لحظات من الصمت سادت المكان حينما التقت عيناه بعيناها.
كسرته هي عندما قالت:
_ حضره الظابط.. مش معقول.... ايه الصدفه دي أنت فاكرنيل
ينظر هو لها ولسان حاله يقول: وهل غادر طيفكِ مخيلتي طيله تلك السنين؟
تسأليني أذكركِ؟ وهل استطاع قلبي أن ينساكِ؟
لكنه كالمغيب أجاب:
_ حبيبتي.
لتبتسم هي ظناً منها أنه تذكرها بعد أن فكر قليلاً.
_ أيوه صحيح يافندم ازي حضرتك؟
لتلتفت إلى تيم وتقول:
_ هو سياده الظابط يبقى والدك ياتيمو؟
يومئ لها تيم المتعجب بمعرفة والده بها برأسه.
لتكمل هي عرفاناً لما فعله لها هو في الماضي:
_ تعرف ياتيمو بابا أنقذني من موقف صعب جدا في الماضي.
ليسألها تيم ببراءة الأطفال:
_ يعني بابا كان your hero؟
لتضحك هي وتحرك رأسها بنعم وتقول:
_ أيوه بصراحه في الموقف دا بابا كان بطلي. وانقذ مستقبلي كله.
كم أنعش وصفها قلبه المشتاق.
لتعلو ثغره ابتسامة كبيرة ويقول:
_ أنا معملتش غير واجبي.
التفتت له وقالت:
_ والله يافندم أنا مش هنسى جميلك دا طول عمري.
_ لا جميل ولا حاجة.
_ يادكتوره... بس هو أنا ممكن .. اتكلم معاكي على انفراد؟
_ حبيبتي: أيوه طبعاً. ثواني يافندم.
نظرت لتيم وقالت:
_ هكلم بابا وارجعلك ياتيمو أستناني انت وداده.
ليسحب تيم ثيابها طالباً منها الاقتراب منه.
ليهمس في أذنها:
_ متنسيش تقوليله الي اتفقنا عليه.
لتهمس هي أيضاً:
_ واي هو الي اتفقنا عليه؟
_ تيم بهمس: أي يامامي أنت نسيتي والا أي. قوليله تيمو لازم يجي هنا كتير.
لتضحك حبيبه بشدة وتقبل وجنته وتقول:
_ حاضر ياتيمو.
رغم أن حديثهم كان همسا، لكنه وصل مسامعه. فابتسم وسعد قلبه وهو يرى انسجام والده معها.
جلست معه في غرفتها... كان يجلس في الكرسي المقابل لها وعينيه تجول على أصابعها. التي ما أن رأى أنها لا تحمل خاتم زواج أو خطبة، زفر أنفاسه وحمد الله على أمل أنه لا يزال يمتلك فرصة.
انتبهت حبيبه لشروده فقالت:
_ كان نفسي رد الجميل ميكونش بشكل دا لكن أنا وعدتك وأن شاء الله تيمو في عنيه.
انتبه لحديثها فسالها:
_ هي حالة تيمو دلوقتي ممكن تكون خطر؟
لتجيب على استفساره:
_ هي مش خطر ولا هي مستقرة. يعني تيمو أهم حاجة عنده المتابعة والابتعاد عن المجهود. أنا عارفه أنه طفل والحكاية دي صعبة.. بس. دا إجراء مؤقت لحد ميعاد العملية.... دكتور عادل شايف أن قدامه شوية كمان.
لتكمل مستفهمة:
_ هو حضرتك كنت بتتابع فين. حالة تيمو..؟
ليجيب هو:
_ أدهم: أحنا كنا مستقرين في القاهرة وكنا بنتابع مع دكتور رامي الزيات. لكن احنا من حوالي تلات شهور رجعنا اسكندريه. وهو الي نصحنا بدكتور عادل. وقال أنه واحد من أشطر تلامذته.
حبيبه مؤكدة على كلامه:
_ أيوه بصراحة دكتور عادل ممتاز.. ودكتور رامي أستاذنا كلنا. بس أسفه على السؤال_هو حضرتك مكنتش بتحضر معاه ليه؟ دعم الأهل في الفترة دي مهم جداً للطفل.
_ أدهم: أنا كنت في مهمة. ولسه راجع من ساعة.
ابتسمت متفهمة:
_ حمد الله على السلامة.
ثم أكملت استفهامها:
_ معلش لو سؤالي يعني فيه تعدي على خصوصية حضرتك بس_هي والدة تيم فين. أصل أنا استغربت تيم بمجرد أني تعاملت معاه بحنية اتعلق بيه كأنه محروم منها. وبعدين مش سهل على طفل ينادي لحد مامي غير والدته.
ليجيبها أدهم:
_ أنا ووالدة تيم منفصلين من زمان. هو ما عاش معاها تقريباً... أصل والدته مصرية لكن تحمل الجنسية الأمريكية. وبمجرد انفصالنا رجعت أمريكا. تيم ماشافهاش من مدة طويلة.
وكأنه أعاد الذكريات لها. أم سافرت تبحث عن مصلحتها ونسيت أن لها طفل صغير. وما أشبه قصتها بقصته.
_ متشكر يادكتورة. على اللي بتعمليه لابني. تيم فعلاً محتاج حنان. هو معندوش غيري أنا وجدته... وأنا دايماً مشغول. ووالدتي. ست كبيرة في السن.
_ حبيبه: لا يافندم بالعكس أنا بحبه جداً. دا كأنه....
لكنها لم تكمل وكأن الكلام قد توقف على لسانها.. والدموع لمعت في عينيها.
انتبه أدهم لذلك وأوعز لشدة تعلقها بولده.. وكأنها أرادت الهروب من شيء معين.
وقفت مباشرة وقالت:
_ ياريت تلتزم بمواعيد المتابعة بتاعته. وأنا هتابع معاه ومع دكتور عادل. عن إذنك بس أنا عندي حالة ولازم أمشي.
تعجب من فعلتها لكنه لم يعقب وقال:
_ شكراً يادكتورة.
وتركها وانصرف.
لتجلس هي وتنظر إلى المجهول.
******************************************
دخلت نهى غرفة يوسف. في المستشفى.... لتأخذ نفساً عميقاً تعبئ رئتيها برائحته التي تعشقها. ونظرت له بهيام لتجده منهمك في عمله. لتقول:
_ صباح الخير.
نظر لها وعندما التقت عينيها بعينيه هربت عينيه بعيداً عنها وقال:
_ أهلاً يانهى صباح النور.
لتكمل حديثها وتقول:
_ كنت جاية عشان حالة في غرفة ٤٠٧.
ليسالها مستفهماً:
_ أنت تقصدي الشاب اللي عندنا انهيار عصبي؟
_ أيوه يادكتور.
_ ماله يانهى... كنت عايزة أسألك......
ليقطع حديثها طرقات على الباب وتدخل إحدى الممرضات وتقول:
_ دكتورة نهى مريض ٤٠٧ طالبك بالاسم... ومش راضي يسكتلي.
يجيب هو بدل عنها:
_ روحي انت والدكتورة هتبقى تجي تشوفه.
ثم نظر إليها وقال:
_ المريض بسأل عليكِ بالاسم ليه؟
ارتبكت هي من سؤاله وقالت:
_ لا أبداً بس عشان أنا كلمت معاه امبارح فعشان كده هو أطمن ليه.
ليقول بشيء من الحدة:
_ سيبي انت الحالة وأنا هستلمها... ثم صمت قليلاً وقال: عشان الحالة دي محتاجة دراسة أعمق وكده.
وتركها. ورحل من الغرفة بالكامل.
نظرت هي إلى أثره ثم قالت:
_ هو ماله دا.
ثم صمتت تفكر دقيقة لتترسم على شفتيها ابتسامة كبيرة وتقول:
_ بيغير عليا معقول.... يس... يس.
وبدأت تضحك وتقفز في الهواء.
******************************************
عادت إلى المنزل لتجد نجاة ودلال ومصطفى يجلسون بوجوه عابسة ومحتقنة.. ألقت عليهم التحية وجلست بجوار دلال وقالت لها هامسة:
_ هو فيه أي مالهم مكشرين كده؟
لترد عليها دلال بنفس الهمس:
_ أصل مصطفى أطرد من الورشة وبقى عاطل عن العمل. وماما عاملة مناحة.. من الصبح.
_ حبيبه: أيوه.. عشان كده....
لتقول:
_ مصطفى هات السيفي بتاعك.. وأنا أكلم لك دكتور عمر لما يرجع يشوف لك شغلانة في المستشفى.
_ دلال: بس هو خريج تجارة هيشتغل أي في المستشفى؟
_ مصطفى: أي حاجة يابنتي اهو أحسن من صاحب الورشة اللي ذلني وفي الآخر يقول معلش يابني الشغل قليل مش هقدر على مرتب عامل تاني.
_ حبيبه: أيوه كده نركز على أي حاجة عشان سقف الطموح عندك ميكونش مرتفع.
_ مصطفى: خلاص ياحبيبه وهو مين اللي بيشتغل بشهادته؟
_ نجاة: يا ميلت بختي يانجاة. واحدة عاطله عن الجواز والتاني عاطل عن العمل.
لترد عليها دلال بسخرية:
_ أهو المتعتسين زادو واحد.
ليحتقن وجه نجاة وتقول:
_ بتتمسخري يابنت محمود طب أما أوريكِ.
لتهم بذهاب نحوها لولا توقف حبيبه أمامها.
لتقبل رأسها وهي تضحك وتقول:
_ حقك عليه يانوجه. عيلة هبلة وغلطت.
ليكمل مصطفى:
_ وماعندهاش دم.
وتزيد حبيبه:
_ ومجنونة نعمل إيه نأخذها على قد عقلها.
لتنظر لها دلال بغضب وتقول:
_ بقى كده ياحبيبه وأنت كمان ياخايب. ماشي أنا ساكتة عشان ماما حبيبتي. بس حساب بعدين وابقوا شوفوا مين اللي هيعمل الحلويات اللي بتطفحوها.
لينظر مصطفى وحبيبه لبعضهم ويقولون معاً:
_ دودو حبيبتنا القمر العاقلة.
ليكمل مصطفى:
_ الطيبة أم قلب حنين.
لتنظر دلال لهم بطرف عينها وتقول:
_ أيوه كده اتعدلوا.
**************************************
مر شهر وتكررت فيه زيارة أدهم للمستشفى أكثر من مرة.... والتقى مع حبيبه. التي انتبهت أنه ينظر لها بشكل غريب أزعجها.
وفي أحد الأيام دخلت حبيبه لتجد باقة ورد جميلة باللون الأحمر موجودة على مكتبها. استعجبت منها.. نظرت إلى الكارت المرفق لتجد:
_ شكراً لوجودك.
من دون وجود اسم. لكنها وقبل أن تفكر في صاحب الباقة رن هاتفها برقم غريب لترد:
_ الو.
ليجيب رجل:
_ صباح الخير يادكتورة.
لتتعجب وتقول:
_ مين معايا؟
_ عجبك الورد؟
ليستفزها قوله فتقول بلهجة حادة:
_ أنت مين؟
_ كنت فاكرك هتعرفيني من صوتي.
ليحتقن وجهها وتقول بغضب:
_ لو مقلتش أنت مين هقفل السكة.
_ لا خلاص قلبك أبيض... أنا أدهم.
هدأت حبيبه قليلاً لكن ما زال الغضب يسيطر عليها.
_ أهلاً يافندم اسفه بس معرفتش حضرتك.
أما أدهم فكان يطربه اختلاف نبرة صوتها بين الغضب واللين ويحاول إطالة الاتصال.. مستمتعاً بالاستماع لصوتها.
_ لأ عادي يادكتورة. بس أنا كنت عاوز أشكرك على اللي بتعمليه لتيمو. ويا رب يكون الورد عجبك.
ازداد ضيقها لتتنهد وتزفر أنفاسها بشدة وتقول:
_ يافندم دا واجبي... وأنا هقبل الورد المرة دي بس و ياريت متتكررش... تاني.
استغربت نبرة غضبها وطريقة.. صدها له فقال:
_ أسف يادكتورة لو الورد ضايقك. أنا ماكنتش أقصد.
أحست حبيبه أنها قد ضايقته فقالت:
_ لا عادي بس أنا مبحبش حد يقلي شكراً على واجب أنا بعمله. وبعدين إحنا بنا وعد ورد جميل.
ليقول:
_ أسف يادكتورة متشكره مرة تانية مع السلامة.
ثم أغلق الهاتف قبل أن يمهلها الرد عليه.
نظرت حبيبه للهاتف المغلق وقالت:
_ كده أحسن.
وفي هذه اللحظات دخلت نهى لتجد حبيبه شاردة وانتبهت الباقة الزهور.
فقالت:
_ صباح الخير... إيه الورد الجميل دا؟ من مين؟
لترد حبيبه:
_ من والد تيم.
لتسألها نهى مستفهمة:
_ هي إيه حكاية الراجل دا..... ثم ابتسمت وقالت: لتكون معجب بيكي.
لتنظر لها حبيبه نظرة أخافتها ففهمت مقصدها وقالت:
_ خلاص بهزر هو محدش يعرف يهزر معاكي.
_ حبيبه: بلاش الهزار البايخ ده.
_ نهى: خلاص ياختي بلاش النظرة دي أنا ماشية.
لترحل نهى لكنها عادت بعد ساعة تلهث وجهها شاحب وقالت بصوت متقطع:
_ نهى: الحقيني ياحبيبه....
_ حبيبه: مالك يانهى؟
_ نهى: خديجة.
•