تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
الفصل 12 — رواية بك احيا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ناهد خالد
بالمخبأ السري:
كان قد طلب "مراد" من أحد رجال والده أن يترجل معه للاسفل كي يعينه على الخروج بالاطفال إن لزم الوضع.
ولكن لغباء الآخر، حين استمع لصوت تبادل النيران يقترب من مكانهم، ظن الشرطة قد علمت بالمخبأ.
فقرر إطلاق النيران كي يمنع نزولهم للاسفل وهو يصيح لـ "مراد":
_ شكلهم نازلين هنا ياباشا..
صرخ بهِ "مراد":
_ بس يا غبي وقف ضرب..
أوقف الضرب مؤقتًا حتى استمعوا لصوت خطوات تقترب بسرعة وبدأ إطلاق النيران من أعلى السلم.
في الأعلى:
تتبعوا مكان إطلاق النيران حتى وجدوه يأتي من نفق يشبه القبو أسفل المبنى المتواجدين بهِ، وفيهِ درج تؤدي لأسفل.
التفوا حول الباب المؤدي لأسفل وبدأوا في تبادل إطلاق النيران.
عاد الرجل يتبادل معهم إطلاق النيران، وفي وسط انشغاله بما يفعله، التقط "مراد" سلاحًا من فوق الأرض وخفية كان يطلق عليه النار لتصيب طلقته منتصف ظهره.
هذا بعد أن جعل الأطفال تلتف لتواجه وجوههم الحائط كي لا يصابهم الرصاص، ولخوفهم من الوضع اقتنعوا وامتثلوا لطلبه.
سقط الرجل جثة فوق الأرضية لينظر له "مراد" برضا، فأولاً لقد ارتكب فعله حمقاء ببدئه إطلاق النيران، وثانيًا لو استطاعت الشرطة الإمساك بهِ ربما يعترف أن "مراد" هو أحد أعضاء المنظمة!
ورغم أن كل من ينضم لهذه المنظمة يكن الموت خياره الأول عن أن يوشي على أحد أعضائها، ولكنه "مراد" الذي لم يعتاد ترك شيء للاحتمالات.
هو "مراد" الذي لا يثق في ذراعه حتى!
بجانب الباب المؤدي للدرج السفلي..
التقط آدم قنبلة يدوية وقام بقذفها لتصل للقبو.
وقد ظن أن من بالاسفل اثنان أو ثلاثة من رجال تلك المنظمة القذرة.
ولكن حدث ما لم يتوقعه حين أمر الجميع بالخروج من المصنع المهجور.
ولكن أثناء ركضه للخروج هو الآخر، توقف وجحظت عيناه بشدة حين أبصر طفلاً صغيرًا يقف في المقدمة وحوله عدة أطفال أخرى بينهما وبين القنبلة عدة سنتيمترات.
وفي نفس الوقت كان "مراد" منشغلاً في سحب جثة الرجل بعيدًا في مكان متوارٍ عن الأنظار كي لا يراه الأطفال حين يلتفون.
فدخل لزاوية في أحد جوانب المخزن وألقى جثة الرجل بهِ.
وعند "آدم"..
اتسعت عيناه دهشةً وخوفًا حين رأى القنبلة التي قذفها أصبحت تمامًا بين كم كبير من الأطفال.
ليشعر بالتلجم ولم يحسن التصرف لثوانٍ كانت كفيلة لـ "مراد" للخروج من أحد الجوانب وهو يصرخ بالأطفال أن يهرعوا لأحد الممرات التي يعلمها جيدًا والتي تؤدي للخارج.
وما إن أدرك "آدم" ما يحدث حتى ركض هو ومن معه للخارج بعدما صرخ بهم أن يخلوا المكان.
وحين وصل الجميع للخارج دوى الانفجار.
ليرى "آدم" الأطفال بصحبة ذلك الشاب من بين الأتربة ورماد الانفجار.
فاتجه إليهِ بحرص مشهرًا سلاحه قبل أن يرفع الشاب ذراعيهِ وهو يصيح بارتعاش خائف أتقنه:
_ أنا مأذيتهمش كنت بساعدهم والله.
_ انزل على ركبتك.
جملة صرخ بها "آدم" ليفعل "مراد" فورًا.
وحضر "سيف" ليسحب الأطفال بعيدًا.
طالعه "آدم" بتفحص قبل أن يسأله:
_ أنتَ بتشتغل معاهم؟
نفى برأسه ثم أومأ بتردد وقال بتلعثم:
_ مش زي ما أنتَ فاهم.. أنا.. هم أجبروني، بقالي معاهم كام يوم بس.. بس هم أجبروني، أنا مكنتش عاوز.
صراخه، تردده، خوفه الواضح، ارتعاش جسده، نحيبه الخافت الذي بدأ، كل هذا أكد لـ "آدم" صدقه.
فعلى صوته وهو ينادي:
_ حاازم.
أتى "حازم" بعد ثوانٍ، ليكمل:
_ شوف السجلات الي معاك فيهم صورة للواد ده.
_ ارفع راسك.
رددها "حازم" بقوة، ليفعل "مراد" رافعًا رأسه وعيناه الخضراء التي تلونت بسحابة رمادية بنفس الوقت لتعطي لونًا رائعًا ترتعش نظراتها بخوف.
تفقده "حازم" ثم قال:
_ لا مش موجود.. ممكن يكون انضم ليهم قريب.
عقب "آدم":
_ ماهو ده الي قاله فعلاً.
نظر له مليًا يفكر في أمره حتى تساءل أخيرًا:
_ اسمك ايه؟
بنفس النبرة المرتجفة أجاب:
_ محمد.
زفر أنفاسه قائلاً بحسم لقراره:
_ ماشي يا محمد.. هتروح معاهم القسم يخلصوا بس الإجراءات وهتمشي على طول كده كده مفيش حاجة عليك، بس قولي أنتَ قابلت زعيم الليلة دي؟
نفى برأسه وعيناه تنضح صدقًا:
_ لا، مشفتهوش ولا مرة.
أومأ برأسه بلامبالاة، فـ يبدو أن هذا الشاب لن يفيده.
ليهتف لـ "حازم":
_ خده على العربية.
نهض يسير أمام "حازم" بخطى مذبذبة وجسد يرتعش، وعينان مسلطتان على الأرضية، عينان ظهر بهما الآن مدى الشر الكامن بداخلهما، عينان تلونتا بالخبث والدهاء، يبتسمان بسخرية على حماقة رجال الشرطة الذين صدقوه بسهولة.
وكيف لا وهو من يتقن كل شيء.. الكذب، والتصنع، يتقن جيدًا تقمص أي شخصية تطلبها الظروف ليخرج كالشعرة من العجين كما يقولون.
شاب لم يقل اسمه الحقيقي، لم تكن نظراته حقيقية، لم يكن خوفه حقيقي، لم تكن حتى ارتعاشة جسده صادقة.
شاب أثبت أن "آدم الصياد" مجرد ضابط سابق أحمق!
وللحق إن أثبت هذا على ضابط من أكفأ الضباط في مجاله.. إذاً يجب الخوف منهُ!
بعد ثلاث ساعات من السفر والانتظار كانت تجلس أمام ذلك الطبيب وجسدها يسكنه التوتر.
رجل في منتصف الأربعينات ربما تلونت بعض خصلاته باللون الأبيض، وجهه بشوش، ويشعرك بالألفة، طريقته ودودة ولبقة، لم يبدو شخص غير مريح، لكن التوتر يأتي من كونه غريبًا وكونها تجلس معه لأول مرة وبمفردهما بعدما طلبَ من والدها بتهذيب أن ينتظر بالخارج.
رأت ابتسامته الودودة قبل أن تستمع لصوته يقول بينما ينظر لها بهدوء:
_ لا فُكِ كده مالك متوترة ليه؟
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تقول:
_ لا مفيش انا كويسة.
قطب حاجبيهِ باستغراب متسائلاً:
_ بتتكلمي قاهري؟ غريبة والدك بيتكلم صعيدي وفكرتك زيه.
اخفضت رأسها وهي تردد بخفوت:
_ بعرف أتكلم الاتنين.. بس قولت أكلم حضرتك باللهجة اللي تفهمها.
ابتسم وهو يقول:
_ يا ستي أنا بفهم كل اللهجات، اتكلمي باللهجة اللي تريحك ومتشغليش بالك بيَّ.
أومأت برأسها ولم تتحدث زيادة، ليبدأ هو بالحديث وهو ينهض جالسًا على الكرسي المقابل لها ويفصل بينهما طاولة صغيرة.
نظر لها بتقييم أولًا ينظر لكنزتها الوردية الهادئة وتنورتها السوداء التي نزلت باتساع حتى نهاية ساقها، وحجابها المنقوش باللونين الأسود والوردي الذي لم تظهر منهُ شعرة واحدة.
بدت بسيطة بشكل مريح حتى ملامحها التي لم تتكلف وتضع عليها أي شيء يخفي إرهاقها والهالات التي زينت عيناها كانت لطيفة وجميلة.
تسلل صوته الهادئ إلى مسامعها وهو يسألها أول سؤال في جلستهما، سؤال أظهر مدى ذكائه وحنكته كطبيب:
_ قوليلي الأول إزاي بتعرفي تتكلمي قاهري؟
رفعت عيناها له متفاجئة، هل علمَ بمربط الفرس؟
من علم أن البداية تكمن هنا!
بداية كل شيء حدث لها بدأ من هذه النقطة تحديدًا.
لم تشأ أن تكشف أوراقها أمامه فبحذر تام أجابته وهي تخفض بصرها مرةً أخرى:
_ لما جينا مع أبويا وأمي القاهرة من كذا سنة وفضلنا فيها لحد ما رجعنا بلدنا من ٧ سنين.
وضع المسجل فوق مكتبه بعدما قام بتشغيله وهو يعتمد على هذه المسجلات في علاجه لمرضاه بدلًا من التدوين خلفهم، الذي يشعرهم أحيانًا وكأنهم في تحقيق ما.
لذا استعاض عنها بذلك المسجل الصغير الذي لا يلاحظه معظمهم من الأساس.
شعرَ بخبرته أن الحديث عن عمل والدها هنا بالقاهرة يخفي خلفه شيء، بدا هذا من اختصارها في الرد، وتحول ملامحها للضيق على ذكر عمل والدها.
لذا سألها مرة أخرى محاولًا معرفة أكبر قدر من المعلومات:
_ جيتوا ليه؟
بخفوت أجابت:
_ عشان بابا كان بيدور على شغل، وتقريبًا حد قاله أن في راجل محتاج حد يشوف طلبات البيت ومحتاج كمان ست تنضف البيت تطبخ كده يعني...
فهمَ محاولاتها لعدم ذكر المسمى الوظيفي لوالديها ألا وهو "خدم"، يبدو أن الأمر فيهِ حزازية لديها، وبالطبع هذا راجع لموقف ما أو ربما عدة مواقف!
_ وقتها كنتِ كام سنة؟
ضغطت على شفتيها بضيق وهي تجيبه:
_ كنت لسه مولودة.
_ ورجعتوا بلدك وانتِ عندك كام سنة؟
_ ٨ سنين.
_ إيه سبب الرجوع؟
رفعت رأسها لهُ وقد سكنَ الغضب ملامحها البريئة، لتردف بضيق واضح:
_ إيه لازمة كل الأسئلة دي؟ ملهاش لازمة، أنا عندي مشكلة معينة جاية لحضرتك تحلها لي.
طالعها بهدوء مبتسمًا وهو يقول:
_ ينفع أجيب مريض وأدخله العمليات من غير ما أعرف كل حاجة عن تاريخه المرضي! ده نفس الشيء، عشان أعالجك من الهلاوس اللي حكالي والدك عنها، لازم أعرف إيه اللي وصلك إنك تشوفي حاجة زي كده أصلًا، فلازم نبدأ الموضوع من أوله، خصوصًا وأنا ملاحظ أنك مش حابة تتكلمي عن الفترة اللي عشتيها هنا في القاهرة، وأكيد ده له سبب قوي.
اهتزت حدقتاها واخفضت نظرها مرة أخرى وهي تضغط على كفها بقوة، تشعر بضغط كبير بدأ يوجه لها منهُ، وتخشى أن يتمادى بهم الأمر لكشف سرها.
_ يلا نكمل أسئلة؟
أومأت بهدوء وقد قررت أن تكون حذرة في أسئلتها قدر المستطاع، لتسمعه يسألها ثانيًة:
_ قوليلي بقى كنتِ حابة ترجعي البلد؟
هزت رأسها إيجابًا، ليسألها مرة أخرى:
_ مكنتيش حابة العيشة في القاهرة؟
ومرة أخرى أومأت برأسها، ليتابع أسئلته:
_ ليه؟
صمتت لثوانٍ ترتب أفكارها كي لا تخطئ في الحديث وتقول ما ليس عليها قوله، حتى قالت:
_ عشان.. عشان سارة كانت ماتت وأنا مكنتش حابة أفضل في مكان هي ماتت فيه.
_ سارة ماتت فين؟
_ في الفيلا اللي بابا وماما كانوا بيشتغلوا فيها.
_ وماتت إمتى؟
أغمضت عيناها بإرهاق مجيبة:
_ قبل رجوعنا البلد بفترة قليلة، يمكن شهر.
_ إيه هي ماتت إزاي؟ ويا ترى فاكرة تفاصيل اليوم ده؟
اعتصرت عيناها بألم وهي تسمع حديثه، وارتعشت كفها المقبوض على التنورة، حتى ملامحها شحبت أكثر وهي تجيبه بالحقيقة في عقلها ولم يجرأ لسانها على قولها: قتلت بسببي! قتلت وقد شاركته في الجريمة بموافقتي! قتلت وتسترت على المجرم وكأنني أصر على أن أكون طرفًا في قتلها! وكأنني رفضت أن يحمل الذنب بمفرده فتقاسمته معه!
_ هي.. هي اتخنقت.. كانت بتلعب تقريبًا وقفلت على نفسها الدولاب، واه فاكرة تفاصيل اليوم كأنه إمبارح.
ضيق عيناه بحنكة يسألها:
_ مش غريب طفلة في سنك وقتها تفتكر تفاصيل وفاتها؟
ازدردت لعابها بتوتر وفركت كفيها ببعضهما تلقائيًا وقالت:
_ اا.. أصل أنا.. لا مش أنا اللي فاكرة.. قصدي أقول أن أهلي حكوا قدامي اللي حصل يومها كذا مرة.
رفع حاجبه ساخرًا وعقب بهدوء:
_ غريبة أنتِ لسه قايلة أنك فاكرة تفاصيل اليوم كأنه إمبارح!
رفعت رأسها تهرب بنظرها بعيدًا عنه وقد تعرق جبينها وقالت بنبرة مرتجفة:
_ لا.. قصدي هما مش أنا..
هز رأسه باستسلام وهو يعلم أنها تكذب وبنفس الوقت يعلم أنها لن تقول الحقيقة طالما قررت ألا تقولها من البداية، فتغاضى عن الأمر وهو يكمل:
_ تمام، يعني بسبب موتها حبيتِ تسيبي القاهرة، وبسبب طريقة موتها حبستِ نفسك في الدولاب، يعني بنفس الطريقة اللي ماتت بيها.
أدمعت عيناها وهي تنظر له مرددة بتعب:
_ أنا محبستش نفسي.. أنا بشوفها، بشوفها وهي اللي جرجرتني وحبستني، صدقني يا دكتور، يعني أنا هجرجر نفسي وأحبس نفسي!
عدل من نظارته الطبية التي التقطها مرتديًا إياه للتو بعدما شعر بضعف الرؤية، وهو يقول:
_ خديجة العقل البشري محدش ممكن يتخيل تصرفاته، الهلاوس يا خديجة لما بتتحكم بالعقل مستحيل تتخيلي اللي ممكن يحصل وقتها. قوليلي بتشوفي إيه؟
سقطت دموعها بوهن وهي تقول بنبرة مختنقة:
_ سارة.. بشوفها قدامي بتكلمني وبتتخانق معايا ومرة جرجرتني لحد ما حبستني في الدولاب، بس بعدها اتفتح وباب قال أنه مكانش مقفول.
_ هي سارة عايشة يا خديجة! ولا ميتة؟
نظرت له بحيرة لمعت في مقلتيها، وكأنها لا تعلم إجابة للسؤال!
حركت رأسها مرة بالإيجاب ومرة بالرفض، ليتنهد بهدوء وهو يسألها ثانيًة:
_ قوليلي طيب، لما بتشوفيها بتكون صغيرة ولا كبيرة؟
أجابته على الفور:
_ صغيرة، بتكون زي آخر مرة شوفتها.
ابتسم حين وصلَ لمبتغاه:
_ شوفتي! يبقى مش حقيقة، سارة لو حقيقة كان المفروض تكون كبرت زي ما أنتِ كبرتِ كده مش هتفضل صغيرة.
رفعت عيناها للسقف وهي تبكي بانهيار، وشهقاتها تتعالى:
_ بس أنا بشوفها.. والله بشوفها، بحسها حقيقة، بحسها واقفة قدامي بجد.
_ طيب ممكن تهدي؟
قالها محاولًا تهدئتها ولكنها لم تستجب.
ربع ساعة مرت حتى تمالكت ذاتها وقد انتفخت عيناها بشكل مقلق من كثرة البكاء، فلم يحبذ الضغط عليها أكثر، وقال:
_ كفاية كده النهاردة.. هكتبلك أدوية، وهتجيلي كمان 3 أيام تقوليلي الموضوع قل ولا لأ، ودايمًا أقنعي نفسك يا خديجة إن سارة مش حقيقة، كل ما تشوفيها قولي لها أنتِ مش حقيقة، مهما حاولت تقنعك إنها حقيقة قولي لها لأ أنتِ مش حقيقة، ماشي؟
أومأت برأسها بتعب وهي تمسح دموعها بإرهاق بالغ، أعطاها الروشتة المكتوب بها الأدوية وأشار لها بابتسامة:
_ نورتي يا خديجة، انتظمي على الأدوية وأشوفك تاني، اتفضلي.
التقطتها ونهضت بإرهاق متجهة للخارج بخطى بدا عليها التعب النفسي قبل الجسدي.
قابلها والدها بلهفة وهو يسألها:
_ ها دكتور كمال قالك إيه؟
ابتسمت بالكاد كي تطمئنه وهي تجيبه بهدوء:
_ كتبلي أدوية وقال إن الحالة متتجلجش، وعاوزني أجي بعد 3 أيام.
أومأ لها رغم عدم اطمئنانه وقلقه لكنه لم يرد إظهاره لها وهو يمسك كفها بحنو ويسحبها لخارج العيادة.
وبداخل مكتب دكتور "كمال شاكر" كان يدون في ملف جديد:
الاسم/ خديجة محمود الدالي
البلد/ سوهاج
السن/ 15 سنة
التشخيص/ ذُهان مصحوب بهلاوس سمعية وبصرية.
أغلق الملف ووضع القلم بجواره قبل أن ينظر أمامه بشرود متحدثًا لنفسه:
_ السر في الفيلا اللي سكنوها في القاهرة.. ده بداية كل اللي هي فيه.
ويبدو أن "محمود" قد أصاب اختيار الطبيب المعالج لابنته!
عاد من مهمته وهو بمزاج رايق، بعدما خرج من القسم دون شائبة، لم يجدوا عليهِ شيئًا بالطبع، أخذوا أقواله الزائفة وتركوه.
اتجه لأحد العمارات السكنية وصعد بالمصعد الكهربائي حتى وصل لشقة في الدور العاشر، فأخرج المفتاح وفتحها بهدوء دالفًا للداخل.
شقته! تلك الشقة التي اشتراها منذُ عام مضى، لعدة أسباب أولهم أنه لا يأمن الوضع بينه وبين والده، فربما يقرر ترك المنزل له يومًا! من يعلم! كل شيء وارد.
وثانيهم مهمات كتلك يعود منها بثياب لن تصلح للذهاب بها لمنزله فهو لا يتحمل سؤالًا من والدته، أو شكًا بهِ.
وآخرهم أنه أحيانًا يرغب في الانعزال عن الجميع فيأتي هنا وتكون هذه مخبأه، إضافة لاستطاعته لوضع صورة خديجة على جدران المنزل، واحدة لها بمفردها وضعها على حائط الصالة، وواحدة لهما الاثنان وهو يحتضنها من رقبتها ويضحكان بمرح وهذه وضعها أمام الفراش تمامًا، غير أخرى لها بمفردها وهي لا تتخطى ثلاث سنوات وُضعت على الحائط الموجود عليه شاشة التلفاز، وكأنه يشاهدها هي وليس التلفاز.
بالطبع هناك لم يكن يستطيع فعل هذا ليس لشيء سوى أنه لا يريد لأحد يرى صورتها ويحدقها بنظرة كارهة! ك"حسن" مثلاً!
لذا اشترى هذه الشقة لكل الأسباب السابق ذكرها.
استحمَ وبدل ثيابه لبدلة رمادية أنيقة، وصفف شعره بطريقته المعتادة وهي للوراء وكالعادة بعد دقائق تبدأ خصلاته في التساقط على جبينه، ورشَ عطره المفضل قبل أن يرتدي حذاءه ويخرج قاصدًا الشركة.
بخطى ثابتة، وجسد شامخ، ونظرات واثقة، لا تمت أبدًا لعمر حاملها، كان يسير بتروي وهو يضع لفافة من التبغ البني الفاخر في جانب فمه فقط، وعيناه تطوف حوله بتقييم أثار الذعر في من يقفون باستواء وكأنهم في محكمة ما، أو يؤدون أحد صلواتهم بخشوع!
انتهى الممر ليقف أمام الباب المعني فاتحًا إياه بهمجية بحتة نبأت من بالداخل بهويته، فمن سيدلف بهذه الطريقة غيره!
_ Welcome بالفاشل.
قست ملامحه وهو يجلس بارتياح شديد على أحد المقاعد ومدد قدميهِ بمنتهى قلة الذوق فوق الطاولة الصغيرة، بينما أزال بإصبعيهِ اللفافة قائلاً بصوت رخيم:
_ الفاشل ده لولاه كان زمانك مش عارف تقعد في البلد لحظة، لولاه كان زمان مصر كلها عرفت هويتك.
رفع الأخير حاجبه مجعدًا يبدو أنه أثر لحرق ما لم يمر عليهِ طويلاً ولم تنجح عمليات التجميل في معالجته وهو يقول:
_ إحنا كده معملناش حاجة مع الدكتور.
حدقه بجانب عيناه بينما ردد بجدية بحتة:
_ فُكك منه، ده شكله دكتور شريف بلاش نوسخه، شوف الدكاترة اللي هتجري تنفذ أول ما تطلب منها وترميلهم قرشين.
هز رأسه بضيق قبل أن يقول:
_ كل حاجة لازم تعصلق كده.
_ أنا مش قولت مية مرة، صفقات أعضاء بناس كويسة أو أطفال لأ.. قولت ولا مقولتش! مقصر معاك أنا في إيه! مانا لما بتحتاج صفقة بجبهالك.
نظر له ليجده يضغط أسنانه بقسوة، وعيناه بدت مخيفة حقًا فردد بتوتر:
_ مقصدتش يعني أداري عليك، بس شوية كده وشوية كده، أنتَ هتخلص على كباريهات البلد!
بنفس النبرة القاسية أردف وقد ارتفع صوته قليلًا:
_ هو أكل وبحلقة! بتنوع!! بعدين مين عينك مدافع عن كباريهات البلد ولا تكونش الراعي الرسمي لهم!
ضحكة ساخرة خرجت من فاهه وهو يقول:
_ المشكلة يا مراد إن مبادئك غريبة ياخي.. يعني تقتل وتتاجر في الأعضاء أه، لكن بشرط الأطفال والناس الغلابة ملهمش دخل، ناخد الناس القذرة الـ***** ونخلص منهم. تشرب خمر أه، وتروح كباريه، لكن تعمل علاقة مع واحدة لأ، تتاجر في المخدرات والدعارة والسلاح والأعضاء وتقتل وتعمل كل حاجة شمال، والنقيض مبلغ شهري بيتوزع على المستشفى والملجأ. ياخي ده أنتَ مخصص مبلغ شهري لمصحة إدمان! إيه ده! لا بجد! غريب أنتَ برضو!
رفع منكبيهِ يقول بلامبالاة:
_ مش أحسن ما أشيل قلبي خالص، على الأقل باقي فيَّ حبة بني آدم.
سخرَ بحديثه وهو يقول متهكمًا:
_ لا وأنتَ الصادق ده عشان حبيبة القلب، لسه بتحاول متوصلش لمرحلة تحس نفسك متنفعش لها مش كده؟
بهدوء تام كان يجيبه:
_ بالضبط.
هز رأسه يائسًا، وقرر عدم التطرق لحديث عن تلك الفتاة اللعينة التي احتلت عقل ولده ولصقت بهِ كالغراء رغم غيابها! وسأله:
_ قولي خرجت منها إزاي؟ سابوك عادي كده من غير تحريات؟
التقط نفس عميق من لفافته وزفره بتروي وهو يقول بهدوء ثلجي:
_ ما يدوروا! أنا تحرياتي نضيفة ولا نسيت إني مسبش ورايا هفوة.
رفع الأول حاجبه بتتمعن وهو يقول بإعجاب لم يخفيه:
_ شوف رغم إنك يدوب مكمل 20 سنة بس مخك ذري وهيبقى ليك مستقبل باهر.
نهض بغتًة وهو يقول بقلة ذوق:
_ ميهمنيش أبهرك، حقي فين؟
_ وصل قبل ما توصل أنتَ هنا، الفلوس اتحولت على البنك.
أطفأ اللفافة في أحد الطفايات قبل أن يومئ بإيجاب متجهًا للخارج، لينظر "حسن" لأثره مرددًا بشرود وباستهزاء:
_ غبي.. هيضيع نفسه بسبب الحب وسنينه، أما نشوف آخرتها معاك يا... يا إبرام.