تحميل رواية «اسد مشكي» PDF
بقلم رحمه نبيل
الفصل 3 — رواية اسد مشكي الفصل الثالث 3 - بقلم رحمه نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
فصل ١ من قال أن الجلاء نهاية الابتلاء؟!! فقط عليه مراجعة نفسه والتفكير لثواني، فمتى كان جلاء المحتل نهاية بلاء الشعوب؟ بل هو بداية تعافٍ مما نالهم، بداية لفظ السواد الذي تجرعه الشعب خلال أيام قهرٍ وذلٍ، بداية قصة تعافي شعب من مشاهد سينام هاربًا منها في يقظته، لتصاحبه في كوابيسه.. الجلاء بداية التعافي، لكنه ليس التعافي بالكامل. كان يتوسط نافذة القلعة الخاصة به وهو يراقب الظلام المحيط بالمكان، ظلام ينافس الظلمة والفراغ داخل صدره. عيونه التي تطالع الفراغ شاردة، لا يبصر سوى بقايا بلادٍ، وأشباح بشر ي...
رواية اسد مشكي الفصل الثالث 3 - بقلم رحمه نبيل
خائن...حقير ...قذر.
صفات كانت أبسط ما وقع على مسامعه وهو يتحرك في الممر، يرفع رأسه دون أن يخفضها لحظة واحدة، يأبى أن يذل ذاته حتى ولو كان مخطئًا. يديه مقيدة أمامه، يسير بخطوات متزنة دون أن يمنحهم رفاهية الشفقة عليه.
ابتسم بسمة ساخرة، يحرك رأسه للرجال في تحية صامتة، لكن كل ما تلقاه منهم كانت نظرات مستحقرة.
لم يهتم وأكمل سيره حتى وصل لباب القاعة الكبرى، والذي فُتح أمامه بكل سهولة ويسر كما كان يحدث سابقًا، لكن الفرق أنه سابقًا كان يُفتح له احترامًا، والآن يُفتح له لأنه مقيد.
دفعه أحد الجنود للداخل، وهو فقط تحرك دون اهتمام، يسير بكل هدوء حتى توقف في منتصف القاعة أمام الجميع.
يسمع صوت الحاجب يردد:
_ الخائن نزار مولاي.
ابتسم نزار بسمة صغيرة رغم القهر الذي يملأ صدره والنيران التي كانت تموج بنفسه. ابتلع مرارة عالقة في حلقه، يردد بصوت خافت:
_ شكرًا لك.
رفع رأسه بهدوء وشفتيه ترتجف، يقاوم وبصعوبة رغبته العنيفة في الارتماء أسفل أقدام والده والبكاء بحسرة:
_ مولاي...
تماسك آزار بصعوبة، وقد شعر بصدره ينتفض حين أبصر ملامح صغيره التي كانت تنضج يومًا بعد يوم أمامه. أبعد وجهه عنه رافضًا أن يطيل النظر في وجهه، ووالله كان هذا أكبر عقاب يتلقاه نزار منذ ما حدث.
أسابيع قضاها في الظلام ليدرك أن ظلام نفسه كان أحلك مما عاش به، أين كان عقله وهو يسلم نفسه للشيطان.
سقطت دمعة منه ليمحوها سريعًا، يردد بصوت خافت:
_ أخبروني أنك استدعيتني لأمر عاجل.
تحدث آزار يحاول ألا ينظر داخل عيون وليده، مرددًا بصوت قوي حاول صبغه بحدة:
_ نعم، زوجتك تطالبك بالحرية، فهي لن تقضي المتبقي من عمرها جوار سجين لأجل خيانة بلاده ووالده وقبلهم دينه وضميره.
رفع نزار عيونه له بصدمة، واستدار صوب الجهة التي كان والده ينظر لها، ليجدها تقف هناك بملامح شبه منهارة شاحبة، ليدرك أنها قضت الساعات السابقة تبكي.
ابتسم بسمة مكسورة، يهتف بصوت خافت:
_ زهور؟؟
رفعت عيونها الحمراء له ثواني، قبل أن تبعدها صوب آزار، تردد بوجع:
_ مولاي ارجوك، خلصني منه.
ابتسم نزار بسمة موجوعة، يبعد عيونه عنها يحاول التماسك، بينما والده تنفس بعنف يقول بصوت رن في المكان أمامه:
_ زوجتك لجأت لي كي اخلصها من قيدها، حررها واتركها تحيا بسلام مع رجل يستحقها و.....
انطلقت ضحكة نزار الصاخبة تقطع حديث والده، ضحكة موجوعة سرعان ما انقلبت لشهقات مكبوتة. يسقط على ركبتيه أمامه يتحدث بصوت من ينازع موته دون أن تسقط له دمعة واحدة:
_ لا بأس هي تريد حريتها، أنا كذلك اطالبك بتحريري، ارجوك فقط خلصني من كل هذا مولاي، فقط أصدر حكمك وجز عنقي، أم أنك لم تكتفي من ذلي وتعذيبي؟ شهور... شهور لا تكفي ولا تطفئ نيرانك أبي؟
كان يتحدث بصوت صارخ حاد جعل البعض يتحفز بشكل خطير مخافة أن يجن جنونه ويهجم عليهم. فرغم أن نزار كان يعرف سابقًا بأنه لا ينافس والده قوة أو تجبرًا، إلا أن غضبه كان مؤذيًا وسامًا. ذلك الطبيب الخبيث الذي كان يمكنه فعل كل شيء بأعشابه وعقله قبل يده، كان الجميع يخشى غضبه. وقد ظهرت بعض الإشاعات أنه قد يقتلك بشربة ماء دون أن تشعر. إشاعات وأقاويل كان ينفيها نزار بلطفه وحلمه المعهود وطيبته، لكن الآن وقد انكشفت اللعبة، أصبح الجميع يدرك أي نوع من الأشخاص كان.
_ ألا يكفيكم ما فعلتم بي؟ فقط أصدر حكمًا، حكمٌ واحدٌ سيريحنا جميعًا، اخبرهم أن يجزوا عنقي ولننتهي من كل هذا.
طالت نظرات آزار له وقلبه يوجعه لما يرى أمامه، لكنه لم يحد عما جاء به لأجله. يردد بكل هدوء:
_ طلقها... طلق المرأة ودعها تجد من يقدرها ويحفظها.
رفع نزار عيونه له بصدمة. لم يتأثر أو يهتم بانهياره، ابتسم بملامح متألمة، ينهض بهدوء من مجلسه، يتحرك صوب زوجته التي تراجعت للخلف برعب، ليمنحها بسمة صغيرة. يميل عليها وهي ارتجفت في موضعها تأبى الابتعاد فيجن ويقتلها.
أما هو مال عليها يقبل رأسها بهدوء، ثم ابتعد يهتف:
_ أنتِ طالق زهور، اذهبي وجدي من يقدرك زوجتي العزيزة.
ختم حديثه، ثم نظر صوب والده الذي كان يتألم على ما يرى. ولده يحصد ما زرعه طوال سنواته السابقة، ورغم أن ما يحدث نتاج أفعاله، لكنه والله لا يتحمل رؤيته منكسرًا بهذا الشكل.
ابتلع ريقه يراقب نزار يتحرك لمنتصف القاعة، ثم مال بنصف جسده باحترام مبتسمًا بقهر:
_ طلباتك أوامر مولاي، والآن اخبرهم أن يعيدوني لمحبسي؛ كي لا تعتاد رئتي كل هذا الهواء النقي، ومن ثم تتذمر على رائحة العفن والرطوبة في السجون. لقد أخذ مني الأمر وقت طويل لتتأقلم على الحياة القذرة في الأسفل.
ختم حديثه يقول بهدوء:
_ والآن اسمحوا لي يا سادة.
تبع حديثه بحركة من يديه المقيدة، يتحرك صوب خارج القاعة مع الحراس الذي تلقوا أمر آزار الصامت يسحبونه لمحبسه، حيث ركنه الآمن بعيدًا عن الأعين المحتقرة والمتشفية.
سار بينهم مقيدًا وعقله يعيد عليه كل ما مر به، يشعر أن روحه تطوف بين الحياة والموت، لا هو يتمتع بلذة الحياة، ولا جرب طعم الموت. هو معلق ما بين هذا وذاك، يتلقى عقابه بصمت ورضى، لربما إن فعل تُقبل توبته.
***
يقف أمام جيشه يبصر أبواب سبز المغلقة في وجهه لأول مرة. رفع يده يمنع أحدهم التقدم خطوة مخافة أن يصدروا أصواتًا يروعوا بها آمنين:
_ أود الحديث بكل هدوء مع ذلك الوسخ الذي يدّعي المُلك عليكم يا رجال.
علت الشهقات بين جميع الجنود، حتى جنود أرسلان نفسهم لم يصدقوا أنه قد يلقي بمسبة كهذه على شخص ما ذو مقامٍ رفيع كالملك أو غيره.
لكن غضب أرسلان كان أقوى من كل اعتبارات ولباقات في هذه اللحظة. غضبه ولولا علمه بأن شعب سبز ليس له يد في تصرفات حقيرٍ يقودهم، لكان أحال البلاد لرماد على رؤوس من بها. لولا علمه أن هناك كبار وعجائز آمنين بالداخل لاقتحم سبز وأحالها لرماد، لكنه لا يريد أن يرى انعكاس لمشكى في أعين سبز لذا أعاد كلماته بصوت جهوري:
_ حدود مشكى محرمة على كل وسخ تسول له نفسه بأن يطئها، تلك البلاد التي رواها رجال بدمائهم الطاهرة ما كان لها أن تستقبل أجساد بنجاسة ملككم المزعوم، لذا إما أن يخرج ليتحدث معي رجل لرجلٍ، أو ادخل أنا واجعله حديث رجل لبقايا رجل.
كان جميع جنود الحدود على أراضي سبز في حالة هلع مما يحدث، لا أحد يدري ما الذي يجب أن يحدث، لا أحد يوافق ما فعله أنمار، لكن أنى لهم الاعتراض وجميع أوامره تخرج بختم الملك الرسمي؟
تقدم قائدهم من السور يردف بصوت مرتفع واحترام شديد لأرسلان:
_ جلالة الملك، وجودك في سبز شرف لنا، لكن ليس وأنت مسلح بجيشك، إن جئت كضيفٍ حملناك فوق الرؤوس، أما إن كان وجودك كمعتدٍ، فعذرًا سبز ليست ساحة حرب لاستقبالك وجيشك.
اشتعلت أعين أرسلان وارتسمت بسمة جانبية أعلى فمه، يرفع رأسه له يردد بجدية وصوت جهوري:
_ ما عاذ الله أن نكون معتدين، والله ما قدّمنا سوءًا يومًا، وما كانت مشكى يومًا معتدية على غيرها من البلاد، نحن لا نهجم، نحن فقط ندافع، وما تراه الآن دفاع عن أرضنا التي استحلها ملكك صبيحة اليوم ونصب بها حدود جديدة وكأنها بلاد والده.
صمت ثم رفع عيونه يردد بنبرة خشنة حادة قوية:
_ والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن هناك أطفال وشيوخ ونساء أخشى ترويعهم، ولولا أنني أكثر من يعلم ما قد يفعله اقتحامي بهم، لما كانت أسواركم الوهمية هذه تمنعني من الدخول وتلقين ذلك الـ...
صمت ولم يكمل كلمته، ثم قال بهدوء وبسمة مريعة:
_ سأترك لخيالكم عنان تخيل ما قد أصف به ملككم.
_ لطالما كنت حاد اللسان، لا يمت حديثك لللباقة بصلة أرسلان، فلا عجب أن تتطاول على ملكٍ بالسب، فمنذ متى كنت لبقًا راقيًا، أنت طوال حياتك بذئ اللسان، لا يليق بك أن تكون ملك البتة.
كانت تلك كلمات أنمار الذي وصل للتو بعدما علم ما سيحدث، وصل يسابق الريح ليشاهد ويمتع عيونه بما سيفعل أرسلان، يمني نفسه بمشهد يريحه في لياليه التي يجافيه بها النوم حين تذكر ما فعله معه.
ابتسم أرسلان بسمة غريبة متحدثًا بهدوء مريب:
_ عجبًا، هذا الإرسلان الذي تتحدث أنت عنه لا يخرج سوى للأوساخ عديمي الرجولة فقط، أتعجب أنه ظهر لك، بل وتحفظه كما لو أنك لم تتعامل سوى مع هذه النسخة فقط مني، رغم أنني امتلك داخلي أرسلان حنون رقيق القلب عذب اللسان.
ختم حديثه، يضع يده جهة صدره وقد رسم نظرات وداعة ولطف على وجهه، يكمل بكل براءة وبسمة خبيثة:
_ لمَ يا ترى ظهر لك؟
صدرت ضحكة قوية من أحد الرجال الذي يتبعون أرسلان في الخلف، كبتها الرجل بسرعة كبيرة وقد كادت عيونه تدمع من نظرات الجميع المذهولة صوب أرسلان، ليستاء الأخير منه مرددًا بتقريع مصطنع:
_ عيب يا بني ما تفعله، الآن ستجعل أنمار يقذف جميع رجالي بالباطل وأننا لا نمتلك من اللباقة ما يكفي لنتحدث معه.
شعر أنمار بالنيران تكاد تحرق الجميع حوله وأولهم رجال سبز الذين يكبتون ضحكاتهم بصعوبة، هاتفًا بصوت حاد:
_ هل أهنتني للتو أرسلان؟
_ والله لم أفعل يا عزيزي، أنا فقط كنت أحلل لك شخصيتي التي تقذفها بالباطل، وكون أن جميع الصفات التي ذكرتها تنطبق عليك، ليس خطئي، ثم ليس لأنني تواضعت معك ومررت لك مناداتك باسمي مجردًا بعض المرات تزيدها وتحدثني كما لو أننا رفاق أو بنفس المقام. أنا الملك أرسلان بيجان ملك مشكى، وأنت أنمار الـ... أنمار.
صمت وكأنه لا يجد له لقبًا يضعه خلف اسمه، مبتسمًا باستهانة جعلت أنمار يتحدث بنبرة جليدية يستند على سور جدار سبز متحدثًا بنبرة مرتفعة كي يسمعها الجميع:
_ وهذا سيكون كافيًا للرد عليك ملك أرسلان، هذا الانمار سيرد لك اهانتك هذه وتعديك على أراضيّ ويلات، صدقني لن يعجبك غضبي.
نفخ أرسلان بصوت مرتفع يرتجف وهو يراقب أنمار من الأسفل:
_ أوف يا منجي من غضب أنمار يا الله، ليحمنا الله يا رجال.
_ استمر بالسخرية، فلا تمتلك ردًا سواها.
_ بل هي وسيلة جيدة لأشتت أرسلان القذر داخلي كي لا يتناسى كل أساليب اللباقة التي تربى عليها، فلا سبز ولا شعبها ولا الملك بارق يستحقون مني ما أفكر به في هذه اللحظة، لذا لا تستفز بقايا ذرات صبري وتمتحن أخلاقي.
صمت يتنفس بعنف وقد بدأ صدره يعلو ويهبط بقوة كبيرة، يشعر برغبة عارمة في التحرك وتحطيم جمجمة أنمار:
_ أخبر رجالك بالانسحاب من مشكى وترك حدودها وشأنها، ولتحمد ربك أنني كنت من اللباقة التي تجعلني آتيك بنفسي وأعاملك كما البشر وأتحدث إليك بدلًا من أن أسأل دمائهم على حدود مشكى التي أجاروا عليها، فمشكى شربت قبلًا الكثير من الدماء ولا مانع إن امتصت المزيد، وحذاري غضبي أنمار، فذلك الوقح الذي عددت صفاته منذ ثواني هو تلميذ مبتدأ لما أخفيه داخلي، فلا تجعلني أخرجه خصيصًا لأجلك، لا تجبرني على تلويث يدي بدماء مسلم.
ختم حديث، ينظر حوله لجيشه، ثم قال بصوت جهوري:
_ لديك مهلة سبع ساعات لتسحب رجالك من حدود مشكى، وإلا أعدتهم لك في أكفانهم.
_ هذه ليست حدود مشكى، بل حدود سبز التي جار عليها والدك قديمًا، ولأن الملك بارق كان يخشى الحروب صمت ولم يتحدث، لكن عصر الانبطاح لكم انتهى وأنا من...
_ صدقني كلمة إضافية وسأريك كيف يكون الانبطاح، لا تجبرني على التقليل من صورتك أكثر أمام الرجال، اصمت ونفذ ما قلته بالحسنى، كما أخبرتك سبع ساعات، أعتقد أنهم كافيين لرحلة ذهاب وعودة من مشكى لسبز.
ختم كلماته يتحرك بهدوء شديد مشيرًا لرجاله أن يتبعوه، وقد أوصل رسالته واضحة لأنمار ومن معه، وفي نفسه ما يزال يتوعد له بالكثير، لكن صبرًا فالقادم أكثر ويخفي أكثر.
اشتد غضب أنمار بقوة، يشعر بصدره يحترق والتوعد يلتمع بعيونه، بينما رجاله جواره يراقبون ما يحدث وقد بدأ ناقوس الخطر يصدح داخل عقولهم، وحل واحد يلمع أمام أعينهم لينجوا من شر أرسلان.
عليهم إعلام باقي الملوك للتدخل.
***
_ حسنًا عمي جلال، مهلًا واعذر غبائي اللحظي، أنا لا أدري ما علاقة روايتي بما تقصه الآن؟ ومن هذين الشخصين اللذين يتشاجران مع موزي على فاكهتي؟
ختمت حديثها تشير على صامد وصمود اللذين كانا يتشاجران مع موزي، أحدهم يجذب القرب بعيدًا والآخر يجمع الفاكهة بسرعة قبل عودة القرد ومشاركتهم بها.
ابتلع جلال ريقه لا يدرك كيف يشرح لها ما يحدث حولهم:
_ هل شاهدتي المقطع المصور الذي تركه لكِ والدكِ؟
_ هل تعلم بشأنه؟
هز جلال رأسه بنعم، يمسح وجهه بهدوء:
_ أنا من صور هذا المقطع لوالدك، اسمعي يا ابنتي اعلم أن ما سأقوله الآن هو ضرب من دروب الجنون، لكن لا أنتِ ولا خالد تعلمون هذه الحقيقة، حقيقة أنني ووالدك لا ننتمي لهذا العالم؟
تعجب خالد ما يسمع، وقد شعر أنه سقط في فيلم خيالي أو ما شابه:
_ هل انتم مستذئبون؟
رمته جلال بحنق شديد:
_ صدقني إن كنت، لكانت ضحيتي الأولى هي أنت، اصمت لأكمل حديثي.
زفر بصوت مرتفع ثم أكمل يشرح لهم ما يقصد، وقد حان الوقت لينتهي من كل هذا ويسلم أمانة رفيقه لمن يعتني بها ويحفظها - كما اعتقد رائف - فما من أحد من وجهة نظره قادر على التعامل مع طفلته كأرسلان، ولا أحد سيعتني بابنته كشعبه:
_ أنا ووالدك لا ننحدر من هذا العالم يا ابنتي.
فتح خالد فمه ليتحدث بكلمات، لكن جلال منعها قبل الخروج يتحدث بصرامة:
_ لا لسنا مصاصي دماء أو فضائيين، واصمت لأنني أتحملك بصعوبة الآن، أنا ورائف ننحدر من الممالك الأربعة، تحديدًا مشكى.
اتسعت أعين سول تحاول معرفة ما يقصد، مشكى مجددًا، نفس الكلمة الغريبة تردد على مسامعها، وجلال لم ينتبه لصدمتها وأخذ يقص عليهم كل شيء يخص مشكى والممالك وانعزالهم منذ قرون وكل شيء يخص تاريخ الممالك حتى وصل للنهاية:
_ وكل مملكة كانت تمتلك ما يُسمى بمرشدي العالم الآخر وهم الأشخاص الذين نعدهم حلقة وصل بيننا وبين هذا العالم، تمامًا كصامد وصمود.
تحركت جميع الأعين صوب صامد وصمود اللذين كانا يملئان الأفواه بالفواكه بشكل غريب وكأنهم لم يبصروا فاكهة في حياتهم يومًا. ابتسم الاثنان بغباء حين وجدا جميع الأنظار موجهة لهم.
_ حسنًا ليس تمامًا.
أبعد جلال عيونه عنهما يكمل:
_ وبمشكى كنت أنا ووالدك نتولى هذا الدور حتى أتت اللحظة التي أتينا بها لهذا العالم بلا رجعة، يوم أبصر والدك والدتك وهام بها عشقًا ليقرر التخلي عن كل شيء والابتعاد عن عالمه لأجلها، وكنت وقتها لا أمتلك سواه، وحين فكرت بالعودة وجدت أنني لا رفيق لي سوى والدك فقررت البقاء هنا وتعرفت على والدة خالد، وبهذا دفنا حياتنا أسفل هويات وهمية نحن من صنعها بمساعدة بعض الأشخاص هنا.
تنهد بصوت مرتفع يمسح وجهه:
_ ورغم أن والدك كان هو صاحب قرار البقاء هنا، إلا أنه كان متعلقًا بمشكى والبلاد وكثيرًا ما يبكي شوقًا لها، وقد قرر حينما يحين الوقت سيأخذك ويعرفك على جميع أبناء شعبك، أراد لكِ أن تنضجي بين رمال مشكى كما فعل هو، لكن يبدو أنه تأخر ولم تمنحه الحياة هذه الفرصة، وكانت وصيته الأخيرة قبل الرحيل هي أن أسلمك لمن يأخذك صوب بلادك، وأنا قد ذهبت هناك وجهزت لاستقبالك، وجئت بمن يصطحبك.
ختم حديثه يشير صوب صامد وصمود، بينما سول فقط تراقبه متسعة الأعين شاردة تفكر في كل ما سمعته، عقلها يأبى تصديق كل هذا، ربما هو يمزح معها، أو... ربما يخدعها، فما يقوله ضرب من الجنون، لكن حديث والدها وهذين الغربيين، يثبتان صحة حديثه.
أبصر جلال حيرتها:
_ أدرك ما تفكرين به يا ابنتي، لكن هذه هي وصية والدك، لقد أوصى بكِ لملك مشكى ردًا لصنيع أسداه له قديمًا، صدقيني الجميع سيعتني بكِ هناك.
رفعت عيونها له شاحبة الوجه تردد بعدم فهم:
_ أنا لا أفهم ما تقوله، أي ملك هذا وأي عناية؟ هل تتحدثون عن طفلة لا تملك حرية اختيار حياتها؟ كيف تقررون عني بهذا الشكل؟ تحددون حياتي وتبحثون عمن يعتني بي كما لو كنت طفلة، ولم يسألني أحد رأيي؟
نظر خالد لوالده باعتراض على ما يحدث، يرفض أن تتعرض رفيقة طفولته لكل تلك الضغوطات:
_ أبي نحن هنا مع سول، أنسيت أنها شقيقتي بالرضاعة.
نظرت له سول ببسمة غير مصدقة وغضب:
_ ليته كان مسمومًا أيها الـ... هل أنا طفلة لتبحثوا لي عمن يهتم بي؟ بالطبع أنا أرفض كل هذه الخرافات.
أخرج جلال خطابًا من جيب سترته يلقيه لها:
_ كنت أعلم أن هذا سيكون ردك، على كلٍ هذه رسالة أخيرة تركها والدك، وكأنه كان يعلم ما سيحدث، فكري في الأمر جيدًا وخذي وقتك، صامد وصمود سيكونان هنا حتى مساء الغد ومن بعدها سيرحلان، أما بكِ أو بدونك.
ختم حديثه ينهض مشيرًا للجميع بالتحرك، ورغم اعتراض خالد، إلا أن جلال سحبه بالعنف للخارج، وهي كانت في عالم آخر لم تعِ ما يحدث حولها ولا استوعبت بعد أن الجميع خرج بالفعل، لا تبصر سوى سواد أمام عيونها لا ابيض به سوى رسالة والدها. امسكتها بتردد تخشى أن تفتحها أو تقرأ ما بها.
أغمضت عيونها تضغط عليها بقوة تهتف:
_ لِمَ يا أبي؟ لماذا تجبرني على خوض كل ذلك؟ تلقيني بين أحضان المجهول مدعيًا أن هذا لأجل مصلحتي، أي مصلحة تلك وأي حياة قد أحياها بين أناس لا أعلم عنهم شيئًا، وأي ملك هذا الذي أوصيته بي؟ تلقي بمسؤوليتي على عاتق شخص آخر، والله وحده يعلم كيف سيتعامل معي...
تنهدت بصوت مرتفع تشعر بيد موزي تربت على خصلات شعرها وهو يجلس أعلى كتفها. فتحت عيونها تنظر له بتردد تهمس:
_ ما الذي سأفعله موزي؟ لقد انهار عالمي في ثوانٍ وبشكل غير محسوب، وأنا... كيف ألقي بنفسي بين أحضان المجهول؟ ما أدري كيف ستكون حياتي هناك مع هذا الملك، وكيف سيكون هذا الملك حتى؟
***
_ سول؟ أي نوع من البشر يمتلك مثل هذه الأسماء السخيفة عديمة المعنى؟
تنهد أرسلان بصوت مرتفع وهو يعيد قراءة تلك الوصية التي كانت بمثابة حمل إضافي فوق أكتافه وكأن مشاكله ينقصها واحدة لتأتي هي وتكملهم. العم رائف العزيز يوصيه بابنته خيرًا مرات ومرات حتى شك أرسلان أنها طفلة صغيرة و... مهلًا، ربما كانت بالفعل. هل يعقل؟ أرسل له صغيرة كي يعتني بها؟
عند هذه الفكرة شعر أرسلان بالحنق والضيق من كل ما يحدث حوله، فهو بالفعل يمتلك ما يكفيه من المشاكل ليصبح مربية أطفال لابنة رائف العزيز.
_ تبدو كمن يتشاجر مع أفكاره مولاي، هونها عليك لا يستحق أنمار كل هذا التفكير، في النهاية يمكننا حل هذه المشكلة بإذن الله.
استدار أرسلان صوب المعتصم الذي اقتحم خلوته المعتادة داخل شرفة القصر. رمقه بعد فهم للحظات قبل أن يدرك ما يتحدث عنه. ابتسم أرسلان بسخرية:
_ أنمار من يا بني الذي قد ينال شرف تفكيري به لثانية؟ بعينه أن يشغل تفكيري لثانية واحدة، يكفيه تكبدي عناء التحرك والذهاب له وإرهاق نفسي وجيوشي لأشاهده يرتجف فقط.
صمت أرسلان ثم أكمل ببسمة واسعة يتذكر نظرات أنمار:
_ حسنًا إن طلبت رأيي فقد كان الأمر يستحق أن أقطع بحارًا وبلدان لأشاهده يحترق غضبًا، لكن ليس لدرجة أن أضيع لحظات هدوئي الثمينة وأفكر بهذا الحقير.
هز المعتصم رأسه يقترب من الشرفة يتوسطها جوار أرسلان الذي كان يجلس على السور بكل استرخاء، وتساءل عما يؤرقه:
_ حسنًا هذا شيء لم أفهمه بعد، ما سبب ذهابك وعودتك دون اتخاذ أي إجراء لإنهاء الأمر؟ لقد ظننت أنك ستعود بسيفك مُدمى، ولم يحدث.
_ لو كان الأمر متوقفًا على أنمار، لكنت أكثر من سعيد لألوث سيفي بدمائه، لكن للأسف هناك أشخاص لا ذنب لهم سوى أنه يتحكم بهم وسخ مثله، جنود الحدود لا ذنب لهم، هم رجال الملك بارق الذي لطالما وقف جواري في كل شيء، حاربوا معنا في حرب لا تخصهم، ليس بعد كل هذا أرد له جميله بقتل جنود حملوا سيوفهم ليحرروا مشكى سابقًا.
رمقه المعتصم بتقدير وبسمة واسعة:
_ في النهاية لديك قلب.
رفع أرسلان حاجبه بسخرية:
_ نعم تخيل أنني أفعل.
تجاوز المعتصم عن كل شيء يتساءل بتعجب:
_ إذن ما الذي كان يشغل تفكيرك حين جئت لك؟
_ ابنة رائف.
نظر له المعتصم بعدم فهم ليتحدث أرسلان بجدية:
_ لا أدري حقًا لِمَ أنا بالتحديد، رغم أن ابن خالة رائف وعائلته يسكنون مشكى منذ سنوات، لِمَ أنا من أوصاني بابنته الصغيرة؟
_ ربما لثقته أنك ستحافظ عليها، أعني لا أدري حقًا ما رأى بك ليأمنك عليها، فإن كنت بمكانه ما كنت لأفعل صدقًا، فعدا شقيقتك، أنت لا تؤتمن للتعامل مع البشر فما بالك بفتاة صغيرة؟
تشنجت ملامح أرسلان بحنق:
_ تمنيت حقًا لو أن رائف يفكر مثلك، لوفر عليّ عناء الاعتناء بصغيرته.
راضاه المعتصم محاولًا التهوين عليه، رغم أنه غير مقتنع بما ينطق به في الحقيقة:
_ حسنًا لا بأس، لا أعتقد أن الاعتناء بفتاة صغيرة سيكون بمثل هذه الصعوبة، أعني ما مدى سوء التعامل مع فتاة صغيرة بريئة؟
بلل أرسلان شفتيه وهو يتحدث بغيظ شديد، فهو حقًا ليس في ظروف تسمح له بالتعامل مع النساء وخاصة الصغيرات المزعجات منهن:
_ أسوأ مما تخيل، يا عزيزي النساء يحتجن للتعامل اللين وأنا في الحقيقة مخزوني من اللين لا يكفي سوى لزوجتي، أنا من الأساس أوفر كل ذرة لين داخلي لأجلها، الآن أنا مضطر لتبذيره على فتيات صغيرات.
رمقه المعتصم بتشنج هامسًا:
_ هل تمزح معي؟
_ هل تراني أفعل؟
_ لا أفهم ما تقصد؟ هل أنت جاد بحديثك عن توفيرك لللين لأجل زوجتك؟
رفع أرسلان حاجبه بحنق:
_ أنت لا تريدني أن أعامل زوجتي كما أعاملكم صحيح؟
_ حقًا؟ وكيف ستعاملها يا ترى؟ أعني ما الفرق بيننا وبينها، نحن في النهاية كلنا بشر نستحق منك معاملة آدمية مولاي.
دفعه أرسلان بسخرية لاذعة يطلق صوتًا مستنكرًا من فمه:
_ هل تمزح معي؟ تود أن تتساوى معاملتي مع زوجتي بكم أيها الـ...
صمت ثواني يتمالك لسانه الذي كاد ينطق بكلمة بذيئة، يمسح وجهه بضيق شديد:
_ انظر إلى ما اضطررتني لفعله؟ كدت أسُبّك للتو وأفسد هدأتي مع اللباقة. حسنًا، لنكن واضحين يا بني، زوجتي عزيزتي، تلك المرأة المحظوظة التي سيكتب الله لها أن تكون امرأتي، لن تتساوى معكم، أعني لنكن واقعيين، هل سأعامل امرأة برقة امرأتي كما أتعامل معكم؟ مستحيل.
ابتسم له المعتصم بغيظ شديد من كلماته:
_ وما أدراك أنها رقيقة؟ ربما كانت مثلك، فالشبيه للشبيه مولاي...
_ مستحيل، قلبي يخبرني أن امرأتي التي تقبع في مكانٍ ما في هذا العالم في غاية الرقة والـ...
صمت أرسلان وانتبه إلى ما كاد يفعله، هل كان سيتغزل ويصف امرأته للتو على مسامع رجل آخر؟ تشنجت ملامحه يردد باستنكار:
_ أنت ما علاقتك بامرأتي يا هذا؟ لتكن كيفما كانت ما علاقتك أنت ها؟
اتسعت أعين المعتصم بعدم فهم، لكن أرسلان انزعج كثيرًا من تحدثه عن زوجته (التي لا يعلم عنها شيئًا) مع رجل آخر يشير للمعتصم:
_ هيا ارحل من هنا، وإياك أن تفكر بينك وبين نفسك حتى من باب الفضول كيف ستكون زوجتي، لتكن كيفما كانت لها كل الصلاحيات.
اتسعت أعين المعتصم لا يفهم سبب تحوله بهذا الشكل، بينما أرسلان رمقه بحدة، ثم أبعد عيونه يشرد في السماء وهو يتنفس بصوت مرتفع، يدرك أن الوقت ربما ليس ملائمًا ليتمنى ذلك، لكنه فقط يتمناها امرأة تستطيع تحمله والتعامل معه، هذا جل ما يتمناه.
***
اندفعت بسرعة تدفع رأسه للجدار بقوة كادت تحطم جمجمته، وهي تدفعه بكل ما تمتلك من قوة، بينما الأخير يقاوم بكل ما يمتلك، يزمجر بصوت مرتفع. وهي تضغط عليه أكثر والجنود حولها يحيطون بهم ليتداركوا الوضع. المرة الثالثة التي يثور بها هذا الحقير عليها، وقد كاد يحطم عظامها هذه المرة ليمتلئ وجهها ببعض الكدمات الحمراء. وهي كانت تخرج غضبها وكل سخطها به تصرخ بصوت مرتفع تدفع رأسه في الجدار أكثر:
_ اسمع أيها المختل، أنت ستتعالج، شئت أم أبيت ستفعل، لقد سئمت منك ومن اتباع الطرق السلمية في التحدث معك، تبًا لك ولكل العلاج الحديث الذي يجبرني على التعامل مع وسخ مثلك بشكل آدمي، هل تظنني ضعيفة ها؟ تعتقدني ضعيفة؟
ابتسمت وهي تقرب وجهها منه تهمس بشراسة:
_ ربما أبدو رقيقة، لكنني مختلة أكثر منك.
رفع المسجون رأسه بصعوبة ينظر لها بغضب شديد، ولولا جسده الذي يحتوي على نسبة من المخدر لكان حطم عظامها بكل ما للكلمة من معنى. فإن تحدثنا بكل واقعية ما كان لفتاة بحجم وهشاشة سول أن تتمكن من رجل بحجم وضخامة هذا السجين.
جذبه الجنود سريعًا بعيدًا عنها وبصعوبة شديدة استطاعوا أن يخرجوه حيًا من بين قبضتها. وهي تشعر بالغضب يتلبس منها تود الإفلات من بين أيديهم تصرخ في وجهه:
_ ستتعالج وتصبح طبيعيًا رغم أنفك أيها المجنون.
زمجر الرجل وقد كان الوضع مزريًا، إذ كان الجنود يجذبونه من جهة والبعض يجذبونها من الجهة الأخرى، حتى أبعدوه وأخرجوه، ثم تركوها لتتنفس بصوت مرتفع والجميع يرمقها بصدمة لما فعلت.
رفعت عيونها لهم تبتلع ريقها لا تعلم كيف تبرر ما فعلت منذ ثوانٍ، بللت شفتيها تردد بصوت خافت:
_ هذه طريقة جديدة في العلاج.
رفع أحد الرجال حاجبه يردد:
_ لتحمدي ربك أنه لم يكن في كامل وعيه، وإلا كان طحن عظامك أيتها الطبيبة، احرصي على حياتك واتركي هذا السجين لشخص غيرك.
تنفست سول بصوت مرتفع، تحمل حقيبتها مندفعة للخارج بقوة كبيرة لا ترى أمامها. ما كان عليها المجيء للعمل وهي مشوشة الفكر كما هي الآن. زفرت بضيق شديد تتحرك صوب سيارتها، ومن ثم انطلقت بها لمحل الزهور خاص بها، لربما تجد السلام في جزئها اللطيف من اليوم.
توقفت وهبطت لتبدل ثيابها، وما هي إلا دقائق حتى سمعت أجراس الباب تعلن دخول أحد الزبائن. رفعت رأسها ترحب ببسمة واسعة:
_ مرحبًا بكم في مـــ.
توقفت عن الحديث حين أبصرت خالد يقف مع الشخصين الغريبين أمام الباب، وهو يردد بصوت حانق:
_ لقد أصر أبي على أن أوصلهما لكِ مؤكدًا على ألا أتركك حتى نعلم ردك بخصوص ذهابك لمشاكي.
زفر صمود يصحح له بحنق:
_ بل مشكى يا صغير.
تشنجت ملامح خالد بغضب شديد وهو يرمق هذا الطويل وكأنه ينظر لبناية من عشرة طوابق، يرفض فقط التحدث معه احترامًا لفرق الطول بينهما. بينما صمود لم يهتم له، يحرك نظراته على سول بعدم رضا لما ترتدي. حسنًا، هو وصامد اعتادوا منذ زمن رؤية نساء بملابس قد تظهر للبعض غير ملائمة، لكن بالطبع لم يكن الأمر يعنيهما طالما أنها لا تنتمي لهم، وها هي امرأة من ذلك النوع الذي يرفضانه على وشك أن تصبح أحد أفراد الممالك.
ترى ما ستكون ردة فعل أرسلان على هذا؟
خرج صمود من أفكاره على حديث صامد الذي قال بصوت حانق غاضب:
_ هيا لا تعطلونا، نحن نمتلك في حياتنا أهم من أخذ تلك الصغيرة لمشكى، والله لولا أنني أخشى على حياتي من ذلك المتجبر، لكنت تركتها وعدت.
وافقه صمود الحديث:
_ نعم صدقت يا أخي، والله لا أدري ما الذي يجبرنا على التعامل مع مثل هؤلاء البشر، أعني انظر لحظنا التعس، نقضي نصف أوقاتنا في إحضار النساء للمملكة وكأن لا نساء كافيات بها لنستورد أخريات من الخارج.
نظر له صامد يهمس بصوت شبه مسموع للجميع:
_ والله يا أخي أكاد أقسم أن تلك المرأة ما هي إلا ساحرة أخرى ستسقط الملك في سحرها، وسترى غدًا، سيتحول لأحمق كما حدث لمن سبقه، فنساء المفسدين سحرهن قادر على إخضاع أعتى رجال الممالك.
_ نعم صدقت يا أخي، ضعاف النفس هم فقط من يسري عليهم سحرهن، والحمد لله الذي حفظنا ونجانا من سحر المفسدات، انظر إلينا قضينا نصف أعمارنا في عالمهم، هل ترانا وقد سقطنا لهن؟
أغمض صامد عيونه يضع يده على صدره شاكرًا الله على نعمه:
_ هذا من فضل الله علينا يا أخي، فقط لأننا نمتلك من الإرادة والإيمان بالله ما يكفي لدفع سحرهن.
كل ذلك كان يحدث أسفل عيون سول التي قالت بعد ثوانٍ من الصمت وهي تشير لهما مستنكرة غاضبة رافضة بكل ما فيها من إرادة:
_ هل تريدني أن أسلم حياتي لهذين الأحمقين وأسير معهما في طريق مجهول لمملكة خيالية داخل إحدى الروايات، لأحيا مع ملك وشعب لا أدري عنهم شيئًا؟ أنت بالطبع تمزح، من المستحيل أن أفعل هذا.
***
بعد أيام:
_ إذن كم من الوقت ستستغرق هذه الرحلة؟
توقف صامد يتأفف بصوت مرتفع ملحوظ وبشكل جعل سول تتراجع للخلف وهي تشد القبض على حقيبة ظهرها التي تحملها كما لو كانت ذاهبة للتخييم:
_ يا الله يا امرأة لقد سئمت من كثرة أسئلتك هذه؟! اسمعي يا فتاة نوعين من البشر لا أتحملهم، الثرثار والغبي.
تشنجت ملامح سول ثوانٍ قبل أن تردد بكل هدوء وببسمة واسعة:
_ علميًا أنت تعاني من حالة كره للذات فما ذكرته متمثل بك أنت والاحمق الآخر، لكن لا بأس أنت محظوظ فأنا أعمل في معالجة المختلين أمثالكم، يمكننا النظر في أمركما حينما أتفرغ وأستقر بالمملكة هناك.
ختمت حديثها تتحرك أمامه دون اهتمام وكأنها تعلم الطريق أفضل منهم، بينما فغر صامد فاهه بصدمة يحاول استيعاب ما قيل، ويبدو أن أحدهم لم يستوعب بعد أن الفتاة أهانتهما للتو.
نظر الاثنان لبعضهما البعض في محاولة فهم ما تقصد وحينما يأسا من الأمر تحركا بكل هدوء خلفها، وصوت زفراتهم يكاد يصم سول التي لم تهتم وهي تردد باهتمام:
_ إذًا أيها الحمقى أخبراني عن مشكى وملكها.
رمقه صمود بغيظ شديد:
_ كل ما يمكنني قوله هو أن مشكى وملكها يلائمانك وبشدة.
توقفت تراقبها بعدم فهم ليتحدث صامد بكل جدية:
_ مشكى مملكة قوية لها وضعها بين الممالك، حسنًا هي كانت الأقوى بين جميع الممالك قبل نكبتها الأخيرة، أما عن ملكها فهو...
صمت يستدير حوله وكأن هناك من يراقبهم قبل أن يهمس لها بصوت منخفض:
_ هو حقير متجبر لا يطاق.
بداية مبشرة سول، يبدو أن الكثير ينتظرك في مشكى. عضت شفتيها تسمع صوت صمود يكمل عن أخيه:
_ هل تعلمين أنهم يطلقون عليه أسد مشكى؟ برأيك لِمَ يا ترى؟
رمشت تردد بتفكير:
_ ربما لأنه يمتلك صفات الأسد؟
_ بل لأنه أسد في الحقيقة، يقال أنه يتخفى في هيئته البشرية حتى تحين لحظة تحوله، وحينها لا أحد ينجو من مخالبه.
تشنجت ملامح سول تحرك رأسها صوب موزي الذي كان نائمًا على حقيبة الظهر خاصتها لتراه قد استيقظ يرمق المكان حوله بضجر، وهي فقط أكملت الطريق حين أدركت أن حديثها معهما قد يضر بقواها العقلية:
_ ذكراني ما الذي يجبرني على السير معكما وسماع كل هذا الهراء؟
تحدث صامد وهو يراقب المياه تتحرك أسفل المركب:
_ لأنك سئمتِ حياتك المملة عديمة النفع رفقة بعض المختلين.
أضاف صمود يذكر ما كانت تتحدث به طول الطريق أثناء مجيئهم:
_ ولأنك لا تريدين أن تخلفي بوصية والدك العزيز الذي كان من الأنانية ليلقي بكِ في المجهول مع شعب لا تدرين عنهم شيئًا، وغبيان مريبين مخيفين.
توقف فجأة صامد عن التحرك في السفينة التي تأخذهم صوب الغابة وكأنه استوعب ما قال شقيقه منذ ثوانٍ، يستدير لها متسائلًا بجدية:
_ مهلًا هل كانت تقصدنا بهذا الوصف؟
نظر الاثنان لبعضهما البعض طويلًا وكأن الأمر غير واضح لهما، وسول لم تكن تهتم حتى بتوضيح ما تقصد هي، تتحرك في المكان تراقب ما حولها باهتمام شديد وعقلها يسبح في مناطق بعيدة، حيث ذلك الأسد الذي يتحدثون عنه، وجزء مريض من عقلها الباطن يصدق أقاويلهم بخصوص حقيقة أنه أسد في الواقع.
أفاقت من أفكارها على صوت أحد الأخوين خلفها يردد بجدية:
_ فقط نتركها عند حدود مشكى ونرحل، وهي يمكنها إكمال الطريق وحدها، أو ربما يرسل الملك من يأخذها، لا أهتم، فقط ننتهي من هذا الأمر.
رفعت سول حاجبها بسخرية لاذعة، تراهما يتحدثان عنها كما لو كانت حملًا ثقيلًا عليهما، ولا تدري في الحقيقة من يمثل حملًا على من، فإلى جانب أنها تساير كل هذا الجنون في حياتها، كانت مضطرة لتحمل هذين الشخصين، فقط ليعينها الله على إنهاء كل هذا بسلام وعقل.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن متى نصل لمشكى؟ كم تبقى من الوقت؟
ابتلع صمود ما يأكل بتلذذ شديد، ثم أجاب ببسمة واسعة:
_ لم يتبقى الكثير، كدنا نصل لحافة العالم.
توقفت يد سول قبل أن تصل لفهما تردد بعدم فهم لما نطق به:
_ ماذا؟ حافة ماذا؟ أي حافة عالم هذه؟ هل تقع مشكى هذه في الجحيم أم ماذا؟
_ لا تقع خلف الحافة، لا تقلقي الأمر سهل، سيستغرق الأمر ثلاثة أو أربعة أيام ونصل هناك بسلام.
صمت بتردد، ثم نظر لها يبعد عيونها عنها بسرعة ولأول مرة يتدخل في الأمر ويتحدث بهذا الشكل لأحدهم، لكن سول كانت في غاية اللطف معهم ولا تستحق الموت على يد أرسلان بعد كل هذا.
_ آنستي.
رفعت سول عيونها لصمود بعدما كانت شاردة بعيدًا عنهما، ترمقه باهتمام ليتنحنح الآخر يجلي حلقه ثم قال بخجل مشيرًا لثوبها:
_ لا أعتقد أنه يمكنك دخول الممالك بهذا الشكل.
رمشت دون فهم قبل أن تبعد عيونها عنه تمررها على ثوبها والذي كان مكونًا من بنطال من خامة الجينز مع حذاء أسود برقبة طويلة تدخل به أطراف البنطال كي يلائم السير في تلك الطرقات الوعرة، يعلوه سترة وردية تتنافى رقتها مع خشونة الحذاء والبنطال.
_ ما به شكلي يا صمود؟ هل الجينز من الممنوعات داخل الممالك أم ماذا؟
ابتلع صمود ريقه ولم يستطع الرد عليها، لكن صامد لم يكن بمثل هذا التردد وهو يردف بجدية:
_ حسنًا إن تحدثنا بجدية، فأنت بالكامل ستكونين من الممنوعات ولا أدري ما ستكون ردة فعله للملك، لكن لندعو الله ألا يكون هو من جاء لاستقبالك.
رفعت سول حاجبها وقد شعرت بالضيق يعتريها، تميل برقبتها للجانب، ثم رفعت عيونها لموزي الذي كان منشغلًا في تناول طعام بكل لطف.
_ لا أفهم ما علاقة ملككم العزيز بملابسي، هل يتحكم بثياب جميع أفراد شعبه؟
_ بل هي تقاليد نلتزم بها جميعًا داخل الممالك.
كانت تلك كلمات صامد الباردة وهو يكمل تناول طعامه بهدوء، بينما هي فقط رددت كلماته باستنكار:
_ تقاليد؟
_ هكذا يأمرنا ديننا آنسة سول، النساء في الممالك لا يمكنهن ارتداء مثل هذه الثياب الـ...
صمت صمود عن التحدث، وهو يرى ملامح سول قد تغضنت بمشاعر سلبية كثيرة لم يفهم منها شيئًا. أبعدت الشطيرة عن فمها، ثم قالت بهدوء:
_ لقد انتهيت من تناول الطعام، حينما تنتهيا لنكمل الطريق رجاءً فقد مللت من هذه الرحلة وقد طالت عما تستحق، ولا أدري حقًا إن كنت سأصل في النهاية لمشكى هذه، أم أكتشف في النهاية أنني كنت من الحمق للبحث عن سراب ومملكة خيالية مع رجلين غريبين فقط لأن أبي أمرني بذلك.
ختمت حديثها تجمع أغراضها داخل حقيبة الظهر، ثم تحركت بعيدًا عنهما، بينما موزي ينظر صوب صامد وصمود بغضب وكأنها هما سبب تعكر مزاجها لسول.
والأخيرة فقط ابتعدت تشعر بغصة في حلقها، وشعور غريب بالرفض لما تفعله، منذ متى كانت بهذا التهور لتتخلى عن حياة مضمونة لأجل مجهول؟
والله وحده يعلم ما الذي يخفيه هذا المجهول لها.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.
***
_ إذن هل نتحدث له؟
استدار المعتصم صوب زيان، ثم نظر صوب أرسلان الذي يجلس في شرفته بهدوء مرعب منذ عاد من اجتماعه في سفيد قبل ساعتين تقريبًا، يتأمل السماء بهدوء مرعب.
_ يا بني هل تشتاق لقبرك؟ إن أردت التحدث له، اذهب أنت وتحدث له وأخبره ما تريد، لكن أنا ما زلت صغيرًا لأموت بطريقة غير آدمية على يده.
زفر زيان بشفقة على حالة أرسلان:
_ أنا حقًا لا أدري ما الذي حدث بسفيد ليعود بمثل هذه الملامح، يبدو كمن...
_ كمن كان في حرب ضروس.
كانت تلك كلمات المعتصم والذي أكله الفضول ليدرك ما حدث باجتماع اليوم، لكن يبدو أن أرسلان اكتفى من ادعاء الجهل والجلوس على النافذة صامتًا:
_ إن انتهيتما من الحديث، هلّا تقدمتما وتحدثتم فيما جئتم لأجله.
نظر له المعتصم بتردد بينما زيان شعر أن وقت الهروب قد حان يستأذن منهم سريعًا:
_ لقد تركت المشفى دون رقيب وأخشى أن يأتي أحدهم ولا يجدني، اعذروني فالواجب يناديني.
رمقه المعتصم بشر يمسك يده يمنعه من الرحيل:
_ توقف أيها الجبان لقد اتفقنا أن نخبّره سويًا و...
_ لست جبانًا بل ذكيًا بما فيه الكفاية لأنجو بحياتي، والآن اعذرني فالواجب يناديني، والموت يناديك.
ابتسم يربت على كتفه وكأنه يودعه الوداع الأخير، ثم رحل بسرعة تاركًا المعتصم يحاول أن يتمالك نفسه ويتحرك ليخبره ما جاء به.
_ اقترب يا المعتصم لن أعضك.
اقترب المعتصم وهو يدقق النظر لملامحه:
_ العفو مولاي، لكن منذ عودتك وملامحك لا تبشر بالخير، ما الذي حدث هناك؟
ابتسم أرسلان بسمة مظلمة وهو يتذكر ما حدث، قبل أن تصدح ضحكته ويخبره بهدوء:
_ لا شيء فقط أنهينا المشاكل بشكل ودي وسلمي.
رمقه المعتصم بشكل جعل أعين أرسلان تزداد غموضًا يتحدث بهدوء شديد عكس ما يموج داخله:
_ قل ما جئت لأجله يا المعتصم، أعلم أنك تكبت الكثير داخلك.
تقدم المعتصم من الشرفة التي تتوسط نهاية ممر الطابق الثالث تتخذ شكل قبة واسعة ذو حافة أسمنتية بارزة يستخدمها أرسلان للجلوس.
جلس جواره يردد بصوت خافت:
_ إذن هل أنت بمزاج يسمح لك بالقيام برحلة مسائية؟
لم يفهم أرسلان ما يقصد المعتصم، قبل أن يبتسم الأخير بسمة واسعة يقول بهدوء ملقيًا قنبلته:
_ لقد جاء صامد منذ دقائق قليلة كي يوصل لك رسالة بأن مهمته انتهت.
مجددًا ضيق عيونه ينتظر منه توضيحًا أكثر، فابتلع المعتصم ريقه يقول:
_ لقد وصلت ابنة السيد رائف ولا بد أنها الآن على حدود مشكى تنتظر وصولك لتتسلمها مولاي.