تحميل رواية «بكاء في ليلة عرس» PDF
بقلم ايمان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
انسحبت مسرعة شمس الصباح، كأنها كانت على موعد مع أحداهم في مكان آخر، لتتيح للظلام يفرش ظلامه على الكون دون خجل من انسحابها، فتجلت الأنوار وضوت بالتفاف حول مدخل هذا المنزل الخارجي، كأنها مثل أوراق شجر اللُّباب الملتفة والمتداخلة، معانقة أوراقها بكل حب في سعادة. أما في الداخل، نجد المدعوين منتشرين كخلية نحل في كل مكان داخل المنزل، منهم من يهنئ والدة العروس، ومنهم من يقدم كاسات شربات العرس، بينما كانت العروس مرتدية زيها الأبيض وفوق رأسها تاج متوجهاً في ليلة تنصيبها على العرش، لكن يبدو على ملامحها ال...
رواية بكاء في ليلة عرس الفصل الأول 1 - بقلم ايمان
انسحبت مسرعة شمس الصباح، كأنها كانت على موعد مع أحداهم في مكان آخر، لتتيح للظلام يفرش ظلامه على الكون دون خجل من انسحابها، فتجلت الأنوار وضوت بالتفاف حول مدخل هذا المنزل الخارجي، كأنها مثل أوراق شجر اللُّباب الملتفة والمتداخلة، معانقة أوراقها بكل حب في سعادة.
أما في الداخل، نجد المدعوين منتشرين كخلية نحل في كل مكان داخل المنزل، منهم من يهنئ والدة العروس، ومنهم من يقدم كاسات شربات العرس، بينما كانت العروس مرتدية زيها الأبيض وفوق رأسها تاج متوجهاً في ليلة تنصيبها على العرش، لكن يبدو على ملامحها الانطفاء والكسرة، والعبوس، لم تخفيها تلك المستحضرات التجميلية المرسومة على وجهها.
على عكس والدتها، السعادة تبدو مشرقة لهذا الزواج الذي كم تمنته لابنتها الحسناء، غير مبالية لأي شيء مخالف للعُرف وعاداتهم، كل الذي يعنيها هو فقط أنها تزوجت من زوج عربي ثري لا أكثر.
فاقت "بسملة" من صدمتها واستوعبت أخيراً عرسها المزيف، فقد شعرت كأنها كانت تحت تأثير تنويم مغناطيسي، والآن عادت لواقعها المحتوم، المظلم بوصمة سواد تلازمها الباقي من عمرها. كيف لفتاة لم تبلغ العشرين عاماً تُطلق في نفس يوم عقد قرانها؟
صرخت "بسملة" صرخة هزت جدران ثنايا فؤاد والدتها، أخرجت من أعماقها صرخة مدوية اهتزت لها كل جدران المنزل، التفتت إليها خالتها، فازداد حزنها على تلك المسكينة، التي زوجتها من رجل ثري عربي لا يوجد بقلبه شفقة ولا رحمة دون قصد.
اقتربت والدتها حتى تضمها لصدرها الحنون، وعندما اقتربت، كان الصد العنيف من جانبها، فقالت وهي في حالة انهيار تام لها:
"عتقربي مني دلوچيت عشان تطيبي خاطري يا أماي، عتمسحي دمعتي دلوچيت. كان فين لما كنت عتحايل عليكي وچولك وعحلفك بكل غالي ترحميني ومعتفسخيش خطبتي من معاطي؟ عجبك عاد واني قاعده چارك متطلقة في ليلة دخلتي، عتتبسطي واني ملجيش حد عيبص في وشي تاني واصل. حرام عليكي اللي عملتي فيا وفيه يا أماي، خلتيني عضحي بالانسان اللي چلبي كان رايده عشان واحد عشمك بشوية جرشنات وبيت وكام قيراط طين، اهو سابني أول ما أبوه وبت عمه مرته دخلوا الفرح، اهو رماني كيف البَهيمه عشان ميزعلش أبوه."
صمتت تبتلع مرارة الحنظل في علقمها، ثم استطردت بوجع وحزن:
"ضمنتي الأطيان عاد، اهي كل حاجة راحة منيكي، حتى الدهبات اللي كنتي فرحانة بيعم راحوا، واني اللي بقيت قاعده زي البيت الوجف. يارب تكوني ارتاحتي... ذنبي في رچبتك ليوم الدين، و اني معاسمحكيش أبدا واصل."
أدمعت عين والدتها بشدة، وجففت الدمع المتساقط بطرف وشاحها وحاولت مرة أخرى مواستها، لكنها رفضت وأولتها ظهرها وجلست بعيداً عنها، فقد كانت المسافة التي تشعر بها أميالاً وليس خطوات تعد وتحصى.
حين خلى المكان من المباركين، وانطفئت الأنوار، وتحول الفرح لمأتم، وكانت العروس هي من ذبحت في ليلة عرسها، فرغ من حولها وبقي إلا من عدد قليل. شردت والدتها "سكينة" حين جاءت لها الخاطبة تزف عليها خبر هذا العريس الشاب الثري ذو المال والجاه "هادف". فكان يمتاز بمميزات لا حصر لها، حيث المال الوفير وما يغمر به ابنتها به، ويجلب لها المجوهرات الثمينة، ومنزل فخم في بلدتها، وكل هذا في مقابل أن يكون الزواج سرياً عن أهله، ولا يريد منها أطفال، وكلما جاء من بلدته قضى معها إجازته.
عندما سمعت شرط عدم رغبته في الإنجاب، وقفت محتده عليها رادفة:
"كيف الحديت الماسخ اللي عتقوليه ده يا وليه؟ كيف يعني عتعيش بتي بطولها مقطوعة النسل، متل الأرض البور اللي ما عتطرحش، لا عيل ولا تيل يونس وحدتها؟ لع اني موافقش على الهرتلة دي واصل، وسكي على الحديت ده عاد."
أمسكت الخاطبة "زبيدة" كفها وأجلستها وقالت رادفة بهدوء ومكر لإقناعها:
"اقعدي على حيلك، واستهدي بالله يا أم بسملة، واسمعي حديتي عاد ولو ملدش عليكي ارميه في البحر."
جلست ومطت شفتاها بعد أن أخرجت تنهيدة من جوفها تصبر حالها قائلة:
"عتقولي اية تاني عاد، ما القصيدة من أولها باينة اهه من غير جواله."
"ووه ووه مالك أكده شده حيلك عليا ومصبراش، اجفلي خشمك هبابه عشان اجولك على اللي في نيتي."
أخذت أنفاسها "ذبيدة" بعد أن سمعت صك "سكينة" كفها على ثغرها دلالة على عدم التحدث، ابتسمت لها وقالت بهدوء:
"الواد زين الزين، وميضرفتش واصل، وان كان على الخلفه، نصبروا سنة ولا اثنين، والمحروسة لسه صغار، مفرجش يعني من سنتين، ولما ناخدوا منيه اللي عايزينه وبزيادة، ونضمنوا حقها، تبقى تحبل، ونقوله حوصل بالغلط، وكله وشطارة بتك، تخليه يعشقها وميجدرش يستغنى عنيها عاد، وتخليه كيف الخاتم في صوبعها، وتهوسه بحسنها ودلالها، يووه ما تشغلي نافوخك وتوعي بتك يا سكينة، هو إني اللي هوعيكي برضك."
صمتت "ذبيدة" بعد ما بخت سمها في جوف "سكينة"، وانتظرت ترى فعل سريان بخها في كلماتها. وعندما قلبته في رأسها ابتسمت لها برضا قائلة:
"والله وعفارم عليكي يا ذبيده، حديتك معقول برضو، واهو في كل الحالات البت عتستفاد على اد ما تقدر، خلاص اني هتحدد وياها وليكي الحلاوة يا وش الخير."
ابتسمت بشدة "ذبيدة" ثم أعطتها كل ما يخص "هادف" من معلومات، ثم تركتها وانصرفت، وبقت "سكينة" محتارة في مهمة إقناعها بقبول هذا الزوج بعدما كانت ترفض كل من أتى لقربها بعد فسخ خطبتها من "معاطي" الذي كانت تحبه وتهواه.
صعدت لها والفرحة تتجلى على ملامحها، وعندما فتحت بابها، وجدتها جالسة فوق فراشها ممسكة ببعض الثياب الذي احتفظت به من رائحة محبوبها، ورفضت أن تعطيها له. ضمتها داخل أحضانها والعبرات منهمرة فوق وجنتيها.
عبس نور وجهها واقتربت منها وعيناها تلومها على حالتها، وحين نزعت ما في يدها صرخت "بسملة" هاتفة بحزن:
"بعدي كفك يا أماي عن خلجاتي اللي حلمت علبسها في يوم وانكتب عليها عتتحبس في دلابي كيف ما اني محبوسه في بحور احزاني."
"ليه كل المناحة اللي عايشة فيها يا بنيتي، امال لو كان عدل كنتي عاملتي في نفسك اية؟"
"معاطي كان كل حاجة في حياتي، وانتي خابرة ده زين، لكن لولا انك عتدوري على الجرشنات مكنش ده هيبقى حالنا."
برغم ضيقتها على ما تفوهت به، حاولت تداري كبح غضبها، وضمتها بين يديها وجففت دموعها وقالت لها:
"يا مخبولة اني هدور على مصلحتك، ومعيهمنيش في الدنيا دي الا اني اشوفك سعيدة في بيت عدلك، مع اللي صونك ويهنيكي، ويغرق يدك اللي كيف الملبن دي بالدهبات الأساور."
وقفت معترضة وعلى ملامحها الغضب قائلة:
"واني معيزاش أيتها چاجة من كل ده؛ كان ميلدش عليا غير معاطي وبس، وكنت مستعده اكلها معاه انشالله بملح، عنحمد ربنا ونشكره."
"يا خايبه، ده في الأول، ولما عتضيع بهجه ونشوة العشج يابتي، كله هيروح والمشاكل راح عتدق باب المحبه وكله عيتنسي، اسأليني أنا، ومعيبقى غير صوت عويل ونواح بطنك لما تقرصها الچوع، والبرد لما عينفض جتتك كيف هزة النخيل من أثر هوا الشتا الشديد، اني عملت الصح، ومعاطي مكنش عيسعدك ولا راح هيوفرلك العيشة اللي عتتمرمغي في خيرها."
نظراتها كانت توضح أنها غير مقتنعة لحديثها. فوقفت "سكينة" وقالت لها بحده:
"قصر الحديت عشان منضيعوش وقتنا، زبيده الخاطبه جبتلك عريس زين مفهوش عيب، ولد ناس وغني، وراح يجبلك بيت اهنا في أول البلد، ودهبات مكنتيش عتحلمي بيهم، وكومان هيدفع لك مبلغ كبير جوي مهرك يا زينة البنته."
بادلتها نظرات التحدي، وقالت بتصميم:
"واني جولت لع يعني لع، معجوزهوش لو انطربقت السما على الأرض يا أماي، ومش عتجوز غير معاطي."
ازداد الغضب، وتطايرت سهامها القاذفة نحو فؤادها لتصيبه في مقتل عندما تفوهت الأم وهي ممسكة بكتفها قائلة بنبرة تهديدية:
"يكون في معلومك، نجوم السما ابعدلك من اللي راح عتفكري فيه، ولو معاطي أخر راجل في الكفر كلتها مش عجوزهولك، ولو رفضتي يا بسملة، عخليكي تتحسري عليه الباقي من عمرك، هي الحكاية اية غير ولد ابن حرام يطلع عليه في انصاص الليالي، ويديله الطريحه التمام؛ عتخليه راقد عيتمنى الموت ولا يلاجيه، انتي خابرة ان امك تجدر تعملها، ولا يصعبش عليها ايتها حاچة، فعجلي أكده، وحطي عقلك في راسك، ووزني الامور وطاوعي امك، لو لسه عتخافي على حبيب الچلب."
اتصدمت "بسملة" مما تفوهت به والدتها، وكانت متيقنة أنها تستطيع تنفيذ ما قالت وهددت به. لكن كيف لها أن تقذف بروحها داخل النار، وتترك ذكرياتها وقلبها المفتون بحبه؟ جلست تفكر وتكرر ما دار، ثم قالت لها في يأس:
"اني من أجل محبه معاطي؛ افديه بروحي يا أماي، اني راح وافق على اللي اخترتيه، بس وحيات الغالي عندك ما تعملي فيه ايتها حاجة، لو لسه في قلبك محبه ليا، سبيه وكفايه اللي شافه من قهر وبعد، فراق."
أخذتها في أحضانها وربتت على كتفها، وهي تمسد على خصلات شعرها الذهبية مثل خيوط الشمس قائلة بسعادة وانتصار لما حققته:
"هو ده زين العقل، وطول ما انتي تحت طوعي وعتسمعي حديتي، اوعدك اني ماليش صالح بيه واصل، لكن لو جليتي بعقلك متلوميش غير عقلك، واعملي حسابك كلتها يومين بالكتير هتشوفي عريسك لما يجي البلد."
تركتها أمها وانصرفت، ورمت بجسدها فوق تختها وانفطرت في البكاء من ظلم وقسوة قلب والدتها التي لا تهتم إلا بالمال فقط، دون النظر لسعادة ابنتها، ومع من ستسلمها بيدها له.
ظلت "بسملة" حبيسة جدران غرفتها رافضة الخروج منها، جالسة منتظرة يوم حكم الإعدام بالنسبة لها، فالموت واحد ولا يفرق لها طالما ستحيا بدون رفقة محبوبها، فمن أجله سترمي بروحها داخل النار بنفس راضية لتفيده، فليس لديها أغلى من روحها فداء له.
وجاء اليوم المنتظر؛ وصول "هادف" الشاب الوسيم، ذو بشرة بيضاء، وعينان سوداوتان عميقتان، من ينظر لهما يتوه في بحور ظلامها، فقد كان في مقتبل الثلاثين من عمره، مرتدياً عباءة بيضاء وفوق رأسه وشاح فوقه عقال زاده رونق ووسامة، بصحبة الخاطبة محملًا بالهدايا الكثيرة للعروس، وأيضاً علبة بداخلها عقد من الماس، وعدة أساور تزغلل عين والدتها التي حين رأت هدايا جحظت عيناها من الاندهاش من شدة روعتها.
وبعد أن تعرف عليها، جلس يعرفها كل ظروفه، انبهر بحسنها وهدوئها، وسحر بخصلات شعرها الطويل، وعيناها البندقية، المرسومة بريشة فنان أبدع في تحديدها، والذي زادها جمالاً التواء أهدابها الطويلة لأعلى، جعله ينبهر وينظر لها برغبة جعلتها مطأطأة لأسفل. كم تمنى سماع صوتها الذي لم تنطق بحرف طوال جلستها معه، فكانت والدتها هي من تتفق وصاحبة الكلمة العليا في الجلسة.
بعد أن اتفق على كل الماديات، قرر أن يكون الزواج بعد يومين، وقدم لها شيكاً بالمبلغ الذي اتفقت عليه لشراء المنزل المحدد لها، على أن يتم الزواج ويسافر بها لقضاء إجازته حتى تجهز والدتها كل شيء. تعالت الأغاريد من قبل "زبيدة" ووالدتها تحت أنظارها، وهي مسلوبة الإرادة، تشعر أنها تباع في سوق النخاسة بأقل ثمن. صوت الأغاريد في أذنيها ما كان إلا نواحاً على موتها. نعم تشعر الآن أنها ماتت بالحياة حين وافقت على نحرها بهذه الطريقة.
لم تحتاج "بسملة" لوقت لتجهيز ما تحتاجه أي عروس، فقد كان كل جهازها مكتملاً. والدتها فقط هي من كانت تبحث طوال الوقت على منزل فخم يليق بابنتها. وبعد بحث مكثف وجدته كاملاً ولا ينقصه شيء، اتفقت مع صاحبه على أن يخليه في أقرب وقت ليتم البيع في وجود العريس. وافق الاثنان، وتم تجهيز الأوراق المبدئية.
ومر اليومان سريعاً وها هي جاءت لحظة الحزم وجلس العريس بمقابلة خال العروس ليكون وكيلها، وتمت مراسم الزفاف، وما أن انتهى المأذون من إجراءاته، حتى فوجئ الجميع بولوج رجلاً كبيراً في العمر ممسكاً بيده عصا غليظة يتوكأ عليها، بجواره امرأة شابة ذات الرداء الأسود، وعلى رأسها وشاح ملوف ظاهر مقدمة شعرها.
تقدمت منه وبنظرات نارية خطفت قسمية زواجهما التي طبعت عليهما إمضاءه ومزقتها بكل عنف وغِل. بينما والده أمسكه من تلابيب عباءته قائلاً:
"ااه يا ملعون الوالدين، هتفضل طول عمرك شين (سيئ)، ابقى بقيت عمري أسري خلفك عشان انتشك من اللي تسويه."
سكت ثواني يأخذ أنفاسه وتشدق بغضب وصوت جهور:
"طلقها الحين، وقوم اسري معي، سود الله وجهك، انت ما تستحي باللي تسوية."
تلجلج "هادف" من صدمته بمعرفة والديه ما فعل، فرد عليه بتلعثم:
"يا بوي ما يصير اطلقها، أني لسه توي متملك."
ضرب أباه بعصاه الأرض بقوة، فهتز قلب "هادف" المرتجف ورد بحزم شديد وتوعد:
"هي كلمة واحدة قولت طلقها الحين، وإلا انت خابر زين اللي هسويه، بمجرد ما اوصل راح اسوي كل ما أملك لمرتك بت عمك اللي مبهدلها وياك كل شوي، وانت أقلب وجهك."
رد مندفعاً حين أنهى قوله، وحررها من ذمته للتو، تحت أنظار واندهاش جميع الحضور. وما أن قالها وعاود المأذون تنفيذ الإجراءات، اقتربت زوجته من العروس التي كانت لا تعي لما حدث وما زال يحدث، وشدت من رقبتها العقد بكل عنف، وأخذته منها ولم تجد أي رد فعل. وعندما لمحت الأساور في يديها، أمسكتها بقوة محررة إياها منها. برغم شدة عنفها معها؛ لكن كانت تشعر "بسملة" بأنها تحررها من قيدها الذي كانت مقيدة به.
لجم لسان أمها أمام هيبة والده برغم كبره، لكن له هيبة وعظمة لا أحد ينكرها. ازداد خوفها حينما لمحت البودي جارد ذو الهيئة الضخمة بجانبه يحرسونه. انتبهت لصوت زئيره قائلاً لابنه:
"هل كتبت لهم أي مصاري؟"
أومأ برأسه بنعم، فصرخ الأب وطالباً الأم بتلك المصاري. ومع مشاورته للأسدين الواقفين بجواره، أخرجت "سكينة" من حقيبتها الشيك وقدمته له، فتناوله الآخر ووضعه داخل عباءته، وأخذ ولده وانصرف، بعد أن حول الفرح لمأتم، ولم يدافع العريس ولا استطاع أن يصمد أمام جبروت كل من زوجته ووالده، وخرج وكأنه لم يكن هنا موجوداً منذ قليل.
رواية بكاء في ليلة عرس الفصل الثاني 2 - بقلم ايمان
فاقت "سكينة" من شرودها على صوت عتاب أخيها الذي يصغرها ببعض أعوام، لكنه كان يتسم بطباع مختلفة عن أختيه، فقد كان رهيف القلب، شديد التسامح.
حين زاد من عتابه ولومه، وقفت أخته وأنهت حواره معه بقوة، وربتت على كتفها لتواسيها مما هي فيه. جففت دموعها.
حين شاهدت انهيار ابنتها قالت لها بنبرة باكية:
- حرام عليكي يا بتي ليه عتظلميني بس، اني كان كل حلمي استتك مع راجل عيصونك و يكون مقتدر. معاطي هو اللي كدب علينا في الأول، وما دام الراجل عيكدب يبقى ملوش أمان يا بتي. دخل علينا بالحنجل والمنجل وصدقناه، لكن كله إلا الكدب. حقك عليا يا ضنايا، وبكره عيجيلك اللي عيستهلك وأحسن منه ألف مرة.
كانت تسمعها "بسملة" وبداخلها تريد أن تصم حتى لا تسمع ما تقوله. فهي أُجبرت بقوة على ترك حبيبها "معاطي"، أول إنسان دق على باب جدران قلبها وتربع بداخله. وضعت يداها على عيناها وأغمضتهما حتى توأد هذا الوميض الذي راودها أمام عيونها وأصعب لحظات هاجمتها بكل قسوة تتهش ذاكرتها حين نزعت من إصبعها البنصر خاتم خطوبتها وحتم عليهما بالفراق المميت.
فشرّدت غصب عنها في هذا اليوم الصعيب.
فقد كان واقفًا "معاطي" مطأطأ الرأس لأسفل خجلاً من معرفة حقيقته الكاذبة. فلم يستطع مواجهة والدة خطيبته، التي رمقته بغضب يكاد أن يطيح به لمفترق الطرق.
فوجهت حديثها له بحزم:
-بجى انت يا معاطي عتفتكر إني عشان مَره قولت أضحك عليها وأرسم على بتها أنك من الأعيان، وصاحب فدادين واطيان. قوم ربك كشف كدبتك فاكرك إنها عتمشي عليا، لع فوق يا ولد الطحاوي مش سكينة اللي عيل كيفك راح يلبسها الطاجية ويغفلها، ده أني اشتريك انت وأهلك كلاتهم.
كان يستمع كل إهانتها ولا يتفوه ثغره بحرف، كأنه خرس للتو. عيناه تلمع من الحزن لافتضاح أمره في وقت قصير. فهو لم تلحقه الأيام أن يمتع عيناه ويحيا فترة أطول مع صغيرته التي أحبها منذ سنوات في صمت ولم يستطع البوح بعشقه خوفًا من رفضه لفقره الذي وصم به.
فاق على سماع أحب صوت لقلبه قائلة:
-جول حاجة يامعاطي، اونطق وكدب الحديث ده! جول محصلش واصل اللي بتقوله أمامي! جول إن ابن النجعاوي بيتبلى عليك، وإنك عفيف وعمرك ما عتكذب عليا واصل؟ بلاش تسكت أكده كيف الصنم، حرام عليك انت معرفش سكوتك ده عيعمل فيا إيه؟ أني روحي عتطلع من جتتي بالبطيء يا معاطي.
قالت حديثها وهي تبكي مقتربة منه وتضربه في صدره بقوة ليفيق من حالته ويبرئ نفسه، لكنه كان واقفًا كالصنم لا يتحرك، يحترق داخليًا على حالتها وحالته. وما وصلت بهم الأيام وتوهمه بأن بهذه الكذبة البيضاء سينالها. لكن لسوء حظه أن والدتها رفضت عقد القرآن برغم تصميمه في طلبه. ربما لو كانت مقترنة باسمه الآن لما تركها حتى لو دفع حياته ثمنًا لاحتفاظه بها، فهي بالنسبة له الوطن الذي على أتم استعداد أن يفديه بروحه.
وقعت "بسملة" أرضًا فقدماها لم تسعفها أن تقف عليهما، واكتفت بنظرات اللوم والعتاب له.
بينما والدتها حاولت مساعدتها للنهوض مرة أخرى مرددة لها بنبرة قوية:
-قومي يا بنيتي واجمدي أكده، مفيش راجل يتساهل البكا والنويح ده عاد، ده معيستاهلش دمعة واحدة عتنزل من عيونك عليه، انسيه وارميه الكداب ده واكل ناسه، وشدي حيلك واقفي على رجليكِ وانشفي. انتي لساكي صغيرة وعودك طري، وياما راح عتشوفي من الدنيا. اخلعي دبلته وارميها يا بتي بطول دراعك، وارمي معاها كل همومك وأحزانك.
رفعت عيناها الدامعة في عدم تصديق لما تقول، وتمسكت بتلك الحلقة التي تطوق بنصرها كأنه هو طوق نجاتها لآخر لحظة. وبحركة لا إرادية تشبثت به وعيونها متعلقة بعيناه الدامعة من أجلها، تترجاها ألا تفعلها.
لكن أمسكت والدتها بجمود يدها ونزعت بقوة هذا الخاتم ورمته في وجهه. شعرت "بسملة" حينها بأنها كادت أن تنزع عنها روحها بكل ما أوتت من قوة وتركتها للتو جسدًا بدون روح.
وعند هذه اللحظة استفاق "معاطي" وقال وهو راكعًا نحوها مرددًا:
-لع أياكِ تهمليني بالسهولة دي يا بسملة، هان عليكي كل اللي ما بينا؟
ردت بنحيب وصوتها مخنوق قائلة:
-مهنش عليا إني ياحبة القلب ولا كان عمره عيهون، لكن انت اللي هان عليك وعتحطنا في أصعب موقف، انت السبب يا معاطي مش أنا.
-والله وحياة محبتك اللي اتزرعت في جلبي، كان غصب عني، مكنش قدامي طريقة عشان أنولك غير أكده، سامحيني يا حبيبتي ومعتتخليش عني إني من غيرك عموت.
صرخت والدتها وأمسكته من تلابيب جلابابه بقوة لتزيحه من أمامها، فأستقام مترنحًا، وقالت بحده وعجرفة:
-بعد عنها ملكش صالح بيها تاني عاد، واللي عندنا أخدته، دبلتك والشبكة حداك، ياريت تورينا عرض أكتافك وتوقفل الباب وراك، وبلاها الحديث الماسخ ده ملهوش عازة دلوجيت كل واحد مناكوا راح لحال طريقه.
أزاح يدها بقوة لا يعلم كيف جاءت له ورمقها بشرار وقال موجهًا حديثه للتي لا حول لها ولا قوة:
-لع مش راح أسيب روحي أهنه وأفارق، طريقنا لسه واحد يا بسملة، جولي لامك تهملنا لحالنا، نعيش سوا على قد الحال، إني مش عايز من الدنيا دي كلها غير انتي يا بت الناس.
عجبًا فقد انقلبت الأوضاع في ثانية، وهي التي أصبحت صامتة هذه المرة لا تستطيع معارضة والدتها التي ربتها بعد طلاقها من والدها الذي لا تعلم عنه شيء منذ أن تزوج من سيدة إسكندرانية وتركها وترك والدتها من أجلها. ومنذ ذلك الحين أصبحت هي والدتها ووالدها وكل شيء، لذا كانت لابد والدتها أن تتسم بالشدة والحزم، فهي امرأة ربت صغيرتها بمفردها ولابد أن تكون شديدة لتقف أمام الجميع ولا أحد يقترب منها ويظلمها وينهش فيها. فنحن في زمن الضعيف يدهس تحت الأقدام ولا يوجد له دية. لهذا كان الجواب هو سيول أدمعها فقط تبكي في صمت.
وحين رآها "معاطي" هكذا انسحب دون حديث. لملم الباقي من كرامته التي تبعثرت وخرج وبداخله خذلان من الدنيا كلها، وليس منها فقط. أغلق الباب بكل قوته انتفضت على إثرها "بسملة" وعادت من شرودها لواقعها المرير تذكر اسم حبيبها بكل نبضة بداخل قلبها.
وفي أثناء عقد القران منذ قليل، كان "معاطي" واقفًا مذبوحًا في قلبه من سهام الهوى تطعن به بلا رحمة وهو يرى حبيبته خطفت من بين يده ويعقد قرانها لغيره، وهو مكبل الأيدي يفرفر مثل الذبيحة ولا يجد من يتم نحره وينهي لحظات حياته ربما يرتاح من هذا العذاب.
سند بيده على هذا الجذع الكبير الذي طالما تجمعا هو وهي أسفله أثناء فترة خطوبتهما القصيرة، وكم شهد أسعد اللحظات بينهما. ولم يتخيل لحظة أنه سيشهد أيضًا على كل أوجاعه مرة أخرى. كأن الحال تبدل ومن بعد الفرح انقلبت عليه دنياه وإذاقته من مرار الفراق كؤوس دفعة واحدة دون أن تنظر بعين الرأفة وتسأل هل سيتحمل كل هذا العذاب أم لا.
ظل هكذا ينعي حظه دون أن يشعر به أحد.
وبعد مرور وقت طويل، ما زال "شوقي" يسير في كل الطرقات يسأل عن صديقه وابن عمه "معاطي" كل من يراه، ولا أحد استطاع إجابته بمكانه. ظل يجوب هنا وهناك، حتى تذكر المكان المفضل لقلبه، عند تلك الشجرة العتيقة التي تبعد عن منزل حبيبته "بسملة"، فكان يحدثه عنها كثيرًا، وأنه يجد روحه هناك.
ركض مهرولاً نحوه بفرحته ليزف له أجمل بشارة. وحين وجده يبكي وحيدًا مثل من توفى له غالي وعزيز على قلبه، قال بصوت فرح مهلل:
-انت قاعد أهنه تنعي حظك يا حزين، واني بلف عليك كيف النحلة بجالي أكتر من نص ساعة يا ولد الفرطوس أنت.
رفع رأسه ونظر له بحزن، ثم نكسها مرة ثانية دون أي تعقيب، فثار غضب "شوقي" فقال:
-بقى أكده معترضش عليا وسيبني أتحدد مع حالي كيف المكذوب، والله خسارة فيك الخبر الزين اللي بلف عشان أبشرك بيه يا معاطي.
انتبه لحديثه وسأل بلهفة غريق يحتاج لقشة تنجده من غرقه وترسيه لبر الأمان:
-جول طوالي خبر إيه الزين اللي عتتحدد عنه ده؟
-لع مقايلش متستهلش عاد.
-شوقي مش وقته نهزروا هزارك الماسخ ده دلوجيت، يا تجول خبر إيه، يا تفارجني لحزني في حالي.
نظر له بشفقة وجلس بجواره أرضًا ثم قال:
-خلاص هجول وأفرحك لونك لسانك طويل ومتستهلش؛ حبيبة القلب بسملة.
قاطعه برعب حقيقي ولهفة:
-مالها لبة القلب والروح؟
-الفرح اتفشكل، واتطلقت بعد ما المأذون كتب الكتاب بهبابه.
قال حروفه دفعة واحدة كـ رصاصات فرح خرجت للتو من فوهتها لترقص في الهواء فرحًا، فنشرح قلب "معاطي" وحدق بصدمة اعتلت وجهه، برغم السعادة التي يشعر بها، ثم استوعب ما قاله، وأمسكه من تلابيب جلبابه وقال:
-إيه اللي عتقوله ده؟ كيف حصل؟ انت باينك شارب بكل الجرشنات اللي حداك يا ولد عمي، اوزن حديثك زين أمال، أنا قلبي راح يقف من الفرحة.
أزاح يده وقال بابتسامة:
-بقى أكده يا معاطي، ماشي يا ولد عمي مقبولة منك برضو، بس إني جولت اللي حصل من هبابه، وأول ما الخبر وصلني فرحت جوي وفضلت أسأل عنك طوب الأرض عشان أفرحك.
حاول "معاطي" تنظيم أنفاسه بهدوء فقد كان قلبه من وجلته يشعر أنه سيقف للتو. أحقًا صدقًا ما قاله ابن عمه؟ هل يعقل أن حبيبة قلبه من الممكن أن تعود له من جديد؟ لقد تجدد الأمل وترعرع مرة ثانية بداخله، وعليه أن يحاول مع والدتها مئات المرات لكسب رضاها من جديد.
وقف وعانق "شوقي" بحب وقبله لهذه البشرى، ثم تركه وركض مهرولاً نحو بيتها على أمل أن يشاهدها واقفة في شرفتها مثلما يفعل كل يوم. يمر أسفلها لعله يخطف نظره منها تبرد نيران شوقه ولهفته، من بعد أن كان له الحق في مشاهدتها كيفما شاء، أصبحت الآن محرمة عليه وبعيدة بعد السماء عن الأرض.
انتظرها كثيرًا وحين طال انتظاره، أمسك هاتفه يهاتفها لعله يبرد من نيران أشواقه بسماع صوتها.
بينما "بسملة" مستلقية على فراشها حزينة على ما حدث، وإذا بها تسمع صياح هاتفها وتلمح مكتوبًا على شاشته "حبة القلب".
أمسكته بيد مرتعشة، رامقًا لحروف اسمه، مترددة هل ترد وتفتح على قلبها سيل من الآلام من جديد، أم أنها تلبي نداء القلب وتغرق في محبته وتوصل أحبال الهوى التي انقطعت بسبب الطمع وحب المال.
رواية بكاء في ليلة عرس الفصل الثالث 3 - بقلم ايمان
امسكته بيد مرتعشة، رامقة لحروف اسمه، مترددة هل ترد وتفتح على قلبها سيل من الآلام من جديد، ام انها تلبي نداء القلب وتغرق في محبته وتوصل احبال الهوى التي انقطعت بسبب الطمع وحب المال.
حسمت قرارها للتو وردت عليه بلهفة وحب سنوات ينمو ويكبر بداخلها هاتفة:
- عرفت باللي حصلي يا حبة القلب؟
- لسه عارف من هبابه، وجتلك طوالي واستنيتك كتير جوي تحت شباكك يمكن تحني على الغلبان بنظرة، ولما غبتي مسكت التلفون واني بدعي ربي ان امك معتشوفش اسمي وتمنعك تردي عليا.
ردت في قوة وتحدي لا تعرف من أي جاء بها للتو. هل من كثرة شوقها وحبها له؟ ام مما مرت به من موقف صعيب وبيعها بهذه الطريقة المهانه. لكن مهما يكن السبب، ارادت ان تتخلص مما فيه، لذلك اكدت عليه متشدقة:
- لا معتخافش تاني واصل يا حبة القلب ودقاته، اني من بعد اللي جرالي مبجاتش اخاف عاد تاني.
صمت لبرهة يستوعب قولها، واذنيه لا تصدق ما سمعه، لذلك قال مترجياً:
- يعني عتقفي جاري يا لبة القلب، ونتحدوا الكل عشان ننول المراد؟
- معاك لاخر نفس عنتنفسوه يا حبة جلبي من جوه.
- عحبك جوي جوي يابسمة جلبي من جوه، واتوحشتك فوق ما عتتخيلي يا بَه.
- واني كومان زيك واكتر هبابة منك يا معاطي، بس عنعمل ايه مع اماي؟
- سبيها على معاطي، عسوق عليها طوب الارض طوبة طوبة لحد ما عترضى على معاطي الغلبان.
- يارب يا معاطي يسمع منك ربنا، ويهديكي علينا يا ماي، أني هقفل بقى وياك عشان معتحسش بيا وتعرف اننا عنتكلم سوا.
- طب اطلعي هبابة املي عيني منك.
اغلقت معه وفتحت نافذتها التي كانت بمثابة طاقة نور وأمل بالنسبة للعاشق الولهان أسفل، فحين طلت عليه برغم كثرة بكائها وحمرة عينيها، إلا أنها كان وجهها يشع ضياء أضاء قلبه ووجهه. تبسمت له بحب، وشاور لها ثم انصرف والسعادة تغزو صدره تجعل قلبه يرفرف فرحًا.
***
ومرت الأيام سريعًا وكان "معاطي" عند قوله، وحاول مع والدتها كثيرًا وجعل كبار البلد تتوسط له لديها. كل اقاربها الرجال، طرق كل الأبواب وترجى خالها ليتوسط بينه وبين اخته، لكنها كانت عند موقفها بالا توافق إلا إذا كان يملك عملًا مربحًا، وأرض يبني عليها منزلًا كبيرًا مثل الذي تسكن فيه. لم تشفع لبكاء ونحيب ابنتها، فقد استعملت معها كل سبل الضغط لتؤثر عليها. جلست بمفردها في غرفتها، قاطعت الطعام لعدة أيام، قاطعت الحديث معها، كل هذا واكثر وهي متمسكة بموقفها الذي لا تتنازل عنه مهما حدث.
***
وفي ذات يوم توجهت لمنزل خالتها تطمئن عليها فكانت حالتها حزينة منذ ما حدث. وإذا فجأة تسمع طرقات على الباب، قامت بفتحه وإذا بها ترى الواقف أمامها "مهران" ابن خالتها. كان الانكسار والحزن يكسو وجهه، عيناه السوداوتين الحسرة والهم عشّش داخل الجفن والنني. من يراه لا يصدق بأنه "مهران". النظرة منه تشرح القلب الحزين تكون هيئته هكذا، حاله تبدلت. كادت ان تشاوره بالدخول، أوقفها صوت خالتها قائلة بصوت جهور:
- عندك يا ولد، اجف مكانك ولا تخطي خطوة واحدة جوه الدوار، ملكش حاجة اهنه، روح ما طرح ما جيت. مش اخترت المصراوية اللي بعدتك عن اهلك وارضك، وخليتك تعيش فريحها، جيت ليه تاني عاد؟
قال والدموع كونت سحابة أمام عيناه جعلت الرؤية مشوشة غير واضحة لكن نبرة صوته بها ترجي:
- جيت عشانك يا أماه، جيت استسمحك ترضي على ولدك.
قاطعته وقالت وهي تستمد قوتها من عجزها المتشبثة به مرددة:
- اني محديش ولاد، ابني مات ودفنته وسكن التراب، وملكش أم اهنه، ورجلك إياك طول ما أني عايشة تعتبها ولا تخطوها، ويوم ما ييجيك خبري؛ ما يعزاكش تمشي في جنازتي ولا حتى تاخد عزايا.
حاول يقاطعها ويحنن قلبها، لكنها شاورت بيدها انه يقف عن الحديث بأي حرف، ثم قوت روحها بنفسها وقالت:
- وعيكون في معلومك انت محداكش عندي لا أرض ولا مال، وكل اللي ليك راح اعتبره صدقة. خلي بقى بنت المصراوية تنفعك، مشي روح لحالك ومش عايزة المح طيفك تاني.
كانت "بسملة" ترمقه بشفقة على حالته، وايضًا لم تتعجب من قسوة خالتها، فهي واختها ورثوا نفس القوة وقسوة الطبع. وعندما أولاها "مهران" ظهره وتحرك بخطى ثقيلة محملة بخذلان أقرب ما لديه، سمع صوت "بسملة" منادية عليه قائلة:
- استني يا ولد خالتي.
التفت لها وعيناه تسألها:
- اني حاسة بيك والخذلان اللي عتشوفه في عينك كبير جوي، اسألني اني عن قسوة القلب، راح عقولك موجودة في أماي وخالتها، معليش يا مهران فترة وبإذن الله عتعدي وربنا عيهديهم هما الاتنين.
أخرج "مهران" تنهيدة وجع من جوفه، ونظر لها بتمعن قائلا:
- شكلك موجوعة أوي يا بسملة؟
- جوي جوي يا ولد خالتي، ومشكلتي ملهاش حل واصل غير في ربنا.
برغم حالته وما يشعر به، لكنه أشفق عليها فالذي ذاق مرار القسوة والخذلان يشعر جيدًا بغيره، فقال لها مؤكدًا:
- مفيش مشكلة وملهاش حل، احكيلي ويمكن يكون عندي حلها.
- عن جد يا مهران؟
- عن جد يابت خالتي، قولي مشكلتك؟
تنهدت "بسملة" وقصت عليه من بداية معرفتها وحبها لـ "معاطي" حتى هذه اللحظة. حزن على تفكير خالتها المادي، وكيف لها ان تخطط لتعاسة ابنتها من اجل ان تزوجها لرجل ثري يجلب لها مال وأطيان، تاركة رجل يريدها و يتمنى سعادتها. ربت على كتفها بحنان وقال بآسف:
- حقك عليا أنا كمان جيت عليكي وظلمتك يا بسملة، وكنت فاكر انك وافقتي على الراجل الثري بإرادتك، لما حكالي خالي بالمختصر انك هتتجوزي، لكن لما سمعتك دلوقتي؛ غيرت نظرتي وربنا يقدرني وحل مشكلتك تكون عندي، بس انتي اتصلي بمعاطي وخليه يجي يقابلني.
تهللت أسارير صفحة وجهها وتوردت وابتسمت فظهرت لؤلؤ أسنانها، عيناها ترمقه بعدم تصديق، لكنه أومأ لها بصدق ما تفوه به. امسكت هاتفها ورنت على رقمه الذي حفظه عن ظهر قلب، فأجاب فورًا قائلا:
- لبه القلب من جوه بتطلبني، يادي الهنا اللي انت فيه يا واد يا معاطي.
خجلت من رده وقالت بتوتر:
- ملوش لازمة حديثك ده دلوقتي، هيم بسرعة وتعالى طوالي، ولد خالتي مهران عايزك ضروري.
حين سمع باسمه استشاط غيظًا وقال بصوت مرتفع:
- وماله بيكي الجدع ده، اني خلصت من عريس الغفلة؛ عشان يجي ولد خالتك يقف بينا، انتي واقفه بتتحدتي وياه ليه، في ايه بينك وبينه انطقي؟!!
توترها زاد حين سمعت صوته المرتفع الذي وصل لـ "مهران" فأشار لها بيده وأخذ منها الهاتف وقال له بهدوء عكس بركان الوجع المشتعل بداخله:
- اهدي يا معاطي، بسملة حكتلي قصتكوا، وأنا حاسس ان من واجبي ناحيتها أساعدها، خصوصًا بعد اللي حصلها وكسر خاطرها عشان كده الحل عندي تعالى قابلني وبإذن الله ربنا هييسر لك وتتجوزها.
- صحيح اللي بتقوله ده يا أستاذ مهران؟
- صحيح يا معاطي، متتأخرش وتعالى قوام.
- فريرة وهتلجيلني حداك، انت واقف في أي حتة؟
أبلغه بمكانه ومرت عشر دقائق وكان معاطي واقفًا أمامه وصوت أنفاسه تعلو من سرعة ركوضه مهرولًا له. انتظره حتى هدأت أنفاسه وقال "مهران":
- شوف يا معاطي انا جربت طعم الظلم، ومش عايز حد يجربه، وحاسس ان من واجبي اني أقف جنب بنت خالتي وأساعدها مادام في مقدرتي ده، وان كان حل المشكلة الفلوس؛ فأمرها سهل، ويمكن ربنا جعلني سبب اني جيت عشان أجمع شملكوا على سنة الله ورسوله، يهدي الحال بيني و بين أمي، وتسامحني هي كمان.
ردت "بسملة" وآمنت على دعائه بصدق، وانتظرت ليكمل حديثه هاتفًا:
- مشكلتكوا مادامت ديتها الفلوس تبقى مش مشكلة خالص، وحلها سهل.
رد بقلة حيلة وحزن "معاطي" متسائلًا:
- كيف ده يا أستاذ مهران، هو اني حيلتي حاجة، أجيب منين الجرشنات عشان ترضى عني أمها؟
ربت على ظهره "مهران" وقال:
- ملكش صالح بالفلوس، أنا هديك فلوس تشتري بيها أرض، وأزرعها وأبني بيت ليك ولبسملة، ساعتها خالتي مش هتمانع وهتوافق تتجوزها.
وقف متسمرًا "معاطي" الذهول هو من سيطر عليه، عيناه تجري بينها وبين "مهران" يحاول ان يقنع روحه ان ما يسمعه ويعيشه حقيقة مؤكدة وليس حلمًا يراوده في أحلامه. اغمض عينيه وقال بعدم تصديق:
- والنبي بتتحك بحق، أجرصيني يابت يا بسملة عشان أصدق؟ ده ولا في الأحلام، وياما في لسه ناس طيبة وعتعمل الخير و هترميه في البحر، ربنا يسعدك يا أستاذ مهران يارب وينولك مرادك بحق ما انت بتساعدنا.
تبسمت "بسملة" ورمقت "مهران" بامتنان، ربتت على كفه قائلة:
- أنا مش عارفة أشكرك ازاي يا ولد خالتي، جميلك ده عيبقى دين في رقبتي طول العمر.
قاطعها "معاطي" قائلا بحب:
- نذرًا عليا لو حصل وتم المراد وربنا رزقنا بعيل هسميه مهران عشان أفتكرك العمر كله، ولما يكبر ع أحكيله أنت كيف عملت معانا وكنت السبب انه يجي للدنيا.
ابتسم "مهران" وشعر بالسعادة عندما شاهدها على وجههما، وشاهد كم الحب الذي يفيض من عيونهما، لذلك قرر انه سيقف بجانبهما حتى يتم زواجهما. توجهوا تجاه سيارته، وأخرج منها دفتر الشيكات الذي يلازمه أينما يكون وكتب له مبلغًا يعادل شراء قطعة أرض، وطلب منه انه يكتبها باسم ابنة خالته ضمانًا لحقها، وهو لم يعارض وظهر حسن نيته، وعاهده بفعل ذلك، وبذلك لم تعارض والدتها. ثم صافحه بحرارة واستقل سيارته وسافر وهو يشعر بأنه فعل شيئًا عظيمًا.
بينما "معاطي" ينظر للذي بيده وعيناه لا تصدق هذا المبلغ الذي وقع عليه من حيث لا يدري، وظل يحمد ربه ويشكره. ودعا له بأن يهدي له الحال ويسعد كما أسعدهما، ثم قال لها:
- اني مش قادر أصدق الحلم الجميل اللي عنحلموه ده يا بسملة!!
- لا صدق يا عطعوطي، ده فرج ربنا علينا، المهم حافظ على الشيك اللي في يدك زين، لحد ما نصرفه بكره، وشوف واسأل على أرض زينة وعفية أكده عشان تشتريها.
- وه وه وه بقالك كتير أوي مقلتليش عطعوطي ولا سمعتها منك يا لبه جلبي من جوه.
- يا خرابي عليك شوف بجقولك ايه، تجولي ايه؟ والله انت رايق يا معاطي.
- ومروقش ليه وكلها أيام وهتبقي في داري وتفضلي تجولي عطعوطي دي طول النهار والليل، عشان أشبع منك يا جلبي.
ابتسمت بتمني وهي تحلم بتلك اللحظة، ورمقته بنظرة كلها عشق وحب هاتفة:
- يارب يا معاطي يكملها ربنا على خير، وعهد عليا ما بطّلش أبدا أناديك بيها يا حبة جلبي من جوه.
- هسيبك أنا لحسن عوجت جوي على خالتي وزمانها استعوجتني، وتبقى تجولي على اللي عملته بكره.
- حاضر ياقلبي، في أمان الله وحفظه.
عاودت لبيت خالتها، وما إن رأتها حتى سألتها:
- كنتي فين كل ده يا بسملة؟
- عوجتي ليه أكده؟
- لا مفيش يا خالتي، اني كنت بتحدد مع مهران، بنطيبوا بخاطره بس.
- وايه اللي عيوقفك وياه، ولا تتحدتي معاه مرة تانية واصل، ولا كأنك بتعرفيه من هنا ورايح.
قالت كلامها بحدة وغضب، جعلت "بسملة" تقترب منها وتحاول تهدئتها هاتفة:
- ليه أكده يا خالة، ده مهما يكن ولدك ومعيستغناش عنيكي واصل، وإن كان غلط فقلبك كبير ومع الأيام عتسامحيه اني متأكدة من ده عاد.
أغمضت خالتها عيناها بتسكن الحزن بداخلهما، ولا تظهر أمامها بالضعف الذي يحتل كل شبر بدواخلها، ثم فتحتهما قائلة:
- انتي معرفاش حاجة يا بتي، اني أبين قدامه وقدامكوا اني قوية وشديدة، لكن في الحقيقة اني ست ضعيفة وكنت بتمنى ولدي الوحيد يقف قدام الكل ويباشر أرضه بنفسه، بدل ما يختار مرته ويعيش بعيد عني، ويهمل كل فلوسه اهنه ويروح يفتح أي شركة يسفر فيها الناس، ولولا اني ضغطت عليه كان عاود تاني للسفر بره مصر، ربنا رزقني بولد كيف عامل زي القرع يمد لبره، وممنهوش فايدة ولا عازة لأهله.
- كيف ده يا خالة، والله ما في أطيب من قلب ولدك، ولا من حنيته، بكفاية كل شوية ييجي البلد يطلب رضاكي، حد غيره كان زهق ومعاودتش تاني، ادعيله يهدي سره يا خالتي ويسعده ويرزقه بالذرية الصالحة.
- يارب يابتي، ويعوضك خير على ما صابك.
ابتسمت "بسملة" وانشرح قلبها من دعاء خالتها، وتمنت ان ربنا يقرب المراد وتسعد مع من اختاره لها قدرها.
***
ومر ثلاث أيام كان من خلالها يسأل "معاطي" ويستفسر عن شراء قطعة الأرض حتى وجدها بسعر مناسب وتم الاتفاق عليها ودفع مبلغ مقدمًا وكتب عقد ابتدائي. وحين أمسكه بيده ركض مهرولًا تجاه منزل محبوبته، وطرق بابها وحين انفرج طاقة النور على وجهها الساطع، تبسم وطلب منها مقابلة والدتها. أدخلته وتوجهت نحوها واستعطفتها لمقابلته. وعندما رأته قالت:
- خير يا معاطي، ايه اللي جابك وحدفك علينا السعادي؟
قام "معاطي" من مجلسه وقدم لها عقد الأرض وقال بفرحة:
- اني جبت مهر بسملة يا خالة، وكمان كتبت عقد الأرض باسمها عشان ترضي عليا وتوافقي تجوزهالي.
نظرت متأملة في الورقة وتأكدت من صحة حديثه عاد، ثم عبس وجهها وقالت مستفسرة:
- ومن وين جبت كل الجرشنات دي؟ سرقت ولا نهبت مين يا ولا؟
رواية بكاء في ليلة عرس الفصل الرابع 4 - بقلم ايمان
اهدي شوية على حالك يا خالة، نهب إيه وسرقة إيه اللي بتقولي عليه، أنتي ليكي الأكل ولا بحلجة؟!
العقد أهو في يدك، وكمان باسم بتك عشان تضمني حقها، وأني هاشتريها بروحي، عندك مانع تاني؟
- لا مانع ولا ممنعش، بس أني كنت بستفسر يا ولدي مش بتي وعايزة أطمن عليها.
أخذ من يدها العقد وقال وعيناه ترمق "بسملة" بحب رادفًا:
- لأ اطمني شوي شوي، أني هاحطها جوة نن العين وهاقفلها عليها برموش عيوني، بس أنتي قولي أه وفرحي قلبي يا خالة.
ابتسمت أخيرًا والدتها وأعلنت موافقتها وتحديد موعد للزفاف بعد أن يقوم ببناء المنزل ويجهزه.
وتعالت صوت الأغاريد في المنزل بعد طول غيابها وامتلئت الفرحة أخيرًا قلوب العاشقين، وأصبح قربهم مجرد شهور بسيطة يجهز فيها منزل الزوجية والفرحة الكبيرة تسكن جدران ثنايا قلوبهما.
وبعد انصراف "معاطي" هاتفت "بسملة" "مهران" لتشكره وتبلغه بما حدث منذ قليل وسعد بشدة لها، وبارك لها وقال لها بأنه متكفل بتجهيز المنزل حتى تتزوج في أقرب وقت، فلم تجد أي حديث لنشكره على كرمه الزائد، فرد عليها بأن ما يفعله معها إلا أنه واجب عليه بحكم صلة الرحم، فما جاء منها إلا أنها أدمعت من شدة الفرحة وأبلغته بسعادتها ولا يوجد في قلبها إلا الحب والاحترام والتقدير له، تنهد الآخر براحة وطلب منها أن يأتي له "معاطي" في شركته الخاصة به ليكتب له مبلغ ليسرع في بناء المنزل لتتم الفرحة الكبيرة، ثم أغلق معها وهو يشعر بالراحة أنه ساعد في لم شمل ابنة خالته، وتمنى لهما السعادة ودعا ربه أنه يسعده مثلهما.
ومرت الأيام والأسابيع في جهد وتعب جهز "معاطي" البيت الذي سيسكن فيه مع "بسملة" وكل هذا بفضل "مهران" وما أعطاه له من توفير المال، وكان "معاطي" وقته يوزعه بين مراعاة أرضه وزرعته وبين تجهيز المنزل.
وفي ذات يوم كان "مهران" يباشر عمله واتاه اتصال هاتفي من "معاطي" يبلغه بموعد عقد قرانه وزفافه، وكم تمنى أن يأتي لتكتمل فرحته، لكن "مهران" بارك له واعتذر بشدة لعدم قبول والدته التي طالما حاول معها كان الرفض من قبلها دائمًا، فالتمس له العذر وشكره بشدة لما فعل معه، ثم أغلق معه والتفت للتي كانت تسمعه وعلامات الدهشة مرسومة على وجهها، تبسم لها "مهران" ثم همس لها وقال:
- حبيبتي مندهشة ليه كده؟
وضعت يداها في وسط خصرها، ورفعت حاجباها الأيسر وقالت:
- لا أبدًا يا حبيبي شكله كده مخبي عليا حاجة أنا معرفاهاش؟!
اقترب منها بخطوات رزينة وعلى محياه ابتسامة ذوبت غضبها المصطنع وقال لها بحب:
- أبدًا يا حياتي، لا مخبي ولا حاجة أبدًا هحكيلك كل الموضوع واحنا بتعشا سوا، إيه رأيك؟
أومأت له وبادلته ابتسامتها وقالت:
- تمام يا ميهو، موعدنا على العشا، وبما إنها هتبقى ليلة صباحي هروح أنا بقى وأجهزها من دلوقتي، وأنت أوعى تتأخر عليا.
- هو أنا أقدر برضو، أول ما العملاء يمشوا هاجيلك هوى يا روح قلبي.
مر الوقت سريعًا، وانتهى "مهران" من عمله، واستقل سيارته ليتوجه لها بكل شوق وبداخله رضا وشكر بعد أن نعم الله عليه بالسعادة، وحين ولج بالداخل وجد "حنين" جهزت الطعام على المائدة وإضاءة الشموع منثورة في كل مكان، وهي متزينة بأجمل رداء، واستنشق عطرها الفواح في كل ركن من أركان الشقة، تقدمت نحوه وتمايلت بغنج، وأمسكت يداه وأجلسته على رأس المائدة، كل هذا حدث وعينا "مهران" لا تصدق كم السعادة التي تسري بداخل شريان فؤاده، فقبل يدها وجلست بجواره تطعمه من الطعام الذي صنعته يداها بكل حب له، وحين أذاقته تاه من جمال ما أكل، وبدأت هي تذكره بالموضوع، وقص عليها كل شيء منذ أن قابل "بسملة" وعرف بقصتها، كانت "حنين" تسمعه وأذنيها لا تصدق كل ما فعله، وما رأته من تمني ودعاء لهما بالسعادة، جعلها تندم على كل لحظة تردد عاشتها، ولعنت غباءها في بعدها عن هذا الحبيب الذي تمنته وحقق مناها رب العالمين، وشكرت ربها أنه اختارها وباع كل شيء من أجل التمسك بها، وندمت على فترة غيابها عنه لتعطيه فرصة اتخاذ القرار بين التمسك بأرضه وزراعتها بناء على طلب والدته، وبين تحقيق حلمه في بناء شركته وتكون برفقته في مدينة القاهرة.
تركت ما بيدها وجثت على ركبتها وقالت بحب:
- يا حبيبي يا مهران، كل ده عملته عشان ربنا يقربهم من بعض.
وضحيت بأرضك وبكل شيء عشاني؟ أنت للدرجة دي بت....
لم يجعلها تكمل كلمتها قربها منه والتهم شفتاها بحب شديد، ثم أبعدها وقال:
- بحبك وبعشقك يا حنيني، وكنت مستعد أعمل أي حاجة وأفضل أدعي ربنا أن دعايا ربنا يستجيبه وترجعي ليا من تاني.
- يا حبيبي يا مهران، وأديني أهو رجعت ومستحيل أبعد تاني مهما حصل، بعد ما أنت أثبت ليا أنك متمسك بيا لأبعد الحدود، وآسفة على بعدي عنك الفترة اللي فاتت.
- يارب يا حبيبتي مفيش حاجة تبعدنا تاني في يوم من الأيام.
نظر للطعام ولعابه جرى عليه وقال:
- يالا ناكل بقى لحسن ريحة أكلك النهاردة محدش يقدر يقاومه.
- ده بس عشان عملته بحب يا حبيبي.
أكملا طعامهما في حب وسعادة، بعد أن ذاقا كل منهما مرار الفراق، والآن أخذوا نصيبهما من الفرح والحب.
وبعد أن انتهى من طعامهم، أعلنت "حنين" عن أجمل خبر سار سعد به "مهران" وجعله طائرًا من السعادة، حين أبلغته بخبر حملها، وحلم بمرور الشهور ليقدمه بيده إلى والدته حتى يحنن قلبها عليه وتسعد برؤيته، ضمها لقلبه بسعادة، وناما وهو محتضنها داخل أحضانه، ويداه واضعة حول بطنها، ليشعر جنينه أنه سنده وفي ظهره طوال أيام حياته ولن يخذله مهما فعل معه.
وعقد "معاطي" على "بسملة" والفرحة كانت غامرة داخل القلوب، وحقق مناه بعد طول حرمان، والتقى القلبين في حلال الله وسنة رسوله، وبدأ "معاطي" حياته التي بدأت للتو حين كتبت عروسة الحسناء على اسمه، وعاش معها أسعد أيام حياته، نست فيها تلك الليلة المشؤومة التي لولاها ما كانت وصلت لهذه الفرحة مع حبيبها، وبدل الله البكاء والحزن لفرحة عامرة تتراقص لها القلوب.
وعاش "معاطي" معها أجمل ليلة حلم بها، فقد كان يتعامل معها كأنها قطعة من الماس يخشى خدشها، جوهرته الثمينة التي عاش سنوات يتمنى اقتناءها، والآن أنعم عليه قدره بها وأصبحت بين ذراعيه، محتضنها بكل الشوق الذي يعتليه.
اشتد في عناقها كأنه يريد اختراق كل عضو بجسدها، وإدخالها بداخل أضلاعه، ذاق معها لذة العشق الحقيقي الذي كم حرم منه أيامه، وما كان منها إلا أنها بادلته بفطرة أنثى واقفة على بداية أولى درجات الحب تبدأ في رسم أول سطورها، وسكنا كل منهما داخل موطنة، وتوحدت الأنفاس وتعالت صوت آهات الحب بينهما وتوغلت حتى وصلت لمداها البعيد، وبدأ "معاطي" في كتابة أول حروف في قصة حياتهما المليئة بالمودة والحب بينهما.
وغاص الحبيبان لدنيا الهيام والغرام، حتى أعلن ديك الصباح عن شروق يوم جديد في حياتهما السعيدة، حتى وصلا لقمة درجات سلم العشق والاتحاد الروحي والجسماني وصل لمنتهى الشوق والهيام.
واستيقظ "معاطي" من نومه متلملمًا من نومه الذي لم يستغرق سوى ساعات قليلة تم خطفها من سلطان النوم بأعجوبة، فقد دخل معه في حرب وسباق بالإتجاف عيونه ويحرم من رؤية أميرته ومحبوبته التي ترقد داخل أحضانه؛ لكنه في نهاية المطاف خسر واستسلم له وغمضت مقلتيه ونام في سبات، لكن عقله الباطن الذي تعلق بحبال هواها اشفق عليه وجاءت تؤنسه في نومه وعاش معها في أحلامه؛ والآن هي في واقعه ساكنة تنعم بفيض محبته.
شعر بتململها، أزاح عنها خصلات شعرها الذهبي، الذي يخفي ملامح وجهها البيضاء عنه، فتحت بندقيتها فغرق العاشق في شهدها، واقترب ليلثم تلك الشفاه في حب مغمرها به، مع عناق شديد، كأنه يؤكد لروحه أنها حقيقة وواقع وليس حلمًا يعيش بداخله.
ابتعد عنها بصعوبة قائلاً بابتسامة مرسومة على محياه:
- صباحية مباركة يا عروسة.
ردت عليه بخجل:
- يسعد صباحك وعمرك بكل خير يا عطوطي.
- وه وه وه يا بووي، هو في أحلى من أكده صباح يا لبة القلب من جوه، والله وباضت لك في القفص يا واد يا معاطي، والدنيا أخيرًا ابتسمت ليك وتوريك وشها الزين بعد ما ورتك الوش العفش سنين.
قال آخر حروف جملته بمرارة ما ذاقته الأيام من مرارة، فاشفقت عليه "بسملة" وأخذته بين أحضانها ودفنت رأسه داخل صدرها واحتوته بحنان قائلة:
- انسى يا حبة القلب ومناه، ارميه ورا ظهرك، اللي فات مات، واحنا ولاد النهاردة، هنعيشوا سوا في حب وهناء، وهننسى أي عذاب عشناه قبل أكده، وهنفتكر بس أن ربنا كان أحن علينا من عباده، ولم شملنا في حلاله.
رفع عيناه لها في حب، وقبل جبينها، ثم انهال على تلك الشفاه التي انهلته بوابل من الحب والعشق، وكاد أن يغوص معها في نعيم جنته، لولا أن سمع طرقات عالية وصوت والدتها يعلو، فنظر لها قائلاً بغيظ:
- مفرقة الجماعات جت أهي، مش عايزة تسبنا نتهنوا شوية لحالنا.
ابتسمت "بسملة" على وصفه، ثم دارت ابتسامتها وقالت له بعتاب:
- بقى أكده يا معاطي تقول على أمي كده؟
قوم هم يالا افتح الباب ليها، واوعى تزعلها عشان خاطري.
- قايم أهو يا ست العرايس، وعشان خاطر عيونك الحلوين دول هبلع لها الطوب اللي هتحدفه في وشي كل ما تنطرني قصادها.
تحرك نحو الباب، وهو يدعيها للتحلي بالصبر، وما أن انفرج ورأته أمامها، صاحت "سكينة" في وجهه هاتفًا بغضب:
- ساعة عقبال ما تقوم وتفتح، هم خد من البنت الوكل اللي شيلاه على قلبها ومجدراش تقف، جربي يا هنيه.
زفر بضيق "معاطي" وفتح الباب على مصراعيه، وتناول من الخادمة صينية الطعام، ثم وضعها على طاولة الطعام، وكاد أن يتفوه ليشكرها، لكنها أسرعت رادفة:
- وينها بتي، إياك لسه نايمة لحد دلوقتي؟
- لأ صحينا، تلاقيها بس بتغير خلعتها وهتيجي طوالي.
- وأنا لسه بستنى لحد ما تيجي، أني عدخل أطمن عليها.
لم تنتظر ردًا منه، وولجت نحو غرفتها ودخلت عليها وجدتها تصفف خصلات شعرها، وتتعطر وتضع بعض لمساتها على وجهها الصبوح، وما أن لمحت ضياء الشمس مشرق من داخل عيناها، انشرح قلبها وسعدت لسعادتها، اقتربت منها في حب ولهفة متسائلة:
- طمنيني يا بتي، وين بياضك؟
أخجلت وتوردت حمرة وجنتيها، وأشارت بعيناها على وضع منديلها الأبيض وبه علامات عفتها، توجهت نحوه وأخذته بفرحة عارمة، وأطلقت الأغاريد معلنة عما يكنه الفؤاد من سعادة، ثم أخذتها بالعناق وتغمرها بالقبلات متشدقة:
- ألف بركة يا بتي، رفعتي راس أمك للسما، ربي يسعدك ويهنيكي.
صمتت قليلاً ثم سألت بفضول أم:
- عاملك زين معاطي؟ ولا زعلك، أروح أجيبلك كرشة في يدي والله ولا عيهمّني!!
- لأ لأ والله زين الزين يا أمي، كان أحنّين علي ويعاملني كيف الزرزور اللي بيخاف عليه يطير، ولا بيصيبه شي عفش يجرحه.. والله يا أمي ما في أطيب وأحن من عطوطي عليا، بس أنتي لو تحبيه هتلاقيه كيف النسيم والله.
لوّت جانب شفتها بسخرية من حديث بنتها على زوجها وردت باقتضاب:
- لأ أكفاية أنتي هتحبيه، عيب بقى أنا وأنتي، يالا قومي همي عشان جيبالك فطور وغدا العرايس، مش بعيد هتلاقيه مخلّص نصه ابن الفرطوس.
تغيرت ملامح وجهها مما قالته، وردت بنبرة غاضبة:
- ياكل بالف هنا وشفا على عافيته يا أمي، أنتي جايبة لنا الوكل هتسمميه لنا إياك؟!
شعرت والدتها بغضبها، ربتت على كتفها وقالت في حنو:
- وه لا يا بنتي، كيف تقولي أكده، بالهنا عليكي -
سكتت واكملت -
- وعليه طبعًا.
لانت ملامحها وخرجت معها وجدته جالسًا على مقعده منتظرها، وما أن لمحت عيناه رؤيتها وقف متقدمًا منها وعيونه تشع من الحب انهارا، لمحته والدتها، فسرّ قلبها لما رأت، وانصرفت حين اطمأن قلبها عليها، رافضة الجلوس معهما، تاركة إياهما يتناولا طعامهما سويًا في سعادة.
واستمر وقتهم في هناء وسرور، كل منهما يبث حبه للآخر وبعطي من نبع حنانه ومحبته بدون حساب.
حتى جاء اتصال هاتفي يصدح من هاتف "معاطي" فسألته من المتصل، فأجاب وهو يرد على المتصل قائلاً:
- الله يبارك فيك يا أستاذ مهران، وفي صحتك وعافيتك يا راجل يا طيب.
- والله اللي عملته راح يصير طوق في رقبتي ليوم الدين.
- تسلم من كل شر، هبلغها بكل تأكيد.
أغلق معه والابتسامة على محياه، قطع قطعة من الفطائر العرس في ثغرها، وبلغها سلام وتحيات ابن خالتها، فقالت بامتنان:
- والله مهران قلبه كيف البطة البيضاء، يارب يحنن قلب خالتي عليه وتسامحه.
ويجعل جميله في ميزان حسناته يا رب. آمن على دعاها، وظلا يفكران كيف يردون جميله لهما، وما تسبب في سعادتهما.
ومرت الأيام الجميلة تهفهف عليهما بنسمات الحب، لا شيء يعكر هذا الصفاء إلا من خلال الشجار الدائم بين والدتها وزوجها؛ الذي يحاول جاهداً ابتلاع أي حديث لاذع من قول تتفوه به.
ومع كل آسفة باتت كل محاولات "بسملة" في الصلح مع ابن خالتها وخالتها، فكانت تشعر دايماً تجاهه بالتقصير، لكن قسوة قلب خالتها وعنادها كان أقوى من أي محاولات.
هذا ما جعلها تيقن أن تلك المهمة غاية من المستحيل، وتحتاج إلى معجزة من الله لتحل.
************
وبعد مرور تسعة أشهر الماضية، كان "معاطي" قد سدد نصف ثمن الأرض، من خلال ما حصده من أرضه التي زرعها بعرقه بكل حب وعطاء، فهو لن يقبل بما قاله "مهران" بأنها هدية منه لابنة خالته، وشكره على موقفه وصبره عليه حتى يسدد الباقي، ويكفي جميله الذي حمله فوق رأسه إلى ما لا نهاية عمره.
وجاء يوم ولادة "بسملة" التي لم تكمل شهورها التسع، وكأن جنيناها متعجل لنزول دنياه، وصداح صوتهما بالبكاء هز جدران الغرفة بعدما أخرجتهما الطبيبة التي أتى بها "معاطي" من المركز، وتفاجأ الجميع بأنهما طفلان، وكم سعد "معاطي" حين علم بأن الله رزقاه بطفلين توأم ولد وابنة؛ ليفي وعده لابن خالته "مهران".
دخل عليها والفرحة تتطاير من وجهه قائلاً:
- حمدلله على سلامتك يا غالية، ويا أم مهران الغالي، ومهرته الغالية.
ردت بوهن:
- يسلمك ليا يا أبو عيالي، يا ترى شبه مين فينا؟
أمسك بيد مرتعشة الولد نظراً لصغر حجمه، وكبر في أذناه، وقال بفرحة:
- ووه ووه الولد فوله وانجسمت نصين مني يا بسملة، مكنتش أعرف واصل إنك هتحبيني جوا أكده.
تبسمت له بحب، وكادت أن تتفوه لولا صوت أمها قالت وهي تأخذه منه لتعطيها إياه بحدة:
- عيشبهلك كيف عاد؟ الواد والبنته نسخه من بتي، قمر زيها ما شاء الله.
ردت "بسملة" وهي تنظر لصغيرها ثم لزوجها قائلة بحب:
- لع يا أمي ده واخد حتى لون عيون عطعوطي، حتى بقى نسخه منه، مش كده يا معاطي؟
ابتسم بشدة على جبر خاطر زوجته دائماً له، فقال وهو محتضنها بيده:
- أني اللي يهمني إنهم حته منك يا لبة جلبي من جوة، ومش مهم عاد شبه مين فينا، يا رب يبارك فيهم ويحفظهم لينا.
انتهدت بضيق والدتها، وأعطته الولد، بينما مهرة في حضن والدتها، ثم نهضت من مجلسها قائلة:
- أني هقوم أجيبلك وكل تتجوي بيه، أنتي نافسة وعيلزم غذى عشان تغذي عيالك، ومنقصاش أسمع لحديثكوا الماسخ ده، بلا قلة حيا.
تركتهم وظلا يضحكان عليها وعلى حديثها المغلف دائماً بالقسوة، وقبلها "معاطي" بكل حب، داعياً الله أن يتم سعدتهما.
★*******★
انتفضت "حنين" فزعة بسبب الآلام التي شعرت بها وحاولت أن تتغاضى عنها، وخطر بفكرها أن ما تشعر به من المحتمل تكون ولادة؛ حيث الموعد المحدد له ما زال باقي أسبوع عليه.
اعتدلت من نومها، وحاولت النهوض وبمجرد أن لامست قدماها الأرض، شعرت بركلة قوية، والألم شديد أسفل ظهرها لا تحتمل، مع تقلصات قوية جداً أسفل بطنها، صرخت صرخة مدوية أفرغت النائم من سباته، رمقها بهلع قائلاً وهو يراها تتلوى من شدة الألم:
- مالك يا حنيني، أوعي تقولي إنك هتعمليها دلوقتي، احنا في الفجر يا حنين!!
ردت عليه بصعوبة وبحديث متقطع:
- أنت لسه بتسأل يا مهران، الحقني مش قادرة أتحمل يا راجل، هو بمزاجي أولد الفجر ولا حتى العصر.
أنهت قولها واستمر صوت آآهاتها يرج جدران قلبه، فوقف ينظر لها تائهاً شارداً لا يعرف ماذا عليه فعله، فحين لاحظت تسمره بهذا الشكل صرخت فيه هاتفه:
- أنت واقف ليه كده، أنا حاسة إني بموت اتحرك اعمل أي حاجة، اتصل بالدكتورة.. خدني للمستشفى يا مهران مش وقت توهان، ساعدني أغير هدومي بسرعة.. آآآه آآآه بسرعة يا مهران الحقني مش قادرة أستحمل.
رواية بكاء في ليلة عرس الفصل الخامس 5 - بقلم ايمان
وهنا انتبه "مهران" وبدل ملابسه في عجل، ثم ساعدها على ارتداء ملابسها، وامسكها بحنان لينصرفا.
وحين وصل لباب الشقه تذكرت شيئًا وقالت بهلع:
- شنطة البيبي يامهران نسناها!
- هو ده وقته بس، شيلاها فين؟
- موجودة في الدولاب، ادخل هاتها بسرعة.
ركض مسرعًا واخذها ثم عاد لها وتوجهه فورا للمشفى. ومع كل صرخة منه كان يزيد من سرعة السيارة، لدرجة انه خشى ان يصيبهما مكروه.
وصل اخيرا وطلب كرسي مدولب لتجلس فوقه. وما ان أتى به موظف الاستقبال، تحرك بها مسرعًا. ومن حسن الحظ جاءت قبله طبيبتها التي تباشرها طوال فترة الحمل. اخذتها منه لتكشف عليها.
وما ان تركت يده المتشبثة بيده الا ان دموعها هي من سالت بخوف لا تعرف ماهيته. لكنه اقترب منها وقال في حنو:
- اجمدي يا حنون، انا في انتظارك يا حببتي انتي والبيبي، بحبك اوي.
قال اخر جمله وهو يضمها بحنان. كادت ان ترد لولا ان خافلتها طلقات متتاليه دفعه واحده منعتها أن تنطق الا اهاات جعلت الممرضة تسرع في ادخالها.
وجلس "مهران" على المقعد بجوار بابها منتظر لحظة سماع صوت ولده. ظل يدعي ربه ويتمنى لهما السلامة. ومع كل آه تخرج منها بشعر انها خارجة من داخل اعماقه هو وليس هي.
رجع رأسه للوراء مسندا على ظهر الكرسي واغمض عيناه. واجبره عقله ليخفف من حالته ويهدأ من روعته بتذكر اجمل يوم حين علم بخبر حملها وكيف كان صداه عليه.
حينما كان جالسًا في منزله منتظر قدومها قلقلا بشدة لتأخرها، حيث سبقته وانصرفت قبل موعد انصراف العمل وابلغته انها ستقوم بشراء شيء وستتوجهه لمنزلهما. هاتفها اكثر من مرة، لكنه كان خارج نطاق الخدمة؛ مما جعل الخوف عليها يتسرب بأوصاله. ظل يتناول سجارته واحدة تلو الأخرى، والف سيناريو سييء يجوب داخل عقله بانها اصابها مكروه.
لم يشعر بنفسه الا ووجد علبه سجائره فرغت. زفر بأنفاس غاضبه وعاود الإتصال وحين وجده مازال مغلق رمى به. انتبهت حواسه لسماع صوت انفراج باب الشقة. تقدم نحوها بعيون غاضبه وصوت كزئير الليث قائلا:
- كنتِ فين كل ده ياحنين؟ والزفت اللي مسكاه طول الوقت في ايديك مغلق ليه؟
لم تبالي "حنين" لتلك الحدة التي على يقين انها محبه وخوف عليها. اقتربت منه والابتسامة على محياها وعيناها تلمع بفرح، ملتفه يداها حول رقبته، مانعه اياه من ازاحتها، ناظره دتخل بؤبؤ مقلتيه هاتفه بسعادة ليس لها مثيل:
- كنت يا حبيبي بجهز ليك اجمل مفاجأة !! وليه مردتش؛ عشان فوني فصل شحن ونسيت الباور بانك في المكتب، واول ما خلصت مفاجئتي جيت على طول عشان ازفها ليك بسعادة.
قبض بين حاجباه بتعجب، وسألها عما تخبيه، فاخفضت يداها المعلقه وانزلتها، ثم فتحت حقيبة يدها واخرجت كيس صغير منها، واخفته وراء ظهرها وقالت له برجاء:
- ممكن تغمض عيونك الاول؟
- حنين بلاش تختبري صبري ودلوقتي، انا اساسا ماسك نفسي بالعافيه، ومش عايز اتهور، انجزي وقولي ايه اللي اخرك ومخبيه ايه ورا ظهرك؟
تدللت عليه وادعت العبوس، وضمت شفاها بزعل، وقالت وهي تضم ما في يدها وتشدقت:
- تصدق انك رخم، وخسارة فيك يا بابي الهدية اللي مجهزاها.
ركز ورنت كلمة "بابي". وضع سبابته داخل اذنيه ليقوم بنفضها لازالة اي شمع ممكن ان يحجب او يعوق ما سمعه الآن، او ربما ان ما تردد منذ ثواني كان خطأ وتوهم سماع شيء اخر. امسكها من اكتافها وعيناه تترجاها بأن تكررها مرة ثانيه وتأكد ما تفوهت به. اومأت برأسها باماءه خفيفه وكشفت ما في يدها؛ وكان عباره عن سلوبت ولادي حدثي الولاده، وضعته على بطنها اشارة منها لوجود نبتته بداخلها.
وما ان رآى ما فعلت حتى ثار عليه قلبه بعدة وجفات متلاحقه في تزايدها جعلت عيناه تدمع من السعادة والفرح. وضمها بكل حب محتضنهما سويًا داخل احضانه وظل يصرخ بسعادة بما اكرمه الله وانعم به عليه، محاوطها بين ذراعيه بكل حب.
فاق من ذاكرته على صوت الطبيبة متحدثة بعمليه قائلة:
- للاسف أستاذ مهران؛ وضع مدام حنين سيئ.
- ازاي يا دكتورة، مطنيني ارجوكي، مراتي مالها؟
- مدام حنين كويسة، اقصد وضع الجنين هي اللي مش كويسه؟
- ازاي ممكن تفهميني اكتر؟
- مدام حنين الطلق شغال عندها من بدري، وممكن تولد طبيعي، بس للاسف الجنين في وضع مقلوب، ولسه متقلبش للوضع اللي يتيح خروجة بصورة طبيعية.
- طب والحل يا دكتورة، دي مش مبطلة صريخ، ارجوكي شوفي أي حل يريحها.
- استاذ مهران المدام بتولد، مش عندها جرح واديها مسكن ولا بنج عشان تهدى، عمرك شوفت ست بتولد من غير ما تصرخ وتتوجع؟ امال الجنة تحت اقدام الأمهات ازاي؟ ده ألم الولادة يعادل كسر 42 عظمة وهو ثاني أشد ألم بعد الحرق حيًّا، فمعانتها دي امر طبيعي، خصوصا اني ادتها حقنه تزود الطلق ربما لتسرع الولادة، ادعلها وممكن تدخلها ده هيحسن حالتها كتير.
كانت الطبيبة تتحدث بمنتهى الهدوء والثبات، ولا تعلم ماذا هي فعلت بطلقات كلامها هذا داخل قلبه المحب. الخائف على ما يملكه "حنين" ليس زوجته فقط بل هي بالنسبه له عالمه وكل دنياه، ولا يتحمل البعد عنها ولو لثانيه.
ادمعت عيونه التي طالما حبسها منذ ان فتحت وعلم بما بها من الآلام. اشفقت عليه الطبيبة فهي تعرضت لهذا الموقف كثيرا. وانصرفت بعد ان ادت تعليمتها للممرضة انها تقيس نبض الجنين كل خمسة عشر دقيقة لتعلم بحالته. وما ان ابتعدت هم بمهاتفة والدته التي كان يحتاج إليها في هذه اللحظة. وشعر بما قاسته لمجيئة لهذه الدنيا. لم يتردد مع مهاتفها وظل ينتظر ردها الذي تأخر نظرا لتأخر الوقت. ولكنها ما ان فتحت عيناها ونظرت لقراءة اسمه اختلج قلبها خوفًا وردت دون تردد هاتفه:
- خير يا ولدي، عتتصل دلوجيت ليه؟
رد بصوت باكي مما زاد خوفها وقال مترجيا:
- اني محتاجك جوي يا اماي.
- وه وه مالك يا ضي عيوني، ايه اللي صابك عيخليك عتبكي كيف العيال الصغيره اكده؟
- حنين مرتي عتولد وحالة الولد صعبه، وهي جوة هتتألم جوي جوي يا اماي.
تنهدت الأم واخذت انفاسها بهدوء. فهي تعلم مدى حنيه قلب ابنها، لذا رق قلبها عندما علمت بوصول حفيدها للدنيا. ثم قالت:
- امبارك عليك ياولدي، عيوصل بالسلامه بمشيئة الله، وعيطمنك عليهم، بس انت شد حيلك واصلب طولك يا ولدي، متبجاش خرع اكده ده انت ولد ماهر سيد الرجال والبلد كلاتها يحلفوا بيه، تبجى تطمني عليهم، روح اقف جارها ياولدي وربنا عيطمن باذن الله.
- ادعيهم يا اماي، وانسي اي زعل من نواحيتي بالله عليكي ما تحرميني من دعودتك الغالية، اني محتجلها جوي فوق ما عتتصوري.
ادمعت عيناها بتأثر من كلامه، وذاب الجليد من حرارة قوله، فردت بكل حب:
- دعيالك يا ضنايا، قلبي وربي راضين عنيك، وربي يفرح قلبك بولدك، ويطمنك على مرتك.
أمن على دعاها ثم جاءت له الممرضة تبلغه ان زوجته تريده. جفف دموعة بكف يده المرتعشه، وولج وجلس بجوارها يحاول رسم ابتسامة كاذبه. لم تصدقها "حنين" وقالت بوهن شديد:
- مفيش داعي تكذب عليا وترسم الابتسامة دي، انا حاسة بيك يا مهران، انا بحبك اوي، خلي بالك من ابننا، لو جرالي حاجة اوعى تنساني يا مهران، خليني ذكرى حلوة تحلي كل ايامك، وحب ابني واديله كل الحب اللي كنت تتمنى تدهولي بس القدر منعك.
صمتت لحظات جاء لها الألم، ثم اكملت:
- كنت اتمنى امي تكون عايشة عشان تاخدني في حضنها، لكن حظي اتحرم منها ومشفهاش ابدا، وشكلي ورثت ابني نفس المصير.
لم يستطع "مهران" تكملة حديثها، وضع سبابته على ثغرها ليمنعها من تكملته، واستقام وضمها بخوف ورعب هاتفًا:
- اياكِ تقولي كده تاني، انا مقدرش استغنى عنك يا حنيني، ان شاء الله هتولدي وتقومي بالسلامة، وهتربيه وتفرحي بيه، بس انتي قولي يارب.
- يارب.. يارب. اتصل بوالدي عايزة اشوفه يمكن تكون اخر مرة تتقابل الوجوه فيها.
- حاضر اطمن بس عليكي وابلغة.
دخلت الطبيبة تتابع بنفسها نبض الحنين، وحين وجدته سريعًا، قالت بآسف:
- للأسف نبض الجنين عالي جدا، هنضطر ندخلها العمليات فورا لانقاذة، ونولدها قيصري.
تجلى على ملامحه الخوف والهلع. فستطردت الطبيبة هاتفه:
- متقلقش ساعة بالكتير وهتلاقيها قصادك، انا بس مرضتش اجريها من الاول خصوصا ان كل المؤشرات كانت بتوحي بولادة طبيعية، لكن الظاهر ان ابنكوا مستعجل للنزول للدنيا.
انهت قولها وامرت بتجهيز العلميات وتجهيزها، ثم اخرجته خارج الغرفة.
مرت دقائق وشاهدها تخرج امام عيناه ممدده على فراشها المتحرك. تشبث بيدها مقبلا لها، داعيا لها ان تعود اليه سالمه، فهو لا يريد شيء إلا إياها.
ومرت الساعة تليها نصف ساعة أخرى وهو يجوب المكان ذهابًا وإيابا، ولسانه يردد كل ما يحفظه من القرآن الكريم، داعيًا لهما بالسلامة. سمع صوت والدها يسير بخطى سريعة رغم تعبه ومرضة جاء ليطمئن على ابنته الوحيدة. تقدم نحوه وامسك بيدة ليجلسه، وشرح له الوضع ومدى عذابها. رجع الماضي ينبش في رماد ذكريات حرقة قلبه مذكره ما عاشة من سنوات كثيرة مضت، حين وقف نفس هذه الوقفه وتم ابلاغه بفقد زوجته أثناء ولادة طفلته. انهمرت دموعه دون قصد ورفع يده للسماء يدعو نجاة ابنته ويبارك له فيها.
وما ان انهى سمعا صوت صراخ الصغير. تحرك "مهران" بالقرب من باب غرفة العمليات ينظر من تلك النافذه الضيقه خروج اي ممرضة تطمئنه على حنينه. وها هي الممرضة خرجت ومعها الطفل تعطية لوالده، بعد بضع دقائق. فاخذه منها وقبله بحب وضمه لقلبه وكبر في اذناه. وسأل بلهفه على زوجته وابلغته انها بخير وستنقل لغرفتها بعد قليل. ضم صغيرة وناوله لحماه، الذي احتضنه بشدة. ثم اخذته الممرضة لتضعه في فراشه المخصص، وجلسا ينتظرون مجيئها بلهفه وشوق.
مر الوقت وهلت "حنين" بوجه متعب شاحب، ممدده على الفراش وصوت انين خارج منها. جلس بجوارها مقبلا جبينها هاتفًا:
- حمدلله على سلامتك حنيني، عذبتي قلبي ووجعتيه عليكي.
ردت بهمس وتعب:
- الله يسلمك حبيبي، سلامة قلبك وكلك.
ردت اباها هاتفًا بفرحة:
- الف حمدلله على سلامتك يا قلب ابوكي من جوة.
حاولت ان تعتدل في جلستها، لكن الآلام الجرح اشتد فتأوهت بألم، وردت بتعب:
- حبيبي يا بابا، ربنا ميحرمنيش منك، ويباركلي فيك.
قالت ردها وعيناها زاغت وزغللت من كثرة التعب، اغمضتها ونامت في سبات، ولم تشعر بما حدث بعد ذلك؛ من دخول الطبيبة ومتابعة الممرضة لها بوضع حقن والمسكنات لها، فقد كانت في عالم آخر.
ظل بجوارها زوجها، وطلب من اباها ان يرتاح في منزله، لكنه بعد الحاح وافق. بينما "مهران" تحدث مع والدته ابلغها بخروج زوجته طفلة بالسلامة. حمدت المولى ودعت لهما ان يبارك له فيهما، وهو وعدها انه سيجئ لها حين تتمثل بالشفاء العاجل.
ظلت "حنين" بالمشفى يومان، ثم خرجت وعاودت لمنزلها. وقد ارسلت والدته خادمه تخدمها في فترة تعبها حتى تشفى تماما. وكانت هذه لفته جميلة من والدته، اثنت عليها "حنين" واعتبرتها بمثابة عربون محبه منها، وضعته تاج فوق رأسها، وعاهدت نفسها انها ستتحملها في اي موقف وتعاملها معاملة الأم، لكنها تمنت ان قلبها يصفو لها والا تعاملها كعدوة اخذت ولدها منها.
ومرت الأيام وتماثلت "حنين" بالشفاء بعد ولادتها وانجابها لطفلهما الأول الذي اصر "مهران" تسميته على اسم والده "ماهر". وذهبوا جميعا إلى منزل والدته، وعندما فتحت بابه شاهدت طفله الصغير، تهللت اسارير وجهها، وذابت معها الغضب وانصهر، وضمته لقلبها وازاد حين علمت بانه اسماه "ماهر" ورحبت بهم، وضمتها "حنين" بحب وجلسوا جميعًا بعد ان تم الصفح والصلح، ووعدها " مهران" بأنه لن ينقطع عن بلدته، وانه سيباشر ارضة قدر المستطاع، وانه قرر الجلوس لمتابعة شركته في القاهرة، ولن يسافر مره ثانية للخارج. هدأت والدته وسعدت بقراره.
وحين علمت "بسملة" بعودة "مهران" وزوجته و معهما صغيره، ابلغت زوجها فورا بمجيئة وتوجهوا فورا لمباركته بعودته لحضن بلده وبمجئ طفله. وكانت المفاجأة حين علم ان "معاطي" صدق في وعده وسمى طفله على اسمه. ضمه بحنان وعرفهم على زوجته، وقضى وقت ممتع مع اهله، فكم كان محروم من احساس دفئ الأهل، وكأن روحه ردت إليه للتو، و هو يرى سعادة والدته بصغيرة، حمد الله كل منهما على ما ارزقة و ما أنعم عليه من نعم.
وعاشوا الجميع في هناء، واكتشفت "سكينة" وتعلمت الدرس أن السعادة الحقيقية ليس بكثرة المال؛ انما بمن يتقي الله في زوجته، وهي لا تنكر حسن معاملة "معاطي" لابنتها وانه لا يتحمل عليها نسمه هواء تلحفها وتجرحها، وندمت انها فكرت في يوم تبيعها من أجل المال، وشكرت ربها على ما حدث، وتمنت من قلبها أن يتم سعادته عليها.
وايقنت والدة "مهران" ان لابد على المرء ان يختار دربه الذي يحب ان يسير فيه الباقي من حياته؛ حتى يفلح فيه وينجح، وكشف الستار عن عيناها وفتحتهما على حقيقة كانت غافلة عنها طوال عمرها؛ الا وهي ان ابنها طوال عمره كان لا يهوى الزراعة ولا يحبها، برغم اجادته لفنونها واسرارها، وبرغم ذلك كان يعمل في فلاحتها ارضاء لها، وحين اتاحت له الفرصه للانطلاق والهروب؛ هرب من تحت عباءتها واختار يشق طريقة بعيدا عن الزراعة، لكن مهما يطير الطير عاليا مهاجرا لبلاد الله الواسعه؛ سيظل عشه الذي ولد فيه هو موطنه وسيعود مهما طالت غربته.
والآن عاد لاحضان بلده ينفذ ما وعد به، مؤنسًا بحضن والدته الذي لا يستطيع البعد عنه مهما طال. اما والدته فكانت تعد الايام الذي يجيء لها مع اسرته محتضنه صغيرة الذي لا يفارق احضانها الا عند اطعامه وارضاعة قم يعود لحضن جدته مرة ثانية. وعاشت مع الصغير وجددت ذكرياتها مع ولدها، ودخلت السعادة في قلوب الجميع، وازالت ومحت بمحاه كل القسوة المزيفه، والعناد والغضب اللعين وبدلته بحب صافي نابع من القلب والروح لكل المقربين.