تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
الفصل 29 — رواية بك احيا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ناهد خالد
ها هي تدق التاسعة مساءً لتعلن عن موعد قدوم عريس الغفلة كما ذكره “باهر”.
جلست “خديجة” على أحد الكراسي من ضمن ثلاث كراسي متواجدين في صالة الشقة، التي تفتقر للكثير، بعدما تزينت في فستان أسود أنيق رغم بساطته الشديدة، وحجاب أحمر به نقوش سوداء بسيطة.
لم تضع على وجهها أي مساحيق تجميل مكتفية ببشرتها الخمريّة دون أن تحاول تغيير حقيقة لونها، فقط كحل أسود حددت به عيناها السوداء ذات الأهداب الكثيفة.
كبحت ضحكتها بصعوبة على مظهر “باهر” الجالس أمامها يتلوى في جلسته، وهو يردد بنزق:
_ الساعة ٩ وخمسة ياترى بقى البية ناوي ييجي نص الليل!
احتفظت بضحكتها وهي تجيبه بتعجب:
_ نص الليل عشان اتأخر خمس دقايق! باهر أنتَ ناوي تطفشه بطريقتك دي!؟
زفر باختناق وهو يغمغم بحنق:
_ وهطفشه ليه ياختي بيني وبينه إيه؟ أنا بس مبحبش عدم الالتزام في…
وقبل أن ينهي جملته كان جرس الباب يعلن عن قدوم الزائر المنتظر.
انتفضت واقفة وخرج “مصطفى” من الغرفة بعد أن انتهى من ارتداء ثيابه للتو، واردف ضاحكًا:
_ العريس ده محترم أول ما خلصت لبس جه على طول.
حدقه “باهر” بنظرات ضائقة مرددًا بسخرية:
_ محترم أه.
فتح “باهر” باب المنزل ليبصر عريس الغفلة ومعه شخص غريب!
_ اتفضلوا.
دلفا للداخل ووضع “مراد” علبة الحلويات كبيرة الحجم فوق الطاولة المجاورة للباب.
اتخذت هي خطوتان للخلف مبتعدة عن الكراسي بعدما نظر لها “مراد” مبتسمًا وعيناه تلمع بنظرة خاصة.
أشار لهما “باهر” بالجلوس، ليجلس “مراد” وبجانبه هذا الغريب.
ثواني ودلفت “خديجة” للمطبخ وخرجت بأربع أكواب عصير، وضعتهم فوق الطاولة.
وما كادت تدلف مرة أخرى حتى سمعت صوت الغريب يهتف:
_ ما تقعدي يا عروسة.
ابتسمت بخجل واتجهت للجلوس.
فأسرع “مصطفى” يجلب كرسي لها من الداخل، فجلست محتفظة بخجلها.
بدأ الحديث بصوت “باهر” يردف بنزق خفي:
_ منورين يا جماعة.
كانت جالسة بجوار “زين” والفرق بينهما عدة سنتيمترات لتسمعه يشيح بوجهه تجاهها وهو يهمس لها:
_ منورين وهو عاوز يطردنا أصلاً.
ضحكت بخفوت على حديثه الهامس، فعقب ضاحكًا:
_ بالضحكة دي قلبي متعلق.
ازدادت حمرة خجلها وهي لا تصدق لِمَ تسمعه منه، هل هذا هو “زين” الهادئ، المحترم!
_ ما تخليك معانا هنا يا عريس، ولا رقابتك ملووحه!
لف رقابته له وهو يبتسم باصفرار:
_ أه أصل باين كده نمت نومة غلط بليل، فرُقبتي شادة بعيد عنك.
ضغط “باهر” على نواجذه سائمًا من هذا السمج، ونهض فجأة متجهًا لكرسيها وأمرها:
_ قومي اقعدي مكاني.
نهضت على مضض فيبدو أنها أحبت همس الآخر!
واتجهت لذلك الكرسي البعيد قليلاً جالسة فوقه، ليخبط “باهر” بكفه على فخذ “مراد” قائلاً:
_ منور.
أزاح “مراد” كفه برفق مبتسمًا باصفرار:
_ ده نورك.
_ وحضرتك بقى والده إن شاء الله؟
تسائل بها “باهر” لهذا الغريب الصامت، ليهتف:
_ لا أنا خاله إن شاء الله.
قطب حاجبيهِ متعجبًا، ليهتف “مراد” فورًا موضحًا بنبرة حزينة:
_ أصل أنا أهلي متوفيين، مفاضلش منهم غير خالي، هو كمان مسافر كندا دي إجازة بس لكن مسافر بكرة.
أومأ برأسه متفهمًا، ولانَ “باهر” قليلاً وهو يستمع لحديثه ونبرة الحزن الظاهرة بها، فتنهد قائلاً:
_ الله يرحمهم.
_ هو مين ده؟
قالها “مراد” بجهل مصطنع وهو ينظر ل “مصطفى” الذي تولى الرد معرفًا عن ذاته:
_ أنا مصطفى، أخو خديجة.
ابتسم له بود مردفًا:
_ عاشت الأسامي يا درش.
تنحنح الرجل وأردف بوقار:
_ المهم يا دكتور باهر إحنا جايين نطلب إيد الآنسة خديجة لابننا زين.
أجلّى “باهر” حنجرته قائلاً:
_ إحنا عاوزين نعرف طيب تفاصيل عنه، إحنا تقريبًا منعرفش حاجة عنه.
تولى “مراد” الحديث قائلاً:
_ أنا زين محمود السويسي، عندي ٢٣ سنة، شغال شغلتين، واحدة في المطعم، والصبح في مكتب هندسي، عندي شقة جاهزة فاضل بس العروسة..
قالها وهو ينظر ل” خديجة” مبتسمًا، ثم عاد يكمل حديثه:
_ جهزتها من ورثي، والحمد لله تقدر تقول شغلي ماشي كويس، يعني مش هحرمها من حاجة، وأهلي زي ما قولتلك، وعمومًا الخطوبة بتتعمل ليه، مهو عشان تعرفني أكتر وتطمنلي.
نظر لها “باهر” بتفحص لعلّه يستشف ماهية الرجل الجالس أمامه، أهو جيد أم سيء؟ لكنه بالأخير فشل، فتنهد حائرًا واردف وهو ينظر ل “خديجة” :
_ تمام ماشي، بس خديجة محتاجة وقت تفكر وبعدها هنرد عليكوا.
ابتسم “مراد” بخبث قائلاً:
_ بس خديجة تعرفني بقالها فترة من شغلنا مع بعض، وأكيد كونت وجهة نظر عني، معتقدش محتاجة وقت تفكر، هي أكيد حاسة هي عاوزاني ولا لأ.
ورغم رفض “باهر” لهذا التسرع إلا أن طرق “مراد” الملتوية أجبرته على الموافقة، بحنكته استطاع جعل الخطبة بعد يومان فقط من الآن!
أغلق الباب وقد ضاق ذرعه بما حدث، ليلتف لها بغضب حقيقي:
_ إيه الواد ده! خطوبة إيه اللي بعد يومين ابن العبيطة ده!
رفعت منكبيها ببرود:
_ الله! مش أنتَ اللي وافقت أنا مالي؟!
_ مهو بني آدم مستفز و..
_ هي معاها حق يا باهر، انتَ اللي وافقت فعلاً.
هذا ما أردفت بهِ “فريال” وهي تخرج من الغرفة، ليزيد اشتعال غضب “باهر” الذي أشاح بيده وهو يلتقط أغراضه:
_ أنا مش ناقص حرقة دم، أنا ماشي.
خرج مغلقًا الباب خلفه، لتنفجر الاثنتان بالضحك على حديثه وغضبه.
وما إن انتهيا حتى سألتها “فريال” بجدية:
_ المهم، أنتِ مرتاحة يا ديدا؟
أومأت “خديجة” مبتسمة بخجل فطري:
_ يعني.. تمام..
غمزت لها “فريال” بعبث مردفة:
_ لا ده شكله تمام جدًا مش تمام بس.
وانطلقت ضحكات الفتاتان تعم أرجاء الشقة من جديد.
بالأسفل..
ابتسم الرجل بسخافة وهو يردف:
_ إيه رأيك فيَّ يا باشا عملت الدور مظبوط صح؟
نظر له” مراد” بجانب عيناه دون أن يجيبه، ليكمل سخافته مرددًا:
_ دول صدقوا إني خالك بجد، ولو كنت قولتلي أقولهم إني أبوك كانوا صدقوني برضو.
توقف “مراد” بغتًة يحدقه بنظرات جامدة أثارت ريبته وهو يشير له بعيناه:
_ غور من هنا.
ولم يحتاج لكلمة أخرى قبل أن يفر هاربًا في الاتجاه المعاكس.
مراد.
توقف على صوت” ليلى” الذي علىَ يناديه، فالتف ليجدها في الطرقة المؤدية للغرف، سار ناحيتها بخطى هادئة مبتسمًا تلقائيًا كعادته حين يراها.
انحنى أمامها يحدثها بلطف:
_ عاملة إيه يا لولا؟
ابتسمت له بحب مجيبة:
_ بخير يا عيون لولا، قولي وشك منور كده خير؟
أجابها بثبات تام:
_ أبدًا، بس حسيت خديجة بدأت تطمنلي.
عبست بوجهها تسأله:
– كل ده يا مراد ولسه هتطمنلك! أومال هتعرفها بنفسك إمتى يابني؟
اقترب مقبلاً وجنتها وهو يخبرها بلطف:
_ كله بآوانه يا لولا.
تنهدت باستسلام:
_ ربنا معاك يا بني.
وقف مستأذنًا منها ودلف لغرفته، في نفس اللحظة التي صعد فيها “حسن” درجات السلم، وأصبح أمامها، التفت بكرسيها لتعود لغرفتها لكنها توقفت على صوته يقول:
_ ليلى عاوز أتكلم معاكِ.
التفت بالكرسي له تسأله باقتضاب:
_ حاجة تخص مراد؟
قطب ما بين حاجبيهِ ضيقًا:
_ هو مفيش كلام بينا غير إذا كانت حاجة تخص مراد!
أومأت مؤكدة برأسها:
_ أعتقد قولت ده من سنين ليك، إيه اللي جد؟
زفر أنفاسه مختنقًا وهو يخبرها:
_ اللي جد إني تعبت يا ليلى، تعبت ومبقتش متحمل الوضع ده، هيفضل كده لامتى؟
وبجمود أجابته:
_ لحد ما حد فينا يموت وينقضي أجله.
رفع عيناه للاعلى بملل واردف:
_ ليلى، ده مش حل! إحنا متجوزين، بس بقالنا أكتر من ١٥ سنة عايشين كأننا أخوات! ده حتى الأخوات بيتكلموا مع بعض عننا!
_ وهنفضل كده، أنا وانتَ استحالة نرجع زي الأول ولا إيه يا جورج؟ أنا ديني بيمنعني أعاملك كزوج.
اقترب منها خطوة يردد من بين أسنانه:
_ أنتِ عارفه إنه مجرد اسم في بطاقة عشان الشغل و…
قاطعته باستهجان واضح:
_ يارتني كنت عارفه ده، المصيبة إني متأكده إنه مش مجرد اسم في بطاقة، أنتَ مش مسلم يا حسن، لا قولاً ولا فعلاً.. أنا عمري ما شوفتك بتصلي، عمري ما شوفتك بتصوم رمضان، وكنت دايماً أقول بكره ربنا يهديه، عمرك ما ذكرت ربنا في أي حاجة أصلاً! إن كنت فاكر إنك تبقى مسلم لما تقول أنا مسلم، يبقى لازم تراجع دينك اللي متعرفش عنه حاجة، وعزائي الوحيد في مراد إنه جاي منك، هو إني مكنتش أعرف حقيقتك.. لكن رجوع تاني بيني وبينك انسى، مش هيحصل أبداً.
أنهت حديثها والتفت بكرسيها دافلة لغرفتها وخيم الصمت على المكان من حوله، لا يصدح فيهِ سوى صوت تنفسه العالي غضبًا.
يومان مروا…
وأتى اليوم الموعود.
اليوم أولى خطواته في امتلاكها، اليوم سيصبح جزءً منها ملكًا له، ويتطلع للحصول على الباقي في أقرب قريب!
_ اختاري اللي تحبيه ملكيش دعوة بالسعر.
همس لها بينما يقف جوارها في محل الصائغ، وهي تنتقي ما يعجبها من ذهب شبكتها.
اكتفت بنظرة خجلة له بجانب عيناها وهي تومئ بحرج.
دقائق أخرى وكانت تهتف:
_ خلصت.
رفع حاجبه الأيسر باستغراب مرددًا بينما يشير لِمَ وقع اختيارها عليه:
_ دول بس؟ خاتم ودبلة!
أومأت مؤكدة، ليكمل حديثه:
_ لا اختاري حاجتين كمان.
نفت برأسها وقد أبت:
_ لا كفاية، مش عاوزة غيرهم.
_ لو حاملة هم الفلوس مليكيش دعوة، أنا عاملي حسابي.
هزت رأسها نافية:
_ لا، مش فكرة كده، بس معلش أنا هبقى مرتاحة أكتر بدول.
لم يرد الضغط عليها أكثر، ولكنه طالع المحل بنظرة شاملة لدقيقة ربما، حتى وقعت عيناه على سلسال ذهبي تتدلى منهُ فراشة رقيقة بها فصوص ماسية، فاشار للصائغ عليها مرددًا:
– هاتلي السلسلة دي، وحطهالي مع الحاجة اللي اشتريناها.
حاولت أن تبدي اعتراضها لتسمعه يهمس لها بحدة طفيفة:
_ دي هدية خاصة مني ليكِ ملهاش علاقة بحاجة، مش من حقك ترفضيها أصلاً.
فالتزمت الصمت مرغمة.
ألقى بكل ما على مكتبه بغضب حارق، لا يصدق الوضع الذي بات فيهِ الآن، صفقته الأخيرة في تجارة الأعضاء لم تتم، علمت الشرطة بها وأصبحت في قبضتها الآن هي وبعض رجاله.
استمع لرنين هاتفه ورأى رقم الرئيس يزينه، ليحاول الاستعداد لهذه المواجهة، فاخذ نفسًا عميقًا، وأخرجه بمهل، قبل أن يجيب على المكالمة.
_ إيه اللي حصل ده يا دياب باشا! الشحنة اتمسكت! أنتَ عارف دي مكلفة كام؟ لو اشتغلت ٤ شحنات غيرها مش هتسد تمنها..
حاول الدفاع عن نفسه، فبرر بتوتر:
_ يا بوص والله أنا…
_ بوص إيه وزفت إيه، أنتَ ودّيتني في داهية، اعمل حسابك دي آخر صفقة ليك في الصفقات دي، وغلطة كمان يا دياب وهصفيك بنفسي..
وأغلقت المكالمة!
وهو يغلى بمراجل الغضب، بداخله يشتعل كلما أعاد حديث الرئيس برأسه، هل هو من توبخ بهذا الشكل قبل قليل؟ هل هو من أُقصيَ عن هذا العمل!؟ لم يكن في أحلامه حتى أن يتعرض لموقف كهذا.
وفجأة ضرب بعقله سؤال، من أفشى سر صفقته للشرطة؟ ولم يحتاج لتفكير كثير، فالجواب واضح، هو لا أحد غيره، من هدده بآخر مرة وأخبره بوضوح أن هذه الصفقة ستكون الأخيرة من نوعها.. ذلك الفاسق، الأرعن.. مراد وهدان!
وبفحيح مرعب كان يردد:
_ ماشي يا بن ال****، إن ما خليتك تلف حوالين نفسك مبقاش دياب..
وكان وعيدًا سيكن سببًا في شن الحرب بينهما ذات يوم!
تحرك كلاً من “خديجة، مراد، باهر، فريال” خارجون من محل الصائغ، وأصر “مراد” على أن يتناولوا الغداء معًا، ومع إصراره خضعوا لرغبته.
وبعد تناول الطعام أصر ثانيًة على تناول أحد المشروبات في مقهى قريب، وأثناء تواجدهم بالمقهى.
_ ها يا خديجة ناوية تعملي هيصة وكده عشان الشبكة؟
قطبت حاجبيها رافضة الفكرة، وأردفت بنبرة قاطعة:
_ لا يا باهر، مش حاسة إني حابة أعمل حاجة، يعني كفاية الفرح إن شاء الله وخلاص، وعوزاه بعد سنتين، مش قبل كده.
أومأ برأسه دون حديث، ليتولى “مراد” الحديث هذه المرة وقد لمعت فكرة برأسه متجنبًا الحديث في موعد الزفاف الآن:
_ طيب بما إنك كده كده مش ناوية تعملي هيصة، ما نلبس الشبكة هنا وخلاص.
وهي لم يكن لديها مانع، فمن غيرهم ستريد حضوره!؟
وبالأخير الأمر لا يستحق تفكير، فبالنهاية هي مجرد خاتم ودبلة، لذا أومأت موافقة وتولت “فريال” أمر توثيق الذكرى بتصويرهما بهاتفها القديم.
وهو يرى الحلقة الذهبية تلتف حول إصبعها الرقيق شعور لا يمكن وصفه، راحة.. هي الشعور المسيطر، ويخلفها الكثير.. انتصار، حب، لهفة، ووله بتلك الجالسة أمامه.
لا يعلم إن كان هذا بمجرد خطبتها، إذًا ماذا عن ليلة العرس!!
وهي كانت النقيض تمامًا، وكأن هذه الحلقة الذهبية التفت حول رقبتها، حتى أن أنفاسها خفتت لمجرد الشعور! لم تشعر براحة أبدًا، وأقلقها الأمر، لكنها بالأخير حين رفع رأسه يبتسم لها، ابتسمت، وقررت تجاهل شعورها الأحمق، ونست أننا يجب أن نستمع لشعورنا أحيانًا! فربما هو مجرد إنذار من العقل!!
_ مبروك.
همس لها بنبرة محبة، لتبتسم هامسة بالمثل:
_ الله يبارك فيك، مبروك لينا.
وهل باتت تجمعه معها في جملة؟ يا لسعده!
_ توعديني إنك متقلعيش دبلتك من إيدك مهما حصل؟
قالها بنبرة عميقة ونظرة خاصة أربكتها حقًا! وكالذي يراهن على بقاء السمك حيًا خارج المياه، كانت تهمس له بحماقة:
_ أوعدك.
_ الف مبروك يا ديدا، الف مبروك يا أستاذ زين.
رددتها “فريال” مبتسمة، لتسمع ل “مراد” يحدثها:
_ بلاش أستاذ بقى، زين كفاية، ده أنا خطيب أختك خلاص.
وانصهرت الجالسة بجواره خجلاً على لقبه الجديد الذي أطلقه للتو، بينما تستمع لمباركة “باهر” المقتضبة، ورد “مراد” الأكثر اقتضابًا، يبدو أن هذان الاثنان لن تنشأ بينهما علاقة طيبة!.
في المطعم الذي يعملان بهِ.
وقفا يستقبلان التهاني من زملائهما، وطارق يراقب الوضع من بعيد، وضع لا يعجبه بتاتًا، ولكنه مجبر على الصمت.
وبالبعيد أكثر كان يلتقط عدة صور لِمَ يحدث وأرسلها لرئيسه على موقع التواصل الاجتماعي، مسجلاً أسفلها مسجل صوتي يقول بهِ
“باشا، مراد باشا خطب واحدة من المطعم الغريب اللي شغال فيه، ودي صور وزمايلهم بيباركوهم على الخطوبة”
وفي مكان أبعد بكثير…
وصلته الصور والرسالة، ليضحك غير مصدقًا وهو يريها ل “هاجر” الجالسة جواره مردفًا:
_ تتخيلي مراد وهدان يروح يخطب بت بيئة ملهاش أصل ولا فصل، لا وكمان يتنكر عشانها! تفتكري إيه هدفه؟
نظرت للصور بتتمعن لتردف مبتسمة:
_ مش هدفه حاجة، هو بس بيحبها.
– نعم!؟
رددها “دياب” مستنكرًا وغير مصدقًا في الوقت ذاته، لتؤكد له مبتسمة:
_ شوف كده نظراته ليها وأنتَ تعرف يا باشا، ده واقع فيها خلاص.
التقط الهاتف منها يطالع الصورة بتتمعن، ثواني وكان ينتفض واقفًا وهو يردد بذهول احتل قسماته:
_ رنا!!!!
_ في حاجة يا باشا؟
لم يجيبها فقط طلب رقم ما، وما إن أجاب حتى أردف بسرعة:
_ سيبك من مراد والبت اللي معاه، في بت لابسة أزرق واقفة وراهم في الصورة، البت دي أوعى تضيع منك، تمشي وراها وتعرفلي بيتها فين وتبلغني ومتتحركش غير لما أجيلك، فاهم؟
أتاه الرد، ليغلق الهاتف وهو يتنفس بسرعة، وعيناه لم يختفي الذهول بها، بينما يهمس بداخله:
_ يااه! دي الدنيا أصغر من علبة كبريت! بقى بعد كل ده ألاقيكِ وأعرف مكانك من صورة! والله ليكِ وحشة يا أم ابني..!
وكلمته الأخيرة قالها بأعين تحمل نظرات تشبه الجحيم بألوانه، وهو يتذكر طفله الذي لم يراه، بفضل فرار والدته بهِ، هاربة من وحش يطاردها، لم يكن سوى هو… والد الطفل! والآن سيبدأ عقابها!
أواخر يونيو لعام… ٢٠٢٠..
وها قد مر عامان الخطبة وفوقهما أشهر قليلة، العامان التي قررتهما “خديجة” ورغم محاولات “مراد” معها لم تتنازل عن العامان، ولو بشهر واحد.
عامان وبضعة أشهر تغير فيهم الكثير والكثير.
تم زواج “باهر” و “جاسمين” خلالهما، بعد أن لم يجد “باهر” مفرًا من حبها، ووالدها كان أكثر من مرحب بهِ، وقد انتقى شقة جيدة الحال في مكان مترف نوعًا ما ليليق ببعض مستواها، زواجهما الذي تم منذُ ثلاثة أشهر فقط.
“جاسمين” التي تفاقمت لديها أحلامها، وباتت أكثر من مرهقة، ورغم استطاعتها لإنقاذ الكثير، إلا أن البعض لم يُقدر له النجاة، فيصيبها بالاكتئاب، ومع ذلك فباهر لم يتركها لحظة، فكان خير العون لها، ولكن لنقول أن لكل شيء حد!
“فريال” أصبحت في عامها الدراسي الثالث، لم تبدأ بهِ بعد، و”إبراهيم” الذي لم يتغير أبدًا، كما هو غير مراعيًا لها ولا لمشاعرها، وهي تصبر كالعادة!
وأما عن تعيسة الحظ “رنا” فقد نجح “دياب” في إعادتها لقبضته مرة أخرى لتلاقي الذل والمرار على يده، وتعيش ما لم تعشه معه من قبل، وكل هذا بصنع يديها!
واليوم… اليوم هو يوم سعده، يومه الذي انتظره سنوات وسنوات، اليوم ستصبح ملكه قلبًا وقالبًا، سيمتلك كل أنثى بها، ويدمغه بدمغه الخاص، ستصبح حرم” مراد وهدان” دون أن تعلم…!!!