تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
الفصل 13 — رواية بك احيا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ناهد خالد
الأيام تمر، حتى وإن بقينا نحن في نفس مكاننا دون خطوة زائدة، الأيام تسير ولا تنتظر أحد، عقارب الساعة لن تتوقف لأجل أحد، وتقلبات الزمن لا تخضع لأحد، ولا تشفق بأحد، ولا تحدث وفقًا لرغبة أحد، فصدق من قال "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن".
ديسمبر لعام ٢٠١٨...
ثلاثة أعوام كاملةً مروا.. ثلاثة أعوام تغير بهم الكثير، ولنسرد أهم ما تغير في حياة أبطالنا..
"خديجة"
تخرجت من المرحلة الثانوية بمجموع سبعون بالمئة فقط وقد كانت شعبة علمي علوم، فخسرت حلمها في الالتحاق بأحد الكليات الطبية كما كانت تحلم دومًا، وشعرت أنها تائهة ولم يعد يفرق معها تحديدًا بأي كلية تلتحق، حتى أنها باتت تفكر في ألا تلتحق بأي كلية وتكتفي بتعليمها الثانوي.. فقد استُهلكت بحق، ما حدث معها في تلك الثلاث سنوات كان كفيلاً بهدم رجل فما بالك بأنثى ضعيفة، هشة، صغيرة السن مثلها! ماحدث معها يفوق احتمال كل البشر، يكفي معانتها النفسية، وصمودها للآن لا يدل سوى على مدى قوتها حتى وإن لم تعلم هذا، يدل على أنها كالشجرة ذات الجذر المتعمق لن تقدر أي رياح عاتية على كسرها.
وقفت أمام المرآة تلف حجابها الأسود حريصة ألا تُظهر خصلة واحدة من شعرها، وبعدما انتهت عدلت كنزتها السوداء كحال تنورتها وتأكدت أنها تغطي أردافها، فهي تعلم أن ثيابها باتت تضيق عليها مع تغير جسدها وبروز منحنياته، ولكن ما باليد حيلة فهي لن تقدر على جلب تنورة جديدة حتى. نظرت لذاتها في المرآة بعدما توقفت عن تفقد ذاتها وأصبحت تتفقد وجهها فقط.. عيناها الواسعة السوداء كعين المها المحيطة بأهدابها الكثيفة، حاجبيها المنمقان، وأنفها متوسط الحجم وبهِ استقامة، شفتيها التي لم تميل للغلظه بل بدت طبيعية تمامًا، وبشرتها الخمرية، بدت فتاة عادية ليس بها ما يجذب، بالعكس مع ارهاقها وتعبها والهالات السوداء القليلة التي زينت أعلى عيناها وشحوب بشرتها لحد ما، كل هذا جعلها ترى ذاتها أقل من أي فتاة عادية. لوت فمها بمرارة وهي تسير بكفها على وجنتها وتغمغم:
_ يعني لا مال ولا جمال ولا حتى حظ حلو في الدنيا!
صمتت قليلاً قبل أن تستوعب ما قالته فغمغمت مرة أخرى بضيق من ذاتها:
_ استغفر الله العظيم، إيه اللي بقوله ده بس، الحمد لله على كل حال.
عادت تنظر لتنورتها وهي تستدير لتصبح بجنب وعوجت رأسها لتنظر لأسفل ظهرها، فضيقت ما بين حاجبيها بضيق وهي تقول:
_ برضو ضيقة، البلوزة مش مغطية وقصرت هي كمان.
عادت تقف كما كانت معتدلة وفكت حجابها لتلفه بوضع يجعل معظم الحجاب خلف ظهرها، ولكن طوله لم يصل للطول الذي أرادته. تفحصت ذاتها مرة أخرى لتجد الوضع لم يتحسن، فنفخت بانزعاج وهي تقول:
_ يوووه بقى! أعمل إيه تاني! أيش حال ماكنت باكل طقة آه وعشرة لأ! نفسي أفهم بس جسمي ده بيتخن من الهوا! ياربي أعمل إيه بقى، ماعنديش حل تاني والله، هنزل بقى وربنا يسامحني، على ما أقدر أجيب جيبة تانية أوسع أو فستان.
التقطت حقيبتها واتجهت لخارج الغرفة لتجد شقيقها "مصطفى" يجلس فوق الأرضية ويضع كتبه أمامه منحنيًا يذاكر دروسه، فهو في المرحلة الإعدادية. ابتسمت بحنو وهي تتجه نحوه متسائلة:
_ إيه يا صاصا اللي مقعدك كده بس؟ ضهرك هيوجعك.
رفع رأسه لها وهو يردد ساخرًا:
_ لا حوشي الانتريه اللي سايبه وقاعد على الأرض.
رمشت بأهدابها بحرج من رده، وغمغمت بهدوء:
_ مش قصدي، بس قصدي تدخل على السرير أحسن.
طالعها بضيق وهو يعقب:
_ سرير إيه اللي أذاكر عليه؟ أنا لما بقعد عليه بعوز أنام.
لاطفته وهي تقول مبتسمة:
_ معلش يا حبيبي إن شاء الله ربنا يفرجها ونجيب كنبة وكرسيين هنا.
رفع جانب فمه ساخرًا وهو يحدقها بعينيهِ البنية مستهزأً:
_ كنتِ عرفتِ تجيبلي الكتب الأول، مش جبتيلي كتابين الشهر اللي فات وباقي الكتب كل حصة أروح للمدرسين من غيرهم ويحرجوني.
أدمعت عيناها وقد شعرت بالاختناق من ضغطه عليها وهي تقول:
_ أعمل إيه بس يا مصطفى، هو أنا بإيدي! ما على يدك مرتبى يادوب بيكفي إيجار الشقة والكهربا والماية وأكلنا وفلوس دروسك بالعافية.
احتد صوته وهو يخبرها:
_ ما تطلبي من الدكتور ده يزود مرتبك، مانتي بقالك سنة معاه.
هزت رأسها بنفي وهي تجيبه:
_ مينفعش، كفاية الراجل مديني مرتب عمر ماحد كان هيدهولي في أول شغلي كده، مينفعش أبقى بجحة وأطلب منه زيادة كمان.
أشاح بيده بضيق وهو يقول بينما عاد للنظر في كتبه:
_ خلاص خلينا كده لحد ما نشحت.
تنفست بعمق وقد احتل الألم والحزن ملامحها قبل أن تنسحب من أمامه بعدما قالت:
_ ربنا كريم وإن شاء الله هيسترها معانا ومش هنشحت ولا حاجة، وحاضر هجيبلك الكتب النهاردة.
اتجهت لباب الشقة مغلقة إياه خلفها لتستند على الحائط المجاور له وتساقطت دموعها بعجز وهي تغمغم بتعب:
_ يارب تعبت.. يارب مبقتش عارفة أتحمل إيه ولا إيه.
ظلت هكذا لدقيقة قبل أن تمسح دموعها وتستقيم مكملة سيرها قاصدة عيادة دكتور "كمال شاكر" التي تعمل بها.
***
وهناك على بُعد بعيد جدًا عن مكان "خديجة" كان يتحدث مع ولده بالهاتف بعدما خرجَ من المنزل كي لا يستمع أحد لهذه المكالمة، حاول استمالته وهو يقول برجاء:
_ بكفياك بُعد يا باهر، مكفكش سنتين ونص يا ولدي؟ مهمل بوك وخوك وامك ليه كل ده؟ اللي حُصل حُصل وعدى عليه زمن ارجع بجى.
أتاه رد الآخر وهو يقول بضيق:
_ اللي حُصل مش هين يابوي، ولا هنساه حتى لو بعد عشر سنين، بس الأكيد إني هرجع لبلدي وناسي بس مش دلوجتي، مجادرش صدجني، لما أهدى هرجع.
احتل الحزن ملامح والده وهو يقول:
_ بكيفك يا ولدي، منها لله اللي كانت السبب.
قاطعه "باهر" باختناق:
_ الله يرضى عنك ما عاوز أسمع سيرتها واصل.
_ خلاص يا ولدي المهم جولي أخبار شغلك إيه يا دكتور!؟
أتاه رده الهادئ وهو يقول:
_ الحمد لله يابوي ماشي زين، وكل يوم بكتسب خبرة.
_ ربنا يصلح أحوالك يا ولدي يارب، ويحنن جلبك علينا.
على الجهة الأخرى، اتجه للشرفة وهو يستمع لدعوة والده، ليزفر بضيق شاعرًا بالتقيد، فهو من جهة يريد العودة لوالديهِ فلا ذنب لهما فيما حدث وسبب ابتعاده عن البلدة عامان كاملان، وبنفس الوقت لا يشعر ذاته مؤهلاً للعودة أبدًا، ليس الآن على الأقل، ليس وهو يشعر أن ما حدثَ حدثَ بالأمس! اغمض عيناه السوداء الواسعة وهو يضغط على نواجزه بغضب حين عادت له ذكريات عامان ونصف مضت.
***
وعند بطلة أخرى......
انتهت من وضع الكحل في عينيها السوداء الضيقة، ورتبت خصلاتها جيدًا أسفل حجابها، والتقطت حقيبتها القماشية بعدما قيمت ما ترتديه في المرآة للمرة الأخيرة باهتمام ليلاقي استحسانها، فقد أرتدت فستان صيفي باللون البني الفاتح لائم بشرتها الخمرية الفاتحة، ولفت حجاب من نفس اللون بهِ نقوش سوداء. نظرت لملامحها بابتسامة فلدومًا ترى ذاتها جميلة، بشفتيها الغليظتان قليلاً باغراء، وانفها المستقيم حتى قرب نهايته فيتسع قليلاً، وحاجبيها الأسودان المنمقان بعناية. ابتسمت لذاتها وهي تردف بعقلها:
_ مخبراش كيف البهيم ده ملفتاش نظره.
ضحكت لذاتها بخفوت على سبّها إياه، قبل ان تخرج من الغرفة لكي تذهب لمقصدها، لكنها وجدت والدتها تجلس في بهو المنزل، فقالت بهدوء مقتضب:
_ أنا هوصل للحاج سالم أشوف نتيجة التنسيج "التنسيق".
رفعت عيناها لها من إناء الرز الذي تقوم بتنقية ما بهِ من غبار أو حبة فاسدة، وقالت بحدة:
_ وأنا جولتلك متروحيش.
قطبت حاجبيها بضيق متسائلة بانزعاج واضح:
_ وه! ليه؟ مالزمن أشوف التنسيج جابلي جامعة إيه؟ ولا هنجم عاد!
وضعت الإناء جانبًا وهي تضع كفيها فوق بعضهما وأسندتهما فوق بطنها في حركة شعبية، وهي تردف ساخرةً:
_ لا يا حيلة أمك، مهتنجميش، بس مش هتفرج التنسيج اختار إيه، أكده أو أكده، مهتتحركيش من الدار، لا هتسافري مصر ولا حتى سكندرية كيف ما بتجولي، ولا في جامعة من أصله بكفياكِ تعليم لحد أكده.
اتسعت عيناها بفزع، وشحب وجهها بعدما استمعت لحديث والدتها الذي لم تتوقعه، وقالت بخفوت:
_ يعني إيه!؟ إنتِ مجولتليش أكده جبل "قبل" سابج.
ببرود تام أجابتها مبتسمة بسماجة:
_ مكنتش رايدة خوتة دماغ، جولت أجولك في وجتها أحسن.
حركت رأسها نافية بعدم تصديق، وأردفت:
_ لاه، مهتحرميش من حلمي ياما صُح؟ ده.. ده أنا چبت ال٩٦ وهدخل طب أسنان حتى لو بعيدة كيف ما كنت رايدة.. مهتجسيش عليَّ أكده.. أنا خابره إنك بتهزري معاي صُح.. إنتِ بتضايجيني عشان بتحبي تشوفيني مضايجة، بس مهتعمليش أكده.
لم يظهر على ملامحها أي تأثر ولو طفيف! وكأنها لا تستمع إليها، أو أنها جماد لا يشعر! ظلت صامتة حتى انتهت الأخرى فعادت تلتقط إناء الأرز تكمل ما تفعله وهي تقول بقسوة:
_ همي غيري خلاجاتك "ملابسك" معوزاش وجع دماغ.
انهارت، وتُلفت أعصابها وهي تدرك جدية والدتها، لتسقط حقيبتها أرضًا، وأردفت بنبرة باكية، بينما عيناها احتقنت بالدموع:
_ حرام عليكِ.. إنتِ بتعملي معايا أكده ليه؟ ليه مصممة تكسري بخاطري، وتدوسي على جلبي، هو أنا مش بتك؟ لما إنتِ مهتحبنيش خلفتيني ليه؟ چبتيني عشان تعذبيني وياكِ؟ عملتلك إيه لاجل الجسوة دي كلها؟!!
رفعت عيناها لها وهي تحدقها بشرر، وكأنها ترى عدوًا أمامها وقالت بسخرية:
_ هه، لو كنت خابرة إني هخلفك انتي مكنتش حملت من أصله، بس نجول إيه، طول عمري حظي فجر "فقر".. واه، عشان تكملي ندب.. اعملي حسابك أنا وعمك اتفجنا إن خطوبتك الشهر الچاي.
جحظت عيناها بفزع، وشهقت بقوة وهي تسألها بضياع:
_ خطوبة؟ خطوبة إيه؟ خطوبة مين؟ أنا... أنا مفهمش حاجة.
وضحت لها الأمر وهو تقول بملل:
_ خطوبتك يامحروسة، خطوبتك على وِلد عمك.
دارت عيناها بضياع أكبر، وشردت بنظرها لثواني بصمت كأنها تستوعب ما تتلقاه من صدمات حتى سألتها بتيه:
_ وِلد عمي مين؟
ببرود تام كانت تجيبها وهي تحرك حبات الرز في الطبق وتنظر له:
_ إبراهيم.
تدلى فكها للأسفل بصدمة، وهي لا تستوعب ما تسمعه، لم يُذكر أمامها سلفًا أنَ إبراهيم يريد الزواج منها؟ لم تشعر منهُ بنظرة أو فعل أو حتى شعور يوشي بتفكيره بها! ولكن كل هذا لم يمنعها من الهدوء، بل وابتسم ثغرها ابتسامة بالكاد تُرى كي لا تكشفها والدتها، وتنحنحت بتوتر وهي تسألها بنبرة بدت أكثر هدوءًا:
_ إبراهيم؟ هو... هو يعني اللي حدت "كلم" عمي! جاله إنه رايدني يعني!؟
لوت فمها بضيق وهي تحرك حبات الأرز:
_ وهيفرج "هيفرق" معاكِ؟
توترت في وقفتها وهي تعض على شفتيها السفلى بارتباك وقالت:
_ وه! يعني مهيفرجش كيف؟ جولي بس وريحيني.
رفعت رأسها تحدقها بصمت لثانية كأنها تستشف ملامح وجهها، قبل أن تدرك أنها ارتاحت للفكرة، لكنها لم تهتم وهي تقول بهدوء:
_ مخبراش.. عمك هو اللي اتحدت وياي، جالي إنه رايد ياخدك لابنه.
اختفت الراحة من ملامحها، وقطبت جبينها بعدم فهم متسائلة:
_ يعني إيه؟ مش هو اللي رايدني؟
_ مهيفرجش معايا، كفاية عمك رايدك، حتى لو هو مرايدش، مهيجدرش يجول لابوه لاه "لا".
طفرت الدموع من عينيها بعدما أدركت عدم رغبته بها، وتحطمت آمالها، وعادت بائسة كما كانت تمامًا، وهي تدرك أنها لم تنجح في لفت نظره يومًا، فقالت بنبرة مختنقة:
_ وأنا مهتجوزوش ياما مادام مش رايدني.
انهت حديثها واتجهت لغرفتها ودموعها تسبقها، وضعت "سرية" الطبق بحدة فوق الأريكة وهي تنهض بملامح غاضبة بشدة، تلحق بها وهي تهتف بصوتٍ عالٍ:
_ بجى بجولك الراجل مهيجدرش يجول لابوه لاه، وانتِ هتجوليلي أنا لاه، ده أنا كنت أجطم رجبتك.
دلفت للغرفه لتلتف لها "فريال" باكية وقد أُرهقت أعصابها وقالت بقهر:
_ معوزاش، مهتجوزش أنا دلوجتي...واه بجولك لاه والي كيفك فيه اعمليه.
اقتربت منها "سرية" خطوة واحدة وهبطت على وجنتها بكفها بعنف جعلها ترتد للخلف بضعف، ولم ترحمها حين رفعت وجهها لها تحاول الحديث، لتنالها صفعة أخرى أدمت جانب شفتيها، أجهشت في البكاء أكثر مرتدة للخلف بخوف تلقائي، لتعود "سرية" تجذبها من ذراعها بقوة لاوية ذراعها خلف ظهرها، مرددة بملامح جامدة ظهرت بها قسوتها المعتادة وبنبرة جامدة قالت بتحذير:
_ الله في سماه يوم ما تفكري تعصيني وتخرجي عن طوعي لأكون جتلاكِ وشاربة من دمك.
هزت رأسها باصرار نافية الانصياع، وهي تهتف من بين شهقاتها:
_ ماهتجوزوش ياما حتى لو جتلتيني ماهتجوزوش.
صفعة أخرى أعنف سقطت على وجنتها الملتهبة من كم ما لاقت من صفعات ووالدتها تهتف بنبرتها القاسية:
_ هتتجوزيه ورجلك فوج رجبتك، معندناش بنات تجول رأيها في جواز.. وإن كنتِ أنتِ عبيطة ومعرفاش مصلحتك يبجى كلامك ملهوش عازه عِندي.
صرخت في وجهها وهي تقول بقهر:
_ ماريدنيش! هو ماريدنيش ومغصوب على جوازه مني.
قطبت "سرية" حاجبيها باعتراض بعدما تركت ذراعها منفضة إياه:
_ مخبولة إياك! مفيش راجل بيتجبر على جوازة، أنا مجولتش إنه مجبور، جولت معرفاش إذا كان هو اللي طالب ولا عمك، وحتى لو عمك هو متربي مهيجفش في وشه كيفك يا عديمة الرباية، وليه هيبجى مش رايدك؟ عفشة ولا ناجصة إيد! ومادام عمك كلمني أكيد هو موافق.
هزت رأسها بيأس وهي لا تهتم لحديث والدتها الأخير، وبدموعها التي تغرق وجنتيها قالت:
_ يبجى جال أهي جوازه والسلام، يعني برضو ماريدنيش أنا! ماريدش فريال ياما، وطول حياتنا سوا عمري ماهشوف في عينه نظرة حلوة ليَّ.
اقتربت خطوة منها ممسكة ذراعها بحدة أخافت الأخرى وهي تهتف بحدة:
_ بت أنتِ كلام فاضي معوزاش، كلامك ده ملوش عازة عندي، اللي ليكِ إن الراجل موافق على الجوزاة إن شا الله يفشفش عضمك بعدها مليش صالح، وإن سمعت صوتك ولا كلمة لأ نطقتيها هجطع خبرك.
نفضتها عنها دافعة إياها للخلف بقوة أسقطتها أرضًا ولم تعبأ لها وهي تخرج من الغرفة مغلقة الباب خلفها بقوة.
ضمت ركبتيها لصدرها وهي تردد بنبرة مختنقة من بين شهقات بكاءها:
_ حرام عليكِ، ليه غاوية تعذبيني وتحرجي جلبي، هعيش إزاي وياه وأنا خابره إنه مجابلنيش، هعيش إزاي وياه وأنا حبه معشش في جلبي.. جلبي اللي مش هيلاقي نظرة منه ترضيه.
هزت رأسها بقهر على حالتها ووضعها وهي تجهش في بكاء عنيف، عاجزة عن الرفض، ومقيدة عن التصرف، كالبهيمة التي تساق للذبح، فلا تملك قرارًا في يدها ينقذها من مصيرها الغابر.
***
وقف بجسده المعضل والذي اكتسب بنيان أقوى مع مرور الثلاث سنوات ومواظبته على ممارسة رياضاته المفضلة، حتى ذقنه نمت أكثر فأصبحت لحية أثقل من السابق لكنها ليست بالثقيلة فهي فقط مهذبة ووسط بين اللحية الخفيفة والأخرى، واضعًا كفه في جيب بنطاله القماشي الأسود، وواقفًا بشموخ كعادته فاردًا ظهره، وكفه الأخرى ينفس لفافة التبغ من بين أصابعه، أخرج دخانها من فمه، وعقله شاردًا بعيدًا، هناك... بها، "فتاته الصغيرة" التي يصر القدر على إبعادها عنهُ بكل السُبل، فالرجل الذي كلفه بالبحث عنها توفى في حادث سيارة قبل أن يكمل بحثه، وقبل انقضاء الشهر ونصف الذي حددهم له "مراد"، وهذا جعله يكلف رجل آخر، بحث من أول وجديد على قائمة من يدعون "محمود الدالي" في سوهاج، والبحث ثم تصفية الأسماء أخذ خمسة أشهر كاملين، وبعدها أبلغه بالبشارة وأنه وجد الشخص المعني، وأخبره بعنوانه، ليركض "مراد" على الفور إلى سوهاج رغم تخطي الساعة الثانية صباحًا لكنه لم يهتم، وحين وصل أخيرًا لمنزلها حدث ما لم يتوقعه..
منذُ عامان ونصف...
أوقف سيارته مصدرة صريرًا عاليًا كالعادة يدل على مدى سرعته، ترجل من السيارة بقميصه الغير مرتب وخصلات شعره المبعثرة، مظهره دل بوضوح على مدى استعجاله، فلقد كان يستعد للنوم حين جاءه الخبر، فنهض مسرعًا وارتدى ما جاء أمامه دون اهتمام، فقط يهتم بأن يصل لها. وصوله كان مع بداية انكشاف ضوء النهار وانجلاء الليل، فقد وصل بعد الفجر بقليل. وقف ينظر لباب المنزل بقلب آلمه من كثرة دقاته، لا يعلم ماذا سيفعل حين يراها! وماذا ستكون ردة فعلها؟ هل يجب عليهِ معاقبتها لابتعادها عنه؟ أم احتضانها لسد شوقه!؟ حقًا ليس لديهِ أدنى فكرة عن كيفية اللقاء، لكنه متحمس جدًا له. تحرك تجاه الباب وخطواته مترددة، تارة يتقدم وتارة يتأخر، يزدرد ريقه بتوتر كبير، لم يشعر بأيًا من هذا من قبل، لم يعش كل هذه المشاعر المتوترة سلفًا. وصل أمام الباب ليأخذ نفسًا عميقًا وهو يقرر طرقه، رفع قبضته وكاد يطرق الباب لكنه توقف حين ضرب بعقله شيء.. ماذا سيقول لمن يفتح أيًا كان؟ إن سأله ماذا يريد ماذا سيخبره؟ وإن كانت هي ماذا سيقول لها؟ وماذا ستفعل أن أخبرها بهويته؟ هل ستتقبله؟ أم ستصرخ طالبة الأمان من غيره؟ أم ستقذفه بعدة كلمات قاسية وربما تسبّه وتطلب منه الرحيل وألا يعترض طريقها مرة أخرى؟ ولأن "مراد" ذكي علمَ أنه من الغباء ما سيفعله الآن، بل لربما يتسبب بتعقيد الأمر بينهما أكثر... ملسَ بكفه على الباب وهو يطالعه بقهر، حبيبته خلفه ولا يقدر على رؤيتها! من بحث عنها سبعة أعوام ونصف تقبع خلف هذا الباب اللعين ولا يستطع تخطيه! يالسخرية القدر!
واثناء وقوفه كان احدهم يمر فظنه قد طرقَ الباب ولم يجد اجابه، فوقف وهو يخبره:
_ يابو عمه، محدش اهنه.
تمالك نفسه قبل أن يلتفت لذلك الرجل، وعقد حاجبيهِ سائلاً إياه باستغراب:
_ اومال فين أهل البيت؟ مش ده بيت الحاج محمود الدالي، أبو سارة.
اومئ له وهو يقول:
_ أيوه، هو بيته.. بس هنجول إيه محدش خابر اللي حصل.
اتجه ناحيته حتى وقف امامه فسأله باستغراب:
_ أنا مش فاهم، يعني هما فين ولا في إيه؟
ضيق الرجل عيناه بشك يسأله:
_ وانت تعرفهم منين؟
بهدوء أجابه:
_ معرفة قديمة.. المهم هما فين؟؟
قالها وهو يخرج بعض العملات الورقية من جيبه واعطاها للرجل، التقطهم سريعًا بابتهاج واجابه:
_ هجولك.. مخابرش أي المشكلة اللي حصلت بين الحاج محمود وعيلته، بس إحنا في يوم سمعنا زعيج من داره وصريخ وبعدها بيوم كان واخد عياله وعفشه "فرشه" وساب البلد، الحديت ده من أسبوعين أكده من وجتها محدش شافه واصل.
نظر للجهة الأخرى وهو يطلق ضحكة ساخرة، حقًا! هل ظلت هنا سبعة أعوام ومن أسبوعين فقط قررت الرحيل! يالحظه العاثر! حرك رأسه بائسًا، وملامح السخرية بدت تنجلي ويحل محلها كل معاني الألم. التفت للرجل بوجه جامد تحول في ثانية استطاع فيها مداراة مشاعره، قبل أن يسأله بنبرة أثارت ذعر الآخر:
_ بقى انتَ مش عارف السبب؟
توتر الرجل وازدرد ريقه قبل أن يقول بلجلجة:
_ والله يا استاذ... يعني.. هو بصراحة كل اللي عارفه حاجة ممكن متفيدكش.
احتدت نظرته أكثر وهو يقول بقوة:
_ ملكش دعوة تفدني ولا لأ، انطق.
اومئ برأسه سريعًا وهو يقول بخوف:
_ استهدى بالله ياستاذ هتتزربن "هتتعصب" ليه بس، هجولك.. هما من ييجي كام شهر أكده بعد ما مرته ماتت..
قاطعه "مراد" بصدمة وهو يسأله:
_ دينا ماتت؟
تعجب الرجل من قوله اسمها دون القاب، فالفارق العمري بينهم كبير، لكنه لم يهتم كثيرًا وهو يسرد بشغف:
_ أيوه، من ييجي كام شهر.. من بعدها والبت بتاعتها مخابرينش أي اللي جرالها، زي ماتكون عجلها من الصدمة فوت.
ارتجف قلبه بقلق وهو يشعر بشيء سيء اصابها، ومن عدة أشهر! إذًا حين شعر بقلبه يؤلمه بتلك الطريقة التي أنبأته أنها ليست بخير!، ولكن مهلاً ما له هذا الحقير يتحدث عنها هكذا! امسكه من تلابيب جلبابه بغضب وهو يهدر بهِ:
_ اتكلم بادب يا راجل انتَ، ولم لسانك أي عقلها فوت دي!
اسرع الرجل يحاول جذب نفسه من قبضة الآخر وهو يقول بتوتر:
_ وه! مجصديش يااستاذ والله، خلاص مهجولش كلمة عفشة.
تركه بملامح واجمة، واعين تنبعث منها شرارات الغضب، ليزدرد الرجل ريقه وهو يكمل:
_ إحنا بجينا نسمع صراخها كتير وكان محمود في الكام شهر اللي فاتوا بيتدلى لمصر كتير ولأني صاحبه من زمان سألته في مرة، فجالي إنه هيخلي دكتور نفساوي من مصر يشوف بته، وجالي إن اللي هي فيه ده عشان كانت متعلقة بأمها هبابة "شوية"، فموتها تعبها اكده، وبعد اليوم اياه اللي جولتلك عليه بكام شهر، شوفت محمود وهو هيعزل، وجتها استغربت، وسألته على فين، جالي إنه هيتدلى على مصر عشان يكمل علاج بته وإن المشوار بعيد عليه فهيجعد في مصر، بس يدوب خلصنا حديثنا ومشي شوية سمعت "مصطفى" ولده بيتكلم مع واحد صاحبه بيجوله إنه مهيعاودش أهنه تاني واصل، وهيبجوا في مصر، وجاله إن أبوي اتعارك مع عمتي وعمي عشان أكده مهيرجعش أهنه.. ده كل اللي خابره والله.
عاد من ذكرياته حين شعر بلسعة اللفافة لأصبعيهِ فانتبه من شروده وهو يزفر بحنق، يتذكر كيف مضى بعدها شهر كامل بائسًا، فاقدًا الشغف، كانت أكثر فترة ظهر فيها عصبيًا وغاضبًا معظم الوقت، حتى أنه ذات مرة رفع صوته على والدته من سوء مزاجه، ولكن بعدها ذكرَ نفسه أنه وعد ذاته ألا ييأس، فعاد يبحث عن اقارب ذلك الرجل "والدها" وسرعًا ما توصل لعائلته التي تسكن في نفس البلدة ولكنه لم يستفيد من الأمر فحين ذهب لعمها متحججًا أن والده له دين لمحمود وجاء هو ليقضيه مكانه، أخبـره الآخر أن شقيقه ترك البلدة منذ مدة، وحين طلب عنوانه الجديد، أقسم له أنه لا يعرفه وقد تعمد شقيقه هذا لخلاف حدثَ بينهما، فلم يخبره بمحل سكنه، بل لم يهاتفه من وقتها حتى رغم مرور شهر ونصف، وانه قد ذهب من هنا مقررًا عدم العودة. ووقتها دارت الدنيا بهِ مرة أخرى، ولم يعد يدرك للقائها سبيلاً، وظل لثلاثة أشهر بعدها متوقفًا عن البحث لم ييأس، ولكنه لم يجد طريقه يصل بها إليها، حتى قرر إعادة ما فعله بسوهاج، فكلف شخص برجاله بالبحث عن أي عقد إيجار أو شراء منزل وُثق في الشهر العقاري باسم والدها في نفس التوقيت الذي أخبـره عنه ذلك الجار بذهابهم، ولأن القاهرة أكبر بكثير.. ولأن البحث بين ملفات الشهر العقاري ليس سهلاً، أخذ الأمر للآن ثلاث سنوات ولم يتوصلوا لشيء بعد....
اتجه لمكتبه وجلس فوقه بارهاق، مغمضًا عيناه بتعب من ذكرياته، يشعر بذاته يركض في سباق لا ينتهي ولا تظهر نقطة نهايته، عشر سنوات للآن ولم يجدها، لو كان يبحث عن إبرة في كومة قش لوجدها منذ زمن!
فتح عيناه سريعًا حين استمع لتلك الرنة المميزة التي خصصها لذلك الرجل المسؤول عن البحث عنها، التقط الهاتف مجيبًا على المكالمة وهو يتمنى لو يسمع خبرًا جديدًا يسعده:
_ أيوه يا نبيل.
أجابه "نبيل" سريعًا بنبرة فرحة:
_ لقيناهم يا باشا، عرفنا مكانهم خلاص عيلة فيها كل الأسماء اللي حضرتك قولتها بالاعمار كمان.
انتفض واقفًا وملامح وجهه ظهر عليها عدم تصديق واضحًا قبل أن تلمع عيناه بالدموع وهو يسأله بلهفة لم يحاول مدارتها:
_ بجد! لقيتهم بجد؟ لقيتهم فين؟ متأكد إن هم؟
أتاه الرد على الجهة الأخرى وهو يقول:
_ والله لقيناهم.. العقد باسم محمود الدالي، وساكن في الشقة بنت وولد، خديجة ومصطفى، ده اللي عرفته لما سألت الراجل بتاع السوبر ماركت اللي قدامهم، قال إن بنت الراجل وأخوها هما اللي عايشين في الشقة بعد موت أبوهم من سنة، وإنهم من الصعيد أصلاً.. وقال كمان إن البنت شغالة سكرتيرة عند دكتور نفسي.. كان فاكر إني عريس عشان كده قالي كل المعلومات دي وأنا فضلت مفهمه إني فعلاً عريس عشان آخد منه معلومات، لحد ما بالصدفة وأنا واقف قالي أهي نزلت أهي، لفيت لقيت بنت طالعة من باب العمارة، عملت نفسي عارفها واستأذنت منه وخرجت ومشيت وراها من غير ما تاخد بالها لحد ما عرفت العيادة اللي شغالة فيها.
بهرولة كان يلتقط مفاتيح سيارته فقط حتى لم يهتم بستـرته، وهو يركض للخارج بانفاس متسارعة، وعقله يردد.. لن أضيع أثرها مرة أخرى، حتى أنه لم يهتم بالـ سكرتيرة الخاصة بهِ التي كانت على وشك دق باب المكتب، واصطدم بها بقوة أوقعتها أرضًا ولم يبالي وهي تطالع ركضه باندهاش فمنذُ متى وربّ عملها يركض هكذا بـ هرجلة!؟ والاندهاش كان نصيب كل من بالشركة وهم يرونه يهرول بهذه الطريقة بل ولا يرتدي سترته كالعادة!
استقل المصعد الكهربائي وهو يهتف لنبيل، بتحذير:
_ متفارقش مكانك، ولو جيت ملقتهاش يا نبيل هاخد روحك.
واغلق الهاتف وانفاسه مسموعة كمن يركض في سباق، وكل ما يفكر بهِ حاليًا أن يلحقها قبل أن تضيع منه مرة أخرى، وهذه المرة ستكون القاضية بالنسبة له....