لما فتحت "إيمان عمران" عينيها، و هي فتاة في الخامسة و العشرين من عمرها، وجدت وسادتها مبللة، إذ قضت الليل تبكي بلا إنقطاعٍ. كانت محمومة تعتريها القشعريرة. قامت بصعوبة من السرير عندما تناهى إلى مسامعها صوت الجلبة خارج غرفتها، و مؤكد بأنها عرفت السبب.
لقد أتى. لقد أتى "سيف" كما وعدها ليطلب يدها للزواج. إنه هنا هو و والديه.
وصلت عند باب غرفتها و ورابته قليلًا، أطلّت برأسها لا لترى، إنما لتسمع بوضوحٍ. و ما لبث أن برز صوت عمتها "راجية" مغتبطًا:
- إيه رأيك يا أمينة بقى في المفاجأة دي.. حسن جوزي نزل من الطيارة عليكوا علطول حتى ماطلعش شقتنا.
ردت "أمينة" بترحيب:
- ألف حمدلله على السلامة يا أستاذ حسن. نوّرت بيتك و مصر كلها.
شكرها الأخير:
- الله يخليكي يا أم أدهم. ده نوركم و الله. و بالأخص نوّارة البيت كله إيمان.. أمال هي فين صحيح ؟
- حالًا أدخل أجيبها لك.
- يا ريت لغاية ما أتكلم أنا و أدهم شوية. إذا عندك وقت يا دكتور !
جاء جواب "أدهم" مهذبًا واثقًا:
- و لو ماعنديش أفضى لك يا عمي.
- حبيبي تسلم.
- اتفضلوا اقعدوا طيب …
في هذه الأثناء ذهبت "أمينة" لغرفة ابنتها، لتجدها تقف بوجهها هكذا. دلفت و أغلقت الباب ورائها و هي تقول مدققة النظر بملامحها الناعسة:
- إيه يا إيمان ده. إنتي لسا قايمة من النوم.. إنتي مش عارفة إن عمتك و جوزها جايين عشانك. مش إنتي إللي قلت لي كده إمبارح !؟؟
جاوبتها "إيمان" بتعبٍ واضح:
- أيوة يا ماما. أنا عارفة إنهم جايين زي ما قلت لك.. بس كنت سهرانة شوية من إمبارح. دلوقتي أدخل أغسل وشي و ألبس و هاطلع لهم.
حثتها "أمينة" بعجالةٍ:
- طيب يلا بسرعة شهّلي. الراجل جاي من سفر علينا تلاقيه تعبان و عاوز يرتاح في بيته.
أومأت لها:
- حاضر حاضر حالًا أهو …
و سحبت منشفتها و مضت مسرعة إلى الحمام، غسلت وجهها و فرشت أسنانها بقوة حتى أدمتها قليلًا، ثم عادت إلى غرفتها و فتحت الخزانة لتخرج الثوب الذي وقع إختيارها عليه سلفًا، و هو نفسه الثوب الذي اشترته من أجل اللحظة التي وعدها بها حبيبها "مراد".. لحظة مجيئه إلى هنا ليطالب بها زوجةً له.
و لكن أين هو ؟ ليس هو الذي جاء.. بل غيره.
لقد جاء رجل لا تحبه، و لا تعرف كيف ستسمح له حتى أن يتقرّب إليها، فماذا عن تبادل الحب !؟ سيكون هذا مؤلمًا، كما هو مؤلم الآن أن تتحضّر و تتزيّن لأجله هو. إنها في كابوس، و لا مجال للخروج منه أبدًا كما يبدو …
وضعت "إيمان" اللمسات الأخيرة على وجهها من مساحيق التجميل الخفيفة، و أخيرًا وقفت أمام المرآة تلقي على نفسها نظرة. و رغم ما كابدته طوال الليلة الماضية حتى مطلع الفجر، إلا إنها بدت… جميلة جدًا !
في ثوبها الوردي الأنيق، فضفاضًا ذي طوق ذهبي يظهر منحنى خصرها المنسّق، و حجابها الرقيق اختارته وشاحًا أبيض شفاف أسفله قماش مزركش غطى شعرها بالكامل، و الآن صارت جاهزة.
و كدأب كل عروسٌ خرجت من غرفتها و هي على قدرٍ من التوتر، ذهبت عند أمها بالمطبخ، و قد كانت "أمينة" قد حضّرت صينية المشروبات و طبق الحلويات المُشكل و الكعك الطازج الذي طلبته في الصباح من أشهر متاجر الحلو.
- إيه يا نور عيني الجمال ده كله ؟ .. قالتها "أمينة" بحبورٍ ما إن رأت إبنتها أمامها.
تركت من يدها كل شيء و اقتربت منها، أحاطت بكتفيها و قالت و عينيها تلتمع بالدموع:
- زي القمر يا إيمان. أمال لما تبقي عروسة إن شاء الله عن قريب هاتبقي إزاي.. قل أعوذ برب الفلق يا حبيبتي.
و عانقتها بقوةٍ، ثم نظرت في وجهها الذي رغم بهائه يحمل مسحة حزن، لكنها غير ملحوظة تمامًا.
- رغم إني كنت مسخسراكي في سيف ابن راجية ! .. قالتها "أمينة" بقليلٌ من الامتعاض.
- كان نفسي ليكي في راجل عليه القيمة أكتر من كده. زي إللي كنتي بترفضيهم دول.. أتاريني ماكنتش أعرف إنك بتحبي سيف و قاعدة عشانها.
اغتصبت "إيمان" ابتسامة متكلفة و قالت:
- أديكي عرفتي يا ماما. أنا بحب سيف و هو بيحبني.. أنا عايزاه !
و قد كانت تكذب حتمًا.
أومأت لها أمها، ثم قالت و هي تحمّلها صينية المشروبات:
- ماتقلقيش يا نن عيني. أنا منايا أفرح بيكي من زمان. و ما صدقت دماغك لانت.. أنا اتكلمت مع أخوكي و قدرت أقنعه. إن شاء الله كله هايتم على خير. أطلعي على مهلك. قدمي الشربات لحماكي الأول و بعدين تقعدي جمب عريسك.. يلا يا حبيبتي.
سحبت "إيمان" نفسًا عميقًا و خرجت أمام أمها على ضيوفهم، كانت يداها ترتعشان و لم تكن تتحكم بهما، لكنها ناضلت وصولًا إلى السيد "حسن" كي لا يسقط منها شيء.
قدمت له مبتسمة، فتناول "حسن" الكأس متمتمًا:
- تسلم إيديكي يا عروستنا. إيه الحلاوة دي كلها يا إيمان ؟ إحلوتي على حلاوتك عن آخر مرة شوفتك !
ردت "إيمان" بخجلٍ:
- ميرسي يا عمي. حمدلله على السلامة.
- الله يسلمك يا حبيبتي. عقبال ما أفرح بيكي في أقرب وقت بأمر الله.
غضت "إيمان" عينيها من شدة خجلها من كلماته، و تنقلت إلى عمتها تقدم لها كأسها.
- هاتي يا حبيبتي ! .. هتفت "راجية" و على وجهها أكبر ابتسامة.
- اسم الله و الحارس الله.. قمر 14 ياناس. عروسة إبني زي القمر.
لم ترد "إيمان" و انتقلت إلى أخيها، أبى "أدهم" أن يأخذ منها بإشارة من يده، فتابعت حتى وصلت أمامه.. أمام "سيف الذي جلس فوق الأريكة الصغيرة وحده.
تطلعت إليه رغمًا عنها، كان حادًا و خطيرًا بقدر ما كان وسيمًا في حلّته السوداء، و لا تعرف لماذا أفزعتها نظرته المظلمة بادئ الأمر، قبل أن يُبددها بابتسامة تكنف شيء من الاستهجان.
مد "سيف" يده و أخذ كأسه قائلًا بصوته الأجش:
- تسلم إيدك !
تحررت "إيمان" من أسر عينيه حين صرف ناظريه عنها، لحظتها فقط تنفست الصعداء و هي تلتفت لتضع الصينية فوق الطاولة، ثم جلست إلى جواره تاركة بينهما مسافة.
كان اضطرابها على أشده، و راحتيها تصببان عرقًا مع السكون المحيط بها، لم يهدئها قليلًا إلا صوت "حسن" الذي طفا على سطح الصمت:
- أدينا بنشرب الشربات و عروستنا قاعدة معانا أهيه يا أدهم.. أنا طلبتها منك لسيف ابني باعتبارك أخوها الكبير و راجل البيت ده كله. قلت لي الرأي رأيها. ف ممكن تسألها قصادنا !؟
تنهد "أدهم" مرفرفًا بجفونه، كان متكدرًا و غير راضيًا من داخله و هو يسأل شقيقته بصوتٍ صلد:
- إيمان.. إيه رأيك في إللي سمعتيه. موافقة تتجوزي سيف و لا لأ ؟
كان "سيف" يجلس باردًا كالثلج و مسترخيًا للغاية و هو ينظر صوبها بجانبه متسليًا بارتباكها الظاهر، فهو يعلم يقينًا جوابها. و قبل أن تنطقه، و مع ذلك فقد أطربته كلماتها التالية:
- أنا موافقة أتجوز سيف يا أدهم !
أصابت خيبة الأمل "أدهم" و افترشت محيّاه، لكن لحسن حظ العروسين طغى عليها هتاف "حسن" الجذل:
- على بركة الله. و مبروك علينا كلنا.. يبقى إن شاء الله كتب الكتاب و الفرح مع بعض آخر الشهر ده. أنا عارف إن سلوكم هنا مش بتوافقوا على الخطوبة. و كله جاهز. و لا إيه يا ست أمينة ؟
ردت "أمينة" و دموع الفرح تترقرق بعينيها:
- يا أستاذ حسن كفاية مجيتك. إحنا نجهزها و نوصلها لحد عندك إللي تقول عليه طبعًا انت في مقام أبوها.
- يعلم ربنا كلهم ولادي. و إيمان بالذات تاخد عيني من جوا. بإذن الله انا متكفل بكل حاجة عايزها بالهدمة إللي عليها و بس, و كمان هاعمل لها فرح ماتعملش زيه و الشبكة إللي تختارها إن شالله تكلفني ثروة. إللي هي عايزاه كله هايحصل !
و هنا انطلقت الزغاريد المجلجلة من فم "راجية" أعقبتها "أمينة" هي الأخرى، ليستغل "سيف" الموقف و يميل صوب عروسه قليلًا هامسًا بصوت لا يسمعه سواها:
- مبروك يا حبيبتي !
رمقته "إيمان" بطرف عينها و قالت:
- الله يبارك فيك.
علت زاوية فمه بابتسامةٍ شريرة و هو يستطرد بكلماتٍ جمدت الدماء بعروقها:
- أوعدك إنك هاتشوفي معايا إللي عمرك ما شوفتيه.. هفاجئك. و هاتعرفي أنا أد إيه بحبك و بعشقك !
كانت كلماته لطيفة كما يبدو، لكنها لم تشعر بها على هذا النحو أبدًا.. خافت، و لم يخبو خوفها منذ تلك الليلة أبدًا.
لما فتحت "إيمان عمران" عينيها، و هي امرأة في الثانية و الثلاثين من عمرها، وجدت أمها توقظها بلطماتٍ خفيفة على وجنتيها الملتهبتين.
- إيمان. إنتي نمتي تاني يا حبيبتي.. إنتي تعبانة أوي و لا إيه ؟ أتصل بالدكتور !؟
أجبرت "إيمان" نفسها على الصحوة و نظرت لأمها بتركيزٍ مضنٍ، ثم قالت مصارعة لهجة النعاس و هي تعتدل في فراشها:
- أنا كويسة يا ماما.. ماتقلقيش. بس راسي تقيلة إنهاردة. عادي يعني مستكترة عليا أريح يوم في السرير ؟
مسحت "أمينة" على شعرها قائلة بتعاطفٍ:
- لأ يا حبيبتي. ريّحي زي ما تحبي.. أنا بس بقلق عليكي. و اليومين دول بالأخص أحوالك مش عجباني !
صدق حدس الأمالتي شعرت بحالة الأكتئاب المسيطرة على إبنتها.
ابتسمت "إيمان" بصعوبة و قالت محاولة طمئنة أمها:
- أنا كويسة يا ماما !
هزت "أمينة" رأسها غير مصدقة ادعائها، لكنها لم تسهب فيه أكثر و قالت لها بترددٍ:
- في خبر مهم من ناحية عمتك راجية.. تحبي تسمعيه دلوقتي و لا بعدين !؟
عبست متسائلة في الحال:
- خير يا ماما. قولي ؟
تنهدت "أمينة" حائرة كيف تصوغ ذلك، إلا إنها حاولت:
- مالك ابن عمتك !
حثتها:
- ماله يا أمي إتكلمي !؟؟
إمتد الصمت دقيقة كاملة.. ثم سألتها "إيمان" ثانيةً مشككة في سمعها:
- إيه !!!؟
كررت "أمينة" مشفقة على صدمتها:
- مالك عايز يتجوزك يا إيمان !