تحميل رواية «برلمان» PDF
بقلم زينة عماد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
"يا بابا يا مامااا… الحقووو انا قبلت!! أنا قبلت!!!" كنت بصرّخ وأنا داخله البيت كإني حد سايبلي نار في قلبي وطلّع فجأة. بابا وقف قدّام التلفزيون وهو مزهول: "في إيه يا بنت المجانين؟ بتصوّتي ليه؟!" لفّيت عليه بعينين مليانين دموع فرحة: "قبلت يا بابا… قَبِلوني في المستشفى! أخيرًا… أخيرًااا!" دخل عليّا وهو مش فاهم يفرح ولا يقلق: "طب اهدي يا بنتي… انتي ناوية تروحي؟" “أكيد يا بابا، أومّال قدمت ليه؟! ده حلمي!” هز راسه بقلق أبوّي معرفهوش غير في اللحظات الجد: "بس يا … دي مستشفى خاصة، وبيطحنوكي شغل فيها." اب...
رواية برلمان الفصل الأول 1 - بقلم زينة عماد
"يا بابا يا مامااا… الحقووو انا قبلت!! أنا قبلت!!!"
كنت بصرّخ وأنا داخله البيت كإني حد سايبلي نار في قلبي وطلّع فجأة. بابا وقف قدّام التلفزيون وهو مزهول:
"في إيه يا بنت المجانين؟ بتصوّتي ليه؟!"
لفّيت عليه بعينين مليانين دموع فرحة:
"قبلت يا بابا… قَبِلوني في المستشفى! أخيرًا… أخيرًااا!"
دخل عليّا وهو مش فاهم يفرح ولا يقلق:
"طب اهدي يا بنتي… انتي ناوية تروحي؟"
“أكيد يا بابا، أومّال قدمت ليه؟! ده حلمي!”
هز راسه بقلق أبوّي معرفهوش غير في اللحظات الجد:
"بس يا برلمان… دي مستشفى خاصة، وبيطحنوكي شغل فيها."
ابتسمت وأنا ماسكة إيدي ببعض كإني بخبي رعشة الحماس:
"مش مهم… المهم إني هناك إن شاء الله هقرّب من حلمي. هتعلم… وهفهم… وهبدأ طريقي في الجراحة."
بُصَّ لي بصة فيها خوف… وفخر:
"ربنا يوفقِك يا بنتي."
لفّيت بدوري أدور على ماما:
"هي فين؟ خليني أفرّحها."
"مامتِك راحت السوق تجيب شوية حاجات."
وبعدين رجعت أحكيلكم… آه نسيت، أعرّفكم بنفسي:
اسمي… برلمان. أيوه متستغربوش… أبويا عنده روح وطنية زايدة شوية.
فقرر يسميني برلمان.
أنا عندي 25 سنة، ودخلت طب… قسم جراحة قلب. والنهارده… النهارده بس، حسّيت إني قربت أمد إيدي على حلمي بإيديا.
"احلفي يا بنت الإيه قبلتي إزاي؟!"
ضحكت وأنا لسه مش مستوعبة:
"معرفش والله… كنت فاكرة من غير واسطة مستحيل أقبل. بس وكلت أمري لربنا، وقدّمت وخلاص. وبعد شهر… لاقيت رسالة منهم… إنّي اتقبلت. وبكرة عندي المقابلة."
"ربنا يوفقك يا قلبي."
وقبل ما أتنفس، افتكرت:
"آه… البنات بيقولوا هيتجمعوا شوية… هتيجي ولا لأ؟"
"أه إن شاء الله… أصلّي كنت عايزة أفكّك شوية."
الكافيه كان مليان دوشة، بس الترابيزة اللي قاعدين عليها البنات… كانت الدوشة فيها من نوع تاني: ضحك، هزار، وأسئلة كتير مستنياها.
أول ما دخلِت، البنات صرخوا:
"هـــيييي يا دكتووووررررررة!!"
قعدِت وهي مبتسمة ومكسوفة نص كسوف:
"يا بنات بس يا فضايح… الناس بتبص."
ملك ضربت إيديها في الترابيزة وقالت:
"يلا احكيلنا… احكيلنا! انتي هتروّحي بكرا المقابلة، صح؟"
"أيوه… الساعة عشرة الصبح."
سارة قربت منها وقالت بجدية مصطنعة:
"طب وقلِّيلنا… انتي جاهزة تعملّي العملية للقلب؟"
البنات انفجروا ضحك، وهي ضربتها بخفّة:
"اقعدي بس يا بت… ده لسه هعرف أوصل للدكاترة الأول!"
ملك اتسندت لقدّام ووشها بقى جد شوية:
"طب… خايفة؟"
سكتت لحظة… وبصّت في كوباية العصير:
"أيوه… شوية. بس فرحانة أكتر. حاسّة إن دي أول خطوة في حياتي."
رُندا قفزت في النص:
"طب يلا نخش في المهم بقى…"
"إيه المهم؟" قالتها وهي عارفة إن السؤال جاي.
رُندا رفعت حواجبها:
"عرفتي عنه حاجه ولا لسه؟"
اتسكتت… وعنيها هربت بعيد.
البنات بصّوا لبعض… وبصّوا لها بمزيج من الفضول والاهتمام.
ملك سألتها بنبرة أهدى:
"لسه…؟"
هزت راسها:
"لسه.
لا كلّم… ولا ظهر… ولا حتى عرفت بيعمل إيه دلوقتي بقالى سبع سنين معرفش عنه حاجه."
سارة مالت عليها:
"بتفكّري فيه؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة… فيها تعب… وفيها شوق:
"بفكر… غصب عني.بس بقيت بقول لنفسي: ربنا لو كاتب لينا حاجة… هتحصل."
رُندا بمرارة ضاحكة:
"طب وإحنا؟ نفضل نسأل عليه ولا نقفله الموضوع؟"
ضحكت وهي تمسح على شعرها:
"لا اسألو… اسألو براحتكم.
أنا بجد مش عندي إجابة."
سارة مسكت إيديها وقالت:
"بس هو أكيد فخور بيكي… حتى لو مش موجود دلوقتي. انتي داخلة جراحة قلب يا بت… ده حلم!"
اتنهدت وقالت:
"عارفين؟… نفسي يوم ما ألبس البالطو الأبيض… يكون هو أول حد يشوفني."
البنات صرخوا تاني:
"ياااااه يا رومانسيتك! يا عينييي!"
ضحكت معاهم… بس جواها كانت بتقول:
"يا رب… لو لسه فيه حاجة… اديني علامه"
---
وقفت قدّام المستشفى السعودي الألماني…
المكان اللي من وأنا في ثانوي كنت بس أعرف إنِّي معدِّي من قدّامه، قلبي يتنفض.
المبنى الضخم، اللمبات البيضا اللي على المدخل، صوت الأجهزة من بعيد…
كل ده كان بالنسبالي حلم مستحيل.
مسكت شنطتي بإيد كانت بتتهز من التوتر، وبصيت لفوق…
"يارب… هوصل؟"
افتكرت كل يوم صحيت فيه بدري، كل مرة قلت لنفسي:
"حتى لو محدش ساعدك… ربنا هيبعتلك طريقك."
وهاهو… الطريق قدّامي.
تنفست نفس عميق… وقلت بصوت واطي:
"يااااه… أنا هنا بجد."
خطفت خطوة لجوه…
لحظة حسّيتها أطول من الطريق كله اللي جبته عشان أوصل للباب ده.
---
دخلت… لقيت المكان بارد، منظم، والموظفة واقفة ورا المكاتب بشكل رسمي زيادة عن اللزوم.
قربت منها:
"لو سمحتي… أنا عندي مقابلة النهارده."
بصّتلي من فوق لتحت… بنظرة تقييم:
"اسمك إيه؟"
"برلمان… برلمان أحمد."
الموظفة كتبت حاجة بسرعة وقالت:
"تمام يا دكتورة… استني في القاعة رقم ٢. هينادوا عليكي."
قلبي وقع من كلمة "يا دكتورة" مع إني لسه ولا حاجة…
بس الكلمة دي كانت زي دعوة مستجابة.
قعدت في القاعة…
إيديا ساقعة ومخنوقة، ورجلي بتتهز من التوتر.
بعد عشر دقايق…
الباب اتفتح:
"الأستاذة برلمان… تفضّلي على المقابلة."
قمت وأنا بقول في سرّي:
"اللهم يسّر ولا تعسّر."
---
دخلت لقيت اتنين دكاترة قاعدين، وشخص تالت ماسك CV بتاعي.
الدكتور الأول قال بهدوء:
"اتفضّلي يا برلمان، احكيلينا… ليه عايزة تكوني جزء من المستشفى السعودي الألماني؟"
بلعت ريقي… وابتديت:
"من وأنا في ثانوي… وأنا نفسي أدخل المكان ده.مش عشان الاسم… رغم إنه كبير.
لكن عشان هنا بتتعلّم بجد… بتشوف الحالات اللي بتكبرك… وبتخليكي إنسانة قبل ما تبقي طبيبة."
الدكتور التاني ابتسم:
"واضح إنك مركّزة على الجراحة؟"
"أيوه… ده حلمي. جراحة القلب تحديدًا.
وأنا عارفة إن الطريق صعب… بس ده الطريق اللي اخترته بإيديا."
بصّ لبعضهم…والدكتور الأول سأل سؤال كان باين عليه إنه عايز يشوف رد فعلي:
"طيب… إنتي شايفة نفسك فين بعد خمس سنين؟"
رفعت راسي…
"شايفاني لابسة بالطو أبيض… بفتح صدر أول حالة ليا تحت إشراف دكتور أكبر… وبقول لنفسي: كنت فين؟ وبقيت فين؟"
الراجل اللي ماسك الـ CV ضحك بخفّة:
"واضح إن عندك يقين."
ابتسمت:
"عندي ربنا."
سكتوا شوية…وبعدين الدكتور الأول قال:
"تمام… إحنا هنراجع باقي الملفات، وهنتواصل معاكي خلال أيام."
قمت وسلمت…وقبل ما أخرج… قالولي:
"موفّقة يا برلمان."
طلعت من الأوضة…ومنين معرفش… دمعة نزلت.
دمعة انتصار صغيرة.
مكنتش اعرف ان حياتي هتتغير من اللحظه دى
"انتي برلمان صح ؟"
رواية برلمان الفصل الثاني 2 - بقلم زينة عماد
"انتي برلمان… صح؟"
"أيوه… مين حضرتك؟"
"أنا دكتور مازن… كنت المعيد بتاعك في سنة تانية كلية."
"آه… إزاي حضرتك يا دكتور؟ اعذرني، صعب أفكر الوشوش بعد فترة."
"لا ولا يهمك يا دكتورة. بتعملي إيه هنا؟"
"أنا جاية عشان المقابلة… بعتولي رسالة بالقبول وجيت."
"كنت دايمًا بقولك إنك موهوبة… وواثق إنك هتبقي حاجة كبيرة في المستقبل."
سكت لحظة، وبعدين كمل:
"لو احتجتي أي حاجة… أنا موجود في قسم الجراحة."
"شكرًا جدًا يا دكتور… أستأذن."
ركبت عربيتي… مع إنها مش غالية ولا فخمة، بس غالية عندي. دي هدية بابا أول ما دخلت كلية الطب، وكل ما أقعد فيها أحس إنه لسه فخور بيا.
قعدت وسحبت نفس طويل… والكلام خرج لوحده:
"كان نفسي تكون معايا دلوقتي… لو ماكنتش اتخلّيت عني، كان زمانّا متجوزين… وكان الإنجازات دي بنعيشها سوا. مش لوحدي."
شغّلت العربية ومشيت. الطريق كان أطول من الطبيعي، يمكن عشان دماغي رايحة جايّة. ولما وصلت شارع بيتنا، كنت خلاص هموت أدخل وأرتاح… بس فجأة سمعت:
"برلمــــان! يا برلمــــان!"
وقفت وبصيت…
"إيه دا؟ رودينا! عاش من شافِك يا شيخة… كنتي فين؟"
"إنتي اللي كنتي فين! أنا هنا على طول!"
"والله أنا بعتّلك مليون رسالة على الواتساب… وإنتي ولا رد؟"
"يا ستي ما إنتي عارفة إني بكره الواتساب!"
"ماشي… هنعدّيها."
"أخبارك إيه؟ وبتعملي إيه أصلاً؟ أنا بقالي يومين بجهّز البيت ومشوفتكيش خالص."
استغربت:
"بتجهّزي البيت اه صحيح هما ليه هدوه وبنوه تاني؟"
قالت وهي مكملة مشوارها:
"خالتو وابنها نازلين من أمريكا. قالتلي جاهّزي البيت كله."
هنا… الدنيا اتشقلبت عليّ.
حسيت الأرض بتميل، والهوا اتسحب من صدري.
"نازل؟… مين اللي نازل؟ وامتي؟"
رودينا وقفت:
"مالك؟ بتسألي كده ليه؟"
قلت بصوت واطي:
"قولي… مين اللي نازل؟"
قالت ببساطة:
"البشمهندس يوسف. بعد سبع سنين. خالتو اتصلت امبارح وقالتلي أرتّب البيت على أحسن شكل. بس معاد معين مدتناش بس تقريبا يا النهارده يا بكرا بالكتير اوي."
وقتها حسّيت قلبي بينزل لتحت.
سبع سنين… ويرجع كأن ولا يوم عدى؟
تمتمت:
"يييجوا بالسلامة… إن شاء الله."
ومشيت.
لا… الحقيقة إني جريت.
قلبي كان بيدق بسرعة تخوّف، ورجلي مش شايلاني. دخلت البيت وطلعت الأوضة قبل ما حد يشوف شكلي.
قفلت الباب ووقفت قدام المراية.
"اهدي يا برلمان… انتي بالعافية لملّيتي قلبِك. دلوقتي يرجع يبوّظ كل حاجة؟ هشوفه ازاي؟ هشوفه إزاي… ومعاه حياته الجديدة؟ وليه دلوقتي؟ وليه يرجع هنا أصلاً؟ أكيد… أكيد عايز يغظني. ابن فاطمة… يا مراري… يا مراااري."
ضحكت على نفسي فرغم كل الحزن إلى فى قلبي بس لسه ليا نفس اهزر.
"يا بت انتي يا بت!"
قومت مفزوعة:
"نعم يا ماما… نعم!"
"الزرع بتاعك اللي مشيّلاني همه… بقاله يومين محدش عبّره! تعالي شوفيه."
"يومين إزاي بس يا ماما؟! ما أنا قايلالك امبارح تبصي عليه!"
"آه… أصل أنا كنت الشغّالة اللي أبوكي جابها! قومي يا أختي وتعالي."
قمت وأنا مستغفرة:
"استغفر الله العظيم…"
وروحت على بلكونة البيت الرئيسية… البلكونة اللي ماليّاها ورد وريحان وألوان تهدي القلب.
الهوا ناعم… ورائحة الورد مالية المكان.
قربت من الورد الأحمر المفضل ليّ، ولمست أوراقه بإيدي.
مسكت الميّة وبدأت أسقيه، وابتديت أغنّي الأنشودة اللي بحبها:
"تقول بكل قسوتها لغيرك سوف تقتلني
أراني أذوب يا عمري ولا أدري ما يجبرني
نيران فتشعلني
ودمع الذات يغرقني
وأنت أراك تأسرني
مني إليك تسرقني
أراني أذوب يا عمري وليس سواك ينقذني"
وبينما أنا بغنّي، حسّيت بصوت ماما ورايا… واضح إنها كانت واقفة تسمع من أول لحظة.
قالت بهدوء غريب عليها:
"صوتِك حنين أوي يا برلمان."
بصيت لها بابتسامة صغيرة:
"صوتي بس اللي حنين يا ماما؟"
هزّت راسها بإحساس أم:
"كلك حنينة يا برلمان… ربنا يراضي قلبِك ويهديكي يا بنتي."
نزلت عيني على الورد، وقلبي اتحرك غصب عني:
"يارب يا ماما… يارب."
"أنا رايحة عند تيتا هقعد معاها شوية."
"استني… خدي طبق المحشي دا اديهولها معاكي."
"محشي إيه بس؟ ابقي دكتوره قد الدنيا واشيل طبق المحشي."
"يعني إيه يا بت؟ تخديه غصب عنك."
"سلمتلك أمري يارب هاتيه يا ماما هاتيه يا نبع الحنان."
وصلت عند تيتا وقابلتني بحضن دافي.
"وحشتيني… بقي كده كل دي غيبة."
"معلش… والله مشاغل كتير."
"مبروك… عرفت إنك قبلتي في الشغل."
"الله يبارك فيكي… أومال فين خالو وجميله؟"
"خالك تحت في مجلس الرجالة معاه واحد صاحبه، وجميله لما عرفوا إنك جايه راحت تجبلكم حاجات من السوبر ماركت تتسلو فيها."
"ماشي… هدخل أغير وأصلي العشاء."
روحت الأوضة المخصصة لي من كتر ما بقعد عندهم عملوهالى، غيرت وصليت، ولما خرجت… فجأة الصوت المزعج اللي في حياتي جه:
"ريمو يا ريمو… يا حتة سكرة! أنا جيتتت!"
نفسي أشوفها مرّة عاقلة وداخلة بهدوء.
"ايمبوسيبول… مستحيل!"
ضحكت وقالت:
"تعالى يلا… عايزة أحكيلك على مية حاجة حصلت وسهراتنا هتبقى صباحي."
"لا… أنا قايله لماما ساعة وجاية."
"اقعدي بس… انتي هتباتي كده كده… ولو على سارة أنا أقولها."
"آه نسيت أعرفكو… دي جميله… خالتو الصغيرة… أنا وهي نفس السن… دخلت فنون جميلة، وحاليًا شغالة في تصميم الأزياء في شركة كويسة."
"هل قعدتِ؟ اهو أحكي… بصي، محمد خطيبي عايز يخلي الفرح الشهر الجاي، وأنا مش عارفة أوافق ولا لا."
"طب إيه اللي يمنعك تتوافقي؟"
"أنا خايفة أوي… خايفة أتسرع."
"نعم… تتسرعي؟ دا انتو بقالكو سنة ونص مخطوبين… شوية وهتخلليه جنبك."
"وهو سنة ونص كتير… أنا لسه بتعرف عليه."
"ربنا يهديكي… الواد هيعمل إيه أكتر من كده؟ بقاله سنه ونص بيتحيل عليكي تتجوزو."
قطع كلامنا صوت الموبايل رن، فردت:
"الو… يا خالو."
"إيه دا… ريمو؟ أخبارك إيه؟"
"أنا كويسة الحمدلله… محتاج حاجة ولا إيه؟"
"آه… معلش… خلي جميله تنزل القهوة."
"حاضر."
قفلت الموبايل، وبعد شوية جميله قالت:
"خالو بيقولك نزلي القهوة."
"ييوووه… أنا لسه راجعة من برا ومش قادرة."
"خلاص… هنزلها أنا."
"إيه… انتي اللي هتنزليها؟"
"أيوه… فيها إيه؟"
"انتي عارفة مين تحت؟"
"صاحب خالو… وبعدين أنا مش هدخل… خالو هياخدها مني من على الباب."
"إيه دا… انتي شكلك مش عارفة مين تحت… طب انزلي يلا بسرعة."
"مين تحت؟"
"لا… انزلي بس."
"نازله اهو متزقيش بس"
خدت الشال على البيجامة، وطرحة حطيتها على شعري، وحطيت القهوة ونزلت.
كنت هخبط على الباب عشان خالو ياخد القهوة… بس صوت الضحكات اللي جوا البيت خنق كل كلمة في حلقّي.
ابتلعت ريقي بصعوبة… حسيت بصحّة الصدر وهي بتسحب أنفاسي. قلبي كان واقف لحظة… عرفت على طول الصوت ده… ما صدقتش عيني… هو دا!
الهواء حواليا اتجمد، وصدقيّة اللحظة غطت كل حاجة حوالي… الصينية وقعت من إيدي وأنا مصدومه وبكدب ودني، ومش قادرة أتحرك، مش قادرة أتنفس… كل اللي أقدر أعمله هو إني أقعد مشدودة، وأبص ليه، وأحس إن كل حياتي هتتقلب دلوقتي.
رواية برلمان الفصل الثالث 3 - بقلم زينة عماد
برلمان إيه اللي حصل؟
رديت بارتجاف: أنا… أنا… بس الصينية وقعت مني بالغلط.
طب بالراحة، عادي. تعالى.
لا لا. خلاص أنا هطلع علطول.
كنت متوترة، رجلي مش شايلاني وكل خطوة بتوجعني. قلبي بيدق بسرعة، وكنت بحاول اختلس النظر. أبص عليه. منكرش إنه كان وحشني أوي، نفسي أشوفه. وكل ثانية بعيد عنه كانت بتوجع قلبي أكتر.
فجأة، قطع تفكيري صوت خالو:
يا بنتي، رجلك اتحرقت من القهوة. تعالى. بس ده يوسف اللي جوا، مش حد غريب.
قلبي دق بعنف من ذكر اسمه. كأن كل حاجة حواليا توقفت. إحساس بالحنين والتوتر والفرحة اختلطوا مع بعض. نفسي أركض. نفسي أبكي. نفسي أتأكد إنه فعلاً هو.
رديت بصوت مخنوق، أقرب للعياط:
بالله عليك يا خالو. سبني.
مشيت وأنا بحاول أجري، لكن وجع رجلي مكنش سامحلي. كل خطوة كانت صعبة.
شعوري مختلط بين الألم، الرجفة، الحنين والتوتر.
دخلت الشقة وأنا خلاص… مش قادرة أمسك دموعي.
عيطت. عيطت أوي. عيطت وعوّضت السنين اللي كنت بكتم فيها.
كانت دموعي نازلة من غير ما أحس، صوت نفسي متقطع، وكأن كل اللي واجعني بقاله سنين انفجر في نفس اللحظة.
قابلتني جميلة.
بسم الله الرحمن الرحيم. مالك يا روحي؟ مالك؟
أول ما شوفتها… روحي انهارت.
حضنتها وزوّدت من عياطي، كأني بلحق نفسي من الغرق.
– رجع يا جميلة… رجع عشان يوجّع قلبي.
إنتي كنتي عارفة إنه تحت. ليه مقولتليش؟ ليه؟!
– طب اهدي بس. أنا افتكرت إنك هتفرحي. عشان نفسك تشوفيه.
– أفرح؟!
أفرح إيه بس. هفرح إني هشوف واحد متجوز؟!
– إيه؟ يوسف اتجوز؟! مستحيييل!
– لأ… اتجوز. رودينا قالتلي. تقريبا اتجوز.
جميلة قربت مني، شالت الشعر اللي كان لازق في وشي من كتر الدموع، وقعدتني على السرير.
– طب اهدي كده. واقعدي على السرير. بُصي… لو اتجوز، خالك كان عرف. أكيد…
قطع كلامنا صوت خالو وهو داخل:
– برلمان! رجلك… عملتي فيها إيه؟!
ساعتها بس… كإني فوقت. أدركت إن رجلي اتحرقت. مكنتش حاسه بالوجع، يمكن… يمكن عشان وجع قلبي كان أكبر بكتير من أي حرق.
– رجلك مالها؟! إيه اللي عمل فيها كده؟!
كان صوت جميلة مليان قلق. قلق يخض، يخليك تحس إنك فعلاً حصل لك حاجة كبيرة.
– وقعت الصينية. والقهوة ادلقت عليّا.
– طب استني… استني.
قامت جميلة بسرعة، بدأت تدور في الأول. قلبت الأدراج، بصت تحت السرير، فتحت الدولاب. لحد ما جابت علبة الإسعافات.
جت قعدت جنبي، فتحت العلبة، وإيديها بتترعش من القلق. ضمّدتلي الجرح بحنية. بس أنا… أنا كنتِ قاعدة سرحانة.
سرحانة في اللي حصل… واللي هيحصل… واللي قلبي مش قادر يفهمه… ولا يرفضه… ولا يقبله.
كل حاجة كانت بتتزاحم في دماغي، والوجع الحقيقي كان جوايا، مش في رجلي.
رن موبايل خالو. وكان يوسف هو اللي بيرن.
سمعت صوته وهو بيقول:
– برلمان بقت كويسه.
– آه… كويسه. الحرق سطحي. الحمد لله.
– طب كويس. أنا هروح دلوقت. خليك معاها.
– طب استني كده. عشان هي تقريبا هتروح. لو كده وصلها.
– برلمان… هتروحي ولا هتباتي؟
– أنا… أنا هروح.
ردت جميلة:
– لا… هتبات معايا النهارده.
– يعني… هتروحي ولا هتباتي؟
– خلاص يا محمد. قالت هتبات.
طب خلاص. أنا نازل أخرجك اهو وهي هتبات.
قفل خالو معاه، وقام نزل. وأنا قلبي بيدق. ممكن فعلاً يكون قلق عليا.
– دا أكيد. يا بنتي. مشوفتيش صوته. كان بيرجف ازاي.
– ااااه يا جميلة. ااااه.
– تعالى في حضني. تعالى يا عمري.
حضنتها. كنت بحاول انام بس معرفتش.
"يوسف"
وصل البيت. غيّر هدومه وطلع على البلكونة.
بص على بلكونتها. نفس البلكونة اللي حافظ كل وردة فيها.
تنهد: "آه يا برلمان. آه. شكلك هتتعبيني معاكي."
عينه فضلت معلّقة على بلكونتها اللي كلها ورد وزرع. حاجات تفتح النفس. زيها.
همس بصوت يكاد ما يُسمعش: "آسف يا نور عيني إني أذيتِك كده…"
مسك موبايله. فضل يقلبه في إيده. يفكر يرن ويطمن عليها. بس السؤال ضربه: هرن بصفتي مين؟
لو رنّ. هيحرج نفسه. ولو مرنش. مش هيعرف ينام الليل.
دخل الأوضة. ضغط على اسمها. ابتسم غصب عنه. على الاسم اللي مسمّيها بيه: "نبضي".
الموبايل رن. وجه صوتها:
– الو؟ مين؟
سكت. مقدرش يرد. صوتها لسه زي ما هو. رقيق. حنين. وجارح.
– الو؟ مين معايا؟
زفر بقوة. قلبه بيخونه.
– الو؟ يوسف…؟
مجرد ما نطقت اسمه. قفل المكالمة بسرعة. وقف بعدها في نص الأوضة، ماسك الموبايل بإيده وساكت. ويلعن نفسه إنه رن. ويلعن نفسه أكتر إنه قفّل.
– يا برلمان! يا برلمان! قومي. موبايلك مبطلش رن من الصبح!
– مين اللي بيرن؟
– معرفش. رقم غريب.
– طب هاتيه.
فتحت المكالمة:
– الو… مين؟
– ازيك يا برلمان. أنا دكتور مازن.
– ازيك يا دكتور. إيه الأخبار؟
– بخير الحمدلله. ابشري.
– ابشرت؟! لعله خير.
– انتي قبلتي يا ستي. وهتبدأ شغل بعد بكرا. أول ما عرفت حبيت أكون أنا أول واحد أقولك.
– احلف. قبلت؟! يعني خالص. هبدأ شغل؟
– أيوه. اى خدمة يا ستي. عايزه حلاوة الخبر ده؟
– انت تطلب عنيا لو عوزت.
– تسلميلي. أهم حاجة إني فرحتك. يلا في رعاية الله.
– وإياك. سلام.
قفلت المكالمة. وقلبي كاد يطير من الفرحة! قفزت على السرير بطنيط. وابتسمت لنفسي من كتر السعادة. كأن الدنيا كلها ضحكت معايا. نسيت رجلي المحروقة. نسيت كل التعب. لحد ما لسه مدايقة صوتها الداخلي قال لي:
– اااه. مش وقتك دلوقت!
ضحكت لنفسي. رجلي بتوجعني شوية، بس فرحتي كانت أقوى. كأن كل الألم اتنسى للحظة واحدة.
بعد يومين قضيتهم عند تيتا، قررت أرجع البيت.
وقفت عربيتي قدام البيت. وكنت لسه هدخل الجراج. بس اتصدمت. بيت يوسف. أنواره شغالة!
معقول خلاص سكنوا هنا. وانتي ده حصل؟!
قطعني صوت ماما وهي بتبص من البلكونة:
– يا برلمان. اطلعي يلا. الغدا جاهز.
– يا ماما الورد يا ماما.
ضاغط بأيدك عليه.
ـ حزين. الورد على سنينه. اللي واجه دماغي بيه.
ضحكت عليا انا وماما. دايما حواراتي معاه كفيله تطلعني من اى مود.
ركنت العربيه وطلعت البيت. غيرت وقعدت معاهم على السفره.
– بابا كلمت زين عشان ينزل؟
بابا قال وهو بيحك راسه بضيق:
– إنتِ عارفة يا بنتي قد إيه تعبت معاه في الموضوع ده. مامته الله يرحمها كانت ماليه دماغه بحاجات كتير.
سكت لحظة وبان في عينه وجع قديم:
– ربنا يسامحها. حرمتني من ابني وهي عايشة. وهِيّ ميّتة هتحرمني منه برضه؟
حطيت إيدي على كتفه:
– معلش يا بابا. والله زين غلبان. هو بس عمره ما حس بالحنية بسببها. أنا هحاول أكلمه. وهخليه يرجع.
ماما ردت بسرعة، صوتها مكسور بس عايز يطمن:
– كلميه يا ريمو. بالله عليكي. خليه يرجع. ده وحشنا كلنا والله.
البيت كله كان واقف كأنه مستني مكالمة واحدة بس تغيّر الجو. عيونهم عليا. ومستنيين إني أرجع زين. انا الوحيده إلى قريبه منه. زين اخويا عنده 31 سنه. من نفس الاب. بابا اتجوز مامته ايام ما كان بيدرس فى فرنسا. ولما خلفت. خده ورجع مصر. واتجوز. بس لما وصل عمره عشر سنين. قدرت تاخده من بابا. ومن ساعتها مشوفنهوش. بس انا كنت علطول بكلمه. وكانت علاقتنا زي اى اخ واخته. بالعكس كانت اقوي كمان. لأننا كنا اصدقاء مقربين.
دخلت البلكونة بتاعتي وأنا شايلة همّ الزرع اللي ماما أكيد ما قربتش منه طول اليومين اللي كنت فيهم عند تيتا.
وقفت قدّامه كإنه كائن فاهمني، وبدأت أسقيه بشويش. الميّة نازلة على الورق، وأنا صوتي بيطلع من غير ما أفكر.
زي كل مرة. لما أحس إني مخنوقة، أرجع للأنشودة اللي بتحكي اللي جوايا أكتر مني:
طويلِ الشوق… يبقى في اغتراب
فقير في الحياة من الصحاب
ومن يأمنك يا دنيا الدواهي
تدوسين المصاحب بالتراب…
كنت غرقانة في كلماتي، وفي ريحة البلل اللي طالع من الزرع، لحد ما صوته قطع عليّ كل حاجة.
الصوت اللي قلبي بيسمعه قبل وداني.
– سبع سنين عدّوا، بس نفس النبرة.
اتجمدت لحظة. بس رجعت كملت اللي في إيدي كإنه هوا مش موجود. مسمعتش. أو عاملِة مش سامعة. الاتنين شبه بعض.
"مش هتردّي عليّا؟"
ساعتها خدت نفس عميق وقلت وأنا لسه بصّة للزرع:
"بعد إذنك. أنا وإنت مافيش علاقة بينا. وعلى كدا. مش هيبقى في كلام ما بينا. بالإذن."
قفلت الرشاش، وطلعت من البلكونة من غير ما أبص ورايا.
أول ما دخلت الأوضة. قلبي سبقني. حطّيت إيدي عليه كإنه بيقع من مكانه. مش من خوف. ولا من فرحة. حاجه غريبه كانت فى قلبي مش قادره افسرها.
رجعت أقف في الأوضة دقايق، مستنية قلبي يهدى. بس اللي هدي قبل قلبي هو صوت البلكونة بتاعته وهي بتتقفل.
اتسحبت أنا للبلكونة تاني. يمكن عشان أتنفس، يمكن عشان أهرب. أو يمكن عشان أفتكر.
فلاش باك.
"والله مش فاهمة الحتة دي خالص."
قلتلهها وأنا ماسكة الورق ومش مستوعبة أنا فين في المسألة أصلاً.
رد بنبرة نصها تريقة ونصها زهق:
"يا برلمان. دي عاشر مرة أشرحها! إزاي مش فاهميها؟"
اتخضّيت.
"طب وأنا أعمل إيه؟ ما إنت واقف في بلكونتك وانا مش شايفة بتكتب إيه. معتمدة على صوتك بس!"
سمعت نفسه وهو بيحاول يهدى.
"طب. هشرحها لكِ تاني. بس بالله عليكِ ركّزي."
"حاضر."
وقعد يشرح. وحدة وحدة. لحد ما فعلاً…
"أيوه كدا! فهمتها."
اتقالت مني بصوت فرح طفولي.
ضحك: "طب أي خدمة يا سِتّي؟ حلّي بقى الجزئية دي. وكدا تبقي تمام أوي."
"حاضر."
وقتها كنت حاسة إن الدنيا بسيطة. وإن العلاقة بينا مهما كانت غريبة فهي. مريحة.
رجعت من ذكرياتي وأنا بتنهد. قدّ إيه كانت العلاقة بينا جميلة. وقدّ إيه دلوقتي بقينا غرب. منعرفش عن بعض حتى إحنا بنفسنا بقينا مين.
وفجأة. صوته رجع تاني. مش بيكلّمني. لأ. بيرتّل القرآن.
صوت ثابت. هادي. بيقطع جوايا حاجات كتير.
فهمت إنه بيصلي القيام، ففضلت واقفة أسمع.
مرّ كتير أوي. وأنا واقفة مكان ما الزمن وقف.
قطع كل دا رنّة موبايلي. سما.
"ألو. يا أستاذة مجلس النواب."
ردّيت وأنا شايلة نص ضحكة.
"ألو يا ظريفة هانم."
ضحكت أكتر.
"الله يا ريمو. بنكشك. عرفتي إن يوسف رجع؟"
من غير ما أفكّر، رفعت الموبايل وصورت فيديو للبلكونة بتاعته. صوته كان واضح. وبعتهولها.
صرخت: "يا بنت الإيه! ودي بقى قصة الحب هتبدأ!"
"قصة حب إيه ونيلة إيه؟ بقولّك متجوّز."
قلت وأنا بقلب عيني.
"طب انتي شفتي مراته؟"
"لأ. بس أنا لسه مشوفتش حد غيره أصلاً."
"يبقى خلاص! متجوزش. أنا عرفت من رودينا إن مامته عندهم. وهو اللي قرر ييجي البيت. ومجبتش سيرة مراته."
تنهدت وأنا ماشية في البلكونة رايح جاي: "يوسف عنده 33 سنة يا سما. وقعد سبع سنين في الغربة. أكيد اتجوز."
"لا حول ولا قوة إلا بالله. يا بنتي انتي بتدوّري على الهم لنفسك!"
"يا ستي. متجوز ومطلّق حتى. أنا مالي؟"
صرخت سما بهزار: "عند طنط هاله يا برلمان! عند طنط هاله!"
ضحكت غصب عني: "طنط هالة لو سمعتك هتنفخك."
"لا. وعلى إيه؟ تصبحي على خير يا قلب سما."
"وانتي من أهله."
وقفلنا. وأنا واقفة في البلكونة، ماسكة الموبايل. وفي قلبي سؤال ساكت. بس مش راضي يموت.
قفلت المكالمة مع سما، ولسه الموبايل في إيدي.
وفجأة اتصدمت بصوته جاي من ورايا:
"اتجوزت أمتي يا أستاذة برلمان؟"
اتجمدت في مكاني.
"بسم الله الرحمن الرحيم! إنت هنا من إمتى؟!"
رد بمنتهى البساطة: "من ساعة قصة حب إيه ونيلة إيه. بقولك متجوز."
غلط! ده كان آخر جملة أنا قلتها في المكالمة. وكنت فاكرة نفسي لوحدي.
اتنرفزت.
"إيه قلة الذوق دي؟! مش المفروض تعمل أي صوت قبل ما تدخل؟!"
رفع إيده كأنه بيدافع عن نفسه:
"والله بقيت أنا دلوقتي اللي غلطان؟"
"أه طبعًا غلطان! و… و… سلام!"
وقولت آخر كلمة وأنا برغي من التوتر أكتر ما بتخانق.
سمعته بيقول بسرعة:
"طب استني! على فكرة. أنا لا متجوز ولا مطلق حتى."
الكلمة وقفتني. بس ماورّيتوش إني اتأثرت.
لفّيت وطلعت على أوضتي جري، مقفلة الباب ورايا.
وأول ما بقيت لوحدي. ضحكت. ضحكت بجد. مش عشان حاجة كبيرة. بس عشان اكتشفت إن الأغنية اللي سما كانت شغّلالي في دماغي غلط. هو مش متجوز.
وخلاص. كفاية كده.
جريت على السرير، غطّيت وشي بالمخدة، وقلبي كان بيرقص فرح. مش فرح بيه. فرح إن ظني ماكانش حقيقي. وإن الدنيا لسه بتفاجئني. حتى لو بحاجات صغيرة.
"برلمااان يا بت! قومي يلا، هتتأخّري على الشغل!"
صوت ماما كان بيخبط في وداني قبل حتى ما أصحصح.
"يا ماما أنا لبست. وخرجاااهو."
ردّيت وأنا بزق باب الأوضة بإيدي.
كنت لابسة الطقم الجديد اللي اشتريته مخصوص لليوم ده. يومي الأول في التدريب.
والبالطو الأبيض. ماسكاه بإيدي بحرص، كإني شايلة شهادة ميلاد حلمي. محدش يلمسه. محدش يقرب منه.
بصّيت في الساعة. عشرة فعلاً. يا نهار أبيض.
لبست الكوتشي بسرعة وجرّيت على تحت.
ركبت العربية، وقلبي سبقني يدق من التوتر.
وأول ما خرجت من الجراج. أووبس.
العربية خبّطت حاجة. أو حد.
نزلت جري، والكلمات بتتكرر من لساني قبل حتى ما أعرف مين قدامي:
"أسفة! أسفة والله. ماكنتش أقصد خلص!"
ولما رفعت عيني. اتصدمت. هو. واقِف قدامي. وشه باين عليه النرفزة، وصوته جه زي رصاصة:
"حسبي الله ونعم الوكيل فى إلى علم المرأه السواقه"
رواية برلمان الفصل الرابع 4 - بقلم زينة عماد
"انت كويس؟ رجلك فيها حاجة؟"
قولتها بخضة وقلبي بيرتعش. حسّيت إن دقتين كمان وهقع من الخوف.
"ياللي منك لله… هسوق عربيتي إزاي دلوقت؟"
"سيبك من العربية… بس انت كويس ولا لا؟"
دموعي كانت بتجمع، غصب عني.
بص لي باستغراب: "إيه دا… انتي بتعيّطي؟ أنا كويس والله، مفيش حاجة."
"متأكد؟ لو كدا أوديك لدكتور."
ضحك بخفة: "يا بنتي الخبطة مش قوية… وبعدين لما توديني لدكتور، انتي بتعملي إيه أصلاً؟"
اتنقلت نبرة صوتي بسرعة: "أنا؟! أنا جراحة قلب… مليش دعوة بالجروح!"
قرب مني وقال: "انتي جارحة قلبي فعلاً."
وقفت: "أفندمم؟"
"أحم… أحم… أنا عايز تعويض."
"تعويض إيه دا إن شاء الله؟"
"توصليني الشغل… عشان أنا مش هعرف أسوق العربية بسببك."
"بس أنا متأخرة… ومش عارفة شغلك حتى في طريقي ولا لا."
"في طريقِك… في طريقك. يلا."
"استنى! يلا فين؟"
سابني وركب العربية من غير ما يبص ورا.
استغفرت وركبت جنبه… والطريق كان ساكت لدرجة سمعت فيها نفسي.
لحد ما الموبايل رن.
"ألو؟… دكتور مازن؟"
"ألو يا دكتورة… فينك كدا؟"
"في الطريق… حصلتلي مشكلة فأتأخرت."
"طب يلا… عشان أنا المسؤول عن تدريبك الفترة الأولانية. ومش هبدأ من غيرك."
"حاضر… جاية هو."
قفلت وبصيت له… لاقيته مقلّل المراية وبيبصلي بنظرة حرقتني.
قلتله: "إيه؟ بتبصلي كدا ليه؟"
رد وهو ماسك أعصابه: "مين دا؟"
"وانا مالي…"
"برلمان… مين. دا."
قالها ببطء يخوّف.
"دا دكتور مازن… كان معيدي في الكلية… وهو—"
"وهو إيه؟"
"المسؤول عن التدريب بتاعي في المستشفى."
سكت ثواني وقال: "أمم… وعلاقتك بيه إيه؟"
"علاقتي؟ هو فين وانا فين! وأصلاً… ياريت تخليك في حالك. عمري ما دخلت في تفاصيلك."
"تدخّلي عادي."
"مش بحب أدخل نفسي في أمور الناس."
ضحك نص ضحكة وقال: "آه… بتحبي تكسّري قلوب الناس بس."
"دا شغلك… مش شغلي."
"اسكتي يا برلمان… اسكتي قبل ما أتعصب أكتر."
وقفت العربية فجأة.
"اتفضّلي… انزلي. مش دي شركتك؟"
نزل وقفل الباب بقوة… وأنا دوست ومشيت… وقلبي بيترجّ.
~~~`~~`~~~~
"يوسف…"
كنت بكلم نفسي وانا متعصب كإنها مش هي اللي كانت السبب إن علاقتنا تنتهي من الأول.
"إيه يا بني… انت بتكلم نفسك؟"
آدم دخل عليّ فجأة.
"اسكت يا آدم… الواحد عقله طار."
قعد جنبي وربت على كتفي: "سلامة عقلك يا جميل. تعالى ندخل جوّا واحكيلي إيه اللي حصل."
دخلنا المكتب، أنا قعدت على مكتبي… وهو قعد قدامي على الكرسي اللي بيقعد عليه دايمًا.
"برلمان يا سيدي…"
قلتله وانا ماسك راسي.
آدم رفع حاجبه: "يا دي الست برلمان دي! أومال لو مكنش اسمها أصلاً غريب كان حصل إيه؟"
"آدم… متتكلمش عليها كده."
قلتله بحدة من غير ما أبص له.
ضحك وقال: "خلاص يا عم الحمش… عملت إيه الملكة برلمان؟"
حكيتله كل اللي حصل… من أول ما شافني لحد ما ركبنا العربية لحد ما نزل.
سكت ثواني وقال: "طب ما هي معاها حق يا يوسف… انت بتدخل في حياتها بصفتك إيه؟"
بصلت له بغيظ: "تصدق إنك عيل تنح؟ ما انت عارف اللي فيها."
"يوسف… أنا عارف إنك بتحبها، بس دا مش مبرر تتدخل في كل حاجة. وبعدين، هي لا ضحكت ولا هزار معاه… وكلامهم زي ما قلتلي رسمي جداً."
رفعت عيني للسقف وقولت: "فكرة إنها بتكلم راجل أصلاً بتخنقني."
آدم ضرب كف بكف: "طب ما تخلص نفسك… وروّح اخبطها."
اتنهدت بحرقة: "عشان أبوها يرفضني تاني ويذلّني؟"
آدم ميل عليّ وقال: "انت ضعيف يا يوسف. مش قادر تطالب بحاجة انت عايزها. حتى لما اتقدمتلها… مصّرِتش. وأول ما أبوها رفض… مشيت وهجرت البلد كلها."
غمضت عيني… والذكريات جرّتني غصب عني.
فلاشباك
"يا عمي… أنا طالب إيد برلمان."
قلتها وانا واقف قدّامه بكل رجولة كنت أعرفها.
رد عليّ بابتسامة مجروحة: "أنا أتشرف بيك يا يوسف… بس أنا شايف إنك مش مناسب ليها."
"ليه؟ والله أنا بحبها… بحبها أوي."
كنت حاسس صوتي بيرتعش.
"عارف… بس الحب مش كل حاجة. انت لسه خارج من وفاة والدك… وحالتكم المادية صعبة. ولسه قدامك سنين لحد ما تبقى واقف على رجلك. وأنا… ماقبلش أعيش بنتي في مستوى أقل من اللي هي فيه. سامحني."
وقتها حسّيت قلبي وقع… قمت واقف وأنا بجر هيبتي جرّ.
طلعت من البيت وانا حاسس إني اتكسرت مية حتة.
ولما الباب اتقفل ورايا… اتاخد قرار غيّر حياتي كلها.
نهاية الفلاش باك
"يوسف!… يوسف يا ابني، روّحت فين؟"
رجعت على صوت آدم.
"معاك يا آدم."
"لا انت مش معايا خالص. فكّها كده… وهتفرج والله. انت قعدت سبع سنين طلعان عينك عشان تعمل اسم يوسف الغرباوي… وتبقى من أكبر مهندسين الشرق الأوسط. دا كله عشانها هي! فبإذن الله… هي ليك."
بصيت له من غير كلمة: "إن شاء الله… سبني لوحدي شوية."
"ماشي… سلام."
خرج آدم. فضلت قاعد… وقلبي بيوديني ويجيبني… ولا كانت في حاجة بتطمن، ولا حاجة بترضي.
---
"برلمان!… يلا بسرعة، زمايلِك جوا."
صوت واحدة من الدكاترة صحّاني من شرودي.
جريت على الغرفة اللي كان الكل متجمع فيها… وأول ما دخلت، لاقيت دكتور مازن واقف قدّام السبورة… إيده في جيبه، وصوته ثابت وواثق كإنه ماسك القسم كله بإيده.
"التدريب هيكون عبارة عن أسبوع… هتكونوا فيه تحت إشرافي المباشر. وبعد كده، كل واحد فيكم هيستلم شغله زي أي دكتور مسؤول."
الكل أومأ بالإيجاب… وأنا كنت واقفة على جنب، ماسكة البالطو من طرفه بإيدي من التوتر.
لفّيت أمشي، لقيته فجأة ماشي جنبي… بنفس سرعتي.
"مالك يا برلمان؟ شكلك مضايق. ليه؟"
اتسمرت ثانية… وبصيت للأرض: "أبدًا يا دكتور… مشاكل في البيت."
بص لي بنظرة أخ كبيرة فعلًا: "تقدري تحكيلي لو عايزة. أنا زي أخوكي الكبير."
ابتسمت غصب عني: "تسلملي والله… بس الموضوع مش مستاهل. بالإذن."
سرعت خطواتي قبله… مش عارفة ليه كل ما بكلم حد من الرجالة — حتى لو بكلمهم باحترام الدنيا — بحس إني بعمل حاجة غلط… بحس إني بخونه.
خونه؟ إنتي بتقولي إيه؟
عقلي زعق فيّ: “اعقلي يا برلمان… بتخوني مين؟ مفيش بينكم حاجة أصلاً! بس… بتحبيه.”
عقلي دخل يتريق: “حبك بُرص… وعِشرة خُرص. اسكتي خالص.”
الصراع جوايا طول الممر… بس كالعادة، عقلي كسب الجولة زي كل مرة.
رفعت راسي… ودخلت مع زمايلي وأنا حاسة إني بحارب حرب محدش شايفها غيري.
خلصت شغلي… وطلعت على غرفة الدكاترة.
أول ما لمست السرير الحديدي، حسّيت بجسمي بيقع من التعب.
كنت الوحيدة في الغرفة… والهدوء فيها كان بيخبط في قلبي مش بيهديه.
غمضت عيني… وفكرت قد إيه اتعبت… قد إيه سَعيت… قد إيه عيّطت ودعيت عشان أوصل للمكان ده.
وقد إيه كنت بحس إني عمري مش هوصل… لحد ما ربنا فتحها قدامي فجأة.
"القيام…"
الكلمة نفسها ضربتني.
بالله عليكي يا برلمان… دايمًا كده نساياه؟
قمت بسرعة… قلبي اتقبض من الإحساس بالذنب.
اتوضّيت… لبست الإسدال… فرشت السجادة وصليت.
وبعد آخر سجدة… قلبي نطق قبل لساني.
"يارب… انت عارف اللي في قلبي. حتى أنا مش عارفاه زيك. مش هطلب غير إنك تريح قلبي… عشان أنا حاسة إنه مكسور… وجع بيوجعني بجد يا رب… ريّحني."
دموعي نزلت على سجادة الصلاة قبل حتى ما أحس بيها.
مسحتها بسرعة… وقلعت الإسدال، ورجعت على السرير.
مددت إيدي على الموبايل… وفتحت الصورة الوحيدة اللي كانت بتجمعني بيه.
مش لوحدنا… لا. مع مجموعة كبيرة من الناس. بس هو واقف هناك… جنبي… والصورة دي كانت دايمًا بتهوّن عليا.
بتفكرني إن في لحظة… كنا قريبين. قريبين قوي.
مسكت الموبايل وضمّيته لصدري، وأنا بس سايبة نفسي بين الذكرى… والدعوة… والوجع الحلو اللي مش عايز يفارق قلبي.
مددت إيدي للموبايل… فتحته، ووجّهت الكاميرا للسّرير المقابل.
كان فاضي… بس شكله حكى عني أكتر مني.
ضغطت تسجيل… وسبت الكاميرا ثابتة، وأنا سايبة صوتي يخرج من غير ما أفكّر.
وفجأة… اتشدّت روحي لإنشودة كإنها نزلت مخصوص للحظة دي.
"ويومُ وداعِنا فجرًا… وما أقساهُ من فجرِ
يَحارُ القولُ في وصفٍ لما لاقيتُ من هجري
وقُلتُ مقالةً لازلتُ مُدّكرًا بها دهري…"
نفَسي اتقطع… وقلبي خبط في ضلوعي.
"محالٌ أن تري صدرًا… أحنَّ عليكِ من صدري
محالٌ أن تري صدرًا… أحنَّ عليكِ من صدري…"
أول ما خلّصت الجملة الأخيرة، صوتي اتخنق… دموعي سبقتني قبل ما أوقف الفيديو حتى.
وقفت التسجيل… وبإيد بترتعش نزلته "ستوري" على الواتساب.
قفلت الموبايل، وحطيته جنبي… واستسلمت للتعب، عيني بتتقفل واحدة واحدة.
لكن قبل ما أنام… طنnn — رسالة.
قلبي عرف قبل ما أشوف… رقمه.
فتحت الرسالة.
"متناميش وانتي معيطه… غلط عليكي."
نفس طويل خرج غصب عني… ابتسامة صغيرة كسرت السكون حواليا.
قربت الموبايل من قلبي لحظة… وبعدين سيبته على السرير، وقلت بنبرة تعب وراحة مع بعض: "كفاية… الرسالة دي تكفّي."
غمضت عيني… ونمت.
--– يوسف
دخلت المسجد وصوت الأذان لسه بيرنّ في وداني.
كان الفجر من النوع اللي ينور القلب قبل ما ينور الدنيا… بس قلبي أنا؟ كان متلخبط… ومتقلّب.
وأول ما بصّيت قدامي… شوفته. والد برلمان.
قاعد في الصف الأول… ووشه فيه نفس الهيبة اللي خوّفتني زمان.
أنا عمري ما حبيته… ولا هو حبّني.
بس كلام آدم لسه بيزن جوا دماغي: "لو بتحبها… روح اخبط الباب تاني."
وقفت في مكاني لحظة. طب أروح؟ ما أروحش؟
بس صوت جوايا صرخ: "برلمان تستاهل… تستاهل عمرك كله مش محاولة واحدة."
طلعت نفس… ومشيت ناحيته.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رفع عينه… وبصلي، وعرفني فورًا.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… إزيك يا يوسف؟ ولا نقول يا هندسة بقى؟"
قعدت جنبه وقلبي بيخبط: "الحمدلله بخير يا دكتور إبراهيم… صحتك عاملة إيه؟"
"الحمدلله… بخير وعافية."
سكتّ شوية… وبعدين: "كنت عايز أقول لحضرتك حاجة…"
هو قطع كلامي قبل ما أكمّل. رفع إيده كأنه حافظ الجملة: "عارف يا يوسف اللي هتقوله. أنا يوم ما رفضتك… مَكنش عشان الماديات، ولا عشانك قليل. كان عشان مصلحتك ومصلحة برلمان."
كلامه نزل عليّ زي السكينة… بس مش جارحة… سكينة بتفتح الحقيقة.
كمّل: "وقتها كنت خارج من وفاة والدك… ومدمّر. وفوق ده… برلمان كانت صغيرة. مشاعـرها لسه مش ثابتة. وأنا مكنتش قادر أقولك إنها هتستحمل معاك. ولولا الألم اللي مرّيت بيه… مكنتش هتبقى يوسف اللي أنا شايفه دلوقتي لو مكنتش اديتك القلم دا كنت هشوفك لسه يوسف المكسور إلى واقف مكانه مش البشمهندس يوسف الغرباوي."
قلبي وقع. هو كمل… وصوته هادي بس ثابت: "ولو كنت تمسكت… وحاولت مرة واتنين وتلاتة… كنت وافقت. بس انت… هربت. وأنا مابجوزش بنتي لجبان."
ساعتها ما استحملتش. قربت منه… وصوتي خرج مبحوح: "بس يا عمي… أنا مهربتش. أنا اغتربت. سبع سنين برّه… بعيد عن أمي… بعيد عن صحابي… وبعيد عنها هي. كنت بشتغل ليل ونهار عشان أبقى راجل تستاهله… عشان حضرتك تبقى راضي… وعشان هي… ما تعيشش يوم واحد ناقصة حاجة."
شفت عينه بترقّ. آه… أبو برلمان عينه رقّت. وقالها بالحرف: "وأنا بقولّك… برلمان ليك. حبها ليك… صادق. طول السنين دي… اتقدملها عرسان من كل شكل. وهى؟ ولا حتى قعدت مع حد. قالتلي: يا بابا… كل ما أكلم راجل أحس إني بموّت حاجة جوا قلبي محسساني اني خاينه . أنا مش هديها لحد غيرك."
الكلمات جرحتني… وجبرتني في نفس اللحظة.
بس بعدها وشّه اتغير… وبقّى جد.
"المشكلة دلوقتي مبقتش فيّ… المشكلة في برلمان. هي اتكسرت… وجرحك فيها عميق. ولو عايزها… اثبت. واضحهكلها."
لقيت نفسي بقوم… وبحضنه من غير ما أفكّر.
"شكراً… شكراً يا عمي. أوعدك… برلمان هتبقى أسعد إنسانة معايا."
فجأة شد نفسه من الحضن وقال بصوت واطي: "يا ابني ابعد… الناس بصّة! ده مسجد مش فرح!"
ضحكت غصب عني… ولأول مرة حسّيت إن باب الرجوع اتفتح.
والخطوة الجاية؟ برلمان.
~~~~~~~~~~~~~~~
برلمان
"انتي هتاخدي المريض في الغرفة 578، هيكون تحت رعايتك. وأي حاجة محتاجه تعرفيها… اسأليني."
"حاضر يا دكتور."
مشيت وأنا مستغربة نبرة صوته الصبح… لحد ما صوت صاحبتي قطع تفكيري: "ماله دا متعفرت علينا ليه من بدري؟"
"معرفش يا بنتي… كل واحد جواه هموم مكفياه. يلا نركز على شغلنا."
روحت على الغرفة. كانت ست كبيرة في السن، شكلها من عيلة راقية كده… بس واضحة إنها تعبانة قوي.
شيّكت على الأجهزة… كله تمام. قعدت على الكنبة اللي في الغرفة ورميت نفسي شوية.
فتحت الموبايل… لقيت مية رسالة من جروب الشِّلة.
أول ما دخلت… جات رسالة: "أخيرًاااااا! برلمان فتحت يا شعب يا هوووووه! الحقوق الحقوق! برلمان فتحت!"
"الله يفضحك يا شيخة… في إيه؟"
"في إيه إنتي اللي كنتي في غيبوبة ولا إيه؟"
"لا يا أختي… بس شغّالة سترونج إندبيندت ومش عاطلة."
"خليكي انتي في السترونج بتاعك… يا قوية!"
"المهم… عايزين نتجمع. بقالنا كتير مشوفناش بعض."
"هو دا اللي كنا بنتكلم فيه يا فاشلة!"
"يلا نتجمع ونجيب فسيخ ورنجة."
"يييعععع سوفاج! موتتيني."
"الله يرحم مامتك يا ملك… الله يرحمها."
ملك ردّت بسرعة: "يا بنات بلاش نكد… أنا تمام، والله. بس نفسي نتقابل بقى."
سارة دخلت زي العادة عاملة فيها منظمة الأمم المتحدة: "طيب يا جماعة… نحدد يوم ولا نفضل نرغي بس؟"
نور: "الخميس؟ ولا حد عنده درس ولا نبطشيات ولا مصايب؟"
أنا: "الخميس مناسب… عندي شيفت الصبح بس أخلص بدري."
ملك: "طب ما تيجوا عندي؟ نجيب أكل ونتفرج على فيلم."
داليا دخلت بقى، اللي دايمًا بتعمل نفسها ستايلست: "لا لا… ملك بيتك بعيد، وأنا معنديش نفس أتمرمط في المواصلات. نيجي مكان قريب… كافيه ولا كورنيش."
نور: "ومين هيدفع؟ أنا مش قصدي بس السؤال الطبيعي يتقال."
سارة: "يا بنتي إحنا أربع بنات… كل واحدة تدفع لنفسها وخلاص."
داليا: "وإنتي فاكرة نفسك غنيّة؟ ده وإنتي جاية هاتيلي القهوة اللي عليّ من الأسبوع اللي فات."
نور: "أهي بدأت الحزازات… يا بنات عاوزين نتقابل ولا نكتئب؟"
ضحكت وأنا بكتب: "طب خلاص… نتقابل الخميس الساعة 5. نتجمع عند كافيه (*****)"
ملك: "تمام… وأنا جايه من بدري عشان آخد أحضان."
داليا: "هو انتي آخر مرة خدتي حضن كان في الابتدائي ولا إيه؟"
نور: "بقولكم إيه… لو حد اتأخر هنسحله."
سارة: "أهو اتفقنا وبطلنا رغّي… يلا كل واحدة ترجع لشغلها."
قفلت الموبايل وأنا مبسوطة… حسيت إن وسط الزحمة والتعب… البنات دول بيخفّفوا كتيييير.
بصيت للمريضة… هادية ومغمضة عينها.
قمت أظبط الغطا عليها… وساعتها سمعت خبط خفيف على الباب.
---
الممرضة دخلت بسرعة وقالت: "دكتورة برلمان… في حالة مستنياكي في المكتب حالًا."
برلمان قامت وهي مش فاهمة: "حالة؟ عندي في المكتب؟ طيب ماشي…"
راحت بسرعة، فتحت الباب… وفجأة وقفت مكانها.
"يوسف؟! إنت بتعمل إيه هنا؟!"
ابتسم ابتسامة رخمة وهو قاعد على الكرسي: "هو الناس بتيجي المستشفى تعمل إيه؟"
"بيكونوا تعبانين… بس انت؟ انت مش تعبان."
حط إيده على صدره وقال بنبرة مستفزة: "لا تعبان… والله تعبان. قلبي وجعني قوي… بيحب الحاجات اللي بتتعبه. أعمله إيه؟"
ردت وهي مكشرة: "اقتله."
يوسف ضحك: "طب انتي تقتلّيه؟"
"أو خليه يبطل سهوكة."
قبل ما يكملوا، الباب اتخبط ودخل شاب بشياكة وهدوء.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام… مين حضرتك؟"
"أنا آدم الحناوي… شريك يوسف وصديقه المقرب."
قعد جنب يوسف، لكن وشه ماكانش هزار خالص.
"يوسف وقع من أسبوع في الشركة، ولما كشفنا… الدكتور قال إنه محتاج عملية قلب. وطلب مننا نروح لجراح قلب، وعشان كده إحنا هنا عندك النهارده."
برلمان اتجمدت.
ضحكت ضحكة عصبية جدًا: "إيه؟ عملية إيه؟ قلب إيه؟ انت بتهزر… صح؟"
آدم هز راسه: "الكلام حقيقي."
هنا بدأت كل حاجة تختلف… نَفَس برلمان اتقطع… رجلها تقلت… ودقات قلبها نفسها بقت مش منتظمة.
عينيها لمعت بدموع مش قادرة توقفها.
إيديها بترتعش.
"يوسف… قولّي… قولّي إن دا هزار… يوسف!!!"
يوسف سكت. ولما شافها حرفيًا بتفقد سيطرتها… وشها شاحب… إيديها بتترعش… ودموعها نازلة غصب عنها… اتصدم.
قام بسرعة من مكانه وقرب منها: "برلمان… استني… اهدي بس… تنفسي… أنا…"
هي وقفت مش ثابتة، مسكت المكتب وهي بتنهار أكتر: "عملية؟ قلب؟ انت… انت هتموت؟! أنا… أنا… مش هقدر لا مش هتبعد تاني لااا"
وفجأة عينيها لفّت، وجسمها مال لقدّام.
"برلمان!"
آدم اتخض: "يوسف! هي بتعيّط! وشها أبيض! إنت عملت فيها إيه؟!"
يوسف بصله بـ صرخة مكبوته: "أنا… أنا ماكنتش أقصد!"
برلمان حاولت تفتح عينها بصعوبة، بس كأن حاجه مسكت دماغها غطت على عينيها حاجه تقيله وقتها…
يوسف مقدرش يمسك نفسه. ركّز وشه جنب وشها وقال بصوت مهزوز لأول مرة: "هزار! هزار يا برلمان! أنا… أنا ماعنديش عملية ولا حاجة! كنت بهزر… كنت عايز أعرف… لو بتحبيّني ولا—"
بووووم
لاقيت نفسي بنزل بالقلم على وشه معرفش ازاى عملتها كنت واقفه مصدومه بس وجع قلبي كان مغطي على صدمتي قول
ت جوايا وجع الدنيا وحاسه أن الدنيا بتلف بيا هزااار وبتقولها ببساطه كدا انت عظيم احساس حرام عليك بتلعب بمشاعري كدا ليه.
رواية برلمان الفصل الخامس 5 - بقلم زينة عماد
صدقيني… مكنش قصدي أخوفِك ولا أقلّقِك. أنا بس كنت عايز أتأكد إنك لسه بتحبيني. وبصراحة… أنا كلمت والدك… وهو وافق. فاضل موافقتك إنتِ.
الكلام وقع عليّا زي ميّة تلج. اتأكدت إن في ناس فعلاً ما بتفهمش غير نفسهم.
بصيت له… وبصوت عمري ما كنت متخيلة إن يطلع مني كده، قلت:
خير ما عملت… بس خليني أقولك حاجة. أنا بكرهك. ومن اللحظة دي كرهي ليك زاد أكتر.
الصدمة كانت باينة على وشه… بس أنا ما كانش يهمّني. أنا كنت متخنّقة من جوايا بسبع سنين ظلم.
فاكر إن بعد اللي عملته فيّا ممكن أسامح؟ فاكر إن السبع سنين اللي راحوا يعدّوا كده؟ قلبي كان بيتقطع، ولهفتي على أي خبر عنك كانت بتاكلني… وإنت كنت مخلي بنت خالتك تمنع أي كلمة توصلني. كنت عايز تحرق قلبي… ونجحت.
حسيت نفسي بألهث، بس ما وقفتش.
حسبي الله ونعم الوكيل… ولولا إن قلبي مش بيطاوعني أدعي على حد، كنت دعيت عليك. بس أنا سبت حقي لربنا… وهو هيجيبه.
اتلفتّ ناحية صاحبه اللي واقف ساكت:
وبقولّها قدامه… لو إنت آخر راجل في الدنيا، عمري ما أتكتب على اسمك. عمري ما أتجوز راجل جبان… علّقني بيه واختفى من غير حتى كلمة.
اتقدمت ناحيته خطوة…
ودلوقتي جاي توقع قلبي بحجة إنك كنت بتتأكد؟ لأ… إنت مش راجل.
مددت إيدي للباب، وفتحته بثبات وأنا بقول:
اتفضل… برا.
برلمان الزمي حدودك أنا هفوتلك كلامك دا عشان مقدر عصبيتك بس.
انت عديم دم يا بني ادم بقولك برا يلااا.
تمام حسابنا بعدين.
مشي مشي وأنا وكأن رجلي فقدت آخر قطرة تحمل وانهارت على الأرض دموعي نازلة من غير صوت باصة لأثره بكسرة.
ليه كل ما أحسن صورتك في نظري ليييه.
قطع انهياري خبط على الباب. مسحت دموعي بسرعة مع إني كنت متأكده أن شكلي هيفسر كل حاجة. فتحت الباب وكانت الممرضة.
دكتوره برلمان والده الدكتور مازن جات المستشفى امبارح وحالتها صعبة اويي حبيت أقول لحضرتك عشان لو تقدري تواسيه لأن والدته حالتها صعبة اوي.
جت أمتي يا مس كوثر وازاى أنا معرفتش هي في أوضة.
امبارح بليل في أوضة 470.
حاضر هروح اهو.
مشيت بخطوة سريعة ووصلت قدام الأوضة خبطت وسمعت صوت دكتور مازن جاي من جوا بالأذن فدخلت.
دكتور مازن اسفه إني مجتش لحضرتك من بدري بس لسه مس كوثر قيلالي.
رد عليا بكسرة وحزن أول مرة أشوفها في صوته.
لا ولا يهمك.
طب أي تشخيصها.
مش عارفين شاكين في سكته في الدماغ بس الأشعات مش مبينة أن في نزيف أو أي حاجة بالعكس مبينة أن الدماغ كويسة.
طب لو تسمحلي أشوفها.
اه طبعًا اتفضلي بس انتي دكتورة قلب.
بابا دكتور مخ وأعصاب وأنا دائمًا كنت بقرا الكتب اللي بيجيبها فعندي خلفية يمكن أقدر أساعد.
مسكت الأشعة وفعلاً دكتور مازن صح الأشعة مبينة أن الحالة سليمة. قمت اتجهت عندها.
مسكت إيديها وحطيت إيدي مكان الوريد.
إحنا متابعين النبض بتاعها من بدري.
بس أنا مش بقيس النبض بص على ضوافرها كدا هي عندها أي مرض مزمن قصور في الغدة الدرقية مثلاً؟
أيوه بس هي بتاخد علاجها أعتقد أن مفيش مرة نسيته.
طب هي اتعرضت لأي توتر أو صدمة.
وطي رأسه بحزن ونطق بنبرة باين فيها الحزن.
والدي توفي امبارح في حادثة وهي لما عرفت أغمي عليها.
والدتك اتعرضت لتوتر شديد أدي إلى أن الجهاز المناعي يهاجم الدماغ فكدا دماغ والدتك بيهاجم نفسه.
هاشيموتو إزاي مجاش في بالي.
دلوقتي خديها جرعة كيرتيزون كبيرة ولو تشخيصي صح هتفوق ولو غلط فللأسف الجرعة هتتسبب في وفاتها تسمحلي؟
متأكده من التشخيص.
ثق فيا.
شوفي شغلك يا دكتوره.
خدت الحقنة وحقنتها بيها واتجهت قعدت جنبه وأنا مصدومة وصعبت عليا موت والده ووالدته على فراش الموت.
أنا لله و انا إليه راجعون ربنا يرحم والدك.
ونعم بالله وأيانا.
اجتاح الصمت المكان. قطع الصمت صوت هامس ضعيف.
مازن.
كانت والده مازن. قومت جري على الأجهزة اتأكد أن كل حاجة تمام ومازن كان ماسك إيد والدته بيتأكد أنها فايقة وفجأة لاقيته جاي عليا وكأنه كان هيحضنني بس تراجع.
أنا أنا آسف بس من فرحتي.
فهماك.
لاقيته سجد في الارض وسمعت صوته.
شكراا ياربي أنا كنت عارفه أنك مش هتردني أبداا.
ابتسمت عليه وعلى فرحته واستأذنت عشان الشيفت بتاعي كان خلص وكنت هروح.
~~~~~~``~~~~~
خدت شنطتي وركبت العربية وأنا مش عايزة أبص ورايا… وصلت البيت، دخلت لقيت ماما أول ما شافتني فتحت دراعاتها:
برلمان… انتي جيتي!
كانت بتحضني وبتعيّط.
يا ماما في إيه؟ حد جراله حاجة؟
لأ يا بنتي… بس وحشتيني. بلاش الشغل الكتير ده… قلبي مش مرتاح وانتي برا البيت.
يا ماما أنا كويسة… وبطمنّك كل شوية.
مسحت دموعها وقالت:
ماشي يا عين أمّك.
طلعت أوضتي، غيرت لبسي… مسكت الموبايل. لقيت طلب صداقة من دكتور مازن. قبلته، وروحت أتوضّى عشان أقوم الليل.
وأنا بلبّس الطرحة… سمعت صوت صريخ بيشق الهدوء:
يا برلماننننن!! يا برلمااان!!
جريت على البلكونة…
ولقيته واقف على سطح بيته… ماسك يفطـــة كبيرة مكتوب عليها:
سامحيني يا برلمان!!
أنا حرفيًا صرخت:
انت بتعمل إيه يا مجنون؟
صرخ من تحت:
بحاول أخليكي تسامحيني!
يا ابني انزل… الناس بتتفرج!
سامحيني الأول… وقولي بتحبيني!
وجاي يرفع اليفطة فوق دماغه كأنه بيقدم عرض مسرحي.
فجأة… بابا خرج للبلكونة اللي جنبي:
هي مين دي اللي هتقولك بحبك؟
يوسف رفع راسه وقال بأعلى صوت:
معذرة يا عمي! بس لو ما سامحتنيش هاعمل حركة مش هتعجبكم!
بابا رد بمنتهى البرود:
اعمل اللي يعجبك يا روح طنط، واحنا مالنا؟
ضحكت بالعافية وأنا بقول:
يا باباااا!
يوسف صرخ:
يا برلمان… سامحيني بقى!
صوت مامته جه من آخر الشارع:
يا بنتي بالله عليكي سامحيه! ده أنا محلتيش غيره!
وواحد من الجيران فتح الشباك وهو متنرفز:
سامحيه بقى يا بنتي… عايزين ننام في أم الليلة دي!
زهقت وصرخت:
خلاص!! مسمحاك!!
رفع اليفطة لفوق:
طب سؤال أخير!! هتتجوزيني ولا لأ؟
إيه؟! لأ يا ابني افوّرت!
يا برلمان… يلاااا… موافقة ولا أر… أروح؟
استنى! أصلي استخارة! طيب.
ولا استخارة ولا حاجة!! إنتي هتلاقي أحسن مني؟ هاا؟
خلاص موافقة! موافقة!
احلفي!
والله موافقة! انبسط؟
صرخ:
ياااا مامااا… زغرتي!!
وفجأة الشارع بقى مهرجان.
زغاريد… ضحك… ستات واقفة في البلكونات… رجالة بتصفر…
وهو واقف في النص عامل نفسه بطل رومانسي وهو مجرد… مجنون رسمي.
وأنا؟
كنت بموت من الضحك.
اتأكدت إنه نزل من على السطح، والشارع رجع هادي… دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا. كنت لسه مش مستوعبة كمية الجنون اللي حصل تحت البيت.
قعدت على السرير، ولسه ماسكة الموبايل… لقيته بيرن. اسمه ظهر قدّامي.
ترددت ثانية… وبعدين جاوبت.
صوته كان هادي بشكل غريب:
أنا آسف… عارف إني زودتها النهارده. بس والله ما كان قصدي أذيكي. إنتي… إنتي حتة من روحي، مقدرش أزعلك.
سكت ثواني… حسيت إن الغضب جوّا قلبي خف شوية.
خلاص يا يوسف… محصلش حاجة.
سمعته بياخد نفس طويل، كأنه طلع من عليه حمل:
بكرة هنروح نجيب الدبل… ونقرأ الفاتحة. واليوم اللي بعده قبل ما أنزل الشغل تاني نخلص كل حاجة.
رفعت عيني للسقف… وبصوت مجرد من أي اندفاع قلت:
ربنا يقدم اللي فيه الخير.
سكت لحظة… وبصوت خفيف جدًا سأل:
لسه زعلانة مني؟
لفيت الشال على كتافي… وبصوت صريح:
قلبي… لسه مش راضي.
ضحك ضحكة صغيرة دافية:
هخليه يرضى… يا جميل.
اتسندت على المخدة…
تصبح على خير.
وأنتِ من أهله.
وقفل…
وساعتها بس حسّيت إن الدنيا هديت… بس قلبي؟ لسه واقف بين الزعل… وبين أول خطوة للسلام.
~~~~~~~~~~~~~
صحيت بدري قبل حتى ما المنبّه يرن. يمكن التوتر هو اللي صحّاني… ويمكن فكرة إن النهارده يوم مختلف عن كل الأيام اللي فاتت.
وقفت قدام الدولاب محتارة… مش عشان هدور على حاجة حلوة، لأ… كنت عايزة ألبس حاجة تهدي قلبي، مش تزوّد الارتباك اللي جوايا.
لبست قميص بسيط وجينز، وحطيت إيشارب أزرق سماوي… حسّيته مناسب ليوم زي ده.
بصيت لنفسي في المراية…
هو أنا فعلاً رايحة أختار دبل؟ أنا؟ بعد اللي حصل؟
نزلت لقيت ماما واقفة في الصالة، بتعدل طرحتها وبتخبط بأديها على رجلها من التوتر.
يالا يا برلمان، هنروح بدري عشان الدنيا متزحمنيش.
ضحكت غصب عني:
يا ماما إحنا مش رايحين نقبّل أوراق الجيش… دبل يعني.
ما هو برضو موضوع كبير!
قالتها وهي بتقفل الشنطة بتاعتها بعصبية لطيفة.
ركبنا العربية… ومع كل دقيقة الطريق كان بيقرب أكتر… وقلبي بيرجع يدق أسرع.
المدينة كانت لسه بتفوق من النوم، الشوارع شبه فاضية… والكافيهات بتفتح أبوابها.
وصلنا قدام محل الدهب. المحل دايمًا شكله مرعب بالنسبالي… أنوار كتير… لمعان… ناس داخلة طالعة… أصوات بتختلط ببعض.
بس النهارده، كل ده كان محطوط ورايا… أنا كنت مركزة في خطوة واحدة بس: الدخول.
دخلت… وريحة المكان خبطتني. وريحتها أعلى من الدهب، ريحة مستقبل مش عارفة هيكون عامل إزاي.
قعدت أنا وماما، وبدأ الراجل يطلع العلب واحدة ورا التانية.
دبل رفيعة… تخينة… فضة… دهب… بأشكال أول مرة أشوفها.
ماما قالت:
اختاري اللي يريح قلبك يا بنتي.
لمّا قالت "قلبك"، قلبي فعلاً اتحرك.
مددت إيدي على دبلة بسيطة جدًا… رقيقة، وفيها خط صغير بيلمع من النص.
جربتها… ولما لبستها حسّيت بحاجة غريبة… لا هي فرحة كاملة… ولا خوف كامل… كانت حاجة في النص… حاجة شبه بداية جديدة… مش واضحة بس موجودة.
ماما بصّتلي وقالت بابتسامة باينة في عينيها:
هي دي.
وقبل ما أفتح بقي، صوت من ورايا قال:
هي فعلاً… دي.
التفت… لقيته واقف، من غير ما يقول إنه جاي.
شكله هادي… وعينيه مش على الدهب… عينيه عليّ.
لما لفّيت وشوفتُه واقف… حسّيت إن الوقت وقف ثانيتين.
كان واقف قدّام باب المحل، بإيديّه في جيوب الجاكيت، وبصّة ثابتة… مش بصّة واحد داخل يشتري دهب، لأ… بصّة واحد جاي ياخد خطوة محسوبة، بيحاول يعوّض بيها سنين تعب.
قرب بخطوتين… مش بسرعته المعتادة، ولا بثقته اللي ساعات بتعصّبني.
كان ماشي بالراحة… كأنه هيخاف يغلط خطوة واحدة وتطير اللحظة كلها.
عينيه نزلت على الدبلة اللي في إيدي… اتسعت شوية، كأنه لقَى حاجة كان بيدوّر عليها من زمان… وبعدين رفع عينه عليّا.
ملامحه ارتخت… ونَفَسه خرج بهدوء.
قالي بصوت واطي، خالي من التمثيل:
هي دي… هي اللي شبهك.
حاسّة قلبي نط خبطة صغيرة… مش فرحة، مش وجع… مجرد إحساس إن الكلمة دخلت جوّا المنطقة اللي كنت قافلاها عليه من سنين.
ماما قالت بخفة:
اتفضل يا ابني… شوف انت رأيك.
ما بصّش لماما… كان مركز عليّا بس.
قرب أكتر… وقال لي:
إنتي مش مضطرة تختاري حاجة عشانّي… لو قلبِك لسه موجوع، يبقى نختار بكرة… أو بعدها… أو نستنى لما قلبِك يقول كلمة صح.
الجملة كسرت آخر حتة توتر فوق صدري.
ردّيت وأنا ببص للدبلة:
أنا مش باختار عشانك… باختار عشانّي.
ساعتها… ابتسم.
مش ابتسامته اللي بترمي هزار أو غرور… ابتسامة هادية… دافية… فيها اعتذار ومصالحة وبداية جديدة… كل ده في خط واحد.
وقف جنبي — من غير ما يقرب زيادة، ومن غير ما يلمس حاجة — بس وقف كأنه بيقول:
أنا هنا… بس مش هضغط عليك.
وبنفس صوته اللي كان بالليل بيتكسر من الزعل قال:
لو دي الدبلة اللي ارتاحتِ لها… يبقى هي دي اللي هنكتب بيها أول صفحة جديدة.
وساعتها… اكتشفت إن اللي هدي قلبي مش الدبلة… ولا اليوم… ولا حتى الكلام… اللي هدي قلبي… إنه صادق.
~~~~~~~~
جه يوم قرايه الفاتحه كنت واقفه لابسه فستاني شكلي جميل النهارده بزياده وازاى مش هيبقي جميل وانا النهارده خطوبتي على حب عمري.
شويّه وسمعت خبط على الباب. دخلو ماما ويوسف ومامته.
اووووووه اى القمر دا مش مصدق دا ليا انا اقرصيني يا امي اقرصيني.
بس بقي.
بس بقي اى انتي كنتي بتدعيلي أمتي يا ماما.
يا يوسف بقي.
قلب يوسف وحياته ودنيته.
خد ايديا ونزلنا على السلم وصوت الزغاريط والتصفير والتسقيف من صحابنا وأهلنا. وصلنا للكراسي المخصصه لينا. جابو الدبل ولبسناها.
مبروك عليا انتي.
ومبروك عليا انت.
حد. قرب علينا يبارك لينا.
مبروك يا يوسف.
نطقت بصدمه.
دكتور مازن.
انتي تعرفيه.
اه يا يوسف دا دكتور مازن كان معيدي وكمان هو الدكتور المسئول عني في الشغل.
مازن صاحبي.
اي دا بجد.
اه يا ستي مبروك يا دكتووره.
الله يبارك في حضرتك.
كنت لسه بكمل كلامي مع دكتور مازن، وقلت له بهدوء:
أنا آسفه إني مجتش زورت والدتك تاني.
رد بابتسامة فيها امتنان واضح:
متتأسفيش… بالعكس، أنا اللي لازم أشكرك. من غيرك كانت ماما زمانها مش موجودة دلوقتي.
قلبي اتلخبط من كلامه، فقلت بسرعة:
لا… دا شغلي.
هز راسه:
تمام… عن إذنك.
مشي، وساب بعده ريحة احترام وهدوء… بس أول ما اختفى من عنينا، حسّيت حد يقرب مني خطوة.
صوت واطي بس مليان ضيق:
قلّلي كلامك معاه شوية… أنا مش مستريح لنظراته.
اتلفت له باستغراب:
بطل جنان… دا دكتور مازن، أخويا الكبير.
قرب أكتر، وصوته اتقل:
سمعتي؟ قلّلي كلام معاه.
رفعت عيني عليه، وإيدي اتشبكت في بعض:
خلاص يا يوسف… دلوقت خلاص.
اتنهد باستسلام نصه غيرة ونصه قلق:
ماشي.
وقف جنبي ساكت… بس عينه لسه رايحة للاتجاه اللي مازن مشي فيه، وكأن النظرة مش عاجباه أكتر من الكلام.
خلصت الخطوبة، وقاعدين سوا في جو مريح… لحد ما سألني فجأة، بنبرة شكلها عادية بس فيها حاجة مستخبية.
شغلك بيبقى إمتى؟
رفعت راسي له وأنا بشرب عصيري:
بروح تلت أيام… وأجي أربعة.
سكت لحظة، وبعدين قالها بسرعة كإنها خرجت غصب عنه:
تلت أيام كاملين بالبيات؟ إزاي يعني؟ بعد الجواز تقعدي برا بيتك تلت أيام؟
اتخضّيت من النبرة، حاولت أهدي الجو:
يا يوسف… أكيد الوضع هيتغيّر. وهقدم طلب إني أروح كل يوم من غير بيات. الموضوع مش ثابت.
بصيته، لقيت ملامحه اتغيرت… الشفتين متشدين، عينه فيها ضيق متحاولش يخبيه.
سألته بهدوء:
في حاجة مضيقاك؟
هز راسه وهو يبعد نظره:
لا… خلاص. متشغليش بالك.
بس نبرة صوته كانت بتقول عكس كده… والجو اللي كان دافي من شوية، بقى ناشف شوية كإن الهواء اتبدّل فجأة.
سكتّ شوية بعد جملته… بس عقلي ماوقفش.
صوته كان بيقول "مفيش"، بس ملامحه كانت بتقول "فيه… وفيه كتير كمان".
قربت شوية منه، وحاولت أخفّف الجو:
بص… أنا مش هرفض طلب ليك. ولو الوضع مضايقك، نتكلم ونوصل لحل.
ما ردش.
إيده بس كانت بتخبط بإيقاع ثابت على الترابيزة… علامة إنه متنرفز أكتر مما بيظهر.
رجّعت شعري ورا ودخلت في الموضوع على طول:
يوسف… شغلي جزء مني. مش هسيبه، بس هظبطه بأي طريقة. إحنا اتفقنا من الأول إن حياتي مش هتتغيّر فجأة.
رفع عينه عليا، النظرة كانت أعمق من كلامه:
ماهو أنا اللي مش فاهم… إحنا لسه مخطوبين، ولسه بتحاولي تهربي مني تلت أيام في الأسبوع.
اتصدمت من الكلمة:
أهرب؟ أنا بروّح شغلي!
رد بسرعة، كأن الكلمة وقعت منه وعايز يلحقها:
قصدي… يعني… مش منطقي. أنا عايزك جنبي.
تنهدت:
وهكون جنبك. بس مش معنى كدا إن حياتي هتقف.
اتكأ على الكرسي وجاب نفسه ورا، دقنه ارتفعت سنة… النظرة اللي فيها عناد مش غضب:
أنا مش بحب فكرة إن مراتي—
اتقطع كلامه لحظة، وكأنه لسه بيستوعب كلمة مراتي—
تبات برّا البيت.
سكتّ… حسيت قلبي اتحرك، بين خوف بسيط… وحزن… ورفض.
قلت بشويّة هدوء:
ما تقلقش. مش هبات برّا بعد الجواز. بس مش هبطّل أكون نفسي.
اتنهد تاني… بس المرة دي ماكانش تنفّس، كان استسلام مؤقّت:
طيب… ماشي.
بس "ماشي" بتاعته ما كانتش رضا… كانت تأجيل لمعركة أكبر.
---
وصلت رسالة منه: "انزلي تحت، أنا واقف بالعربية، هوصلك."
فرحت على طول ونزلت أجري… ولقيته واقف قدام عربيته بابتسامة هادية.
اتفضلي يا برنسيس.
ثانكيووو.
دخلت العربية وهو قفل الباب ورايا.
عرفت حركات الجنتل دي منين؟
ابتسمت، كأنها لعبة:
شوفت فيلم امبارح… البطل عمل كدا للبطلة وهي انبسطت، فقولت أعملك كدا.
أوكي… طب انت رايح فين كدا؟
عرفت امبارح منك إن والدة مازن تعبانة، فهروح أسلم عليها.
بجد؟ يعني انت جاي معايا؟
أيوه.
صمتت للحظة، وحسيت بنبرة صوته فيها حاجة مش مرتاحة:
انت لسه زعلان… حاسة صوتك في حاجة.
مش مستريح لشغلك في المستشفى وسط الشباب… فأيه رأيك أفتحلك عيادة أو مستشفى لو عايزة، بس تكوني تحت نظري وأكون مطمن.
تنهدت بعمق…
هاا… يوسف… انت واثق فيا؟
أكتر من نفسي.
ابتسمت وقلبي دق بسرعة:
طب سيبني على راحتي… صدقني، ماليش اختلاط بأي راجل وبعدين وانت كنت مسافر مبصتش لأي راجل فأنت مفكر وأنا موجود ممكن أبص لحد.
ماشي.
انتي يا كوتي غيران.
اى كوتي دي يا بت.
كوتي غيور كوتي غيور.
على اخر الزمن البشمهندس يوسف يتقاله يا كوتي تعالى شوفني يا آدم.
ضحكت اوي عليه واخيرا وصلنادخلت المستشفى وروحي قلبي بيطير من فرحة وقلق مع بعض. رحت أوضتي أغيّر لبسي وأحضّر حاجتي، وهو راح لغرفة والده مازن. لبست بسرعة واتجهت لغرفة والده… بس وقفتني الممرضة عند الباب.
حضرتك رايحة غرفة والده دكتور مازن؟
أيوه… في حاجة؟
معلش، لو تاخدي القهوة دي معاك، من الصبح معاها ومشربش قهوته.
حاضر… هاتيها.
خدت القهوة وركضت بخطوات صغيرة أخبط على الباب.
دكتور مازن، اتفضل القهوة.
بس أنا مطلبتش.
الممرضة قالتلي إنك مشربتش قهوتك النهارده، فجبتها لك.
تسلميلي.
بصيت حوالي، ولقيت يوسف قاعد هناك… عيونه بتقول: هيولع يا بختك الابيض يا برلمان هينفخك!
بعد إذنك، هروح أشوف شغلي.
خرجت وماشيه… وفجأة حسيت حد ماسكني من الخلف، وخط يده على بوقي.
اسكتي… دا أنا…
يوسف.
أيوه… يوسف يا هانم.
طب… تعالى نتكلم في المكتب.
وانتي بتجبيله القهوه ليه.
عادي… الممرضة ادتهالي، أديهاله.
هي الممرضة شغلتها إيه لما أنت اللي تديله القهوة؟
يوسف لاحظ أن دا تاني يوم بعد الخطوبه وحضرتك عامل ميه مشكله.
بسببك يا هانم.
بسببي!
ومشي ساكت وسابني واقفة، حاولت أناديه:
يوسف… يا يوسف استني!
بس ما ردش عليا… وقفت لحظة، قلبي دق بسرعة، وقلت لنفسي: يووووه… هو المفروض مين اللي ينكد… أنا ولا هو رجاله نكديه بصحيح.
وصلت رسالة من المدير: "تعالي غرفة مكتبي… ضروري."
قلبي دق بسرعة، وقلت لنفسي: في إيه دلوقتي؟ يكونش هيديني المرتب.
خرجت من الاوضه وأنا بمشي بخطوات بطيئة، وكل العيون مركزة عليّ. الناس حواليه بيتكلموا، ووشوشهم كلها فضول… ومكنتش عارفة في إيه. قولت للممرضه إلى كانت ماشيه قريب مني.
في إيه؟
معرفش والله… يا بنتي.
تنهدت وحاولت أجمّع أعصابي، ورحت على غرفة المدير.
أول ما دخلت، صوته ارتفع فجأة، وبصراحة زعق:
إنتي إزاي تعملي كدا يا برلمان؟
وقفت مكاني، قلبي بيخفق بسرعة… وحسيت الدنيا كلها ضاقت حواليا.
الهواء في الغرفة تقيل، والنظرات كلها مركزة عليا، وأنا بحاول أفهم الخطأ اللي عملته، ومش لاقية كلام أبدأ بيه.
رواية برلمان الفصل السادس 6 - بقلم زينة عماد
"إزاي تعملي كدا يا برلمان؟"
صوت المدير كان عالي لدرجة إن قلبي وقع، ووقفت قدامه ثابتة بالعافية… دموعي واقفة عند طرف عيني ومستنية بس كلمة واحدة تقع عشان تنزل.
قلت بصوت متلخبط: "حضرتك… أنا مش فاهمة… أنا عملت إيه؟"
قرب مني خطوة، وبصلي بنظرة صعبة تتفهم.
"يعني مش عارفة انتي عملتي؟"
هزّيت دماغي بسرعة: "والله العظيم مش عارفة…"
وقف دقيقة… وبصوت أقل حدّة قال: "حضرتك أنقذتي مريضة… الحالة كانت متعسّرة ومحدّش عرف يشخّصها… غيرك. والنتيجة… إنك اترقّيتي دلوقت."
رمشت بسرعة… كأن الكلمة دخلت ودني غلط.
"نعم؟"
رفع صوته تاني بس بنبرة مختلفة: "بقولك… اترقّيتي!"
اتسعت عيني: "ايوه طب… إزاي يعني؟"
فتح الباب ولقيت زمايلي اللي معايا في التدريب داخلين فجأة… معاهم بخاخات احتفال وفقاقيع وورق ملون.
وفجأة فرقعوا كل حاجة فوق دماغي وهم بيصرخوا: "مبرووووووك يا برلمان!"
وقفت في نص الاوضة زي التايهة… مزيج غريب بين صدمة وفرحة وخضة وراحة… كلهم بيتحكوا وأنا مش قادرة حتى أبتسم كويس.
قرب مني دكتور مازن وهو مبتسم بهدوء: "مبروك يا برلمان."
رديت بسرعة وأنا قلبي بيدق في وداني: "الله يبارك في حضرتك… أنا مش عارفة أشكرك إزاي والله."
لوّح بإيده كأنه بيرفض الكلام: "لا شكر ولا حاجة… انتي زي أختي الصغيرة. وبعدين… أخوكي ليه عندي معزة كبيرة."
سكت…
أنا؟! أخويا؟!
بصوته اتكرر في ودني… أخوكي؟
رفعت عيني عليه بسرعة: "أخويا؟!"
ضحك بخفة: "متستغربيش… أنا وهو اتقابلنا فى مؤتمر فى أمريكا ومن ساعتها اتصاحبنا. ومن يومين بس عرفت منه إنك أخته… كنت بحكيله عن كفاءتك، وهو قاللي الحقيقة."
اتسمرت مكاني…
ولا زين قال… ولا أنا توقعت… ولا حتى صحابي يعرفوا إنّي أصلًا عندي اخ غير يوسف!
"مكنتش متوقعه ابداا"
"لو فاضيه عايز اقولك حاجه لو ممكن تعدي عليا فى المكتب"
لفّيت وراه وأنا بلمّ نظري: "في حاجة ولا إيه؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة وغامضة: "لا… حاجة كده هتعرفيها."
ومشي.
بعد ما خرج، بدأ زملائي يدخلوا واحد ورا التاني يباركولي.
في اللي فرحان بجد…وفي اللي وشه واضح عليه إن الغيرة واكلاه.
"أنا عارفة إنّي مش شخصية محبوبة قوي… مع إنّي جميلة، مش اوي يعني بس جميلة… بس العيب اللي فيّا إني انطوائية، ومبحبش أتكلم مع الناس… وده بيبين لهم إني متكبرة."
مشيت في الممرات وسرحت…
"ما رنش عليا ليه لحد دلوقت؟… ماشي يا يوسف… لما ألمحك"
ولما افتكرت كلام دكتور مازن، روحت على مكتبه بسرعة.
خبطت…
قال من جوه: "اتفضلي يا برلمان."
دخلت: "حضرتك كنت عايزني في إيه؟"
بصلي بثبات وقال: "أنا سمعت كلامك مع يوسف الصبح."
اتجمدت في مكاني.
قلبي وقع.
هو سمع؟ كل حاجة؟
كملت جوايا:“الله يكسفك يا يوسف يا ابن فاطمة… زي ما كسفتني.”
قلت بسرعة: "والله يا دكتور هو مكنش يقصد حاجة على حضرتك… بس هو بيغير عليا مش أكتر."
ضحك ضحكة صغيرة: "أنا عارف والله. يوسف صاحبي… وعارفه غشيم شوية في كلامه… بس طيب. وبصراحة… أنا مش جايبِك عشان أُحاسبك على كلامه. كده كده لما أشوفه… هنفخه."
اتوترت أكتر: "طب حضرتك كنت عايز توضحلي إيه؟"
اتسند على الكرسي وقال بهدوء: "بصي… من يوم ما شوفتك في تانية كلية… وأنا أعجبت بيكي. أعجاب بشخصيتك… هدوئك… تركيزك في مذاكرتك وبس."
ساعتها وقفت فورًا من غير تفكير: "حضرتك بتقول إيه؟!"
رفع إيده يهدي الموقف: "اقعدي بس… خليني أكمل."
هزيت راسي: "مقدرش أقعد مع حضرتك وانت بتقول كلام زي ده."
قال بحزم هادي: "اقعدي… واسمعيني للآخر."
قعدت… من باب الأدب مش أكتر.
كمّل: "بعد ما بطّلتي تيجي عندي… وبعد ما بقيتي بعيدة… اكتشفت إنه إعجاب مش حب زي ما كنت فاكر. وبعدها بسنة… اتعرفت على ميس إيمان… الممرضة اللي جابتلك القهوة… وحبيتها واتجوزنا."
وقفت عيني: "نعم؟! حضرتك متجوز؟!"
ضحك: "أيوه. ومش بس كده… أنا هفهم يوسف الحتّة دي… عشان مش عايز أبقى سبب مشاكل بينكم."
ساعتها حسيت بكسوف الدنيا كلها واقف فوق راسي: "والله أنا محرجة جدًا من حضرتك…"
هز راسه بهدوء: "لا لا… مفيش إحراج ولا حاجة. أنا بس بقولك… استحمّلي يوسف. هو طيب… وبيحبك… وشاف كتير في حياته. فمتسبهوش."
نزلت عيني للأرض وأنا بقول: "مقدرش أسيبه… حتى لو قلت كده… مقدرش."
ابتسم: "ربنا يهديكم… ويعينِك على جنانه."
وقفت: "آمين… بالإذن."
وخرجت… وأنا عقلي لسه بيلفّ بين كلامه… وبين يوسف الى مستحلفاله بعلقهما
رجعت أوضتي رنيت على يوسف…بس فجأة موبايلي طلعلي: "الجهاز مغلق أو خارج نطاق التغطية."
ابتسمت غصب عني… عرفت السبب.
"أكيد في المسجد… صلاة العصر."
ولوهلة قلبي رقّ…برغم عيوب الدنيا اللي فيه…بس علاقته بربه دايمًا ثابتة.
يمكن هو ده السبب اللي حببني فيه أصلًا.
تنفست بعمق… وقررت أرن على صاحبتي.
"ألو يا سما."
ردت بصوت مستفز بس بيدحكني: "سما إيه يا أختي… ده وانتي اتخطبتي من ساعة ونسيتي إن عندك صحاب أصلا!"
ضحكت: "ياستي ده الخطوبة كانت امبارح… انتي هتعيشي الدور؟"
قالت: "مش لايق… والله العظيم مش لايق خالص!"
"طب يلا اشجيني… عايزاك في إيه؟"
قلت بنبرة جادة: "تعالي اقعدي معايا شوية النهارده. هاخد إذن إجازة من المستشفى… عايزاكي في استشارة عاطفية."
صرخت من الفرحة: "هايهي! جيتي في ملعبي. أجيلِك إمتى؟"
"هروح أخد الإذن… وهلاقِيكِ هناك."
"عنينا يا ستّي."
أقفلت… ولسه بحط الموبايل على المكتب، لقيته بيرن.
يوسف.
مسحت وشي… ورديت: "ألو."
"ألو… كنتي رانة ليه؟"
"كنت عايزة أشوفك فين… وبعدين ما رنتش عليّا ليه من ساعة ما مشيت؟ تطمني إنك وصلت."
رد ببرود غريب: "وصلت… والشغل خدني."
اتصدمت من طريقته…فقلت بصوت حاولت أبين فيه إني بعيط: "إنت بتكلمني كده ليه؟"
سكت ثانيتين: "أووف يا برلمان… بتعيطي ليه دلوقتي؟"
مسحت دموعي الوهمية: "مش بعيط…"
"طب ما أنا بتكلم عادي… بتعيطي ليه؟"
رفعت صوتي أكتر: "مش بعيط! خلاص… لو مروح حوّد عليّا أروّح معاك."
"ليه؟ إنتي مش هتباتي؟"
"لأ… هروح."
"ليه؟"
رمقت نفسي في المراية وضغطت على الصوت بالعافية: "اتطردت."
"نعمممم؟!"
صرخت فيه: "اتطردت يا يوسف! هتحوّد عليّا ولا لا؟"
سمعت نفسُه اتلخبط: "نص ساعة… وهكون عندك."
أفلتت ضحكة صغيرة…ضحكة شريرة…ضحكتها وأنا بقفل الموبايل.
وقلت لنفسي: "جَه وقت الانـتـقـام.
اتجهت لمكتب المدير… خبطت بهدوء.
رفع رأسه من الورق وقال: "اتفضلي يا برلمان."
دخلت وأنا ماسكة إيدي بعضها: "بعد إذن حضرتك… كنت عايزة آخد النهارده إجازة."
بصلي بتركيز: "في حاجة حصلت؟"
هزّيت رأسي: "لا… بس تعبانة شوية."
ابتسم ابتسامة أبوية: "ألف سلامة عليكي. واصلا الأسبوع ده كله إجازة ليكي… لحد ما نكمّل أوراق منصبك الجديد."
ساعتها حسّيت قلبي وقع…
"تمام… شكرًا لحضرتك."
خرجت من المستشفى بعد ما لمّيت حاجتي… وروحت قعدت في الجنينة شوية.
الهوا كان ريحته راحة… وهدوء غريب ريّحني.
بعد دقايق…موبايلّي نور برسالة: "أنا برا." – يوسف
وقفت… ورتّبت طرحة البالطو على دراعي ونزلت له.
كان واقف قدام العربية، عينه بتدور في كل الاتجاهات…ولما شافني… وشه اتشد عليّا بسرعة.
"يوسف…"
قرب بخطوات سريعة: "انتي كويسة؟! اطردِت إزاي؟! ومين اللي عمل كده؟!"
رفعت إيدي قدّامه: "اهدَى… اهدَى عليّا."
كان متوتر… والخوف ظاهر في عينه.
"متزعليش نفسك… الشغل هتلاقي بداله ألف."
ضحكت بخبث: "يا عم اهدى… مفيش طرد ولا حاجة."
وقف… الجمود مسك وشه: "يعني إيه مفيش طرد؟"
"يعني كنت بعمل فيك مقلب… كده تعادل. مع إني واثقة إن الفرحة مكانتش سايعِاك لما عرفت"
نظر لي بحدة: "انتي شايفاني ممكن أفرح بحاجة تزعلك؟"
اتصدمت… وماعرفتش أرد.
كمّل بصوت هادي لكنه بيقطع جوايا: "مهما أكون مضايق… ومهما أقول كلام وأنا متعصب… عمري ما هكون عدو نجاحك. ولا أفرح بفشلك."
نزلت عيني للأرض: "عارفة انا كنت بهزر… ومش هِنسى إنك كنت السبب أصلا إني دخلت طب."
قرب مني خطوة: "أهو قولتيها… يعني مشكلتي مش في شغلك. مشكلتي إني بحبك… وبغير عليكي. سواء من مازن أو أي راجل. هغير… عشان بحبك. فالـيوم اللي تلاقيني مبقتش أغير… اعرفي إني مبقتش أحبك."
الجملة الأخيرة ضربت قلبي زي سكينة.
تخيل بس إنه يبطل يحبني وجعني.
"متقولش مبقتش أحبك دي تاني…"
طلعت مني بنبرة مكسورة وأنا حتى مش واخدة بالي.
تنهد وقال: "ماشي… آسف على طريقتي السخيفة الصبح. وإحنا محتاجين نقعد ونتكلم… مش عايزك تكوني شايلة مني حاجة."
حاولت أغيّر الجو: "يلا… خرجني نجيب شاورما. بس خليها بكرا، أنا كده كده واخدة إجازة أسبوع."
فجأة فاق: "استني… خدتي الإجازة إزاي؟"
ابتسمت بثقة: "بص يا سيدي… هيحصل وهحكيلك. والدة دكتور مازن كانت حالتها صعبة ومحدّش عارف يشخّص. وأنا عشان بابا عنده كتب كتير في المخ والأعصاب… كنت بقرأ فيها. قدرت أشخّص وادّيت العلاج الصح… والحمدلله فاقت. فمازن عشان يعرف أخويا… وصل الموضوع للإدارة. ورقّوني."
يوسف رفع حاجبه: "أخُوكي؟!يعرف زين منين؟"
ضحكت: "لا… دا موضوع مهم وكبير. ومش هتكلم غير بالشاورما."
"ما تقولي بقى يا برلمان… ما إحنا قولنا الشاورما بكرا!"
اتدلّعت: "بالله عليك يا يوسف… حوّد هاتلي النهارده برضه."
رفع المفاتيح وقال: "من غير ما تتحيّلي… اللي انتي عايزاه."
وقفت قدّامه وأنا بضحك: "متستغربوش من تغيّرنا… دي نتيجة لما اتنين مجانين يحبّوا بعض."
---
"برلمان… عايزة تومية ولا لا؟"
قالها يوسف وهو ماسك المنيو.
"آه يا يوسف… كتر التومية."
لفّ عليّ بنظره مُستفزّة وهو بياخد الأوردر من موظف التيك أواي.
رجع وهو ماسك البوكس: "اتفضلي… بس متكلّهاش في العربية، أنا مش بحب ريحتها ."
بصّتلُه بتمثيل صدمة: "يا يوسف… لو روّحت بيها البيت، ماما هتزعقلي… أكيد عاملة أكل."
رفع حاجبه وسند إيده على العربية: "آه… هتلبسيني أنا بقى عشان حماتي تزعل مني؟"
ضحكت وأنا باخد الكيس منه: "أنت حر… إنت وحماتك بقى."
تنهد ورفع عينه للسماء: "خلاص… كليها هنا. بس بسرعة خلّصي."
قعدت وفتحت الوجبة…ريحة الشاورما ضربت في وشي، وقلبي اتفتح على الدنيا كلها.
فضلت أبصلها بإعجاب حقيقي… إعجاب يخوّف.
لمحت يوسف واقف جنبي…كان بيبصلي ويضحك.
"بتبصي للشاورما بنظرة إعجاب… ورضا؟ عمرك ما بصتيها ليا "
رفعت راسي فجأة: "إنت بتقارن نفسك بالشاورما؟!"
مدّ إيده بسرعة وخطف الساندويتش مني: "طب هاتي البتاعه دي… دي من فلوسي!"
صرخت وأنا بمدّ إيدي: "خلاص خلاص! أنا آسفة… إنت أحلى طبعًا!"
وقف ماسك الساندويتش، وببص على السماء كأنه بيستغيث: "يا رب رحمتك "
ردّيت عليه بأستفزاز: "اميننن"
روحت البيت ودخلت…لقيت أهلي قاعدين على السفره، ووسطهم سما…قاعدة بكل ثقة، ماسكة صباع محشي وبتشاور بيه عليّ كأنها صاحبة البيت.
"بت يا برلمان… تعالى كلي! مامتك عاملة محشي توحفة."
رمقتها وقلت وأنا برفع حاجبي: "بالهنّا والشفا يا أختي. أنا عروسة وعايزة أحافظ على جسمي."
ماما ردّت وهي بتضحك وتبصلي من فوق لتحت: "تحافظي على جسمك إيه يا بت… دي انتي شوية وتختفي!"
قهقهت سما: "تسلمي يا ست الكل."
لفّيت لشطفتها بنظرة: "وانتي يا بت… هدخل أغير هدومي. غيرّي أكلك… واعمليلنا كباية شاااي وتعالي."
سما قامت عاملة نفسها خدامة القصر: "حاضر يا برلمان خانم… أي أوامر تانية؟"
"لا متشكرين."
وقعدت تضحك وهي بتكمل صباع المحشي اللي في إيدها.
دخلت سما الأوضة وشها باين عليه أنها جاية تقعد قعدة جد.
سما: "هااا… قولي. عايزة إيه؟"
برلمان: "فى تلت حاجات… وعايزاكي تساعديني فيهم بجد."
سما (قعدت وصلّبت إيديها): "اتفضلي يا خانم… اسمع."
"أول حاجة… يوسف. أنا… مش قادرة أنسى إنه سابني ومشي من غير ما يقولّي. أنا عارفة… عارفة إنه بيحبني، وعارفة إنه مكنش قصده يوجعني…بس… كسرتي وقتها لحد دلوقتي واقفة في زوري."
"وهو لو بيحبك… كان يعرف إن الحتة دي وجعتك. بس كملّي… التاني؟"
"غيرته…أنا بحب إنه بيغير… بس ساعات بتبقى أوفر…ولما بيتعصب… مش بفهمه. بيبقى شخص تاني… ومش بعرف أتعامل معاه."
"يبقى لازم يتقالّه… اللي متقالش بيتحول لمشكلة بعدين."
"التالتة بقى…"
قربت وشها كأنها هتقول سر حرب.
"حمحمت قبل ما أقولها…"
"يا شيخه اقولي بقى متقلقينيش."
"عيد ميلاده الشهر الجاي…ومش عارفة أجيب له إيه."
"أهووو دا الكلام…نسيتي كل البلاوي وفاكرة عيد ميلاده! طيب يا ستي… قولّي. عايزاه هدية شكلها إيه؟ رومانسية؟ عملية؟ ولا حاجة ترقّع العصبية اللي عنده؟"
قعدت قدام سما وأنا مش عارفة أبدأ منين.
بصّتلي وقالتلي: "بصي… سيبك من الهدايا شوية وتعالي نحل المهم. أول حاجة… موضوع إنه سابِك."
حسّيت قلبي بينقبض، بس سكت.
"يوسف من النوع الدقيق… ومش هيفوته موقف زي دا كدا وخلاص. أكيد كان عنده أسبابه. وبعدين انتي مكنش معاكي موبايل… هيتواصل معاكي إزاي؟ وكمان… يوم النتيجة مشيتي مع خالك وخالتك مصيف، وهو كان لسه خارج من موت أبوه وحالته كانت وحشة أوي. انتي زعلتي… بس هو كمان اتوجع. يعني… انتي غلطانة شوية."
ردّيت بصوت مهزوز: "بس… هو مزعلش."
"لأ، مزعلش. دماغه أكبر من كدا. بس سكت… وساعات السكوت بيبقى وجع أكتر من الكلام. وهو محلف بنت خالته ما تقولّكيش عنه حاجة… يعني كان شايف إن البعد أرحم وقتها."
سألتها وأنا مش عارفة أعمل إيه: "طب… أتصرف ازاي؟"
"اتكلمي معاه. اسأليه. قعدوا وفهّموا بعض. الكلام بيصلّح اللي البُعد بيكسره."
سكت شوية وبعدين قلت: "طب… غيرته."
ضحكت وقالت: "كل الرجالة بتغير. ولو مش بيغير… يبقى مش بيحب. غيرته عليكي جاية من خوفه… مش سيطرة. مدام مش بيأذيكي ولا بيشتم ولا بيشد… يبقى استحمليها شوية."
قلت: "والعصبية؟"
"كل الرجالة كدا يا بنتي. أبوكي مش بيتعصب على أمك؟ ويقول كلام ما يتقالش؟ وبعدها ييجي يعتذر؟ وهي بترضى ليه؟ عشان بتحبه. واللي بيحب… بيفوّت. أنا بقولك أهو… لو كنت شايفة يوسف مش بيحاول، كنت قولتلك سيبيه. بس هو بيحاول… وانتي عارفة."
"طيب… أعمل إيه؟"
"اتكلّمي معاه. ما فيش غير دا."
سكت لحظة، وبعدين قلت لها: "طب… الهديّة؟"
ضحكت وقالت: "دي بقى لعبتك انتي."
وفجأة، لمحتها بتبص ناحية باب البلكونة.
عينيها وسعت وقالت: "بصي… مين واقف."
اتلفت بسرعة.
"مين؟"
قربت مني وهمست: "العاشق الولهان… يلا بقى… نخرج؟ روحي له انتي."
خرجت للبلكونة لقيته واقف بالكوباية الشاي في إيده، والهوا بيلعب في شعره.
قاللي وهو بيقرّب: "ناوليني شوية نعناع أحطهم عالشاي."
قطفت له ورقتين من قصيص النعناع، ومدّيت إيدي… البلكونتين أصلاً جنب بعض، فإيده لمست إيدي لحظة… حسّيت قلبي قال تك.
أخدهم وهو بيبصلّي بنص ابتسامة.
"سما اللي كانت عندك… صح؟"
"آه… ماما كانت عزماها."
"وأنا مليش نصيب في العزومة؟"
"انت مكالتش ولا إيه؟"
هزّ راسه: "لسه هطلب أكل."
"ليه… طنط فين؟"
"عند خالتها… مش راضية تيجي غير لما العمال يخلصوا كل حاجة في البيت."
"طب… سلّملي عليها."
سكت ثانية… وبعدين قررت أعمل الحركة اللي دايمًا تجيب له الضغط.
صرخت بأعلى صوتي: "يا مامااااااااا! يا ماماااااا!"
بصلي بسرعة وقال: "يا بنت المجانين، اسكتي! بتعملي إيـــه!"
جات ماما جري وهي مصدومة: "في إيه يا بت؟ مين مات؟!"
قلت بمنتهى الهدوء: "يوسف لسه مكلّش… ممكن تغرفيله حاجة ياكلها؟"
ماما حطت إيدها على وسطها وبصّتلي: "يخرب عقلك… انتي… ويوسف!"
هو قال من جوه البلكونة: "الله… وأنا مالي يا طنط؟"
ماما طنشت ودخلت المطبخ.
بصلي وهو ماسك ضحكته بصعوبة وقال: "في مرة هتجيبلنا مصيبة بسبب جنانك… والله."
سألته: "أنا مجنونة يا يوسف؟"
ردّ وهو بيشرب رشفة شاي وبيضحك: "لا… تيتا."
"الله يرحمها بقى."
ضحك… وأنا ضحكت.
وكنت حاسة إن الدنيا كلها حلوة… ومليانة هو.
شوية بعد كده ماما جابت طبق… لا، طبق إيه دا؟ كنت مندهشة لما لقيته صينية يوسف! قلبي وقف لحظة.
"أنا هعمل بإيه دا كله يا طنط؟"
ماما ضحكت وقالت: "خد يا عين طنط… رمّ بيهم عضمك!"
"كفاية… هعمل عضم جديد مش هرمّي عضمي كمان"
"يلا… وبلاش لماضه.": "حاضر… حاضر."
وقفت أتابعهم وأنا مبتسمة… فجأة رن موبايلي. قلبي دق بسرعة.
أخدت الفون ودخلت الأوضة، استغليت إن يوسف مشغول بالكلام مع ماما وطويت صوتي وأنا بتكلم: "الو… انت فين دلوقتي؟"
سمعت صوته: "أنا قدام الباب… اخبط."
"اه خبط بابا فى الصاله هو وسما"
"سما هنا؟"
"آه."
"مقولتش ليه يا بارده؟"
"وانت مالك بيها؟"
"خلاص… اقفلي… اقفلي… هخبط!"
وشوية بعدين سمعت الخبط… ركضت على ماما وانا بشدها: "ماما… اخرجي يلا! شوفي مين برا… بسرعة… بسرعة!"
رواية برلمان الفصل السابع 7 - بقلم زينة عماد
صرخت بيها ماما. خرجت من الأوضة ولقيت زين واقف.
بابا شافه ووشه اتغير. الصدمة كانت باينة أوي، لدرجة إنه اتجمد مكانه وماقدرش حتى يمد إيده.
ماما بس أول ما عينيها وقعت عليه صرخت باسمه وجريت.
رمت نفسها في حضنه، وزين حضنها بنفس اللهفة، نفس الشوق، وعنيه بيلمعوا بالدموع.
ماما وهي بتبكي:
"وحشتني يا عين أمّك…"
زين بصوت متقطع:
"وانتي أكتر والله… يا نور عيني."
"أخِس عليك يا زين… ٢١ سنة وما فكرتش تيجي تزورني!"
زين نزل عينه في الأرض من غير ما يرد.
قال بس بهدوء:
"أسف يا نور عيني… والله جيت أهو."
كنت واقفة ودموعي نازلة من غير ما أحس.
بس فجأة بابا فصل الحضن عن بعضه، ومسك زين من دراعه بقوة:
"مش هتسلم على أبوك… يا له؟"
زين ما قالش ولا كلمة.
قرب، وبابا شَدّه لحضنه جامد. وفجأة زين انهار في العياط.
أول مرة أشوفه بيعيّط بالشكل ده.
بابا كمان اتبكى، وماما، وسما، وأنا.
المشهد كله اتملّى بمشاعر كانت متخبية سنين.
بابا وهو ماسكه من وشه:
"أسف يا حبيبي… أسف إني بعدتك كل ده عني… سامحني يا بني."
"خلاص يا بابا اللي فات مات وياريت نفتح صفحة جديدة."
والعياط زاد أكتر.
بعد ما حضنوا بعض وخلاص اللحظة هديت شوية، زين كان بيلف عينه في المكان، كأنه بيدوّر على حاجة.
ولما شافني واقفة على جنب، ووجهي مليان دموع، ابتسم وسط دموعه وقال بصوت مكسّر بالضحك والبكا:
"أهي العيوطة هناك… أهي!"
مسحت دموعي وأنا بأعيّط وبحاول أهزر:
"يا زين بقى…!"
ضحك وهو بيهز راسه:
"تعالي يا قلب زين…"
ما عرفتش أمسك نفسي، جريت عليه.
ورميت نفسي في حضنه.
حضنته جامد كأنّي بكمل السنين اللي فاتت كلها في لحظة واحدة.
وزين كان ماسكني وبيطبطب عليّا بيده:
"هدي… هدي يا بنتي… أنا هنا."
وحسّيت لأول مرة إن البيت رجع يتنفس.
بعد ما المشاعر بدأت تهدى شوية، ماما مسكت وش زين من خدوده وقالت:
"اصبر… ما أعملك أكل. أكيد ميت من الجوع."
زين ضحك:
"لا يا ست الكل، أنا أكلت في المطار."
رفعت ماما حواجبها:
"وهو أكل المطار دا أكل يا ابني؟ هعملّك حاجة تِرمّ بيها عضمك."
زين استسلم:
"ماشي… طالما هترمي عضم."
وفجأة سما قامت وهي بتلقط شنطتها:
"بالإذن يا جماعة… أنا همشي."
بابا بص لها مستغرب:
"استني يا بنتي… انتي لسه جاية."
سما اتنهدت:
"جاية إيه يا عمو؟ دا أنا هنا من ست ساعات يعتبر."
ضحكت أنا:
"طب والله ما قعدتي كتير يا سما."
وهما كلهم ضحكوا. أهلي أصلًا بيحبوها أكتر منّي ومش بيشبعوا من قعدتها، وهي أصلًا قعدتها ما يتشبعش منها.
مسكت إيديها وقلت:
"زينهم، دي سما… صاحبتي اللي حكيتلك عنها كتير."
سما ابتسمت:
"دا زين أخويا… اظن انتي عرفاه."
زين مد إيده بأدب:
"إزيك يا آنسة سما."
سما ردت بنفس الاحترام:
"إزيك يا بشمهندس."
وبعدين قالت بسرعة:
"بالإذن يا جدعان… همشي."
"يا بنتي هتمشي فين؟ استني… أنا هوصلك."
سما لوّحت بإيدها:
"لا يا برلمان… لا توصليني ولا حاجة. الجو اتأخر ومينفعش تخرجي بالعربية دلوقتي."
"لا لا، عادي عادي."
لكن زين دخل في النص وقال:
"استني يا برلمان… هاتي مفاتيح العربية. أنا أوصلها لحد ما ماما تعمل الأكل."
سما اتلخبطت وقالت بخجل بسيط:
"لا يا بشمهندس… انت لسه راجع من سفر، ميصحش تتعب نفسك."
زين بص لها مستغرب ومهزر:
"يعني إيه لسه راجع من سفر؟ هو أنا اللي كنت سايق الطيارة على فكرة؟"
ضحك، وبعدين قال:
"يلا يا آنسة سما… هاتي حاجتك."
خد الشنطة من إيدها وفتح لها باب البيت كأنه في فيلم أجنبي.
وأنا وقفت أبص عليهم وأقول في سري:
"أخويا جنتل يا ولاد… لا وكمان قَمَر. دي يمكن الحاجة الوحيدة الحلوة اللي عملتها مامته إنها ادته الجينات الأجنبية دي."
وبس.
قلبي قال جوايا:
"ربنا يستر عليك من بنات المنطقة يا زين…"
وأنا واقفة في الصالة افتكرت فجأة:
"يالله… دا أنا نسيت يوسف!"
جريت على البلكونة بسرعة.
لقيته واقف في نفس مكانه، ونفس وضعية إيده، بس المرة دي ماسك كوباية شاي جديدة.
وقفت قدّامه وأنا مزغزغة من الضحك:
"إنت جددت كوباية الشاي ولا إيه؟"
بصلي بنظرة هادية وقال:
"قولت أشربها بعد الأكل اللي مامتك جبتهولي."
كسفت شوية وبصوت واطي:
"آسفة… دخلت وسيبتك."
هز راسه:
"عادي… مش زين اللي جه؟"
ابتسمت بوسع:
"أيوه… زين! أنا اللي أقنعته ينزل… وطلعت مفاجأة حلوة لأهلي."
يوسف بص بعيد وهو بيحرّك الشاي:
"بس… هو سامح باباكي؟"
تنهدت وأنا أبص للساعة:
"هو قال… هينسى اللي فات. مش عايز يكمل باقي عمره في بلد غريب بعيد عن أهله."
يوسف رفع حاجبه:
"ياااه… أخيرًا… عقل."
ضحكت:
"الحمدلله… ربنا يهديه."
سكت لحظة، وبعدين فجأة، زي اللي قال كلمة وهو مش ناوي عليها:
"برلمان… تعالي نتجوز."
اتجمدت.
بصتله بصدمة:
"إيييييه؟"
رد بمنتهى الجدية:
"هو إيه اللي إيه؟ بقولك تعالي نتجوز."
قلبي وقع مني، مش عشان الكلمة، عشان التوقيت الغريب!
قلتله وأنا متلخبطة:
"بس يا يوسف…"
قاطعني فورًا:
"بس إيه؟"
وقف مستنّي، وملامحه بين الجد والهزار، وأنا مش عارفة أصنّف اللحظة.
اتسندت على سور البلكونة، وبصيت له بوضوح:
"أنا لسه مش جاهزة… لسه مجبتش حاجة من جهازي، ولسه في حاجات كتير ناقصة في علاقتنا."
يوسف قرب خطوة وقال بهدوء غريب:
"زي إيه؟"
تنفست بصعوبة:
"زي التفاهم. إحنا ماعندناش تفاهم أصلاً… على أتفه حاجة بنتخانق."
يوسف ضحك ضحكة صغيرة، مرّة وفيها وجع:
"بس… مش بنهون على بعض. وده المهم يا برلمان. أنا وإنتِ… هنحاول. وبالحب… التفاهم هييجي. والتفاهم ده مش هيحصل غير لما نعرف بعض أكتر… وده مش هييجي غير بالجواز."
سكت لحظة، وبعدين قال جملته اللي هزّتني:
"وبعدين جهاز إيه؟ أنا مش هاخدك غير بشنطة هدومك."
"طب… سبني أفكر."
قرب أكتر، وصوته اتكسر لأول مرة:
"عشان خاطري… فكّري كويس. أنا زهقت… نفسي يكون عندي عيلة. نفسي أكون بيت… البيت اللي طول عمري بتمنّاه."
وقتها… فهمت نظرته.
هو فعلاً اتأثر بجو بيتنا، ضحك، حضن، لمّة، كل حاجة هو اتحرم منها.
هو معندوش غير مامته، ومامته أصلاً اهتمامها بيه على قدّها.
قلبك حس بيه، فقلتي له:
"يوسف… حبيبي، هفكّر. والله هفكّر. وبكره وإحنا خارجين… هديك جوابي."
تنفّس بارتياح، وقال وهو بيتراجع ناحي باب البلكونة:
"ماشي يا برلمان… هدخل أصلي القيام."
وسابني واقفة، والهوا بيخبط في وشي، وأنا مش عارفة أفكر في إيه أكتر: الكلام؟ ولا نظرته؟ ولا الوحدة اللي كانت واضحة فى عينه.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تاني يوم الصبح… كلّنا قاعدين حوالين السفرة.
زين على يمين بابا، … ، والجو لأول مرة بجد أسري ومليان دفء.
الهدوء كان جميل… لحد ما أنا رميت القنبلة:
"بابا… أنا ويوسف عايزين نتجوز."
المعلقة وقفت في الهوا من كل واحد.
بابا رفع حاجبه وقال:
"تتجوزوا؟! ده انتو خطوبتكو لسه كانت من يومين!"
ابتلعت ريقي وقلت بثقة:
"ما أنا عارفة… بس كدة كدة أنا عارفة يوسف من وأنا طفلة. هو اللي مربيني أصلاً. فالخطوبة مش هتضيف حاجة… إحنا فاهمين بعض من زمان."
بابا بص لي، ثم زفر وقال:
"اللي يريحكوا يا برلمان. خليه ييجي النهارده وتتفِقوا على الميعاد."
"حاضر… هقوله."
لسه بارتاح من الموافقة… قام بابا فجأة قال:
"زين… الشقة اللي فوق دي بتاعتك. هتتجوز فيها. وعربيتك موجودة في الجراج… جبتها لك من يوم ما دخلت الكلية زي أختك. ولو مش عاجباك… قولي وأنا أغيرهالك."
زين فتح بوقه:
"حاضر يا بابا… هانزل أشوفها."
أنا دخلت في الكلام بسرعة:
"هي مين دي اللي عايز تغيرها؟! دي مرسيدس!"
زين اتصعق:
"مرسيدس؟"
هزيت راسي بكل فخر:
"آه يا أخويا… جابها لك مرسيدس."
بابا ضحك وقال:
"طب ما إنتِ كمان بتاعتِك مرسيدس… إيه اللي مضايقِك؟"
قلت وأنا متعصبة بضحك:
"عشان بتاعته إصدار أعلى… مع إنك جايبها له قبلي."
بابا ضربني بالكلام ضربة أبوية:
"اسكتي يا بت!"
ضحكنا كلنا والجو رجع مليان دفء.
كّمل المشهد ليكي بنفس روح الضحك والهزار… ومن غير أي طابع رومانسي موجه ليكي، كله داخل روايتك وبين شخصياتك بس:
ماما قالت فجأة وكأنها اتلدعت:
"بس يا برلمان… انتي إيه اللي جابك امبارح؟"
بصّتلها باندهاش:
"إيه اللي جابني؟ هو عشان ابنِك جه هتطرديني؟"
ماما ضربتني بنظرة:
"لا يا لمضة! إيه اللي جابك من المستشفى؟! نبطشيتك لسه مخلصتش!"
تنهدت وقلت بكل بساطة:
"أنقذت حالة متعسرة… ودكتور مازن وصّل الموضوع للإدارة. فرقوني وقالولي: خدي أجازة أسبوع لحد ما نجهز أوراق المنصب الجديد."
ماما فتحت بقها:
"يا بنت الهبلة! ده كله يحصل ومتقوليش؟!"
رفعت كتافي:
"أهو الأحداث خدتنا… معلش."
بابا بص لي بفخر واضح وقال:
"شاطرة يا برلمان… طول عمري عارف إنك هتبقي حاجة كبيرة."
قلبي اتهزّ بكلمته… بس فجأة الموبايل رن.
يوسف:
"اِجهزي يلا… أنا بلبس وجاي لك."
أنا:
"حاضر… هلبس اهو."
دخلت الأوضة بسرعة… لبست دريس بينك هادي، سادة ومن غير تفاصيل كتير، ولفيت طرحة بيضا بسيطة.
خرجت أُجري… يوسف كان رنّ عليا حوالي مية رنّة.
فتحت باب البيت وأنا مستعجلة… وبحري خبطت في حد.
"آااه يا دماغي!"
سمعت نفس الجملة قدامي:
"آااه يا دماغي! بقالّي ساعة مستنيكي تحت!"
قلت وأنا بضحك:
"يوسف! قلبك أبيض بقى… يلا يلا عشان منتأخرش."
مسكت إيده أجرّيه معايا لحد العربية.
وقفنا عندها… أنا كنت واقفة مستنياه يفتح الباب.
بصلي باستغراب:
"انتي واقفة ليه؟ ما تركبي."
اتصدمت:
"إيه دا؟ انت مش هتفتحلي الباب؟"
رد وهو بيرفع حاجبه:
"لأ يا قلبي… دي كانت مرة كده من نفسي. اركبي يا بت يلا!"
عملت حركة تضايقه، فتحت الباب لوحدي ودخلت.
هو دخل من الناحية التانية وشغل العربية.
وأول ما تحركنا… الطريق اتملّى من هزارنا ورخامتنا على بعض، ضحك، كلام، وخناق صغير من بتوع كل يوم.
وكان باين… إن اليوم دا مش هيعدّي عادي.
---
قعدنا في الكافيه، الهوا كان هادي، والجو كله شكله مناسب لحديث تقيل.
يوسف شرب رشفة من المية، وبصلي بثبات:
"هاا… في حاجات كتير عايزين نتكلم فيها."
قلت وأنا بحاول أثبت صوتي:
"آه… اسأل انت الأول."
هزّ راسه:
"لا… إنتي اسألي."
نزلت عيني على الترابيزة… وبعدين رفعتها عليه:
"ليه سبتني من غير ما تقول؟ ومنعت سبع سنين إنّي أعرف عنك أي حاجة؟"
اتكعبل نفسه لحظة… وبعدين قال بصوت واطي:
"منعت؟"
تنفّس بعمق:
"بصي يا برلمان… أنا رُحت اتقدمتلك بعد ما شهادتك طلعت على طول. بس باباكي سكتّ."
"قال إن مستوايا مش زي مستواكي… وإن حالتي المادية ما تطمنّهوش إنّه يوافق."
كانت الكلمة بتخبط في صدري.
يوسف كمل:
"كنت خارج من وفاة أبويا… ومكسور. وجت كَسرة على كَسرة… مقدرتش أستحمل. حسّيت إني مخنوق."
اتنهد:
"وفي نفس الوقت… جالي عرض شغل برا. فوافقت."
قلت وأنا بتحشرج:
"طب ليه ما كلّمتنيش؟!"
"حاولت… انتي وقتها مكنش معاكي موبايل. فسبتلك رسالة مع رودينا بنت خالتي… تبقى توصّلهالك."
هنا أنا اتصدمت:
"رسالة؟! هي ما ادّتنيش حاجة! وقالت إني روّحت سلّمت عليها ومشيت!"
يوسف خبط إيده في الترابيزة بخفّة وهو بيقاوم غضبه:
"والله العظيم ما حصل. أنا سلّمتها الرسالة بإيديا… وأكدت عليها توصلّها. وبعدين؟ أنا مانع خبر عنك إزاي؟ ده أنا كنت كل شوية بسألها عليكي!"
اتسعت عيني:
"كنت بتسأل؟"
"طول الوقت. وبسألها كمان انتي بتسألي؟ وكان ت تقول: لأ… مش بتهتم."
قلبي وقف لحظة.
"فضلت أسأل عنك لحد ما من سنتين قالتلي: إن شركتك نجحت… و… تقريبًا اتجوزت."
سكت… ثم غلي دمه فجأة:
"حسابي معاها لمّا أروّح. هي اللي بسببها عشنا الجحيم ده سبع سنين!"
قلت بسرعة وأنا بحاول أهديه:
"يوسف… اهدا! عشان خالتك."
رد بحدّة وهو ماسك الكوبايه:
"بلا خالتي… بلا بتاع."
سكتّ… وأول مرة أحس إن يوسف شايل جوا قلبه أكتر بكتير مما كنت متخيل.
مسكت إيده وأنا بقول بصوت واطي:
– "أنا آسفة إني مفهمتكش… وآسفة إني فكرت إنك ممكن تأذيني."
يوسف يبصلي بنظرة زعل وحنية في نفس الوقت:
– "برلمان… لو أنا أذيت نفسي عمرى ما أذيكي. انتي بنتي قبل أي حاجة."
– "طب سيبك من دا… قولي، مازن عرف منين إن عندك أخ؟"
بضيق بسيط وأنا بشرح:
– "بص يا سيدي… مازن طلع صاحب زين. وعرف من يومين إني أخته، وقاللي أجيبه المكتب. وقلتله كل اللي حصل بينا أنا ومازن يومها."
يوسف رافع حواجبه:
– "يعني مازن طلع متجوز؟"
– "آه يا خيبة! كسفتنا قدام الراجل وخلاص."
يوسف يهزر وهو ماسك ضحكته:
– "ولا كسفة ولا حاجة. راجل وبيغير على اللي يخصه… إيه يعني؟! وبعدين عشان متجوز يبقى عادي وما أغيرش؟ لأ يا دكتورة!"
– "يا يوسف بقى…"
يوسف يفرك إيده كأنه مسيطر على مفاجأة:
– "بصي… أنا كنت ناوي أعملهالك مفاجأة بس خلاص… هقول."
– "مفاجأة إيه؟"
يميل لقدّام:
– "البحث اللي عملتيه في الكلية… نجح. وداخل يهزّ الدنيا في عالم الجراحة. ودعوكي مؤتمر في أمريكا… هيحضره كبار الجراحين في العالم… ومن ضمنهم دكتور مجدي يعقوب وكمان المركز بتاعك دلوقت اجهزه لك بعد الجواز انا اتفقت مع المستشفي انك هتروحي يوم واحد بس وهما عشان عارفين شطارتك اطرو يوافقو وكمان عشان شركتي هي إلى هتصمم ليهم المبني الجديد!"
أنا بسيّبت لساني:
– "إييييه؟! مستحيل! احلف!"
– "أهو بحلف… نجحتي يا جراحة قلبي."
قمت أجري عليه من الفرحة وحضنته.
بعد ثواني فُقت:
– "أنا آسفة… من فرحتي نسيت نفسي."
يوسف يضحك:
– "عادي يا قطة… كلها أسبوع ونحضن براحتنا."
– "يوســـــف بقى!"
– "تعالى النهارده… نحدد معاد الفرح."
يوسف يبصلك وهو مش مصدّق:
– "يعني… وافقتي نتجوز؟"
أنا بضحكة خفيفة:
– "موافقة من زمان… بس كان لازم أتقل شوية."
يوسف يهز راسه وهو مش قادر يخبي سعادته:
– "طب اسمعي… روّحي إنتي، وأنا ورايا مشوار هخلصه… واجي بعد المغرب."
– "ماشي."
وصلّني قدام البيت… وقف العربية… بصلي بابتسامة كلها راحة:
– "ادخلي… وخلي بابا مستعد. أنا جاي النهارده وماشي رسمي."
رديت بهدوء:
– "ما تتأخرش."
يوسف:
– "ولا دقيقة."
نزلت… وهو لف العربية ومشي.
فضيلت واقفة ثواني قدام الباب… قلبي بيخبط من التوتر والفرحة.
بابا واقف من البلاكونة، أول ما شافني قال:
– "ها؟ وصلك؟"
– "أيوه يا بابا… وقال إنه جاي بعد المغرب."
بابا بهدوء الأب اللي مستني اللحظة دي:
– "خلاص… روحي غيرّي هدومك وارتاحي. النهارده يوم كبير."
~~~~~~~~~~~~~~
يوسف –
وصلت عند بيت خالتي… والغليان جوّايا عامل زي نار مولعة مش لاقية مخرج.
فتحتلي خالتي الباب بابتسامتها المعتادة… حضنتني وقالت:
خالتي:
– "إزيك يا يوسف… إيه الدنيا؟"
يوسف:
– "الحمدلله… فين بنتك؟"
خالتي:
– "فوق… عايزها في حاجة؟"
– "أيوه… نديها لي."
ماعداش خمس دقايق… وكانت نازلة.
أول ما شفتها… الدم ضغط في راسي، ومكنتش قادر أتماسك.
يوسف بصوت عالي وهو بيقرب منها:
– "إنتي إزاي تعملي كده؟! هاا؟ انطقي!"
البنت اتجمدت… وخالتي سابتنا ومشيت خطوتين ورا.
– "كنتي بتضحكي عليّ وتقولي إنها نِسيتني… ومش سأله فيا…"
وتروحي تقولي لبرلمان إني اتجوزت؟!"
– "ومنعتي عنها أي خبر يوصّلها عني سبع سنين؟!"
– "ليه؟ ليه يا رودينا؟ أنا أذيتك في إيه؟!"
هي بصوت متكسر مليان غيرة ومخنوق:
– "عشان… بحبك."
الكلمة نزلت عليّا زي صاعقة.
– "بحبك… وعايزاني أوصل رسايل بينك وبين عشيقتك يا يوسف؟!"
– "ليه قلبها مايتجرحش… وأنا قلبي أرميه في الزبالة؟"
– "طب وأنا؟ أنا أعمل إيه؟!"
يوسف اتصدم، ورفع صوته:
– "إنتي اسكتي! انتي بالنسبالي زي أختي… أنا اللي مربِّيكي!"
هي صرخت:
– "وإنت اللي مربّي برلمان! وبرضه حبيتها!"
– "إشمعنى أنا؟! ليه هي؟!"
يوسف بصوت غاضب لكنه ثابت:
– "لأن برلمان… ماكدبتش."
برلمان عمرها ما أذَت حد.
"برلمان قلبها نظيف."
وقفت قدامها لحظة… حسيت إني لو فضلت دقيقة زيادة هتكلم كلام صعب.
فلفّيت وخرجت.
وأنا نازل السلم… كان القرار واخد روحه:
"هتغير… وهتفتح صفحة جديدة. وكل خطوة جاية… هتكون لبرلمان بس."
~~~~~~~~~~~~~
كنت واقفة في أوضتي بجهّز آخر لمسات في الطرحة… قلبي بيدق بسرعة، ومخي مش مستوعب إن النهارده… النهارده بالذات، هيتحدد معاد جوازي من يوسف.
مجرد التفكير خلاني أبتسم غصب عني.
فجأة سمعت صوته برا… بيقول:
"إزيك يا عمي… عامل إيه؟"
الابتسامة وِسعت لوحدها.
دخلت ماما بابتسامة أكبر:
ماما:
– "يلا يا برلمان… يوسف برا مستنيكي."
– "حاضر يا ماما."
خرجت… ولقيته قاعد، ومع أول نظرة منه… اتحسّست كإني أجمل واحدة في الأرض.
النظرة اللي كان يوسف بيبصها دي… كانت كفيلة توقف الزمن.
بس قبل ما أكمّل ابتسامتي… لقيت زين شدني من دراعي بحركة مفاجئة، ووقفني جنبه.
بصّ ليوسف نظرة قتّالة… نظرة معناها:
"دي اختي… وأنا واقف."
مقدرتش أمنع نفسي من الضحك… زين غيران عليّ زي يوسف بالظبط.
قعد يوسف وعدّل قعدته واتكلم باحترام:
يوسف:
– "أنا عايز أحدد معاد الفرح يا عمي."
بابا:
– "شوف يا ابني… اختاروا المعاد اللي يناسبكم. وأنا موافق."
يوسف ما استناش:
يوسف:
– "بعد أسبوعين إن شاء الله… وأنا مش عايز من برلمان حاجة غير شنطة هدومها بس."
– "ومش هنعمل فرح… اتفقنا نسافر بداله عمرة."
بابا بابتسامة فخر:
– "ونعم التفكير يا ابني… طب هتعيشوا فين؟"
يوسف بكل ثقة:
– "في فيلتي اللي قدامكم… وفي فيلا تانية جنب المركز اللي بجهزه لبرلمان."
"مركز إيه؟"
"برلمان هتفهمكو إيه رأيك فى المعاد يا عمي."
بابا:
– "الميعاد مناسب معاك."
يوسف:
– "طب والمهر يا عمي… ياريت حضرتك تحدده وأنا أجيبه بكرة."
بابا بحزم وهيبة:
– "أنا مش عايز مهر يا ابني… مهر بنتي إنك تصونها وتحافظ عليها."
يوسف بصّ لي بعدها… النظرة اللي فيها حب، وطمأنينة، ووعد كبير… ووقتها بس… حسّيت إن قلبي بيدق على شكل "نعم".
~~~~~~~~~~~~~
مرّ أسبوعين…
أسبوعين كاملين بين لفّات المولات، ورديات المستشفى، و… خناقاتي أنا وزين.
الخناقات اللي اكتشفت بعد شوية إنها مش خلافات… دي كانت لغة الحب اللي بينا.
أنا عمري ما كنت بدوّر على علاقة مثالية… كنت بدوّر على علاقة حقيقية، علاقة أحس فيها بالأمان… أحس إنّي مع حد بيخاف على ضحكتي وزعلي بنفس القدر.
ويوسف؟ كان بيغير عليا لدرجة ساعات تضحكني وساعات تغيظني… وأنا؟ كان عندي عناد يغلب جبل.
بس مهما حصل… ولا يوم سبنا بعض ننام وإحنا زعلانين.
ودي أكبر نعمة ربنا رزقنا بيها.
يوسف بدأ يتغير عشاني… يتحكم في عصبيته شوية، ويركّز قبل ما ينفعل، ويبطل يضرب أخماس في أسداس عشان كل واحد يبصّ لي.
وأنا؟ كنت بتعلم أعمل المحشي عشانه—هو اللي كنت بقول مستحيل ألمسه قبل كده—لكن اتعلمته، وفرحت إن طعمه عجب زين.
وهو كمان حب الشاورما عشاني بعد ما كان بيقول "متكليهاش جنبي عشان مش بحب ريحتها".
إحنا الاتنين كنا بننحّت بعض… بنتتشكّل مع بعض… لحد ما العلاقة بقت زي البيت الدافي: مش كاملة، بس مريحة.
العلاقة اللي كنت بحلم بيها. اللي لما أدخل فيها… أحس إني وصلت.
يوسف كان يستاهل اني احاول عسلنه شويه شويه لحد نهايه عمري.
~~~~~~~~~~~~~~
النهارده… كتب الكتاب.
واقفّة في فستاني وطرحتي… شعاعها كالقمر.
بصراحة… يا بختك يا يوسف بيّا.
دخل بابا عليّ، ولما شافني… عينه دمعت.
أنا:
– "ألف مبروك يا عيون بابا."
بابا:
– "الله يبارك فيك يا بنتي."
مسك إيدي، وخرجنا سوا… ويوسف كان قاعد في آخر القاعة على طاولة المأذون.
جلست أنا في الجهة المقابلة له… والجو كله حماس وترقب.
ابتدأ المأذون بالكلام عن الزواج… ولما وصل للجملة اللي مستنيها من عشر سنين:
المأذون:
– "آنسة برلمان… هل تقبلي بيوسف الغرباوي زوجًا لك؟"
أنا، بصوت ثابت ومليان فرحة:
– "أقبل."
القاعة انفجرت بالصفير والتصفيق… الجو كله فرحة.
ثم نظر المأذون ليوسف:
– "وأنت أستاذ يوسف… هل تقبل بالآنسة برلمان السويفي زوجة لك؟"
يوسف:
– "أقبل."
المأذون قال جمله المشهورة:
– "أعلنكما زوجًا وزوجة."
قام يوسف من على كرسيه… وبدون أي تردد، جرى عليّ، حضني.
كان حضنه أقوى من أي وقت… وكان بيخنقني بحنية وحب.
وأنا كنت حاسة… بالأمان… بالفرحة اللي عمري ما حسّيت بيها قبل كده.
~~~~~~~~~~
كانت تجربة العمره مع يوسف أحلى حاجة عملناها سوا.
الحقيقة… إحساس العمره مع الشخص اللي بتحبه… حاجة تانية خالص.
كانت أيام كلها طمأنينة، صلاة، دعاء، وفرحة صافية، وبعد كل خطوة… كنت بحس إني أقرب ليه أكتر من أي وقت.
آخر يوم واحنا راجعين… اتخانقنا شوية في الطريق… وبصراحة، كان الخناق دا مش كبير، بس إحنا اتنين عنيدين.
وصلنا البيت… ودخل يوسف الأوضة فجأة، وصوته كله اهتمام:
يوسف:
– "مزتي… زعلانة مني ليه؟"
أنا وانا بعصبية خفيفة:
– "روحت أمريكا سبع سنين… ولسه ببلدي… وكل كلامك بيئة!"
– "عايزة … اللي يلمك؟"
أنا بضحكة طفولية وزعل خفيف:
– "على مين على فكرة؟! أكلك فى دقيقة… متدخل اى دا يوسف انا مخصمااك."
يوسف ضحك… وراح قعد جنبي… وعرف إنه مهما اتخانقنا… اللي بينا أكبر من أي خلاف.
وحسيت بطمأنينة… بالأمان… وبالفرحة اللي عمرها ما تخيب.
---
((تمت))