تحميل رواية «بائعة السعادة» PDF
بقلم ميفو سلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت البداية مع بطلتنا الجميلة ذات الابتسامة الخلابة بغمازاتها الرائعة وطلتها الفاتنة وشعرها لون غروب الشمس الرائع.. على صوت جدتها وهي تناديها. "يا حياة انتِ يا حياة.. قومي يا بنتي هتتأخري على شغلك.." قامت حياة واتجهت إلى جدتها وقبلتها وقالت. "أحلى صباح على أحلى فراولة.." فضحكت الجدة فهي كل حياتها وقالت. "انتِ يا بنت مش هتبطلي بقى بالبكش اللي انتِ بتعمليه ده..." قالت لها. "إيه يا تيته يعني ينفع مصبحتش عالمظة بتاعتي" واقتربت تدغدغها جدتها تضحك فكانت حياة فعلاً اسم على مسمى تشع الحياة على من حولها...
رواية بائعة السعادة الفصل الأول 1 - بقلم ميفو سلطان
كانت البداية مع بطلتنا الجميلة ذات الابتسامة الخلابة بغمازاتها الرائعة وطلتها الفاتنة وشعرها لون غروب الشمس الرائع..
على صوت جدتها وهي تناديها.
"يا حياة انتِ يا حياة.. قومي يا بنتي هتتأخري على شغلك.."
قامت حياة واتجهت إلى جدتها وقبلتها وقالت.
"أحلى صباح على أحلى فراولة.."
فضحكت الجدة فهي كل حياتها وقالت.
"انتِ يا بنت مش هتبطلي بقى بالبكش اللي انتِ بتعمليه ده..."
قالت لها.
"إيه يا تيته يعني ينفع مصبحتش عالمظة بتاعتي"
واقتربت تدغدغها جدتها تضحك فكانت حياة فعلاً اسم على مسمى تشع الحياة على من حولها.
فضحكت الجدة وقالت.
"طب يلا يا أختي عشان تلحقي تفتحي المحل"
قامت حياة ودخلت تاخذ شاور وخرجت لتصلي فرض ربها لتبدأ يومها بطاعة لله من أوله.
كانت حياة بنوتة جميلة تحب وتعشق عمل الفطائر فكان هذا ما تقوم به وتسهر طول الليل وتعمل جميع أنواع الفطائر والمخبوزات الخاصة بحياة.
فلم تكن كأي بائعة فطائر.
كانت حياة من حبها لعملها كانت تصنع فطائر من ياكلها فوراً يأتيه شعوراً ويحس لأول مرة أنه ياكل فطائر ومخبوزات فريدة من نوعها.
كانت تخترع كوكيز بحب شديد وكانت مشهورة في المنطقة بجمال وروعة مخبوزاتها.
كانت عندها عربة صغيرة جداً تضع بها مخبوزاتها فتستعد لتنقل ما فعلته طوال الليل تضعه في العربة وقبلت جدتها ودعت لها جدتها وذهبت إلى محلها.
كان المحل صغير جداً كانت كله أرفف تضع فيه وترص مخبوزاتها وكان هناك قسم خاص للبسكويتات الرائعة بجميع الأطعمة والروائح وكانت تشتهر بكوكيز الليمون الساحر.
وما أن تفتح المحل حتى يأتي إليها زبائنها فهي فتاة تتمتع بخلق عالي ورقي لا تتمتع به فتيات كثيرات في مجتمعنا.
ليفضي المحل عن آخره من جمال وروعة حاجاتها التي أصبحت إدمان لبعض الزبائن وكان هناك بجوارها محل لأحد الفتيات كانت تغل منها لأنها محبوبة وبضاعتها جارية رغم أنها تبيع أشياء أخرى.
ولكن هناك بعض البشر يكرهون الخير لا يكن ولا يعلمون أن الرزق مكتوب في السماء لأهل الأرض.
كانت قد أنهت سريعاً لتسعد بشدة وتقفل.
لتقابلها تلك النجوان متحسرة وهي تخبط على صدرها.
"إيه خلصتِ.. فرحتلك يا حبيبتي"
فابتسمت لها حياة فاستوقفتها نجوان وظلت تستفسر عن زبائنها ومبيعاتها وتمنت لها حياة الخير وذهبت مسرعة.
لتخرج إلى مكانها المفضل الا وهو شاطئ الصخور.
كانت تضع في كل علبة من كل نوع وتذهب تقفل المحل وتذهب إلى البحر وتقعد على الصخور وكانت معروفة في هذا المكان فكانت تعشقه كانت تحب هواء ونسيم البحر وهو يداعب شعرها.
وكان من طبعها أنها إذا رأت أحداً يجلس حزيناً تذهب إليه حتى ولو لم تعرفه وتعطيه من مخبوزاتها وتداعبه قليلاً وتبتسم عندما تراه يبتسم وتنصرف.
وكان هذا هو كل سعادتها فقلبها كقطعة الذهب يحب الخير لكل الناس ولا تحتمل حزن الآخرين.
كان كل من في المنطقة يلقي عليها السلام ويعرفونها جيداً ويرونها وهي تتنقل هنا هناك ولا يسمحون لأحد أن يضايقها ظناً منهم أنها فتاة مستهترة فكان الكل إذا تطاول أحد يكشرون عن أنيابهم لهم.
فهي كقطعة من البسكويت الرقيق لا يجب أن يجرحها أحد كانوا يلقبونها ببائعة السعادة فهي لا تترك أحداً حزيناً على هذا الجزء من الشاطئ إلا ولابد أن تراه سعيداً.
وهنا انتهى يومها وذهبت إلى بيتها لتبدأ مرة أخرى عمل فطائر السعادة لتسمي عليها باسم الله حتى يرضيها ربها في عملها.
في مكان آخر بعيد تماماً في أحد الأحياء الراقية الكبرى في إسكندرية كان هناك فيلا كبيرة بها عائلة وهي عائلة الحديدي كانت فيلا على التراث القديم وبداخل هذه الفيلا قلوب متآلفة وقلوب يملؤها الغل والحقد فالمكان يسع الكثيرين ولكن الغل يجعل القلوب لا تسع من يجاورها.
ففي حجرة الطعام نجد شخصاً ذو شعر أبيض يصرخ في امرأة جميلة أم رائعة وهو يصرخ فيها بغل قائلاً.
"انتِ لازم تشوفي لكِ حل في ابنك هو مش هيفضل يقهر فينا كثير هو ما بيسمعش إلا كلامك انتِ السبب في أنه يكرهني.. أنا عاصم الحديدي كل يوم والثاني إهانات في إهانات وانتِ السبب كان يوم أسود يوم ما اتجوزتك أنا مش عارف هو بيعمل كده ليه"
وزل يصرخ ويصرخ متجبراً على تلك المرأة الضعيفة كحال بعض الرجال ممن فقدوا النخوة.
وكان في ذلك الوقت يدخل من باب الفيلا في ذلك الوقت شخصاً صارماً ملامحه جامدة ذو هيبة إنه سليم الحديدي.
الابن الذي يصرخ بسببه هذا الرجل في زوجته من أجله.
ذلك الابن الذي يكره أبوه بشدة إنه سليم الحديدي.
جاء دخول سليم في نفس ذات الوقت الذي يصرخ والده في والدته.
اتجه مسرعاً إليه ليمسكه بقوة من يده التي تمسك يد والدته ثم دفعه بعيداً وقال له صارخاً وحلف يمين.
"بالله لو إيدك اتمدت عليها ثاني لكون مقطعهالك مش فريدة هانم أم سليم الحديدي اللي تتهان ده كان زمان يا عاصم بيه أيام ما كنت بتيجي تترنح يمين وشمال تنزل فيها ضرب وإهانة.."
فصرخ فيه عاصم.
"انتَ إيه إيه الجبروت ده جايبه منين"
فضحك سليم بصوت عالٍ وقال.
"ما تسأل نفسك وانتَ كنت جايب الجبروت ده منين..."
فصرخ له.
"آخر مرة يبقى لك علاقة بها وأنا باقول لك أهو بحذرك لو حصل ثاني هتترحم على نفسك وعلى مكانتك في الشركة أنا سايبك بمزاجي تلعب انتَ وأخوك وتاخدو وتنهبوا براحتكم وسايبكم بإمارة سمسارة شركة عثمان الرشيدي"
فتح عاصم فمه مصعوقاً.
فضحك مكملاً.
"العبوا براحتكم بس دي ملاليم تحت جزمتي مش محتاج أن أبص عليها.."
هنا صرخ عاصم وقال.
"ربنا ينتقم منك يا بويا على اللي عملته فيا ومكنتِ سليم من رقبينا وكل حاجة. ازاي تكتب له رئاسة الشركة وكل حاجة بتدينا شوية فلوس وجزء من الشركات.. ليه ليه.. احنا الأحق أنا وأخويا أننا ناخد كل حاجة وندير كل حاجة مش حته عيل هو اللي يدير ويتمريس علينا..."
هنا اقترب منه سليم وقال بسخرية شديدة.
"ما هو لو انتَ كنت راجل عدل كان ساب لك حاجة انما واحد سكري وبتاع نسوان عايز منه إيه.. عايز يديه الشركات عشان يخربها. انتَ أخذت حقك فلوس وصرفتها عالنسوان والشرب والمسخرة وأنا أخذت حقي شركات وكبرتها سنين.. بشقي وبموت نفسي لما بقى سليم الحديدي يتعمله الف حساب.. انسى وحاول تهدى من نفسك لأن عمرك ما هتنول حاجة.. حتى لو جرى لي حاجة الشركات دي كلها هتروح لصاحب نصيبها وعمرك ما هتعرف هو مين.. خليك بحرقتك اللي أنا أتمنى دائماً تفضل تاكل فيك لحد ما تموتك."
ثم استدار إلى أمه وقال.
"ليه يا أمي قاعدة هنا مش أنا قلت لك اقعدي في الجناح بتاعك والجزء الخاص بالجنينة ما تنزليش عندهم أبداً."
بكت وقالت.
"انتَ تأخرت وكنت جاية أطمئن عليك."
فنادى إلى الخادمة وأمرها تاخذ أمه فريد هانم إلى جناحها ثم استدار إلى أبيه وعمه.
"وانتم الاثنين خليكم كده قاعدين تاكلوا في بعض."
ثم خص عمه ببعض الكلمات وقال له.
"خليك ماشي وراه لحد ما تضيع.. انعدام شخصيتك يا عمي بيساعده في شره ياريت تبعد عنه وتتقي شره."
أخفض عمه وجهه في خزي فكان هو ضعيف الشخصية لا يستطيع أن يقف أمام عاصم.
فعاصم كان شخص عنيف شديد متسلط لا يستطيع أحد أن يتحمله وهنا تركهم سليم.
فنظر عاصم بغل واستدار لأخيه وصرخ فيه.
"إيه مخروس ليه ما بتنطقش.."
فنظر له فاضل بتذمر وقال.
"إيه يا عاصم وأنا مالي ما فيش قدامك إلا أنا تتشطر عليه.."
فهتف عاصم بغل.
"طب يا بن الحديدي... يا نا يا انتَ."
عندما تركهم سليم واتجه إلى والدته وفي الطريق قابل ابن عمته حازم فقال له.
"انتَ ليه ما جيتش الشركة اليوم.."
رد عليه حازم وهو صديقه الوحيد وأخيه الذي يثق به في هذه العائلة قائلاً.
"أنا آسف يا حبيب أخوك تعبت شوية وما قدرتش كان عندي شوية برد معلش حقك عليا"
اقترب منه وضغط على كتفه واكمل حازم.
"انتَ وشك ماله أحمر كده برده خناقة كل يوم.. يا ابني حرام عليك نفسك اللي انتَ بتعملها فيها ده ما تسيبهم أو خرجهم من هنا أو اخرج انتَ وخذ ماما فريدة ليه العذاب ده.."
فنظر إليه سليم والحقد ياكل في قلبه.
"وأسيبه... ده أنا لو طولت أطلع قلبه في إيدي كنت طلعته."
قال له.
"يا ابني حرام عليك نفسك إيه حرقة الدم بتاعه كل يوم دي ما تفوق كده وتسيبوا هو ما لوش لازمة أصلاً يدوبك شوية ملاليم فضلالهم في الشركة ومالوش حاجة وبعض الأسهم في الفيلا وبرده ما لوش حاجة انتَ تقدر تخرجوا بسهولة تقدر ترميه بره بسهولة ولو خرج الدنيا تهدأ وترتاح.. وعمي فاضل هيتهد وهيسكت هو كمان ما هو دلدول لعمي عاصم."
فرد سليم قائلاً.
"هيحصل هيحصل يا حبيبي بس لما أخليه يركع تحت رجل أمي ويبوس رجلها نادمان على اللي عمله فيها وعلى ضربها طول السنين وإهانتها وجوازه كل شوية يا راجل ده كان كل يومين بيتجوز واحدة ويصرف عليها فلوسه ويجيبها ويقهر أمي كان جبروت وجدي ما كانش قادر عليه. لازم أمسحه وأخليه على البلاطة عايش في الدنيا مذلول... تقلي أمشي.. دا كل همه الفلوس بس جدي كان عارف أنه لو كان كتب له الشركات كانت خربت فاضطر أن يعطيه ورثة فلوس بدل الشركات وأنا أخذت الشركات زي ما انتَ شايف أنا تعبت.. وتعبي مش واحد زي ده اللي يجي وياخذ منه حاجة كفاية عليا كل يوم هو بيجي يترجاني أصرف الجزء من الفوائد بتاعته.. يلا يا حبيبي ألف سلامة عليك أنا رايح أشوف أمي الغلبانه والله ما مصبرني على الدنيا والهم اللي أنا فيه إلا هي. إلا أنا حاسس أني عايش وسط غابة فيها غيلان.. كل واحد بينهش الثاني فيها.. إن كان أبويا من ناحية ولا عمي من ناحية ولا الثانية دي راخرة اللي بتلف عليا وعايزة تتجوزني.. اللي متخيلين أن أنا ممكن أتجوز واحدة زي دي بتلف على شباب البلد كلها.."
رد حازم.
"أه بنت خالي دي عدت المسخرة وخالي مرفع الأرايل عالآخر..."
رد سليم مكملاً.
"سوزي هانم بنت فاضل بيه. والله أنا حاسس أن أنا عايش في وسط مسخرة وابوها دلدول كبير وأريل ومش حاسس اللي بنته بتعمله والمسخرة في وسط الديسكو هات وقله الأدب. وفاكرين أن ده تمدن وحرية وانفتاح وهي في الواقع زبالة ونظرة الرجالة الي زي دي أزبل من الزبالة.. لا وتيجي عندي وتعمل شريفة.. الحمدلله أني باجي قليل الوقت اللي هي تكونش موجودة فيه بس أمها مش سايباني.. متفقة مع عاصم بيه والغل هارِهم.. دول مش بني آدمين أصلاً. كل ما أشوف أمي وهم بيتفقوا عليها أبقى عايز أشقهم نصفين."
وربت على كتفه وتركه.
وفي أثناء ذلك قابلته تلك السوزي وهي نازلة تلبس أشياء تظهر أكثر مما تخبئ واقتربت منه.
"انتَ جيت يا سليم!!"
وحشتني بقالي كم يوم ما شفتكش. (ماتوعي تشوفيه يا بعيده)
رد عليها بسخرية وقال لها: "اما تبقى تفضي من النوادي والديسكوهات والمسخره تبقى تشوفيني ساعتها."
ليتركها ورحل وظللت تأكل في نفسها وتدب في الأرض.
فجاءت أمها ملك هانم لتصرخ: "سوزي.. شفتي بيعاملني ازاي هو أنا بشحت منه ده إيه القرف ده.. ده واحد مقفل ومقرف أنا زهقت منه إيه القرف ده دي مش عيشة."
زغردتها ملك هانم وقالت لها: "احترمي نفسك شوية ده اللي معيشنا في عزة وفلوسه متلتلة ولازم تتجوزيه لازم يكون لك يا سوزي بدل ما يروح يجيب لنا واحدة وتبقى ست علينا.. دا أنا بدحلب لأمه وشيلاها على راسي وأنتِ تعملي كده وبطلي شوية خروج ولبسك ده.."
فردت عليها: "يا ماما ده عقله قفل وكل شوية يقولي لبسك ومسخرة وديسكو أمال عايزني أعمل إيه أقعد له على سجادة الصلاة وأغسله رجله بمية وملح دا متحنط من أيام السينما الصامتة.."
فقالت لها: "يا بنتي أنتِ ما تعرفيش تتعلمي أبدا حاولي تكسبيه لك.."
فقاطعتها سوزي: "أكسب مين وده حد يعرف يكسبه أنسي يا ماما سليم عمره ما هيتجوزني.."
وتركتها ومشت إلى أصحابها وظلت ملك هانم تأكل في نفسها لأنها تريد أن تحصل على ثروة سليم كلها.
هنالك ذهب سليم إلى أمه واتجه إليها ليجدها تصلي.. ثم أنهت واتجه إليها وقبل يديها قائلاً: "يا أمي أنتِ ليه بتحبي تتعبي قلبي أنا عاملك جزء خاص لك وجناح خاص لك بعيد عنهم وجايب لك مربية والست سعدية طيبة ومعاكي مابتفارقكيش وخدم خاص ليكي ليه تروحي عنده.. أنا ممكن أموت في يوم حرام عليكِ يا أمي حرقة الدم اللي أنا فيها دي."
بكت فريدة وقالت: "حقك عليّا حقك عليّا يا ابني خلاص هابقى في حالي.. أنا بس كنت قلقانة عليك وأنتِ اتأخرت مش عارفة أعمل إيه أنت بقى لك يومين ما جيتش وكنت فاكرة إن حازم تحت قلت أسألوا عليك.."
قال لها: "معلش يا أمي أنا آسف كنت مسافر في شغل حقك عليّا ما تزعليش."
وقبل يديها وجلس معها لبعض الوقت وتركها وذهب إلى حجرته.
كانت حجرته كبيرة تتسم باللون الأسود ليدخل يغير ملابسه ولبس بنطلون أسود وقميص أبيض ثم خرج وهو يشعر بالاختناق ليهرب من هذا الجحيم الذي يعيش فيه ولا يعرف إلى متى سينتهي.
ذهب سليم إلى شاطئ البحر مثقلاً بالهم.. وزل جالساً يتذكر منذ أن كان طفلاً صغيراً وهو يرى أبيه وهو يضرب أمه ويعذبها وإذا اعترض هو وهو صغير يضربه أيضاً ويحبسه وكان من يخرجه جده..
فعادة الرجل الضعيف أن يتجبر على الأنثى ويمد يده ولا يعلم أن هناك رب سيحاسبه فالزوج والزوجة سكن ورفقة وطيبة وليذهب كنوز العالم للجحيم..
لم يكن هناك أحد في هذه العائلة يحبه إلا جده وأمه ولكن عاصم كان شيطاناً لا يستطيع أحد أن يقف أمامه. كان جبروتياً كان يتزوج كثيراً ويحتسي المشروبات المحرمة وكان كل يوم يدخل مترنحاً..
وذات يوم أفتعل خناقة شديدة مع والده بسبب سكره وعربدته ولكن لم يحدث تغيير..
ولهذا قرر جده أن لا يمكن والده من شركاتهم لسكره وعربدته ولكنه لم يحرمه حتى لا يحاسب عند رب العباد..
وكان سليم قد كبر وذهب إلى الشركة ليعرف كل كبيرة وصغيرة وكان يديرها مع جده وعمه فاضل وحازم ابن عمته المتوفاة فقد توفت هيا وزوجها في حادث.. كان حازم وسليم إخوان لا ينفصلان.. كل ما يفكران به أن يكبّرا الشركات وعندما مات الجد لم يترك لعاصم وفاضل إدارة الشركة وتركها لسليم بمساعدة حازم وترك ورث الشركة لسليم النسبة الأكبر وحازم بنسبة أصغر وترك لفاضل نسبة لا تذكر لأنه ضعيف الشخصية ولكنه عوضه بالمال وعوض عاصم بالمال حتى لا يدخل في بند ذنب الابتعاد عن الورث..
وهنا ومنذ ذلك اليوم كان يتحالف عاصم مع فاضل ليسرقا من الشركة وكان يفعلان كل ما هو سيء ويحاربان سليم وحازم.. ولكن سليم كان يرد كيدهم في نحرهم وكان يتركهم ليتمادوا ثم يرد الضربة لهم في مقتل..
كانت الشركة ليست بهذا الحجم ولكن سليم عافر وكرس نفسه للعمل هو وحازم وكبّرا الشركة وأصبحت من كبرى شركات البلد في الشحن والتوريد كان يمتلك سفن شحن في مختلف البلدان..
كان يجلس على الشاطئ يتذكر كل ذلك وهو يشعر بالقهر والحزن الشديد وكان الهواء قد بعثر شعره فبان الهم أكثر عليه. وكان هو منهك شاحب الوجه قلبه يتمزق من كثرة المشاكل ويتساءل لماذا كل هذا الهم.. لماذا يجلس هو والقهر يشق قلبه.. لماذا لم يولد في عائلة تحب بعضها.. ولكن ربك له حكمة.. كانت أعصابه على شفا الانفجار من جو المؤامرات.. كان يسرح في ملكوته.. في تلك اللحظة أحس بهزة بسيطة على كتفه ليستدير ويجد يداً ممدودة إليه بأحد البسكويتات ذات الرائحة النفاذة ثم صعد بعينيه إلى الأعلى لينظر لصاحبة اليد ل.....
رواية بائعة السعادة الفصل الثاني 2 - بقلم ميفو سلطان
نظر سليم إلى اليد الممدودة إليه، ليرفع بنظره ليجد فتاة، أقل ما يقال عنها ملاك ساحر. كانت بسيطة جداً في ملابسها، أو أقل من بسيطة، وعلى وجهها ابتسامة تشع كالشمس، وغمازات رائعة تخطف القلب. كانت تلم شعرها الكستنائي، وتتهدل منه بعض الخصلات، فكانت ساحرة.
كانت تمسك بيدها علبة صغيرة، فقاطعت سرحانه بها وقالت:
"اتفضل."
فقطب وجهه وقال:
"مش عايز، شكراً."
هنا ضحكت، فأحس بأنغام الموسيقى وخفق قلبه. فردت قائلة:
"لأ، ما تخافش، مش بفلوس."
قطب جبينه، فأسـرعت وقالت:
"ماهو بص بقه، طول ما أنت قاعد والغم راكبك كده، مش هعرف أمشي. الشط هنا ما بيقعدش عليه حد حزنان."
ثم رفعت صوتها مخاطبة رجلاً كبيراً يبيع عصائر ومشروبات:
"مش كده يا عم أحمد؟ ينفع حد يقعد هنا زعلان كده؟"
فضحك الرجل وقال، قاصداً سليم:
"والله يابني أنت حر، يا تضحك بسرعة عشان تحل عنك، يا هتلزقلك أنت حر وهتاكل دماغك."
فضحكت وقالت:
"طب مافيش بسكوت يا عم أحمد؟ أبقى قابلني."
و ضحكت. كانت خفيفة الروح والظل، وهو مسهم ومذهول. كان أول مرة يرى ناس بهذه البساطة.
فاجأته وجلست بجانبه وقالت:
"بص يا أستاذ، أنت زمانك بتقول عليا مجنونة، بس الدنيا ما تستاهلش الهم ده كله. ممكن نموت دلوقتي، يبقى ما أخدناش فرحنا اللي ربنا كاتبه."
فقاطعها:
"وافـرض ربنا مش كاتب فرح؟"
فردت:
"ربك عادل، كل واحد بياخد حظه من الدنيا. فيه ناس بتاخد صحة، وفيه ناس بتاخد فلوس، وفيه ناس ما بتاخدش وراضية، ودا ابتلاء. والفرح بيتوزع برضه. مد إيدك، مد، ماتتكسفش."
ظل يحدق بها متردداً، فهو ليس معتاداً أن يتكلم مع أحد لا يعرفه، كان شخصية ثقيلة. فمد يده وأخذ منها بسكوتة، وما أن أخذ منها قضمة ليحس بطعم رائع في فمه، ليبتسم لها.
هنا قامت وقالت وهزت كتفها:
"شفت اهو، أنت ابتسمت وبحاجة بسيطة. شفت أهو حصل، يبقى كده خلاص مهمتي انتهت."
ثم انحنت إليه واقتربت منه وقالت ببراءة، وكان هو مبهوراً ببساطتها وجمالها وغمازاتها الفظيعة:
"الدنيا فيها ناس حلوة، دور عليهم. أنت ما بتدوروش. أنت حابب تفضل في الهم ليه؟ الهم بيجيب هم. لما تغرق فيه وما تعرفش تخرج منه لحد ما يخنقك ويطلع روحك. بص فوق كده، السما واسعة إزاي وجميلة. ربك خلقها فيه، فيه رب اسمه كريم، يريح قلبك وهمك. حط إيدك على قلبك وقول يا رب، ازح همي. هتحس ببركة."
ثم خبطت على جبهتها:
"يا نهار! اتاخرت. يلا أسيبك بقى، وافتكر بسكوتاتي. أنا مش أي حد، أنا بسكوتاتي بتوهب السعادة."
واستدارت وتركته. فأحس بخفقة في قلبه، فـنـده عليها:
"أنت... مش هشوفك تاني؟"
ضحكت وهي تمشي، ولم تستدير، ورفعت يدها بعلامة غداً:
"بـآجي هنا كل يوم. سلام."
ولوحت له وانصرفت. جلس بمفرده بعد أن ذهبت، وعلى فمه ابتسامة كالـأبـلـه، والبسكوتة في يده، ينظر إليها ويبتسم. ولا يعرف ماذا يفعل، ولا إرادياً رفع يده إلى قلبه وقال:
"يا رب."
فأحس بهدوء وسلام داخلي. ظل جالساً حالماً بتلك الجميلة. ليخاطبه عم أحمد:
"أجبلك حاجة يا أستاذ؟"
فهز رأسه، وأحضر له شايـاً، وسأله عنها، فقال له:
"مين تقصد؟ حياة. دي بنت عارف زي حتة دهب. الشط هنا مسميها بائعة السعادة، من كتر ما بتشع فرح وسعادة وحنية. عشان ما بتسيبش حد زعلان، كل يوم نص ساعة تيجي تلف وتدي للناس بسكوت وتمشي. دا كله بيفرحها. بس عليها بسكوت، تاكله من هنا وتروح دنيا تانية. حياة دي اللي يتقال عليها فرحة الدنيا على الأرض."
وتركه وذهب مع سرحانه. ويتردد في عقله كلمات الرجل: "حياة دي فرحة الدنيا على الأرض."
***
نسيبه بقى شوية ونروح لحياة، اللي راحت لجدتها وظلت تقبل فيها وتدغدغها، والجـدة تضحك:
"يا بت اعقلي، أنا مش عارفة هتتجوزي بهبلك ده إزاي."
فضحكت وقالت:
"هو يطول؟ هو أنا أي حد؟ كفاية اللي يقعد معايا يضحك."
فردت الجدة:
"عشان بت مسخرة."
فضحكت حياة:
"خليكي لوكلوك كده يا فرويلة، وعطليني. أما أقوم أشوف شغلي."
دعت لها الجدة فريال وقالت:
"ربنا يبارك لك يابنت ابني، الله يرحمهم."
قامت حياة:
"لأ يا فرويلة، مش وقت نكد واستدعاء الأرواح. وهنبتدي قصة الكفاح وكده. أنا قايمة أخبز، وبحب مزاجي يبقى لوز."
"لوز في عينك يا جزمة، أنا نكد." وحدفتها بحذائها، فسقط بعيداً.
"طب يا فريال، شوفي مين اللي هيجبلك الفرده." ودخلت ضاحكة لتبدأ عشقها الأوحد وعملها التي تحبه. ظلت تعمل إلى أن أنهكت وانتهت، وقالت:
"في الصباح سأغلفه. أنا هلكت."
ثم ذهبت واتصلت بصديقتها وقالت:
"أنت فين من الصبح يا كلب البحر؟ ما عدتيش عليا ليه؟"
فردت هنا، صديقتها المقربة، وقالت:
"لسانك هيجي يوم وأجزهولك."
فأخبرتها أنها غداً ستخرج من عملها بدري لتلقاها في المحل، وظلتا يثرثران حتى نامت حياة مبتسمة، حالمة، تدعو ربها أن يتم عليها نعمة الرضا.
***
كنا قد تركنا سليم حالماً، إلى أن قام وذهب إلى البيت، وصعد من دون أن ينظر لأحد، فاستغربت مرات عمه:
"ودا ماله ده؟"
ما جاش يرازي فيهم ليه؟ يلا أنا مالي، ايكش يولعو كلهم.
ذهب سليم إلى أمه واطمأن عليها، ودخل حجرته، وأخذ حماماً، واتجه إلى السرير واستلقى من التعب. وهنا جاءت على باله تلك الشمس، تلك اللآلئ التي تشع نوراً، تلك الغمازات، ذلك الشعر الذهبي. وأغمض عينيه ليتذكر طعم الكويز التي أكلها، ويتذكر طريقة كلامها وبساطتها، فإنه لم يقابل أحداً هكذا، شخصية عجيبة وجديدة عليه. فسليم يعرف العديد من النساء، فهو شخصية جبارة في وسط المجتمع المخملي، يقابل أشكالاً من النساء تسقط تحتها أعتاذ الرجال، ولكن سليم لا ينسجم كثيراً في هذا الجو، فهو قد جاءته ملكات جمال ورفضهم بسهولة. إلا أن تلك الحالمة في دنيا السعادة أوقعته بسهولة. فهي مزيج من الشقاوة على الجمال على الشخصية البسيطة، شيء يشدك وأنت مغيب، ثم متيم.
ظل يفكر طوال الليل حتى نام من التعب.
في الصباح، استيقظ وذهب إلى عمله، ليدخل عليه حازم قائلاً:
"صفقة شركة المنصوري مقدمين عرض كويس."
فخاطبه سليم وقال:
"لأ، ارفض عرضهم واقبل عرض شركة الدمنهوري."
فاستغرب حازم:
"ليه يابني؟"
فقال:
"إن عمه وأبيه متفقين مع المنصوري، وأنا مش ههنيهم على قرش، كفاية كده وخلاص. قررت أقطع رجلهم من الشركة وأبعتلهم فوايدهم، وده قرار ما عادش ناقص قرف."
رد حازم مستغرباً:
"هو أنت بتعرف الحاجات دي إزاي؟ قلي دانت داهية."
فضحك سليم وقال له:
"يبني أنت لسه ورور، اتعلم من أستاذك في صمت."
فرد حازم:
"ماشي يا أستاذي."
وهنا دخل عاصم هاجماً:
"يعني إيه يا بن الحديدي؟ ماليش أتصرف وأدي قرارات؟"
هنا قام سليم واستدار حول المكتب بهدوء وجلس هادئاً وقال:
"اللي سمعته؟ تحب ألحنهالك؟"
ثم أكمل:
"أنت ما عادش هتمسك ورقة، أنت كل شهر هرميلك مكسبك. وكان فاضل وراءه، وإن كنت عايز تحصله يا عمي وتقعد بركة في البيت يكون خير برضه وأبعتلك فوايدك."
فلم يستطع فاضل أن يتكلم خوفاً من عاصم. فـصـرخ به عاصم:
"أنا وأنت والزمن طويل." وخرج هائجا.
وظل فاضل. فقال له سليم:
"إيه؟ مش هتجري وراه؟"
فرد برجاء:
"ماتسيبنيش اشتغل يا سليم، هقعد في البيت أعمل إيه؟"
قام واقترب من عمه وقال:
"أنت اللي بتختار عداوتي يا عمي، أي حد تبع عاصم عدوي، وأنا بخيرك أهو، أنت عايز إيه؟"
فقال:
"عايز أشتغل، لو قعدت هعيى وهموت."
فقال له بشرط:
"لو عرفت إنك بتخطط لحاجة زي شركة المنصوري، مش هرحمك، وأنت عارف لدعتي والقبر."
فانصدم فاضل وأحنى رأسه في خجل وقال:
"أوعدك يابن أخويا إني هبقى لوحدي."
قال له سليم:
"كلام رجالة، وأنا معاك. بس تاني مش هأمن ليك إلا أما أشوف بعيني."
خرج فاضل سعيداً، فهو رجل كبير، كيف كان سيجلس في البيت كالحريم ينتظر سليم أن يرمي له بعض المال. كان يعلم ضعف شخصيته وجبروت عاصم.
***
في مكان آخر، كانت هنا قد مرت على حياة، وظلا يثرثران، حتى دخلت عليهما نها ونجوان من المحل المجاور، وظلتا يلقحان بالكلام ويقران على مكسب حياة. فنجوان كانت تكره حياة بشدة. كانت حياة تحاول أن تتغاضى عن تصرفاتهما، لأن محلهما فعلاً لا يكسب كثيراً، واقترحت عليهم مرة أن يغيروا النشاط، فنهرتها نجوان بغل أن تتدخل. وكانت نجوان تفعل ما بوسعها لتضايق حياة، ولكنها كانت تصعب عليها.
ما أن رحلا، حتى قالت هنا:
"بت بوَمة مابطيقهاش، يا ساتر."
فضحكت حياة:
"يا بت حرام، دول غلابة وكلنا ولاد."
قالت لها:
"طب يا ختي، ها أخبار الشغل إيه؟"
قالت لها:
"الشغل عال، الحمد لله، وعايشين ومستورين. ويلا بقى عشان."
فقاطعتها هنا:
"أه عشان تلفي تاكلي الشعب ببلاش؟ أنت هبلة يا حياة؟"
قطبت حياة حاجبيها باستنكار وقالت:
"أنا لما بشوف بسمة الشعب اللي مش عاجبك، روحي بتبقى طايرة."
قالت هنا:
"طب يا ختي روحي طيري، أنا رايحة." وتركتها.
وأخذت حياة علبتها الساحرة واتجهت إلى مكان عشقها المفضل، الذي ربما ستجد فيه عشقها الحقيقي.
***
كان سليم يعمل، حتى أتت على باله تلك الحياة، من سحرته من أول ابتسامة لها. فأحس بانتعاش في قلبه، لينظر إلى ساعته ليهب مسرعاً، لعله يراها. لم يكن يعلم لماذا يريد بشدة أن يراها، فخفقان قلبه يدفعه دفعاً لرؤية ابتسامتها الفاتنة.
ذهب إلى نفس المكان، وكان يلبس قميصاً أبيض أيضاً وبنطلون أسود، وترك الجاكت في العربة. وظل ينتظرها، كان قد تأخر. فـقـطـب جبينه، ليجد من تجلس بجانبه قائلة:
"لأ بقى، ماهو ما ينفعش كده يا أستاذ، مش هتخلص عالبسكوت كده. أنت لسه شايل طاجن سـتـك. يا عم نزل الطاجن، هترتاح."
نظر إليها وانفجر ضاحكاً.
فقالت:
"اللهم صلي على النبي، مانت ليك سنان أهو زينا، امال إيه؟ عايش دور أمينة رزق؟ ليه كده؟ يا عم خش شوية على سمير غانم، هتقلب معاك مسخرة وهتفتح ومش هتعرف تسدها. اسمع مني."
أخرجت دوناتس وأعطته إياه وقالت:
"اتفضل، ده ما بطلعهوش لأي حد، دا بطلعه للناس اللي أوفر دوز نكد، وأنت ما شاء الله عندك منه أكوام وهتصدر بره."
فضحك مرة أخرى، فأكملت:
"طب وبـتـبـعـوه بكام؟"
فـقـطـب جبينه وقال:
"هو إيه؟"
فردت مسرعة:
"النكد اللي بتصدروه."
فـصـدحت ضحكته مرة أخرى، فابتسمت واتسعت ابتسامتها وقال لها:
"شكراً يا حياة، خلتيني أضحك من قلبي."
نظرت وقطبت:
"حياة!!!؟"
"حيلك حيلك يا أستاذ، آنسة حياة، مش عشان قعدت مع حد من الشعب يبقى خلاص وزيتنا بقى في طستنا وكده. من فضلك احترمني والنبي، أصل شكلك محترم. والعيال الـجـزم بيقعدوا يهزروا وعايزين ياكلوا البسكوت كله."
ظل يضحك. فقالت له:
"تصدق بالله، أنا هديك العلبة كلها. تضحك بقى للصبح."
فـصـدح ضحكته، فـتـاهـت هيا فيه لبعض الوقت. فلاحظ ذلك وصمت ونظر إليها. فارتبكت وقالت:
"واسم الكريم إيه؟"
قال لها:
"الكريم اسمه سليم."
قالت:
"اممم، وأنت لابس يونيفورم من امبارح، لابس نفس اللبس ده بتاع الشغل."
فسرح سليم بارتباك وصمت لبرهة، وقال:
"آه آه. شايفة العربية دي؟"
نظرت إليها فبرقت وقالت:
"يا نهارك أسود، إيه دي؟ دي بتيجي في الأفلام. أنت بتشتغل عليها أوبر؟"
انفجر ضاحكاً وقال:
"أنت مالكيش حل. لأ يا ستي، أنا سواق عليها."
لم يعرف ما الذي دفعه ليقول ذلك، ولكنه أحس أنه يريد أن يكون بسيطاً ولو مرة واحدة في حياته.
قطبت لبعض الوقت من عامة الشعب، يعني. واستدارت ومدت يديها:
"أهلا عامة الشعب، نورت المكان بالطاجن بتاعك."
فانفجر ضاحكاً.
فأردفت:
"ومبسوط بقى في وسط العالم المنشية دي؟"
فقال:
"أهـوه ماشية الحمد لله."
فردت:
"أنا كده عرفت أنت زعلان ليه. إلا الناس دي بتبقى منشية ومقددة كده زي فرخة سمير غانم، ما بيعرفوش يضحكوا. عالم ماشية بالشوكـة والسكينة، وأنت باين عليك على الله وعلى نياتك، ومقهور، وما بيمشيش معاك العالم دول. ربنا يكفيك شرهم. إلا دول لدعتهم والقبر."
سرح في كلامها قليلاً وأحس أنهم فعلاً هكذا. فأكملت:
"طب ما تقلي كده والنبي، شكل البيه اللي ركبها إيه؟ منفوخ كده ومعاه حرس بقى، ولابس إيه وشويات... وبياكل كافيار... طب شكل حسين فهمي كده وبيغسل العربية اللي بتبرق دي بالشامبو."
فضحك وقال لها:
"حيلك حيلك، لأ ما له، عادي جدا."
فضحكت وقالت:
"اسكت يا غلبان يابو قميص بجنيه ونص، اشعرفك إنت."
نظر إليها مصعوقاً على قميصه البراند:
"أنا قميصي بجنيه ونص؟"
فردت مسرعة:
"بنهزر يا رمضان، ما بتعرفش؟ ما تزعلش عليا باتنين جني، ودا من الزنقة والا منين؟ شكله حلو."
فتح فمه:
"زنقة؟"
لتهتف:
"أنت يا عم ملبوس فيه إيه؟"
فارتبك وقال:
"لأ، مفيش، بس ما بحبش أتكلم عن لبسي وكده."
فقالت:
"الموضوع مش باللبس، ما ياما ناس لابسة وهيا من جواها غل ودود. المهم أنت جواك إيه. شوف جواك إيه واعتز بيه. كل إنسان جواه خير وشر، بس هو اللي بيختار يبقى إيه. وأنت شكلك مليان خير من جوا، بس شايل هم على إيه، ماعرفش."
أحس بصدق كلامها ولمس قلبه وهو مسهم في وجهها الجميل وبساطتها الرائعة. فقاطعت سرحانه وقالت:
"مانا أهو لابسة بسيط وفستان هادي أهو من الزنقة بميت جني. ولا أتكسف ولا أيوتها حاجة، لأني شايفة نفسي أميرة. النفس بتسعد صاحبها لو راضية. أنت شكلك طيب وغلبان. ما تقهرش نفسك عشان الفلوس والهم. يا سيدي، دا القطة بتلاقي أكلتها في عز البرد. وإذا كان الراجل ده مسود عيشتك، أدورلك على شغلانة تانية وأبقى أهبده في المطبات عالعالي، شالله نـفـخـتـه تفرقع في وشه."
فضحك مرة أخرى، وهز رأسه وقال:
"أنت عجيبة."
لتهتف:
"عجيبة إزاي يعني؟ هتشقلب كمان شوية؟ أنت مالك يا عم كده؟ قولي بجد. وقطبت بجدية. أخبار زحل إيه؟"
فـقـطـب جبينه ورد:
"زحل مين؟"
فهتفت وأشارت للسماء:
"زحل اللي أنت جاي منه. ونازل انبهارات فيه. إيه يا حاح؟"
فضحك هذه المرة، فـتـنـحـت إلى وسامته ونهرت نفسها:
"احترمي نفسك، هو آه مز وقمر، بس اتلمي."
وهنا قامت لترحل. فهتف بوله وشغف:
"ما تقعدي شوية."
فقالت:
"أقعد إيه؟ أنا فضيالك. عندي شغل يا أستاذ. وقوم روح شوف الراجل بتاعك إلا يلسوعك. بسمع إن معاهم حرس واللي يزعلهم ينفخوه. ربنا يكفينا شرهم."
واكملت:
"وما تنساش الطاجن تشيله. إلا هيقفص راسك في رقبتك، مانعرفلك رقبة من راس."
فانفجر ضاحكاً وهو يراها تخطو بعيداً، ساحبة معها جزءاً من روحه الذي بدأ في التعلق بها. ابتسم على تلك الحياة، التي أدخلت له حياة رائعة، ستكون لها كل الحياة بداخله.
رواية بائعة السعادة الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو سلطان
البارت الثالث...
مرت الايام وكان حال سليم يتغير شيئا فشيئا فكان روتين حياته ان يذهب الى عمله ثم يسرع يقابل من بدات تشغيل تفكيره يستمتع بروحها الجميله كان شغوف بها لتجلس معه نصف ساعه فقط لا تزيد ولا تقل ثم يعود الى المنزل ليصطدم بابيه تاره و يتشاحنا تاره اخرى ليلجا سليم الى حجرته بعد ان يزور والدته ليبتعد عن اي مشاحنات فجرعه السعاده التي ينعم بها مع حياه لا يريدها ان تنطفي بمشاحناتهم.. فهو اصبح لين الطبع الى حد ما.. اصبح دائما يفكر بتلك الحياه التي دخلت حياته كانت قد اخذت عقله وينام يفكر بها وبابتسامتها الرائعه.. كانت قد تغلغلت بداخله وهو لا يشعر يفكر بها لا اراديا وبغمازاتها التي تخلب عقله عندما تضحك.. حتي يغلبه النوم...
قام سليم في الصباح ليجدهم جميعا متجمعين فنادته زوجه عمه قائله ما تيجي يا حبيبي تقعد معنا شويه احنا بنفطر اهو ما تنزلش من غير فطار(قلبك عليه اوي يا وليه 🙄🙄🙄)
فاقترب منهم ونادي على سعديه ان تاتي بوالدته وجلس على راس المائده وابيه ينظر اليه بغيظه شديد وعمه فاضل ينظر اليه بتوجس.. وهنا اسرعت ملك الى ايقاظ ابنتها حتى تكون موجوده امام سليم فتذمرت وحاولت الاعتراض ولكن ملك لم تنصاع اليها فنزلت بملابس البيت وكانت ملابس مكشوفه.. كانت شخصيه مستفزه وجريئه وجلست وسطهم لا تريد ان تاكل فزغدتها والدتها لتتكلم مع سليم.. فردت ايه يا سولي انت هتقضي اليوم معانا النهارده خليك يا حبيبي انت بتتعب..
فرفع نظره اليها محتقرا وقال لها بالذمه ما انتيش مكسوفه تقعدي قدامنا بالشكل ده.. دي مناظره والنبي ونظر الى عمه فاضل وقال له هو ايه النظام بالضبط يا عمي انت مالك مرفعها قوي كده اطرق فاضل راسه لانه ضعيف الشخصيه امام اي احد حتي امام زوجته وابنته(كيس جوافا يا قلب امه.. بركه عاطف قاعد َمعانا) ..
هنا قامت سوزي غاضبه فردت ملك هو في ايه يا ابني ده عيله صغيره تفرح بشبابها هنقف لها من دلوقت بكره لما تتجوز تعقل..
فقال لها اااااااه اما تتجوز ان شاء الله.. وقال في سره ابقي قابليني يا مرات عمي.. وهنا حاول عاصم انا يحتك به من اجلها ولكنه لم يعطيه الفرصه ولم يرد عليه اصلا وظل عاصم يبرطم بالكلام مغتاظا.. وظل سليم يهتم بامه حتى ينتهي من الطعام واستدعي سعديه حتى تاخذ امه من بينهم فهو لا يأمن عليها وسطهم وذهب الى عمله وظل يعمل حتى جاء اليه فاضل ببعض الاوراق.. واحس سليم بان عمه ذو خامه طيبه ولكن يسيطر عليه اخيه وزوجته وحاول سليم معه بالحسنى وظل يتحدث معه في العمل ويشعره باهتمامه حتى يرجع شخصيته شيئا فشيئا فهو شخصيه منسحبه ولا يستطيع ان يواجه احد.
دخل عليه حازم ليجده مغمض العينين مبتسم وجلس قائلا لا بقه ده فيه حاجات وحاجات...
ففتح سليم عينيه ومتنهدا قائلا بتلوكلوك ليه عايز ايه..
فرد عليه ساخره عايز شويه من ده ثم قلده وهو نائم حالما في تلك الجميله...
فخبطه سليم باحد الملفات وقال.. ماتلم نفسك ياض فيه ايه..
فرد عليه حازم.. فيه ايه 😂 😂 ماتقول انت فيه ايه وغمز له..
فقال هتتلم والا اقوم ارقدك..
فتصنع حازم الخوف عيب عليك تسيبني وترميني وتعرف عليا حد تاني اهون عليك يا سولي قلبي..
وهنا ضحك سليم وغير الموضوع..
فسخر منه حازم وقال ماشي ماشي مسيرك يا ملوخيه تيجي تحت المخرطه ثم جلسا يتحدثان في العمل الى ان اتى موعد جميلته حياه.. من اخذت فؤاده بسحرها وبساطتها فقام سريعا تاركا حازم وعلي وجهه صدمه وهو يتمتم. يا تري ايه اللي شقلب حالك يابن خالي.. اقطع دراعي ان ماكن فيه مزه في الموضوع ومزه جامده كمان اللي تشقلب سليم الحديدي بجلاله قادره.. . يلا ربنا يسعدك يابن خالي ..
ذهب سليم الى هناك ليجدها تتكلم مع احد الفتيات وتبتسم لها وتعطيها بعد الكوكيز.ثم شخصا اخر وابتسمت له ابتسامتها الساحره فاحس بان قلبه مشتعلا بالنار وان تلك الابتسامه يريدها له وحده . فانتظرها علي نار حتي ينصرف وهنا ذهب اليها قاطبا حاجبيه.. قالت له حمد لله على السلامه ايه انت كنت فين..
فقال لها متبرما قاعد مستني سيادتك تخلصي توزيع الابتسامات على خلق الله..
فضحكت ضحكه نورت له قلبه فقالت له ايه يا عم انت عايز تاخد كل حاجه لوحدك في ناس حزينه برده ولا انت شايف ايه.. انت صحيح محتكر الاحزان واحزان المجره بس برضه.
هنا هتف لا اراديا بخاف لاي حد يضايقك يا حياه..
احست بالخجل من طريقته وهتفت قائله شايف رجاله الشط دول.. لو حد حتي فكر ياكلوه انا مش اي حد يابني.. هنا اراد ان يبقيها اكتر وقت وان يعرف مكانها . هنا قال لها حياه هو انا لو عايز اشتري منك حاجات اعمل ايه.
قالت بسيطه خالص تيجي لي المحل واديك كل اللي انت عايزه بس هتدفع فلوس يا بطل..
فضحك طب قومي بينا يلا عشان نروح المحل لاني عايز اشتري منك شويه حاجات للليل...
فردت قائله بس انا فاضل حاجات بسيطه في المحل وجايز متعجبكش الحاجات اللي بتبقى احلى حاجه بتتاخد الصبح
وقال انا اي حاجه من ايدك بتعجبني.فابتسمت بخجل . وسالها لها انت بتفتحي ايام ايه فجاوبته..
لتهتف.. انا بافتح كل الايام وساعات باجز يوم الاحد
فانفجرت اساريره وقائلا خلاص انا هاجي لك المحل الجمعه انا اجازتي الجمعه فاتفقت معه.. خلاص واعطته العنوان وكان ذلك اليوم بعد يومين من الان قامت على الفور وودعته بابتسامه ساحره تشفي قلبه من مشاحنات وضنك حياته ثم عادت اليه مره اخرى انت ما قلتليش اخبار شغلك ايه لسه في مشاكل ولسه زعلان..
فرد مسرعا.. تصدقي بالله يا حياه من ساعه ما شفتك وانا بقيت هادي وبحاول اخذ الامور ببساطه..
ردت مداعبه.. ماشي يا عم عد الجمايل دي كلها وبرده لو عايز اشوف لك شغلانه جنبنا اشوف لك وتسيب الراجل اللي قرفك كده..
فقال لها حد لاقي شغل اليومين دول يا حياه ويسيبه الحمد لله ماشيه..
فقالت له خلاص بقى ما تبقاش تقعد وشايل الطاجن احنا خلاص ماصدقنا نزلنا الطاجن من على راسك بس لسه انت قافشه وموجود في حجرك عايزين نكسره ابوس يدك بقى.. اكسر الطاجن وارحمني عشان انت كده حقك في الكوكيز انت اخذته وباقي الشعب له نصيب..
فضحك وقال لها ماشي يا ست حياه بعد كده هتشتري منك يا ستي..
لتهتف. مستنياك يوم الجمعه واعطته العنوان وانصرفت.
مر يومان على حياه بروتين يومها كما هو تعمل في المحل في الصباح وتقابل سليم في المساء ثم تكمل عملها في الليل و تقضي بعض الوقت مع جدتها تتسامر معها ويضحكان وتعطيها ادويتها ولاحظت الجده سرحانها فقالت بت يا حياه فيه ايه مسهمه انت مخبيه ايه..
فردت عليها كياه وهخبي ايه يا تيته..
فلوت جدتها فمها امال وشك احمر كده ليه يا بت..
فردت حياه مسرعه وقفزت تدور عشان حلوه يا تيته ومليانه حيويه ثم حضنتها وقالت وكل حنيه..
مصمصت جدتها وضحكت من امتي ياببنت ابني النحنحه دي فقبلتها حياه قبله شديده فضربتها جدتها يا بت خدي وجعتيني..
فضحكت وقالت اعمل ايه بموت فيكي يا فراويله ثم تركتها لتنام.. جاء يوم الجمعه استيقظ سليم سعيدا لانه سيري حياه وقد قرر انيقضي معها اليوم كاملا باي شكل.. فذهب تقريبا بعد الظهر وظل يبحث عن المكان كان شارعا صغيرا فوجد المحل كان محلا صغيرا جدا عليه بعض الارفف و مليء بالمخبوزات الجميله و ذات الرائحه النفاذه فدخل عليها وقال ايه الجمال ده كان ينظر اليها فخجلت وتصنعت عدم الفهم امم ايه رايك روايحهم حلوه وتجنن..
فقال من جه تجنن فهيا والله تجنن فاحمرت خجلا
واستدارت ترشده للافضل فقرر ان ياخذ من كل نوع واخذ علبه وبدا يضع فيها بعض الاشياء ولكن لم يكثر حتى لا تشك فيه لانه بالنسبه اليها سليم السائق وليس سليم الحديدي.. ظلت حياه تداعبه وتقول له وتنصحه اخذ انواع معينه من الكوكيز احلاها ثم اعطتهم له وحاولت تقليل السعر ولكنه رفض بشده وظل معها يساعدها وهي تحثه على ان يرحل ولكنه كان يتحجج بانه في اجازه ولا يجد ما يفعله وليس له احد وانه وحيد وليس له الا ابن عمته حازم كان يتلمس قربها ويداعبها بين الحين والاخر واذا دخل رجل يتصدر له. وهي تلاحظ ذلك وتكتم ضحكاتها واحست ببعض رجفات في قلبها.. في ذلك الوقت دخلت هنا اليها وظلا يتسامران وعرفته على سليم وظلت هنا تنظر اليهم بخبث فكل منهما ينظر الى الاخر بحب شديد وسليم هيمان في حياه وحياه لا تنظر اليه لانها مرتبكه ولا تعرف ماذا تفعل لينصرف سليم لتشاكسها هنا.. يا سلام عالحب اللي ولع في الدرا..
فخبطتها حياه بكسوف احترمي نفسك يا بومه مفيش حاجه وظلا يتشاكسان معا..
تمر الايام ويتعلق كل من سليم وحياه ببعضهما الى ان اصبح لا يستطيع ان يفارقا بعضهما ولكن لم يصارحا بعضهما فحياه لا تستطيع ان تفعل ذلك لان ربما سليم لا يشعر تجاها بنفس الشعور ولكن سليم كان ينتظر ان يتاكد تماما من مشاعره ومشاعرها فهو ليس بالشخصيه البسيطه فهو شخصيه لها حساباتها الخاصه.. لانه عندما يفعل ذلك سيكون امامه عقبات كثيره..ومن اهمها كذبه عليها وكان كذبه يعذبه كثيرا.. وكان سليم رغم همه يداعبها كثيرا وهيا تخجل بشده وتنصرف من امامه مسرعه وظل هكذا الي ان ضج قلب حياه واصبح ملئ بمشاعر صاخبه تحاوطها من كل ناحيه كانت تحس بحبه وهيامه وكان هذا يسعدها..
في ذات يوم اقترب سليم من والدته وقبل يديها و ابتدا يحكي لها كل شيء فقالت له بلاش يا ابني بلاش تضحك على بنات الناس.
فانصعق سليم وقال لها اضحك عليهم يا امي تظني فيا كده برضه.. انا بحب حياه وحاسس انها بتحبني ازاي هاضحك عليها..
ردت عليه قائله اللي ابتدي يا ابني بغش نهايته غلط..
ليرد عليها كنت مجبر يا امي كنت مجبر كنت حاسس ان روحي بتطلع و هي اللي جاءت خلت حياتي لها معنى انا من غيرها ما اقدرش اعيش يا امي وناوي ان شاء الله اطلبها تبقى لي بالحلال بس مستني بس اخلص من الهم والمشاكل
ففرحت ودعت له و طلبت منه ان يحترس من والده ولا يخبر احدا لان زوجه عمه ما ان تعرف لن تهدئ.
قرر سليم مقابله حياه ليتكلم معها ويخبرها بمشاعره جلس سليم بجوار حياه وقال لها باقول لك ايه يا حياه ما تيجي نروح في اي حته..
قالت لي نروح فين يا سليم ما احنا قاعدين اهو انت عقلك خف ولا ايه.
ليهتف لا يا ستي طيب تعالى نركب العربيه شويه ونلف بيها.
قالت له سليم انت قررت تخيب صح.. انا ما بركبش عربيات ما تزعلنيش منك وكمان صاحب العربيه لو عرف هينفخك .. يابني انت مالك فاكر نفسك فان ديزل وبتسوق عربيات اشحال ان كان الراجل نافخك..
فضحك واقترب منها انا عايز اتكلم معاكي في موضوع مهم.
قالت ما تتكلم يا عم هو حد ماسك بقك.. بقك مفتوح على اخره اكلم ما انا قاعده هاروح فين يعني..
قال لها طب قومي بس عشان خاطري انا عايز اتكلم معاكي.. فتنهدت وقامت معه وذهبا معا الي مكان هادئ فجلسا فاقترب منها وقال حياه انا عايز اقلك وكان متجهما هنا
قاطعته ايه يا عم انت داخل مالك جد كده في ايه انا خوفت.. بص هو عموما انا ماعييش فلوس لو عايز تستلف انا شحاته زيك بالضبط..
فضحك ماتقطمي شويه..
لتهتف.. اعملك ايه مانت اللي اوفر في النكد وعاقد جبينك ومكبر الموضوه كده ليه ما تقول على طول انت يا ابني ما لك متربي كده..
ابتسم هو بهدوء ونظر اليها بهيام شديد وقال حياه انا باحبك اوي..
هنا تنحت حياه وفتحت عينيها على الاخر واطرقت بوجهها
فقال لها ابوس يدك اوعي تقولي ان مشاعرك مش زي مشاعري...
وهنا ضحكت بشده ثم قالت مداعبه ياه اخيرا ابو الهول نطق وظلت تضحك..
قطب جبينه ثم ابتسم وقال بوله وحب.. ايه مش عاجبك ابو الهول..
لتبتسم مشتعله .. لا عجبني بس هو شارب جبس شويتين انت غريب قوي يا سليم ساعات تبقى بسيط قوي وساعات زي ما يكون البهوات اللي انت بتشتغل عندهم بيبهتو عليك.
رد سليم وقال من عاشر القوم..
فضحكت وقالت اسكت والنبي الا دول عشرتهم هباب بياكلو في بعض خليك بسيط يا عم خليك علي الله كده زينا مننا فينا ومننا علينا..
فرد مسرعا بهيام طب مانا عايز ابقي مننا فينا ثم اكمل انت عماله تلفي وما ردتيش علي ردي..
فردت مغيظه طب استني لسالي لفتين..
هنا تذمر سليم... حياه انت بتحبيني زي ما انا باحبك
فاطرقت وجهها مشتعله قائله طب انت شايف ايه..
قال انا شايف فلقه قمر قدامي وشها احمر فراولايه هتوقفلي قلبي..
نظرت اليه وقالت يا ريت حضرتك تتلم شويه في كلامك عشان انا مبعرفش ارد على الكلام ده..
فضحك عليها وقال تصدقي بالله انت بنت فصيله هترد علي امتى ولا هتسبيني كده على ناري اقترب منها ماترد يا قمر يابو غمازات تهبل الا انا حاسس اننا هنولع كمان شويه..
نظرت اليه ووجها لون الطماطم وهمست... وانا كمان يا يا سليم..
اقترب منها سليم قائلا وانت كمان ايه..
فردت مشتعله زي ما انت قلت كده...
فضحك وقال طب والله ما هسيبك الا لما تقوليلي هو ايه اللي زي ما قلته.. الا انا غتت ومش هعتقك انهارده..
همست به معترضه. سليم..
فرد مسرعا رح وقلب وعقل سليم(البت هتفرفر يا واد 😁😁) فاكمل بوله وحب .. انا باحبك وبعشقك عايزه اسمعها منك ابوس ايدك.
. همست فجاه وانا كمان بحبك.. هنا قفز سليم ومسك يديها وظل يقبلهم وهي تحاول ان تسحبهم ولكنه لم يتركها... انت مجنون سيب يدي الناس هتبص علينا..
هتف بوله وهيام مره اخرى ايكش يولعو وقال مش قادر يا حياه والله انا نفسي اخذك في حضني انا حبي لك اصبح فوق فوق ما تتخيلي..
هنا احمرت حياه ولم ترد.. فضحك عليها كنت فاكرك بلسانين دلوقتي قلبت قطه امال لسانك فين يا حياه..
فنظرت الى غاضبه وقالت ما تتلم بقى انا ساكتلك من الصبح..
فقال لها طب طب ما تسكتيش وشوفي هتقولي لي ايه انا هافضل اقول لك باحبك باحبك باحبك اما اشوفك هتردي علي وتقولي ايه...
فضحكت حياه وقالت له تصدق انك واحد مجنون..
رد مسرعا مجنون وبيعشقك يا قمر يا ابو شعر حرير انت انا من ساعه ماشفتك وانت كلبشتي جوا قلبي وبقيتي حته مني..
هنا همست حياه سليم بس بقه..
فاقترب منها وقال.. ابس ايه بس دانا حاسس اني هفرفر في ايدك علي مانتجوز ونبقي زيتنا في دقيقنا.. امتي بس يا ربي... فاطرقت واشتعلت من الخجل ثم صمتا قليلا وهنا تذكر نفسه ومن هو و قال حياه انا ليا ظروف خاصه وصعبه وحياتي صعبه وانت دخلتي نورتيها.. نفسي في يوم ماتتخليش عني مهما حصل وتعرفي اني بعشقك واني عمري ما هقصد ازعلك..
اقتربت منه ومسكت يده وقالت سليم انا عمري ما هاطلب منك حاجه زياده.(مش هتخيب شخرميت فوطه وتسعين بشكير😅😅😅) . وعمري ماهزعل منك.(لا هتزعلي اسمعي مني 😆😆😆) . عمري ما هضغط عليك و اقول لك هات وما تجيبش انا عارفه ان انت بتشتغل شغلانه بسيطه وانا ما يهمنيش كل ده لاني عارفه ان سليم لو معاه هيجيب لي الدنيا بحالها انا كمان باحبك يا سليم... ظروفي برده صعبه واحنا الاثنين يا سيدي مع بعض ما فيش حاجه ان شاء الله هتفرقنا كمان عايزه اعرفك على جدتي ولا ايه.. واللا هو حب من بره بره..
هنا رد مسرعا.. ده انا اتشرف يا قلبي بس اصبري علي لازم اما ادخل برده بحاجه قيمه على جدتك ..
فقالت له حاضر يا حبيبي اللي تشوفه بس انا هلمح لها عاي فكره وهاقول لها.. رد.. االي تشوفيه يا قلب سليم.. هنا تركها سليم وهو يحلم باليوم الذي يجمعهما معا ويفكر في المعضله كيف سيقول لها انه ليس سليم السائق و انه سليم الحديدي.وماذا سيكون رده فهلها ولكنه احس ان حياه ستسامحه ثم سياخذ والدته وسيذهب لخطبتها وسيقيم لها حفلا كالاميرات لانها فعلا اميره تستحق ما هو اكثر فانها حياه اللتي تتربع علي عرش قلب سليم الحديدي. ذهبت حياه سعيده الى بيتها وكانت مسهمه سرحانه تهيم بحبيبها وتحمد ربهت انه اعطاها حبيبا مثله يتفاني في تدليلها وبث عشقه لها.. دخلت بيتها ثم جلست بجوار جدتها وظللت تداعبها كعادتها ولكن حياه لاحظت علي جدتها شئ غريب فتسألت وعند ذلك كان رد جدتتها قي اقلق حياه كثيرا عندما قالت.. بانها....
رواية بائعة السعادة الفصل الرابع 4 - بقلم ميفو سلطان
كنا قد توقفنا عند دخول حياة وبدأت كعادتها تداعب جدتها، ولكنها أحست بالقلق، فكانت متعبه بشدة.
قالت لها: "مالك يا حبيبتي؟ فيك إيه؟"
ردت الجدة: "لا مش عارفة يا بنتي. قلبي بيوجعني معرفش ليه، مع إني أخدت الدوا."
قالت لها: "طب إيه؟ نروح للدكتور ولا نعمل إيه؟"
قالت لها: "ما أعرفش يا حياة، بس قلبي بيوجعني قوي يا بنتي."
فقالت لها: "طب أنا هكلم الدكتور اللي تحت هنا، أو هاروح أنا أجيبه على طول."
"طب بسرعة يا بنتي، أنا حاسة بكلبشة في صدري ومش قادرة، أنا تعبانة قوي يا حياة."
قالت حياة: "وأنا هنزل وأجيب الدكتور وأجي."
نزلت مسرعة حتى تحضر الطبيب، وعادت لتجد جدتها نائمة على الكنبة. اقترب الطبيب بسرعة منها وظل يحرك الجدة يميناً وشمالاً. هنا صديقة حياة تقف بذهول، إلى أن قال فجأة: "البقاء لله يا جماعة. أزمة قلبية والحاجة ما قدرتش تصمد قدامها."
هنا لم تصدق حياة نفسها. اقتربت من جدتها وهي مذهولة لتمسك كفها وتقبلها قائلة: "إيه ده؟ إنت بتقول إيه؟ قومي يا حبيبتي، إنت بتضحكي عليا؟ إنت عايزة تعرفي غلاوتك عندي قد إيه؟ قومي يا تيته، قومي يا فراولة، إنت عايزة تسبيني لوحدي؟ أبقى خلاص ماليش حد في الدنيا. قومي يا حبيبتي. أنا ماشفتش في الدنيا غيرك، بابا وماما ماشفتهمش، ما عرفتش حنية إلا من قلبك. إيه؟ إنت كمان عايزة تنشفي قلبي؟ طب قومي وأنا هعملك أي حاجة، قومي يا تيته. إنت ما بترديش ليه؟ زعلتك في إيه؟ وأنا أموت نفسي."
ظلت تهز جدتها وتهذي بالكلام وتحتضنها، وهنا تبكي.
وعند ذلك بدأت تصرخ وتصرخ، ولم تعد تتحمل أن تكون بمفردها، وأن جدتها التي ربتها لم تعد موجودة في حياتها. فسقطت مغشياً عليها. فساعدها الطبيب. وهنا تجمع الجيران وبدأوا في إعداد إجراءات الدفن.
ومرت الأيام، وحياة أصبحت بلا حياة. لم تذهب إلى المحل ولم تذهب إلى الشاطئ. وكان سليم قلبه ينهشه عليها. كان ينتظرها بالساعات على الشاطئ، فهو لا يعلم لماذا لم تأت، وكان يتصل عليها كثيراً ولكنه يجد التليفون مغلقاً.
كان سيجن على معشوقته، إلى أن ذهب إلى المحل فلم يجد به أحداً وكان مقفولاً. فسأل عن عنوان صاحبة المحل، فأشار إليه أحد الأولاد وقال له أن يتبعه.
لتفتح له حياة، ليجدها شاحبة وتتشح بالسواد وعيناها حمراء ومنتفخة من كثرة البكاء.
اقترب منها بسرعة ماسكاً يديها وقال: "فيك إيه يا حبيبتي؟ مالك؟ شكلك عامل كده ليه؟"
فتشبثت به ومسكت يديه وظلت تبكي وتبكي وانهارت بشدة. ثم ابتعدت عنه فجأة وحاولت استجماع نفسها وقالت له: "خلاص يا سليم، بقيت لوحدي في الدنيا، ما عادش لي حد. جدتي ماتت يا سليم." وأجهشت بالبكاء. "ربنا خد مني كل حنية الدنيا. أنا راضية بس موجوعة أوي. أنا وعيت على الدنيا ماشفتش حد إلا هي. أنا ماعرفش حنية إلا منها. أنا نشفت من جوا بموتها."
فاقترب منها ومسك يدها وهو حاسس بالوجع على حبيبته التي يبدو عليها الألم الشديد ويقول: "طيب وأنا فين؟ أنا موجود يا حبيبتي وهفضل جنبك لحد ما أموت. لحد ما أنفاسي تخرج مني. وأوعدك إن هديكي حنية الدنيا كلها. قليلي كله هدهولك يا عمري."
فهتفت باكية: "كان نفسي تشوفها ياسليم. كان نفسي تتعرف عليها، بس ما لحقتش أفرحها. كانت عايزاني أتجوز وأفرح، وكانت بتقول لي: مين اللي هيقبلك بهبلك؟ كنت عايزة أقول لها إن في أحد قبلني وبيحبني وأنا بحبه. ما لحقتش يا سليم. هموت مش قادرة." وأجهشت بالبكاء.
حاول سليم أن يخفف عنها لبعض الوقت، وهي تنوح وتبكي وتنعي جدتها. وظل معها حتى أناخها النوم، ثم تركها وخرج، وكان يكلمها في التليفون كل الوقت مساء وصباحاً، وكان يحاول إخراجها مما هي فيه على قدر ما يستطيع.
وكان قد أخذ إجازة من العمل طول فترة حزنها. فلم يعلم عنه أحد شيئاً، وكان كل من في البيت يستغربون أين يذهب.
كان سليم جنب حياة حتى استعادت بعضاً من نفسها وتغلبت على بعض من حزنها. وكان أصر منذ ثاني يوم أن تفتح المحل وهو معها، يشاكسها ويداعبها حتى يهون وجع قلبها. ومر بعض الوقت وهو بجانبها، نعم الحبيب والسند.
ومر بعض الوقت. لم تكن المصيبة الأولى قد انتهت حتى حلت عليها مصيبة أخرى. فجاء شخص من الضرائب ويحمل حياة مبلغ كبير من المال وهو عشرون ألف جنيه.
صرخت حياة به وقالت: "حرام عليك! إنت مش شايف المحل صغير قد إيه؟" ولكن ذلك الرجل كان جاحداً، لم يهتم لها. لم يكن معها إلا ألفين جنيه. لم تعلم من أين تأتي بقية الأموال. ظلت تبكي وتبكي على حالها، حتى وجدت سليم أمامها يقترب منها وهي تبكي. فاقترب منها مذعوراً ويتساءل ما بها.
حاولت أن لا تخبره شيئاً، ولكنه أصر على ذلك وعرف المشكلة. فوجع قلبه على حبيبته، فهي حزينة من أجل بعض الملاليم في نظره. فقال لها: "إحنا يا حياة واحد، ما فيش بيننا فرق. أنا هاجيب لك الفلوس دي."
فردت: "إنت اتجننت؟ إنت عايزني آخد فلوسك وشقاك؟ دا مبلغ كبير. إنت إزاي تقول كده؟ أنا مش ممكن آخد منك فلوس."
إلا أن سليم لم يعطها فرصة وقال لها: "غداً سيكون عندك المبلغ."
حاولت حياة ألا تستجيب، لا، إنه صمم على رأيه.
هنا أصرت حياة، مقترحة عليه أنها ستأخذ المال ولكن على شرط أن يتقاسما المحل والشقة ويكون هناك بينهما عقد نصفي ويصبحا شركاء في المحل والشقة.
حاول سليم أن ينهيها عن ذلك، ولكنها رفضت. فرضخ سليم. فابتسمت له، فاقترب منها وقال: "أيوه كده، القمر بينور في قلبي لما تبتسمي. شوفوا بقى هتقلب فراولة وأنا بموت فيها، وترجعي تقولي لي قليل الأدب يا فراولة بالقشطة."
هربت من أمامه مشتعلة، وهمس: "هانت يا عمري، هانت، وتبقى معايا وبتعتي."
أخذت منه الأموال، وأصبح سليم شريكاً لها في المحل والشقة بالنصف، ليكون ذلك في يوم من الأيام خيراً كبيراً فيما بعد.
كانت ليلة تقف في المحل ومعها هنا، ودخلت عليهما نجوان. وكانت قد علمت أن الضرائب قد كلفتها مبلغاً كبيراً من المال. فجاءت لتتشفي فيها قائلة: "زعلت والله يا حياة خالص، دا راجل ما عندوش رحمة. بس هو أكيد إنت بتكسبي كتير، إلا ما كان جاب الفلوس دي كلها؟ طب وهتعملي إيه؟ كده هيحجزوا على المحل وهيروح. أنا لو معايا كنت أديكِ، أمال الناس لبعضها. دانتي لسه ما لحقتيش تطلعي من مصيبة جدتك وبقيتي بطولك، يقوم المحل يروح كمان؟ يا حسرتك يا حياة."
تذكرت حياة جدتها وأدمعت عينيها. فابتسمت نجوان بخبث واقتربت منها: "خلاص يقطعني، هو أنا فكرتك؟ أخص عليا، سامحيني، ما أخدتش بالي. بس هتعملي إيه؟"
فردت حياة ببنية صافية: "لا الحمد لله، الفلوس اندفعت."
هنا أحست نجوان بحسرة في قلبها، فهي تكره حياة بشدة بجمالها وحب الناس لها، وأن رزقها من محلها لا يقف.
"اندفعت إزاي؟"
فردت: "لقيت شريك ودخل بنص المحل."
ففرحت نجوان: "يعني إنت ما عادش ليكي إلا النص؟ يا عيني عليكي. طب خلي بالك بقى، ليدحلب وياخد بقية المحل."
فردت حياة قائلة: "لا الحمد لله كويس، اطمني."
مصمصت شفتيها وقالت: "أسيبك بقى وأمشي أشوف شغلي، إلا الحال واقف وحاجة قرف." ومدت يدها وأخذت بعض الكوكيز دون أن تستأذن حتى.
تنهدت حياة وأحست بالحزن. وهنا قاطع حزنها رن تليفون. فقالت: "ألو."
"على الناحية الأخرى: أحلى ألو في الدنيا الواحد يسمعها كده، يسيح على نفسه."
ابتسمت حياة وصمتت.
وهنا أكمل: "بقلك إيه يا حياة؟ وحياة أبوكي، خشني صوتك شوية، ما أستحملش حد يسمع صوتك الحنين. القمر كده."
فضحكت. فرد مسرعاً: "أحيا النبي، أنا أمي داعيالي."
فقالت له: "وبعدين؟"
فقاطعها: "نفسي في البعدين، وربنا. هموت على البعدين. ما تيجي نتجوز."
برقت حياة ونظرت إليه: "إنت اتجننت؟ جواز إيه دلوقتي؟"
فرد قائلاً بهيام: "مهنا مش هاموت على نفسي كده وإنت قاعدة حاطة إيدك في الثلاجة. حرام عليكي يا حياة، هفرفر في إيدك. طب نكتب حتى الكتاب، نعمل أي حاجة يا حبيبتي. أنا بحبك وعايزك جنبي وقلقان عليكي، والنبي عشان خاطري، وحياة النبي يا شيخة، تقبلي."
"خلاص، إيه؟ هو إنت هتشحت يا ابني؟ حرام عليك، كل ما تكلمني تقول لي في الموضوع ده."
فقال لها: "يا حبيبتي، بإذن اللي زن هيجيب إن شاء الله. وأنا حاسس إن قلبك هيحن عليّ وهتقولي: يلا يا سولي."
فضحكت وقالت بدلال: "لا يا سولي، لسه شوية."
هنا انفجر سليم قائلاً: "النبي حارسك وصاينك يا قشطة بالمانجة. يعني إنت عايزة إيه بالظبط؟ أنطلك من التليفون دلوقتي؟ قلبي هيقف، مش حمل الدلع ده. طب وحياة النبي يا شيخة تقوليها تاني."
"إيه؟ أقول إيه؟"
"قولي لي يا سولي."
ضحكت وقالت: "إنت مالكش حل والله، بس مجنون وبحبك، بحبك يا سولي."
هنا صرخ سليم: "يا دين النبي، يا مثبت العقل يا رب. والنبي يا شيخة نكتب الكتاب، والا نتجوز، نعملي أي حاجة، إلا أنا خلاص ما عدتش قادر وهقلب حسحس وما عدتش هنفع، وما يرضيكي كده، أحياه عيالك يا شيخة."
فاعترضت وقالت: "جدتي ما لحقناش."
فرد: "ماهو أنا قلبي بيوجعني وإنت لوحدك ومش عارف أقف جنبك. نكتب حتى الكتاب يا ليلة."
أغمضت عينيها وتمنت قربه، وقالت: "اصبر شوية."
تنهد وقال: "هو القمر يأمر؟ وبعدين أنا أنفذ. هو أنا عندي غير الحتة بتاعتي إللي واجعة قلبي ومدوخة عقلي. ارحموا عزيز قوم حب. بحب يا عالم وحبيبي تقلان."
فضحكت و غيرت الموضوع: "عامل إيه في شغلك؟"
تنهد وقالها: "الحمد لله، طول ما إنت جنب قلبي."
فقالت: "على فكرة، إنت ليك نسبة من المكسب كل شهر، وأهو تمشي والحمد لله."
سرح قليلاً ثم قال: "إنت جميلة أوي يا حياة، إنت حد بسيط وحنين أوي، حتى في عز زعلك بتقفي جنبي."
ردت وقالت: "أنا هقف جنبك لآخر نفس في حياتي، لازقة بغرة، بس إنت ما تزهقش."
"لا والله، أنا نفسي نلزق ونلزق، هموت وألزق وربنا."
فاحمرت وقالت: "احترم نفسك."
فرد: "أنا كده مش محترم؟ دانتي طيبة أوي؟ دا كده يا بنتي ليفل الوحش في الاحترام. إحنا بس نكتب كتابنا وهحترمك لحد ما تسوري في إيدي."
تلعثمت وتصنعت الغضب: "بقولك إيه؟ اتعدل."
قال: "طب هننول الرضا امتى؟ طب حتى دبلتين، أي حاجة عشان خاطري، الـ أنا ماليش حد ومقطوع وغلبان. دانا غلبان مش كده؟ والنبي يا قشطة إنت يا أبو غمزات، دبلتين، هما حتة دبلتين عشان أي حد يبص لإيدك ينتف في نظره ويبعد عنك. إلا إنت حلوة ومزه وزي القشطة كده."
فضحكت له وقالت: "ماشي، لو على قد الدبلة، ماشي يا سليم."
هنا انتفض سليم وقال: "ساعة وهكون عندك."
وهنا أغلق الخط، وهي متجمدة. فذهب، وهيا مستعجبه منه: "إنت لحقت تجاهلها؟"
وأخذها وأشارت لمحل تعرفه في الشارع. وذهبت واختارت دبله جميلة بسيطة حتى لا تكلفه. أصر أن تأخذ شيئاً آخر، فرفضت وقالت: "ساعة الفرح أبقى هات اللي تجيبه."
وخرجا وذهبا إلى أحد المطاعم، وظل هو ينظر إليها بوله. وكان قد استدعى حازم أخيه وهنا صديقتها. وفجأة وصلوا إليهم، وسمعت بعض الأغاني وظلوا يصيحون مع أفراد المطعم، ودمعت عيناها من المفاجأة، فهم ليس لهم أحد. فقرر أن يلبسا الدبلة من سكات، وما إن فعل ذلك حتى اقترب منها وقبل يدها ووضع دبلته في إصبعها، وفعلت هي نفس الشيء. وجلسا يمرحان، وكان يشاكسها كل شوية. وكان حازم سعيداً لابن خالته، ولكن قلبه ينهشه خوفاً من افتضاح أمره.
وفي تلك اللحظة، كان حازم لم ينزل عينه عن تلك هنا، فكانت جميلة. روحها حلوة. فزغد ابن خالته وقال: "أنا عايز زيك."
فقضب جبينه: "عايز إيه يا خويا؟ سمعني كده عشان أقوم أدغدغك."
فزغده: "قله إنت إيه مخك شمال؟ عالبت القشطة إللي جنب قشطتك."
"ما تحترم نفسك يا حازم، بدا ما أقوم أرقدك في المستشفى."
"طب بص لي الله لا يسيئك."
هنا قال سليم: "طيب، اهدا."
"معلش يا جماعة، أنا هاخد حياة شوية."
عند ذلك، هنا شعرت بتصاعد الدماء إلى وجهها، فارتبكت. وهنا نظر إلى حازم وقال له: "معاك عربية الشغل؟"
ففتح حازم فمه ببلاهة: "شغل إيه؟"
فزغده: "قله، العربية اللي بتشتغل عليها."
فقال: "آه، آه معايا."
"طب خد وصل هنا، ما تسيبهاش هنا."
اعترضت هنا وقالت: "لا مش هتعبك، أنا هاخد تاكسي."
ولكن سليم أصر.
كان حازم يقف كالطفل الذي يفعل له أبيه كل شيء. تقدمت هنا وشده سليم: "تخليك مؤدب، فاهم؟"
فرد: "ليه؟ والله غرضي شريف."
ثم رد عليه: "تسلم يا قلب أخوك يا مشهيصني."
التفت سليم وظل ينظر إليها في هيام وصمت قليلاً وقال: "وحشتيني، أنا حاسس إني طاير في السماء. حياة، هو إحنا هنكتب الكتاب إمتى؟"
لتتسع عينيها وقالت: "إيه في إيه يا سليم؟ إحنا لحقنا؟"
"ما هو حرام والله، أنا عايزة أبقى جنبك وإنت تبقى معي. هموت وآخدك في حضني. حياة، أنا والله مش قليل الأدب، بس أعمل إيه؟ إنت خلاص كلتي عقلي وقلبي وروحي، وأنا ما عدتش بنام، إنت دائماً معايا في كل حتة. قلبي واكلني عليك، إنت لوحدك وأنا بخاف عليكي. طب إيه اللي ياخرنا؟"
"بصي يا حياة."
قاطعته حياة وقالت له: "اصبر شوية، شهر اثنين ولا حاجة، وبعدين إن شاء الله نبقى مع بعض. بس أنا كنت عايزة أقول لك حاجة. أنا عايشة في بيت بابا الله يرحمه، هي آه شقة صغيرة، بس بتاعتنا، وإنت ليك وصها. كنت حابة بدل ما تكلف نفسك وتجيب شقة وحاجات من دي، نتجوز في شقة تيته، عشان أنا مش هقدر أسيبها، إن روحي متعلقة فيها."
نظر إليها مندهشاً: "إزاي يا حياة؟ أنا لازم أجيب لك أحسن حاجة ولازم أشوف لك مكان عشان يبقى بيتنا."
قاطعته وقالت: "ماهو بقى بيتنا، وإحنا إيه؟ مش إحنا واحد؟ ومش فارق، وإنت قلت لي ما فيش فرق بيننا. يبقى خلاص، عشان خاطري يا سليم، مش هقدر أسيبها. أنا حياتي كلها فيها، قلبي هيوجعني لو سبتها. وإنت كمان كنت قلت لي إنك قاعد في أوضة مع أصحابك، هتعمل إيه؟ هتجيب شقة منين وهنأجر بكام؟ الشقة موجودة، يعني أنا أقفلها وأروح أدفع فلوس ليه يا حبيبي؟"
نظر إليها ليرى كم هي جميلة، ليعرف أن معه نعمة كنز مش موجود. ولم يستطع أن يتكلم، كان يريد أن يصرح لها بكل شيء، وأنه يريد أن يجعلها ملكه، وأنها لها. إن تطلب وهو يجيب. كان يحس أنه عندما تعرف سيفقدها، فهذا ما كان يوجعه على الآخر. ولكنه قرر أن ينقل والدته إلى مكان آخر ليطمئن عليها ليعيشا في سلام، ثم يعلن أنه سيتزوج، وساعتها سيخبر حياة بكل شيء. ساعتها سيعمل لها فرحاً كبيراً تتحدث عنه البلد بأكملها. كان يعرف أنها ستسامحه وتصدقه، لأنها جميلة من الداخل ومن الخارج، فاتنة سلبت عقله وروحه.
كان يفكر في كل هذا، حتى وضعت حياة يدها على يديه وقالت: "إنت بتفكر في إيه؟ أنا مش عايزك تشيل هم حاجة. إحنا الاثنين مع بعض، وهنفضل مع بعض، ما فيش حاجة تفرقنا."
قال لها: "أوعدك يا حياة إن عمري ما هبعد عنك، ولا حتى النسمة تقدر تقرب منك. أوعدك إنك تبقي عمري كله اللي جاي تنوريه بابتسامتك."
فردت عليه مبتسمة: "أنا من كثر حبي فيك مش عارفة أرد على كلامك ده، بس كل اللي أنا عارفاه إن إنت بقيت حتة من روحي. أنا بقيت لوحدي ياسليم، وإنت بقيت دنيتي. إنت بقيت كل حياتي. يوم ما تكونش موجود فيها، أكون أنا مش موجودة. يوم ما سليم يبعد عن حياة، تموت حياة. ما هو هي بقت حياة سليم وسليم حياتها. أو إوعى يا سليم تبعد عني بعد ده كله، لأن ساعتها هاكون بقيت لوحدي في الدنيا. أموت من بعدك عني."
كانت تبكي وهي تتكلم: "إنت بقيت كل دنيتي. ماتت جدتي. لم يعد لها في الدنيا أحد إلا سليم. روحها ودنياها."
مسك يدها وقبلها: "بصي لي كده، والنبي دا منظر واحد هيبعد؟ دا واحد عايز يقفس ويجري. ما تسيبيني أقفس. وحياة أبوكي يا شيخة."
فظلت تضحك على مداعباته.
رواية بائعة السعادة الفصل الخامس 5 - بقلم ميفو سلطان
لم تكن تتمنى حياة لنفسها أكثر من ذلك سعادة، فهي قانعة تماماً بما قسمه الله لها. كانت يوم خطبتها من أسعد أيامها، فيوم جميل طبطب على قلبها وأوجعها بصحبة حبيبها وصديقتها المخلصة هنا، رفيقة دربها.
في مكان آخر، كان حازم يوصل هنا إلى بيتها. كان يستمر معها الكلام، وهنا أحس حازم أنه يشعر بشيء بشدة لتلك الفتاة البسيطة، فقد ملت قلوبهم من التصنع والمغالاة. فظل طول الوقت يحثها على التحدث ويداعبها طوال الوقت، وكانت تخجل منه، فهو ينظر إليها نظرات كلها إعجاب. كان يسير ببطء شديد حتى لا يصل بسرعة، ويتعمد أن يقف في أماكن زحمة حتى لا يصل بها. لا يعلم ماذا حدث له، كل ما يعرفه أنه يريد أن تبقى بجانبه.
قاطعته هنا وقالت:
"وأنت بقى بتشتغل في نفس الشركة بتاعة سليم عند نفس الناس؟"
فرد قائلاً:
"ناس مين؟"
ثم تذكر وأسرع ورد مرتبكاً:
"آه آه، ما إحنا الاثنين بنشتغل مع بعض."
لتهتف:
"وبيشتغلولكم كويس بقى على كده؟ أصل الناس دي بتدوس على الغلابة اللي زينا، ما بيهمهمش حد."
رد سريعا:
"مش كل الناس وحشة يا هنا، زي ما فيه كويس فيه الوحش."
نظرت إليه لتجده متجهماً، فقالت:
"يا عم، وإحنا مالنا وحش ولا حلو، لنفسهم. إحنا هنشوفهم فين؟ الناس دي في دنيا تانية غير الدنيا دي، ما بيمشوش في الشوارع بتاعتنا وما بيروحوش في الأماكن بتاعتنا."
فضحك حازم مستغرباً وقال:
"إيه بيطيروا واحنا مانعرفش؟"
وظلا يتحدثان حتى أوصلها وودعها، وهو في دنيا أخرى يهيم بتلك الفتاة التي يرى خجلها دائماً. فهي ليست كحياة، اجتماعية ومحبة للكلام، فكانت تخجل سريعاً، وكان هو أكثر شيء أحبه فيها، وكانت تلك هي الشرارة التي بدأت تشتعل في قلب حازم الحديدي.
مرت الأيام وكان سليم لا يترك يوم إلا ويرى معشوقته. يتحدثان في التليفون حتى تنام منه. فحياة تتعب كثيراً من العمل وتجهيز المخبوزات والذهاب للمحل والشاطئ، كانت شعله نشاط.
وفي ذات يوم، دخلت عليها نجوان وقالت:
"إيه ده كده يا حياة، تتخطبي من غير ما نعرف؟ ليه ما نفرحلكيش؟"
فقالت حياة:
"لا والله، ده حاجة على الضيق وجبنا الدبلة ولبسناها على طول."
فنتشت نجوان يدها وقالت:
"إيه ده؟ هي دي بس؟ أنتِ هبلة يا حياة! هازز طوله وجايب لك دي ليفكر إنك وقيع؟ يا بت لازم تدفعيه دم قلبه ويكع كده، إلا الراجل بيسترخص الست السهلة اللي مابتطلبش."
فردت حياة مستاءة:
"لا، سليم مش كده، وأنا اللي مارضيتش أكلفه عشان مصاريف الجواز. مانا معايا حتتين دهب من جدتي ومش بالدهب يا نجوان، المهم يكون بيحبني."
مصمصت نجوان شفايفها وقالت:
"آه بيحبك، ماشي ربنا يهني سعيد بسعيدة. مبروك يا حبيبتي."
وخرجت وهى سعيدة أن حياة ستتزوج رجلاً ليس معه أي شيء وستعيش طول عمرها محتاجة.
مرت أيام حياة جميلة. وفي أحد الأيام، اقتربت إحدى الفتيات من المحلات المجاورة، كانت شبه صديقة لحياة وهنا. وقد حان زفافها، فطلبت منها ودعتها الزفاف وأن تحضر خطيبها معها. تمنت لها حياة السعادة. قررت أن تقول لسليم أن يحضر معها الفرح الذي سيغير مجرى حياتهم جميعاً وستتحول القلوب.
كان غياب سليم عن الفيلا ينهش قلب ملك هانم. كانت لا تعلم عنه شيئاً وكانت تخاف أن يفلت من تحت يديها. وظلت تفكر كيف تجعل سليم يتزوج ابنتها. فاتفقت مع عاصم أنهم يجب أن يزوجوا سوزي لسليم. وهنا خططت ملك أن تأتي ابنتها في الليل وتقترب من حجرة سليم، ويقتحم عليهم عاصم الحجرة ليجدها في حجرة سليم، وكانت هذه هي الخطة ليأتي فاضل ويجبرون سليم على الزواج من سوزي.
وفي الليل، بعد أن أتم سليم حديثه مع حبيبة قلبه وحاول أن يرتاح وينام. هنا تسحبت سوزي وكانت تلبس ملابس بيتية فاضحة ودخلت له. كان في حالة من الهيام والاسترخاء لم يحس بها وهي تقترب منه من الأساس، وتقترب وتقترب. حتى أصبحت شبه ملتصقة به. كان هو مغمض العينين، وإذا بالباب ينفتح فجأة. وهنا صرخ عاصم وملك.
فتح سليم عينيه مزعوراً ليجد سوزي قد التصقت به، فدفعها بعيداً عنه. وهنا بدأت ملك تصرخ وتلطم، وعاصم اقترب منه وقال:
"بقى على آخر الزمن تشتمني وتهيني أنا وأنت مدورها في البيت يا واطي؟ بنت عمك على آخر الزمن شرفك وشرف العيلة."
وكان صريخهم قد جمع كل من بالفيلا، حتى أمه صعدت وكانت مصدومة وجميع الخدم. وظلت تصرخ ملك وتقول:
"يا شرفنا اللي اندعك في الأرض، شرفنا بقى في الأرض، الحقنا يا فاضل، الحقنا يا فاضل."
وهنا تصنعت سوزي البكاء وظلت تأخذ الغطاء وتخبئ نفسها.
وهنا دخل فاضل مسرعاً ليجد ابنته في السرير بملابسها الفاضحة وينظر إلى ابن أخيه بقهر شديد، وعاصم يصرخ ليشعل ما يحدث.
هنا صرخ بهم سليم وقد تحول كشيطان مثلهم. فمثل هؤلاء لا ينفع معهم إلا هذا. لا يقف إلا للتعابين، تعبان مثلهم، فهم مجموعة من الحثالة التي تجمعت فيها دناءة وخسة الدنيا من أجل المال. صرخ سليم:
"بأقول لكم إيه؟ الحبتين دول ما يعملوش عليا. شغل الحلق حوش اللي أنتم عملتوه ده مش هيجيب معايا ولا هياكل معايا، فاتهدوا كده عشان ما أقلبش الترابيزة عليا وعليكم. هي بنتكم هتتفضح وأنا مش هيمسني أي شعرة. أنت بتصوتي عشان تسمعي الخدم وأنا بأقول لك أهو، صوتي زي ما أنتِ عايزة، دي واحدة رخيصة أصلاً. إيه اللي دخلها عندي؟ وأنت يا عاصم بيه، كنت واقف على الباب مستني إنها تدخل ولا متفق معاها؟"
ثم صمت قليلاً، ونظر إلى عمه فاضل. وقال:
"بص يا عمي، أنا هاقول لك حاجة وأنت هتصدق يا أما ما تصدقش. ما فيش حاجة حصلت وأنا ما شفتهاش أصلاً وهي بتدخل، وأنت عارف بنتك كويس وعارف مراتك طبعاً ومش تايه عن أخوك. بس عشان الخدم اللي سمع ونلم الفضيحة للي أنتم اتفقتوا وعملتوها، أنا هلمها. ما هي برضه بنت عمي، بس بأقول لكم إيه؟ كل واحد يحط في حسابه إن سوزي ما هتتسمى ليش ست ولا هتتكتب على اسمي. سوزي آخرها أخطبها شهرين تلاتة لحد ما الدنيا تسكت وتهدا ونسكت الخدم، وبعد كده كل واحد يروح لحاله. وبأحذرك يا مرات عمي، أنا بأقول لك أهو، لو فكرتي تعملي حاجة أو بس وزتك نفسك، حنفية الفلوس اللي أنتِ وابنتك متمرمغين فيها، هأقفلها عليكي وعليها."
كان يصرخ فيها بفحيح وهي ترتعد وتشعر بالرعب بعد أن فشلت خطتها.
"وبأقول لك تاني يا عم فاضل، ما فيش حاجة حصلت، وياريت تربي بنتك بقى عشان أنا قرفان على الآخر. وأنت يا عاصم بيه، خليها تاكلك، لأن عمري ما هتجوز سوزي ولا هتتسمى على اسمي. أنا مش عارف أنت بت حرب ليه، هتستفاد إيه أصلاً."
وضحك وأخذ أمه ثم تركهم، وعاصم يصرخ، ولكن ملك لم تعد قادرة على الكلام، وخرج فاضل محني الرأس.
فخرج سليم من عند أمه والغضب يأكله من تلك الحقيرة التي فعلت ذلك. ثم اقتربت منه زوجة عمه وقالت:
"أنا هحضر كل حاجة."
فرد عليها:
"لا، بأقول لك إيه؟ لمي الموضوع وما أسمعش حسكم إلا أنا على أخرى. شوفي عايزة تجيبي لها إيه تعمليه لها من سكات، أنا هاديك فلوس يا مرات عمي، وده أظن اللي أنتِ عايزاه، يبقى نهدي على بعض كده. تروحي تشوفي هتعملي إيه معاها وماسمعش حسكم شهر اتنين، ودبلتها تترمي من صباعي. وأه، يمين بالله لو في الشهرين دول خرجت بره وعملت لي فضيحة، لكون قتلتها. وأظنك هتستفادي بالشبكة الألماظ، هاتي اللي نفسك فيه يا مرات عمي، إن شاء الله تشبعي بقى."
هنا انتفخت مرات عمه، على الأقل ستخرج بمكسب، فهنا تأكدت أن سليم استحالة يتزوج من ابنتها.
كان في ذلك الوقت يتحسس دبلة قلبه التي في جيبه. لم يكن يلبسها في البيت وكان يخرجها كل حين وآخر ينظر إليها بهيام. حاسس بالقهر وأنه وضع في موقف لا يحسد عليه، وأنها كانت ستكون فضيحة كبرى تؤثر عليه وعلى شركات. فكلم كبير الحرس وأمره أن أسرار المنزل لا تخرج إلى الخارج. وهنا بدأت عمته تحضر فستانها وفستان سوزي ودعت بعض المقربين، واشترت ثلاث أطقم ألماس حر، وكان ثمنه رهيب، ولكنه لم يعترض لأنه يريدهم أن يخلوا عنه بسلام.
حددوا يوم الخطوبة، وكانت بسيطة جداً، وكانت سوزي تأكل في نفسها من القهر لأنها كانت تنتظر عرساً يتحدث عنه البلد كلها، فهي من عائلة كبيرة، ولكن كانت حفلة بسيطة، وكانت أمها قد أحضرت لها بعض الأطقم من الألماس لتلبسهم هيا، فسليم رفض أن يلبسهم إياها. ثم تصوروا بعض الصور البسيطة متأبطة ذراعه، وشاركتها سوزي على مواقع التواصل الاجتماعي، فكانت هي من الشخصيات العامة أيضاً ليعلم الجميع أن سليم الحديدي قد خطب سوزي الحديدي، وأنهم يعيشون قصة حب وقريباً سوف يتزوجان.
بعد أن أنهى سليم الخطبة، خرج من المنزل وقلبه يتمزق وظل يهيم في الشوارع لوقت متأخر. ثم جاءت له طيف حبيبته، فكان جل ما يتمناه قربها. فقد أنهكه التعب وأنهك قلبه الصراعات. وحاول أن يستجمع نفسه واتصل بحبيبة قلبه التي يشعر تجاهها بالظلم الشديد وأنه لا يستحقها أبداً، ولكن ليس بيديه شيء. فسمعة عائلته كانت على المحك. ردت عليه حياة وأحست في صوته بعض الوجع، وهنا قالت وقلبها يخفق:
"أنت فيك إيه؟ أنت فيك حاجة؟ أنت مش كويس."
قال لها بهدوء:
"أنتِ حاسة بيا يا حياة؟ أنتِ حاسة بيا يا قلب وروح سليم؟ إحنا روح واحدة، ما ينفعش نبقى روحين."
فردت إليه وقالت:
"ما لك يا عمري، ما لك يا روح قلبي، أنت فيك إيه؟"
ليهتف بوجع:
"تعبت يا حياة، تعبت. بأعافر وبأكافح واللي حواليا مش سايبني، مش سايبني يا حياة. أنا حاسس إني في غابة، أنا حاسس إني في وسط شوية غيلان بينهشوا فيا."
أحست حياة بالضعف في صوته والقهر الشديد، فخفق قلبها وخافت:
"أنت بتتكلم كده ليه؟ هو في حاجة حصلت؟ أنت فيك إيه؟ انطق، قولي أنت جواك حاجة بتوجعك. أنا حاسة إن قلبي بيوجعني، أنت فيك إيه يا قلبي؟"
ظل صامتاً بعض الوقت وهي تحاول أن تجعله يتحدث، ولكنه قال:
"الشغل يا حياة، الشغل. صاحب الشغل تاعبني وكان هيلبسني نصيبه النهارده لولا ستر ربنا. المصايب بتيجي مرة واحدة."
فصرخت:
"سيبيهم، الزفت ده عندك محلك نقف فيه، نكبره."
قال لها:
"يا حياة، أنا مش ناقص، أرجوكي. قال أنا تعبان أوي، حاسس إن ضلوعي هتطبق عليا. أنا بأحبك يا حياة، أوعي في يوم تسيبيني. أوعي في يوم تصدقي عني حاجة وحشة. أوعي يا حياة."
صرخت حياة فيه وقالت:
"أنت بتتكلم كده ليه؟ أنت فيك إيه؟ انطق، فيك إيه؟"
كانت كالمجنونة وهي تحس بأن قلبها موجوع، تضع يدها على قلبها وهي تقول:
"أنا حاسة بك، قلبي بيوجعني، ما لك، قل لي يا قلبي، قل لي فيك إيه."
حاول أن يتماسك على قدر الإمكان عشان ما بداخله كثير، كان كالجبل يقف بمفرده، ليس معه أحد إلا تلك الحبيبة التي متربعة على عرش قلبه، والتي يظلمها ظلماً بيّناً، وكل من حوليه يريد أن ينهش من جسمه، يريد أن يأخذ ما ليس له. أحس بوجع شديد، فلم يعد معه أحد. فتح عينيه ليجد أباً جاحد لا يفكر إلا بالمال، وعائلة حقيرة، كلهم كالآبالسة.
العقربة زوجة عمي، وتلك الحقيرة ابنة عمي. إنهم مجموعة من البشر تتلبسهم الشياطين، فأصبحوا أبالسة. يتربع على عرشهم ذلك المدعو أبيه. ولكنه أقسم أنه سيرد لهم الصاع صاعين.
في تلك اللحظة، كانت حياة على الطرف الآخر تحاول أن تمسد قلبه بحنان وصدق، وتجعله يشعر أنه بخير. كانت تبعث له بالكلام الحاني، كانت لطيفة تتحدث بهمس وبحب. وكان كل ما يسمع كلامها، كان قلبه كأنه صب عليه الماء البارد يطفيء النار التي في قلبه. كان يعلم أنها الدواء والمأوى، إنها السكن الذي خلق له، إنها حياته التي أقسم أن يجعلها تعيش أحلى ما في دنياه.
هنا تذكرت حياة صديقتها، وبدأت في مشاوشته وقالت: "شفت أهو الناس هتتجوز أهو وإحنا قاعدين."
فابتسم لها وقال: "وأنا فتحت بقي؟ دانا لساني دلدل يا قلبي، وإنتِ اللي تقلان يا قمر."
فضحكت، وأخبرته أن صديقتها موعد زفافها بعد يومين، وأنها تريده أن يأتي معها إلى ذلك الزفاف. فوافق على الفور، وكان ذلك بعد يومين. ظلت تتحدث معه حتى أحسّت أن صوته تحسن، وتمنت له الخير، وأغلقا الخط، وكل منهم لا يفكر ولا يتمنى إلا الآخر.
مر اليومان، واستعدت حياة للفرح. كانت قد لبست فستانًا بسيطًا ولكنه كان رائعًا، فهي من تجعل كل شيء رائعًا، وتجعل ما حولها رائعًا بابتسامتها، وطيبتها، وبساطتها. وقد رفعت شعرها بعشوائية، وبعض الخصل تتهدل منه، ووضعت بعض الملمع الوردي. أرادت أن تصبح جميلة من أجله.
فتحت له الباب، فظل ينظر حوله وقال: "مين؟ إيه؟ فين؟" متسمرًا ينظر إليها بحب شديد، وأكمل: "إنتِ راحة فين بحلاوتك دي؟ خشي يا ماما، مفيش أفراح، دانا قلبي هيقف. تقومي تخليني أتجنن بره."
فاقتربت منه وزقته، وقالت وهي تضحك: "يلا يا بابا، تمشي مؤدب وعينك ما تروحش لا هنا ولا هنا، بقولك أهو."
فاقترب منها وقال: "عين إيه اللي تروح؟ دانا عيني وجعتني من كتر ما ببص على حب عمري. ارحمي عيني شوية من جمالك ده."
فقالت: "ليه؟ مابتشوفش ستات عند اللي مشغلينك؟"
فجاء على الفور أمامها سوزي، وقال: "رخّاص ستات رخيصة، وإنتِ حتة ألماس جوهرة متغلفة ومحطوطة في إزاز. إنتِ الحلم اللي بحلمه ونفسي أخش فيه."
هنا تسهمت واحمر وجهها من كلامه، وتسمرت. فظل يقترب منها وقلبه يرجف من قربه الشديد: "ما تدخلينا دنيا حياتك، إنتِ غلبان وماليش حد."
وهنا فاقت حياة، ودفعته، ونزلت جري من على السلم. وهو واقف مبتسم كالاهبل، ولا يعرف ماذا يفعل مع تلك الشقية. ونزل متمتمًا: "جايلك يوم يا قطتي، وساعتها ورب الكعبة ما أنا عاتقك."
تأبطت يديه واتجه إلى حفل الزفاف، وكانا رائعين.
في تلك الأثناء، كانت هنا قد توطدت علاقتها بحازم. فقد أخذ تليفونها، وظلا يتحدثان إلى أن وقع كل منهم في الآخر. كان حازم شخصًا طيبًا، حنونًا، جادًا. وكانت هنا شخصية لطيفة وبسيطة، ولا تعرف عن التكلف شيئًا، فدخلت قلبه وتوغلت بسهولة.
عند مكان الزفاف، وجد سليم حازم يقف منتظرًا، فقطب جبينه وقال: "إنت بتعمل إيه هنا؟"
قال حازم: "أنا جاي معاك."
فنظر إليه سليم: "ليه؟ ساحب ابن أختي معايا؟"
فاقترب وقال: "أبوس إيدك، البت جاية، وأنا عرفت إن فيه فرح وهموت وأشوفها."
أطرق سليم ضاحكًا ومفكرًا: "آه يا خيبتها." وقال: "طب ماشي، بس بعد كده اللي أمرك بيه يتنفذ، وتعرف سيدك يبقى مين."
فقال حازم: "دانت تؤمر يا كبير."
وهنا وصلت هنا، فوجدت حازم، فسعدت كثيرًا، وانضمت إليهم، وصعدوا جميعًا كل مع معشوقته. وهنا قالت حياة له: "أنا مش مختلطة بأحد قوي، يدوبك هنروح نقعد شوية ونمشي." كان الفرح في مكان صغير صاخب بعض الشيء. وهنا اقتربت هنا وحياة من صديقتهما، وباركتا لهما على الزواج. وفي تلك اللحظة، جاءت نجوان وصديقتها نهى لكي يسلمّا أيضًا على العروسة، وتتمنى لها السعادة.
في تلك الأثناء، سلمت حياة على العروس، وظلت واقفة معها. وكان سليم وحازم يقفان بعيدًا بجوار أحد البلكونات. ثم ذهبت إليه حياة مرة أخرى تستأذنهما وتطمئن عليه. وهنا وقفت مع حازم بعض الوقت، يداعبها ويبث لها حبه. وهنا أشار سليم إليها أن تأخذ راحتها، وظل هو واقفًا بجوار البلكونة.
وفي تلك اللحظة، كان قد رأتهم الحرباية نجوان، وتجولت بعينها. فكانت أول مرة ترى خطيب حياة، لتفتح فمها وتصعق مما رأت. فهي من متابعي الشخصيات العامة، وقد تعرفت على سليم على الفور، وسقط قلبها أن تكون حياة ستحصل على رجل مثله، طول بعرض، بفلوس. فيا حزنك يا حياة. فأصابها الغل والحقد. وهنا لم تقدر أن تصمد أكثر، إلا وقد قررت أن تفرق بين حبيبين، لتبدأ تبث حقدها في تلك الليلة. ولن يهدأ لها بال، حتى لا تمر تلك الليلة إلا وقد غرست أنيابها في قلبيهما، لتفرق عشيقين، بعد أن تكون قد مزعت قلبيهما، ليستمرا أمواتًا أحياء، لا يعلم بحالهم إلا الله.
رواية بائعة السعادة الفصل السادس 6 - بقلم ميفو سلطان
كنا قد توقفنا عند غل بعض البشر وعدم تمكن النفس المريضة من احتمال من هو أحسن منها. هنا تدخلت نجوان لتنشر غلها وحقدها. كنا قد توقفنا وقد عرفت من هو وفتحت هاتفها لتتأكد من معلوماتها. كان شخصية عامة ومشهورة وكانت هي لها في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن حياة ليست مثلها فهي مشغولة كثيراً.
تأكدت نجوان أن سليم السائق هو سليم الحديدي صاحب أكبر مراكز الشحن والتفريغ. أحست بالحقد ينهش قلبها. هنا لم تستطع أن تداري قهرتها، وكانت تعلم أن حياة لا تعلم من هو، فقررت أن تطعنها طعنة شديدة وتغرز أنيابها وتبخ السم في حياتهم لكي تفرق الحبيبين. وظلت تتابع أخبار سليم حتى عرفت كل شيء ومشاكله مع والده وبغضهما لبعضهما. هنا قررت أن تضرب ضربتها صح وتغرز أنيابها في تلك الجميلة.
شدت صديقتها نهى وأخبرتها أن تجاريها في الكلام وتؤمن على كلامها. ذهبت لتقف في الشباك المجاور للبلكونة حتى يسمعها سليم. وهنا بدأت حديثها مع صديقتها نهى قائلة والغل في قلبها:
"ألا عرفتيش آخر الأخبار؟"
فتمادت نهى معها وكان صوتهما يصل لسليم، ولكنه لم يعرهما اهتماماً.
"اسكتي البت حياة دي إيه بت ولا زيها بت."
هنا انتبه سليم، فاسم حبيبته قد جعله ينتبه.
فقالت نهى:
"إيه فرحيني، دانا بحبلها الخير زيك يا نوجه."
أكملت نجوان وهي تشعر بالنشوة:
"اسكتي امبارح كنا معاها في المحل، كانت ناقصاكي القاعدة يا بت يا نونه وقلبنها مسخرة... وياختاي عاللي قالته، طلعت بت بجد وطلعنا احنا أهبل أخواتها."
وأكملت وقالت:
"ما جعل سليم يحس أن قلبه سيقف ويخرج من ضلوعه."
"اسكتي يا بت ضحكنا امبارح لأ."
"وإيه البت حياة دي مسخرة. دا طلعت مش سهلة، نامت نامت وقامت شاقطة ولد من بتوع بابي ومامي."
هنا اتسعت عينا سليم وخفق قلبه واقترب أكثر من النافذة.
وسمع نهى تتساءل:
"ودا هتجيبه منين ياختي؟"
ردت نجوان:
"باين يا بت أبوه ده اللي اسمه عاصم زقه عليها، ماهي بت قمر. لقيته ياختي قاعد عالبحر مدهول ودخلت عليه بالحنجل والمنجل والآه بسكوت وبتاع وتضحك، مانت عارفة طريقتها والبت حلوة والواد وقع في كام يوم. حتة قرطاس."
فضحكا معاً، وكلما تحدثت كلما كانت عروق سليم تنتفخ.
"أقسم بالله."
"ورقدتله والواد ابن ناس مالوش في كهن النسوان. دا كانت حتة قاعدة يا بت يا نهي يا لهوي فاتتك."
فقالت نهى في لهفة:
"كملي كملي."
لتكمل نجوان:
"بس يا ستي والواد من ساعتها مرقداه على حجرها وبتقلك يا بت عنده شئ وشويات ومراكب وبتاع وحاجة كده من بتاعة الأفلام. الناصحة بس بت إيه جدعة. إلا أبوه مش عارف يطول منه حاجة وزقها تقش منه. والا يوم ما جابت الدبل خدته عند عم عبده اللي على أول الشارع ونقحت حتة بتاعة كده ماتسواش، الآه سواق وبتاع."
وهنا كان قلب سليم سيخرج من مكانه، أحس بنار تغلي بداخله وسمع ضحكهما. كان قد بدأ نفسه يضيق، ولكنه أجبر نفسه أن يكمل حوار تلك الحربايتين.
أكملت نجوان:
"وقامت حطاه في حجرها وعشان تخليه ينام خالص كتبتله نص المحل. شوفي يا بت واتعلمي، أستاذة والله والطشت مدلوق. إلا البت قشطة وأبوه حط في بطنه بطيخة، ما البت هتكبش وتديله ومش بعيد تمضيه على حاجة له. بس كانت بارتيته عالأهبل اللي متمرمغ في العز امبارح. وقومت قلتلها والله لو مالناش من الحلو جانب تبقي واطية."
فضحكت وقالت:
"بس يا عبيطة، دانا هبقى حياة هانم الحديدي حسب ونسب وفلوس. وعاصم بيه هيقف معايا. وانتو هتبقوا أصحابي، هغرقوا في الفلوس. هجز منه على قد ما أقدر، دا يتمنالي الرضا."
كانت مبسوطة وبتقلك واد إيه طول بعرض بحلاوة وفلوس متلتلة وقمر كده.
ضحكت نهى وقالت:
"عقبالنا أما نلاقي حد سهل كده نوقعه. مبسوطالها والله."
فردت نجوان:
"هبقى آخدك تحكيلك بتعمل معاه إيه، دا مسوياه عالجنبين وعيب يا سليم واختشي يا سليم."
وانفجرا ضاحكين.
عند تلك اللحظة خرج سليم من المكان كأن الشياطين تلاحقه وانفاسه تمزق رئتيه. ورآه حازم فخرج وراءه ليجده في هذه الحالة يترنح.
"إيه يا سليم مالك؟"
فنظر إليه سليم والدموع تنهمر من عينيه:
"قتلتني يا حازم، قتلتني وطعنتني في صدري. وديني العربية."
فأسرع به حازم وأدخله العربة وظل يلتقط أنفاسه لا يعرف ماذا يفعل.
"فيه إيه طمني مالك عامل كده ليه؟"
فصمت وقال بتحجر:
"ارجع، ولو سألوك قلهم جالي شغل، ارجع."
فصرخ فيه حازم:
"ارجع فين؟ أنت مجنون، أنت مش شايف نفسك، هيجيلك جلطة من منظرك."
فصرخ به سليم:
"اعمل اللي قلتلك عليه."
وزقه وقفل الباب وركن على الكرسي.
وهنا امتثل حازم إليه ودخل مرة أخرى إلى الداخل والقلق ينهش قلبه على رفيق عمره، ليخبر هنا وحياة أن سليم استدعاه صاحب الشغل لشيء ضروري كثيراً.
أثناء ذلك كان سليم في دنيا غير الدنيا. كان كأن طعنات العالم دخلت في قلبه، لا يصدق أن محبوبته تفعل به ذلك. كان كالمجنون يهز رأسه يميناً وشمالاً ليحاول أن يستوعب كل تلك القذارة وكل ذلك التمثيل. كل هذا كذب. طب إزاي وليه؟ كل هذا عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ هي كل الناس تنهش في بعضها عشان الفلوس؟ مزقوقة عليا من عاصم. عاصم. عشان الفلوس. ملعون أبو الفلوس اللي تخلي الناس تعمل في بعضها كده. ليه عملت فيا كده؟ أنا وصلت معاها لدرجة العشق. أنا اتعمل فيا كده. لا وهيا كل ده تمثيل. إيه التمثيل الجبار ده؟ إيه ده؟ إنتي إزاي كده؟ إنتي إزاي بالقسوة دي؟ إزاي تقطعي وتمزعي في قلبي كده؟ ده أنا حبيتك. كل جرمي إني أنا حبيتك. هو اللي يحب في الدنيا دي يتقتل كده؟ ينطعن كده؟ آآآآآه يا قلبي. اه. اه يا وجعي. حاسس إن قلبي هيتشق نصين وصدري طابق على نفسي. يا رب أنا عملت إيه لكل ده يا رب؟ حكمتك يا رب. أنا عشقتها يا رب. عشقتها يا رب. وهيا هيا بتضحك علي. أنا سليم الحديدي. حتة بنت زي دي تنزق وتضحك علي. والتعبان التاني يلف ويجيب لي حية تلاعبني. وانت كمان يا سليم أمنت قوي، مصدقت برؤيتها وقال إيه بائعة السعادة. فعلاً باعت ليا السعادة الوهمية. نيمتني وبعدين لدعتني في قلبي. دي مش بني آدمة، دي تعبان، دي حية عايزة تبقى هانم. مرات سليم الحديدي تفرق إيه عن سوزي؟ حتى سوزي أنضف منها، متصالحة مع نفسها هي وأمها وعايزين الفلوس. وده كل اللي عايزينه. إنما دي أقذر من القذارة، عايزة تاخذ حب وفلوس واهتمام. عايزة تشيل وتقش وتلم. تبيع نفسها عشان الفلوس. ماشي يا عاصم. عايزة تاخذ الجمل بما حمل.
وظل يضحك بعض الوقت ويخبط على صدره وهو يصرخ كالمجنون من الوجع. ويقول:
"بقيت قرطاس يا سليم. على آخر الزمن سليم الحديدي بقى قرطاس. واتنيم على رجل أفعى. سليم الحديدي اندعك وشه في الأرض وافتكر أن الدنيا ممكن يبقى فيها حد يحب. أنا دنيتي سودا من أولها لآخرها. لأ وكنت هدخلها بيتي أزود عدد الحيات، واحدة. أزود عدد السواد، واحدة. هازود العقارب، واحدة. لا وتتحالف مع التعبان الكبير وتلف عليا تنهشني. أربي وأكبر وهي بتلدغني من ورايا. منيماني مفكراني أهبل وبريء.
ظل يصرخ ويخبط على العربة ولا يعرف ماذا يفعل. كان وجعه شديد. أدار العربة وسار بها بسرعة جنونية وظل يهيم ويهيم ولا يعرف أي وجهة يتوجهها. فليس له أحد في هذه الدنيا. أين سيذهب؟ أ يذهب إلى أمه بعد أن قال لها أنه وجد سعادته في الدنيا ويخبرها أنه وجد حية رقطاء بمساعدة أبيه؟ كان سيوجع قلبه وقلبها.
لا يعلم ماذا يفعل وماذا سيفعل. كان يدور ويدور حتى أصبح في منتصف الليل وهنا توقف في أحد الشوارع من تعبه. كان قد انتهى تماماً من وجع قلبه الشديد وموت روحه بداخله. هي كانت الروح والنفس الذي يتنفسه. وظل صامتاً لبعض الوقت لا يعلم ماذا يفعل. كان قد وضع رأسه على مقود السيارة. كانت الدموع تتساقط وكان صامتاً. وظل يتردد بداخله ويتخيل صوت الحية مقاطع كلامها يتردد في أذانه.
"عايزة تبقى هانم. عايزة الفلوس والحسب والنسب. عايزة الفلوس والحسب والنسب."
هنا رفع سليم رأسه كأن دخلت كل الشياطين بداخله. فتحولت نظراته إلى الجمر وقال:
"ما بقاش سليم الحديدي أما كنت أرد لك القلم يا حياة وأرشقه في قلبك وأخليك عبرة للي بس يفكر يضحك على سليم الحديدي. ما بقاش سليم الحديدي عن حق إن ماخرجت قلبك وموتك بحسرتك على كل اللي عملتيه فيا. ما بقاش سليم الحديدي إن ماكنت أطلع روحك وأشوفك قدامي تتقطعي من الوجع."
ساعتها وخبط على قلبه وقال:
"ناري ساعتها جايز تبرد. جايز تبرد."
"وده عمره ما هيبرد ناري. أنا نفسي أطلع قلبك بيدي وأعرفك يعني إيه هو الوجع عن حق. ماشي يا حياة اللي قدامك دلوقتي مش سليم الحديدي الأهبل اللي غفلتيه. اللي قدام ابن عاصم الحديدي اللي اتفقتي معاه. سليم الحديدي ابن عاصم ابن الشر كله اللي هوريهولك. وهيعرفك يعني إيه بس تفكري بتضحكي على واحد حبك وعشقك."
وهنا أدار العربة وأكمل وذهب إلى بيته ودخل حجرته في صمت يجلس على السرير وركن عليه وهو تعبان موجوع. ليخطط ماذا سيفعل مع من مزقت فؤاده مع من يظنها أنها الحية الرقطاء.
في تلك الأثناء كان حازم رجع إلى الفرح لتأتي إليه هنا وحياة. وظلت حياة تبحث عن سليم. هنا وهناك. فقال لها إن صاحب العمل استدعاه في مأمورية عاجلة وأنه لم يستطع أن ينتظر. بحث عنك ولكنه اضطر أن يرحل خوفاً من ذلك الرجل. وطلب منهم أن كل واحدة يوصلها إلى بيتها.
كانت حياة قلقة بعض الشيء وغاضبة من ذلك الرجل الذي يعمل عنده سليم لأنها تعتقد أنه بلا رحمة وأنه يعامل سليم معاملة سيئة. فقلبها موجوع على حبيبها. حاولت أكثر من مرة أن تكلمه ولكن كان هو قد أغلق هاتفه حتى يفكر ماذا سيفعل معها. ظل طول الليل يفكر كيف يرد لها طعنتها أضعاف. كيف يجعلها تعض أصابعها من الندم على ما فعلته به وأجرمت في حقه وهو قدم لها وأعطاها قلبه ولكنها قابلت ذلك بالجحود والخيانه. كيف تكون حرباء متلونة كل هذا التلون. كيف يكون ذلك الوجه الجميل ورائه كل هذا الخداع والغدر. وما حرقه أنها تتمسخر عليه مع صديقاتها. ضحك وقال:
"ستصبح مضغة في ألسنتهم. وكان عاصم سيكمل عليه وسيطعنه."
بعدها أحس بالقرف الشديد. كانت أنفاسه تخرج بصعوبة. كانت خناجر تشقق صدره. كان يدور في الحجرة كالمجنون ولا يعرف ماذا يفعل. ولكن كل ما يعرفه لابد أن يحرق قلبها كما فعلت بقلبه. فهو لا يستحق ذلك. كان يتذكر كيف أوقعته وهو بهبله صدقها. كانت صورة خيالية لا تصدق أصلاً ولكنه صدقها. كانت ملاك بزيادة ولكنه لم ينتبه. لقد فتنته بابتسامتها. كان يظن أن عائلته هي الوحيدة التي تتمتع بشر الدنيا ولكنه لم يكن يعرف الشر موجوداً ومتجسداً في هيئة أنثى جميلة. من يراها يظن أن هي ملاكه الحارس وهي إنسية يتلبسها الشيطان.
وهنا جاءت إليه فكرة شيطانية لا تأتي إلا من دماغ سليم عاصم الحديدي. فهو الآن ابن عاصم الحديدي يسترجع كل شرور والده حتى يستطيع أن ينتقم منها.
أخذ بعض الحبوب المهدئة حتى يستطيع أن يخفف ألم قلبه لينام. وهو قد استقر على مخطط لينتقم ممن ظن أنها الحية في حكايته. ليأتي ذلك الزمن الذي سيعض أنامل الندم من فعلته البشعة.
وفي الصباح فتح هاتفه. وهنا جاءت إليه رنة منها. استجمع نفسه وفتح الخط.
تقول بلهفة:
"انت فين يا حبيبي؟"
فاستجمع نفسه وقال بعدم حيلة:
"ما انت عارفه يا حياة صاحب الشغل ما بيرحمش. معلش الفترة الجاية مش هتلاقيني كتير لأن عندي سفريات معاه كتير، بس طبعاً هنتكلم في التليفون يا حبيبتي."
وكان كل ما يقول لها يا حبيبتي تنزل دموعه ويشعر بألم العالم.
كانت حياة تشعر بصوته أن فيه بعض الحزن ولكنها أرجحت أنه حزين من صاحب العمل.
قالت له: "طب وأنا هشوفك امتى؟"
فقال: "يومين كده هيظبط الشغل وعدي عليك يا حبيبتي في المحل."
وهنا قرر أن يتركها ليذهب إلى العمل ويتحجج بأنه وراءه أعمال كثيرة. وهي صدقته بحسن نية، ولم تكن تعرف أنه ينوي أن يغرز في قلبها خناجر قسوته، وستتحول هي إلى جثة هامدة لتفقد روحها بطعنات حبيبها.
مر يومان وهي لا تراه، ويتكلمان على التليفون بصعوبة. ومر يومان آخران وهو لا يتكلم معها أصلاً. فهو لا يستطيع أن يكذب مثلها، فهو إنسان صادق. حاول أن يتكلم، ولكن كان قلبه يمزقه، وكان سيظهر على صوته.
مرت الأيام واستعاد سليم جبروته، مقررًا أن يبدأ في المضي في خطته، والتي ستكون خطة من أبشع وأفجع ما يكون. اتجه إليها ليراها في المحل، كانت ما زالت موجودة تعد علبتها لتذهب إلى الشاطئ. فنظر إليها بسخرية شديدة، ثم محاها بسرعة وقال لها: "ما خلاص يا حياة بقى بطلي قعدتك دي."
كان يحاول أن يتكلم بطبيعية.
اقتربت منه وخبطته على كتفه: "يا سلام يا خويّا، ما أقدرش يا حبيبي، ما أنت عارف إن بسمة الناس هي اللي بتفرحني. ولا انت نسيت انت وقعت ازاي يا بطل؟"
كانت تضحك، ولكنه أخذ الكلمة على محمل الجد، وغل في قلبه أكثر. ذهب معها إلى الشاطئ وهو يراها تتنقل ما بين هذا وهذا لتعطيهم من بعض مخبوزاتها. والحقد ينهش في قلبه، وأنه كان عبيطًا بما يكفي ليظن أن هناك كم براءة بهذا الشكل، وأنه ليس إلا تخطيطًا من حية أفعى رقطاء وتعبان كبير خلفها، ما إن تلف حولك تخنقك وتخنقك وتغرز أنيابها في رقبتك لتفقدك حياتك، وهي تبتسم بسهولة ويسر.
جاءت وجلست بجواره ومسكت يديه وقالت: "انت كويس؟ أنا حاسة إن فيك حاجة."
فضحك وقال: "فيا حاجة؟ لا يا حبيبتي، ما فيش، أهو قرف الشغل، ربنا يتوب علينا بقى."
فقالت له: "يا ابني، ما أنا قلت لك عندنا محل، إيه المشكلة؟ أما تيجي تقف معايا، ما أنت عندك نصه. تعال والحمد لله المحل هيعيشنا، ما يخلينا محتاجين حاجة وهنبقى كويسين."
نظر بعيدًا بسخرية، ثم عاد إليها وقال: "يا حياة، أنا مش هقدر أسيب الشغل، أنا بحب شغلي."
تنهدت وقالت: "طب يا حبيبي، اللي تشوفه."
هنا ظلا يتكلمان لبعض الوقت، وكان يحاول جاهداً أن يبدو طبيعيًا، وكانت تحس بشيء غريب في صوته، وكان هو يبذل مجهودًا جبارًا، فهو يريد أن ينقض على رقبتها ليخرج روحها، ولكنه كان له تخطيط آخر بأنه سينزع روحها من قلبها وستعيش بلا روح.
مرت بعض الأيام وبعض الأسابيع، وهو يتحمل ويتحمل، وحاسس أن قلبه سيخرج من مكانه. ذات يوم وهي تتدلل عليه، فقال لها: "ما تيجي نتجوز يا حياة."
ابتسمت له وقالت: "يعني بسرعة كده؟"
فقال لها: "طب وليه لأ؟ إحنا مستنيين إيه؟ انت لوحدك وأنا لوحدي، ما لناش حد في الدنيا وملناش إلا بعض." وظل يحاول أن يقنعها، وهنا أخيرًا رضخت حياة إليه، فقررت أن تتزوجه، وحددا موعدًا بعد أسبوعين، وسيكون برفقتهم صديقتها هنا وحازم، وسيحتفل احتفالًا بسيطًا، وستلبس فستانًا أبيض بسيطًا، تريد أن لا تكلفه شيئًا، وهي تعلم أنه لو معه لاشتري لها الدنيا بما فيها، ولم تكن تعلم أنه سيشتري دنيتها كلها ويضعها تحت قدمه. وكان يحمل كم من السخرية الشديدة على تلك الأفعال التي يظن أنها أفعال شيطانية وتخطيط لتبدو أمامه فتاة بسيطة تحبه وتتفاني في حبه. ومرت الأيام وهما يعدان للزفاف.
كان قرر أن يكتب الكتاب وسيدخلان في بيت جدتها. هنا قال لها: "كان نفسي أجيب لك الدنيا يا حياة." ثم أحضر لها خاتمًا رائعًا يبدو غاليًا. انبهرت به، ولكنها انتبهت على ما فعل، وقالت: "بس ده غالي قوي يا سليم، إيه اللي انت جبته ده؟"
قال: "هو أنا جبت حاجة؟ انت اللي جبت كل حاجة وأنت اللي عملتي فيا كل حاجة. قصدي عملتي ليا كل حاجة، يبقى ده أقل حاجة أقدر أعملها." ردد في نفسه: "عملتي كل حاجة عشان رخيصة، مفيش ست كده متفانية كده."
فردت: "تقوم تجيب بكل الفلوس اللي معاك خاتم، انت كده ما عادش معاك فلوس يا حبيبي."
ليهتف: "لا يا ستي، بكرة تدبر."
كانت تنظر إلى الخاتم بحب شديد، فهو هدية من حبيبها الوحيد وقلبها. أما هو، فأراد أن يزغلل عينيها ليجعلها تنام أكثر في العسل. ظلت حياة وهنا يشترين بعض ملابس الزفاف. اشترى فستانًا بسيطًا أبيض. وكان يوم زفاف، لبست فستانًا جميلاً من الشيفون الأبيض البسيط، ووضعت تاجًا جميلًا بسيطًا وبعض المكياج البسيط، كانت كأنها ملاك تمشي على الأرض. وكان سليم يبدو في هيئة سليم الحديدي، فعلاً كان ذو هيبة. أراد أن يبدو كما هو، أراد أن يكون في ذلك اليوم سليم الحديدي. ما إن رآها جميلة، حتى أحس بنغزة في قلبه. ليقترب منها سليم. كانت جميلة، وكان قلبه يتمزق من هذا الجمال وهذه البساطة، وهو في نفسه يقول: "كل ده تمثيل من أجل ماذا؟ كيف تفعلين هذا بي يا حبيبتي؟ ماذا فعلت بك؟ لقد أعطيتك قلبي لكي تمزقيه، ولكن اليوم هو أول يوم في تمزيق قلبك ألف مرة."
اقتربت حياة بخجل من سليم، وكان قد تم كتب الكتاب بحضور حازم وهنا وواحد الشهود الآخرين. كانت سعيدة. هذا الذي كانت تتمناه من الدنيا، هو وبس. لم تكن تريد حفلًا كبيرًا أو أصحابًا أو أحدًا إلا هو. لم تكن تريد إلا حبيبها الذي كان كل قلبها. كانت تحس أنها ملكت الدنيا بما فيها، وأنها أخيرًا ستسعد، وأنها ستنام على صدره أخيرًا وتشعر بأمان العالم. أما هو، فكان ينتظر على أحَر من الجمر لكي ينهش قلبها ويخرجه من بين ضلوعها ويضعه تحت قدميه.
ظلا يتسامران جميعًا ومعهم هنا وحازم، ولم يكن حازم يعلم شيئًا عن ما يحدث، ولم يقل له سليم أي شيء حتى يبدو طبيعيًا. وكان حازم وهنا قد توطدت علاقتهما، وكان قد لمح حازم لهنا بأنه يريد الزواج منها، فأشارت له بالموافقة، وهي تشعر بالسعادة.
كانت تظن حياة أن اليوم الذي سيكون يوم سعدها، وأنه بداية حياة جديدة لها. لم تكن تعلم أن ذلك اليوم هو يوم موتها. فقد بدأ سليم عاصم الحديدي أول بدايات الانتقام منها وإشفاء غليله منها. فهي بحسن نية قررت أن تنام في حضن أسد ظن أنه طعن في ظهره مغدورًا، ليزأر. ليغرز مخالبه في قلبها وينهشها بأنيابه، لتصبح حياة بلا حياة، لتصبح حياة بدون روح، جثة تمشي على الأرض.
رواية بائعة السعادة الفصل السابع 7 - بقلم ميفو سلطان
كانت قد أتم سليم وحياة زفافهما وودعا هنا وحازم. وما إن وصل إلى البيت حتى حملها سليم ودخل بها. ظل يدور ويدور وهو يقول لها إنه في منتهى السعادة. كان يفعل معها ما كان يتمناه في الواقع. كانت هي في منتهى الخجل وقلبها يدق من الفرحة. أخيرًا لن تكون وحيدة وأصبح معها حبيبها، نفسها الذي تتنفسه.
ظلا بعض الوقت يتسامران ويأكلان وهو يداعبها. كانت تشعر بالخجل الشديد ولا تعرف ماذا تفعل أمامه. قاما إلى حجرتهما ودخلت حياة لتغير ملابسها. لبست أسدالها فوق ملابس عرسها الحريرية. وكان هو قد انتهى من لبس ملابسه.
عندما خرجت نظر إليها مندهشًا. كانت تفرك في يديها من الخجل وقالت: "هو إحنا مش هنصلي؟"
ابتسم في نفسه بسخرية وقال: "آه طبعًا يا روح قلبي."
وشرعا معها في الصلاة. وما إن انتهى حتى اقترب منها وأزاح أسدالها. ظل ينظر إليها مسحورًا بجمالها بحسرة شديدة ولم ينطق. اتجه إليها مسرعًا فاحتضنها بشدة، يمني نفسه ولو للحظة أن حبيبته الخيالية معه. اقترب منها وكل شخصيتها في خياله أمامه. فقد أزاح الانتقام جانبًا وقرر أن يعيش الدنيا التي لن يدخلها أبدًا. قرر في تلك اللحظة أنها حياته التي يعرفها ونسي أي انتقام قادم. ليحملها ليبدأ معها حياتهما الزوجية التي تظن هي أنها بهذه ستدخل جنته وأنها أخيرًا لن تكون وحيدة.
أما هو فما زال يخطط كيف يطعنها ويزهق روحها. ولكنه في نفس الوقت يتخيل حبيبته التي اعتبرها ميتة ويضمها كحبيبته. فهو يستحق ذلك. يستحق أن ينعم بحبيبته التي ما زالت في خياله، حتى وإن كانت في الواقع أفعى غرزت أنيابها في خصمها وأردته قتيلًا.
قضيا معًا ليلة من ليالي العمر. سيتذكرها إلى الأبد وناما في وقت متأخر يبث كل منهما عشقه للآخر. نامت حياة على صدر سليم وهي تتنهد بحب شديد تدعو الله أن يدوم عليها حبيبها الذي تعلم أنه روحها، وأنه أخيرًا أصبح ظهرها وسندها في هذه الدنيا.
أما هو، بعد أن أخذ حبيبته بين يديه، كان كأنه ملك الدنيا، ولكنه كان في عالم الخيال ملك حبيبته في خياله.
في الصباح، بدأت تستفيق حياة وهي تشعر بسعادة شديدة. مدت يدها لتبحث عن حبيبها وعشقها الأوحد فلم تجده. فتحت عينيها بتنهد وظلت تبحث في الغرفة عنه. لتراه يقف أمام المرآة عاري الصدر يلبس بنطاله. فقالت له بهمس: "صباح الخير يا حبيبي."
لم يرد عليها سليم. فظنت أنه لم يسمعها. وكان يمسك قميصًا في يده. فقطبت جبينها وقامت ولبست روبها واتجهت إليه وحضنته من الخلف وظلت تقبله وتقول: "إيه ده بقى؟ هو أنت ما سمعتنيش وأنا بقول لك صباح الخير؟" وظلت تمرغ وجهها في ظهره. وكان هو مشتعلًا من الداخل ولكنه من الخارج كان كأنه من حديد. أكملت قائلة: "حد يصحى من النوم ويسيب حبيبه كده؟ لا كمان ويلبس. رايح فين يا قلبي؟"
هنا ضحك سليم ضحكة ساخرة وفك يديها من حوله. أخذ قميصه وظل يعدله.
فقطبت حياة جبينها واتجهت إليه ومسكت ذراعه وقالت: "مالك يا حبيبي؟ في إيه؟ أنت مش طبيعي ليه؟ في حاجة أنا زعلتك في حاجة؟ حد يقابل مراته وحبيبته كده الصبح؟"
فصدحت ضحكته وظل يضحك. ثم اقترب منها ساخرًا وظل يقول: "حلوة قوي حبيبته ومراته دي."
حست بشيء غريب يحدث وحست بقبضة في قلبها. فاقتربت منه أكثر واحتضنته وقالت: "إيه يا حبيبي؟ بتكلمني كده ليه؟ حد يصحى الصبح يكلم حبيبته كده؟ بقي هي دي بداية جوازنا؟ زعلتني كده منك."
أردف قائلًا: "تؤ تؤ تؤ. لا والله ماليش حق." ثم زق يديها ودفعها وقال لها: "ما تبطلي بقى الشويتين دول. بلا بداية جوازنا. مش أما يبقى فيه جوازنا أصلًا. بلا قرف يا شيخة. أنت مالك مصدقة نفسك كده؟" وظل يضحك.
حست بقلبشة في صدرها وأن حبيبها يتلبسه شخص آخر. وقالت له: "قرف؟ جوازنا قرف؟" بدأت تشهق بالبكاء.
اقترب منها ومسكها من ذراعها وظل يهزها ويغرز أظافره في ذراعها وهي تصرخ في وجهه. مذبوحة غير مصدقة. فقال بعنف: "بطلي بقى. بطلي. أنت إنسانة مقرفة."
كانت الصدمة كبيرة وفظيعة ومؤلمة لقلبها. فقلبها النقي ونفسها السمحة لم تقدر أن تستوعب كل هذا. ظلت تنظر إليه وتحرك رأسها بعدم تصديق وصرخت: "أنت اتجننت؟ بتعمل كده ليه؟ أنت عقلك مات؟ ولا جراله حاجة؟ إحنا اتجوزنا امبارح. أنا مراتك اللي قلت لي عمرك اللي جاي. أنا حبيبتك يا سليم." كانت تشهق بعنف: "والله حبيبتك مش كده. والنبي رد عليا."
ضحك سليم واقترب منها وقال لها: "أنت يا حلوة. أنت نسيتي أنا مين؟ أنا سليم الحديدي اللي ما بيقربش من الزبالة إلا مرة واحدة."
كانت الخبطات تنزل عليها وتهوي على قلبها وهي على شفا حافة الجنون والشهقات ستزهق روحها. أهذا هو حبيبها؟ أهذا الذي وعدها بالأمان؟ ظل عقلها لا يستوعب تلبسه الغباء وقلبها يتمزق على حب عمرها. فهو الباقي لها كي يدق قلبها. ما هذا الجحيم الذي انغرست فيه؟
وأخذ قميصه وظل يلبس بهدوء. ثم أخرج دفترًا من الشيكات وكتب فيه مبلغ 100 ألف جنيه. اتجه إليها وفتح يديها ووضعهم بها. وقال: "أظن ده أكتر من اللي كنتي بتحلمي بيه وده اللي بتخططي له من الأول مع عاصم بيه. وأكيد اداكي زيهم. وأنا سبتك بمزاجي. سليم الحديدي صاحب شركات الحديدي مش أي حد يضحك عليه يا قطة."
لم تستوعب ما كان يقول. فضحكت بحرقة والدموع تسيل بغزارة على رفيق قلبها وقالت: "أنت بتتكلم عن مين؟ عاصم مين؟ أنت مجنون صح؟ وإيه الفلوس دي؟ وبتتكلم كده ليه؟" فصرخت: "أنت بتعمل كده ليه؟ أنت مين؟ أنت مش سليم حبيبي. أنت أنت.. أنا ما أعرفكش."
هنا أخرج تليفونه وقال لها: "بتكلم عن ده." ليريها صورته مع سوزي وتحتها كلام فحواه أن سليم الحديدي صاحب شركات النقل من أغنى أغنياء البلد، قد تمت خطبته على ابن عمه سوزي هانم الحديدي عن قصة حب شديدة وسيتم زواجهما قريباً.
أحست بشيء من البلاهة والتجمد ونشفت دماؤها في عروقها وهي تنظر إلى الصورة. ثم تنظر إليه. ثم تنظر إلى الشيك في يديها. ثم تكرر ذلك ببلاهة وتهز رأسها بعدم تصديق. وكل ما صدر عنها أنات اعتراض وقالت: "لا. أنت بتكذب. والله بتكذب. عشان خاطر ربنا بتكذب." كانت شهقاتها تمزقها. "أنت سليم حبيبي أنا. أنت اللي عايشة عشانه. أنت اللي قلبي هيموت وراه. أنت كل ما ليا. أنت اللي حياة موجودة بسببك. أنت أنت..." وتجهمت وظلت تهز رأسها وتئن وتهذي: "فلوس.. سليم مش سليم.. خطوبة.." كانت تشهق بشدة ويخرج الكلام بصعوبة وعيناها أصبحت كؤوسًا حمراء من البكاء. كان لا يلتفت إليها. يكمل لبس قميصه. لتقترب منه وتقول: "لا مش حقيقي. مش حقيقي. مش ممكن تعمل فيا كده. أوعى تقول إنك عملت فيا كده؟ يعني إيه اللي أنت عملته ده؟" كان وجعها في قلبها ثقيلًا على نفسها. وضعت يدها على صدرها ودموعها تنساب بشدة وتشهق.
اقترب منها ويقول لها بفحيح شديد: "ليه؟ أنت فاكرة إن أنا ممكن أحب جربوعة زيك؟ متأجرة من شيطان مابيعرفش إلا الوساخة؟ واحدة جربوعة لا أهل ولا عيلة ولا ليها حد في الدنيا بتجيب الرجالة من الشوارع؟ لما تكوني فاكرة إنك ضحكتي عليا؟ لا يا ماما. أنا فضلت معاكي بمزاجي وأخذت مزاجي منك ورميتك. وأظن الفلوس دي ثمن ليلة قضيناها. أنا أصلًا مستكثرها. بس ما يهمش. هي كانت ليلة حلوة برضه. خدي خدي. ما تتكسفيش يا شيخة. هو أصلًا دا مقامك وهو ده اللي تستحقيه. ولا مش عاجبك الفلوس؟" فضحك بشدة وقال لها: "عادي. ممكن نبقى نكررها. وأديكي اللي فيه النصيب."
اتجهت إليه تحاول أن تتلمسه لعلها تكون في خيالها. ولكنه نهرها بشدة وقال: "يدك تتمد عليا؟ هقطعهالك." كان قد لبس قميصه وكاد يكمل غلقه. إلا أنه اقترب منها وقال: "آه صحيح. نسيت أقول لك حاجة مهمة." واقترب وهمس بصوت كالشياطين: "زي ما فرحتي أوي بجوازنا أنت وعاصم. فيه حاجة مهمة هتفرحه هو أكتر." فهمس بفحيح: "أنت طالق." واستدار ليكمل بقية ملابسه بجمود بعد أن أتم ذبحها بتفوق.
وفي تلك اللحظة ظلت تتراجع وتتراجع وهي في حالة من اللاوعي. إلى أن وصلت إلى طرف السرير ووقعت على الأرض ولم تحس بشيء. كانت تنظر إليه وبيدها الشيك. وكان كل كلامه يتردد في عقلها. وكلما سمعت كلامه تهز رأسها بجنون. وكان الألم أقصى ما يمكن أن تتحمله. كانت أصبحت في عالم آخر في دنيا أخرى. لم تعد تحس بشيء. كانت لم تعد تحس أنها موجودة. كان كل ما حولها أصبح لا وجود له. كانت غائبة تمامًا مع ذكرياتها معه ووعده لها أن يكون ظهرها. كانت تهيم بحبه لها وأحست أنها استيقظت في وسط كابوس. حبيبها مش حبيبها. واحد عجبته واحدة. وقضى معها ليلة بفلوس. كان كل ما تفعله تهز رأسها بهستيرية. يعني إيه مفيش سليم؟ مفيش روحي ونفسي؟ مفيش... وتستمر بهز رأسها والدموع تتساقط بهدوء. كانت قد بدأت تستكين وتنظر إلى الشيك في يديها.
أما هو، فكان بين الحين والآخر ينظر إليها من المرآة. ليلاحظ أنها لا تتحرك وأصبحت ساكنة وعيناها تذرف الدموع من دون تعبير. قطب جبينه مستغربًا من فعلتها. فمثلها لابد سيكون سعيدًا بالمال حتى وإن كانت تطلب أكثر وتتوقع أكثر. إنها كانت ستكون زوجته. أو حتى تتبجح وتتطاول عليه.
أما تلك المتدمرة بالكامل، حالة من التوهان والانفصال عن الواقع التام. وفاق الألم احتمالها فسكنت. وإذ فجأة تأتي أمامها صورة جدتها وهي تبتسم لها. وظلت تغمض عينيها وتفتحها لتجد جدتها تفتح يديها إليها وتبتسم. وفي تلك اللحظة همست وقالت بحب وغلب شديد: "أنت أنت هنا يا تيته." كان كل ما يهمها أن ترمي في أحضان جدتها لتغيب عن هذا العالم. فهي لم تعد فيه من الأساس.
كان هو يغلق أزرار قميصه. ولكنه قطب جبينه عندما سمعها تردد استدعاءها لجدتها مستغربًا بشدة. ليستدير ببطء وتوجس. ليجد من ألهبت فؤاده في عالم آخر ودنيا أخرى. وعلى وجهها سكون الدنيا كله. وعلى فمها شبه ابتسامة رائعة تظهر نغرتيها الرائعتين. وتنادي جدتها وعيناها متسمرتان على مكان واحد كأنها تراها. والدموع تنساب دون أي تعابير على وجهها. فاستدارا وقال ساخرًا: "ما بلاش الحبتين دول. أظن إحنا فاهمين بعض كويس." وضحك بصوت عالٍ. ولكنها لم تسمعه أصلًا ولم تشعر به. ولم يصدر عنها أي إشارة أنها سمعته. كانت في عالمها تنادي على جدتها. فكانت تراها تفتح لها يديها. كانت حياة قد بدأت ترفع يديها لتمدها لتمسك يد جدتها.
وهنا شعر سليم ببعض القلق واقترب منها بهدوء شديد وجثا على ركبتيه وقال لها ساخرًا: "ما تتلمي في ليلتك دي بقى كفاية." أظن لو ما اتعدلتيش هاخذ الشيك من إيدك. فلم تحرك ساكنًا. وساعتها أخذ الشيك وهو يتفرس فيها قائلًا: "تبقى لا طولت الأرض ولا طولت السماء." وأخذ الشيك من يدها. فلم يصدر عنها أي إشارة. وكانت ما زالت تنادي جدتها وتبتسم وعلى وجهها بعض الهدوء ولانت ملامحها. وهنا أحس ببعض القلق والذعر عليها والخوف الشديد. فهي معشوقته بعد كل ذلك. ولكنه لا يعلم أهيا تمثل أم يوجد شيء بها. اقترب منها أكثر ومسك يديها الاثنين. وظل يهزها ويضغط عليها ويقول ويصرخ بها: "بطلي بقى. أنت عايزة تجننيني." وهي على ما هي عليه. حالمة بهدوء شاخصة أمامها ناظرة إلى جدتها وتحاول أن تمد يدها إلى مكانها. فهي ترى جدتها تفتح لها ذراعيها. ولكنه في تلك الأثناء لم يتركها. وأحس بالرعب الشديد. فأراد أن يجعلها تتكلم. فإذا به يقوم بصفعها على وجهها. ولكنها لم تبدي أي إشارة. وظلت كما هي. ظل يصفعها على وجهها من الرعب عليها حتى سالت الدماء من فمها. وهي ما زالت كما هي تنادي جدتها وتبتسم بهدوء وتحاول أن ترفع يديها لتحتضن جدتها. كان يحركها يمينًا وشمالًا لعلها تصدر حركة. ولكن محال. ليصرخ: "أنت عاملة كده ليه؟ حرام اللي بيجرالي ده. أنت هتموتيني. أنت مالك؟" هنا أحس بالرعب وأن هناك شيئًا خاطئًا. وأحس بالذعر. ولم يعرف ماذا يفعل. فحبيبته يبدو أنها ترى أشباحًا ودموعها تنزل بهدوء وسكينة دون أي تفاعل منها. سكون وارتياح وهدوء تام. هنا تملكه الذعر. قام جاريًا يبحث عن شيء ليلبسه إياها فوق قميصها الحريري.
حملها ووضعها في عربته، وهي بنفس الحالة وابتسامتها الخفيفة الحالمه على وجهها. اتجه بها إلى مشفى صديقه، وقلبه ينهشه على حبيبته، فهي كانت تبدو في حالة غير طبيعية.
دخل حاملاً إياها وهي متدلية بين يديه، فاتحة عينيها. بدأ الطبيب يكشف عليها ليعرف ماذا بها ويحاول أن يفيقها، ولكن بلا جدوى. حياة لم تعد حياة، فهي تركت الحياة في هذه الدنيا. لقد انفصلت عن الواقع تمامًا ولم تعد تحس أو تعي أي شيء. كل ما كانت تراه هو جدتها وابتسامتها، وكان كل ما يصدر عنها كل حين وآخر ابتسامة خفيفة على وجهها، ولا يصدر عنها أي تعبير آخر.
هنا خرج الطبيب إلى سليم الذي كان القلق ينهش قلبه، وقال له:
"الحالة تعرضت لصدمة شديدة أفقدتها وعيها وأصبحت منفصلة عن العالم، مكونة لنفسها عالم آخر لا نعرف متى ستعود منه. تعرضت لكم من الألم الذي لم تحتمله، والصدمة أثرت عليها. فكر عقلها لا إرادياً أن ينفصل عن هذا العالم لأن الألم لم يحتمله الجسم، ولا نعلم متى تستطيع أن تعود إلى ذلك العالم مرة أخرى."
ظل سليم ينظر إليه بذهول قائلاً:
"يعني إيه؟ أنت جاي وتقول إيه؟ أنا مراتي في دنيا تانية، يعني ده مش تمثيل؟"
قال له صديقه:
"أنا مش عيل صغير، أنا دكتور كبير، وأظن أنت عارف أنا مين. المدام تعرضت لصدمة شديدة لم يتحملها الجسم أفقدتها القدرة على التعايش، فالألم كان لا يحتمل، فانفصلت بنفسها عن هذا الواقع لتدخل في عالم بالنسبة لها يسعدها، ولكننا لا نعرف ما هو. هناك الكثير من هذه الحالات ونحن لا نعلم متى ستعود وكيف ستعود. كل ما علينا أن نحاول أن نكون بجانبها وأن يكون بجانبها من يحبونها حتى يكون عندها هدف للرجوع للحياة."
ثم تركه وانصرف متصنماً، وفي عقله مئة ومئة سؤال. أحقاً كانت تتألم لهذه الدرجة؟ قطب جبينه: "معنى كده إنها... لا لا مش ممكن تكون بتحبني.. لا مش حقيقي.. يعني بتحبني فعلاً.. دانا أموت فيها.. آآآه يا قلبي". اتصل بصديقه حازم وطلب منهم أن يأتوا إليه، فهو على شفا الجنون، مستغرباً كيف تتألم كل هذا الألم لتصل إلى ما هي إليه، وكيف تكون مخادعة هكذا ولا تتحمل ثمن فعلتها، أم أنها لم تفعل شيئاً؟ كان سيجن، فهي أرادت المال وهو أعطاها المال بزيادة، فما الذي حدث؟ كان يدور حول نفسه كالمعتوه.
وهنا أتى إليه حازم ليرى صديقه في حالة غريبة يرثى لها، مصعوقاً من منظره. كانت عيناه حمراوين، مشعث الشعر، وحالته شاحبة الوجه. اقترب منه قائلاً:
"فيك إيه؟ مالك؟ إيه اللي حصل؟ أنت هنا ليه؟ وفين حياة؟"
نزلت الدمعة من عينيه وقال:
"حياة راحت خلاص.. حياة سابت الدنيا دي وراحت دنيا تانية."
فنظر إليه حازم صارخاً في وجهه:
"انت بتقول إيه؟ حياة ماتت؟"
فرفع سليم رأسه ولم يعد يتحمل أكثر من ذلك، وأجش في البكاء:
"حياة جوه شبه ميتة، لا هي عايشة ولا هي صاحية، عايشة في الدنيا اللي هي اختارتها."
فهزه حازم وقال له:
"فيه إيه؟ انطق قل لي عملت فيها إيه؟ إيه اللي حصل؟ ما تتكلم يا أخي."
وهنا بدأ سليم يقص عليه كل شيء منذ أن بخت تلك الأفعى سمومها إليه، مروراً بما فعله بها حتى ما حدث لها في النهاية.
ظل حازم ينظر إليه بعض الوقت وهو غير مصدق البشاعة التي فعلها بها صديقه، فقال له:
"انت عملت كده؟ كان مذهولاً. انت يا سليم.. مين دول أصلاً اللي كانوا بيتكلموا؟ وعرفت منين إنهم أصحابها؟ وعرفت منين إنهم عارفين عنكم كل حاجة. واتأكدت إزاي إنها تعرف عاصم؟ انت طول الوقت عمال تحكي لي عن الملاك، هو في ملاك بيقعد يمثل الفترة دي كلها؟ انت اتأكدت من اللي حصل؟ طب ما قلتلهاش ليه وصارحتها؟ واجهها حتى يا أخي لو كانت كده كنت سيبها وارميها. كنت رحت واجه أبوك.. حد يعمل في حد كده؟ لا انت مش سليم أخويا وصاحبي. مفيش بني آدم يعمل كده."
كان سليم كأن على رأسه الطير:
"طب افرض هي مظلومة وده اللي باين من اللي حصل، إن هي ما قدرتش تتحمل البشاعة اللي انت عملتها فيها، هتعمل إيه؟ أنا عن نفسي مش مصدق أي كلمة من اللي اتقالت."
رفع سليم عينيه وهو يبكي من كلام صديقه:
"دانا أموت ساعتها."
كان صديقه يتكلم معه وكل ما يتكلم كان قلبه يتمزق على فعلته البشعة، والذل الذي أذله لها. كان لا يفعل فعلته إلا المجرمون. لو كانت صادقة كما يقول حازم، فكيف سيعيش؟ كيف كسر قلبها؟ كيف فعل ذلك؟
وهنا اقترب منه حازم وقال له:
"انت لازم تفوق لنفسك وتتأكد من الكلام اللي انت بتقوله ده، مش أي حد يجي يقول لك كلمتين تقوم مصدقهم. أنا مش قادر أصدق، مش سليم الحديدي اللي أي حد يقدر بالسهولة دي يضحك عليه ويخليه يصدق أي كلام والسلام. روح يا سليم وتحقق بنفسك وشوف فعلاً الغلبانة اللي جوه دي، يا ترى هي وحشة ومتأجرة زي ما انت بتقول، وده أشُك فيه، ولا هي الملاك اللي ما قدرتش تستحمل اللي حصل لها فانفصلت عن الدنيا دي برغبتها، لأنها مقدرتش تستحمل الألم اللي انت عملته فيها."
ظل سليم محني الرأس، لا يعرف ماذا يقول ولا يعرف ماذا يفعل. فقرر أن يدخل على حبيبته ليراها، ليعرف ما هي الحالة التي وصلت إليها. دخل سليم ليجد زوجته، حبيبته، وروح قلبه، تجلس بهدوء تنظر إلى الفراغ، لا يوجد عليها أي تعبير. تركز عينيها في مكان واحد، وكل حين يأتِ على وجهها شبه ابتسامة، ثم تعود مرة أخرى إلى ما كانت عليه من الجمود وعدم الوعي. كان قد تذكر أنها كانت تنادي جدتها، اعتقد أنها الآن مع جدتها وتبتسم لها. فأحس بالوجع في قلبه شديد. كانت لا حول لها ولا قوة. اقترب منها ومسد على شعرها وناداها، ولكن لم تستجب له. ثم اقترب وجلس بجوارها، هيا شاردة والدموع تنزل لا إرادياً، وتعابير وجهها حالمة. ليمد يده ليتلمس دموعها ببطء، متتبعاً تساقطهم حتى وصل لشفتيها وظل يلامسها، ولكنها في عالم آخر. وهنا خرج سريعاً وأجهش بالبكاء.
اقترب منه حازم وحضنه وقال:
"الأول انت أخويا وحبيبي ولازم تبقى قوي عشان اللي هي فيه مش سهل. انت آه سمعت كلام يوجعك، بس كان لازم تتحقق منه بأي طريقة. انت لازم تتحقق من الكلام ده يا سليم، شوف البنتين دول مين وهاتهم، انت تعرف كويس تقدر تخليهم يقولوا هي فعلاً الوحشة اللي انت عملت فيها كده، والا لأ. حتى لو كانت وحشة يا سليم، ما حدش أبداً يستحق اللي يتعمل فيه كده. ده ذبح بالبطيء. أتمنى يا صاحبي إنك تعرف توصل للحقيقة، لأنك بالشكل ده هتتجنن. أنا بصراحة شاكك في الكلام اللي اتقال، وخصوصاً انت شايف حالتها لا حول لها ولا قوة. وكمان هنا مش لازم تعرف حاجة. مش هتسكت، قل لها أي حاجة، وقعت، اتخبطت، لأنها مش هتسيبك وأنت مش ناقص، وكمان عشان تساعدك في حالتها. أوعى يا سليم تنطق بالنصيبة اللي عملتها."
هنا خرج سليم من المشفى بسرعة والدموع تسيل من عينيه، وركب عربته. أيعقل أن تكون بريئة؟ كان لا يصدق أنه ذبح حبيبته وروح قلبه. ماذا لو كان هو الوحش الذي قتل الجميلة؟ كيف سيتعايش مع ذلك؟ أحس بهستيرية وظل يصرخ من الوجع. في تلك اللحظة تحول سليم إلى شخص آخر، يصرخ ويخبط حتى دمت يديه، وظل ينهج فترة من الجمود وتصلب وجهه. وهنا كانت حياته متوقفة على التحقق مما حدث، أن يعرف كل شيء. رفع تليفونه، اتصل بأحد حراسه وأخبرهم أن هناك فتاتين، وقال أوصافهم ومكان محلهم، وأنه يريدهم أن يأتوا بهم إليه ويذهبوا بهم إلى مخزن الشحن في المصنع من دون أن يدري أحد. ليبدأ سليم الحديدي أول خطوة في معرفة كم الطعنات التي وجهت لظهره، ليستدير هو ويغرز أضعافها في قلب حبيبته. ليعرف أن سليم تحول إلى عاصم وانتزع قلب حبيبته نزعاً من مكانه، فأدماها وأردها هائمة في عالم ليس عالمنا. ليعرف ويدرك أنه بتربيته غير السوية صدق وفعل فعلته الشنعاء لتموت حبيبته حية. هنا توجه سليم وقد قرر أن ينتزع قلب من فعل به ذلك، وأن يعرف حقيقة تلك الأفعيين اللتين خططتا لنهش قلبه وقلب تلك المسكينة التي لم تعد في هذه الدنيا، مبتعدة عنها ببشاعتها وكم الغل الذي يبثه البشر لبعضهم.
رواية بائعة السعادة الفصل الثامن 8 - بقلم ميفو سلطان
كنا قد توقنا عند ادراك سليم ان طعنته الغادره قد قتلت حب حياته وقتلت سعادته وانه في سبيله لمعرفه كم البشاعه التي الحقها بها دون ذنب.
هنا ذهب سليم الى المكان المحدد منتظرا حتى اتت الفتاتين وكلا منها معصوبه العينين مربوطه اليدين وكانوا في حاله من الاغماء والاعياء. ثم رماهم الحرس تحت قدم سليم فاقدين الوعي تماما.
وهنا امر سليم الحرس لايقاظهم ورفع شريط عينيهما. وما ان قام الحرس بافاقتهم حتى اصابهم الفزع عندما رأو سليم امامهم وظلا يصرخان.
فأشار بهدوء الى الحارث: "من منكم نجوان؟"
اشارت نهي صديقه نجوان اليها برعب.
اقترب منها وقال: "شوفي بقى يا حلوه منك ليها.. انتو اوسخ من الوساخه نفسها. وكان يحوم حول نجوان وهيا عينيها ستتمزق من الرعب. وعملتو عملتكو وافتكرتو انكو هتفلتو مني. وماتعرفوش ان اللي يقرب ناحيه سليم الحديدي او حاجه تخصه فيها دبحه. فانا بقي قررت اشوف واعرف انتو ملتكو ايه عشان هطلعها في ايدي ونجيب اللي في مصارينكو كله تجاه حياه.. نركز بقه كده والا ايه."
وزق نجوان ونهي بقدميه: "هنجيبه من الاول ونعيده وترجعي تقولي لي بالضبط اللي كنت بتبخيه جنب الشباك كان ايه سببه وليه. واعرفو اني في لحظه ممكن تندفنو حيين ولا من شاف ولا من دري. ماهو مش انا اللي شويه نسوان يلطخوني علي قفايا."
كان قد تملك الرعب من الفتاتان وهم يرون شكل سليم الذي تحول الي شيطان ومنظر الحرس يبث الرعب اكثر واكثر.
هنا صرخت نهى وقالت: "انا ما ليش دعوه انا ما عملتش حاجه."
هنا شتمتها نجوان: "انت واحده حيوانه اخرسي."
هنا تاكد سليم ان هناك شيء غريب.
اقترب من نجوان: "ماهو لو ما بختيش اللي في بطنك مش هيحصلك طيب."
وهنا قالت: "احنا ماعملناش حاجه وكدبناش في حاجه."
هنا اتجه سليم اليها وقال: "امممم مابتعرفبش تكدبي."
ثم هجم عليها ونزل فيها ضرب. كانه يضرب رجلا حتى ادمي وجهها ونزع حزام بنطاله وظل يضرب بها حتي اغمي عليها من الضرب.
هنا صرخت نهي: "والله ما عملت حاجه دا هيا نجوان انا ماعملتش."
هنا تحول نظهره من نجوان بعيدا الي نهي يقول: "كل واحده لها وقتها ما احنا ما فيش ورانا حاجه."
وهنا اقترب من نهى وهي مرعوبه فقال لها: "وانت ايه نظامك بالضبط."
فقالت: "هقول والنبي اللي اعرفه."
فرد عليها: "اي حاجه تقوليها كذب يمين بالله لكون قاطع لسانك."
وهنا امر الحارس ان يحضرو صندوق العده وكان بها اشكال مختلفه من معدات حاده ووضعها امامها وقال: "نقول بقى يا حلوه كده من الاول انت ونجوان كنت مع بعض ولا نجوان هي اللي عملت عملتها السودا لوحدها.. نبخ تاني اللي اتقال عند الشباك مين اللي وراه."
ونزل وامسك احد المعدات الحاده... مكملا: "انت والا نجواااااان.."
هنا صرخت وخافت نهي وقالت له: "انا هاقول لك كل حاجه بس ما تقربليش انا ما ليش دعوه.. انا ما عملتش حاجه هي نجوان اللي عملت كل حاجه هي اللي قالت لي.. هي طول عمرها بتكره حياه وقالت لي تعالي اقفي معايا جنب الشباك جاريني في الكلام.. كانت قالت لي انها عرفت انك باشا كبير وان حياه ما تعرفش.. فقامت قالتلي فانا اسمعي مني و ردي عليا وخلاص.. ده كل اللي قالته ليا.. انما لما كنا واقفين انا اتفاجئت باللي هي قالته بس ما قدرتش اعمل حاجه. انا صحيح ما بحبش حياه بس ما كنتش عايزه اي أذيه ليها بالشكل ده.. انما نجوان بتكرها وانا ما قدرتش الا اني اوافق.. والنبي يا بيه انا غلبانه ونجوان هيا السبب انا ماكنتش اعرف انك بتسمع هيا اللي خططت لكل حاجه."
وهنا هجم عليها سليم وظل يضرب فيها الي ان نزفت من كل مكان.
احس سليم بقلبه يشتعل فكل شيء كذب كل حاجه طلعت كذب في كذب وهو بيديه ذبح حبيبته هو بيديه انهي حياتها. كان يتذكر كل كلمه يقول لها كيف فعل بها ذلك صور تاتي امامه عندما نعتها بالرخص اثم اعطائها المال وانه يعاملها كعاهره كيف زقها بعيدا كانها حشره مقرفه. كيف ادمي قلبها عندما اراها صورته مع بنت عمه. كيف قتلها عندما نعتها بالجربوعه التي لا تعلو الي ان تكون في مقام زوجته كان سيجن من بشاعه كلماته ثم ادمي قلبها عندما يتذكر انه طلقها. طلقها بعد ان قضي معها ليله بالمال ولم يكتفي بل عندما تاهت الي عالمها ظن انها تمثل ونزل فيها ضرب. عن اي حقاره تتحدثون. تذكر تلك الليله ببشاعتها جلوسها على الارض لا حول لها ولا قوه فهو اصبح الشيطان في الحكايه. تذكر منظرها والالم في قلبها وتحولها عندما انفصلت عن واقعنا كان متاكد انها مع جدتها فهي قالت له انها ليس لها احد الاهو وانها يوم ان يكون ليس له وجود في حياتها لن تكون موجوده. ليس لها سند وهو السند. هو الحبيب والقريب ولكنن اصبح لها الخسيس في ابهي حله. تم قتلها وتمزيعها بالبطئ. وهذا فعلا ما حدث فلم تتحمل حياه عدم وجود سليم في حياتها وطعنه لها بهذه الطريقه البشعه التي لا يفعلها الا كل من هو حقير. احس بالدونيه و بالقرف من نفسه صرخ في الحرس: "فوقلي التانيه."
وامر الحراس بان يحلقو لهم رؤوسهم وامتثل الحراس وهما يصرخان من الرعب حتى انتهي الحراس. وكانت نهي كل شويه يغمي عليها.
اتت نجوان وهيا في حاله فزع وتصرخ: "انا ما عملتش حاجه.. انا ما عملتش حاجه سيبوني انت عايز مني ايه."
اقترب منها سليم وياخذها ويرزعها في الحائط وظل يضرب فيها و اشاره لتلك النجوان: "نحكي بقى ولا نكمل ضرب."
كانت لم تعد تستطيع ان تاخذ نفسها فقالت له من بين شهقاتها انها ستحكي له كل شي. بدات تحكي انها عرفت من هو وعرفت عنه كل شئ وخلافاته مع والده ببحثها عنه عالانترنت وانها كانت تريد ان تقول لحياه لانها لا تعلم من انت. ولكنها رفضت لان حياه طيبه وستسامحك ومن حقدي عليها قلت اقلك انت عشان كنت بسمع عنك انك جبروت واللي بيجي عليك بتنسفه قلت اقلك فتحرق قلبها بطريقتك. واستغليت مشاكلك مع والدك وقلت كده. وبذلك تستطيع ان تتركها وتذلها.
وهنا هجم عليها سليم مره اخرى بعد ان انهت الكلام وظل يضرب فيها. "ليه عملتلك ايه بتكرهيها ليه.. دي واحده تتكره انت ايه يا شيخه."
فردت نجوان بغل: "عشان بتحبوها ليه برضه... واحد باشا زيك يحبها ليه فيها ايه زياده."
هنا لم يستطع ان يتحمل فهجم عليها ضربا وهو يهذي: "عشان نضيفه يا زباله يا واطيه عشان قلبها اللي مضوي نور." ظل يضربها حتى اغمي عليها مره اخرى.
واستدار للحراس وصرخ وقال: "كل واحده من دول تفضل مرميه هنا من غير اكل وشرب الا الكفاف.. وتشوف المحل اللي هم فيه مضوهم عليه ويتاخد منهم المحل و يتاخذ منهم اي حاجه معهم ويتربوا مضروبين مكسرين... وكل يوم من ده وكل واحده في اوضه ضلمه لوحدها ولو فتحت بقها تتعجن."
واقترب منهم ووقال بغل شديد: "طول ماهيا مش في الدنيا انتو كمان هتتحبسو وماهتشوفو مخلوق عشان تبقو عبره لمن يحاول ان يمس سليم الحديدي وما يخصه."
وانصرف وتركهم وهم يصرخون ويتوسلون وركب عربته وظل يسوق ويهيم في الشوارع ومن كثره ازدحام راسه توقف فجاه فكان راسه هينفجر ما في مكانها. نزلت دموعه وتذكر يوم زفافه وحنيتها الشديده وجمالها وليلتهم الساحره معا. كانت كالملاك بين يديه وهو يخطط ان يطعنها في الصباح. كانت تظنه روحه واعطته من حبها الكثير وهو اخذ روحها. نامت حالمه علي صدره تشعر بالامان وانه ضهرها ليستيقظ ليقطم ظهرها نصفين. اه لما تنام في حضن تعبان. وطلعت انت التعبان يا سليم. لا اوخ من التعبان. هنا خبط علي قلبه صارخا: "انت تستحق القتل انت مش بني ادم.. ايه القرف ده.. ماكنتش اعرف يا سليم انك زباله كده.. انت فعلا شبه عاصم.. لا شبه ايه انت ابن ابوك فعلا.. زباله في زباله فرقت ايه عن عاصم دا حتي عاصم كان عنده الشجاعه انه يبقي وخ عيني عينك وانت لبدت وقرصت ومووت." وظلت دموعه تنهمر علي روحه التي اصبحت في عالم اخر.
عاد الي المشفي وظل ملاصقا لمحبوبته لايتركها دقيقه وهيا لا تشعر بشئ كان يحدثها ويداعبها ويفكرها بايامهم وهيا كالجثه تماما لا تستجيب. كانت دموعه تنهمر وهو يكره نفسه ويعذبها كل حين واخر. بتأنيبه لها.
مر شهر وكانت حياه كما هيا في دنياها الخاصه ولكن سليم اصبح شخصا اخر. كئيب لا يتكلم خصص لنفسه جناحا بالمشفي للمعيشه ونقل بها اشياءه وعمله لايترك حبيبته الا علي النوم وكان يذهب للعمل للضروره لامضاء الاوراق او مناقشه امور مهمه ويترك حازم يتصرف وهو ملاصق لمعشوقته. كان يطعمها ويمشط شعرها وكان لا يفارقها حتي انها تنام في حضنه كانت وديعه مستسلمه في دنيا الاحلام.
كانت هنا صديقتها قد تعلمت وكان قلبها يتقطع عليها ولكنهم لم يخبروها الحقيقه طبعا. فكانت تاتي لها مع حازم الذي اصبح لا يفارقها ايضا حيث قد عرض عليها الزواج ووافقت بعد ان انفصلا لفتره بعد ان علمت الحقيقه وانه ليس سائقا ولكنه لم يتركها وكان يطاردها وهددها ان يذهب لبيتها وانه لن يتنازل عنها وكانت هيا تحبه وتعشقه فرضخت اخيرا لقلبها ووافقت وتمت خطبتهما ولكنها رفضت الزواج حتي تعود صديقتها اليها. كانت ايضا تساهم في علاج حياه ولكن حياه لم تكن تستجيب الا الي سليم وكان هذا يمزق قلب هنا.
وفي ذات يوم اقترب الطبيب من سليم وقال: "فيه حاجه عايزه اقلك عليها."
فخفق قلب سليم خوفا عليها. فاكمل الطبيب: "عايز اقولك مدام حياه حامل."
احس سليم بقفزه فرح في قلبه. احقا سيكون هناك رابط بينه وبين حبيبته فهو كان قد ردها الي عصمته فورا وكان هذا الخبر كطوق نجاه له لعلها تفوق وتحس بما في داخلها.
دخل سليم عليها واخذها في حضنه وظل يداعب بطنها ويخبرها ان هناك حته منهمها بداخلها وظل يمسد بنعومه علي بطنها. كان دائم الكلام معها دائم الاعتذار كان يحس انها ستسمعه يوما فكان يبثها كل عشقه. كانت حياه تستكين في حضنه ولاحظ الاطبه انه في عدم وجوده يلاحظون بعض سمات التوتر وكان هذا اول درجات الاستجابه فشعر سليم بالسعاده وظل ملتصقا بها كجلدها. لا يفارقها كان قربه يجعلها تتعود عليه اكثر ويصدر منها راحه اليه و استجابات اكثر.
كان قد علم الجميع ان سليم تزوج وكان قد ترك سوزي ولم يعد يذهب الي الفيلا الا قليلا ليري والدته. التي كانت تاخذه في احضانها ويبكي حتي يرتاح. وقالت: "اصبر يا حبيبي بكره تقوم بالسلامه االي حصلها مش قليل."
فرد وقال: "يا ريت يا امي وانا هوطي علي رجليها ابوسها بس ترجعلي." كان قد تحول ولا يستطيع احد من المنزل ان يقترب منه كان قد اصبح شخصا حديديا لاخرين الا مع محبوبته وكان عمه فاضل قد انتظم في عمله واثر عاصم الابتعاد لان سليم في حاله اذا اقترب منه احدا سيقتله. وفي تلك الاثناء كانت مازالت الفتاتان نهي ونجوان محبوسان باذلال واهانه. فهما يستحقان اكثر من ذلك.
مرت الايام والاشهر وهنا تساند سليم بقوه. وسليم لا يفارق حب حياته يتكلم معها ويمسد لها بطنها ويداعبها ويحدثها عن طفلهما. كانت لا يصدر عليها الا القليل من ردات الفعل كان عندما يضع يده علي بطنها ومعها يدها ويحركها كانت تحركها معه وكان سعيدا كان قلبه سيقف مع اي استجابه جديده منها.
وفي احد الايام اتصل به حازم لمشكله في الشركه واضطر ان يذهب فكان هناك مشكله كبيره مع احد الشركات بالخارج فاضطر سليم مجبرا ان يسافر لمده اسبوع. كانت حياه في تلك الفتره بدات بردات فعل لغياب سليم فلم تدع احدا يمشط لها شعرها وكانت لا تاكل الا القليل وبقيه الوقت صامته قاطبه وهذا تطور رهيب في حالتها كما قال الطبيب.
كان سليم يطمئن عليها كل يوم، ويسعد بردود الأفعال هذه، فأحس أن حبيبته بدأت تستعيد دنياها، ولكن أمامها وقت كثير كما يقول الطبيب.
رجع سليم وذهب فورًا إلى روحه وقلبه الذي تركها لأسبوع كامل، فكان هناك ردة فعل أدهشت الكل. كان يقف ينظر إليها بوله وهيام عند الباب، فقد اشتاق لها.
وفجأة، رآها تقوم من مكانها بهدوء وتتجه إليه وتقف بجانبه ملتصقة به، ثم مالت رأسها إمالة خفيفة على كتفه. أحس بأن قلبه سيقف من جمال فعلتها. أحس بأن حبيبته تعرفه وتريده بجانبها.
كان الفرح سيجننه، فأخذها في حضنه كأنه سيخنقها. لم يصدق أنها تعرفت عليه، وأدمعت عيناه. كانت فقط تقف ملتصقة به، ولانت تعبيراتها. وكان هذا أقصى أمانيه، أن تحس بأنه الوحيد في الدنيا الذي بجانبها.
كان هناك كل يوم تطور رهيب في حالتها كما أخبره الطبيب. ما إن أصبحا بمفردهما حتى أخذها بأحضان، فاندست هيا أكثر ولاحظ هو ذلك وسعد كثيرًا. فأخذ يدها وظل يمسد بطنها التي كبرت وظهرت.
كان الحب ينهش قلبه، وخوفه أن تلد ولا تتعرف على طفله، وخوفه الأكبر يوم أن تعود إلى دنيا سليم لتخرج منها كارهة له، ويدخل البغض قلبها متذكرة حقارته معها.
كانت جميلة كالعادة، وأصبحت نظراتها أقل توهاناً، والابتسامة التي كانت ترسمها دائمًا قلت كثيرًا. كانت تبتسم فقط عندما يمسد على بطنها.
كان لوجود سليم العامل الأكبر في تحسنها، فكلامه كله عشق وحب، ولا تفارق أحضانه أبدًا. كان يحدثها كأنها موجودة معه، ويحدثها عن يومه وأمه، وكان يحدثها عن بيتهم، وما ينتظرهم من سعادة وفرح.
ومرت الأيام حتى بدت تثقل حياتها، وأصبح الحمل ينهكها، فبدأت ردود أفعال جديدة بأن تتأوه مثلاً وتصدر أصواتًا دليلًا على التعب والإحساس ببطنها وخبطات الجنين.
أخبر الطبيب أن حالة حياة في تحسن شديد، وأن استجابتها للألم والتعب هو في حد ذاته رجوع إلى الواقع، فهي تشعر بنفسها. وكان قلب سليم سيخرج من مكانه من فرحته، ولكن في نفس الوقت يتخلله الذعر من فقدانها.
مرت الأيام وكانت حياة تنام بين أحضان سليم. ثم حدث فجأة مما جعل سليم يقفز من مكانه من الذعر عندما صرخت حياة من الوجع وظهر عليها الألم الشديد. فقفز من مكانه ليضغط على زر الأطباء لتدخل عليه ممرضة لتجد حياة تحتها بعض المياه، وهذا دليل ولادة.
وكانت حياة كل حين وحين تصرخ ثم تتأوه، وفجأة نظرت إليه، ولأول مرة يسمع صوتها منذ أشهر ينزل على قلبه يلهبه أكثر، صوتها الذي يشبه الألحان. كانت تنظر إليه وبدأت تزرف الدموع وتضع يدها على بطنها وتقول: "سليم.. فيه هنا وجع."
هنا أخذها بين أحضانه غير مصدق.
"انتي بتتكلمي؟ بتتكلمي يا روحي؟ انتي قلتي اسمي صح؟ ناديتي على سليم حبيبك؟ حياة انتي سمعاني؟"
ولكنها صرخت مرة أخرى. كان قد حضر الطبيب وبدأوا لتجهيزها، وبدأت هيا تتوجع وتصرخ وتمسك بيد سليم ولا تتركه. وعلى الفور اتجهوا إلى غرفة العمليات، وكان هو معها. وكانت هيا تصرخ وتصرخ، فالألم لا يحتمل، وتذرف الدموع متشبثة في يديه قائلة: "سليم.. سليم."
وصرخت، كان كأنها عادت للحياة مرة أخرى، فسبحانك ربي. فالألم كان رفيقها، فمن أفقدها روحها وسلبها منها هو الألم، وهو أيضًا من أعطاها الحياة، هو أيضًا الألم، ولكنه كان ألم الرزق وليس الفقد. فربك رحيم، في وسط شدة الألم يرسل رحماته، وإلا كان قد جن البشر وحدثت فتنة بينهم.
ظلت تنادي باسم سليم بوجع حتى سمعا صوت طفل يصرخ. هنا نظرت إليه حياة مبتسمة متمتمة: "سليم.. أنا جبت بيبي." ثم نامت مرهقة من المخدر.
هنا أحس سليم بأن قلبه سيقف، وأن حياته قد ذكرت اسمه، وأنها وعيت أنها أنجبت طفلًا. كان كمن ملك الدنيا أخيرًا. عادت روحه إليه.
"انت رحيم يا رب."
كان سعيدًا ومرعوبًا في نفس الوقت. كانت قد ولدت طفلة رائعة الجمال تحمل نفس غمازتها. ثم تم نقلها إلى غرفتها مرة أخرى، وكانت مازلت نائمة. وسليم يجلس بجوارها يذرف الدموع لأن فراقهم قد أوشك. فما إن تستيقظ ستلفظه من حياتها. كان يجلس بجوارها يمسك يدها كأنها ستهرب منه. كانت يديه تتلمسها بحنان، ولا تنزل من على شفتيها. فهو يحاول أن يأخذ جرعات من عشقه لأنه يعلم أن القادم هو الأسود بالنسبة له.
فترة من الرعب قضاها وعيونه تذرف دمعًا. حقًا سعيد أنها استيقظت، ولكن الحسرة في قلبه أنها سترميه خارج حياتها، فهو ذلك الحقير الذي طعنها. كان مع كل قبلة يقبلها لها دموعه تسيل وهو يهذي: "ما تسيبينيش يا حياة، طب هركع تحت رجليكي واعملي مابدالك بس ماتسيبينيش. يا رب أنا مش عارف ليه كده. أنا آه طعنتها بس أنا اتربيت في وسط الكره والوساخة وسهل إني صدقت الوساخة. بس ده تربيتي، اتربيت في وسط زبالة. يا رب أنا عارف إني اتجبرت وسحبت روحها، بس أنا ليا سنة بتعذب وقلبي هيتشق نصين. ماتبعدهاش عني يا رب وحنن قلبها عليا. هيا ملاك مش موجود، خليها بقلبها الجميل تسامحني. يا رب ماتفجعنيش فيها."
هنا تاوهت حياة، فأحس بالرعب وبدأت تستفيق وتفتح عينيها. وكان مذعورًا ودموعه تسيل على وجهه، منتظرًا أن تصرخ بوجهه لتلفظه بره حياتها، منتظرًا أن تزهق روحه. كانت دقات قلبه تخرج من مكانها لتستيقظ ناظرة إليه قائلة ما جعله يقفز من مكانه وقلبه كان سيتوقف من ما فعلته، وهيا ت....
رواية بائعة السعادة الفصل التاسع 9 - بقلم ميفو سلطان
كنا قد تركنا سليم وهو يشعر بالرعب، فكانت حياة قد بدأت تستعيد وعيها. وكان وجهها شاحبًا كأن الأشباح تطارده. وضع يده على قلبه يحاول أن يوقفه، وقام وحاول الابتعاد قليلاً حتى لا تفزع من وجوده.
هنا سمع حياة تتأوه ومن ثم تفتح عينيها. أحس بأنه استرد روحه أخيرًا بعودتها إلى الدنيا.
وإنها ستقبض مرة أخرى من رد فعلها. هنا ظلت حياة تحاول أن تعي ما حولها وتجولت بعينيها في الحجرة لتجد سليم يقف مذعورًا بعيدًا.
فخفق قلبها وقالت:
مالك يا حبيبي واقف بعيد ليه؟ هو فيه إيه؟
أحس سليم بأن جردلاً من الثلج قد وقع عليه، وظل يتلفت حوله ليرى إن كانت تكلمه هو.
فأكملت قلقه:
فيه إيه يا قلبي؟ مالك؟ وشك أصفر كده ليه؟
وكان سليم متصنمًا ولا يعرف ماذا يقول وماذا يفعل.
قطبت حاجبيها فنادته بصوت عالٍ ثم تأوهت:
انت واقف مالك؟
اقترب منها بهدوء وقلبه يرجف من الرعب. واقترب وجلس متوجسًا قريبًا منها.
فمسكت يديه وقالت:
مالك يا عمري؟
أغمض عينيه ليشعر بلمستها. كان قلبه سيخرج من مكانه وكلامها يتغلغل في قلبه. فقال لها:
أنا يا حياة.. أنا عمرك بجد.
قطبت جبينها:
انت مالك فيك إيه؟
وحاولت التحرك فاقترب منها سريعًا يحاول أن يساعدها. ثم فجأة قالت:
استنى هنا.
فأحس بكلبشة في صدره وأدرك أنها ستلفظه الآن بعيدًا. وحانت لحظة موته حيًا. ولكنها قالت:
أنا جبت نونو صح؟ أنا حسيت وشفتني بجيب نونو. إزاي؟
كان الخرس هو الذي يتسيد الموقف. كان رعبه يجعله يصمت ومنتظرًا تحولها في أي لحظة ولا يعلم كيف يتصرف، فهو لا يفهم شيئًا.
فتنهدت وقطبت جبينها وقالت:
انت مالك عامل كده ليه؟ وبعدين أنا جبت نونو إمتى؟ وإحنا دخلتنا كانت لسه امبارح.
هنا نزلت كلامها كصاعقة عليه وتخشب أكثر وتبلد ولم ينطق.
فنهرته غاضبة:
انت مابتردش ليه؟ مالك؟
هنا قام وهو يبتعد مرتبكًا متلبكًا. وقال:
هاه.. آآآآه.. أصل... أصل.. هقولك أهو.. هقولك آآآآه.. أصل.. آآآآه.....
وظل متلبكًا.
فقالت:
انت عقلك خف يا سليم؟
وضحكت.
فهنا قرر أن يهرب فلم يعد يستطيع أن يسيطر على نفسه. فقال مسرعًا:
بصي يا قلبي هجيب الدكتور وأجي يشرحلك كل حاجة.
وخرج مسرعًا كأن شياطين العالم تطارده. ووقف في الخارج يسيطر على قلبه يلفظ أنفاسه بأعجوبة واضعًا يده على قلبه متحدثًا:
مين اللي جوا دي؟ فين مراتي اللي هتقتلني؟ هو فيه إيه؟ ومين اللي حبيبها؟ هيا عقلها خف كمان؟ ياربي إيه اللي أنا فيه ده؟ أنا هنفجر.
وظل واقفًا يحاول أن يستعيد أنفاسه وذهب إلى الطبيب ليخبره بما حدث.
ليأتي الطبيب مسرعًا ودخل الطبيب وهو يقف بعيدًا. فنظرت له بغضب. فخفق قلبه واقترب الطبيب وظل يتحدث معها ويستفسر منها ويسألها. ثم أخذ سليم وخرج.
هنا قال له:
بص يا سليم، حياة بقت الحمد لله كويسة جدًا، بس ذاكرتها وقفت عند وقت ومكان معين هيا مش عايزة تفتكره. حياة وقفت عقلها قبل أي حاجة وجعتها. حياة سقطت فترة الوجع من ذاكرتها ودي طبعًا عقلها الباطن اللي عمل كده. ولكنها تذكرت بعض مما حدث طول الفترة الفائتة والتصاقك بها، وهذا هو كل ما تذكرته. فشوف بقى هتفكر تقولها إيه وحاول يكون موضوع بسيط ونحاول نبعد عنها أي توتر لأنها مانعرفش هتستعيد وعيها كامل إمتى ورد فعلها هيبقى إيه.
هنا ظل سليم يستمع إليه متسمرًا إلى أن تركه الطبيب.
ماذا يفعل؟ حبيبته فقدت ذاكرة ذلك اليوم الأسود. وماذا لو استعادته ومتى؟ وهل سيعيش معها منتظرًا أن تحل الكارثة؟ هل سيستيقظ يوميًا وحبيبته في حضنه لتفزعه وتتذكر طعنه لها وتلفظه بره حياتها؟ هل ستمر عليه كل ساعة وكل ثانية في انتظار نزول الصاعقة على قلبه؟ ما هذا الهوان!
ليدخل سليم في عذاب أكبر وهو عذاب الانتظار والتوجس. عذاب من نوع آخر. حبيبته معه حتى تستفيق وتركله خارج حياتها. حبيبته تظن أنها زوجته ولا تعلم بشاعة ما فعله. فستحبه حتى يظهر لها لقلبها كل شيء لترميه من حياتها. أي عذاب هذا الذي سيتحمله؟
كان الانشقاق في قلبه يزداد وأحس أن الحمل أصبح ثقيلًا. فهي الآن واعية وحية بين يديه وتريده حبيبًا. ماذا سيفعل؟ كانت غير واعية بين يديه يتعذب. فكيف وهيت تريده حبيبًا؟ أي هوان هذا. أحس أنه سيجن. وأحس أنه في محنة شديدة. ونظر إلى أعلى.
عارف يا رب إني أستحق أتعذب، بس كده كتير. بقالي سنة بتعذب وهيا في دنيتها. دلوقتي هتعذب أكتر وهيا في دنيتي ومستنيها ترميني بره. يا رب صبرني.
ونزلت دمعة من عينيه. ثم بدأ يستعيد نفسه وتجلد.
ليدخل عليها ليجدها غاضبة وأشاحت بوجهها بعيدًا. قائلة:
ما بكلمكش.
فابتسم على عفوية حبيبته واقترب منها بهدوء ومسك يدها وقبلها وقال:
أنا أقدر، ده أنا أموت نفسي حالا.
والله فضربته وقالت:
بس بعد الشر.
ثم أكملت:
إيه فهمني بقى عشان الدكتور قعد يكلمني ويسألني وأنا مش فاكرة حاجة. ثم ضحكت. هو انت ضربتني يوم الصبحيه عملتلي تربنه فقدت الذاكرة؟ انطق يا سليم أصلك غشيم.
كان متجلدا ويحاول أن يستعيد نفسه وقال:
انت فاكرة إيه؟
قالت:
آخر حاجة لما كنت نايمة في حضنك وشوية لقطات وانت معايا في المستشفى.
فمسكت يده فجأة وقبلتها وقالت:
انت حنين أوي يا سليم. كنت بشوفك بتسرحلي وتاكلني وتاخدني في حضنك. انت صبرت عليا كتير. أنا مش عارفة عملت إيه عشان أستحق حد جميل زيك.
هنا ذرفت عيناه الدموع بحسرة شديدة. ليمسك يدها ويقبلها بشدة. كان على وشك الانهيار ولكنه استجمع نفسه. وبدأ يقول:
مفيش يا حبيبتي، انت دخلتي تاخدي شاور، انزلقتي ورأسك اتخبطت صحيتي مش عارفة حد. الضربة أثرت على عقلك.
فقطبت وقالت:
إيه ده؟ هو فيه كده؟ غيبوبة يعني؟
ليهتف:
لا مش غيبوبة بالظبط بس أثرت عليكي صحيًا. وفضلت معاكي وطول فترة الحمل كانت السبب إنك ترجعيلنا يا قلبي.
فابتسمت له وقالت:
انت كل ده مستنيني يا حبيبي؟ ربنا يخليك ليا. أنا بحبك أوي يا سليم.
ومدت له يدها كي يحتضنها. فاقترب مترددًا بخوف وأخذها في حضنه. كان أول مرة يحس أنه يتنفس. فهي تعانقه بإرادتها. هيا بين أحضانه فائقة واعية وتريد ذلك. كان هو يأخذها بين أحضانه ويضغط بشدة قائلًا:
وحشتيني.
وقلبه سيخرج من مكانه. إنها بين يديه.
هنا قالت:
سليم براحة أنا لسه والدة نفسه بقى وكده.
وظلت تمازحه وهو يحاول أن يجاريها. فظلت:
انت مالك بقى دمك تقيل كده ولا زهقت مني؟
وقطبت واطرقت.
فدفعها مرة أخرى لاحتضانه وقال:
ده أنا لو هفضل العمر كله مستني إشارة منك بس تأمريني يا عمري يا حتة من قلبي.
هنا همست:
سليم.
نظر إليها بهيام روحه وقلبه.
فأطرقت من الخجل:
عايزة أشوف النونو. وآخده في حضني.
فقطب جبينه:
طب ومش عايزة حد تاني برضه ينوبك ثواب إلا هو على آخره. سنة وانت بعيدة عني سنة.
ردت مشاكسة:
بقولك إيه؟ عايزة أشوف النونو. روح يا بابا مش فاضيلك.
وضحكت.
ظل يهيم بها. ابتسامتها أنارت قلبه وقال:
عيوني. ده القمر يطلب وأنا أنفذ.
وطلب الممرضة لتأتي لتري طفلة رائعة الجمال تداعبها بحب وحنية. ونظرت لسليم الذي يجلس بجوارهما يحتويهما غير مصدق أن حبيبته واعية وفي أحضانه راضية. فقاطعته وقالت:
خدت غمازاتي؟ دي قمر أوي يا سليم.
فهتف بوله وهو يقبل رأسها:
وهي حتة القشطة بتاعتي هيجيب إيه إلا قشطة زيه كده.
ضحكت عليه وظلت تداعب ابنتها وقالت:
هنروح امتى؟
أحس بقبضة في قلبه لا يعلم ماذا يفعل. لا يريد أن يدخل ذلك المكان بذكرياته المريعة. فقال لها:
بصي يا قلبي أنا كان حصلت مشكلة كده.
وأسْرع فقال:
بس حليناها والله وقتها وانت في حضني. ما حبيتش أبدأ حياتي بكدب معاكي. كنت قلتلك واعترفتلك بحاجة وانت نسيتيها كمان. وساعتها زعلتي شوية بس أنا صالحك لأني بعشقك وانت كمان عارفة كويس.
قلقت وقطبت:
فيه إيه يا سليم؟ انت متجوز عليا يا سليم؟ نهارك أسود. ده أنا اقتلك.
صعق من كلامها:
متجوز؟ يا حياة حرام عليكي! هو أنا اتجوزت أولاني لما اتجوز تاني؟
لتهتف:
أمال إيه؟ انطق ومالك بقيت كشري كده؟ لا أنا مش عايزة سليم ده.
فاقترب منها بهيام وقال:
أمال عايزة إيه؟
فقالت بدلال:
عايزة سولي حبيبي.
هنا أغمض عينيه وشدها في حضنه قائلاً:
معلش يا قلبي، كانت فترة صعبة.
وظلت في حضنه فترة. إلى أن هبت وقالت:
قولي بقى كنت مخبي عني إيه.
فهز رأسه من حبيبته المجنونة فقال:
أنا يا حياة، أنا مش سواق.
فضحكت وقالت:
أمال إيه؟ عربية؟
ظل يفرك ويهته ثم قال والرعب في قلبه من أن تستعيد ذاكرتها:
أنا عندي شركة كده.
لم يرد أن يهول الأمر ويقول شركات وسفن وهلمة كبيرة.
قطبت وقالت:
يعني إيه؟ انت معاك فلوس وكده؟
فرد هامسًا:
آه.
لتهتف:
طب ولما قلتلي أنا عملت إيه؟
ارتبك وقال:
زعلتي شوية وسامحتيني على طول. أصلك طيبة قوي. مش كده والنبي.
ظلت تفكر ثم قالت:
طب وليه خبيت عليا أصلًا؟
قال:
كنت خايف تكشي مني وتبعدي عني وتفكريني حد مش هينفعلك.
نظرت إليه متزمرة:
ومابينفعليش ليه إن شاء الله؟ ابن بارم ديله.
فنظر لها مصعوقًا:
ابن بارم ديله؟
لتهتف:
آه. يعني عادي. إيه شركة وبتاع يعني؟ ده أنا حياة على سن ورمح. انت تطول أصلًا.
قال لها:
ولا عمري أقدر إلا أني أحمد ربنا على أميرتي الجميلة.
قالت:
اه اتعدل كده لتكون فاكر إن الفلوس بتعمل حد. لا يا بابا. وع فكرة بقى أنا زعلانة.
اقترب منها مسرعًا:
طب أصالحك. والنبي أصالحك. إيه رأيك؟
نظرت إلى طفلتها وقالت:
اتلم. أما نشوف يابو شركة.
رد فعلها مسخرة وظلت تتهكم عليه فترة. حتى أخذ الطفلة منها وقال:
طب أسيبك بقى في فقرة الساحر دي وتخلصي تريقة. وأخد بنتي الغلبانة تقعد مع أبوها الغلبان.
فهتفت:
خلاص يا سليم هاتها. ماتبقاش رخيم.
فأردف:
اتلمي ولسانك ده وقفيه شوية.
فهزت رأسها. فتردد وقال:
فيه حاجة كمان.
فنظرت وقالت:
اشجييني.
قال لها:
أمي.
فردت:
اشمعنى؟
فاقترب منها وقال:
لسانك ده في يوم هقطعهوله.
فهتفت:
ماتخلص يا سليم وتجيب اللي في بطنك مرة واحدة. خلي اليوم يعدي. وأنا لسه والدة وتعبانة.
قال لها:
آه باين فعلًا. أمي عايشة يا حياة.
صمتت قليلًا وتنهدت ثم ردت:
آآآه. وطبعًا هتلاقيها. لأ وبتاع واحنا نمسك في بعض وأنت تشق هدوك وتقلب حسحس و..
قاطعها:
حيلك حيلك. إيه الفيلم الهندي ده؟ أمي مفيش أطيب منها ومستنياكي بقالها سنة وبتدعيلك.
ابتسمت سريعًا:
والنبي كانت بتدعيلي؟
فاقترب ضاحكًا على هبلها:
آه وربنا.
فأردفت:
أنا حبيتها. تصدق؟
فهتف وقال:
وهي بتحبك وأنا بعشقك.
واقترب منها. وهنا دخلت الممرضة وأخذت البنت. وما أن خرجت نظرت إليه غاضبة. بس برضه انت كدبت.
فأسرع منها ومسك أيديها وباسها:
والنبي يا حياة انت زعلتي مرة وقلبي وجعني وفضلت زعلانة. ممكن بقى والنبي والنبي تعدي الموضوع.
قطبت قليلاً ثم صرخت. ففزع منها وقال:
إلا احنا هنسمي البنت إيه؟
تنهد وهز رأسه بعدم تصديق من مجنونته الرائعة وقال:
اللي تأمري بيه.
فقطبت وقالت:
إيه رأيك في روح؟
عشان تبقي روحي وروحك..
هنا ابتسم وقال: "انت روحي قبل أي حد، وهيا بنتي وروحي التانية."
فابتسمت وقالت: "طب خلاص بس.. بقولك إيه؟ أنا مابعرفش أقعد من غير شغل."
فقضب جبينه وقال: "يعني إيه؟"
لتهتف: "يعني هكمل مخبوزاتي حبيبتي في شقتك."
فنظر وقال: "شقتي؟"
لتهتف: "آه، امال."
ليقول: "اسكتي يا حياة، الله يخليكي. بقالي سنة متمرمط مستنيكي. الزق فيكي تقوليلي اشتغل. بصي، اعملي مابدالك في البيت وابعتي للشعب كله، ماحدش هيقولك إنت بتعملي إيه."
فقطبت جبينها وقالت: "بص، هي فترة وبس عشان روح، إنما بعد كده..."
قاطعها قائلاً: "بعد كده إيه بقى؟ بعد كده أنا بقى، الله يسترك. هو كله روح، مفيش سليم خالص."
ارتبكت وقالت: "اتلم."
ليداعبها: "سكر يا بنت الإيه، مزة."
فخبطته بالمخدة فضحك.
وهنا دخل الطبيب وأخبرهم أنهم يمكن أن يخرجوا في أي وقت. كان سليم قد اشترى فيلا جميلة بعيدًا عن تلك العائلة، فهو لا يحتمل أي حرقة أعصاب أو وجع قلب. وهموا جميعاً ورحلوا إلى الفيلا. وهنا دخلت حياة مبهورة، ونظرت إليه: "واد يا سليم، إنت باينك معاك فلوس كتير يا واد."
فضحك: "هنبتدي قر؟ يلا ياختي."
قالت له: "طيب، ماتزقش عادي يعني."
ضحك وقال: "لا والله."
أخذها ودخل، وكان هو قد أحضر سيدة لتعني بالطفلة. ودخلت حياة لتجد سيدة وقورة ذات وجه هادئ. فقال: "دي ماما فريدة يا حياة."
فاقتربت حياة بخجل وسلمت عليها. ف قامت فريدة وأخذتها في حضنها وهي تقول: "حمد الله على السلامة حبيبتي. أنا هنا لو تحبي أبقى مامتك."
فسعدت حياة وقالت: "يا ريت يا طنط، قصدي يا ماما فريدة."
هنا صفق فؤاد وقال: "امشي أنا بقى، ماليش لازمة."
فقالت فريدة: "ربنا يخليك يا حبيبي ويسعدك."
فاخذها سليم وعرفها على مكان كل شيء. كان قد أحضر لها أشياء كثيرة انبهرت بها، فاتجهت له وحضنته وقالت: "ربنا يخليك ليا كتير يا سولي."
اقترب منها وقال: "هو كتير فعلاً، فبلاش سولي. أنا مستوي وإنت قمر كده وعايزة تتاكلي، وأنا ضعيف وربنا."
ضحكت وابتعدت وقالت: "امشي يا واد."
قال لها: "همشي، هو أنا في إيدي حاجة تاني."
اقترب منها وحضنها، وفجأة حدث لها شيء أوقف الدم في عروقه. وقالت صارخة: "شفت نسيت كلبة البحر هنا؟ ما جتش ولا شفتها، طيب أما أبقى أشوفها."
كان قد أحس بالغيظ الشديد ومسكها من قفاها وقال: "تصدقي ما فيه كلبة بحر غيرك. حد يخض حد كده."
قلت له: "إيه يا عم انت قافش حرامي؟ ماتسيب. ما قصدتش، يا ياسي مازنجر."
فضحك عليها وتركها. وقال: "أنا رايح الشغل، إنت لسعتي خلاص."
ثم ذهب إلى المرآة يهندم نفسه لكي يذهب لعمله. فجلست تراقبه بهيام. ثم فجأة قطبت واقتربت منه: "الأ قوللي يا كابتن."
ففتح فمه: "كابتن؟"
فاكملت: "إنت رايح الشغل ومسبسب كده، وبقى عندك سكرتيرات وكده بقى؟"
فرد: "طبعاً، امال هشتغل إزاي."
اقتربت منه ومدت يدها، نعكشت شعره. فاندهش من فعلتها وقالت: "بص بقى يا أمور، تروح بقى حليوة كده والستات تبصبصلك وترجعلي متجوز سكرتيرة بقى، وأنا بقى الـ إيه؟ بت غلبانة وأرضى بقليلي."
اقتربت منه والفرشة في يدها وأكملت محذرة: "يمين بالله أكون شقاك نصين يا حليوة. آه، إنت عارفني مجنونة."
نظر إليها وضحك: "بقي أنا هيبصبصولي، أتجاوز على طول ليه؟ وقيع. وهتشقيني إزاي؟ قولي كده."
كان قد التصق بها وهي تشعر بالخجل الشديد: "نصين، كل نص لوحده."
فاقترب من وجهها وقال: "واهون عليكي؟ طب دا حتى مالحقتش أخش دنيا." وغمز لها.
فزقته بعيداً وقالت: "أنا حذرتك أهو، أنا مش سهلة لتكون فاكر. أما أنزل أعمل شوية بسكوت عشان ماما فريدة تعرف مرات ابنها مش أي حد برضه. روح روح، دي قدرات، بكرة تقدرني."
تركته وضحكته تصدح في المكان. فقال مسهما: "أقدرك؟ ده أنا هموت عليكي يا هبلة."
ذهب إلى الشركة أخيراً واقترب من حازم وشكره على ما فعله معه. وبدأ حازم يعطيه آخر المستجدات ولم بكل شيء. ثم اتجه الاقتراب منه حازم وبدأ في القول: "إنت يا عم، أنا عايز أتجاوز البت. بقالي سنة مهري من هنا عشان الست مراتك، أنا ماعتش قادر. فبقولك عشان أروح أتقدم وتيجي معايا."
فرد سليم: "عيوني يا قلب أخوك، البت تستاهل ومحترمة."
ثم سرح قليلاً وتنهد: "كان على قلبه جبال."
وهنا أحس حازم به: "إيه يا صحبي؟"
رد سليم: "أنا حاسس إني هتجنن. عايش في النعيم، مراتي بتعشقني وبعشقها. بس للأسف، أنا حاسس إني مابين لحظة والتانية هتفتكر كل حاجة وترميني بره. عايش في رعب. كل أما تكشر أو تصرخ قلبي بيقف. مستني المقصلة تنزل تفصل رقبتي عن جسمي. مستنيها تخلع قلبي. عارف لو هي صحت زعلانة، كنت هعمل المستحيل إني أصالحها. كنت هرقع تحت رجليها، بس بس عشان ترضى. بس للأسف، أنا مستني القضا. مستني تصحى وقلبها ينشق وتموتني بالحيا. أنا مش عارف أعيش. قلبي ده مقبوض على طول. ما بسيبهاش لحظة، عايز أشبع من حبها لأني عارف إني هنزل على جدور رقبتي. أنا دبحتها ومستني تدبحني، بس مش عارف إمتى. مستني وموجوع أوي. سنة كاملة بين إيديا وفي حضني. سنة كاملة بحاول أشبع منها وبتعذب كتير. ويوم ما تفوق يبتدي العذاب الأكبر. كأن انفصالها عن الدنيا ماكنش عذاب كفاية. لا، ربنا قال: 'أهيه قدامك وبتحبك وفي حضنك بكيفها، بس استنى اليوم اللي هاخدها منك'. (والنبي صعبان عليا 😢😢). عشان إنت زبالة وعملت فيها اللي مافيش بني آدم سوي يعمله." كانت دموعه تنهمر.
هنا قام حازم وربت على كتفه وقال: "هون على نفسك يا صحبي وسيبها لله، وادعي إنها يوم ما يحصل تفتكرلك كل الحلو اللي عملته. عيشها في الحب واعشقها يا سليم. ساعتها قلبها هيوجعها صحيح، بس هيوجعها أكتر إنها تشوف كل الحب ده وتسيبه. حياة طيبة، وإنت ندمت وتستاهل فرصة. ادعي ربنا إن القلوب تتألف، ربك رحيم."
نظر إليه سليم وهز رأسه وقال: "يا رب، إنت عالم إني ممكن أموت من غيرها. رجعهالي وسيبهالي. يا رب، أنا مستعد أعيش تحت رجليها بس ماتسبنيش. يا رب، أنا تعبت وماعتش قادر. سبحانك ربي، يخطئ ويجرم الإنسان وينسى ربه وقتها، ثم يتذكره وقت المحن لاجئاً إليه، ليس له إلا هو."
رواية بائعة السعادة الفصل العاشر 10 - بقلم ميفو سلطان
مرت الأيام جميلة في حياة كانت تشع نورًا في البيت، وكانت تداعب أصحابه وأبدعت في صناعة مخبوزاتها التي تعشقها، وعادت حياة صاحبة البهجة.
وكانت دائمًا تستقبل سليم بحب شديد، وفي نفس الوقت تعلقت بفريدة جدًا فأصبحت مثل أمها.
فقضت معها الكثير من الوقت أثناء غياب سليم.
وكانت هنا تأتي إليهم بين الحين والآخر بعد أن تم زفافها على حازم وأصبحوا أصدقاء لا يتركون بعضهم.
كان سليم يعود إلى بيته سعيدًا حالمًا، والخوف دائمًا في قلبه من أن يستيقظ من هذا الحلم الجميل على فاجعة كبرى وهي رحيل حبيبته من حياته.
كانا ينعمان بالحب وبينهما ابنتهما روح التي أصبحت روح جدتها، وكان الكل يعيش في سعادة كبيرة.
وكانت حياة في بعض الأحيان تذهب إلى شاطئ الصخور وتفعل ما كانت تفعله من قبل، رغم بعض الاعتراض من سليم، ولكنها ما أن تشاكسه يمتثل لها بسهولة، وأحيانًا يذهب معها.
مرت الأيام شهرًا بعد شهر، وكان سليم يعامل حياة معاملة الملوك والأميرات، كان يدللها، ولكنه كان يأخذ حذره مع أن يقترب منها كزوجين خوفًا من أن تتذكر شيئًا.
وكانت هي قد بدأت تستغرب ببروده وبعده هو عنها، فارجحت ذلك إلى أنه يخاف عليها من قلبه حيث أنها ما زالت مريضة ولا يريد أن يضغط عليها.
وخافت أيضًا من ابتعاده، فهو يعيش في مجال به الكثير من السيدات، فكان قلبها يأكله عليه.
وفي يوم قررت أن تخطو هي إليه خطوة عاشق.
استعدت وكانت تنتظره، كانت تلبس أجمل الثياب المنزلية الرائعة، كانت تبرز مفاتنها بشدة وتنساب بحريرية عليها.
وكانت أعدت له مائدة رائعة عليها الكثير من الشموع والورود وتضع له بعضًا من مخبوزاتها التي يعشقها، وانتظرته.
ومر بعض الوقت ليدخل سليم ليجد زوجته تنتظره أمام المائدة والشموع وراءها وهي تبدو خلابة، لوحة فنية مرسومة، ملاك فاتن، وخاصة وهي تتدلل هكذا، كانت أميرة جميلة والتي قد تربعت على عرش قلبه.
توجس في قلبه كثيرًا.
وظل قلبه يدق بشدة، وخاصة أن زوجته بدأت في التدلل عليه وهو لا يستطيع أن يقرب منها لأنه كان يخشى أن تعود إليها ذاكرتها بعد أن يصبحا معًا.
ظل يأكلان وهي تداعبه.
طلبت منه أن يرقصا معًا.
فأحس ببلاهة، فشدته وشغلت الموسيقى وظلا يتمايلان وهما في دنيا أخرى.
فاقترب منها وهو هيمان بها ولا يستطيع أن يشيح بنظره عنها.
فهي قد خلبت لبه وأفقدته شعوره تمامًا.
فكانت ناعمة حالمة تنتظره، وفي عينيها لهفة شديدة وطلب منها.
هنا لم يستطع سليم أن يصمد وضرب بكل قراراته بالتعقل عرض الحائط.
فشدها إليه وأخذها في حضنه، ثم رفعها وقبل جبينها وظل يدور بها وهي تضحك قائلًا وهو متيم بها: "أنا شايف قدامي ملاك من السما، الجمال ده كله ليا لوحدي، أنا حاسس إن قلبي هيقف."
هنا اقتربت منه أكثر ووضعت يدها حول رقبته وقالت: "أنا كلي لك يا حبيبي."
حس سليم بتصاعد حرارة جسمه وحاول أن يسيطر على نفسه، ولكنه كان يثبت المراجل التي تشتعل بداخله وهو يعلم أنها ستنفجر في أي لحظة.
ظلا يتسامران ويأكلان وهو يدلعها ويداعبها وهي تستجيب له وتقترب منه بشدة وكانت تدلل عليه.
وهنا لم يستطع سليم أن يصمد أكثر من ذلك، فقام بها لينعم بها في أحضانه ويصبحا زوجين طبيعيين ينعم كل منهم بالآخر، مقررًا سليم أن يعيش حياتهم وينعم بمن يعشقها إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي يعلم ومتأكد أنه سيأتي نصيبه من الدنيا في الفاجعة التي يعلم أنها ستدمره.
فقرر أن يأخذ من الدنيا بعضًا من نصيبه في السعادة وأن يغرقها في حبه وأن يجعلها تهيم به ويسقيها من عشقه كما يهيم بها حتى يصبح كل منهما روح الآخر ولن يستطيع أي منهم أن يبعد عن الآخر.
مرت الأيام جميلة والشهور، وكانت علاقة سليم وحياة علاقة خيالية ملائكية، يدللها وتعطيه هي من العشق ألوانًا.
وكان لا يرفض لها طلبًا.
كانت حياة تعيش أسعد أيامها وحبيبها يلهب فؤادها.
فلا تصدق أنها ممكن أن تكون عايشة مثل هذه السعادة.
وأن سليم قادر على إسعادها كثيرًا.
في تلك الأثناء كان أيضًا بعد أن تزوج حازم وهنا وعاشا هما أيضًا في سعادة، كان حازم أيضًا يشعر ببعض الخوف ويتوجس عند حدوث الفاجعة، فهنا ستغضب منه أيضًا وتفارقه.
وكانا دائمًا بصحبة حياة وسليم.
كانت الأيام والشهور وشهر يتلو الآخر وسليم وحياته وبينهما ابنته هما كل ما له.
وهنا ابتعد سليم عن كل ما يزعجه، عن والده وعن عمه، وحرم على زوجة عمه وابنتها أن يدخلا ذلك البيت، لأنه يعلم أن بدخول أي منهم بيته سيصيبهم الهم والحزن وسيفتعلا المؤامرات وهو ليس له جهد لذلك.
كانت أمه تعيش في سعادة مطلقة، فروح قد أصبحت حياتها وحياة تعاملها كأمها وتعلقت بها كثيرًا.
كان سليم سعيدًا بهذه التوليفة الرائعة وأحس أن الله أخيرًا أعطاه دنيا جميلة وعوضه عن أيامه في صغره والأيام التي كان قد عاشها في صراع وقهر وهم.
كان سليم وحياة يعيشون كأي زوجين طبيعيين، وكان حبهما حبًا أفلاطونيًا.
أصبحت حياة تتنفس سليم، فلا تقوى على بعده أو زعله منها.
ليمضي سنة ثم سنة أخرى حتى بدأ يطمئن إلى أن زوجته ستكمل معه بقية حياتها وقد سقط من وعيها تلك العملة الشنيعة التي فعلها بها.
ولكنه لم يعلم أنه لابد للإنسان أن يحصد جزءًا من فعلته ذات يوم، وأن الخداع مهما طال فلابد له أن ينجلي.
بعد فترة من حياة العشق، وكأن ربك أراد أن يقول لسليم أن حياة الكذب لا تدوم.
هنا بدأت حياة تأتي أمامها صور غريبة في عقلها، صور كان سليم ينهره.
صور وهي تبكي من الذعر بين يديه.
صور وهو يسخر منها.
كانت صامتة وبدأت تقل من طعامها وتقل من كلامها، وبدأ يأتي لها نوبات غضب ولا تعلم لماذا تفعل ذلك.
وكانت تعود مسرعة لتراضي حبيبها وأنها لا تقصد.
ولكن سليم كان لا ينطق ويتحملها بكل حب مما يثقل قلبها ويوجعها عليه.
واقتربت منه في إحدى المرات وهي تشعر بالألم.
"سولي حبيبي.. أوعى تزعل مني أنا باين هتجنن."
ظل مطرق وجهه.
فهمست سولي: "قلها قلب سولي هيخرج من مكانه وانت بتناديله كده."
ابتسمت بخجل وقالت: "يعني مش زعلان؟"
فنظر إليها بخبث وقال: "زعلان شوية.. لا شويتين كده ونفسي حد حلو وقشطة كده يصالحني."
هنا قفزت وارتبكت وقالت: "لا زمان ماما فريدة مستنياني."
فشدها فوقعت في حضنه.
"طب وابنها الغلبان ده مالوش حاجة؟"
فظحكت وقالت: "طب هصالحك بس خليك مؤدب."
واقتربت منه وقبلته على خده بهدوء وضغطت على خده.
هنا توقف قلبه من فعلتها الرقيقة ثم شدها إليه وقال: "لا أنا بقى مصالحتي هاخدها بطريقتي الخاصة."
وحاولت أن تبتعد إلا أنه أخذها في أحضانه ونسيبهم بقى إحنا مالنا طاه.
ظلت نوبات الغضب تأتي إلى حياة مع إحساسها بكل ألم في جسدها ولم تكن تفهم لماذا تفعل ذلك، وسليم يتحمل يأخذها في حضنه ويتحملها ويمسد على جسدها.
عند تلك اللحظة خفق قلب سليم بشدة وأصابه الزعر وقد علم أن زوجته في القريب ستتحول عليه، فكان كأن روحه ستخرج منه.
كان ينازع بينه وبين نفسه ويدعو ربه ألا تتذكر حبيبته شيئًا أو لا تكون الفاجعة كصاعقة من السماء تقضي على الأخضر واليابس.
فهو عاش في النعم وجرب عشقها، فلن يحتمل أبدًا بعدها.
ولكنه كان يعلم أن المحتوم قادم.
وفي يوم طلبت من سليم أنها تريد أن تحضر بعض الأشياء هي وهنا وأرادا أن يخرجا معًا.
وهنا قام سليم بإخراج الفيزا من جيبه وأثناء ذلك عن دون قصد وقع منه دفتر الشيكات.
هنا اقتربت منه حياة ولا إراديًا كانت قد انخفضت لتحضر له الدفتر، فانفتح وبان الخطوط بداخله وصورة الشيك أصبحت واضحة أمامها، فجأة تسمرت حياة وهو يقلب قلبه في الأرض.
وهنا بدأت تستعيد بعض الصور وتتوالى الصور أمامها وسليم ينظر إليها ويرى نظراتها إلى الدفتر وإحساسه أن الفاجعة ستحدث وأنها قد آن للمصيبة أن تحل فوق رأسه.
كان وجهها لا يبشر بالخير.
لم يستطع أن ينطق ولم يستطع أن يمد يده ليأخذ منها الدفتر.
وفجأة حاول وتسحب أن يمد يده ليأخذ الدفتر، ولكنها لا إراديًا ابتعدت عنه بعض الشيء.
وظلت تتذكر واتت إليها الصور تلو الأخرى.
أتت الصور مرة واحدة في رأسها، هنا بدأت عيناها تذرف الدموع كلما تأتي صورة حتى أصبحت مقاطع كثيرة.
بدأت عندما كان يهينها مرورا بتعنيفه لها ونعتها بالحقارة.
تذكرت خداعه لها وأنه تزوجها ليقضي معها ليلة.
كانت دموعها تسيل وتسيل وهي تتذكر كلمته تتردد في أذنيها: "ده مقامك وده آخرك.. مش سليم الحديدي اللي يتجوز جربوعة زيك لا أهل ولا عيلة."
وأن الفلوس دي تمن ليلته معاها وكفاية قوي ولو عاوزت كمان يبقى نشوف يوم نقضيه مع بعض وكله بحسابه.
بدأت تشهق من قلبها وصدرها تخرج الشهقة كل منها بغرزة في داخلها.
كانت ترى صورته مع ابنة عمه وحبه لها.
كان قلبها أصبح يصرخ من التمزق ويخرج من بين ضلوعها.
وكانت تهز رأسها بهستيرية وتضع يدها على فمها.
فصعب على الإنسان أن يعيش كل ذلك الألم مرتين.
المرة الأولى هربت منه إلى اللا واقع، أما الآن فأين ستهرب وهي بكامل عقلها؟
هنا فتحت عينيها أكثر وتذكرت أيضًا عندما اقترب منها وهمس في أذنيها بفحيح عندما قال لها: "أنت طالق."
فصرخت مفزوعة معترضة على ما رأته وحسته، وهو ينظر إليها وقلبه يتمزق على ما تمر به، فصعب على الإنسان أن يذبح مرتين.
في تلك اللحظة رفعت عينيها والدموع تسيل منهما وهي تهز رأسها وتنظر إليه وهو لا يستطيع أن يتكلم، كانت شهقاتها تشقق قلبه.
حينئذ عرف سليم أن المصيبة قد حلت على رأسه وأن حياته ستنقلب لجحيم، بل لم يعد عنده حياة من الأصل.
وأن زوجته قد عادت وأنه ينتظر حكم الإعدام.
أحس سليم بأن ضلوعه أطبقت على أنفاسه وأنه لم يعد قادرًا على التنفس وهو يرى حبيبته قد اكتشفت طعناته الغادرة وأنه بعد أن ألهبها حبًا غرز خنجره في قلبها للمرة الثانية وهي لا تستحق إلا كل الحب.
شعر بالخزي والعار من فعلته وتوقفت أنفاسه على ردات فعلها الآتية.
كانت هي تمسك بذلك الدفتر وكل ما عليها أنها تشهق ولا تعرف ماذا تفعل، حاسة أنها تصاب بالجنون والذبحة.
استعادت ذكريات السنوات الفائتة كلها، كيف لشخص مثله أن يطعنها بكل هذا الغل والحقد ثم يقضي معها سنوات من الحب والعشق.
كيف له القدرة أن يفعل ذلك.
كانت ستجنن.
سألت في نفسها هل هو مصاب بانفصام في الشخصية؟
من البرود الشديد والإهانة والغدر إلى الحب الشديد والعشق والرحمة والهيام بها.
سنتان مرت عليهم وهو يعاملها كروحه وكان يبثها عشقًا ليس له مثيل.
نظرت إليه ورفعت رأسها وقالت بصعوبة: "ليه.. ليه يا سليم.... أنت مين.. حبيبي أنا...."
كانت تتكلم من وسط شهقاتها فكانت الكلمات تخرج بصعوبة تمزق قلبه.
"أنت حبيبي اللي أشبعني حب اللي عيشني في الجنة.. أو أنت مين قلي أنا هتجنن.. إزاي إزاي.. مش عارفة أقول الكلام اللي جوايا.. كلام بيدبحني ليه.. ليه.. ليه تعيشني ليلة حب والصبح تذبحني بالشكل ده؟ ليه يا سليم عملت لك إيه؟ انطق عملت لك إيه؟"
اقتربت منه وظلت تخبطه على صدره وتمسكه وتهزه من قميصه بعنف وتصرخ: "انطق قل لي ليه عملت فيا كده؟ ليه موتيني بالشكل ده؟ أكيد ما كنتش طبيعي.. أكيد كان فيك حاجة.. أنت كان فيك حاجة يا سليم عشان تعمل فيا كده."
"طب ولما عملت فيا كده ليه ورجعت تاني اديتني كل الحب ده؟ ليه سقتني كل العشق ده؟ ليه توجعني قوي كده وتموتني قوي كده وترجع تسقيني من العشق ألوان؟ ده أنت خلتني يا أخي مش عارفة أتنفس إلا وانت موجود.. عملت كده ليه؟ عملت فيا كده ليه؟ ليه ليه ليه؟ أنا مضرتكش في حاجة أنا ما عملتلكش حاجة عشان تطلعني السما وتنزلني في الأرض وتدعك وشي في الأرض وبعدين تطلع تطلعني تاني في السما؟ ليه يا سليم ليه ليه؟"
"أنا هتجنن مش قادرة أستوعب إن ممكن حد يعمل كده في حد حتى لو بيكرهه... بس أنت ما كنتش بتكرهني أنت عيشتني سنتين في عشق وحب يبقى بتكرهني إزاي؟"
وكان كل ذلك يحدث وهي تشهق وتخبط على صدره وهو مطأطئ الرأس لا يستطيع أن يرفع رأسه.
وهنا خبطته خبطة شديدة وقالت له: "انت موطي في راسك ليه؟ بصلي ارفع راسك وبصلي وقل لي عملت فيا كده ليه؟ عملت فيا كده ليه يا أخي حرام عليك أنت ما عندكش قلب؟"
اعمل ايه دلوقتي؟ اروح فين ولا اعمل ايه؟ انت فاكر ان انت لما عملت كده اعرف ابعد عنك؟ انت اللي خليت وجودك هو كل روحي ودنيتي. عايزني اعمل ايه؟
كانت تصرخ وتخبط على وجهها. أنا بموت من جوايا، قل لي عملت فيا كده ليه؟ عملت لك إيه؟
لم تستطع أن تكمل الكلام وظلت تشهق وقلبها يتمزق. كان هو في تلك الأثناء دموعه تنزل وقلبه يتمزق على انهيارها. وحاول أن يقترب منها ويقول لها:
"طب اسمعيني، اديني فرصة اسمعيني. أنا عارف إني مجرم مليش عذر، بس على الأقل اسمعي مني."
صرخت: "اسمعك؟ اسمع إيه؟ ده جنون، انت مجنون يا سليم!"
لا لا انت مش مجنون، انت مريض.
وعادت إلى الوراء وظلت تلف في الحجرة باهتياج وتخبط على رأسها وتكسر في الحجرة وتصرخ: "أروح فين!"
ثم حاولت بصعوبة أن تلتقط أنفاسها وصدرها تسري فيه لسعة مفزعة. وجلست وحاولت أن تستعيد بعض من نفسها لأنها ستجن. يجب أن تعرف لماذا فعل ذلك. ما أن رفعت عينيها وهيا تدمي من الدموع وقالت:
"ماشي يا سليم، أنا سامعاك. أنا كلي آذان صاغية. أشجيني."
بدأ سليم يقص عليها ما حدث معهم وما فعلته تلك الأفعى نجوان ووجعه الشديد. دبحه بالبطيء بعد أن عرف كل شيء. من تلك الفتاتين فإنهما خطتا لذلك ليفرقا بينهم. وأنه جن عندما سمع ذكر والده وهو يكرهه بشدة. وأن اتحاد حبه مع كل هذا الشر شق قلبه. لم يتخيل أن الملاك الذي يعشق هو عبارة عن مكيدة من أبيه الذي يكرهه.
وقال: "يا حياة، أنا ما شفتش يوم فرح في حياتي إلا لما لقيتك. عيل صغير أبوه بيضرب أمه ويهينها وأنا لا حول ولا قوة. كان بيتجوز عليها ويقهرها وأنا بشوفها بتتقطع عشاني. أنا اتربيت في بيت كله غل بيكرهوا بعض. كنت بدعي عليه يموت عشان أرتاح. ولما خدت حقي من جدي كان بيطعني. كل طعنة والتانية تنغرز في قلبي. فاضطريت أكون زيه. ما ينفعش معاه إلا اللي زيه. أنا كنت عايش في حرب ما بتخلصش ولو اتلفت شوية رقبتي هتتجاب. انت اتربيت في النضافة مش حاسة بيا. مش حاسة يعني إيه تبقى بتتلفتي حواليكي مستنية الطعنة هتجيلك منين. فمتوقعة من واحد زيي إيه؟ لما يتقاله أبوك زاقق بت عليك تجيب بوظك الأرض. مستنية إيه؟ أنا مريض بأبويا. بكرهه. أنا نسيت الدنيا. ووجعي منك كان فوق الخيال. حسيت إني هتجنن مش بعد ما لقيت فرحتي وعشقي وكنت هنام مرتاح يتعمل فيا كده. اليوم اللي كنت معاكي فيه اقسم بالله كنت فعلاً حبيبك. وعدت نفسي إني يومها هبقى حبيبك وأتخيلك حبيبتي. ماهو من قهرتي ما عرفتش أعمل حاجة تانية. حسيت إني يومها اتجنيت وإني هصحى مهبول لأني من ضغطي على نفسي تخيلتك الحياة اللي أعرفها ونسيت كل الغل وكل اللي حصل. كنت معاكي حبيبك ما كانتش ليلة والسلام. كنت بتمناكي وبصب عشقي ليكي. لإن لو ما عملتش كده هقتلك وأقتل نفسي."
كان يبكي بحرقة. "وحياة ربنا يا حياة. وحياة أمي الليلة دي كنت سليمك حبيبك. كنت الراجل اللي بتحبيه وتعشقيه."
كان يحكي بحرقة ودموعه تتساقط من وجعه الذي يمزقها. لا تتخيلي كم الوجع والقهر الذي عاشه تلك الليلة. ما فعلته نجوان ولا تتخيلي أنها فعلت ذلك.
أكمل هو: "إنه لم يعش تلك الدنيا الجميلة والبسيطة إلا حين دخلت هي إلى حياتي. وظل يتحدث. لما عملت عملتي ولقيت إنك رحتي مني قلبي انخلع عليكي. ولما عرفت الحقيبة مت، والله مت وحلفت إني أسقيكي من عشقي وحبي وأعوضك. ولو قتلتيني مش هتكلم."
وأكمل باكياً وهو يقول لها: "عارف إن مفيش مبرر، ولكني مش زيك. قلبي أبيض ومثالي. بس صدقيني العشق اللي جوايا لك ما لوش وصف ولا له آخر."
كان صادقاً في كل كلامه وقد مس قلبها وجعه فهو روحها. وقد بان عليه الإنهاك الشديد ودموعه تسقط وهي تستمع إليه ودموعها انسابت وإحساس الصدق والوجع منه يمزقها. ولا تصدق أيضاً حقد تلك الفتاة عليها.
فقامت إليه ونظرت إليه في غضب شديد وصرخت في وجهه وظلت تضربه وتضربه على صدره وهو مستسلم لها. وهيا تهزي: "كنت قلي، كنت قلي."
ظلت تضربه حتى تعبت وأخذها في حضنه وهيا تشهق من البكاء والتعب واستسلمت في حضنه. فهو ملجأها من وجعها وهمست بحنية:
"وانت كده مبسوط باللي عملته؟ طب يا أخي أنا وحشة، سيبني أرميني من حياتك. تعالي واجهني. تعال قل لي انت بتاعت فلوس... انت غشيتني عشان الفلوس. ما صعبتش عليك يا سليم؟"
كان يحتضنها بشدة. هيا مستسلمة وتشهق بعنف.
"ولكنها زقته. كل ده ليه؟ ليه عشان فلوسكم يا أخي؟ منعول أبو الفلوس اللي تخلي الناس تعمل في بعض كده. عملتك دي ما يعملهاش إلا حد بيكره قوي وأنا ما عملتلكش حاجة."
صرخت به: "أنا ما ينفعش يتعمل فيا كده. أنا اديتك قلبي وروحي ليه تذبحني بالشكل ده؟ ده أنا حتى لو كنت يا أخي معيوبة كنت استرني. نزل ستر ربنا عليّ، أنا كنت هتفضح. ليه يا سليم عملت لك إيه؟"
اقترب بهدوء: "كنت قلي، كنت قلي. لا وبعد ما تدبحى ترجع تاني وتاخدني في حضنك وتديني أمانك وتشربني من عشقك تخليني أتنفسك؟ بتخلي قلبي لو فكر في أي لحظة يبعد عنك يموت. بجد برافو عليك، انت قفلتها خلتني انتهى تماماً. مش عارفة دلوقتي هعمل إيه. قولي أعمل إيه؟"
كانت تشد في شعرها من انهيارها. "أروح فين؟ لا هقدر أبعد عنك ولا هقدر أكمل. ميتة في الحالتين. قولي انطق أعمل إيه؟ أفضل مع البني آدم اللي غرز سكينه في قلبي في لحظة؟"
وأجهشت بالبكاء واقتربت منه ووضعت يدها على قلبه. "والا أفضل مع ده؟ أفضل مع الحبيب اللي عيشني سنين حب وعشق وخلاني ما أقدرش أبعد عنه دقيقة واحدة."
لم تكن قادرة أن تعي كل ذلك. ظللت تتراجع وتئن وتتراجع وتئن وتمسك صدرها من الوجع بعنف وتهذي: "انت انطعنت وادورت وقتلتني. أعمل إيه يا رب."
وهو يقترب منها وقلبه يتمزق عليها ويحاول أن يمد يده إليها قائلاً بدموع: "والله كان غصب عني، كان غصب عني. أرجوك، أنا مش كده، أنا مش كده."
كانت هي كلما اقترب منها تبتعد عنه وبدأت تصرخ: "بس بقى، بس. هموت. أروح فين ولمين؟ أعمل إيه؟ أعمل إيه؟"
اقتربت منه وظلت تخبطه على قلبه: "خلي ده يقول لي أعمل إيه."
ظلت تصرخ إلى أن استسلمت أخيراً وفقدت وعيها. هنا خبط على قلبه واتجه إليها مسرعاً وقال:
"لا، مش هنعيده تاني، مش هنعيده تاني. ما تعمليش فيا كده. ما عدتش قادر، حرام عليكي، ما عدتش قادر. أنا هاموت من غيرك. ما تعمليش فيا كده."
احتضنها. اعتصرها بين ذراعيه.
"قومي يا قلبي، قومي واعملي ما بدا لك فيا. قومي، ما أقدرش أعيش ده كله من تاني. ما عدش عندي القدرة. يا رب، أنت عاقبتني كتير، كفاية على كده، كفاية. ما عدتش قادر، ما عدتش. كتير علي والله. أنا كنت عارف إن اليوم ده هيجي. كنت عارف إني زي ما ذبحتك هتدبحيني، بس ما كنتش عارف إني هموت كده."
كانت قد مالت في حضنه. ظل يصرخ: "بس مش بعد ما قضيتي في حضني ثلاث سنين، مش بعد السنين دي كلها تسيبيني؟ أبوس يدك، اسمعيني."
كان يصرخ ويعلو صوته: "بحبك، والله بعشقك. قومي."
مسك يدها وظل يخبط بها على وجهه: "قومي، خدي حقك مني. قومي عذبي زي ما تحبي، بس قومي، بس تقوميلي."
"آه يا قهرك يا سليم. أخيراً خدت حقك، عملتك يا سليم. طب يا رب، هي ما عملتش حاجة. ليه يتعمل فيها كده مرتين؟ ليه تموت مرتين؟ هي ما تستاهلش كده. تتوجع ليه بالشكل ده؟ أنا آه أستاهل وأستاهل أكتر. ويندتك وشي في الأرض. واحد مريض وزبالة، بس والله اتعاقبت وشلت كتير. كفاية رعب السنين وانت معايا. أنا تبت يا رب عن عملتي. بس ليك حكمة أنا ما أعرفهاش. عذبني يا رب، بس رجعها لي. ما تبعدهاش عني. ردها إليا."
وظل يصرخ: "آه آه يا سليم. قلبك هيتحمل أكتر من كده لحد فين."
وظل يصرخ وعلا صوته البيت بأكمله. "يا عمري اللي جاي واللي راح. آه يا قهرك يا بن عاصم."