تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
الفصل 25 — رواية بك احيا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ناهد خالد
"المقتل الثاني"
"مابين الوقعة والنجدة لحظة تكن هي الفاصلة"
ابتلع ريقه بهدوء قبل أن يلتف لها بحاجبين مقطّبين وهو يهتف بجدية زائفة:
_ مين مراد؟ كان معاه؟
للتو عاد تنفسها إليها، للتو استطاعت أن تأخذ أنفاسها الذاهبة، زفرت نفسها بهدوء قبل أن تجيبه:
_ لا مش حد، أنا بس اتلخبطت كان قصدي أناديلك.
ابتسم لها باصطناع قبل أن يحرك رأسه بلا معنى، ويلتف ذاهبًا.
وعلى باب المطعم توقف حين استمع لصوت طارق من خلفه ينادي عليه، فالتف له بملامحه التي عاد الغضب إليها الآن ليحتل كل شبر بها.
ابتلع طارق ريقه بتوتر من ملامحه التي لا توحي بالخير أبدًا، واقترب منه حتى أصبح أمامه، فأردف بهدوء:
_ رايح فين بس يا باشا، مش كفاية اللي حضرتك عملته امبارح، احنا مش عايزين شوشرة أكتر من كده.
ابتسم مراد ابتسامة صفراء وهو يجيب باقتضاب:
_ لا ما هو اللي أنا عملته امبارح كان قبل ما أعرف اللي هو عمله بالضبط، ده له حساب وده له حساب تاني، وأنت عارف ما بحبش أبيت حساب حد عندي.
حاول طارق كبح انفعاله وهو يردف بضيق خفي:
_ هتعمل له إيه تاني؟ ما أنت كسرت رجله وشوهت معالم وشه، فيه ناقص حاجة ما عملتهاش ولا ناوي تقتله المرة دي يا باشا؟
جعد مراد ملامحه باشمئزاز وهو ينظر لطارق بجانب عينيه، مرددًا باستهزاء:
_ أنا بحس إن بعد كل الكلام اللي بتقوله في الأول ونبرتك دي، ماينفعش بعد كده ترجع تقول يا باشا.. يعني أنت اللي باشا.
تنحنح طارق بحرج مرددًا:
_ العفو يا باشا أكيد ما أقصدش، بس أنا خايف على سعادتك، مش حابب نعمل شوشرة هنا كمان والعين تبقى علينا وخصوصًا إنك مش حابب تظهر شخصيتك الحقيقية.
_ طارق أي كلام هتقوله وفره، عشان ما أمنوش فايدة، أنا قلت هيتأدب يبقى هيتأدب.
حاول طارق الحديث مرة أخرى، لكن نظرة واحدة من مراد كانت كافية لتجعله يصمت تمامًا، وتركه يذهب، فما باليد حيلة، وكان الله في عون ذلك الوحش!
***
دلفت للمطعم وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة، فأوقفتها خديجة وهي تسألها باستغراب:
_ مالك يا رنا؟ داخلة بتبرطمي ليه؟ وشكلك متضايقة، في حاجة حصلت في الطريق؟
أجابتها رنا بغيظ كان كافيًا لحرق ما حولها وهي تقول:
_ لا مش في الطريق، أم 44 اللي أنا ساكنة قصادها دي مش هترتاح غير لما أخنقها وأخلص منها، الولية دي ما بتتهدش، كل يوم نتخانق، وكل يوم أسمعها كلام زي السم في جنابها، إنها تتهد وتبعد عني أبداً وكأنها نحست، خلاص بقى كيف عندها إنها تتهزق مني كل يوم الصبح بتفور دم بنت الـ***.
هزت خديجة رأسها بيأس على مشاجرة رنا وجارتها التي لا تنفك عن حشر أنفها في حياة الأولى لتخبرها بمواساة:
_ معلش يا رنا، هدي نفسك شوية ووسعي خلقك، أنتِ كده ممكن بجد في خناقة تعملي فيها حاجة وتجيبي لنفسك مصيبة، يا ستي اعتبري نفسك مش سامعاها وخليها تقول اللي تقوله، يمكن لما تلاقيّك متجاهلاها تتهد شوية وتبعد عنك.
أجابتها رنا بضيق:
_ غصب عني، أنتِ ما بتسمعيش كلامها يا خديجة، بجد مستفزة، بتقعد تخبط بالكلام وتحسسني زي ما أكون فتاة ليل عايشة معاها في العمارة، حاطة نقرها من نقري، في الطلعة والنزلة أي حد داخل عندي، حد طالع من عندي بتشوفني، حتى لو داخلة لوحدي من غير أي سبب تلقح بالكلام وأنا أعصابي ما بتتحملش يا ستي.
اقتربت منها خديجة وهي تربت على ظهرها برفق:
_ معلش يا رنا، معلش حاول تتحملي وتهدي نفسك، ولو عرفتي تنقلي انقلي يبقى أحسن واهو تبعدي عنها.
نظرت لها بحزن حقيقي وهي تخبرها بابتسامة متألمة:
_ الفكرة مش في النقلان يا خديجة، والفكره مش بس في جارتي دي، أي مكان هروحه مجرد ما يعرفوا إن أنا مطلقة وعايشة لوحدي هتلاقي واحد واتنين وعشرة بيجيبوا في سيرتي، في الطلعة والنازلة هتلاقي ده بيبص بصة مش ماتعجبنيش وده بيلقح بكلمة ما أحبهاش، لو فضلت أهرب من كل مكان أروحه عشان حاجة قابلتني، يبقى مش هلاقي مكان أعيش فيه.
طالعتها خديجة بنظرتها الحزينة هي الأخرى وهي تسألها بتعجب مستنكرة:
_ للدرجادي؟!
تنهدت رنا بثقل وهي تجيبها:
_ آه للدرجادي، ما تعرفيش أنتِ نظرة المجتمع للست المطلقة، والأحسن ليكِ ماتعرفيهاش، يلا خلينا نبدأ شغلنا، هروح أغير هدومي.
تابعتها خديجة بنظراتها، وهي حقًا حزينة على حال تلك الفتاة التي ظنت عندما رأتها للوهلة الأولى أن حياتها خالية من أي مشاكل قد تقابلنا كبشر، لتتبين فيما بعد أنها ليست بأفضل حال منها!!
***
وهل ذهابه له بمفرده يعد جرأة أم تهور؟
في البداية يبدو وكأنه يحمل كلا الاحتمالين، ولكن الحقيقة أنه جرأة لمن يدرك مقدار قوته، وتهور لمن يشك بهذا.
ولأن مراد يدرك جيدًا ما هو قادر على فعله، فلم يكن ذهابه للوحش كما يُلقب، تهورًا ليس محسوبًا بل هي جرأة محسوبة، ولتأكيد الأمر فما يحدث الآن خير دليل أنه لا يندرج تحت بند التهور!
لولا تلك القماشة التي حُشرت عنوة في فمه، لاستمعت الحارة بأكملها لصوت صراخه الآن، ولكن الفضل يعود للقابع فوقه! ليس بأكمله ولكن بقدمه التي يضغط بها على ظهر الأول بقوة كادت تمنعه من التنفس، ويفعل به الأفاعيل..!!
وبعد أن انتهى من فقرة التعذيب التي أعدها للقابع أرضًا، انحنى نصف انحناءة وهو يهمس لذلك الذي يتلوى ألمًا، بملامح قاسية تدب الذعر في قلب كل من يراها:
_ امبارح أنا كسرتلك رجلك وعملت الصح في وشك، ما كنتش أعرف لسه اللي أنت عملته معاها، اللي حصل لك بقى دلوقتي حسابك على كل اللي أنت عملته امبارح، وصدقني لو بس لمحت ضلها وما مشيتش من الشارع التاني، المرة الجاية هاخد روحك وأنا ما بهددش أنا بعمل.. ونصيحة أخيرة مني، بلاش تتعامل معايا، أنتَ ما تعرفنيش.. ويوم ما هعرفك بيا اعرف إنها هتبقى آخر دقيقة في عمرك.
أنهى حديثه والتف خارجًا من المنزل بكل هدوء، كأنه لم يفعل شيئًا، تاركًا خلفه جثة على قيد الحياة…!!!
***
أواخر يناير لعام ٢٠١٩..
أسبوعان آخران مرا….
وإن كنت تريد التعرف على ما حدث فيهما لدى أبطالنا فلنبدأ أولاً ب… "مراد وخديجة"…
ما زالت العلاقة بينهما كما هي لم يحدث فيها تطورًا، ولكن مع مرور الأيام يزداد الشك بداخل خديجة ولا تعرف لِمَ أحيانًا تتساءل عن السبب الحقيقي وراء شكها.. لكنها لا تدري، تشعر وكأنه هناك شيء خفي بداخلها يهمس لها بأن الواقف أمامها ليس سوى شخصًا من الماضي، شخصًا تعرفه جيدًا وتدعو الله ألا يكون هو…
وعن مراد، فقد نجح في إخفاء ما فعله في ذلك الوحش، وحين سألته خديجة حين عاد يومها عن أين ذهب؟ أخبرها بكل هدوء وثقة أنه كان لديه عمل ما تذكره فذهب ليقضيه، وقتها لم تقتنع بإجابته، لكنها حين لم تسمع فيما بعد شيئًا يخص ذلك الرجل ولم يتعرض لها شعرت بصدق حديثه، أو ربما قررت تجاوز الأمر، على أي حال لم يحدث ما يثير شكوكها.
حدثها باهر منذ أيام عن أمر مكوث فريال معها بعدما أخبرها بما حدث في شقة الأخيرة، ولأن خديجة لم تخبره بحالتها المادية الحقيقية التي تعيشها، ولم ترد أن يعرف شيئًا عن سوء وضعها تحيرت في قبول فريال للعيش معها، ولكنها بعد يومين شعرت بسخافة فعلها، فعلى أي حال لا يجب أن ترفض مكوث صديقتها معها، لذا تحدثت شخصيًا مع فريال ودعتها للقدوم والعيش معها، فأخبرتها الأخرى أن تعطيها يومين حتى ترتب أشياءها مرة أخرى وتأتي إليها مع باهر، ومن المقرر أن تأتي فريال بعد الغد…
وعن فريال، فلم تستطع منع نفسها من محادثة إبراهيم مرة أخرى، رغم حزنها الشديد من طريقته في الحديث معها آخر مرة وعدم اهتمامه بها ولامبالاته التي أوجعت قلبها، وعلى أي حال فهي كانت تعلم جيدًا أنها إن لم تهاتفه فهو لن يفعل، لذا فلم تشأ أن تصنع فجوة بينهما، وللمرة التي لا تحسب لها عددًا تنازلت، وقررت هي محادثته، وكالعادة.. رده باردًا، غير مهتمًا، ومقتضبًا، وكأنه لا يريد تلك المحادثة وهي كالعادة تتجاهل..!!!
وعن باهر وجاسمين، فقد ظهر الحساب الشخصي لها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أمام باهر ذات ليلة، أو بمعنى أدق بحث هو عنه حتى وجده، فتصفحه ووجدها قد نشرت صورة لها من ذلك الحفل بذلك الفستان اللعين، وقد أظهر كل مفاتنها بلا استحياء، فلم يستطع منع ذاته من التعليق على تلك الصورة، ولأنه يعلم أن تعليقه لا يجب أن يراه العامة، فبعث لها على الرسائل الخاصة رسالة مختصرة كان مضمونها "على فكرة الفستان وحش والصورة وحشة" وتلك الرسالة جلبت مشاجرة كبيرة بينهما تلك الليلة.. استمرت لنصف ساعة تقريبًا حتى هدأت الأمور بالأخير، وقد اقتنعت جاسمين بحديثه، وأن تلك الصورة لا تبرز جمالها بل هي بالحقيقة تقلل منها وتجعل تفاصيل جسدها الخاصة متاحة للجميع كما أخبرها، وللعجب لم تعترف له بانها اقتنعت بحديثه، ولكن بعد دقائق كانت تمسح ذلك المنشور وازالت صورتها من على الحساب الخاص بها، وهو قد أرضاه ذلك بشكل أو بآخر فلم يهتم كونها لم تعترف بأحقيته في الحديث، فيكفي أنها قد اقتنعت وأخذت خطوة تثبت له اقتناعها بحديثه، ومن ذلك اليوم وتوالت الرسائل الشخصية بينهما بمبرر وبدون مبرر، حتى بدأ يحكي لها عن مسار يومه ومشاكل عمله، وتحكي له عن صديقاتها وروتينها اليومي وما إلى ذلك… ونشأت بينهما صداقة ما زالت تحبو حبوها الأول…
***
"محتاجة حد يفهمني ليه معظم الوقت وأنا واقفة قدام زين أو لما بيحصل موقف ما بينا بحس إن شايفه مراد قدامي، أنا يمكن ما أعرفش مراد وما شفتوش لما كبر ولا عارفة شخصيته بقت عاملة إزاي دلوقتي، بس الغريب إن أنا بشوف الطفل اللي عنده 13 سنة… بشوف نظراته.. بحس بيه، رغم إن أنا أصلاً في مواقف كتير قوي أنا ناسيّاه، يا دوب اللي فاكرة ما بيني وما بين مراد أربع، خمس مواقف هي كل اللي أنا فاكراهم من طفولتي معاه، ليه بشوفه في حد تاني؟ لما ناديت باسمه يومها كان جوايا يقين إن هو ده مراد، نظرتُه وقتها، طريقة كلامه، قربه مني، لمسته ليا، كل ده خلاني أحس إنه لأ مستحيل ما يكونش هو، لما وقف قلبي وقف معاه ما كنتش متخيلة لو فعلاً هو وقف عشان ناديته باسمه الحقيقي وطلع هو الشخص ده كان رد فعلي هيكون إيه.. ده أنا لمجرد إني تخيلت إن ممكن يكون هو حسيت إني مش قادرة آخد نفسي! أنا حيرانة وتايهة مش عارفة إيه اللي بيحصل حواليا؟ ومش عارفة ليه أنا بحس كده!؟ عندك تفسير يا دكتور؟!"
قالتها خديجة بحيرة حقيقية، وهي تنظر لكمال طبيبها النفسي والذي وضع نظارته جانبًا ممسدًا مقدمة أنفه بإصبعه قبل أن يجيبها على تساؤلاتها قائلًا:
_ أولاً حابب أقول لك إنك مانسيتيش مواقفك مع مراد، أنتِ اتناسيتِ يا خديجة، عقلك قصد إنه ينسى كل ذكرياتك معاه، ما عدا كام موقف كده هما اللي فضلوا في ذاكرتك ما قدرتيش تنسيهم، منهم يوم موت سارة، لو بطلتي تحملي مراد ذنب موت اختك هتلاقي نفسك بتفتكري كل ذكرياتك معاه.
_ مش عاوزة افتكر.. مش عاوزة افتكر أي حاجة بتربطني بيه، ولو أقدر أنسى الكام موقف اللي لسه فاكراهم هعمل كده.
قالتها بعداء واضح ليهز كمال رأسه يائسًا وهو يخبرها بثقة:
_ عرفتي بقى إنك مش ناسيه، أنتِ أجبرتِ عقلك إنه ينسى عشان أنتِ مش متقبلة أي موقف يجمعك بيه، زي ما قلتي.. ده مش موضوعنا دلوقتي ولا موضوعنا المهم هو زين وحكايته الأهم، أنتِ لسه بتشوفي سارة؟
أومأت برأسها بضعف وهي تخبره:
_ رغم إني بقيت باخد الأدوية.
_ خديجة أنا ما قلتلكيش إن الدوا هو اللي هيخليكِ ما تشوفيهاش تاني، مش الدوا لوحده هو اللي هيساعدك، الأهم هو اللي أنا طلبته منك قبل كده، إنك تقنعي نفسك إنك مالكيش ذنب في موت سارة، قدرتي تعملي ده؟
هزت رأسها نافية بإرهاق وأجابته:
_ للأسف لأ، حاولت.. حاولت كتير بس ما قدرتش، فيه صوت في دماغي دايمًا بيقطع محاولاتي دي، ويقولي إن مهما عملت مش هقدر أكفر عن ذنبي في اللي عملته، مش هقدر أريح ضميري ناحيتها.
أخبرها كمال بجدية بحتة:
_ خديجة أنتِ عمرك ما هتقدري تسامحي نفسك، ولا هتعرفي تقنعي نفسك إنك مالكيش ذنب غير لما تعملي حاجة الأول.
نظرت له بلهفة وهي تسأله:
_ حاجة إيه؟
اخترقها بنظراته وهو يجيبها بثبات:
_ لازم الأول تقتنعي إن مراد ما كانش يقصد يقتل سارة وتسامحيه، لازم كل الحقد والغضب اللي جواكِ ناحيته يختفي، بل بالعكس وتحني لطفولتك مع أكتر شخص كان قريب منك.. مع صديقك الوحيد!
انتفضت واقفة وهي تلتقط حقيبتها وقالت ببرود، قبل أن تختفي من أمامه:
_ أعتقد يا دكتور إنك عارف كويس إن اللي بتقوله مستحيل.. أنا عندي أعيش عمري كله بشبح سارة ولا إني أسامح الشخص اللي دمر حياتي وحياة أختي، هنتظر بره عشان أقفل العيادة.
***
أغلقت العيادة وسارت في طريقها للعودة لمنزلها حتى وصلت أخيرًا مقررة أخذ حمامًا دافئًا ليزيل عنها تيبس عضلات جسدها من البرد أولاً، ومن أفكارها التي ستهلكها ثانيًا..
فتحت باب الشقة وهي تعلم جيدًا أن شقيقها ليس موجودًا الآن فحتمًا لم يعد بعد من دروسه، كادت أن تغلق الباب خلفها، ولكنها شهقت بفزع حين وجدت الباب يرتد ليفتح على مصراعيهِ وترى ذلك الوحش البشري أمامها بمظهر لا يدل أبدًا على أن القادم خيرًا.
كان مظهره مثيرًا لكثير من التساؤلات، ملامح وجهه مشوهة فعليًا ما بين ندوب، وآثار لكدمات قديمة قليلاً، وما بين جرح غائر يأتي من أسفل أذنه لمنتصف وجنته، ولم يغفل عنها عرجه بسيطة في قدمه حين تقدم مغلقًا الباب خلفه، ومن صدمتها لم تصرخ على الحال بل صرخت بعد أن أغلق الباب وقد سمحت له في خلال تلك الثواني أن يقترب منها مكممًا فمها بكفه، ليمنع صوتها من الخروج، شد وجذب استمر لفترة ليست هينة بينهما لا تدري ما أراده وما نوى فعله، لكنها تدري أنه لم يرد خيرًا، ولم يرد حتى الحديث كالمرة الأخيرة، أو حتى تهديدها كما فعل، يبدو أن الأمر هذه المرة أكبر وأعنف، استمعت لهمسة وهي تحاول التخلص من قبضته وهو يخبرها:
_ ورحمة أبويا وأمي، لا أحسر عليكِ زي ما حسرني على رجلي ووشي، وهطلع على جثتك كل اللي هو عمله فيا، واضح إنك غالية قوي عند البيه لدرجة إنه يعمل كل ده عشان بس خبطت راسك في الحيطة، تمام.. خلينا نشوف بقى هيعمل إيه لما….
قطع حديثه وهو يمرر نظراته القذرة على جسدها لتتسع عيناها ذعرًا وهي تدرك مقصده، قلبها كاد أن يتوقف، وهو يكمل:
_ الحقيقة كنت جاي أشوه وشك، أو حتى أكسر عضمك زي ما عمل فيا، بس أنا شايف إنه في حاجات تانية ممكن تتعمل وهتبقى أحسن بكتير.. ما تقلقيش كده كده بعد اللي هعمله لا هو ولا الجن الأزرق هيعرف مكاني، شكل البيه بتاعك ده واصل.. مش حتة عيل شغال في مطعم زي ما هو واضح، ومش فارق معايا أعرف هو مين ولا حكايته إيه.. اللي فارق معايا إني أعرفه أنا مين.. معلش بقى يا حلوة إن كنتِ جيتي في الرجلين بس هي الدنيا كده ناس بتخلص ذنب ناس.
لقد أدركت الآن نيته وما نوى فعله، ولأن غريزتنا كإناث تكمن في الدفاع عن شرفنا لآخر نفس بنا هذا ما أكسبها قوة مضاعفة لتحاول الفكاك منه، وقد نجحت حين رفعت قدمها بغتة راكلته في أسفل بطنه ليتأوه بعنف مرتداً للخلف، ولأنه كان يسد طريق خروجها من الشقة لم تستطع الوصول للباب، ولسوء حظها وقبل أن تأخذ أي خطوة كان يعتدل واقفًا مرة أخرى متجهًا ناحيتها، فأجبرها على التراجع والدلوف لما خلفها والذي لم يكن سوى المطبخ!
فركضت سريعًا إليهِ وقد شعرت حينها بأنها وقعت في فخ أحمق صنعته بنفسها! فإن كانت قد ركضت إلى أحد الغرف لاستطاعت بسهولة أن تصرخ بعلو صوتها من أحد النوافذ ليأتي الجيران لنجدتها، ولكن الآن فقد فقدت فرصتها في النجدة بأحد فإن حدث ما حدث في ذلك المطبخ لن يسمعها أحد من الخارج مهما حاولت، لذا وبأقل من ثوانٍ كانت تفكر في الحل دون تردد ولو للحظة…
وبالخارج ابتسم بشر حين رآها بحماقة تتجه لذلك المطبخ المغلق، ولقد أعطت له فرصة على طبق من ذهب، فاتجه لباب المطبخ بكل ثقة متأكدًا من تحقيق غايته… خطوة والثانية كان يتخطاها بها باب المطبخ.. ليصرخ حين شعر بشيء حاد يخترق صدره ولم يكن هذا الشيء سوى سكينًا تحملها خديجة بيدها طعنته به في صدره بكل غل وحقد ودفاع عن ذاتها…
سقط هو أرضًا غارقًا بدمائه، وارتدت هي للخلف ناظرة للسكين الذي بيدها وهو يقطر دمًا ينسال على طول ذراعها…