أن يطلق سراحها ويعيدها لمنزل والدها ، ولم تظن أن همساتها الرقيقة قادرة على تحويل مسار أفكاره ، إلا أنها لم تشأ أن تجادله بأنها لا تصدق حديثه ، وأن تطلب منه أن يعيد على مسامعها ما قاله ، فهرولت لداخل الغرفة وراحت تبحث عن حقيبتها كالمجذوبة وكسجينة جاءها أمر بإطلاق سراحها من ذلك السجن الذى أودعها فيه زوجها ، وما أن عثرت على الحقيبة ، فتحتها وظلت تلملم ثيابها وهى تبتسم من بين دموعها التى أغرقت وجهها كالسيل
دمدمت بهمس حامدة شاكرة :- الحمد لله يارب الحمد لله
وقف ديفيد أمام غرفة الثياب يرمقها بنظرات جوفاء وهى تلملم ثيابها وسعادتها تكاد تصل لعنان السماء من أنها ستتركه وتترك المنزل ، بل أنه سمع عباراتها الهامسة بالحمد والشكر لله على أنها ستتخلص منه وتعود لمنزل والديها ، بل أن سعادتها الطاغية جعلتها لا تنتبه على ما تفعل ، إذ بدأت بتبديل ثيابها المنزلية بثوب ملائم للخروج ، فبدت متلهفة لأن تنتهى ولم تنتبه على تلك النظرات التى أغدقها بها ديفيد ، كونه لم يراها هكذا إلا ليلة واحدة ومن وقتها وهى ترتدى ثياب محتشمة بل لا تخلع حجابها عن رأسها إذا كان موجوداً معها بالغرفة
- معقولة أنتى فرحانة للدرجة دى أنك هتسبينى وتمشى
قالها وهو يقترب بخطواته منها ووقف خلفها إذ كانت توليه ظهرها ، وما أن إستدارت حتى إصطدمت به ولكنه لم يمهلها الوقت الكافى بأن تفر من بين يديه ، إذ إنقض عليها يعانقها بجوع ونهم وحسرة وحزناً على أيامه القادمة الخاوية من وجودها ، فإن كتب له فراقها فليحاول أخذ ذكرى منها قبل ذهابها
أرتبكت ما أن فاجأها بعناقه الشرس ، وكلما حاولت صده ومنعه ، تزداد شراسته حتى كادت تشعر بأنه على وشك تحطيم وتفتيت عظامها ، و ما أن إستطاعت أن تنحى وجهها عنه قليلاً هتفت به برجاء :- أرجوك كفاية كده وأبعد عنى ، متخلنيش أكره نفسى أكتر من كده
بدا كأنه أصم وأبكم ولم يأخذ بتوسلاتها ورجاءها ، وعاد لعناقها كأنه يريد زهق أنفاسها ، فإن كان سيكتب له الموت ، فلتمت معه ، لاشئ يحركه بتلك اللحظة سوى حقد أسود على نقطة الضعف لديه ، وماهى إلا نقطة ضعفه التى لن يبرأ منها ، عشق مجنون كتب عليه أن يتذوق حلاوته ليلة ويتجرع مرارته أياماً
فصل العناق بينهما قائلاً بجنون :- ليه مش عايزة تحبينى زى ما بحبك ، ليه مش قادرة تشوفينى بصورة أحسن من اللى فى دماغك ، حتى الحاجة الحلوة اللى كانت هتربطنا ببعض ضيعتيها للدرجة دى بتكرهينى
عاد يقتص منها بالطريقة التى يراها مناسبة ، كونها تشعر بالمقت والإشمئزاز كلما وضع يده عليها ، فليجعلها تشعر بالسوء ، رغم أن الأمر لن يتطرق إلا لعناق مؤذى سيضع به غضبه العارم
دفعته فى صدره لعله يبتعد قبل أن يقضى على أنفاسها ، فصرخت فى وجهه :- أيوة بكرهك بكرهك يا ديفيد ، علشان إنت خليتنى أحب تميم شوفت أخرت كدبك إيه خلتنى أحب شخصية وهمية ملهاش وجود
أخذ وجهها بين كفيه قائلاً بتوسل :- أنا تميم يا ياسمين أنا اللى حبتيه ، أنسى خالص ديفيد ده ، أنا راضى أنك تحبينى وأنا تميم بس خليكى معايا ومتبعديش عنى
نفضت يديه عن وجهها وأرتدت بخطواتها للخلف قائلة بنبرة حادة متحشرجة :- خليك قد كلمتك وسيبنى أرجع بيت بابا ، أعمل حاجة كويسة تخلينى أحترمك شوية ، متزودش كرهى ليك يا ديفيد
عنيدة ويابسة الرأس وصعبة المراس ، ولا وصف أخر يصف حالتها بتلك اللحظة التى تمسكت فيها بقوله من أنه سيتركها تعود لمنزل أبيها ، وما أن يأس من إقناعها بحبه أو أن تتخلى عن إزدراءها له ، أخذها هو ليعيدها إلى أسرتها ، فلو كان قادراً على إخبار حياء بحقيقة زواجه منها لعلها تساعده فى تحسين أوضاعه مع زوجته، لم يكن سيتردد فى فعل ذلك ، إلا أن شقيقته لن تكون رحيمة به هى الأخرى ، إذ لن تكف عن تأنيبه لفعله ذلك دون علمها ، وهو لم يعد لديه متسع من الصبر ليسمع تأنيباً أو تقريعاً من أحد ، بيد أن حياء سافرت مع زوجها لأداء العمرة ، فهو من أخطأ منذ البداية وعليه تحمل نتائج أخطاءه
رغم شعورها بالحرية بعدما خرجت السيارة من ذلك البيت العتيق والذى لم يثير بها سوى الضيق والإنقباض ، إلا أنها ظلت جالسة بهدوء تنظر أمامها كأنها شاردة ولا ترى شيئاً ، وما أن وصلت سيارة زوجها إلى ذلك الحى الذى يقع به منزل والدها ، تتابعت أنفاسها كأنها تستنشق أولى نسمات فجر حريتها بعد ليل آسرها الطويل
صف ديفيد السيارة أمام المنزل ، وقبل أن تترجل منها قبض على ذراعها قائلاً بصدق ونبرة مبهمة :
- هتوحشينى يا ياسمين هتوحشينى أوى خلى بالك من نفسك
رغم شعور السعادة المتغلغل فى أوردتها بتلك اللحظة التى رآت نفسها على بعد خطوات من أن ترى والديها وشقيقها ، إلا أنها لا تعلم سر ذلك الشعور المخيف من أنها لن تراه ثانية ، وكأن عبارته جاءتها وداعاً وموذناً برحيله الدائم عن عالمها ، وقبل أن تفه بكلمة ترك ذراعها وأشار لها بالخروج من السيارة ، كأنها طائر صغير وتم فتح قفصه الذهبى ليطير بعيداً عن مالكه
خرجت ياسمين من السيارة وأخذت حقيبتها ووجدته ينطلق بعد ذلك مخلفاً سحابة ترابية حجبت رؤيتها له وهو يغادر ، ولا تعلم لما تسمرت قدميها مكانها ولم تحاول تحريكها لتلج إلى المنزل ، فيأست من فهم ما اعتراها ، أو لما فعل ذلك وهى من ظنت أنها ما أن تخبره بشأن أنها تخلصت من جنينها ، سيفعل المستحيل ليتأكد من إذا كانت صادقة أم كاذبة ، ولكنه حقاً فاجأها بتقبله الأمر ولم يفعل أكثر من صياحه فى وجهها ومن ثم سكن غضبه وأعادها لمنزل أبيها
ولجت للداخل وضغطت زر الجرس ، ففتحت والدتها الباب وصاحت بسعادة كأنها لا تصدق عيناها بأنها تراها أمامها :- ياسمين بنتى حبيبتى ونور عيني
طوقتها والدتها بذراعيها كأنها لن تتركها أبداً ، فإحتضنتها ياسمين وظلت تبكى على كتف والدتها وهما واقفتان أمام الباب ، فقالت ياسمين بغصة :- ماما أنتوا وحشتنونى أوى ، وكنت محتجالكم
ربتت والدتها على ظهرها ، لعلها تكف عن البكاء ، فجذبتها للداخل وأغلقت الباب بعدما جرت حقيبتها إلى منتصف الصالة ، نظرت ياسمين حولها ومن ثم سألت والدتها بإهتمام :- هو بابا فين يا ماما ؟ هو فى المسجد ؟
نظرت والدتها تلقائياً إلى باب غرفة نومهما ، فزوجها منذ ماحدث لها وهو راقداً فى فراشه ولا يغادره ، فأطرقت برأسها أرضاً وتساقطت عبراتها وهى تجيبها :
- أبوكى جوا فى الأوضة من ساعة اللى حصلك وهو راقد عيان فى سريره
ركضت ياسمين إلى غرفة أبيها ، وما أن فتحت الباب وجدته مستلقياً على فراشه لا حول له ولا قوة ، فأرتمت على صدره وأجهشت بالبكاء قائلة بأنين :
- بابا يا حبيبى مالك ألف سلامة عليك
لم يصدق والدها أنه عاد وسمع صوتها ثانية ، فتهلل وجهه وكأنه برأ من وهنه ومرضه بلمح البصر وضمها إليه قائلاً بلهفة :- ياسمين أنتى رجعتى يا حبيبتى ، يا حبيبة أبوكى اللى كان هيموت بحسرته عليكى يا نور عيونى
تابعتهما والدتها وهى واقفة أمام باب الغرفة ، فكل منهما مطوقاً الأخر بذراعيه ويبكيان بصوت مسموع ، فزوجها والذى فشل الطبيب فى أن يجعله يبرأ من مرضه الذى لم يصيبه فى المقام الأول إلا بعد شعوره الساحق بالذنب تجاهها من أنه هو من قام بتزويجها من هذا الشاب وكان يظن أنه بذلك سيجعلها بمأمن ومنأى عن دمار وخراب كان من المحتمل أن يلاحقها ، ولكن عوضاً عن أن يأمن لها حياة هادئة ألقاها بين براثن شاب أقل ما يقال عنه أنه أحد أعوان إبليس
إسترد عافيته فجأة وراح يسألها عن أحوالها وما حدث لها بالأيام الماضية :– قوليلى عمل فيكى ايه ؟ وإيه اللى حصلك منه يا حبيبتى
حاولت ياسمين إجابته قدر إمكانها بهدوء :– معملش حاجة يا بابا ، بالرغم من أنه كان حبسنى فى البيت إلا أنه متعرضليش بأذى ، فدلوقتى إرتاح ونتكلم بعدين لأن أنا كمان محتاجة أرتاح
لم ترد أن تشق عليه بكثرة الحديث ، فطمأنته أنها عادت ولا حاجة له أن يشعر بالقلق وليأخذ قسط من الراحة على أن تنال منها حاجتها هى الأخرى ، كونها لم تذق للنوم طعماً بصورة منتظمة إلا أوقات متفرقة ، فما أن خرجت من غرفة والدها ورفضت أن تعد لها والدتها الطعام وأخبرتها أنها ستخلد للنوم ، ولجت إلى غرفتها القديمة وجالت ببصرها فى أركانها كافة كأنها تحاول أن تستمد طاقتها وهدوءها المفقودين منذ ما حدث
– ياترى الأيام الجاية هتبقى عاملة إزاى
قالت عبارتها ومن ثم جلست على الفراش تحاول أن تعيد ترتيب أفكارها ، فإن كانت نجحت فى أن تترك منزله ، فكيف لها تنسى تلك الأمانة المتروكة لديها ، والتى حاولت هى إيهامه بأنها لم يعد لها وجود ، وضعت يدها على بطنها وهى تتحسسها برفق ، فحتماً سيأتى اليوم وتنكشف به كذبتها ، وفى الأشهر القادمة سيبدأ بطنها فى الانتفاخ وتظهر علامات ودلائل الحمل عليها واضحة كوضوح الشمس ، ولكن ما جعلها تشعر بالرعب ليس رد فعل والديها من أنها حامل بطفل ربما سيصبح بلا أب وهوية محددة ، ولكن ما جعل الخوف ينخر بقلبها ، أن يعلم ديفيد بأنها مازالت حاملاً فى طفله ويأتى الوقت وينتزعه منها جزاءًا لإقدامها على إفتعال تلك الكذبة التى اخبرته بها بل وأنطلت عليه بكل سهولة ولم تجد مشقة فى أن يصدقها بأنها أجهضت جنينها ، فحتى وإن كانت المعيشة مستحيلة بينهما ، فما تحمله بأحشاءها ليس مذنباً حتى تقدم على قتله دون شفقة أو رحمة ❈-❈-❈لم يكن أدم أبله حتى لا ينتبه لإزدياد ذلك التغير الجذرى الذى طرأ على صديقه عماد ، إذ لم يعد يلح عليه فى أمر عودتهما لفرنسا ، أو أنه يتأفف من مكوثه معظم يومه داخل المنزل ولا يجد ما يفعله و يجعله يشعر بالحماس لأن يظل مقيم داخل قصر النعمانى ، وربما قضاءه وقتاً أطول بين أروقة مجموعة الشركات المملوكة لعائلته لم يجعله فى البداية يضع تركيزه فى التفكير بتلك الحالة من الإنسجام والراحة التى نشأت بين عماد وساندرا ، إذ أضحى يقضى يومه معها فى حديقة القصر يتحدثان ويتسامران أو يلهو مع طفلها ، الذى بدأ خطواته الأولى فى السير على قدميه ، كأنه أصبح والداً مهتماً بأحواله الصحية والجسدية ، بل أنه يعمل الآن على جعله يسير أسرع من تلك الخطوات البطيئة التى كان معتاد عليها ، ولم يستطع أدم نكران ذلك الشعور بالسعادة من أجل صديقه ، خاصة أنه بعد أن توفت حبيبته قبل زواجهما لم يفكر بشأن الحب والإرتباط ثانية ، بل ظل أعواماً رافضاً أن يجعل أنثى أخرى تسكن قلبه بعد تلك الراحلة والتى كان مغرماً بها منذ نعومة أظافرها ، ولكن يبدو أن ساندرا أفلحت فى أن تجعله يعود ويغرم من جديد
أثار أمر إعتناء عماد بالصغير حب المشاكسة لدى أدم ، إذ اقترب منهما وعماد يأرجح الصغير بين ذراعيه ، فقال بلطافة :- دا أنت هتبقى أب هايل عماد ، شكله حبك أوى ومش هو بس هو و...
رفع أدم رأسه ونظر لساندرا التى تراقبهم من شرفة غرفتها ، فتتبع عماد إتجاه عينىّ صديقه وما أن وصل لمرمى شرفتها ، وضع الصغير أرضاً ووكز أدم فى كتفه قائلاً:- بطل رخامة يا أدم علشان عارفك
داعب أدم وجنة الصغير ومن ثم نظر لصديقه قائلاً بصدق :- صدقنى أنا مش برخم عماد بالعكس مبسوط أنك بعد السنين دى كلها رجعت تحب تانى
أجفل عماد من قول أدم كونه لم ينتبه أن الحب بات ظاهراً على محياه إلى هذا الحد ، فإبتلع لعابه وقال بتلعثم :- حـ حـب إيه أنت كمان شكلك خرفت ، ولا رجعت تانى تعمل شغل المفتشين والمحققين بتاعك ده
رفع أدم حاجبه قائلاً بدهاء :- خرفت ! أنت بقيت مفضوح يا ابنى فاضل بس تكتب على وشك بحبك يا ساندرا
قبل أن يعلو صوته بعبارته الأخيرة ، كمم عماد فم أدم بيده ونهره قائلاً بغيظ :- بس إسكت بصوتك ده هتعملى فضيحة دا أنت صاحب سوء صحيح
أزاح أدم يد صديقه عن فمه ، وحرك حاجبيه كأن بات لديه دليلاً قوياً يستطع به أن يجعله يفعل ما يريده منه دون نقاش ، فحمحم يجلى صوته قائلاً بجدية زائفة :
- خلاص هسكت بس عايز أخرج أشترى هدوم ، هتيجى معايا ولا هتقعد هنا يا بابا عماد
- كاتك بو يا أخى
دمدم عماد بغيظ ، لعلمه أن تلك إحدى حيل أدم لمضايقته ، وإن لم يسايره ،ربما لن يكف عن تلميحاته التى تحمل فى باطنها الحق ولكن هو من يحاول إنكارها ، خشية أن لا تكون المشاعر متبادلة بينه وبينها وأقصى ما تشعر به نحوه هو الإمتنان ليس أكثر
حمل الصغير ورمق أدم قائلاً بإستياء :- هطلع أوديه لمامته وأغير هدومى وجايلك يا صاحب السوء
ذهب عماد للداخل بينما قرر أدم أن يتجول فى الحديقة لحين عودة صديقه ، فرآى أسفل تلك الكرمة الموجودة بأقصى أطراف الحديقة الشاسعة والده يجلس هو وزوجته الجميلة ، ولكن ليس هذا الذى جعله يقف على مسافة منهما دون أن يشعران بوجوده ، بل ما يفعله أباه لتدليل زوجته ، كإطعامها قطع الفاكهة الموجودة بالطبق الذى يحمله بين يده ، ومن حين لأخر يلح عليها فى أن تأخذ قطعة أخرى إذا أبدت إكتفاءها وأنها ليست فى حاجة للمزيد
أبعدت غزل يد عاصم عن فمها قائلة برفق :- كفاية بقى أرجوك والله ما بقيت قادرة أكل حاجة تانية يا عاصم
وضع قطعة الفاكهة مكانها فى الطبق ومن ثم وضعه جانباً وهو يقول بتبرم مصطنع :- كده مش هينفع ، أنتى مش بتاكلى كويس ومجوعة ابنى معاكى
رفعت غزل حاجبها وقالت بتسلية :- قول كده بقى أنت مهتم بيا وبأكلى علشان خاطر ابنك مش علشان خاطرى
أسند جبينه لجبينها قائلاً بحب :- هو أنا لسه شوفت إبنى ، أنا إن كنت مستنيه بفارغ الصبر ده علشان هو حتة منك أنتى يا غزل يا حب العمر كله
ما أن شعر أدم بأن الأمر ربما سيتطرق بينهما لما هو أكثر من الحديث ، أبتعد على الفور ، وهو يفكر فى طباع أفراد تلك العائلة ، الذين يبدوا عليهم أنهم عرفوا الحب والحنين فى أقصى درجاته ، فها هو والده مغرم بزوجته ، وراسل وحياء مغرمان ببعضهما البعض ، حتى ميس مدلهة بحب زوجها ، وعمته سوزانا والتى توفى عنها زوجها منذ سنوات طوال مازالت حافظة الود والذكريات التى جمعتهما سوياً ولم ترغب فى أن تكون لأحد غيره بعدما رحل عنها
وقف أدم قريباً من المسبح وتساءل فى قرارة نفسه:- معقولة هييجى يوم وأحب حد بالشكل ده زي كل الناس دى ؟
أنتفض جسده ما أن شعر بيد عماد تربت على كتفه ، إذ لم ينتبه على قدومه ، فزفر قائلاً وهو يمسح وجهه بكفيه :- رعبتنى عماد ، مش تتكلم بدل ما أنت عامل زى الشبح كده
رفع عماد حاجبه قائلاً بلطافة :- وأنت من أمتى بتتخض وبتترعب يا أدم ، كنت بتفكر فى ايه كده وجيت قطعت عليك حبل افكارك
دفعه أدم ليتقدمه فى السير قائلاً بنفاذ صبر:- يلا بينا ، أحسن ما أفضل أرزل عليك وكل اللى فى البيت يعرفوا حكايتك يا مغرم ساندرا
قبض عماد على عنق أدم وإلتفت حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعهما قائلاً بوعيد :- أنت عارف لو فتحت بوقك بكلمة هحكى على كل ماضيك القذر يا قذر فاهم وتبقى واحدة بواحدة
لم يستطعان الاستمرار فى جديتهما ووعيدهما المزيف ، إذ راحا يضحكان بصوت عالى ، كأن كل منهما لديه الأدلة التى تدين الآخر بالوقوع فى شرك الغرام ، ورغم أن أدم معروف بميله الشديد لبنات حواء ، إلا أن هناك بعض الحوادث اللطيفة التى مرت بحياته ولا يعلم أحد بها سوى عماد
خرجا من البيت بسيارة أدم حتى وصلا لأحد المتاجر الكبرى لبيع الثياب ، وظلا يتجولان لإنتقاء ما يلائم مزاج أدم المتقلب أحياناً فى إختيار ثيابه
رفع عماد أحد القمصان قائلاً بإعجاب :- القميص ده شكله ولونه جميل أوى ، خد وأدخل شوف مقاسه كويس ولا لاء
أخذ أدم القميص بفتور لا يعلم سببه ، وولج للمكان المخصص لقياس الثياب ، وما أن وضع القميص على جسده ، وهم بإغلاق أزراره ، وجد أحد يقتحم المكان المتواجد به ويغلق الباب خلفه ، وما أن إستدار إليه وجد فتاة تلتقط أنفاسها بسرعة واضعة يدها على صدرها تزفر ببطئ لعلها تعيد تنظيم نبضات قلبها التى يبدو أنها تقفز هلعاً
رفت جفونه عدة مرات ، منتظراً أن تفتح عينيها وتدلى بأسباب إقتحامها للمكان هكذا ، وما أن فتحت عيناها صرخت برعب وهى تقول بهلع :
- أنت مين وبتعمل ايه هنا
وضع أدم يداه بجيبى بنطاله وأجابها بإبتسامة :- المفروض أنا اللى أسألك أنتى مين ودخلتى ليه هنا
أرهفت سمعها بعد أن سمعت صوت خطوات أقدام تقترب ، فوضعت يدها قريباً من فمه دون محاولة منها فى أن تلمسه وقالت بصوت منخفض :
- هشش إسكت خالص ومطلعش صوت فاهم
رغم أن بإستطاعته إزاحة يدها القريبة من فمه ، إلا أنه حرك رأسه بالايجاب ومازالت عيناه تلوح بهما أثر إبتسامته التى تكاد تخفيها بكفها الناعم ، وما أن تيقنت من أن أصوات الأقدام باتت قريبة من المكان ، تدفق عرقها غزيراً ، ولم تجد حلاً سوى أن تختبئ خلفه ، لعله قادراً على أن يخفيها بجسده الضخم
فرمقته بنظرة وديعة ورجاء وقالت بصوت هامس:- أرجوك خبينى ، ومتخليش الناس اللى برا دى تاخدنى
نظر أدم حوله ومن ثم رد قائلاً وهو يشير للمكان الضيق :- أخبيكى فين دى بروفة للهدوم ، اخبيكى جوا جيب القميص يعنى
لم يكن الوقت حليفها لتجيبه على ما قاله ، فما أن رآت الباب يفتح ، وقفت خلفه وسحبت الستار الموجود بجانب المرأة وهى تدعو أن لا ينكشف أمرها ، فوجد أدم نفسه وجهها لوجه مع رجل ضخم الجثة يسأله بصوت خشن :
- مشوفتش بنت جت هنا هى لابسة فستان لونه أصفر ومحجبة
حرك أدم رأسه بعنف دلالة على نفيه لرؤيته فتاة بتلك المواصفات التى قالها الرجل ، فإبتلع لعابه وقال بهدوء قدر الإمكان:- لاء مشوفتش حد ، وعيب كده تدخل على حد من غير إستئذان
يبدو أن الرجل ليس لديه الوقت ليتلقى منه محاضرة فى السلوك والتهذيب ، إذ رحل يبحث عن الفتاة فى المتجر وما أن يأس من إيجادها خرج ويبدو أنه يتوعدها أشد الوعيد
جذب أدم الستار ، ونظر إليها قائلاً وهو يشير لها بالخروج :- هو مشى أخرجى بقى
تنفست الفتاة براحة وقالت بإمتنان :- شكراً لحضرتك أنت بجد أنقذتنى
لم يستطع أدم منع نفسه من سؤالها عن سبب بحث ذلك الرجل عنها ، أو لما هى تحاول الاختباء منه :- مين الراجل ده ؟ وعايز منك إيه ؟ وليه أنتى بتهربى منه ؟ وأنتى مين وإسمك ايه
عدت الفتاة على أصابع يدها ، فهزت رأسها ونظرت إليه قائلة بإستياء طفيف :- كل الأسئلة دى مرة واحدة ، هو حضرتك بتشتغل فى النيابة ، على العموم أنا متشكرة لحضرتك سلام بقى
خرجت من مكانها وهى تعدو مسرعة ، كأنها تريد الفرار ، فلمحها عماد الذى يبدو أنه كان يتجول فى المتجر ، ولم ينتبه على ما حدث مع صديقه
وجد أدم يخرج هو الاخر ، فأقترب منه قائلاً بتبرم :- كنت بتعمل ايه أنت والبنت دى فى البروفة سوا ، هو وصل بيك الحال لكده
ضحك أدم لسوء ظن صديقه به ، فأجابه وعيناه عالقة بباب المتجر الكبير :- أنت غلطان عماد مفيش حاجة من اللى فى دماغك دى
رفع عماد شفته العليا قائلاً بسخرية:- لا ياراجل ، طب هى كانت معاك بتعمل ايه بتاخد مقاساتك ، عيب دا أنا عاجنك وخبزك
رد أدم قائلاً بشرود :- صدقنى محصلش حاجة ، دى كانت عيزانى اساعدها تستخبى من واحد كان بيدور عليها ومعرفش ايه السبب ، على العموم يلا بينا ادفع تمن الهدوم علشان نروح
بعدما أنتهيا من دفع ثمن الثياب ، خرجا من المتجر وهم يتندران ويتفكهان حول ماحدث بالداخل ، ورغم أن أدم قابل الأمر بمزاح ، إلا أنه لا يعلم ذلك الشك الذى ساوره حول تلك الفتاة ، من أنها ربما تواجه مأزق كبير وبحاجة إلى المساعدة ، ولكن كيف سيعثر عليها وهو لا يملك ما يستطيع به أن يستدل على مكانها ، حتى أنها رفضت البوح بإسمها ، ولكن لا يعلم سر ذلك الشعور الذى داهمه من أنه سيراها مرة أخرى ، فكيف سيتم ذلك ؟ هو حقاً لا يعلم ، ولكن شعور نبع بداخله من أن تلك الفتاة ستكون بمثابة مغامرة مثيرة ، ربما تستطيع كسر الملل والفتور ، اللذان حفلت بهما أيامه فى الآونة الأخيرة بعد توقفه عن الغناء وصار يتبع خطى والده فى عالم الأعمال ، فأثناء قيادته للسيارة صارت عيناه تلتفت تلقائياً كأنه سيجدها تسير على أحد الأرصفة ، أو أنها تبتاع شيئاً من المتاجر المزدحمة بالزبائن
فمن تكون ؟
هل هى لصة أو سارقة ولذلك كانت تريد الاختباء ، أم أنها أرتكبت حماقة أوقعتها فى مأزق وحاولت الهرب من ذلك الرجل الذى كان يبحث عنها
يبدو أنه شرد بأفكاره ولولا تحذير صديقه له بأن ينتبه وينظر أمامه ، لصار الأمر كارثى خاصة وهما كانا على وشك الاصطدام بإحدى الحافلات العامة ، فتوقف أدم عن قيادة السيارة وظل يلتقط أنفاسه يلعن ذاته على الانسياق خلف أوهام ربما نبعت من محاولته إيجاد شئ يكسر به حاجز الملل الذى أستولى على نفسه التواقة دائماً لأن تحيا وسط صخب وضجيج الآلات الموسيقية وهتاف الجماهير ، ومغامراته مع الحسناوات ، والتى لم يكتب لواحدة منهن النجاة من تلك الفخاخ التى ينصبها لطرائده سوى حياء والتى منذ إكتشافه أنها زوجة عمه وتحذير عماد وأباه له بأن حتى إعجابه بها لن يصح ، وما علمه أيضاً عن تعلق وحب راسل الشديد لها ، صار لم يعد يفكر مطلقاً فى أن يعترض طريقها أو أن يثير غضب وجنون زوجها❈-❈-❈دام إجتماع والد هند مع محاميه الخاص فى غرفة مكتبه وقتاً أكثر من اللازم ، حتى كادت تشعر زوجته بالقلق من انقضاء ساعتين بأكملهما ولم ينتهيان بعد ، فما الذى يتناقشان به جعله يتأخر هكذا عن تناول طعام العشاء معها ، فرغم إنشغاله الدائم بأعباءه السياسية وإدارة أعماله التجارية ، إلا أنه لم يتأخر يوماً عن تناول طعامه برفقتها طوال تلك السنوات التى مضت عليهما وهما زوجين ، لذلك كان من الأدعى أن تشعر بالقلق تخشى أن يكون هناك أمرًا يخفيه عنها ، كذلك الأمر الذى حدث منذ أكثر من عامين و جعله يدعى بأنه مريضاً ولم تعلم الحقيقة إلا بعدما تأكد من حصول إبنتهما على زوجها كرم وأنهما سيظلان متزوجان ولن ينفصلان
ظلت جالسة مكانها وعيناها ترصد باب غرفة المكتب فى إنتظار خروجهما ، ولكن لم يحدث شئ من هذا القبيل ، وما كادت تهم بالذهاب إليهما ، حتى سمعت إحدى الخادمات تناديها لتخبرها بأنها ستذهب بالطعام لهند وكرم فى غرفتهما ، رغم أن كرم أحياناً يتناول الطعام معها هى وزوجها ولكن فى الأغلب لا يترك هند تأكل بمفردها ، فبعد إطمئنانها لوضع الأطباق الشهية التى تحب إبنتها تناولها دائماً منذ أن كانت صغيرة ، أمرت الخادمة بحمل الطعام والذهاب به للسيدة الصغيرة وزوجها
وما أن خرجت من المطبخ لمحت خروج المحامى من باب المنزل ، فهرولت تجاه غرفة مكتب زوجها وولجت إليه وأغلقت الباب خلفها ، فوقفت بجوار المكتب الخشبى الجالس خلفه وتساءلت بإهتمام :- هو أنت كنت قاعد مع المحامى بتاعك الوقت ده كله ليه ؟
خلع نظارته ورتب الأوراق الموضوعة أمامه ، ومن ثم رمقها باسماً:- مفيش حاجة متقلقيش بس كنا بنتكلم فى حاجات خاصة بالشغل
لم يكن جوابه كافياً ليجعلها قنوعة بأن إجتماعه الطويل مع محاميه أثمر عن نقاش بعض الأعمال ، فرفعت الأوراق الموضوعة أمامه ، وجالت بعينيها فيها وما أن رآت ما تحمله من صفة عقود بيع وشراء للأملاك ، ضيقت عينيها ونظرت إليه لعله يفسر سبب وجود تلك الأوراق:
- عقود البيع والشرا ده لمين ؟
أخذ منها الأوراق وترك مقعده وأجابها بصدق:- دى عقود بيع وشرا ليكى أنتى وهند وكرم بأملاكى كلها أنا اتنازلت ليكم عنها بالكامل
إجابته على سؤالها لم تحمل لها إلا وساوس تمنت أن تكون خاطئة ، فلا أحد يقدم على فعل ذلك إلا إذا كان الأمر خطيراً ، فحملقت فى وجهه وتساءلت بخوف حقيقى:- وليه عملت كده ؟ أنت مخبى عليا حاجة ؟
فطن لظنونها فضحك فجأة لكونها تظن أنه ربما يعانى مرضاً خطيراً سيودى بحياته فى القريب العاجل ، فأجابها بعدما قبض على كتفيها بحنان. :
- متخافيش أنا لا عيان ولا حاسس إن هموت قريب علشان كده بوزع ثروتى عليكم ، ده إجراء قانونى مش أكتر ، وبالنسبة للوقت اللى اتأخرناه، فده بسبب إن أشتريت مدرسة خاصة وكمان كرم هو اللى هيديرها بما إنه مدرس
ضمت شفتيها بتفكير لعلمها أنه من المؤكد أن إبن شقيقتها سيرفض الأمر ، فزفرت قائلة بقلة حيلة:
- بس ممكن كرم ميوافقش على كده ، ده إبن أختى وأنا عرفاه عامل زى أمه اللى يرحمها كانت نفسها عزيزة أوى ومكنتش بترضى تخلينى أساعدها فى حاجة أبداً وكانت دايماً اللى على لسانها الحمد لله إحنا مستورين وعايشين كويسين وجوزى مش مخلينى عايزة حاجة ، وربت كرم على كده ، وتصدق بالرغم من أنه دايما يرفض كل حاجة مننا وعايز هو اللى يصرف على مراته ، إلا أن من جوايا مبسوطة إن بنتى اتجوزت راجل بجد
إبتسم زوجها على ما قالته وأشادت وأثنت به على أخلاق زوج إبنتهما وهذا ما يجعله يمرر له أحياناً تصلبه وتعنته فى رفض كل ما يرغب فى تقديمه لابنته من أجل مستقبل أفضل لها ، إلا أن تلك المرة أصر على أن كرم لابد له من أن يستمع إليه ، فبعد بضعة أشهر سيصير أباً وحتماً سيريد تقديم الأفضل لطفله ولزوجته
أخذ نفساً عميقاً ومن ثم قال بروية :- أنا كمان معجب جدا بكرم ورجولته وأخلاقه ، بس اظن لازم بقى يبدأ يفكر كويس وخصوصاً إنه خلاص هيبقى أب ، وأنا مش عايز منه أكتر من أن بنتى وولادها يعيشوا كويسين وفى مستوى مادى محترم ، ثم الفلوس اللي عندى دى كلها ماهى فى الاخر هتبقى لهند ، فيتمتعوا بيها من دلوقتى
ربتت زوجته على ذراعه باسمة :- والله لو قدرت تقنع جوز بنتك بالكلام ده خير وبركة ، حسيت انه مش موافق بلاش تضغط عليه ، لأن مصدقت أشوف بنتى بتحب جوزها واتغيرت زى ما كنت بتمنى ، ماشى
صمتت لبرهة ومن ثم سألته بإهتمام :– أنت مقولتليش عملت إيه مع الشغالة بعد اللى عرفناه عنها من كرم ومشيت من البيت
جلس على مقعده خلف المكتب ورد قائلاً بهدوء :– أديتها قرشين تفتح بيهم مشروع ، علشان تبقى تقدر تصرف على نفسها وعلى طفلها اللى جاى فى السكة وسفرتها على بلدهم ، علشان مش عايزين مشاكل ودوشة ، وكمان أنا عندى بنت وحامل ، فمكنتش أقدر أاذيها
زفرت براحة وقالت بإطمئنان :– طب الحمد لله أنك عملت كده ، ربنا يسترها معانا دايما ، أنا هروح اناديلك كرم وزى ما قولتلك بلاش تضغط عليه
حرك رأسه موافقاً على ما اقترحته ، ورغم وضعه احتمالات لرفض كرم لما سيعرضه عليه ، إلا أنه يأمل تلك المرة أن يكون أقل تصلباً فى رأيه ، فطلب منها أن ترسل إليه إحدى الخادمات ببعض المشروبات المرطبة لشعوره المفاجئ بالعطش
وما كادت تمر بضع دقائق حتى وجد كرم يطرق باب الغرفة ، فأذن له بالدخول ، ولج غرفة مكتب والد زوجته وهو يفكر فى سبب إستدعاءه له ، وما أن جلس حيث أشار له ، نظر إليه متسائلاً بإهتمام :
- خير يا عمى حضرتك كنت عايزنى ليه ؟
إبتسم له والد زوجته كتشجيع له أن النقاش الذى سيدور بينهما سيكون ودياً ولا حاجة له أن يشعر بالقلق ، فقال وهو يمد يده له بعدة أوراق قائلاً بهدوء :- ده ورق مدرسة خاصة أنا اشترتها يا كرم ، وكنت عايزك أنت تديرها
قبل أن يفتح كرم فمه معترضاً ، إستأنف والد زوجته حديثه :- ثوانى بس قبل ما ترفض ، أنا عايزك تفكر كويس ،أنت دلوقتى هتبقى أب وعندك أسرة وأكيد عايز توفر لهم الأحسن فى كل حاجة ، وصدقنى يا ابنى أنا مش بقولك كده لاسمح الله علشان حاجة أو إن أنا مثلاً مش عاجبنى المستوى اللى أنت عايش فيه ، لا أبدا أنا بس أب عايز يشوف بنته واحفاده فى أحسن حال وطالما ربنا موسعها علينا وده فى الآخر برضه هيبقى ليها ، فليه متخليهاش تعيش مرتاحة من دلوقتى ، أنت أكيد بتحب هند وعايزها دايما تعيش فى أحسن مستوى ، علشان كده فكر كويس قبل ما تقول لاء أو تقول أه
أخذ كرم الأوراق من يد والد زوجته وهو يفكر فى كل كلمة قالها ويقصد بها فى المقام الأول الحرص على تدليل إبنته وضمان رغد العيش لها ، فنهض قائلاً بإبتسامة هادئة:- هفكر يا عمى عن إذنك
خرج من غرفة المكتب وصعد الدرج حتى وصل غرفة زوجته ، فولج للداخل وجدها مستلقية على الفراش ، ويبدو أنها تشعر بالنعاس ، وعندما أمعن النظر فى وجهها ، ووجدها مسترخية ويبدو عليها سيمات الراحة النفسية والجسدية ، وأنها بحق لم تخلق إلا لتحيا فى ترف وثراء ، فعاد ونظر للأوراق فى يده وتقاذفته رغبته بين أن يقبل عرض والد زوجته السخى وبين أن يرفض حفاظاً على ألا ينظر إليه أحد بأنه الرجل الذي إستغل ثراء ونفوذ والد زوجته من أجل ضمان مستوى معيشى مترف
تحركت هند فى نومها وفتحت عينيها فجأة وجدت زوجها يقف قريباً من الفراش وينظر لتلك الأوراق التى بين يديه ، فإعتدلت فى جلستها وسألته بجدية :
- مالك يا حبيبى واقف ليه كده وورق ايه اللى معاك ده
جلس كرم قبالتها على الفراش واجابها بصوت هادئ :- دا ورق مدرسة باباكى إشتراها وعايزنى أنا أديرها
دققت هند النظر في وجهه وسألته بحذر لعلمها بمدى شعوره بالانزعاج إذا تطرق الأمر لمساعدة والدها لهما :- وأنت قررت إيه ؟
زفر كرم قائلاً بحيرة :- تصدقى مش عارف أقرر ، مكدبش عليكى إن عايز اخليكى عايشة مرتاحة ومبسوطة ، بس بس ....
لم تدعه يكمل حديثه ، لعلمها بما يشعر به من شعوره المتغاير بين رفضه وقبوله ، فقبضت على كفيه بين راحتيها الناعمتين وإبتسمت فى وجهه وهى تقول بحب وصدق :- أنا حاسة بالحيرة اللى أنت فيها يا حبيبى وصدقنى حتى لو أنت رفضت أنا مش هزعل أو اضايق ، أنا المهم عندى أنت وبس ومش عايزة حاجة تانية
أدناها منه وضمها إليه ، وأسند وجهه لرأسها ولكنه لم يفكر فى أمر عناقها ، إذ أنه بتلك اللحظة لم يكن يريد سوى أن يشعر بها قريبة منه ويستشعر صدق أقوالها وحديثها ، فحرصها على أن تظهر له مدى حبها الخالى من أى شائبة ، جعله تلك المرة يفكر جدياً فى قبول عرض أبيها ليس لشئ سوى أنه يريدها حقاً أن تظل مدللة ويحرص هو على أن يهبها كل ما تصبو إليه من حب وعشق
زفر أنفاسه بتتابع لعله يتخلص مما اعتراه من حيرة ، فأبعدها عنه قليلاً وإبتسم فى وجهها وهو يعيد ترتيب خصيلات شعرها ، ومن ثم قال وهو يسند جبينه لجبينها:
- صدقينى يا هند أنا لو أطول اجبلك نجوم السما مش هتأخر ، لأن أنتى لازم دايما تعيشى أميرة زى ما كنتى طول عمرك
حقاً هو يرى أنها خُلقت للحب والدلال ، حتى وإن كان من أجلها سيعمل على تقديم بعض التنازلات ، وليحاول التأقلم على وضعه الجديد ، فوجدها تضع رأسها على كتفه بعدما طوقت عنقه وهى تقول بنبرة صوتها المفعمة بمشاعر يصعب وصفها :
- أنا لو هعيش أميرة ، فده علشان أنت أميرى الوسيم ، اللى جه وانقذنى من اللى كنت فيه ، وخليتنى أشوف الدنيا بنظرة تانية عن أن حياتى كلها هى الفسح والسفر والشوبينج ، عرفتى يعنى ايه أكون زوجة وحبيبة ، يعنى إيه معنى إن قلبى ده يدق علشانك ، إن يعنى إيه اللهفة فى أن أشوف صورتى فى عينيك وأنت بتقولى بحبك ، وإن أقعد اعد الدقايق وأنت غايب عنى لحد ما ترجعلى وإن الحاجة البسيطة اللى بتشتريهالى وأنت راجع البيت حتى لو كانت شيكولاتة أغلى عندى من أى حاجة تانية أو إن حد غيرك يجبهالى ، علشان كده أنا عايزة اقولك يا كرم أن أنت أغلى وأعز حبيب حتى لو أنا وأنت هنعيش فى أى مكان وأى مستوى
تركها تتحدث على سجيتها وتخبره بمدى عشقها ولهفتها بأن تظل تحيا معه حتى وإن كان قوتهما سيكون القليل من الخبز والكثير من العشق ، ارادها أن تبوح بكل ما تشعر به ، حتى يأتى دوره هو الآخر فى إظهار نواياه بأنه لن يترك درب ولا سبيل لإسعادها إلا وسيسلكه ، فإن كانت هى تعشقه إلى تلك الدرجة من العشق والهوس ، فلما لا يكون جاداً فى منحها كافة الامتيازات التي ستجعلها تهنئ بمعيشتها من أن تحيا هانئة مطمئنة ويوفر لها كافة سبل الراحة ، لذلك فأمر قبوله لما عرضه عليه أباها صار أمراً حتمياً من أجلها هى فقط ، فيكفى ما يراه من إعتناء تحظى به مما كان له الأثر الحسن عليها
فلا أحد يستطيع نكران أهمية المال فى تذليل بعض مصاعب الحياة ، فما أن ألقى نظرة خاطفة لتلك الأوراق الموضوعة بجوارهما على الفراش ، أخبرها بأنه سيوافق على عرض أبيها وربما سيبدأ فصل جديد فى حياتهما سوياً ، ولكن تعاهد كل منهما أن لا يجعل أى تغير سيطرأ على معيشتهما يجعلهما ينسيان أن حبهما وعشقهما له الأولوية فى تيسير زورق أحلامهما ، فالمال وحده لن يكون كافياً ليجعلها تشعر بالسعادة والطمأنينة ولكن عليه أن يرفق معه دفقات العشق والغرام الذى يغرقها بلجة عميقة من المشاعر والعواطف ، وأن يحافظ على أن يجعل شغفهما بأوج مراحله ، وإلا عندها ستكون الحياة بينهما رتيبة ممللة ، إذا أنغمس فى عمله وتكدست اعباءه التى ستجعله ينسى أن لديه زوجة بحاجة إلى الحب والرعاية والاهتمام أكثر من المال الذى سيجنيه ، فأعطاها كرم وعده بأن عشقهما لن تخمد نيرانه طالما مازال على قيد غرامها ❈-❈-❈أنتهى طوافها حول البيت الحرام ، ولكنها لم تفكر فى العودة إلى الفندق المقيمة به هى وزوجها ، إذ لم يكن بنيتها ترك تلك الروحانيات التى تعم الأجواء خالقة هدوء تعجز النفس المشتاقة لزيارة بيت الله الحرام عن وصفه ، ودون أن تدرى وجدت نفسها تبكى بكاءًا شديدًا ، جعل زوجها ينتبه عليها ، بل المعتمرين راحوا ينظرون إليها بغرابة وهى تشهق ببكاءها كأن أحدهم ربما تسبب فى إيذاءها أثناء الطواف وهو غير منتبه، ولكن هى جاءت باكية مترجية محملة بأمنيات تعلم أن الخالق سبحانه وتعالى لن يعجز عن تحقيقها بين طرفة عين وإنتباهتها
فثقتها الدائمة من أن قدرة الله تفوق العقل والعلم وكل ما يمكن أن يفترضه بنى البشر من حدوث شئ أو إستحالته ، جعلها تبتهل بدعاءها ، بل لا تمل من طلب أمنيتها وتكرار رجاءها لله بأن يمن عليها بها ، حتى لو إستلزمها الأمر أن تظل الباقى من عمرها تدعو الله بأن يرزقها الذرية الصالحة ،فعم السكون والهدوء بداخلها ما أن أنتهت من دعاءها الخافت الذى جاءت دمعاتها السخية دلالة على مدى لهفتها بأن يحقق الله لها دعاءها ومطلبها ، فبين الكاف والنون تتجلى عظمة الخالق بأن يقول للشئ كن فيكون ، وخزائنه ملئ ومن يدعو بصدق ويتمنى ويفرط فى دعاءه وأحلامه وأمنياته ربما يجيب دعوته فى الحال أو يرجأها إلى وقت يراه مناسباً لأن يغدق على عباده من فيض رحماته
نادها راسل بصوت منخفض :- حياء يلا بينا نرجع الفندق علشان ترتاحى شوية وكمان تاكلى
حركت حياء رأسها بالرفض القاطع لعودتها إلى الفندق ، فنظرت إليه قائلة برجاء :- خلينا هنا شوية عايزة أفضل قاعدة فى الحرم ، وأنا مش جعانة دلوقتى ، الصراحة من ساعة ما جيت لا حاسة بجوع ولا عطش عايزة أفضل قاعدة هنا وبس
أشار لمكان يقيها حرارة الشمس الحارقة ، فهتف بها بإبتسامة مشرقة :- طب تعالى نقعد فى المكان اللى هناك ده علشان الشمس والحر وخليكى قاعدة براحتك
إستمعت لنصيحته ، فرغم أنها لم تريد ترك مكانها من جوار الكعبة ، إلا أن حرارة الجو وأشعة الشمس الساطعة ربما سيتسببان لها فى حالة من الإعياء ، فوجدت مكان حيث جلس بعض المعتمرين ، فجلست هى وراسل على مقربة منهما ، ولم تنتبه إلا بعدما وجدت طفل صغير ربما لم يتخطى عمره العامين يجلس على ساقيها ، بل أنه تمدد كأنه فى حاجة إلى النوم
نظرت حياء فى وجه الطفل ومن ثم رفعت وجهها لزوجها وهى تبتسم على ما فعله الصغير ، ولكن وجدت إمرأة من الجمع القريب من مجلسهما تقترب منهما قائلة بإبتسامة وإعتذار :- أنا أسفة جدا ، هو سابنى وجرى وبينام على رجل أى حد يقابله
مدت يدها لتأخذه ، فرمقتها حياء باسمة :- لاء أرجوكى سبيه ، دا عسول خالص ربنا يباركلك فيه يارب
ناشدت حياء والدة الطفل أن تتركه غافياً على ساقيها ، فعادت المرأة لمكانها ويبدو أنها برفقة زوجها وأسرتها ، بينما ظلت حياء تمسد على شعره وتداعب وجنته الملساء وتنظر لزوجها من حين لأخر وهى تبتسم
قالت بتمنى وهى تحدق فى وجه الصغير :- ربنا يرزقنا بيبى حلو كده زيه يا راسل
ربت راسل على يدها قائلاً بلطف :- إن شاء الله يا حبيبتى ، ربنا كريم وهيرزقنا باللى بنتمناه
ظلت تهدهد الصغير حتى أخذ غفوته القصيرة وإستيقظ باحثاً عن والدته ، كأنه جاء إليها من أجل زيارة سريعة وحان وقت عودته ، فقبلته قبل أن تأخذه والدته وتنصرف ، بل رفعت يدها وظلت تلوح له حتى أختفى بين الحشود
قفزت على قدميها تشعر بطاقة إيجابية وحماس ونظرت لزوجها قائلة وهى تشير إليه بالنهوض :- يلا بينا بقى نرجع الفندق ، علشان حسيت بالجوع فجأة وكمان حاسة إن مبسوطة كده من غير سبب
نهض راسل من مكانه وإستقام بوقفته قائلاً بحب:- إن شاء الله تكونى مبسوطة وفرحانة على طول يا حبيبتى يلا بينا
أخذها وعاد للفندق ، فوجدت نفسها فى اليوم التالى تبحث عن ذلك الطفل الذى جلس على ساقيها ، كأنها تريد رؤيته مرة أخرى قبل رحيلها ، فأيامهما بالأراضى المقدسة أوشكت على الإنتهاء وسيعودان إلى إلاسكندرية ، ولكن لم يحالفها الحظ برؤيته مرة أخرى
عادا إلى المنزل محملان بالأمل والتفاؤل والهدوء النفسي ، وأيضاً بالكثير من الهدايا التى قاما بشراءها من أجل أفراد العائلة ، وكان النصيب الأكبر من تلك الهدايا من نصيب سجود وطفل ساندرا ، التى إبتهجت بما ابتاعته حياء من أجل طفلها ، حتى لم تنسى أن تشترى لها ثوباً كهدية ، ففرحت ساندرا كثيراً بهديتها وشكرتها وعيناها محملة برجاء أن تغفر لها إذا كانت أثقلت كاهلهما بوجودها هى وطفلها
أخذت غزل أحد الأثواب الصغيرة ووضعته على بطنها المنتفخ قائلة بإبتسامة عذبة :- شكراً يا حياء ده هدوم البيبى شكلها جميل أوى عقبال ما نشترى للبيبى بتاعكم
ردت حياء باسمة :- إن شاء الله ، وتقومى بالسلامة يا غزل بإذن الله
لم يستطيع راسل أن يحيد بعيناه عن وجهها الذى ملأه بريق أخاذ يكاد يذهب عقله وهى توزع إبتساماتها اللطيفة على كل الجالسين ، فكلما وقعت عينيه عليها ، لا يعلم سر تلك الرجفة التى تصيب قلبه مانعة إياه من أن يلتقط أنفاسه بصورة منتظمة ، ويخشى أن يرى الحاضرين علامات الشوق التى كادت عينيه تفضحه بأنه يختزن منها الكثير
- راسل مالك سرحت فى إيه ؟
سألته بإهتمام ورمقته بعفوية فوجدته يحملق بها باسماً :– لاء ما سرحتش ولا حاجة أنا معاكم أهو
كأن إبتسامته تضمر لها نوايا لا يعلمها أحد غيره ، فضيقت ما بين حاجبيها وإبتسمت بخجل وسرعان ما أشاحت بعينيها عنه
خرج من تأمله لمرآها الفاتن على صوت والده وهو يقول بدهاء :- مالك يا دكتور ، أنت مرهق من السفر
حمحم راسل ليجلى صوته ، واجاب والده بهدوءه المعتاد:- ايوة مرهق شوية وخصوصاً إن منمتش من إمبارح فعن إذنكم بقى علشان عايز أستريح
نظر لزوجته وترك مقعده وخرج من غرفة المعيشة ، وما أن وضع قدميه على الدرج وجدها تأتى خلفه تسأله بإهتمام وجدية :- مالك يا حبيبى كده زى ما يكون فى حاجة حصلت
إبتسم لها وأدنى برأسه منها هامساً :- مفيش حاجة يا روحى ، بس بجد مرهق شوية من السفر ، فتعالى نيمينى
قهقهت حياء ووضعت يدها على فمها بعد سماعه يكاد يستجديها أن تجعله يذهب للفراش كطفل صغير ، لعلمها بأن تلك ماهى إلا حجة واهية لأن يجعلها قريبة منه ، حتى وإن كان نائماً
- ماشى يا حبيبى
قالتها وهى تضع يدها بيده الممدودة لها ، فقبض عليها بقوة كأنه يخشى فرارها ، وما أن صعدا الدرج ووصلا لغرفتهما وأغلقت حياء الباب خلفها ، وجدته يرتمى على الفراش مغمغماً بكسل وشعور عارم بالراحة :
- ياااه حاسس إن عايز أنام سنة كاملة
مكثت بجواره على الفراش ونادته بصوتها الرقيق :- راسل
أجابها مغمغماً وهو مغلق العينين ويده اليمنى تزحف على الفراش لتصل إليها :- نعم يا روح راسل
- هو أنت ليه مش أديت باباك الهدية اللى أنت اشتريتهاله
سألته حياء فجأة ، ففتح راسل عيناه على الفور ، فمن أين علمت بشأن تلك الهدية التى إبتاعها من أجل والده ؟
إعتدل بجلسته وسألها بحيرة :- وأنتى عرفتى منين إن أنا اشتريت له هدية ؟
إبتسمت حياء وهى تضم ذراعيها ، فردت قائلة وهى تغمزه بإحدى عينيها :- عيب دا أنا حياء ، أنا عرفت إنك اشتريت ليه خاتم فضة وطلبت كمان أن يتنقش عليه إسمه
وضع يده خلف عنقها وجذبها إليه ممازحاً:- هو أنا متجوز المفتش كرومبو
ضحكت حياء على مزحته ومن ثم قالت بجدية :- بجد ليه بقى مش اديته الخاتم أكيد كان هيفرح أنه هدية منك ، صدقنى باباك بيحبك جدا يا راسل
زفر من أنفه ومن ثم قال وهو يغمض عينيه بيأس :- مش عارف يا حياء ، كل ما أحس أن عايز أقرب منه أبعد تانى ، بالرغم من أن الأمور بينا قبل ما سافر كانت إلى حد ما كويسة ، بس لما رجعت وابتديت اعمل عمايلى دى علشان الكل ييأس منى قبل ما اسافر تانى ، رجعنا زى الأول وخصوصاً أنه كان بيدافع عنك بإستماتة ، لدرجة إنه سمع كلامك وجاب المأذون علشان نطلق ، مع أن هو عمره ما سمع كلمة لحد ، دا هو اللى دايما يقول والكل يسمعله
نظرت حياء ليديها المضمومتين وقالت وهى تشعر بصدق تلك المحبة من والد زوجها لها وكأنها أضحت حقاً إبنته :- صدقنى باباك حنين جداً ، والسنتين اللى أنت غبت عني فيهم لولا وقفته هو معايا كان ممكن يحصلى حاجة بسبب حالتى النفسية وقتها ، وعلمنى ازاى اتغلب على حزنى واقف على رجلى وأبقى قوية ، بجد أنا مديونة ليه لأنه ساعدنى
مدت يدها وشدت على معصمه لعله ينتبه لنصيحتها :- وعلشان كده لازم تحسن تعاملك معاه أو بمعنى أصح مع أهلك كلهم ، حاول تسامح وتنسى ، زى أنا ما سامحت وبحاول أنسى ، ماشى يا حبيبى
أماء برأسه موافقاً وجذبها إليه ، فوضعت رأسها على صدره بعدما إستلقى على الفراش ،و فى البداية حاولت أن تنهى حيرته من التفكير بشأن ما طلبته منه ، وأن يحسم أمره بإتخاذ الغفران مسلكاً للخروج من تلك المتاهة التى ضاع بين دروبها الوعرة حتى لم يعد يرى سبيل للخروج ، وما كاد الأمر يتطرق بينهما لوصال المحبين حتى سمعا طرق على باب الغرفة
تركها راسل ليرى من الطارق ،وما أن فتح الباب وجد ساندرا تقف أمامه تنظر فى هاتفها بتمعن وما أن أنتبهت على وجوده ، قالت دون أى مقدمات كأنها فى عجلة من أمرها :- راسل لازم أخد إبنى وأسافر من إسكندرية بسرعة ❈-❈-❈يتبع...!!!!!
رواية بين العشق والخداع الفصل الثامن 8 - بقلم عائشة الكيلاني
ج٢–٢٨– " عائد بلا طرائد''
تعجب راسل من قولها ومطلبها الذى جاءه فجأة دون تمهيد مسبق منها بأنها على وشك مغادرة البلاد ، لعلمه بأنه منذ إصطحابه لها هى وطفلها لهنا وهى شعرت ببعض الراحة والأمان من أن يأتى اليوم وينفذ والد زوجها تهديده و يأخذ حفيده ولن يعود بإمكانها أن تراه ثانية ، لذلك ما أن عرض عليها أمر ادعاءه بأنها زوجته وأن تأتى معه إلى وطنه وهى قبلت بالأمر على الفور ولم تستطع الرفض كون أنه هو من كان يعيلها هى وطفلها بل ويساهم بدفع الأموال للمحامى الخاص بها ، بل أنها ظنت فى وقتها أن خروجها من كندا سيتيح لها الوقت الكافى للتفكير الجدى بشأن أن تفر بصغيرها إلى أى دولة أخرى حتى لا يعثر والد زوجها عليها ، حتى أنها اخبرته بمخططها هذا ، ولكن هو من جعلها تتروى بتفكيرها وأنه سيحاول إيجاد حل لها دون محاولة منها فى أن تلجأ إلى تلك الطرق الملتوية والتى لن تفيدها بشئ ، بل ستكون ذات مردود غير مستحب وربما تقع فى مأزق كبير بسبب تفكيرها هذا ، والذى ربما نتج عن تخبطها وعدم إستقرارى النفسى بعد مقتل زوجها ، فقبل أن تعاود حديثها وأن تعيد على مسامعه ما قالته ، وجدت حياء تقترب منهما وعلى وجهها إمارات الدهشة والفضول لمعرفة سبب قدومها إلى زوجها أو ماذا تريد منه بذلك الوقت ؟
فقبل أن يفه راسل بكلمة ، سبقته حياء وسألتها :– فى إيه يا ساندرا ؟
إبتسمت لها ساندرا وقالت بهدوء ، لعلها تختصر الوقت قبل ذهابها إلى غرفتها :– أنا كنت جاية ابلغ راسل إن عايزة اسافر أنا وابنى فرنسا لأن المحامى بتاعى كلمنى وقالى إن محامى والد جوزى كلمه وقاله أنه اتوفى ودلوقتى ابنى هو اللى هيبقى وريثه وطالبنا ضرورى وعايزنا نروح فرنسا فى أقرب وقت
شعر راسل بالأسف لسماعه ذلك النبأ ، فرد قائلاً بمواساة :– البقاء لله ، الله يرحمه ويغفر له
قدمت لها حياء عبارات المواساة ومن ثم نظرت لزوجها بصمت فى انتظار ما سيقوله أو سيفعله من أجلها ، خاصة أنها تشعر بحبه الشديد لصغيرها ، إلا أنها سمعته يقول بهدوء ورصانة :– تمام يا ساندرا ، أنا هشوفلك تذاكر السفر ، بس....
لم يجد صيغة ملائمة ليخبرها بعدم قدرته على مرافقته لها ، ولكنها كانت فطنة للغاية لما يريد قوله ، فإبتسمت له قائلة بإمتنان :– راسل أنت عملت كتير ليا ولابنى ودلوقتى عيلتك ومراتك الأحق بوجودك معاهم ، ومتخافش علينا إحنا هنبقى كويسين
رفعت بصرها عنه ونظرت لحياء مستطردة :– بجد حياء شكراً على كل حاجة واتمنالكم السعادة على طول وأنا هبقى أجى من وقت للتانى أزوركم
بعفوية أقتربت منها حياء وأحتضنتها وربتت على ظهرها بحنان ، وكأن أى ضغينة كانت تحملها لها فى وقت من الأوقات لم يعد لها وجود ، فمنذ أن أخبرها راسل بحقيقة أمرها تبخر كرهها لوجودها ولم تعد تشعر تجاهها هى وطفلها سوى بالشفقة
مسحت ساندرا تلك الدموع التى خانتها وانسكبت على وجنتيها ، فإبتسمت من بين دمعاتها الحارة وهى ترمقهما سوياً بمحبة ومن ثم غادرت إلى غرفتها للحد من ذلك الوداع العاطفى الذى سيجعلها تبكى أكثر لفراق الجميع ، خاصة بعد شعورها بأنها تمتلك عائلة بعد رحيل عائلتها منذ سنوات طوال
وصلت ساندرا لغرفتها ولكنها لم تنتبه لذلك الذى كان يقف على بعد عدة خطوات منهم وإستمع لحديثهم ، وعلم بأمر سفرها المفاجئ ، فلم يمهل ذاته فرصة للتفكير ، إذ راح يدق بابها بإصرار ، كأن إذا فاتته تلك الفرصة لن يعود ويحصل على غيرها
فتحت ساندرا الباب وجدت الطارق عماد الذى راح يرمقها بنظرات مستفسرة ، ووجدته يسألها بإلحاح :– ساندرا أنتى مسافرة فرنسا بجد ؟ يعنى خلاص هتمشى من هنا ؟
رغم شعورها بنبرة حادة وهجومية بسؤاله ، إلا أنها أجابته بهدوء وهى تومئ برأسها :– أيوة عماد هسافر بمجرد ما راسل يجيبلى تذاكر السفر ليا ولإبنى
حملق بها عماد لبضعة ثوان ومن ثم قال دون مقدمات :– ساندرا تتجوزينى
كأنه لقى مشقة فى قول عبارته إذ راح صدره يعلو ويهبط كمن كان يركض بطريق طويل ، وانتقلت إليها الدهشة إذ راحت تحملق فى وجهه وهى فاغرة فاها ، إذ لم تضع فى بالها أنه يبادلها تلك المشاعر التى جاشت فى قلبها منذ أن تعرفت إليه عن كثب
إبتلعت لعابها لعلها تفلح فى قول أى شئ تكسر به ذلك الصمت الثقيل ، والذى جعلها تعى إلى أى مدى صار فى إمكانها سماع نبضات قلبها ، التى أضحت كالمطرقة تصدر طنيناً فى أذنيها
ولكن جل ما إستطاعت قوله تلك العبارة التى وسمتها بوسم البلاهة :– تتجوز مين ؟ أنا ؟
لم يفلح عماد فى أن يقمع تلك الضحكة التى جاءته كأمر مُلح بعد سماع ما تفوهت به ، فقهقه بصوت مسموع وسرعان ما قال ممازحاً:– هو فى واحدة تانية غيرك واقفة قدامى دلوقتى ، أيوة عايز اتجوزك أنتى ، قولتى إيه ، علشان لما تسافرى فرنسا متسافريش لوحدك هكون معاكى
راح قلبها يدق كطائر يرفرف بجناحيه ، إلا أنها لم تستطع أن تبدى له مدى سعادتها بما تفوه به ، ولكنها أيضاً لم تغلق باب الأمل فى وجهه ، فردت قائلة بهدوء رغم ذلك الصاخب المعتمل بين جنبيها :– أنت شاب محترم جداً عماد وأى واحدة تتمنى ترتبط بيك ، بس ...
لم يدعها تكمل عبارتها ، فقال بإصرار وتصميم:– ساندرا أنا مطلبتش منك الجواز إلا علشان فعلاً حبيتك وحبيت إبنك وأنا مستعد أكون له أب لو أنتى وافقتى
قبل أن يفه أحد منهم بكلمة جاءت عبارة أدم المهنئة لهما دليلاً واضحاً على أنهما حقاً يستحقان السعادة :
– أظن أقول ليكم مبروك ، بجد مبروك من قلبى ، متضيعوش وقت ، بالرغم من أنك هتوحشنى عماد ، بس المهم أنك ترجع تفكر فى الحب والجواز
إحتضنه عماد وعيناه مازالت مستمرة في النظر إلى وجه ساندرا ، وما فتأت عيناه تستجديها بالموافقة ، حتى أعلنتها صريحة من أن ليس لديها ما يمنعها من القبول
جاء أمر تلك الزيجة مفاجأة للجميع أولهما راسل الذى شعر بالراحة من أنه سيتركها هى وطفلها بين يديىّ شاب توسم به النبل والخير ، وأصر سيد القصر الكبير على إقامة حفل عائلى احتفالاً بزواج ساندرا وعماد قبل سفرهما الذى ارجأته ساندرا لحين إتمام زواجها
فبعد مرور ثلاثة أيام أجتمعت العائلة بأكملها فى حديقة القصر ، وتردد راسل فى بادئ الأمر أن يقترب من أباه ليمنحه ذاك الخاتم الذى إبتاعه من أجله ، ومازال بحوزته كأنه لم يجد الوقت المناسب فى أن يقدمه له ، ولكنه رآى أن بإمكانه الآن أن يبدأ أولى خطواته فى إنهاء الخلافات بينهما
أنتبه رياض على حيرته ، كأنه لا يجد ما يقوله ، وتعجب من أنه يقف ينظر إليه تارة وينظر للأخرين تارة أخرى ، كأنه يحاول إستجماع شجاعته ليقول ما لديهفإبتسم على نحو مفاجئ ، خاصة أن تلك هى المرة الأولى التى يرى بها راسل هكذا كأنه ليس ذلك الإبن الوقح ، والذى لم يحاول فى مرة أن ينمق حديثه معه
ضرب الأرض بعصاه ومن ثم سأله بحنان :– عايز تقول إيه ؟ شكلك عايز تقول حاجة بس كأنك مش عارف تبدأ منين
حك راسل مؤخرة عنقه وحمحم لعله ينهى ذلك الصراع الدائر بخلده ، وسرعان ما أخرج من جيب سترته السوداء ذلك الخاتم الفضى ، فناوله إياه قائلاً بتوتر :
– الخاتم ده كنت اشتريتهولك وأنا كنت فى العمرة ، بس الظاهر نسيت اديهولك
لم يكن راسل بارعاً فى إخفاء كذبته من أنه غفل عن إهداءه ذلك الخاتم ، ولكن لم يشأ والده أن يرد يده خائباً ، فأخذه منه يتأمله بإبتسامة زادت أكثر عندما رآى إسمه المنقوش على الخاتم ، فقال بصدق وحنو بالغ :
– دى أجمل هدية جاتلى ، كفاية إنها منك أنت يا ابنى
جذبه إليه ومن ثم طوقه بذراعيه حتى سقطت عصاه ، وكأن المطر جاء يروى أرض جدباء لم تمسها قطرات الماء منذ زمن طويل رفع راسل يديه وربت على ظهر أباه قائلاً بإبتسامة هادئة:– عارف إن ضايقتك كتير ، بس خلاص مش هعمل حاجة تضايقك تانى ، وحابب نرجع زى ما كنا قبل ما نسافر ونحاول ننسى اللى حصل
– ماشى يا حبيبى
أماء والده برأسه مراراً وما أن أكتفى من الربت على ظهره ، أنحنى راسل ورفع عصاه من على الأرض وناوله إياها ، فأخذها منه والده وهو يفكر أنه هو من سيحمل تلك العصا بعد رحيله عن هذا العالم ، فأنعكس الهدوء الذى غلب على محادثتهما على وجه كل منهما ، وإلتفوا حول تلك المائدة الطويلة ، التى أمر رياض بتجهيزها من أجل تناول العشاء على شرف العروسين اللذان سيغادران بعد غد لفرنسا
أدنى عماد برأسه قليلاً وهمس لساندرا الجالسة بجواره ترتشف من كوب الماء:– بحبك
علق الماء فى جوفها مما جعلها تسعل بخفة وكسا وجنتيها لون أحمر قانى من تدفق الدماء بهما ، وردت قائلة بإبتسامة خجولة :– وأنا كمان بحبك عماد
إنتبه على غمز أدم له مما جعله ينظر إليه بتحذير حتى لا يقدم على إرتكاب فعل أحمق ، إلا أنه سرعان ما رمقه بمحبة الأصدقاء ، فدائماً وأبداً سيظل صديقه الصدوق
وعلى الطرف الأخر من المائدة الطويلة جلس راسل واضعاً الصغير أمامه ،فى حين أن حياء ظلت تداعبه وهى تضحك وتبتسم ، ومن حين لأخر يحاول الصغير جذب حجابها ظناً منه أنه يمازحها ، وكلما سحب راسل يده يعود ويجذب حجاب حياء من جديد
قرص راسل وجنته بلطافة قائلاً بطرافة :– هو أنت مصمم تشدلها الطرحة ليه ، بس أسكت
ترك الصغير حجاب حياء وجذب رابطة عنقه ، فقهقت حياء قائلة وهى تدغدغه :– أهو ساب حجابى وناوى يخنقك بالجرافيت
– دا واد سفاح باين عليه ، تربيتى
قالها راسل ممازحاً وفخوراً ، فى حين أن زوجته مالت إليه برأسها هامسة بنعومة :– عقبال ما يبقى عندنا سفاح قمر زيه كده إن شاء الله
قبل راسل رأس الصغير وقال باسماً:– إن شاء الله يا روحى
وضعت يدها على كفه الموضوع على الطاولة ليس لشئ سوى أنها تريد أن تشعر بذلك الدفء الذى سرعان ما ينتقل إليها ما أن يتلامسان ، فقبض على أطراف أناملها ، وراح يضغط عليهما برفق من حين لأخر ، وما أن سنحت لهما الفرصة بإنتهاء حفل العشاء العائلى ، فضلاً الذهاب للشاطئ ، كإحدى أفكاره الجنونية التى تطرأ على عقله ويقوم بتنفيذها دون تفكير
سارت خلفه وهو أخذا بيدها حتى وصلا للشاطئ فقالت باسمة :– هو أنت مش عايز تنام دا الوقت أتأخر دلوقتى والكل نام
توقف عن السير وإلتفت إليها قائلاً بدهاء ممازحاً :– ماهو أحسن حاجة أن كلهم ناموا ، علشان استفرد بيكى زى مصاصين الدماء ، اللى مبيظهروش إلا فى وقت متأخر من الليل ، وبيخرجوا يدورا على فريستهم
ادعت حياء الخوف وقالت كأنها أصبحت طريدته :– يا ماما يعنى أنا هبقى فريسة النهاردة
صمتت لبرهة ومن ثم قالت مستطردة بمشاغبة :– بس مش خايف لتبقى أنت فريستى يا صيادى الحلو القمور
أدنى برأسه منها وهمس فى أذنها :– أنا وقعت فريسة حبك وعشقك من زمان مش من دلوقتى
رفعت ذراعيها ووضعتهما على كتفيه وقالت وهى تحدق فى وجهه بتمعن :– عمر ما فى حد أزعجنى زيك من أول ما اتقابلنا ، وكنت بضايق أكتر لما اشوفك لأن أنا كنت دايما راسمة صورة لفارس أحلامى أنه يخلى قلبى دايما ينبض من غير راحة ، كان نفسى أعيش قصة حب مثيرة مش روتينية ، بس المشكلة إن فى الوقت ده كان نادر فى حياتى ، وكنت فاكرة إن هو ده فارس أحلامى اللى كنت بتمناه ، لحد ما ظهرت أنت ، بس مكنش ينفع أندفع ورا إحساس مكتشفتش إنه حب إلا لما عرفتك كويس ، يعنى تقريباً حبيتك بقلبى من أول ما اتعرفنا وفى نفس الوقت كنت بكرهك بعقلى ، كانت حاجات كتير متلغبطة ، عارف لما يكون الواحد قدامه اختيارات كتير ، بس ميقدرش يختار علشان فى حاجات كتير منعاه ، هى دى كانت حالتى وقتها ، وجايز كل اللى حصل فى حياتى ده علشان أبقى فى الأخر ليك أنت ، مع إن لو كان حد وقتها قالى إن أنا هبقى مراتك وهحبك أوى كده ، كنت هقول عليه أكيد مجنون ، لأن إزاى اجتمع أنا وأنت فى جملة واحدة وأبقى مدام حياء راسل النعمانى
ضحكت حياء ما أن أنتهت من سرد مشاعرها ، التى أتسمت فى الماضى بالحيرة والتخبط كالنيران التى كانت خامدة أسفل نهر من الجليد ، فأنحنى على جفنيها ومن ثم على وجنتيها كمن يتمهل فى عزف أنشودة الغرام ، ولكن سرعان ما حمل لها عناقه مدى لهفته إليها ، ولم تكن هى لتقبل بأقل من عناق صاخب كالذى يحدث بينهما الآن ، ولا تعلم سر أن عناقتهما عذبة المذاق هكذا ، كأنها ترتوى بماء عذب جاءها بعد ظمأ شديد
فتحت عيناها وشعور بالخدر أستولى عليها ما أن أبتعد عنها ، فقالت وهى تضع رأسها على كتفه :– نفسى الليل يطول ونفضل مع بعض هنا ، لأن النهار لما بيطلع أنت بتروح شغلك وأنا بروح شغلى وبفضل مستنية الليل ييجى علشان ترجعلى
رفعها عن الأرض ودار بها وهو يقول باسماً:– الليل كله لينا وبكرة كمان لأن مش هروح المستشفى بكرة هقضى يومى معاكى أنتى وسجود
وضعها أرضاً وأكملا سيرهما ، إلا أنها أرادت أن تلهو معه قليلاً ، فرشقته بالماء والرمال ومن ثم فرت هاربة ، فركض خلفها ، وكلما أيقنت من أنها ستقع فى قبضته ، تعود وتركض من جديد ، حتى إستطاع اللحاق بها ، وظلا يضحكان وهما يحاولان تنظيم أنفاسهما اللاهثة ، حتى أنهما لم يكتفيان بالركض واللهو بل جواد راسل الأسود المفضل له دائماً أصبح رفيقهما بتلك النزهة الشاعرية على الشاطئ خلف القصر ، بعدما ذهب راسل وأتى به من حظيرة الخيول ، فجلوسها أمامه على الجواد أتاح لها الفرصة من أن ترفع وجهها وتغمض عينيها تاركة نسمات الليل تصفعها كيفما تشاء ، فذراعيه القويين يطوقانها مانعين إنزلاقها وتاركين لها الحرية فى فرد ذراعيها كعصفور يتأهب للطيران ، شعور بالخفة غير معتاد إنتابها بعدما وجدته يترك الجواد ويمد لها ذراعيه ليجعلها تطأ الرمال بقدميها الحافيتين ، ولكنها ظلت ساكنة بين ذراعيه والهواء يضرب ثوبها ، فصارا كإثنان عاشقان من تلك العصور القديمة واللذان كانا يلتقيان خلسة دون علم الأهل ، ينسجان سوياً أحلام وأمال على رمال الشاطئ ، يخطان بيديهما قصتهما الخاصة ، محاولاً هو التحلى بالصبر حتى تعود خصيلات شعرها لطولها المعتاد ، فكم إشتاق لدفن وجهه بين طياتها ، وكم من أسرار العشق أراد أن تحملها سراً بين جدائلها الحريرية ، ولا ينكر أن شعرها القصير يروقه حالياً ، ولكن ليس كحبه لرؤيتها على تلك الصورة التى اعتاد أن يراها بها منذ زواجهما ، فمرآها الجميل والناعم والخجول الذى أنطبع بذهنه منذ يوم زفافهما ، مازال يأسره ولا يريد عنه بديلاً ❈-❈-❈ظن أنه ما أن يراه فى نزعه الأخير ، سيكون راضياً وأن ثأره وانتقامه منه قد أتمهما على الوجه الأكمل ، ولكن حقاً لم يكن هذا شعوره وهو يقف الآن أمام ذلك الفراش القديم المستلقى عليه زوج والدته ، ولكن نظراته فارغة جوفاء كأنه لم يعد يبصر أو يرى ما أمامه سوى فراغ أبيض ، به نقطة سوداء تتضاءل حجمها كلما سمع حشرجة تلك الروح العالقة بجوفه ، رغم أنه كان لابد له من أن يشعر بالتشفى والانتصار وهو يراه هكذا يلفظ أنفاسه الأخيرة بصعوبة ، كأن روحه ستظل حائرة معذبة ، قبل أن يأذن الله لها بالخروج ، وربما تلك إحدى دلائل جسارة عقابه على ما فعله بماضيه وعدم محاولته أن يصلح خطأه ، بل ظل غافلاً يستهواه شيطانه بأن يفعل كل ما حرمه الله من موبيقات ، تاركاً خلفه ضحية تعانى من تبعات أفعاله ، فأرتجف بدن عمرو لا إرادياً ما أن نظر فى وجه زوج والدته ، بل حالفه الحظ بأن قدميه أطاعته فى أن تحمل باقى جسده ليبتعد عن الفراش ، وماهى إلا بضعة دقائق بإمكانه أن يحصيها على أصابع اليد الواحدة ، حتى سكنت الحشرجة وأرتخى الجسد وسقطت اليد التى كانت تتحرك بعشوائية كأنها تبحث عن النجاة ، فعلم عمرو وقتها أن زوج والدته قد توفى وأنتهى أجله وأمره ، وأن من جعل حياته مظلمة قد رحل دون عودة
أقترب الحارس من الفراش وتحسس النبض ووضع رأسه على صدره ليتأكد من أنه حقاً فارق الحياة ، وما أن تيقن من تلك الحقيقة التى سطعت فى عقل عمرو منذ أن رآه ساكناً ، إستقام بوقفته وقال بخوف لا يخلو من الرهبة :– ده مات فعلاً يا عمرو بيه ، هنعمل إيه دلوقتى
رمق عمرو جسد زوج والدته ومن ثم حول بصره عنه قائلاً بشئ من التيه :– هنعمل إيه فى إيه ؟
لم يكن الحارس فى وضع يخوله أن يعانى من بلادة سيده بذلك الوقت الحرج ، فدنا منه ممسكاً بذراعه قائلاً بما يشبه الرجاء :– عمرو بيه أنت لازم تشوف حل وإلا كده ممكن نروح فى داهية دا دلوقتى بقى جثة ويمكن يبقى فيها سين وجيم ونروح كلنا السجن
نفض عمرو رأسه لعله يتخلص مما اعتراه وجعله تحت وطأة تلك المشاعر التى أصابت حواسه بالبلادة ، فهتف بالحارس قائلاً بما يشبه الأمر :– هاتله كفن وكفنه علشان ندفنه ، اينعم هو ميستحقش ، بس دلوقتى إكرام الميت دفنه ، وكده كده القبر بتاعه موجود من سنتين ، وكمان القبر مش بعيد عن المكان هنا
خرج الحارس من الغرفة وذهب لشراء ما أوصاه به عمرو ، فأخذ مقعد وجلس قريباً من الفراش وانحنى واضعاً يداه المضموتين أسفل ذقنه ، تأمله ملياً ومن ثم قال بجمود :– دلوقتى مت قبل ما انفذ وعدى لنفسى أن يوم ما احس أن اخدت حقى منك أنا اللى هضربك بالمسدس بتاعى ، بس برضه مقدرتش أعملها ، كنت عقدة حياتى اللى دمرتنى وخلتنى عايش متعذب طول عمرى حتى دلوقتى لما مراتى عرفت الحقيقة بقت عاملة زى اللى عايشة بين جنة ونار ، لا قادرة تقرب منى ولا أنا قادر أبعد عنها ، زى اللى متعلق بقشة وخايف يسيبها يقوم يغرق تانى ، بس عارف أن الماضى هيكون دايما بينا ، ماضى أسود ومخجل ، و مكنش سهل عليا أقولها كل حاجة وأشوف فى عينيها خوفها من أنها تعيش معايا
ظل يتحدث وقتاً طويلاً ، حتى ظن أن ربما سيحاوره ، ولكن لا يسمع صوت بتلك الغرفة سوى صوته هو فقط ، كأن أمنيته فى أن يعلو صوته على صوت زوج والدته ، قد حان وقتها ولكن لن يشهد على تحقيقها سوى جدران صماء
أزاح عمرو يداه عن وجهه ، بعد سماع باب الغرفة يفتح ويلج منه الحارس بعدما نجح فى جلب ما طلبه منه ، وبعد مرور مزيد من الوقت ، كان جثمان زوج والدته راقداً فى سيارته من الخلف ، فإنتقاءه لذلك المكان والذى لا يبعد كثيراً عن المقابر ، جعله يطمئن بأن أمر دفنه له بذلك القبر الذى يحمل شاهده الرخامى إسمه سيتم بسهولة ويسر خاصة أن الوقت الآن تعدى الثانية صباحاً
أوقف السيارة ومن ثم خرج منها وحث الحارس على الإسراع فى مساعدته حتى لا يثيران الشكوك حولهما ، فبعد أن فتح عمرو البوابة الحديدية لذلك الفناء الذى قام بشراءه و يضم عدة مقابر مازالت خاوية ، ساعده الحارس فى حمل الجثمان حتى وصلا للقبر ، ورغم تلك الرهبة التى تجلت فى إرتجاف جسده ، إلا أنه أتم المهمة ووضع زوج والدته داخل قبره ومن ثم أغلق بابه
وما أن وصل للبوابة الكبيرة للفناء ، كأن قدميه أضحتا رخويتين ولن تسعفانه فى حمله ليعود إلى سيارته ، فأسرع الحارس فى إسناده متسائلاً بقلق :– مالك يا عمرو بيه ؟ أنت تعبان ؟
هز عمرو رأسه ونظر للحارس قائلاً بنبرة متقطعة :– سوق أنـ ـت العربية ،وروحـ ـنى البيت عايـ ـز أروح
أسنده الحارس حتى وصلا للسيارة وما أن ساعده فى الجلوس بالمقعد المجاور لمقعد السائق ، دار حول السيارة ومن ثم قادها حتى وصل به إلى منزله ، وقدم له يد المساعدة فى الخروج منها
فى الحديقة ، كانت سهى تجلس على أحد المقاعد بعدما يأست من الدوران حول نفسها بقلق من تأخره كل هذا الوقت خارج المنزل ، فمنذ إكتشافها مكانه الخالى فى الفراش ، راحت تبحث عنه فى كل مكان فى البيت وعندما يأست من إيجاده ، حاولت أن تتحدث معه عبر الهاتف ولكن لم يأتيها رد ، سوى أن هاتفه خارج نطاق التغطية ، وهذا ما جعل القلق ينهشها ويقتات على أفكارها السوداوية
– ياترى أنت روحت فين يا عمرو
همست بعبارتها وهى تفرك يديها بتوتر وتهز ساقيها بعصبية ، وما كادت تترك مكانها فى الحديقة ، حتى رآته قادماً يستند على رجل لم تراه فى المنزل من قبل
ركضت سهى إليهما وتساءلت بقلق وخوف حقيقى :– هو فى إيه ؟ مالك يا عمرو ؟
سحب عمرو ذراعه من حول كتف الحارس وأمره بالإنصراف ، فنظر إليها قائلاً بإرهاق أكتسح ملامحه :– مفيش حاجة بس تعبان شوية وعايز أنام
أنهارت قدميه فجأة وكان على وشك السقوط ، لولا أنها مدت ذراعيها وأسندته لتحول بين سقوطه أرضاً ، ولكنها كانت فى حاجة لبذل مزيد من الجهد لتستطع تحمل وزن جسده الواقع عليها ، فقالت بمشقة :
– عمرو مالك أنت شكلك محتاج دكتور
– أنا كويس متقلقيش
لم يفه بكلمة أخرى إذ شعر بأن لسانه معقود ، ولم تعد قدميه قادرتين على حمله ، فإضطرت تلك المسكينة أن تقوم بدور المتكأ حتى لا يسقط أرضاً ، وصار أمر مساعدتها له في أن يصل لغرفتهما تحدياً صعباً كأنها فى حاجة لمعجزة ، حتى أنها غير قادرة على الصياح لتنادى أحد ليساعدها ، خاصة وأن الجميع نائمون الآن
ولكن تمثل لها الخلاص فى رؤيتها لذلك الرجل الذى يعمل كساعده الأيمن ، فصاحت قدر إستطاعتها :– ألحقنى أرجوك ده شوية وهيغمى عليه
هرول الرجل إليهما ، ووقف بجوار عمرو ولف ذراع سيده حول عنقه ليسنده من الجانب الآخر ، فشعرت سهى بالامتنان له كونه ساهم فى تخفيف عبء قيامها بمساعدة زوجها بمفردها ، وما أن وصلوا لغرفة النوم ووضعه الرجل فى الفراش
نظرت إليه سهى وتساءلت بحذر :– هو ليه عامل كده ؟ هو بيشرب خمرة ؟
هز الرجل رأسه بعنف نافياً ورد قائلاً بصدق :– عمرو بيه من ساعة ما جه البيت هنا وانا عمرى ما شوفته بيشرب خمرة ، هو كان بس بـ
رفعت سهى يدها تشير له بالصمت كونها تعلم أن ما سيتفوه به سيكون تنويهاً عن أن زوجها كان يتعاطى المخدرات فى السابق ، فهزت رأسها بخفة وقالت بهدوء :
– أتفضل أنت وشكراً
خرج الرجل من غرفة سيده ، وأنحنت سهى وهى تحاول أن تشتم رائحته لعل ما أصابه تأثير الخمر أو الكحول ، ولكنها لم تجد سوى رائحة عطره كأنها مخلوطة برائحة أخرى لم تستطع تميزيها ولكن ما أن دققت النظر في ثيابه وجدتها متسخة بالأتربة
انتظرته أن يفيق لعله يقدم لها تفسيراً لما حدث له ، فبعد دقائق فتح عمرو عيناه وجدها جالسة قبالته على طرف الفراش وبعينيها ألف سؤال ، فأعتدل جالساً قائلاً بإرهاق :– سهى أنا عايز على ما أخد شاور تجبيلى أى حاجة أكلها لأن حاسس إن أنا جعان أوى
تلاحم حاجبيها من مطلبه خاصة أنه لا يتناول طعامه فى وقت متأخر من الليل ، بل بدت نبرته متوسلة كأنه لم يتناول الطعام منذ أيام ، فنهضت عن الفراش وردت قائلة وهى تتأمل هيئته الرثة قليلاً:– حاضر هروح اجبلك ساندويتشات
خرجت من الغرفة ، فنهض عن الفراش وأخذ ثياب نظيفة وولج للمرحاض ، وأثناء خلع قميصه عنه رآى أثار إتساخ الأتربة عندما قام بدفن جثمان زوج والدته ، فلم يكتفى بخلعه ولكن قام بشقه لنصفين ومن ثم ألقاه فى سلة المهملات ولم يكتفى بالقميص فقط بل كل ما كان يرتديه اضحى مصيره الإلقاء بتلك السلة والتى يتم التخلص مما بها يومياً ، فجلس بالمغطس وفتح الماء ليغمره ، لعله يفلح فى أن يخرج من بلادته والتى جعلته يتصرف على هذا النحو ، كأنه شبح يسير وفق ما يملى عليه من أوامر
– عمرو ، عمرو انت كويس ، أنت اتأخرت كده ليه
نادته سهى من الخارج لإستغراقه وقتاً أكثر من اللازم ، فخرج إليها لا يستره سوى سروال قصير رغم أنه أخذ ثياب له قبل الدخول ، ولكن كأنه وجد مشقة فى إرتداء الباقى من ثيابه
نظر للصينية التى جلبتها زوجته ، فجلس وبدأ يتناول الطعام بشراهة وظلت سهى متعجبة من أفعاله المبهمة اليوم ، فجلست على طرف الفراش وتساءلت بإلحاح :– هو فى إيه بالظبط ؟ مالك كده تصرفاتك غريبة ، حصل حاجة ، أنت كنت عند جوز مامتك ؟ هو جراله حاجة ، رد عليا
– مات ودفنته
كلمتان فقط هما ما إستطاع التفوه بهما ، ومن ثم عاد يكمل تناول طعامه كأنه لم يقل شيئاً ، فتتابعت أنفاسها بخوف من أن يكون أوفى بوعده للإنتقام لنفسه بأنه هو من سيطلق عليه الرصاص
رآى عمرو تململها فى جلستها ، فأراد أن ينهى حيرتها فقال وهو يحاول بلع ما علق فى جوفه من طعام :– متخافيش أوى كده ، أنا مقتلتوش هو مات لوحده ، ودفنته ورجعت
هكذا وبكل سهولة ويسر يخبرها أنه قادم من المقابر وليس هذا وحسب بل أنه قام بدفن جثة قبل عودته إليها ، فأنهى طعامه وأرتمى على الفراش ومن ثم غرق في سبات عميق ولم تعد تسمع سوى صوت أنفاسه وفى صباح اليوم التالى ، رفض عمرو ترك فراشه كأنه مصاب بسقم من الصعب وصف أعراضه التى لا تتعدى سوى أنه يرغب فى أن يظل نائماً ، ولكن حالته تلك أثارت الخوف فى قلب زوجته ، التى حاولت أكثر من مرة أن تجعله يترك الفراش أو أن يفهمها ما أصابه ، ولكن لم تكن محاولتها ذات فائدة
فبعد مرور أسبوع قضته سهى فى بذل جهد مضنى لخروج زوجها من تلك الحالة التى تلبسته ، مما جعلها تستدعى أحد الأطباء لفحصه ، إلا أن الطبيب أخبرها بأن صحته الجسدية على خير ما يرام ولا يشكو مرضاً ولا ألماً ، وربما هو فى حاجة لزيارة طبيب نفسي
خرجت من الغرفة ونادت ذلك الحارس لكى يرافق الطبيب إلى سيارته، فقيامها بذلك الدور وحدها جعلها فى حاجة إلى ذهن متيقظ وأن تتحلى وتتميز بطول الإناة ، خاصة أن والدته سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من أسبوعين ، معللة الأمر بأنها تريد زيارة أصدقاء لها هناك وأن تأخذ عطلة وتترك لهما المنزل لينعمان بأوقاتهما سوياً
عادت للغرفة وجدته مستلقياً على بطنه وعيناه مفتوحتان ولكن كأنهما صارتا متحجرتان ولا يرف لهما جفن ، فأنحنت إليه قليلاً وربتت على كتفه قائلة بإبتسامة تشجيع :
– عمرو تحب تنزل الجنينة تغير جو شوية ، بدل ما أنت نايم كده فى السرير ومش راضى تقوم
اغمض عينيه لعله يريحهما قليلاً من التحديق فى الفراغ ، إلا أنه عاد وفتحهما قائلاً بصوت منخفض :– معلش يا سهى سبينى براحتى أنا مش عايز أقوم
لم تفلح فى إقناعه بأن يترك مكانه ، فجلست على طرف الفراش وظلت تزفر بخفوت وتفرك يديها كأنها لم تعد تملك حيلة ستفلح معه ولكن بعد برهة رفع جزعه العلوى وجذبها من ذراعها ، إذ كانت ماتزال جالسة مكانها على طرف الفراش ، فشهقت سهى من مباغتته لها بجذبها ، بل أنه طوقها بذراعيه وأطبق عليها ولم يدع لها مجال للتفكير فى أن تتخلص من قيد ساعديه ، وظنت أنه سيكتفى بذلك ، ولكن ما كادت تمر دقيقتين حتى وجدته يفرض عليها حقوقه كزوج بحاجة لزوجته
كاد يقضى على أنفاسها بعناقه ، ولكن كلما سنحت له الفرصة بفصل العناق يهمهم لها بصوت متألم :– أنا بحبك أوى يا سهى ، بحبك ومحتاجلك
بالبداية لم تستطع أن تجاريه ، ولم يكن لديها الوقت الكافى لإستيعاب ما يفعله ، أرادت أن تظل بجمودها للنهاية ، لعلها حالة طارئة وسرعان ما سيخمد إشتياقه وتعود أوضاعهما لما كانت عليه ، ولكنها لم تستطع أن تقاوم للأخير ، فسقطت مقاومتها معلنة عن هزيمتها وهمهمت دون أن تعى ما تقوله :– وأنا كمان حبيتك أوى يا عمرو ، بس خايفة اتوجع بسبب الحب ده لو أنت خنت ثقتى فيكى
إبتسم عمرو ما أن سمع عبارتها فتشابكت أيديهما وهو يقول بثقة :– عمرى ما هفكر إن أوجعك أو اخليكى تفقدى الثقة فيا يا حبيبتى
كأن ذلك الذى يعانقها لا يمت بصلة لزوجها الذى كان راقداً فى فراشه ولم يرغب فى قول أو فعل أى شئ ، وكأنه صار إنساناً أخر ، فسلمته زمام أمورها ، ولم يكن هو بحاجة إلا لتلك الفرصة التى منحته إياها برضا تام ، ورغم مخاوفهما التى اختلفت أسبابها لدى كل منهما ، إلا ما أن إستطاع هزيمة خوفه ورهبته من وصاله الفطرى الأول فى حياته ، حتى صار الوصال والود بينهما مملوء بالشغف ، كأن كل منهما يحاول إكتشاف الآخر ، وتعجبت سهى من قدرته على إستمالتها ، وليس هذا وحسب بل اندهشت من عدم معارضتها له فى البداية ، بل أنها منحته موافقتها دون محاولة منها أن تعارضه أو أن تطالبه بمزيد من الوقت ، ولا تعلم هل هذا نبع من أمنيتها كأنثى وزوجة فى أن تصبح جزء منه وأن تختبر ذلك الشعور بأن تكون بين يديىّ من تحب ، الذى أملت وطمحت فى أن يهديها ثروات الليل الدفينة من عشق وغرام ، قبل علمها بأن هناك جانب مظلم فى حياته
– أنتى أجمل حاجة حصلت فى حياتى كلها ، واوعدك إن مخليش الحزن يعرف طريقه لقلبك ، أو أنك تندمى علشان حبتينى
يبدو لها عاشقاً مدلهاً يمنحها الكثير من الوعود والعهود ، تنصت له بإهتمام رغم شعورها بتلك اللجة العميقة التى غرقت بها بعد أن نجح فى رسم عالمهما الخيالى والذى لم تعد تسمع به سوى همهماته العاشقة ، وما أن وصلا للمرفأ الأخير ، لم يسمح لها بالابتعاد ، فما شعر به فى ليلتهما الأولى تلك ، سيجعله يفكر فى أن تظل حبيسة ذراعيه فى الأيام المقبلة ، فتلك المشاعر الفطرية لا يوزايها أى مشاعر أو أحاسيس أخرى ، فسبحان من يجعل القلوب تألف بعضها ولا يجد إبن أدم إكتفاءه مما حلله الله له إلا مع نصفه الأخر من بنات حواء ، وما يتم ترويجه للمبادئ المخلة بالفطرة ماهو إلا فخ وشرك لإنشاء مجتمعات يحكمها الفساد وتحدى الفطرة السليمة التى خلق الله عليها بنى الإنسان ، لذلك فكر لما لا يساهم فى توعية الأخرين بتلك المخاطر الجسيمة التى تتوارى خلف تلك الأفكار الهدامة التى يحاول الكثيرون زرعها فى عقول الشباب والأطفال ، حتى لو كان سيفعل ذلك دون الحاجة لإظهار نفسه❈-❈-❈لم يكن أحمقاً حتى لا يستطع أن يرى حنق زوجته مما فعله وربما بلغ ذروته الآن ، إلا أنها مازالت تتحاشى الحديث معه فى هذا الأمر ، رغم أن مر على إنقاذه لليالى أكثر من شهر ، حتى إنه إستطاع التخلص من ذلك الرجل الذى كان يريد قتله وأرسل رجاله من أجل ذلك ، ولكن نجا عمران من محاولة قتله بمعجزة أنعم الله بها عليه ، وما كان هذا الرجل سوى شخص لا يعلم أحد شئ عن ماضيه سوى أنه كان يعمل عاملاً فى الميناء ، ليغادر الاسكندرية ويعود رجلاً أخر ذو مال وجاه ، وكل هذا إكتسبه من طرق غير مشروعة كالإتجار فى الفتيات وإتمام بعض الزيجات التى لا تتم إلا بغرض المتعة والحصول على المال ، وما أن أفشت ليالى للشرطة بكل ما تعلمه عنه ، إستطاعوا إيجاده والقبض عليه قبل محاولته أن يفر هارباً من الإسكندرية ، ومنذ ذلك الحين وليالى مقيمة بمشفى راسل لتلقى العلاج اللازم لها ، ومن المضحك بالأمر أن ميس هى من تشرف على علاجها كطبيبة ، رغم شعورها الساحق بالغيرة والتى تود لو بإمكانها أن تحرق زوجها به عوضاً عن كتمانه هكذا ، ولكن ليالى صارت تعانى من حالة حرجة ، بعد إكتشاف الأطباء أنها تعانى من مرض خطير بات يهدد حياتها ، وأنها ربما سترحل من هذا العالم فى وقت ليس بالبعيد ،وصارت لم تعد تفيق من إغماءها من بعد لقاءها بضابط الشرطة إلا أوقات قليلة ، ولكن ما يجعل ميس تحترق بنيران الغيرة هو همسها الدائم بإسم عمران ، كأنها مصابة بالهذيان ، وتريده أن يكون بجوارها
ترك عمران مقعده أمام تلك الغرفة التى ترقد بها ليالى ، بعدما رآى زوجته تخرج منها ، فسألها بعفوية :– هى عاملة إيه دلوقتى يا ميس ؟
وضعت ميس يداها بجيبىّ رداءها الطبى وبللت شفتيها وقالت بمهنية :– مفيش جديد فى حالتها ، زى ماهى ، كل اللى على لسانها إسمك وبس
حك عمران مؤخرة عنقه بحرج ، لعلمه بمغزى قول زوجته ، ولكنه ليس مذنباً فى ذلك ، فأى أحد بمكانه سيفعل ما فعله إذا وجد إمرأة أو رجل فى حاجة للمساعدة ، فضم شفتيه وسرعان ما أطلق سراحهما من بين فكيه ودارت عيناه حوله ليتأكد من خلو الردهة من أى أحد بإمكانه الإنتباه عليهما
أخذها من يدها ودلفا للمصعد الكهربائى ، ولكنه إستطاع إيقافه عن الصعود والهبوط ، فرمقته ميس بشك وتساءلت :– أنت وقفت الاسانسير ليه ؟
ضغط عمران على عينيه كأنه يشعر بألم شديد بهما فقال معتذرًا :– ميس أنا عارف أنك مضايقة منى ومن اللى حصل ، بس صدقينى كان لازم أعمل كده ، وأنتى شايفة ليالى دلوقتى مريضة يعنى هى حالة إنسانية مش أكتر
حاصرته ميس فى أحد أركان المصعد ونظرت إليه بشر مستطير من خضراوتيها قائلة وهى تكز على أنيابها :
– أنا كل اللى مضايقنى مش أنك أنقذتها أو إن أنا الدكتورة بتاعها ، اللى مجننى أن مفيش على لسانها إلا إسمك ، يعنى كل ما تفوق شوية تقول عمران عمران ، حاسس إنت بشعورى لما اسمع إسم جوزى بالحرارة دى من واحدة تانية ، أنت متعرفش يعنى إيه غيرة وإنك تغير على اللى بتحبه ، وأنت مش جوزى بس يا عمران أنت حبيبى كمان ، يعنى كويس إن لسه محافظة على أخلاق مهنتى وإلا كنت أنا عجلت بموتها وريحتها من الدنيا كلها
إبتسم عمران رغماً عنه وهو يرى طابع زوجته الذى يميل لإستعمال العنف والدموية من أجل أن تقضى على ذلك الشعور الذى بات يحترق بداخلها ، فقطب حاجبيه مدعياً الخوف منها :– مالك يا ميس يا حبيبتى أنتى بقيتى تخوفى كده ليه ، أنا حاسسك إنك شوية وهتطلعى مطوة من جيبك وتغوزينى
لوت ميس ثغرها وقالت بسخرية :– لاء معايا مشرط وهغزك فى وشك الحلو ده اعملك عاهة مستديمة إيه رأيك
– وأهون عليكى يا ماسة
وضع بعبارته كل رقة صوته وخفوته وهمسه الباعث على الإرتجاف الذى سكنها ما أن حط بكفيه على كتفيها ، وإزدرادها للعابها جعله يتيقن من أنها تحاول إستجماع شجاعتها لتقول ما لديها ، ولكن جاءت عبارتها تحمل الرضا الكافى له إذ سمعها تقول بوله :
– عمرك ما تهون عليا يا حبيبى
ولكنها إنتفضت فجأة ، كأن شبح الزوجة العاشقة قد غادرها وعادت إليها طباع الزوجة الغيورة ، فكست ملامحها تعبيرات الغضب التى ظن أنه نجح فى محوها ، وعادت تقول بصوتها الغضوب :– بس أنا مش طايقة اسمع اسمك منها ، كل ده بسببك أنت ، من ساعة الاقتراح المهبب فى انك تصاحبها علشان تكشف براءة راسل ، وهى مسكت فيك ومش عايزة تسيبك ولا تنساك
تنهد عمران قائلاً كأنه شعر بإرهاق مفاجئ :– أعمل إيه بس يا ميس ، مش ذنبى إن أنا وسيم واتحب ، وهى ذوقها حلو أعمل ايه
أدركت أنه يمازحها ، فراحت تضربه على صدره بقبضتيها ، إذ لم تكن بحال يسمح لها بالإستماع لمزاحه ، ولكن إستطاع أسر كفيها بين راحتيه ، وجذبها إليه قائلاً بإنتشاء :– أنتى عارفة لو مكناش فى المستشفى كنت خدت حقى منك يا بنت النعمانى
إنتبهت أخيراً على أنهما مازالا فى المصعد الكهربائى ، فسحبت يديها وشهقت عندما تذكرت أمر تلك الجراحة التى طلب منها راسل أن تساعده بها :
– يا خبر أبيض ، دا زمان راسل هيقتلنى دلوقتى ، دا المفروض إن هدخل معاه أوضة العمليات ، الله يسامحك نسيتنى شغلى
إستدارت وضغطت على زر المصعد وبدأ فى الهبوط حتى وصلا للطابق الأول ، وما كادا يخرجان حتى سمعا صوت صراخ ولاء التى يبدو عليها أنها جاءت للمشفى لتضع طفلها الثانى
صرخت ولاء بصوت عالى :– ألحقنى يا معتصم هموت
ربت معتصم على يدها قائلاً بحنان :– بعد الشر عليكى يا حبيبتى ، إن شاء الله هتقومى بالسلامة
ما أن رآى معتصم شقيقه وزوجته ناداهما بلهفة :– ألحقونى ولاء بتولد وشكلها تعبان أوى
هرولت إليها ميس وحاولت طمأنتها بصوتها الرقيق :– إهدى يا ولاء وإن شاء الله خير
نادت ميس لإحدى الممرضات لتقوم بإستدعاء الطبيبة النسائية ، وبذلك الوقت وقعت فى حيرة بين أن تذهب لراسل فى غرفة الجراحة أو أن ترافق ولاء والطبيبة ، فحسمت أمرها بأن ذهبت لترى ولاء وهى تضع مولودها ، رغم علمها بأنها لن تسلم من توبيخ راسل لها لعدم إستماعها لأوامره ، ولكنها نسيت كل شئ عندما سمعت صوت بكاء الصغير ،الذى جاء للعالم بعد قليل من المشقة
بعد أن ألبسته الممرضة ثيابه ، حملته ميس بين ذراعيها وإبتسمت قائلة بصوت خافت :– بسم الله الرحمن الرحيم ، ماشاء الله
نظرت لولاء وأضافت :– عسول أوى يا ولاء ، ربنا يباركلك فيه
ردت ولاء قائلة بوهن :– تسلميلى يا حبيبتي وعقبال عندك يارب
لم تكن ميس تريد أن تشق عليها فى الحديث ، فتركتها بعهدة الطبيبة وأخذت الصغير وخرجت من الغرفة ، فأقبل عليها معتصم بلهفة ، فوضعت الرضيع بين ذراعيه وهى تقول بإبتسامتها الصافية :
– مبروك ما جالك يا معتصم يتربى فى عزك إن شاء الله
قبل معتصم رأس الرضيع ونظر لشقيقه عمران وهو يقول بحب :– إيه رأيك فى عمران الصغير يا عمران ، بقى عندى مراد وعمران
إجتاح عمران شعور عارم بالمحبة تجاه شقيقه ، إذ لم يضع فى باله يوماً أن يطلق إسمه على أحد أطفاله ، فأقترب منه يحتضنه ، فأسرعت ميس فى أخذ الصغير وهى تقول بتفكه :
– هاتوا عمران قبل ما تفعصوه بينكم ، دا هيبقى حبيب مرات عمه ده، وهربيه واعلمه الأدب علشان ....
ضحكت وتركت باقى جملتها معلقة فى الهواء ، ولكنها تعلم أن زوجها ربما فطن لمقصدها ودل على ذلك حاجبه الأيسر المرفوع بتحذير من أنه يضمر لها نية لا تعلم عاقبتها
خرج راسل من غرفة الجراحة ولكن قبل أن يتبرم لعدم إستماعها لأمره ، ذاب قلبه ما أن رآى ذلك الرضيع بين يديها ، فانحنى يقبله وهو يقول باسماً:
– ماشاء الله تبارك الرحمن ، ده إبن ولاء
حركت ميس رأسها بالإيجاب وقالت بإبتسامة مشرقة :– أيوة يبقى عمران أفندى الصغير
نظر راسل لعمران ممازحاً:– مش كفاية علينا عمران واحد محدش قادر عليه ، يبقى عندنا عمران تانى ويزهقنا
وضع عمران يديه بجيبى بنطاله قائلاً بوعيد زائف :– لو مسكتش إنت وبنت اخوك ، هخلفلكم كل سنة عيل واسميه عمران برضه ، علشان ينكدوا عليكم فى الراحة والجاية
ضحكوا جميعهم ومن ثم دلفوا لتلك الغرفة التى تم نقل ولاء إليها ، فأقترب راسل من فراشها مهنئاً :– حمد الله على السلامة يا ولاء ، ويتربى فى عزكم إن شاء الله
ردت ولاء قائلة بإبتسامة :– تسلميلى يا أبيه ويبارك فى عمرك يارب وعقبال ما نفرح بأخ ولا أخت لسجود
ولجت والدتها الغرفة قائلة بلهفة :– حبيبتى عاملة ايه دلوقتى ألف الحمد لله على السلامة كده معتصم ميتصلش عليا إلا بعد ما ولدتى
أنحنت إسعاد تقبل ابنتها ، فربتت ولاء على ذراعها متأسفة :– معلش يا ماما الولادة جت فجأة ومعتصم كان مرتبك كويس أنه جابنى المستشفى أولد مودنيش مكان تانى
جلس معتصم على طرف الفراش قائلاً بتفكه :– أعملك ايه عمالة تصوتى فى ودنى وتقوليلى هموت ، مع أنك ولدتى قبل كده ، مش عارف الصياح بتاعك المرة دى كان زيادة أوى عن المرة الأولى
كأن ولاء أنتبهت على أن مراد لم يكن برفقتهما ، فرمقت زوجها بفزع وتساءلت :– هو مراد فين يا معتصم
أجابها زوجها بهدوء :– سبته فى البيت مع الدادة متخافيش مش هكون مرتبك لدرجة أنسى أبنى الأولانى فى أى مكان
جذب عمران يد زوجته حتى خرجا من الغرفة ، فهمس لها قائلاً وعيناه ملتمعتان ببريق التمنى :– دلوقتى بقى عندنا عمران تانى مش يبقى احنا بقى نجبله ماسة ، علشان يبقى فى البيت ماسة وعمران
زاغت ميس بعينيها حتى لا تفضحها خضراوتيتها فى أنها باتت لا تتمنى سوى أن تعود وتحمل ثمرة عشقهما ، و إحمرار وجنتيها كان خير دليل على أنها لا تمانع فى تحقيق أمنيته ، فما أن أنتهى دوامها بالمشفى وعادت برفقته للمنزل ، واطمئنا على خلود مراد للنوم ، إذ أن ولاء ستظل ليلتها تلك فى المشفى ويرافقها والدتها ومعتصم
سبقته هى إلى الغرفة ، لحين إنتهاءه من الحديث مع أحد رجاله و ما أن أنتهى عمران من اجتماعه القصير ، صعد الدرج حتى وصل لغرفته ، فزفر بإحباط ما أن وجد الغرفة خالية ، ولكن قبل أن يعرب عن ضيقه ، وجد ذراعان ناعمان حنونان يلتفان حوله ورأسها الجميل يتكأ على ظهره ، أغمض عينيه وهو يستنشق الهواء حوله والذى كاد يسكره من رائحة عطرها المختلطة به ، فرفع إحدى راحتيها وقبل باطنها دلالة على أن هناك عاصفة من الشوق قد تجتاحهما سوياً ، ولن يقبل تلك المرة بأى عذر ومبرر لإبتعادها عنه ، فهو تحمل ما زاد عن طاقته فى إنتظارها حتى تستطع أن تضع الماضى ومخاوفها السابقة جانباً ، ولا حاجة لها أن تخشاه ، فهى لن تجده سوى زوجاً عاشقاً متلهفاً لإحياء ليالى عشقهما من جديد ، وماهى إلا لحظات حتى غلبتهما عاطفتهما ولم يدرى أى منهما ذلك التغيير الذى طرأ على عناقهما الهادئ والذى أضحى وصال شغوف وضعاً به كل أشواقهما ، فتأملها بحيرة وهى غافية على ذراعه ، إذ أن لا أنثى غيرها تستطيع أن تضعضع توازنه وصلابته غيرها ، كأن عيناه وقلبه يأبيان أن تأسرهما سوى خضراوتيها المتمردتين ، فصار مثلما قالت من أنه يشبه ذكر الذئب الذى لا ترضيه سوى أنثى واحدة ❈-❈-❈صارت أيامه خالية من البهجة و الحياة ومن أى لون يستطيع به أن يكمل الباقى من حياته ، رتابة وملل وفتور هذا ما كان عليه حاله منذ أن ودعها أمام منزل أبيها ، ومن بعد عودته لمنزله تأهب للعودة إلى إيطاليا مرة أخرى ، وربما تلك المرة سيكون ذهاباً دون عودة ، فشقيقته تحسنت أوضاعها وأحوالها مع زوجها وإبنة عمه أيضاً وبات مطمئناً من أنهما ستنعمان بحياة زوجية سعيدة ، ولا يوجد خاسر بلعبة العشق غيره ، لذلك سيلملم الباقى من قلبه الجريح المتأجج بنيران لن يفلح أى شئ فى إخمادها سوى ما هو ناوٍ على فعله
أخذ حقيبته وخرج من غرفته ، وكان قد أوصى بيرى والخدم بأن يعتنوا بمارجريت أثناء غيابه ، ورغم عدم فهم حياء وبيرى لإصراره فى العودة لإيطاليا بعد ما وضع خططه للإقامة الدائمة فى إسكندرية ، إلا أن لا واحدة منهما أبدت إعتراضها على أن يفعل ما يريده ويراه مناسباً . ما أن وصل للخارج ورآه الحارس هرول إليه ليأخذ حقيبته ويضعها بتلك السيارة التى سيقوم بقيادتها لعدم رغبة سيده فى أن يقودها ، وما أن جلس ديفيد فى المقعد الخلفى ، أدار الحارس محرك السيارة وأنطلق بها ، ومن حين لأخر ينظر فى المرآة الأمامية متعجباً من حال ديفيد ، والذى إذا رآه أحد لا يصدق أنه بذاته القادر على خلق حالة من الهرج والمرج والجنون إذا لم يطيعه أحد من رجاله ، بل بدا هادئاً ساكناً صامتاً كأنه لم يعد يجد ما يقوله أو أنه صار أبكماً
هتف الحارس به بإحترام بعدما صف السيارة :– وصلنا يا ديفيد بيه
إنتبه على صوت الحارس الذى إنتشله من شروده وتفكيره الذى تمحور حول تلك التى فارقته وربما لن يعود بالإمكان أن يلتقيان مرة أخرى ، فأخذ نفساً عميقاً وخرج من السيارة ومن ثم بدأ فى إنهاء إجراءات سفره لإيطاليا ، وما أن اتخذ مقعده فى الطائرة ، نظر من النافذة وشعور سحق قلبه من أن ربما عندما سيعود إلى الإسكندرية مرة أخرى لن يعود حياً ، فحاول غلق باب التفكير فى تلك الأمور التى سيقدم عليها حالياً ، ولينال قسط من النوم لحين وصوله ، فهو لديه الوقت الكافى للتفكير فى كل ما حدث وما يمكن أن يحدث
وما أن هبطت الطائرة خروج منها وأنهى معاملاته فى المطار ووصل للخارج ليرى تلك السيارة التى من المفترض أن تكون فى إنتظاره ، ولكنه رآى ذلك الرجل الذى كان يتبعه كظله فى الإسكندرية ، فألقى عليه نظرة عابرة كريهة دون أن يتحدث ، إلا أن ذلك الرجل لم يكن يفوت تلك الفرصة فى إثارة أعصاب ديفيد حد الإنفجار
أقترب منه ووكزه فى كتفه بخفة ممازحاً بسخافة :– أرى أنك منذ الآن قد أفتقدت زوجتك ، ولك الحق يا صديقى ، فهى إمرأة جميلة ومثيرة
لم يكن ديفيد بوضع يخوله أن يسمع صوت أحد خاصة هو ، فوثب عليه وظل يلكمه فى وجهه وهو يصرخ بجنون :– لا أريد سماعك تتحدث عنها أيها الوغد ، أسمعت
لولا إسراع بعض المارة فى فض العراك بينهما ، لكان ديفيد أطلق عليه الرصاص فى الحال ، فرشقه الرجل بنظراته الكريهة المنبعثة من عينيه التى لم يرى بهما ديفيد سوى الكره الخالص له ، وربما ذلك يعود لأن ديفيد صار الفتى المدلل لدى الزعيم الكبير ، فهذا الرجل يرى أنه هو الأحق بذلك ، لذلك صار لا يفوت مناسبة دون إثارة أعصابه ليجعله يخطئ مرة تلو الأخرى وبذلك يكون لديه الحجة اللازمة لإخبار الزعيم بأن ديفيد لا يستحق كل هذا التدليل الذى سيعود عليهم بالسوء والخسارة
رفع ديفيد سبابته قائلاً بوعيد صريح :– إياك أن تحاول إثارة غضبى مرة أخرى ، وإلا أقسم لك بأننى لن أتوانى عن إهداءك طلقة فى رأسك وأخرسك إلى الأبد ، أفهمت
حمل ديفيد حقيبته وألقى بها فى تلك السيارة المكشوفة الغطاء ، ومن ثم جلس خلف المقود وقادها بسرعة تاركاً ذلك الرجل واقفاً مكانه ليتدبر أمره فى العودة ، وما أن وصل لذلك المنزل الذى يمتلكه ، خرج من السيارة ولم يكتفى بذلك ، بل أنه بعدما أخذ حقيبته ، قام بتشغيل المحرك حتى سقطت السيارة من على ذلك الجرف العالى القريب من المنزل ، لعلمه بأنها المفضلة لدى صاحبها
حدق فى السيارة المشتعلة قائلاً برضا تام:– كان نفسى يبقى هو كمان جواها علشان اولع فيهم هم الاتنين ، بس ملحوقة مبقاش باقى كتير ، وهخلص منه
ولج المنزل ونادى الخادمة التى أسرعت فى أخذ حقيبته لتضعها فى غرفته ، ورغم تلك الأجواء الساحرة المحيطة بذلك البيت ذو التصميم الرائع والأنيق ، إلا أن لاشئ يستطيع محو ذلك التجهم الذى أنطبع على قسماته المليحة ، سوى أن يعود ويراها من جديد ، ولكن كأن أمنيته تلك ستظل عالقة بين الرجاء والتمنى
فبعدما أخذ قسط من الراحة نهض من فراشه ، وأخذ حاسوبه وبدأ فى تسجيل بعض الرسائل الصوتية والمرئية لزوجته وشقيقته على أقراص مدمجة ، وبعدما أنتهى وضعها بظرف أبيض وأمر أحد الرجال بإرساله إلى السفارة المصرية فى الغد مع رسالة نصية مكتوبة على ورقة داخل الظرف ، ولم ينسى أن يرفق معه رسالة أخرى توضح أسباب إرساله إلى السفارة المصرية ، وبعد إنتهاءه ذهب للمرحاض وأغتسل وأرتدى ثيابه ، وأخذ ثلاثة أسلحة نارية ، وضع كل منهم بمكانه داخل سترته وغمده
سمع رنين الهاتف وضعه على أذنه قائلاً بجمود :– حسناً ، فالوقت قد حان ، واليوم سيكون لدينا الكثير من العروض الدموية
أنهى مكالمته ومن ثم خرج من الغرفة وقدميه تسيران بثبات رغم علمه أنه ربما ذاهباً ليلقى حتفه ، إلا أن لا شئ سيردعه عن فعل ما يريد ، فلا مجال للتراجع أو العودة وبعدما أخذ تلك السيارة الموضوعة فى المرآب ، خرج من المنزل ، كأنه لا يملك صبراً ليصل إلى وجهته التى ربما ستكون الأخيرة التى يصل إليها
صف السيارة أمام ذلك المبنى الضخم والملتف حوله العديد من الرجال المدججين بالسلاح ، فهنا يتم عقد كل الصفقات الغير مشروعة من تجارة المخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية وبيع الفتيات وكل ما يختص بذلك العالم المظلم والسئ والذى يطلق عليه عالم عصابات المافيا
إصطحبه أحد الرجال حتى وصل لتلك الغرفة الفسيحة والتى تتوسطها طاولة طويلة يترأسها رجل أشيب نال منه الكبر ورغم ذلك مازالت ملامحه توحى بالقوة والتسلط والجبروت
إبتسم ما أن رآى ديفيد وأشار إليه بأن يجلس على يمينه بذلك المقعد الذى كان فيما مضى مختصاً بعمه أدريانو ، فقال بنبرة خشنة :– هيا أجلس يا ديفيد فلا أحد غيرك يستحق هذا المقعد ، أرى أن نصائح أدريانو لم تذهب سدى ، ولعبتنا تلك قواعدها كل ما تناله يدك يصبح ملك لك
وضع ديفيد يده على كتف الرجل الأشيب وانحنى قائلاً بإبتسامة مراوغة :– إذن فأنت الآن ملك لى ،فيدى قد نالت منك حقاً
تبع ديفيد حديثه بضحكة عالية ليوهم الجميع أن قوله ماهو إلا مزحة ودعابة أراد بها أن يضفى قليل من المرح قبل بدأ جلستهم ، فضحك الجميع وكأن شئ لم يكن ، وبعد أن أخذ ديفيد مكانه حيث أشار الزعيم ، نظر لذلك الذى يقف بجوار مقعده وينظر له بحقد دفين
بدأ الإجتماع كالعادة بأن يملى عليهم الزعيم الكبير تلك المهام التى من المفترض أن يقوم بها كل فرد يجلس فى تلك الغرفة ، نظر ديفيد للساعة فى هاتفه ، فالوقت قد حان وبدأ العد التنازلى لبدأ تلك المعركة الدامية
وما أن أنتهى الوقت المحدد أخرج ديفيد أحد الأسلحة الثلاثة ووضعه أمامه على الطاولة قائلاً بهدوء وإبتسامة شبه مختلة:– أرى أنك تحدثت كثيراً ، وقد حان الوقت لأن تصمت إلى الأبد
حملق الزعيم فى وجهه بدهشة من جرأته فى الحديث معه ، وبطرف سبابته أشار لرجاله بأن يجهزوا عليه ، ولكن لم يتحرك أحد من مكانه ، فصاح بصوت جهورى :– لم لا تنفذون ما أمرتكم به
تولى ديفيد الرد عليه قائلاً بثقة بعدما أشار للرجال بتصويب أسلحتهم تجاه الزعيم :– لأنهم صاروا رجالى الآن ولن تجد أحد يستمع إليك سوى ذلك العاهر الذى يقف بجوارك
متى وكيف تم كل هذا ، فلا أحد يعلم سوى ديفيد الذى إستطاع شراء الحراس جميعهم وتعهدوا له بالولاء والطاعة ، فهو خطط لذلك الأمر منذ عمله معهم ليحقق إنتقامه وثأره لموت والديه وأشقاءه ، فذلك الرجل الذى يجلس أمامه هو من أصدر أمره بقتل أبويه عندما تم كشف أمر عمه أدريانو والذى لم يستطع فعل شئ سوى مساعدتهم فى النيل من شقيقه وصار هو ضحية لأطماعه وافترق عن شقيقته وتم حرمانه من دفء أسرته ليلقى به عمه فى أحضان الخطيئة والرزيلة وتشرب طباع الغدر والخداع ، وكم كان بارعاً فى إتقان دور الشاب المطيع لأوامره حتى جعله يأمن جانبه لحين مجئ اللحظة الحاسمة لأخذ ثأره
لوح ديفيد بسلاحه فى وجه الرجل ساخراً:– لا تخف هكذا ، فأنا سأحرص على إرسالك للجحيم فى أسرع وقت دون أن تتألم كثيراً ، رغم أننى أريد تمزيق جسدك كما تمزق قلبى لموت والدى وأشقائى ، فكل مرة كنت أنظر فيها إليك كنت أشعر بأننى أحترق حياً ، ولكن كان على أن أطيعك وأبتسم وأكون الرجل المفضل لديك ، ولكن الآن لن يعود فى مقدورى أن أنتظر دقيقة أخرى ، فلم أعد أملك ما أخسره بعدما خسرت كل شئ
ما كاد يطلق ديفيد رصاصة من سلاحه حتى توافد من خارج الغرفة عدد من الرجال لم يعلم من أين جاءوا بتلك اللحظة ، ولا شئ يفسر وجودهم سوى أن الزعيم دائماً ما كان متيقظاً لحدوث شئ كهذا ، لذلك هو يملك عدداً من الرجال لا أحد يعلم بشأنهم سواه هو ، وتلك العصا التى يحملها بها جهاز دقيق يرسل إشارات بأن هناك خطر يحاوطه ، فأختلت توازن تلك اللعبة والخطة التى وضعها ديفيد ، وصار الموقف متأزماً بعد سماعه قصف الطلقات النارية ، بل أن هناك نيران نشبت فى الغرفة لم يستطع أحد تفسير أسباب إشتعالها ، فباتت الغرفة كأحد أبواب الجحيم ، ولكن ديفيد أقسم أن ينال منه وسيفعل ، فبمهارته المعتادة إستطاع إصابة الزعيم بطلقة نارية فى جبهته حتى وهو وسط عدد من رجاله ، وبسقوط الزعيم قتيلاً ، كأن حرب أهلية قامت بين الجميع ، وصار المكان ممتلئ بالقتلى ، وأصيب ديفيد بطلق نارى فى كتفه وأخر فى ساقه ، علاوة على أثار الحروق التى ملأت أحد جانبى وجهه
نجح فى الهروب إلا أنه وجد ذلك الرجل يتبعه فصاح قائلاً بحقد :– إلى أين أنت ذاهب يا ديفيد ، فقد حان وقت إرسالك إلى الجحيم أنت أيضاً
دوى صوت الطلقات النارية فى ذلك السكون وتلاه صراخ ذلك الطائر الذى ربما شهد على لمحة من إحدى المجازر البشرية وعلت صيحة إحتجاجه على رؤية تلك الدماء الغزيرة وظل كأنه ينوح حتى طار بعيداً
فسقط الرجل قتيلاً وسقط ديفيد على وجهه هامساً بخفوت :– ياسمين
فبعد مرور يومان... وأثناء وجود راسل فى غرفة مكتبه بالمشفى ، سمع رنين هاتفه ، وتعجب فى البداية من أن الرقم من خارج مصر ، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يجيب على الإتصال ، فرد قائلاً بهدوء :– ألو أيوة مين معايا
جاء الرد على الطرف الآخر متسائلاً:– هو حضرتك الدكتور راسل النعمانى زوج مدام حياء
أجابه راسل بشئ من التوجس خاصة بعد سماع إسم زوجته :– أيوة أنا خير فى إيه ؟ وحضرتك تعرف مراتى منين
عاد الرجل يسأله بإستفسار :– هى ليها أخ فعلاً إسمه ديفيد دانيال اسكندر شمعون
رد راسل قائلاً بنفاذ صبر :– أيوة ديفيد دانيال يبقى أخوها ، بس ليه بتسأل وعايز منها إيه وأنت علاقتك إيه بيهم
قال الرجل بمهنية ونبرة تميل للبرود قليلاً:– أنا من السفارة المصرية فى إيطاليا ، ببلغ حضرتك أن أخو المدام بتاعتك للأسف مات ، وكان بعتلنا ظرف فيه سيديهات ورسالة مكتوب فيها انهم خاصين بمراته وأخته وكمان رقم تليفونك و إن فى حالة وفاته نكلمك ونبلغك الخبر وأحنا هنبعت الجثة بكرة على إسكندرية وحد يستلمها علشان إجراءات الدفن
❈-❈-❈يتبع...!!!!