“ترتيب القطع!”
“قبل البدء في اللعبة يجب عليك ترتيب القطع أولاً، فتضع كل قطعة في مربعها المخصص لها.”
توترت الأجواء واحتدت ملامح البعض بعد جملة “إبراهيم” وحديثه الذي خرج منه ليفاجئهم برغبته. أنتهز فرصة موت “منصور” بهذه السرعة؟ لم يمر على دفنه سوى القليل، فقط بضع ساعات، وهذا ما نطقت به فريال بعجز ودموعها تغرق وجنتيها:
_ أنت ما صدجت خالي مات عشان تعمل ما بدالك! كان الموضوع مكانش على هواك من الأول وخالي هو اللي جبرك؟
_ أنا محدش يجدر يجبرني، لكن أبوي كان رايد الموضوع ومحبش يمنعك عن علامك فمحبتش أزعله، لكن إن كان عليّ شايفه كلام فارغ ملوش عازة.
قالها إبراهيم ببرود ونبرة مستهزئة زينت آخر حديثه.
نهض “باهر” معربًا عن رفضه:
_ إبراهيم! إيه الكلام اللي بتجوله ده، أنتَ واعي لحديتك! كيف يعني بعد سنتين في الجامعة رايدها تهمل دراستها؟
_ كل الحديت ده مفارجش معاي، أنا جولت اللي عندي.
استفز حديثه “خديجة” فقبضت حاجبيها بغضب وهي تهتف:
_ هو إيه يعني فرض سيطرة وخلاص! بعدين حرام تسيب دراستها بعد ما قضت فيها سنتين، ولو التعليم مش فارق معاك فهو فارق معاها هي ومن حقها ت…
قاطعها “إبراهيم” بحنق وهو ينظر لها نظرات كادت تحرقها:
_ لما الرجالة تتحدت الحريم ميدخلوش واصل، ولا أنتِ متعلمتيش الأصول؟ هتجوليلي حج ومحجش، أنا اللي أجول تكمل ولا له، أنا جوزها يعني متخطتيش خطوة من غير إذني.
_ إيه أصله ده هو استعباد يا جدع أنتَ، ولا أنتَ متعلمتش غير إنك تدوس على الست وتقلل منها؟
كان قد انتابتها موجة غضب مبررة هي الأخرى، السبب الأول لخوفها على مصير فريال، والسبب الثاني حديثه المستفز، والسبب الثالث نظراته التي كانت تحدقها باشمئزاز وكأنها.. وكأنها قطعة قماش بالية!
اقترب خطوتين وقد تشنج جسده بغضب لصوتها المرتفع وحديثها الذي أشعل غضبه، وهتف بهياج:
_ اجفلي خشمك يا حرمة، وشوفي أنتِ هتتحدتي مع مين!
ورغم شجاعتها التي كانت منذ قليل، إلا أنها تبخرت أمام غضبه فارتدت خطوة للوراء برهبة تلقائية، ورفرفت بأهدابها بقلق، لكن هدأت حين وجدت “مراد” قد وقف أمامها وهو يقول ل”إبراهيم” بجمود وصوت ينذر بالشر:
_ شوف أنتَ بتتكلم مع مين ومتنساش إن جوزها واقف.
_ وهيعمل إيه جوزها عاد؟
_ إبراهيم! بكفايك اللي بتعمله ده، مالك طايح في الكل أكده ليه!
رفع “مراد” كفه بهدوء موقفًا “باهر” عن الحديث وهو يردف:
_ استنى أنتَ ياباهر، أما أعلم الأخ إزاي يتكلم مع مراتي في حضوري.
برقت عين “إبراهيم” وهو يهتف بازدراء:
_ وه! منجاصش غيرك يعلمني كيف أتحدت، وويا مين؟ دي؟ متنساش إنها بنت عمي ولو عاوز أجطم رجبتها هعملها ومحدش يجدر…
_ تقطم رقبة مين يالا! أنتَ شارب حاجة على المسا؟ ده أنا كنت أكسر إيدك قبل ما تفكر تعملها.
قاطعه “مراد” بعنفوان كبير، وقد علا صوته لأقصى حد حتى زلزل أرجاء البيت، وانتفض جميع الواقفين بما فيهم “إبراهيم” الذي لم ينكر أنه قد خشي جموح الذي أمامه، فقد كانت عيناه كبركة من الدماء من شدة الغضب، وقوة بنيانه مع اشتداد جسده أعطى له مظهر خطير، فرفع رأسه بشجاعة زائفة ولكن التزامه الصمت أكد على توتره.
لم يعجب الوضع “سُرية” التي نهضت بضيق وهي تشيح بيدها:
_ الزم حدودك يا جدع أنتَ، أنتَ بتعلي صوتك علينا في بيتنا؟
_ بس يا ولية أنتِ…
أردف بها “مراد” بعنف وهو يزجرها بنظراته، فشهقت بتفاجئ وهي لا تصدق وقاحته، في حين كتمت كلا الفتاتين شهقاتهما، واتسعت أعينهما بصدمة، فلم يجرؤ أحد على الحديث مع “سُرية” هكذا من قبل، بينما لم يهتم “باهر” بالحديث الدائر وقد يأس تهدئة الطرفين فجلس مكانه يتابع بصمت كما فعل “مصطفى”.
و”إبراهيم” ازداد غضبه من تطاوله على عمته لكنه لم يعقب وهو يسمعه يكمل:
_ أنتوا شكلكوا عيلة متعرفش الأصول ولا الأدب، واحدة مش فارق معاها موت أخوها وعمالة تلقح بكلام زي السم على بنت أخوها، والتاني واقف يتمطع أوي ويتخانق ويعلي صوته، احترموا حتى الراجل اللي لسه قبره مبردش.
_ ويحترموه كيف؟ هم دولا يعرفوا احترام من أساسه، ولا بيحزنوا على ميت؟
التف الجميع على الصوت الذي ظهر فجأة ليصدح في المكان، فرأوا امرأة ربما في أواخر عقدها الرابع، تقف على باب إحدى الغرف بوهن رغم قوة صوتها، بجلباب أسود وعصبة رأس من نفس اللون، ودموعها تركت أثرًا واضحًا على وجنتيها.
_ ماما رباح!
ردها “باهر” وقد نهض متجهًا لها ليمسك كفها طابعًا قبلة فوقه بحنو، فقبلته هي قمة رأسه تباعًا، وأسندها حتى وصلت لمحل وقوف الجميع ورددت بصوت ضعيف:
_ كيفك يا خديجة أنتِ وفريال؟ وه، كبرت يا مصطفى وبقيت راجل زين.
أنهت جملتها بحنو وهي تفتح ذراعيها ل”مصطفى” الذي نهض متجهًا لها بتردد، لكنها استشعرت حنان هذه المرأة، فوقف أمامها بهدوء حتى جذبته لاحضانها تقبله بترحيب، وما إن ابتعد حتى نظرت للجميع وبالأخير لإبراهيم تردد:
_ خليت الغريب يعيب عليك في بيتك، ويتهمك بجلة الأصل، ومعاه حق، واجف تناطح الكل ومحدش هامك، ولا هامك موت بوك اللي مفاتش عليه كام ساعة؟
_ أمااه، اخرجي أنتِ من الحكاية دي، ملكيش صالح.
رددها بقلة ذوق بالغة، وهو يشيح بوجهه عنها، ليبتسم “مراد” ساخرًا فإن كان لا يحترم والدته سيحترم أحد!
_ نسيت تجول إنه جليل الرباية كمان.
رددتها “رباح” وهي تنظر ل”مراد” الذي عقب بوقاحة:
_ لا مانا جولت في سري.
نكزته “خديجة” في ذراعه واقتربت خطوتين حتى أصبحت جواره فهمست له:
_ لِم نفسك ومتسوقش فيها بقى.
وهل تعنفه الآن! لقد فقد الكثير من شموخه وكبريائه في السويعات القليلة التي قضاها معها! لِمَ لا تراعي مركزه وهيبته؟ اشاح بوجهه نازقًا والتزم الصمت كالعادة أمامها.
_ معاوزش فريال تكمل تعليم ليه يا إبراهيم؟
_ ملوش عازة.
_ مين جال؟
_ إني جولت، مسيرها هتتجوز، ومهتحتاجش العلام.
_ وليه؟ ليه متفتحش لها عيادة هنا تساعد الناس وتشفيهم.
_ فاضي إني اياك؟ بعدين هتكسبني إيه العيادة؟
رددها بسخرية واضحة، فعقبت “رباح” بدهشة:
_ هتكسبك إيه؟ هتكسبك ثواب إنك فاتح مكان يعالج الناس وأنت شايف بلدنا عاملة إزاي ومحتاجة حاجات كتير.
_ لا أنا أروح أصليلي ركعتين ولا أصوملي يومين وأخد بيهم ثواب أحسن ما أضيع فلوسي على الأرض.
هزت “رباح” رأسها بيأس، وأيقنت من فشل المجادلة معه، فقالت بأمر:
_ فريال هتكمل علامها يا إبراهيم وده آخر كلام عندي.
_ وأنا جولت مهتكملش، وده بردك آخر كلام عندي.
رددها بوقاحة كأنه يخبر “رباح” من خلال كلماته بأن حديثها لا يعنيه، ولن يشكل فارق، معه وللحقيقة أن “رباح” طوال حياتها معه لم تكسب معركة واحدة، في كل مرة تناطحه في شيء لا يستمع لها، ولأنه لم يعتاد على الرضوخ لرغبتها كما يفعل مع والده، لذا أدركت أنها هذه المرة أيضًا لن تستطيع الانتصار.
فصمتت، وابتسم “إبراهيم” بانتصار، وملَ “مراد” من الوضع، وانهارت “فريال” باكية وهي تدرك أن مستقبلها قد انتهى، تابعتها “خديجة” بشفقة، وأدمعت عيناها تأثرًا بها، وهمست ل”باهر”:
_ باهر اتصرف!
نظر لها “باهر” بقلة حيلة، وهز رأسه مردفًا:
_ مقدرش أعمل حاجة، ده جوزها، وإبراهيم مبيكبرش لحد.
_ نورتوا يابهوات، يدوب تلحقوا طريجكوا.
هتف بها “إبراهيم” بنزق وهو يطردهم بالمعنى الواضح، ليتحرك “باهر” على الفور غير قادر على رؤية “فريال” بهذا الانهيار ولا يستطيع التصرف، وانسحب خلفه “مصطفى”، واتجهت “خديجة” ل”فريال” تحتضنها بتوديع، وانهار الاثنان في البكاء، والذي طال لدقائق حتى ابتعدت “خديجة” وهي تردف:
_ أنا.. أنا آسفة، مش في إيدي حاجة أعملهالك.
أومأت “فريال” برأسها تفهمًا، ولم تتحدث، فقط استمرت في البكاء.
فانسحبت “خديجة” من أمامها سريعًا للخارج، وخلفها “مراد” الذي ألقاهم بنظرة أخيرة مشمئزة.
********
الثانية عشر ليلاً.. في إحدى الفلل الموجودة بالقاهرة والتي تخص “دياب الحلاوني”
كان قد عاد للتو من عمله، صعد درجات السلم وهو يفك أزرار قميصه بإرهاق، وحين مر بغرفتها هي وصغيره سمع صوته يعلو بالبكاء دون توقف، قطب حاجبيه مستغربًا فلم يسمعه يبكي باستمرار هكذا من قبل، هل هي ليست بالداخل؟! وقف لثواني قليلة لعله يسمع صوتها أو ينقطع بكاء الصغير لكن لم يحدث شيء، ففتح الباب ودلف للداخل يبحث في الغرفة بعينيه عنها ولم يجدها، اتجه لفراش الصغير يلتقطه بحنو يهدهده ويمسد على خصلات شعره بحنو، وهو يهمس له:
_ بس يا عُمر، بس يا حبيبي اهدى خلاص.
بدى “دياب” مختلفًا تمامًا عن المعروف أمام الجميع، بدا حنونًا على غير العادة، مختلفًا مع طفله!
ولأن الصغير كان قد فاق من نومه ولم يكمل نومته بعد فسرعان ما عاد للنوم مرة أخرى، قبل رأسه بحنان بالغ وهو يستنشق رائحته الطفولية.
دلفت من باب الغرفة وبيدها كوب عصير، ليتهجم وجهها وهي تهتف بضيق:
_ أنتَ إيه اللي دخلك أوضتي؟
نظر لها بجانب عينيه باستنكار:
_ ابنك كان بيعيط، كنت أسيبه يتفلق من العياط؟
وضعت كوب العصير على طاولة قريبة، واقتربت منه بعصبية جاذبة “عُمر” من بين أحضانه وهي تردف:
_ ابعد عن ابني، وقولتلك متدخلش الأوضة دي أبدًا.
_ على فكرة دي أوضة ابني، يعني يحق لي أدخل مادام فيها، وبعدين هو عشان مشيت على هواكِ ومدخلتش هنا قبل كده هتسوقي فيها؟
_ مش الأوضة بس اللي متدخلهاش، ابني متحاولش تقرب منه أصلاً سامع؟ أنا عمري ما هسمح لابني يطلع زيك.
ابتسم ثغره ابتسامة واثقة وهو يعقب:
_ ابني مش هيطلع شبهي بس يارنا، ابني هيكون امتداد ليّ وهتشوفي..
غامت عيناها بنظرة حارقة وهي تهتف بعصبية بعد أن وضعت الطفل في الفراش:
_ ده بعينك، أنا مهربتش زمان بيه عشان في الآخر يطلع شبهك، ولو حكمت ههرب بيه تاني.
وعيناه اختلفت نظراتها وهو يجذبها من ذراعها بقوة غاشمة حتى كتمت تأوهها بصعوبة، وهو يهمس لها بفحيح مخيف:
_ بتفكريني بعملتك السودة، بلاش يارنا عشان أنتِ اللي هتندمي، خليني ساكت ومتغاضي، وحياة ابني ده لولاه لكنت وريتك جحيم ربنا على الأرض، لولاه كان زمانك بتشربي المر في كاسات، بس هو اللي خلاني اتنازل عن عقابي.
لا تنكر خوفها منه ومن نبرته واقترابه الخطر هذا، ولكنها توهمت الشجاعة وهي تردف:
_ ماتسأل نفسك ليه، مين السبب في اللي عملته؟ أنا هربت بيه عشان أحميه من طريق الشر اللي أبوه ماشي فيه، عشان ميطلعش متمرمغ في الوحل زيك، متلومنيش قبل ما تلوم نفسك، ولو بايدي كنت هربت منك تاني ومفضلتش معاك لحظة واحدة، بس برضو خوفي عليه اللي مانعني.
ترك ذراعها بعنف وهو يردف بتهكم:
_ اللي يسمعك دلوقتي ميشوفكيش زمان وأنتِ مبتتحمليش ابعد عنك!
مرت سحابة حزينة متحسرة بعيناها وهي تقول:
_ وقتها مكنتش أعرف غير دياب صاحب الشركة اللي لسه في بدايتها وبيبني نفسه، مكنتش أعرف دياب الحلاوني تاجر السلاح واللي شغال مع المافيا، لكن بعد ما عرفت حقيقتك كرهت اليوم اللي حبيتك فيه واتجوزتك، ويارتني هربت قبل ما اكتشف حملي وأعرفك بيه، ياترى وقتها كنت هتدور عليّ برضو؟
فرد ظهره بشموخ وهو يجيبها:
_ آه، عشان مش دياب الحلاوني اللي مراته تهرب منه ويسيبها، مش أنا اللي أسيبك تتهني بحياتك وأنتِ هربانة مني ولسه على ذمتي، وعشان للأسف مقدرتش أدخل واحدة غيرك حياتي، وأنا راجل معرفش أعيش مترهبن.
التوى فمها ساخرًا وهي تردف:
_ مترهبن! لا مانتَ هتعيش مترهبن في وجودي برضو…
غمز لها بعبث وهو يردف بوقاحة:
_ مهو مش كل الاحتياج زي اللي جه في بالك، أنا احتياجي ده أي ست تقدر تسده، لكن أنا بتكلم عن احتياجي لوجود ست في حياتي وفي بيتي، وقلبي يتقبل وجودها، وده محدش عرف يعمله غيرك.
ارتخت ملامحها تمامًا ونظرت له بهدوء تسأله بنبرة مختنقة:
_ هو أنتَ حبتني بجد؟
أجابها بهدوء وثقة:
_ تفتكري لو محبتكيش اتجوزتك ليه؟ زي ما أنتِ شايفة لو شاورت لأي واحدة هتكون تحت رجلي، ووقت ما اتجوزتك أنتِ برضو سألتيني نفس السؤال ده، وقولتيلي إيه يخلي واحد زيك يتجوز واحدة حالها على قده زيي، ووقتها قولتلك عشان أنتِ الوحيدة اللي دخلتي قلبي وشغلتي عقلي، ولا كلامي ولا شعوري اتغيروا يارنا، تصبحي على خير.
أنهى حديثه وذهب من أمامها ولكن توقف على باب الغرفة وهو يقول:
_ بلاش تبعدي عُمر عني، متنسيش إنه ابني وليّ حقي فيه، وأنتِ معاكِ لآخر الأسبوع ياتتعاملي معايا كزوجة، ياما براحتك.. بس وقتها عُمر هيكون معايا وأنتِ هتكوني بره حياتنا وبره القصر كله، أعتقد سنتين مهلة كبيرة أوي أنا اديتهالك، وكده جبت أخري.
وها قد بدأ “دياب” بوضع قطعة الشطرنج الخاصة بهِ في مربعها المحدد له.
أغلق الباب خلفه لتغمض عيناها بقوة مانعة نوبة بكاء كادت تزورها، وهمست باختناق:
_ أنتَ اللي وصلتنا للوضع ده، أنتَ اللي قلبت حياتي جحيم.
وجملة قالها لها منذُ أربع سنوات ونصف تردد في أذنيها الآن حين عرفت حقيقته وواجهته طالبة منه الابتعاد عن ذلك الطريق وترك ذلك العمل:
“بتحلمي يارنا، أنا لو فكرت أبعد عنهم هيصفوني، وأنا معنديش استعداد أخسر كل حاجة وأخسر حياتي بسبب أفكارك العقيمة.”
أفكارها العقيمة! التي كانت رافضة لأعماله المشبوهة، التي كانت رافضة لبركة الشر التي انغمس فيه، التي رفضت فيها أمواله غير المشروعة، والتي رفضت أن تكون هذه الحياة بيئة يعيش فيها طفلها فيما بعد… أفكار عقيمة بالفعل!
********
طوال الطريق الصمت كان هو السائد في سيارة “مراد” والتي بعث يحضرها قبل سفرهم، سيارته التي لم يظهرها من قبل كي لا تُكشف حقيقته، ولم يفت الأمر على “باهر” الذي سأله باستغراب:
_ هي عربية مين دي؟
أجابه بهدوء تام:
_ هبقى أفهمك بعدين.
نظر للمرآة الوسطى ليرى “خديجة” تنظر له بضيق واضح، فابتسم بجانب فمه وهو يراها تلتزم الصمت قسرًا.
وصلا للقاهرة بعد فترة، وتحديدًا أمام بيت خديجة، أوقف “مراد” السيارة وهو يقول:
_ باهر عاوزك في موضوع.
انتبه له “باهر” من بين شروده وسأله:
_ بتقول حاجة؟
نظر له بحرج مصطنع:
_ عارف إنه مش وقته بس.. يعني كنت عاوز أقولك إن أنا وخديجة قررنا منعملش فرح عشان وفاة والدك، أنتَ عارف إن فرحنا كان المفروض بعد أسبوع، بس طبعًا عشان نعمل فرح مش أقل من شهرين عشان الظروف دي، فقولنا بلاش فرح خالص وأخدها على بيتها على طول ونبقى نعوضه بسفر في أي مكان كام يوم.
نظر له “باهر” بصمت وهو يستمع له، وما إن أنهى “مراد” حديثه حتى قال:
_ والله دي حاجة تخصكوا زي ما تحبوا اعملوا.
نظر “مراد” بجانب عينيه ل”خديجة” الجالسة بالخلف والذي نزل عليها الحديث كالصاعقة، لكنها لم تنطق، خاصة حين أكمل حديثه يقول بنبرة ذات معنى:
_ وكمان مصطفى هاخده يعيش معانا..
والمعنى لم يكن في عيش مصطفى معهم فقط!
ويبدو أن “مراد” أخذ أولى خطواته في ترتيب قطعة الشطرنج خاصته!