تحميل رواية «بك احيا» PDF
بقلم ناهد خالد
الفصل 11 — رواية بك احيا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ناهد خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إبليس حين أراد أن يثبت أفضليته تمرد وخرج عن طاعة الله لأنه رأى ذاته مميزًا فأراد أن يظل هكذا. حين ترغب نعجة في أن تظهر ذاتها تشرد عن القطيع فتُسلط الأنظار عليها. وإن أراد الممثل أن يلفت الأضواء ما عليهِ سوى الخروج عن النص. ولأني ذكرت جنون "التميز"، دعوني أذكر جنون آخر يمكن أن يقودك لنفس الطريق ألا وهو "التحرر". ولأنني ذكرت الجنون، فحين أذكر التحرر سأذكر التحرر الجنوني الذي يأتي بعد كبتٍ قاسٍ. بعد أن كنت تفعل كل شيء صواب كما ذكره الكتاب، تفعل كل شيء خطأ كما لم يعرفه أحد من قبل. كأسد جائع حُبس في...
رواية بك احيا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ناهد خالد
توقفت حركت قدمه واستقام في وقفته حين أتاه فتح الخط ورد الآخر، فهتف متسائلاً بلهفة ودقات قلبه قد تعالت بصخب:
_ ها عرفت عنهم حاجة؟ آخر مرة قولتلك متكلمنيش إلا لو عندك معلومة!
أتاه الرد على الجهة الأخرى وهو يقول بتوتر ظهر في صوته:
_ خلصت جرد الأسماء، طبعًا الموضوع كان صعب إني ألم كل اللي اسمهم محمود الدالي في محافظة سوهاج خصوصًا إن حضرتك مش فاكر غير الاسمين دول، ولقيتهم ٢١٠ شخص اسمهم محمود الدالي، صاحبي اللي في السجل قالي إنه هيقدر يساعدني في إني أعرف مين فيهم اللي عنده بنتين وولد بالأسماء اللي حضرتك قولتهالي، بس طبعًا الموضوع هياخد وقت، ومكنتش حابب أبلغ حضرتك دلوقتي بس حضرتك طلبت مني أي جديد أبلغك بيه.
زفر بضيق وهو يمرر كفه على وجهه قائلاً:
_ يعني لسه هستنى!
أتاه رد الآخر يقول:
_ ياباشا إحنا قطعنا طريق طويل مبقاش غير أقل من رُبعه، من عندنا ولا معلومة توصلنا بيه لعرفنا إنه من سوهاج بعد ما بالعافية وصلنا للشخص اللي كان مسؤول عن توظيف الصعايدة وقتها، ولولا إن الراجل ده كان بيكتب بياناتهم في دفتر عنده مكناش عمرنا عرفنا هو من أنهي بلد، لدلوقتي مبقاش غير إننا نعرف مين اللي في الـ ٢١٠ دول عنده ٣ أولاد باسم خديجة ومصطفى وسارة وزوجته دنيا، الموضوع بقى أسهل أكيد، بس مسألة وقت لأنهم ٢١٠ يعني عدد كبير.
هز رأسه عدة مرات يقنع نفسه بما يستمع له، ثم أردف بحدة:
_ معاك شهر تكون خلصت بحثك وتديني معلومة عنهم سامع؟
أجابه الآخر بتوتر:
_ شهر ونص ياباشا، شهر ونص وأبلغ حضرتك عنوانهم ده عددهم كبير.
صدم الكرسي الذي بجواره بقدمه ليسقط أرضًا متأثرًا بركلته، ورفع رأسه لأعلى يستدعي الهدوء قبل أن يهمس بنبرة مرعبة:
_ ٤٥ يوم مش هيزيدوا ساعة وإلا متلومش غير نفسك.
ودون السماع لرد كان قد أنهى المكالمة، وجلس فوق أحد الكراسي يتنفس بعمق، فلقد ظن أن رحلة بحثه المقيتة انتهت، ولكن للأسف مازال هناك شهر ونصف آخران عليه انتظارهما، هز رأسه مستنكرًا وهو يغمغم لذاته بعتاب:
_ ازاي عمري ما سألتها عن اسم بلدهم اللي كل إجازة كانوا يسافروا لها! ازاي مفكرتش أعرف هم منين! لو كنت عرفت كان ده وفر عليَّ سنة كاملة عدت عشان أعرف بس اسم البلد.
شرد بنظره في الفراغ وهو يتذكر حين كان عمره أربعة عشر عامًا أي بعد ذهابها بعام واحد، ووقتها أخبره والده أنه كلف أحد رجاله للبحث عنه، ولكن بعد مرور ثلاث سنوات دون أي معلومة من الرجل، شكَّ "مراد" في أن والده قد كلفَ أحدهم بالبحث فعلاً لذا وبدون علم والده كان يكلف رجلاً آخر عُرف عنهُ براعته في مثل هذه الأمور، ولم يظهر لوالده أنه شكَّ به بل كل فترة يسأله إن كان رجله قد توصل لشيء والإجابة واحدة وهي "لاشيء".
نهض واقفًا واتجه لأحد الخزانات الموجودة في الجانب الأيسر من الغرفة وانحنى فاتحًا إياها لقصرها ليظهر أمامه العديد من الزجاجات فأخرج أحدهم واستقام بجزعه ليقرب كوبًا من الأكواب المرصوصة فوق تلك الخزانة الصغيرة، فتح الزجاجة وصبَّ البعض في الكوب قبل أن يلتقطه متجهًا لثلاجة صغيرة موجودة بجوار الخزانة وفتحها ملتقطًا مكعبان من الثلج وُضعا في إناء على أحد رفوفها، أغلق باب الثلاجة واستقام واقفًا ثم اتجه للشرفة وهو يحرك الكوب يمينًا ويسارًا بحركات رتيبة فيصدر الثلج الموجود بداخله صوتًا خفيفًا، وقف في الشرفة بعدما احتسى القليل مما في الكوب ولم يظهر أي تعبير على وجهه، ونظر أمامه بأعين شاردة.
دقتان فوق الباب أخرجتاه من شروده ليدلف لداخل الغرفة وهو يردد بصوت أجش:
_ مين؟
أتاه صوت والدته الهادئ:
_ أنا يا مراد، افتح يا حبيبي؟!
تحرك على الفور واضعًا الكوب الذي بيده في الخزانة الصغيرة التي تحوي الزجاجات، وهو يجيبها:
_ ثواني يا ماما بغير هدومي.
والتقط الزجاجة يضعها بجوار الكوب وأغلق الخزانة جيدًا، ثم التقط قميصه يرتديه بعجالة واتجه لباب الغرفة يفتحه وهو يشير لها بثبات:
_ اتفضلي.
ابتسمت له وهي تحرك كرسيها للداخل، بينما تقول:
_ مش نازل الشغل النهاردة ولا إيه؟
_ لا هنزل، بس كنت بعمل مكالمة مهمة وهلبس اهو.
ضيقت عيناها وهي تقول:
_ مهمة! يبقى تخص خديجة، صح؟!
ابتسم ابتسامة صغيرة لتبرز غمزتيه المزينتين لوجنتيه فبدى جذابًا بشكل مهلك وقال:
_ مش سهلة انتِ برضه يا لولة.
اتسعت ابتسامة "ليلى" وهي تلكزه بأصابعها في جانبه:
_ لولة! عيب بقى تقول لأمك كده.
وضع كفه على جانبه مكان لكزتها وهو يقول بمرح لا يظهر سوى معها:
_ ده أنا بدلعك هو أنا بش... هو أنا بغلط فيكي.
عدلَ من حديثه حين وجد لسانه سيذل وينطق بما يثير غضبها، لتهز رأسها يائسة منه وهي تقول باهتمام:
_ المهم قولي، وصلت لحاجة.
اختفى المرح من معالمه وهو يزفر بتعب جالسًا فوق كرسي قريب من كرسيها وقال:
_ للأسف لسه، الراجل قدر يعمل حصر لكل اللي اسمهم محمود الدالي في سوهاج، وطلعوا ٢١٠ شخص هيدور فيهم بقى.
عضت شفتيها بحزن على حالته، وقالت بحذر:
_ مراد.. هو يعني هتعمل إيه لو ملقتش خديجة.
لم يظهر أي ردة فعل على وجهه وهو يسألها بهدوء:
_ يعني إيه ملقتهاش؟! قولتلك هيدور في...
قاطعته وهي توضح قصدها أكثر:
_ هنفرض ملقتهاش.. هنفرض إنهم سابوا سوهاج من كتير، أو أبوها خدهم وسافر أي مكان تاني، حط احتمال إنك ممكن حتى لو وصلت لعنوانهم متلقيهمش.. عشان بس متبقاش حاطط أمل كبير، الإنسان لما بيحط أمل كبير في حاجة ومتكملش بيكون زي اللي وقع على جذور رقبته.
التواء طفيف في جانب فمه للأعلى أبدى سخريته وهو يقول:
_ أنا مش حاطط أمل كبير.. أنا حاطط كل أملي.
اخفض رأسه ناظرًا للأرضية وبنبرة ظهر بها الاختناق جليًا:
_ ياريتني قادر أنساها، بس مش قادر ومش عارف، على قد ما بتعذب بحبها على قد ما أنا حابه.
رفع رأسه وعيناه قد غامت ببعض الدموع الخفية وقال:
_ يمكن حبها هو الحاجة الوحيدة الحلوة اللي بقالي من ذكريات طفولتي.. ذكرياتي معاها هي الحاجة الوحيدة اللي مش عايز أنساها، أنا معنديش أوبشن إني ملقيهاش، معنديش احتمالية إني أفضل باقي عمري من غير ما أقابلها، مش عايز حتى أفكر في ده.. بس حتى لو وصلت لعنوانها وملقتهاش مين قال إني هيأس! حبي ليها مولد جوايا ثقة غريبة إني هلاقيها وهنتجمع من تاني.
ربطت على فخذه بكف والكف الآخر تمسح دموعها التي تساقطت حزنًا عليهِ وتأثرًا بما قاله:
_ ربنا يريح قلبك يابني.
التقط كفها مقبلاً إياه برفق، وقلبه يؤمن على دعائها.
انتهت من توضيب المنزل وإعداد الطعام ودلفت لغرفتها لتنال قسطًا قليلاً من الراحة قبل قدوم والدها من العمل، تسطحت فوق الفراش وهي تغمض عيناها براحة شعرت بها فور فردها لجسدها، راحة لم تطول وهي تسمع صوت خافت يناديها:
_ خديجة.
تكرر الصوت مرتان حتى انتبهت له، فتيبس جسدها بصدمة وهي تستمع لذلك الصوت.. إنها تدرك هوية صاحبه جيدًا! وهذا ما جعل التيبس يكتسح جسدها، تكرر مرتان أخريان ففتحت عيناها بصعوبة وأنفاسها بالكاد تختفي، نظرت أمام الفراش لتنتفض فزِعة وجلست فوقه وهي تطالع من أمامها بصدمة محملة بالخوف والذعر، هزت رأسها نافية تصديق ما تراه، لتجد من أمامها تقول بابتسامة بدت مرعبة:
_ إيه يا خديجة مبترديش ليه؟!
هزت رأسها أكثر بهستيريا وهي تقول:
_ لالالا أنتِ مش هنا.. أنتِ مش حقيقية.
ولا تعلم لمَ لكنها في غضبها أو خوفها تجد ذاتها تتحدث بلهجتها القاهرية القديمة! اتسعت ابتسامة "سارة" وهي تقترب من الفراش ملتفة حوله لتصبح قريبة منها أكثر:
_ لا حقيقية، ياترى ليه مش مصدقة؟ عشان قتلتيني مثلاً!
انتباها الفزع أكثر فهمست بوهن وعيناها اغرورقت بالدموع:
_ سارة!
ابتسامة مرعبة أكثر هي ما ارتسمت على ثغر الأخرى وهي تقترب خطوتان حتى أصبحت أمامها تمامًا ورددت بهمس أشبه الفحيح:
_ ارتاحتي يا خديجة؟ ارتاحتي لما قتلتيني؟
نفت برأسها بذعر أكبر ودموعها تتهاوى بعجز وقالت نافية التهمة عنها:
_ لأ، مش أنا ده مراد.
هزت "سارة" رأسها بلامبالاة وهي تقول:
_ وأنتِ ساعدتيه بسكوتك كنتِ موافقة إنه يقتل أختك... عشان كده هقتلك زي ما قتلتيني وبنفس الطريقة.
قالتها وهي تجذبها من خصلاتها بقوة تحت صراخ الأخيرة ومحاولتها للتمسك بأي شيء بداية من الفراش حتى الأرضية، ولكن لم تفلح حتى وصلت للخزانة ووجدت "سارة" تدفعها للداخل وتغلق باب الخزانة عليها لتصرخ "خديجة" عدة صرخات بفزع وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة، وبعد ثوانٍ بدأ العرق يغزوها وبدأت تشعر أن أنفاسها تخفت بالفعل وكأن الأكسجين انسحب من حولها، لتضرب على باب الخزانة بهستيريا شديدة وصرخاتها لا تتوقف، وفجأة فُتح باب الخزانة لتجحظ عيناها بقوة وهي تستنشق أكبر قدر من الهواء والواقف أمامها يناظرها بذهول وعدم فهم لمَ حدثَ لها! حتى ردد بتساؤل قلق وهو يسحبها للخارج حاملاً جسدها بالفعل فقدميها لا تحملانها:
_ وه! مالك يا بتي؟ فيكِ إيه وإيه خلاكِ تفوتي الدولاب وتجفلي عليكِ كده!؟
رددت بضعف بالغ وقد شحب وجهها فأصبح يحاكي وجه الموتى:
_ مش أنا.. دي هي.. هي اللي قفلت عليَّ.
وضعها فوق الفراش وهو يجلس بجوارها قائلاً بعدم فهم:
_ هي مين يابتي؟ مفيش حد هنا غيرك!
هزت رأسها بالكاد وهي تقول ببكاء بدأت فيهِ:
_ لا في.. هي هنا، قفلت عليَّ بالمفتاح.
أجابها بقلق على حالتها:
_ بس درفة الدولاب مكانتش مقفولة بالمفتاح أصلاً، الدرفة كانت مفتوحة لو كنتِ زقيتيها كانت اتفتحت.
ازداد بكاؤها وهي تردف من بين شهقاتها المتقطعة:
_ لا.. كانت مقفولة.. أنا... زقيتها كتير.. مكانتش مفتوحة.
وبعدها لم تتحمل أعصابها أكثر من هذا فأغلقت عيناها فاقدة الوعي مما أثار ذعر والدها عليها.
بعد مرور أربعة أيام....
عند خديجة الحال لم يصبح أفضل، بل بالعكس ساءت حالتها بدرجة أرغمت والدها لجلب الطبيب لها، أصبح وضعها لا يُسكت عليه، ناهيك عن كوابيسها التي تستيقظ فزِعة منها كل ليلة وصرختها تدوي في أرجاء المنزل، وشعورها أحيانًا بطيف "سارة" يحوم حولها، تحدثها وتفزع منها وأحيانًا تصرخ فجأة وباتت تحبس ذاتها في أماكن متفرقة وتدعي أن "سارة" من فعلت!!
والطبيب لم يكن مختص فنصحها بالذهاب لطبيب نفسي في القاهرة ليشخص حالتها ويكتب لها الدواء المناسب، فهي على شفا حفرة من الجنون.
كانت تجلس مع "فريال" فهي بعد ساعتان ستذهب للقاهرة لتزور الطبيب الذي أخبرها عنه والدها، تحدثت بوهن وقد بدا جسدها أقل وزنًا ووجهها شاحبًا وأسفل عيناها أحيطت بالسواد، كل هذا دلَ على مدى معاناتها، بنبرة مختنقة وأعين شاردة بعيدًا قالت:
_ أنا معرفش ليه بيحصلي كده، فجأة حياتي كلها اتشقلبت.. أنا والله بشوفها يا فريال، بشوفها حقيقة كيف ما أنا شايفةَكِ كده، يبقى كيف بخرف.
ربطت "فريال" بكفها على كتف الأخرى وهي تقول بهدوء:
_ مصدقاكِ، بس انتِ كمان خابرة إنها مش حقيقة صح! محدش بيشوفها غيرك يا خديجة، وسارة ماتت من سنين محدش فينا يقدر يشكك في كده، ده عمي بذاته هو اللي دافنها!
هزت رأسها بتعب وهي تقول متحسرة:
_ للأسف، خابرة إن محدش هيشوفها غيري! بس أعمل إيه والله بشوفها.
_ عشان كده عمي هياخدك للدكتور في القاهرة وهو اللي هيقولك إيه اللي بيحصل معاكِ.
أردفت بها "فريال" وهي تنظر لملامح "خديجة" التي تثير الشفقة، لتهز "خديجة" رأسها بلامبالاة ومازالت واجمة ففكرت الأخرى في إخراجها مما هي فيه فقالت بمزاح:
_ بقولك.. ما تدوري على رفيق الطفولة بما إنك نازلة القاهرة.
امتعضت ملامحها وقد ذكرته "فريال" في أكثر وقت لا تريد فيهِ تذكره، لتجيبها بحدة وملامح غاضبة:
_ فريال! قولتلك يوم ما حكيتلك عنه إنك متجيبيش سيرته أبدًا حصل ولا لا!
توترت "فريال" من غضبها المباغت، لتجيبها بتردد:
_ قولتي.. معلش مكنتش خابرة إن سيرته هتعصبك كده.
اغمضت "خديجة" عيناها بضيق من انفعالها قبل أن تقول باعتذار:
_ معلش. متزعليش، مقصدتش أتعصب عليكِ، بس مبحبش افتكره، وأحمد ربنا إني مفكراش ملامحه ولا شكله.
ارتفع حاجباها بدهشة وهي تسألها بفضول:
_ مفكراش شكله؟ كيف؟ ده كان أقرب حد ليكِ وقتها!
زفرت أنفاسها باختناق وهي تغمغم:
_ كنت صغيرة يا فريال، ٨ سنين افتكر إيه أنا! آه فضلت فاكرة شكله يمكن سنة بعدها بس مع الوقت وبعد ما عدى أكتر من ٧ سنين مبقتش مجمعة شكله خالص.
سألتها مرة أخرى بفضول أكبر:
_ يعني لو شوفتيه دلوقتي متعرفيهوش!؟
هزت رأسها بضيق وهي تقول لها:
_ انتِ غبية! بقولك مفكراش شكله وهو صغير هعرفه بعد ما كبر! أكيد شكله اتغير كمان.
هزت رأسها بتفهم:
_ أيوه بس بيفضل ملامح من الطفولة، عمومًا انتِ كده أو كده مش فاكرة شكله... المهم هترجعوا إمتى؟ "إمتى"
رفعت منكبيها بجهل وهي تقول:
_مبعرفش يمكن آخر الليل.
وفجأة نظرت خلف "فريال" ليشحب وجهها أكثر وتنتفض من جلستها واقفة وهي ترى "سارة" قادمة من خلفها:
_ بقيتي مجنونة يا خديجة!؟ هيودوكِ لدكتور بيعالج المجانين؟!
ابتلعت ريقها بخوف وهي تجيبها:
_ أنتِ مش حقيقية.
صدحت ضحكة "سارة" عاليًا وهي تقول:
_ لو أنا مش حقيقية بتردي عليَّ ليه؟
ادمعت عيناها بقهر وهي تجيبها:
_ عشان.. عشان مش عارفة أتجاهلك.
هزت "سارة" رأسها إيجابًا وقالت:
_ بالظبط يبقى أنا حقيقية! طول ما بتردي عليَّ يبقى أنا موجودة يا ديجا.. مش كان حبيب القلب بيقولك كده برضو!
رجعت للخلف وجسدها بدأ ينتفض بقوة، وصرخت بها بضعف:
_ أنا بكرهك.. وبكرهه.. بكرهكوا انتوا دمرتوا حياتي.
اختفى المرح من ملامح "سارة" واحتدت ملامحها وهي تقول:
_ أنتِ اللي بتكرهيني! أومال أنا إيه! أنا دمرت حياتك وأنتِ خدتي حياتي كلها مني... أنتِ قتلتيني.. قتلتِ أختك.. متي أختك يا خديجة.. متيها..
رفعت كفيها تضعهما على أذنيها بقوة بعدما هوت جالسة أرضًا وصرخت بقهر:
_ مموتكيش.. مقتلتكيش. هو.. هو مش أنا، ارحميني بقى.. ارحميني.
وفجأة استمعت لصوت آخر يناديها، ويد تحرك جسدها بقوة، فتحت عيناها ورفعت رأسها لترى الجميع أمامها، "فريال" و"محمود" و "مصطفى" هم من يحاولون إخراجها من حالتها تلك، وعمها و"سمية" و "إبراهيم" يقفون أمامها على بعد قليل، واختلفت أنظارهم فعمها يطالعها بشفقة، وعمتها وولد عمها بنظرة ساخرة، حتى هتفت عمتها بنبرة قاسية:
_ لا، حالة بتك ميتسكتش عليها أبدًا.. لازم توديها مصر وتشوف حل لجنانها ده، ولا يكونش شبح سارة هانم هيطاردها!
صرخ بها "منصور" بحدة:
_ سمية! اقفلي حنكك (فمك) واعرفي بتقولي إيه.
ردت بانزعاج:
_ مغلطش ياخوي، مش شايف حالتها تصرخ كيف المجنونة.
نظر لها بنظرة أقلقتها وهو يقول:
_ جولتلك خشمك ده يتجفل أبدًا، سمعتِ!
أشاحت بنظرها بعيدًا والتزمت الصمت مرغمة، فهي تعلم جيدًا شقيقها حين يتحكم بهِ غضبه.
رفع "محمود" خديجة من ذراعيها فدفنت رأسها في صدره وقد أجهشت في البكاء فقال بهدوء وهو يربت على ظهرها برفق:
_ من غير ما تجولي يا أختي، هدلي بيها مصر الليلة لازم دكتور يشوفها، مقدرش أشوفها كده وأسكت.
وبنفس الوقت في مكان آخر بعيد..
كان يقف في وسط ذلك المصنع المهجور، بدت ملامحه غاضبة حد الجحيم، بدا كأسد على وشك الانقضاض على فريسته، وجميع من حوله يرتجفون رعبًا من حالته تلك ومن القادم معه، حرك رأسه يمينًا ويسارًا بحركة رتيبة، قبل أن يتساءل بهدوء تام:
_ مين جاب الأطفال دي هنا؟
وبسرعة أشار أحد الرجال لشخص ما واقف وهو يقول:
_ مسعد.. هو اللي جابهم وقال الباشا الكبير هو اللي أمر.
نظر للمدعو "مسعد" ليراه يبتلع ريقه بصعوبة وقد تعرق وجهه، محاولاً الحديث:
_ ياباشا والله الباشا الكبير اللي أمرني، هو اللي أجبرني أخطفهم وأجبرني أجيبهم هنا، وحذرني أعرف سعادتك حاجة.
رفع حاجبيهِ بتفكير مصطنع، قبل أن يقترب خطوة واحدة أثارت الذعر في نفس الآخر وهو يسأله:
_ قولي يا مسعد كنتوا ناويين تستخدموهم في تجارة الأعضاء صح؟؟
يعلم أن الكذب معه سيأتي بنتيجة عكسية تمامًا، فمرغمًا أومأ برأسه، ليضغط "مراد" على أسنانه بقوة لاعنًا بلفظ بذيء قبل أن يقول:
_ قولت كام مرة أم الشغل الـ **** بتاعكوا ده مدخلوش أطفال فيه! قولت كام مرة لما تحبوا تجمعوا مـ**** ** صفقة تجيبوا الناس بنت الـ**** *** اللي متلقحين في أي داهية تشبهنا، إيه الكباريهات خلصت! ولا شقق الـ** فضيت عشان تلفوا على الناس التانية لا وأطفال كمان يا ولاد الـ******..
هتف الرجل بارتجاف:
_ ياباشا أقسم لك الباشا الكبير اللي أجبرني وأنا خوفت.
ابتسم ابتسامة مرعبة قبل أن يسأله بهدوء مبالغ فيهِ:
_ يعني لو مكنتش جيت بالصدفة عشان ابن الدكتور مكنتش عرفت اللي بيحصل مش كده!
كاد "مسعد" أن يتحدث، لكن رفع "مراد" كفه ناهيًا أي حديث وهو يكمل بتساؤل:
_ قولي لو كنت رفضت كلام الباشا الكبير، كان هيعملك إيه؟
ابتلع الرجل ريقه وهو يجيبه:
_ كان هيقطع عيشي ياباشا ويطردني.
اتسعت ابتسامته ومرر لسانه بداخل فمه قبل أن يخرج سلاحه من خلف ظهره وهو يشهره ناحيته قائلاً:
_ كان أحسن من إنك تخسر حياتك صدقني.
وقبل أن يصدر الواقف أمامه أي ردة فعل، انطلقت رصاصته لتسكن منتصف جبهته كأنها تعرف طريقها.
نظر "مراد" لجثته ببرود وقال:
_ ارموه في أي داهية، على ما أنزل أشوف الواد اللي تحت ده، والعيال دي الصبح يرجعوا لأهاليهم.. وعلى الله تيجوا تقولوا في عيال مش عارفين مين أهلهم.. اتشقلبوا ورجعوهم.
أومأوا جميعًا بفزع فما حدث أمامهم الآن كان درسًا قاسيًا لهم جميعًا..
بعد عدة دقائق..
كان ينظر للأطفال بابتسامة هادئة تمامًا لا تنم عن شخصيته:
_ متقلقوش بكرة هتروحوا كلكم وهترجعوا لأهاليكم.
اقتربت فتاة صغيرة منه تسأله ببراءة:
_ يعني مش هتموتونا؟ عمو اللي كان هنا قال إنكم هتقتلونا.
انحنى لمستواها متلمسًا خصلاتها بحنان، والعجيب أنها لم تخشاه وكأنه مع الأطفال لديه سحر خاص للتعامل:
_ لا ياروحي محدش هيعملكم حاجة خالص.
ناظرته بشك كأنها لا تصدقه، ثم رفعت خنصرها وهي تسأله بطفولة:
_ وعد؟!
ظهر التأثر في عيناه وهو يتذكر مشهد مماثل كهذا مع "خديجة" ابتسم بحنين لتلك الذكرى، قبل أن يرفع خنصره ولفه حول خنصرها قائلاً:
_وعد يا جميل.
_باشا..
استمع لندائه من أعلى ليعرف أنه يريده، فقد منع نزول أحد للاسفل..
ربت على وجنة الصغيرة واستقام واقفًا، قبل أن يستقيم صاعدًا الدرج حتى وصل للواقف بالأعلى والذي قال فورًا:
_ الشرطة عرفت مكاننا وداخلين علينا.
صمت قليلاً يفكر ثم قال بأمر:
_امشي أنتَ يا طارق من الباب اللي ورا وخد رجالتك.
سأله "طارق" باستغراب:
_ وحضرتك ورجالة الباشا؟
اللمعت عيناه بالكراهية وهو يقول بفحيح:
_ سيب رجالة الباشا ياخدوا جزائهم، متعرفهمش حاجة.
ثم لانت نبرته وهو يكمل:
_ أنا هفضل مع الأطفال دول لحد ما الشرطة تاخدهم.
_ بس كده حضرتك هتتمسك! ممكن نخلي حد من رجالتنا أو أفضل أنا.
هز رأسه رافضًا وقال:
_ مش هطمن عليهم مع حد تاني، ممكن بعد اللي هيحصل من شوية حد منهم تطوله رصاصة أو الشرطة تفجر المكان.. ومتقلقش أنا عارف أنا بعمل إيه محدش هيمسكني.
بالكاد انسحب "طارق" ورجالته بناءً على تعليمات رئيسه، ومعه ثياب "مراد" المنمقة التي خلعها مرتديًا ثوب بسيط وجده في مخزن المصنع، وبعدها تحدث مع الأطفال قليلاً وهو يطلب منهم بطريقته المدروسة ألا يذكروا أي شيء عنه، ولأن الأطفال لم يستمعوا لحديثه مع "طارق" فرضخوا لرغبته وقد ظنوه شخصًا جيدًا.
بالخارج....
أشار للرجال باتباعه في صمت حين قاد هو عددًا منهم دالفًا من جهة واحدة، وباقي الفرقة فرقوا أنفسهم على جميع المداخل لينجحوا في تطبيق عنصر المفاجأة وتضييق الخناق عليهم حتى لا يلوذوا بالفرار، قتلوا كل من قابلوهم دون رحمة، فمن لا يرحم لا يُرحم.. ولكنهم احتفظوا بثلاثة ظهر أنهم القادة لمن كانوا بالمكان، فحرصوا على أسرهم كي يصلوا للمزيد من المعلومات عن ذلك التنظيم الذي انعدمت الرحمة من قلوب كل من هم فيه..
توقفوا في منتصف المكان بعدما لم يجدوا أثرًا للطفل بالمكان، فهتف "سيف" "من فرقة الأسود":
_ آدم أنتَ مش قولت إنك اتأكدت إن مكانه هنا؟
زفر "آدم" بضيق شديد وقد كان يأمل أن يجد الطفل هنا:
_ آخر كاميرا في الشارع جابته كان في المنطقة دي.. ومفيش غير المصنع المهجور ده اللي ممكن يكون فيه.. أصلاً أنتَ شايف حاجة حوالينا غيره!
عقب "يحيى" قائلاً:
_ ما نستجوب الـ ٣ اللي في البوكس بره.
أجابه "حازم" ساخرًا:
_ نستجوب إيه؟ دول عاوزين ولا يومين عشان بس يفهموا إحنا بنسأل على إيه! مفيهمش حتة سليمة يا بني.
وفي أثناء حديثهما استمعا لصوت طلقات نارية تأتي من مكان مجهول..