تحميل رواية «انذار بالقتل» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدى ليالي الشتاء، ليلة أخفت غيومها أشعة شمس نهار يومٍ جديد، رغم بردوة الجو الشديدة إلا أن الدفء يستوطن القلوب، الشوارع هادئة تكاد تكون خالية، رائحة المطر المختلطة بأتربة الأرض تجعل البهجة تعتلي ملامح محبين هذا الفصل الممتع بأجوائه الساحرة. بضواحي القاهرة الكبري، بمكان يطلق عليه "عزبة الحداد"، منطقة تبدو شعبية، و لكن يقطنها عائلات ميسورة الحال. داخل منزل حديث الطراز يتكون من خمسة طوابق، يحتوي على حديقة واسعة بها مكان مخصص للخيول، الطابق الأول عيادة الدكتورة "تهاني الحداد"، طبيبة النساء والتوليد...
رواية انذار بالقتل الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك
بإحدى ليالي الشتاء، ليلة أخفت غيومها أشعة شمس نهار يومٍ جديد، رغم بردوة الجو الشديدة إلا أن الدفء يستوطن القلوب، الشوارع هادئة تكاد تكون خالية، رائحة المطر المختلطة بأتربة الأرض تجعل البهجة تعتلي ملامح محبين هذا الفصل الممتع بأجوائه الساحرة.
بضواحي القاهرة الكبري، بمكان يطلق عليه "عزبة الحداد"، منطقة تبدو شعبية، و لكن يقطنها عائلات ميسورة الحال.
داخل منزل حديث الطراز يتكون من خمسة طوابق، يحتوي على حديقة واسعة بها مكان مخصص للخيول، الطابق الأول عيادة الدكتورة "تهاني الحداد"، طبيبة النساء والتوليد.
أما الطابق الثالث يكون الشقة الخاصة بعائلتها هي و زوجها "شرف الحداد" و أولادهما الأربعة.
الإبن الأكبر "نوح الحداد"، شاب بعامه الثلاثين حاصل على بكالوريوس تجارة، يدير مصنع والده المخصص بالحديد والصلب.
يليه شقيقه "نور الحداد"، شاب بمنتصف العشرينات حاصل على ليسانس حقوق، و يعمل مع شقيقه.
يليهما التوأمتان "ندي، نهاد" بالعشرين من عمرهما، تدرسان بالصف الثالث كلية آثار.
بتمام الساعة السابعة صباحًا، يشع المنزل بالحركة و النشاط بعدما انتهوا من صلاة الصبح داخل الركن المخصص للصلاة بالمنزل.
المكان عامر بالدفء والحب، السكينة بعد مرورهم بمحنة قاسية منذ ثلاث سنوات عندما تعرض رب هذه الأسرة لحادث سير مؤلم، أنقذه الأطباء بشق الأنفس، لكنه فقد به كلتا ذراعيه.
تقف الأم "تهاني" برفقة ابنتيها داخل المطبخ يصنعون أشهى المؤكولات.
"يله يا ندي خفي إيدك وخلصي السلطة وحمري البطاطس والبتنجان يا حبيبتي، وأنتي يا نهاد ألبسي أسدالك واطلعي للطيور حطيلهم أكل ولمي البيض وأننزلي أسلقيه علشان أدحرجه في السمن."
غمغمت بها "تهاني" التي تقوم بإعداد طبق من الفول غارق بالسمن البلدي، فاحت منه رائحة تسيل اللعاب لكل من في المنزل، بل والمنازل المجاورة أيضًا.
"الله على ريحة الأكل اللي تفتح النفس."
قالها "نوح" الذي دلف للتو داخل المطبخ، واقترب من والدته وقف بجوارها واضعًا ذراعه حول كتفها، لتقوم "تهاني" برفع المعلقة لفمه حتى يتذوق الطعام.
"امممم طبق فول عالمي يا أم نوح، تسلم إيديكي يا غالية."
أردف بها وهو يميل بوجهه على أصابع يدها التي تحمل المعلقة وقبلها بحب.
ابتسمت "تهاني" متمتمة.
"تسلميلي وتعيش يا حبيبي."
رمقته بنظرة مصطنعة الغضب مكملة.
"ياما نفسي تفرح قلبي بيك بقي وتتجوز يا نوح، وابقى هات مراتك يا أخي وأنا أفطركم وأغديكم وأعشيكم كمان."
ارتسمت بسمة مشاكسة على ثغره وتحدث هامسًا داخل أذنها.
"ادعيلي أنتي من قلبك ربنا يرزقني ببنت الحلال اللي تخطف قلبي خطف زي ما أنتي خطفتي قلب أبو نوح من أول نظرة يا تونة يا شقية."
لكزته "تهاني" على صدره برفق وهي تقول بخجل.
"هدعيلك ربنا يرزقك بلي تخطف قلبك وأنفسك كمان بس تتجوز وتجبلي أحفاد يجروا حواليا أنا وأبوك."
صفقت "ندي" بحماس وهي تقول.
"أيوه يا أبيه اتجوز بقي علشان تعمل فرح ونلبس فساتين تجنن."
ارتفع حاجبيه بمرح وهو يتنقل بنظره بينها وبين شقيقتها "نهاد" مغمغمًا.
"لما تخلصوا الأول جزء القرآن اللي بقالكم سنة بتحفظوا فيه أبقى اتجوز علشان سيادتكم تلبسوا فساتين."
" انهارده هنخلصه يا أبيه بحول الله، بس متنساش تجيب الشوكولاته بتاعتنا وأنت جاي."
تحدثت الشقيقتان بها بنفس واحد.
سار "نوح" لخارج المطبخ وهو يقول.
"الشوكولاته جاهزة، بس اعملوا حسابكم هسمعلكم انهارده في صلاة الفجر."
" رايح تفطر الخيل كالعادة قبل ما تفطر أنت، ونفضل أحنا مستنينك يا نوح باشا."
قالها شقيقه "نور" الذي دلف من الخارج حاملًا بيده خبزًا طازجًا تفوح منه رائحة شهية، وزجاجات من الحليب.
ربت "نوح" على كتفه أثناء مروره من جواره متجهًا لخارج الشقة.
"يا ابني فرحانة ورهوان دول بركة في البيت، رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام قال عليكم بإناث الخيل فإن ظهورها عزّ، وبطونها كنز."
سبحان الله
بمكان آخر.
منطقة شعبية سكانها ذوات الطبقة المتوسطة، داخل منزل "عبد الحميد العطار"، منزل قديم الطراز مكون من طابقين، الطابق الأول عبارة عن متجر كبير للعطارة، والطابق الثاني يحتوي على شقتين مقابل بعضهما.
شقة خاصة ب "عبد الحميد" وزوجته "مني" ربة منزل، وابنتهما "آية" طالبة بعامها الأخير بكلية الطب البيطري.
الشقة المقابلة لهم يقطن بها ابنهما "إسلام" وزوجته "رقية" الصديقة المقربة لـ "آية" وكانت معها بنفس الجامعة، ولكنها لم تكمل تعليمها بعد زواجها.
حالة من الغضب الدائم يسيطر على هذا المنزل بسبب أفعال وتصرفات "إسلام" الحمقاء مع الجميع، خاصةً والده الذي يجلس أمام باب الشقة على مقعد خشبي ينتظر وحيده الذي لم يعد للمنزل منذ ليلة أمس.
تقف "رقية" الباكية على حالها حاملة صغيرها "حمزة" الذي لم يتم عامه الثاني بعد، بجوارها "آية" التي تربت على ظهرها، بوجهه كساه الحزن والحسرة، لا تبكي بينما قلبها ينفطر من شدة أوجاعه، فبدلاً من أن يكون شقيقها لها ظلًا وسكينةً وسندًا، كان هو السبب بكسر خاطرها وذلها.
"يا عبد الحميد صلي على النبي يا أخويا وتعالى افطر لقمة وانزل افتح المحل، وإسلام أكيد هيفوت عليك وهو طالع."
أردفت بها "مني" بنبرة متوسلة.
"أنا هفضل قاعد له هنا لحد ما يرجع وأضربه القلم اللي ضربه لأخته قدام خطيبها، وهكسر إيده كمان، الفاشل اللي باع مراته دهبها وعفش بيتها وخد الفلوس رماهم لأصحابه الحرامية اللي قلبوه وضحكوا عليه وهو زي الأهبل مشي وراهم وصدقهم ومسمعش كلمنا كلنا، وآخرتها يمد إيده على بنتي في حياة عيني، أمال لما أموت هيعمل فيكم إيه؟"
صمت للحظة يلتقط أنفاسه، وتابع بوعيد وغضب أكبر.
"أنا وابنك انهارده يا مني، يا قاتل يا مقتول."
لا إله إلا الله
بمنزل شرف الحداد.
يجلس على ركبتيه أرضًا أسفل قدم والده، أمسك إحدى قدميه ومال عليها قبلها بحب شديد مغمغمًا.
"أحلى صباح على أحلى أب في الدنيا كلها."
قالها وهو يقوم بوضع الجوارب بقدمه يليها الحذاء.
"استنى يا نوح أنا اللي هلبسه الرجل التانية، دي بتاعتي."
أردف بها "نور" شقيقه وهو يهرول نحوهما وجثى أرضًا بجوار شقيقه الأكبر أسفل أقدام والدهما.
رفع "نوح" رأسه ونظر لوالده بابتسامة دافئة، تطلع له "شرف" قليلاً ثم تنقل بنظره بينه وبين شقيقه، وزوجته "تهاني" التي تهندم له ثيابه، وابنتيه "ندي" التي تجلس خلفه على ركبتيها وتقوم بتمشيط شعره بحنان بالغ.
أما شقيقتها "نهاد" ممسكة بفنجان القهوة المفضل لوالدها وتقربه من فمه ليرتشف منه بستمتاع.
ساد الصمت للحظات، وكلًا منهم منهمك بما يفعله بتركيز، فقطع الصمت "شرف" وتحدث بصوت يملؤه الفخر.
"أنا صحيح خسرت درعاتي الاتنين، بس ربنا عوضني بيك يا نوح يا ابني أنت وأمك وأخواتك، ضهري وسندي من بعد ربنا يا ولاد شرف الحداد."
رواية انذار بالقتل الفصل الثاني 2 - بقلم نسمة مالك
"إسلام العطار".. شاب بأواخر العشرينات، خريج كلية حاسبات ومعلومات قسم هندسة برمجيات، يعمل بإحدى الشركات الخاصة. كان مثال للشاب الخلوق قبل عام واحد من الآن، حتى تعرف على صحبة فاسدة سحبت قدمه نحو مشروع رأس ماله معتمد على نقود القروض.
حاولت زوجته ووالديه منعه بشتى الطرق من الاشتراك معهم، إلا أنه أصر على موقفه. قام بجمع كل مبلغ من الأموال كان صغيرًا للغاية لم يفِ بالغرض، فقدم على قرض يسدد على خمس سنوات، يقوم بسحب أكثر من نصف راتبه كل شهر. لم يستمع لحديث عائلته التي قامت بنصيحته أن يبتعد عن مال القروض فقد نهى الله عز وجل عنها.
ليصفعه القدر صفعة دامية بفشل المشروع، خسر كل ما يملك، بل وتكاثرت عليه الديون بسبب القسط الكبير الذي يخصم من راتبه كل شهر، أجبره على بيع ذهب زوجته، وحتى أثاث شقته الجديد قبل حتى أن يتم عام ثاني على زواجه، تاركًا فراشًا فقط بأرضية إحدى الغرف ينام عليه بجانب زوجته وصغيره. من وقتها وتبدل حاله لأسوأ ما يكون.
"يا ابني اسمع كلامي وجرب البرشامة دي.. هتعملك دماغ جامدة وتنسيك كل همومك".
قالها "سعد" بابتسامة زائفة وهو يعطيها لـ "إسلام" الجالس أرضًا مستندًا بظهره على الحائط، واضعًا رأسه بين كفيه.
رفع "إسلام" رأسه ببطء ونظر له نظرة جامدة يكسوها الحزن والحسرة. نجح في إخفائهما، وطرد زفرة نزقه من صدره وهو يقول:
"قلت لك مليش في الزفت دا".
هب واقفًا، وأخرج هاتفه من جيب سرواله. نظر به مكملًا:
"الساعة بقت سبعة يدوب أروح أغير هدومي وأطلع على الشغل".
وقف "سعد" هو الآخر ومد يده، وضع قرصين السموم بجيب قميصه، وغمز له مغمغمًا:
"طيب خلي البرشمتين دول معاك.. أنت مطبق من امبارح لو حسيت إنك بتنام على نفسك في الشغل أرفع واحدة هتصحصحك أسبوعين قدام".
لم يرد عليه "إسلام"، اكتفى برمقه بنظرة محتقرة، فهو سبب ما وصل إليه بعد إلحاحه الشديد على أذنيه حتى انصاع له، وخسر كل شيء.
غادر المكان متجهًا نحو منزله الذي يتعمد الهروب منه دائمًا حتى لا يواجهه والداه، وزوجته. خاصةً زوجته "رقية" حبيبة قلبه، عشقه الوحيد والأبدي. منذ ما حدث، وهو لا يستطيع النظر بعينيها، فكلما نظر لها يرى حجم خطأه الهائل، والحزن الدائم الذي سببه لها جعل ملامحها منطفئة.
ظل يسير بخطوات مسرعة حتى وصل أمام منزله بعد عدة دقائق قليلة. وقف أمام الباب، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يدلف للداخل.
صعد الدرج بتمهلٍ حين وصل لسمعه صوت والده "عبد الحميد" الغاضب يتحدث قائلاً:
"أنا هعرف بطريقتي هو بيسهر في أنهي مصيبة كل يوم للصبح كده؟!"
قطع حديثه حين لمح "إسلام" يقف على الدرج أمامه، وينظر له وينفخ بضيق:
"أهلاً بالبيه اللي بقى يصيع على كبر بعد ما بقى أب ومسؤول عن بيت وزوجة وطفل".
كانت زوجته تقف خلف والده تبكي بصمت، وتنظر له راسمًة الأسف على محياها. نظرتها هذه جعلته يطبق جفنيه بعنف، وهرول بالسير نحو شقتهما وهو يقول باقتضاب:
"أنا عندي شغل، ومش فاضي للخناق معاك دلوقتي".
جن حنون "عبد الحميد" من طريقة ابنه الوقحة معه، فصرخ عليه بصوت عالٍ للغاية يدل على مدى غضبه قائلاً:
"اقف عندك يا بيه يا متربي وأنا بكلمك، وقولي إزاي تمد إيدك اللي تنقطع على أختك الصغيرة في غيابي؟!"
"بعد الشر".
همست بها "رقية" بداخلها، وهي تنظر لزوجها بلهفة، وقد انهمرت عبراتها أكثر على وجنتيها.
بادلها "إسلام" النظرة بأخرى يملؤها الاشتياق، والألم في آن واحد.
"أهدي يا عبد الحميد علشان صحتك ليجرالك حاجة.. إحنا منستغناش عنك يا أخويا".
قالتها "مني" زوجته، وهي تربت على ظهره، وتنظره بتوسل وأعين دامعة.
بينما تقف "آية" داخل شقة والدها حاملة "حمزة" ابن شقيقها، تقبله بحب، وتضمه بحنان لحضنها متمتمة:
"متخفيش يا روح عمتك".
انتبهت لرنين هاتفها برقم "يوسف" خطيبها، فسارت نحو غرفتها على عجل، ودلفت للداخل غالبة الباب خلفها حتى لا يصل لسمعه صوت شجار والدها، وشقيقها.
"صباح الخير يا يوسف".
نطقت بها "آية" بصوتٍ حاولت جعله طبيعيًا، إلا أنه خرج مرتجفًا، به نبرة انكسار بعد تلك الصفعة التي تلقتها أمامه ليلة أمس على يد شقيقها الوحيد.
"صباح الخير!!!"
تمتم بها "يوسف" ببوادر غضب، وصمت لبرهة ثم تابع وهو يصطك على أسنانه:
"أنا منمتش من امبارح يا آية بسبب اللي عمله اخوكي فيكي قدامي".
ابتلعت "آية" غصة مريرة بجوفها، وتحدثت بتعقل قائلة:
"بصراحة أنا اللي غلطانة يا يوسف.. إسلام قالي قبل كده مينفعش أقبلك بلبس البيت ولا بشعري مكشوف، وأنا اللي مسمعتش الكلام".
"هو أنا غريب يا دكتورة ولا إيه.. أنا خطيبك وقريب أوي هبقى جوزك ولا نسيتي؟!".
قالها "يوسف" بضحكة ساخرة لا تخفي غضبه المشحون.
تنهدت "آية" بتعب وأردفت بهدوء قائلة:
"ما هو علشان انت لسه خطيبي ماينفعش فعلاً أقبلك بلبس البيت، ولا تشوف شعري.. يعني أخويا عنده حق وخايف عليا يا يوسف.. لما نتجوز إن شاء الله ساعتها أبقى براحتي معاك ومحدش يقدر يمنعني عنك أبدًا".
"لما نتجوز يا آية أنا اللي همنعك عن اخوكي دا خالص، وهمنعه هو كمان يدخل بيتنا، ولا أنتي هتروحي عند أهلك، ولو مامتك أو باباكِ عايزين يشوفوكي يتفضلوا ينورونا في أي وقت.. لكن اخوكي وأي حد يخصه سواء مراته أو ابنه ميدخلوش بيتي".
قالها "يوسف" بإصرار شديد، حديثه هذا كان واضحًا وصريحًا وبه نبرة لا تقبل النقاش.
لوهلة انقبض قلب "آية" وأسرعت بضم الصغير الذي نام على كتفها لحضنها بقوة أكبر، وهمست بصوت متقطع:
"عايز تمنعني من اخويا الوحيد بعد الجواز؟!.. أنت أكيد بتهزر يا يوسف!!".
انتفضت بفزع حين صرخ "يوسف" فجأة بصوت عالٍ مغمغمًا:
"لا مبهزرش، وكلامي دا هيتنفذ بالحرف يا دكتورة.. علشان أنا معنديش استعداد إن اخوكي ييجي في مرة يتجنن ويمد إيده عليكي في بيتي.. ساعتها أنا ممكن أرتكب جريمة".
ساد الصمت للحظات، وتابع بأمر قبل أن يغلق بوجهها الهاتف:
"الكلام مش هينفع في التليفون أنا هاجيلك بكرة الجامعة بعد ما أخلص شغلي في العيادة، وهاخدك نقعد نتكلم في أي مكان بعيد عن بيتكم علشان أعرفك النظام اللي هنمشي عليه في حياتنا.. سلام".
أطلقت "آية" آهة ملتاعة وهي تنظر لشاشة الهاتف التي تظهر صورتها برفقة خطيبها، وتنقلت بنظرها للحلقة الذهبية حول أصبعها وقد حسمت أمرها بإنهاء تلك الخطبة وإعطائه شبكته فور رؤيته، واختيار شقيقها رغم ما فعله معها إلا أنه مازال وسيظل شقيقها الوحيد واختيارها الأول. وحدثت نفسها بأسف:
"حياتك أنت لوحدك يا يوسف.. أنا مليش مكان فيها".
رفعت عينيها التي تجمعت بها العبرات للسماء، وهمست بصعوبة:
"يارب عوض عليا عوض الصابرين، ونور بصيرة أخويا وأهديه ورده لينا زي ما كان يارب".
...........................................
بمنزل شرف الحداد..
الجميع على أبهى استعداد لبداية يوم عمل جديد.
"يله يا نهاد ادخلي شطبي المطبخ قوام علشان أنا واختك هنحضر حاجة الغدا قبل ما أنزل العيادة".
غمغمت بها "تهاني" التي تسير بجانب زوجها خلفها أولادها "نوح، نور" نحو باب الشقة تودعهم أثناء ذهابهم للعمل كالعادة.
نظرت لزوجها وتابعت بنبرة راجية:
"ما تاخدوا انهارده أجازة وتخليكم معانا يا شرف.. أنا قلقانة وقلبي مقبوض مش عارفة ليه، وكمان الأرصاد قالت هيبقي في مطرة جامدة انهارده بليل".
أستندت برأسها على كتفه، ليسرع "شرف" ويمال بوجهه عليها، واضعًا قبلة مطولة فوق جبينها جعلها تبتسم بخجل وتابعت بحماس:
"خليكم بس معانا وأنا والبنات هنعملكم أحلى محشي سخن يدفيكم والحلويات اللي بتحبوها، ونجيب شوية تسالي ونسهر سوا نتفرج على فيلم حلو كده".
"احححم.. ياريت كان ينفع والله يا أم نوح.. بس عندنا شغل كتير جداً انهارده".
قالها "نوح" بابتسامة عابثة وغمز لها بشقاوة مكملاً:
"لو مصرة أوي ممكن نسبلك الحاج شرف أجازة انهارده بس هتتخصم من مرتبه".
"اخصم المرتب كله.. فداكي يا تهاني".
قالها "شرف" وهو ينظر لزوجته بابتسامة دافئة جعلها تقف على أطراف أصابعها وتطبع قبلة رقيقة على لحيته الكثيفة وهي تقول بحب جم:
"ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا حبيبي".
"اممم.. طيب يله بينا إحنا يا عم نوح الله يرضي عليك.. كده أبوك الحاج أجازة رسمي انهارده".
أردف بها "نور" وهو يسير برفقة شقيقه لخارج الشقة.
لتهرول "تهاني" خلفهما وتتحدث بلهفة قائلة:
"نوح يا حبيبي بلاش تاخد الموتوسيكل انهارده الجو مش مظبوط والأرض هتبقي مزحلقة من المطرة.. اركب مع أخوك العربية يا ابني".
"مستغناش عن الموتوسيكل وانتي عارفة يا أم نوح".
قالها "نوح" وهو يهبط الدرج، وتابع بمزاح قائلاً:
"ادعيلي بقي في المطرة أقابل اللي هجبلك منها أحفاد انهارده يا تونة يا شقية".
رواية انذار بالقتل الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك
كانت الأجواء مشحونة بغضب مكتوم بين "إسلام" ووالده جعل الخوف يعتلي ملامح "مني" وانقبض قلبها بذعر عندما رأت الغضب يزيد ويتدافع بأعين زوجها من طريقة حديث وحيدها الغريبة والجديدة كليًا عليه.
وضع "إسلام" كلتا يديه بجيب سرواله، واقترب منه بخطوات ثابتة، وتحدث بهدوء قائلاً:
"بنتك هي اللي جابت لنفسها الضرب.. أنا حذرتها قبل كده تلبس طرحة على شعرها ولبس خروج مش لبس بيتي لما خطيبها يجي، ومسمعتش الكلام يبقي تستاهل اللي عملته فيها علشان تسمع الكلام بعد كده".
"أنت إيييييييييييه مبقاش حد قادر عليك".
قالها "عبد الحميد" وهو يقطع المسافة بينهما، وقام صفعه بكل قوته على وجهه حتى أطاحت الصفعة وجهه للجهة الأخرى.
تسمّر "إسلام" محله مصدومًا لبرهةٍ، وما لبثت الصدمة أن تناقلت إلى أمه، إلى زوجته التي صرخت بألم واعتلى نشيجها وكأن تلك الصفعة هبطت على وجهها هي، بل على قلبها مزقته أربًا.
بينما ارتمي "عبد الحميد" على مقعده ثانيةً وتحدث بأسف قائلاً:
"دا القلم اللي ضربته لأختك قدام خطيبها.. أنا ردتهولك قدام مراتك علشان تحس على دمك وتعرف أنت وجعت أختك أد إيه بعملتك دي".
أدار "إسلام" وجهه ببطء لينظر إلى أبيه من جديد، كانت نظرة متخاذلة، خائبة، مستنكرة.
ثم جمع نفسه و ولّى لداخل شقته بخطواتٍ واسعة غالقًا الباب خلفه بعنف كاد أن يحطمه.
هرولت زوجته "رقية" بالركض خلفه ليوقفها صوت "عبد الحميد" بحدة قائلاً:
"تعالي يا رقية يا بنتي وسبيه دلوقتي.. أنا عايزك في كلمتين".
نظر لزوجته "مني" التي ترمقه بنظرات عاتبة، ودموعها تهبط بغزارة على وجنتيها جعلته يصطك على أسنانه غيظًا، ودفعها برفق لداخل شقتهما وهو يقول:
"خلينا نقسي عليه شوية يمكن القسوة تفوقه يا مني، وكفاية طبطبة لحد كده".
وقفت "رقية" في حيرة من أمرها تذهب وراء زوجها، أم تدلف خلف حماها؟!
تعلم أن زوجها بأشد الحاجة إليها الآن ليترمي داخل بأحضانها كعادته حتى تهدأ ندبات قلبه.
وجدت نفسها دون إرادتها تتراجع للخلف نحو شقتها، قدميها لم تعد تتحكم بهما، قلبها يصرخ بها ويحثها على احتواء زوجها بين ذراعيها كما تفعل مع صغيرها حين تعنفه على خطأ ما، وتسرع بنفس اللحظة بضمه لصدرها تمحي أثر العنف الذي تعرض له على يدها.
"قولتلك تعالي عايزك يا رقية يا بنتي".
هكذا أوقفها "عبد الحميد" قبل أن تصل لباب شقتها.
"هطمن على إسلام بس واجي لحضرتك يا عمي".
أردفت بها بصعوبة من بين شهقاتها الحادة.
حرك "عبد الحميد" رأسه بالنفي، وبداخله يعلم هو مدى تعلق وحيده بزوجته، وأنها إذا خطت للداخل لن يتركها تخرج مرة أخرى.
"يابنتي تعالي هقولك كلمتين، وأبقى روحيله".
على مضض انصاعت "رقية" لحديثه، ودلفت لداخل شقة حماتها غالقة الباب خلفها.
"ملكش حق أبدًا في اللي عملته يا عبد الحميد.. أنت قسيت على الواد أوي يا أخويا، وكسرت نفسه قدام مراته".
غمغمت بها "مني" التي جلست على وسادة موضعة على الأرض تبكي بنحيب.
أخذ "عبد الحميد" نفس عميق، وسار نحوها جلس بجوارها، ربت على قدمها بحنو مردفاً:
"انا بشد عليه علشان ارجعه لعقله، وأفوقه من اللي هو فيه دا يا مني.. أنتي عجبك حاله، واللي وصل ليه؟!".
خفضت "مني" وجهها بخزي من تصرفات وحيدها، ليتابع "عبد الحميد" بأسف:
"انتي عارفة الواد عطوة الصبي اللي شغال اتصل بيا من شوية قالي وهو جاي يفتح المحل شاف ابنك خارج من بيت سعد الصايع اللي بيلم شوية مجرمين وحشاشين ويفضلوا سهرنين طول الليل يسكروا، وأنا كام مرة أقول لابنك يبعد عنه وكفاية التدبيسة السودة اللي دبسة فيها، وبرضوا ابنك راكب دماغه، وبيروح يسهر عنده للصبح".
صمت لوهلة يلتقط أنفاسة، وتابع بتنهيدة:
"تعرفي ان ممكن البوليس يطب عليهم في أي وقت ويلمهم كلهم في البوكس".
شهقت "رقية" بهلع، وتحدثت مستفسرة:
"ومين بس اللي هيبلغ عنهم ويفتح عين البوليس عليهم يا عمي؟!".
تنقل "عبد الحميد" بنظرة بين زوجته، وزوجة أبنه، وقال بجمود يغلفه قسوة مصطنعة:
"أنا اللي هبلغ عنهم لو فضل جوزك ملموم عليهم".
هنا ضربت "مني" على صدرها بقوة، ونظرت له بغضب عارم وأردفت بشراسة:
"عايز تودي ابنك في داهية يا عبد الحميد؟!!!".
"مش أحسن ما ياخد مخدرات معاهم وهو ملوش فيها زيهم ويارجعلنا في يوم جثة يا مني".
أدمعت عينيه، وتابع بصوت تحشرج بالبكاء:
"لو اتحبس يبقي أرحم عندي ميت مرة من أني اخسره للأبد".
قالت "مني" بلهفة:
"الشر بره وبعيد يا عبدو.. ربنا يحميه ويحفظه لشبابه وينور بصيرته إسلام ابن مني قادر يا كريم يارب".
أمن "عبد الحميد" على دعائها، و"رقية" أيضًا أمنت بقلبها بألحاح شديد تناجي ربها وتستجديه أن يستجيب، لتجحظ أعين الجميع بصدمة حين أخترقت جملة "عبد الحميد" أذنهم يقول بصرامة:
"عايزك تطلبي من إسلام الطلاق يا رقية يا بنتي، وتقوليله السبب أني هبلغ عنه لو هو الصيع اللي بيروح لهم كل ليلة".
"عايزني أطلق من جوزي في ظروفه دي يا عمي؟!".
غمغمت بها "رقية" بذهول، وقد أصبح عقلها غير قادر على الاستيعاب.
"أنت بتقول ايه يا بابا.. إسلام أخويا روحه في رقية، ويمكن هي اللي ملجمة تصرفاته شوية".
قالتها "آية" التي خرجت للتو من غرفتها بعدما قامت بوضع الصغيرة النائم على فراشها، واغلقت عليه الباب بحرص حتى لا تزعجه.
"جري إيه يا عبد الحميد.. أنت عايز تفرق بين ابنك ومراته، وتخلي الواد يتقهر زيادة ولا إيه".
قالتها "مني" وهي تعتدل بجلستها، وتنظر له بنظرات نارية.
أطبق "عبد الحميد" جفنيه بقوة، وتحدث بنفاذ صبر قائلاً:
"يا بنتي أفهمي دا مجرد تهديد مش أكتر.. أنتي هتقولي لجوزك كده علشان يحس انه هيخسرك ويرجع لعقله ويبطل يروح للعيال المجرمين دول.. لكن لا أنا هبلغ عنه ولا أنتي هتطلقي".
اقتربت "آية" وجلست بجوار والدها، وأمسكت يده بين كفيها وتحدثت برجاء وتعقل:
"بلاش يا بابا.. أحنا كده بنضغط على إسلام أوي، وزيادة الضغط دي ممكن تخليه ينفجر ويتصرف تصرفات متهورة من غير تفكير".
اجهشت "رقية" ببكاء مرير وهي تقول:
"أيوه يا عمي كلام آية صح بلاش نقسي عليه أكتر من كده، وكفاية القلم اللي حضرتك ضربتهوله دلوقتي، وبالله عليك سيبني اروحله".
"ضربت إسلام يا بابا!!!!".
غمغمت بها "آية" وقد تجمعت العبرات بعينيها، وانهمرت بغزارة على وجنتيها حين حرك "عبد الحميد" رأسه بالايجاب.
"روحي لجوزك يا رقية يا بنتي، و خليكي جنبه مش هنبقي أحنا والزمن عليه".
قالتها "مني" وهي ترمق زوجها بنظرة ذات مغزي.
هرولت "رقية" لخارج الشقة وقبل أن تفتح الباب قال "عبد الحميد":
"لو فكرتي في كلامي هتلاقيه صح يا رقية يا بنتي.. عايزة جوزك حاله يتعدل يبقي لازم يحس انه هيخسرك أنتي بالذات لأنك أغلى حاجة في حياته يمكن أغلى مننا كمان، وعشانك هيعمل المستحيل".
بمنزل شرف الحداد.
دوي صوت صرخات متتالية داخل عيادة الدكتورة "تهاني" الواقفة داخل المطبخ تردد بعض الأذكار أثناء تحضير طعام الغداء برفقة ابنتيها الجالستان حول والدهما على طاولة مستديرة.
بين لحظة وأخرى تدوي الصرخات تصم الأذن وتجعل القلوب ترتعد فزعًا.
بينما "شرف" وعائلته يجلسون بهدوء، وبرود أعصاب بعدما اعتادو على حالات الولادة التي تقوم بها "تهاني" يوميًا.
"أبرمي صابع المحشي كويس يا ندي علشان ميفكش وهو بيستوي".
أردفت بها "تهاني" وهي تجلس بجوارهم على الطاولة وتقوم بأطعام زوجها طبق من الكنافة بالمانجو الذي يفضله.
"انتي مش هتنزلي تشوفي الحالة اللي خرمت ودنا صريخ دي".
قالها "شرف" بمرح وهو يتناول من يدها الطعام بتلذذ.
ضحكت "تهاني" وهي تجيبه:
"الطلق لسه في أوله بس هي حابة تدلع على جوزها شويتين".
رسم "شرف" الجدية على محياه الذي ما زال وسيم مغمغمًا:
"من حق كل ست تدلع في اللحظة دي بصراحة يا أم نوح".
"اممم.. طيب يا أبو نوح هتصل على ولادك اطمن عليهم".
دمدمت بها "تهاني" بقلق واضح على ملامحها الحنونة.
ارتفع حاجبي "شرف" بتعجب وهو يقول:
"ما أنتي لسه مكلمة نوح من عشر دقايق، واطمنتي عليهم.. سبيهم يشوفوا شغلهم يا تونة".
"طيب هقولهم يجو علشان ياكلوا المحشي وهو سخن".
همست بها بنبرة طفوليه، وصمتت للحظة وتابعت بتنهيدة:
"قلقانة أوي بصراحة يا شرف.. حاسة ان في حاجة هتحصل، وعايزة ولادي يكونوا هنا قبل الليل ما يدخل".
بشركة الحداد.
يقف "نوح" بين العمال يتابع الشغل بنفسه، بل ويقوم بمشاركتهم والعمل على الماكينات بيده مغمغمًا:
"الهمة يا رجالة.. عايزين نخلص كل الشغل اللي ورانا دا علشان نرجع بيوتنا قبل ما الدنيا تشتي علينا".
"الشغل كتير انهارده اللهم بارك وكده فيها سهرة لحد بعد نص الليل يا نوح".
قالها "نور" شقيقه وهو يعمل أيضًا بجواره بمهارة وخفه اكتسبوها من والدهما منذ الصغر.
جملة "نور" جعلت القلق يزحف لقلب "نوح" فالأجواء اليوم تبشر بأن الليل سيكون عاصف وممطر، ولكن هناك جزء بقاع قلبه يشعر بشيء ما لا يدري ما هو إلا أنه يجعل دقات قلبه تنتفض انتفاضة جديدة كليًا عليه، فأطلق زفرة نزقة من صدره متمتمًا بسره:
"خير.. خير يا نوح".
بشقة "إسلام".
دلفت "رقية" للداخل تبحث عن زوجها بلهفة، حتى رأته يقف خلف نافذة غرفة النوم بشرود، الألم ظاهر على ملامحه، عينيه متحجرة بها العبرات.
سارت نحوه بخطي هادئة حتى توقفت خلفه مباشرةً.
المسافة بينهما لا تُذكر، لكنهما لا يتلامسان، اغمضت عينيها ببطء لتنهمر دموعها على وجنتيها، وأخذت نفس عميق تملئ رئتيها بعبق رائحته التي تعشقها حد الإدمان.
رباه!!!
كم تشتاقه، فمنذ تلك المحنة التي تعرضوا لها وهو مبتعد عنها، لا يقربها إلا للحظات لا تذكر يضمها لصدره، ومن ثم يستعيد وعيه وينتفض بعيدًا عنها على الفور.
رفعت يدها، ووضعت أصابعها على ظهره، تشنج جسده أثر لمستها، وعلقت أنفاسه بصدره وهو يستشعر الذبذبات الحارة المنبعثة من جسدها الآخذ بالاقتراب منه.
"إسلام".
هامست بها "رقية" بحميمية أيقظت كل مشاعره التي يحاول اخمادها تجاهها مرةً واحدة جعلته يستدير لها فجأة، واجتاحها فورًا، مفرغًا فيها و عليها جام شوقه وضيقته ويأسه.
ولكن جمد محله، وتوقف عن ما يفعله حين استمع لهمسها الباكي المرتجف تقول:
"طلقني يا إسلام".
جملتها هذه كانت الشرارة التي أشعلت نيران ربما تقضي على الأخضر واليابس.
رواية انذار بالقتل الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك
أسدل الليل ستائره السوداء بعدما انقضت ساعات النهار سريعًا.
بدأت الأمطار تتساقط رويدًا رويدًا تمهد لعاصفة ستصل إلى حد السيول.
جعلت الجميع يختفون داخل منازلهم حتي أصبحت الشوارع خالية تمامًا من البشر خوفًا من أن تصيبهم إحدي صاعقات البرق القاتلة.
---
بمنزل شرف..
تسير "تهاني" ذهابًا وإيابًا بلا توقف، تفرك يديها ببعضهما بتوتر ملحوظ أمام أعين زوجها وابنتيها الجالسين على أريكة كبيرة أسفل غطاء وثير يتناولون مشروبات ساخنة تمدهم بالدفء.
"تعالي أقعدي يا أم نوح وبطلي قلقك دا.. ولادك مش أطفال صغيرين دول رجالة ما يتخافش عليهم."
أردف بها "شرف" بهدوء رغم أن القلق بدأ يزحف لقلبه هو الآخر، خاصةً مع صوت الهواء القوي بالخارج الذي يصفع الأبواب والنوافذ بعنف، والبرودة الشديدة التي يشعر بها وهو داخل منزله أسفل الغطاء، بينما أبناؤه بالخارج يواجهان هذه الأجواء الصعبة.
جعلته يتمتم بسره:
"ربنا يحفظك يا نوح يا ابني أنت ونور أخوك وترجعولنا بألف سلامة، ويعدي انهارده على خير."
كانت "تهانى" ممسكة بهاتفها تحاول الاتصال بأولادها للمرة التي لا تعلم عددها وهي تقول بنبرة أوشكت على البكاء:
"أنا اللي غلطانة من الأول لما سبتهم ينزلوا وأنا عارفة أن الجو هيقلب بشكل دا.. كنت المفروض أمسك فيهم زي ما مسكت فيك يا شرف."
صمتت لبرهةٍ، ونظرت لزوجها، وهي تضع الهاتف على أذنها وتابعت بتنهيدة:
"الحمد لله إنك منزلتش معاهم.. الجو دا يتعبك وأنت مناعتك ضعيفة.. كان زماني مت من خوفي عليك يا أبو نوح."
"بعد الشر عليكي يا حبيبتي." غمغم بها "شرف" بمنتهي الحب الظاهر على محياه وعينيه التي تنظر لها نظرة متيمة، جعلت وجنتي "تهاني" يشتعلان بحمرة الخجل.
"أيوه يا نور.. أنتو فين يا ابني، وأخوك مابيردش على تليفونه ليه." قالتها "تهانى" بلهفة فور سماعها لصوت ابنها عبر الهاتف.
"أطمني يا ماما.. أحنا جاين في الطريق، ونوح راكب الماكينة وماشي قدامي أهو.. بس مش هعرف أرد عليكي وهو سايق."
أردف بها "نور" بنبرة مطمئنة لم تستطع تقليل قلق وخوف تهاني على الإطلاق، بل زاد ارتعاد قلبها بعدما علمت أن نوح يقود دراجته البخارية في هذه الأجواء.
---
بمنزل عبد الحميد..
كانت "رقية" تقف خلف النافذة تنتظر زوجها بدموع منهمرة على وجنتيها كلما تذكرت نظراته لها حين ألقت على سمعه رغبتها بالانفصال عنه.
لم ينطق "إسلام" حينها بحرف واحد وكأن صدمته فيها فقدته النطق.
رمقها بنظرة تصرخ بألم حاد كادت أن تفتت قلبها لأشلاء، يخبرها بنظرته أنها ضربته بمقتل بجملتها هذه.
طال الصمت بينهما، كانت النظرات تبوح بما تحمله القلوب.
وبرغم أن نظرتها له كانت تستجديه ليخطفها داخل صدره ويضمها بقوة حتى يكسر عظامها، ويهمس لها أنه لن ولن يتركها مهما حدث، وسيبتعد عن هذه الصحبة الفاسدة ويكتفي بها هي وصغيره، فهذا كل ما كانت تريد أن تسمعه منه بتلك اللحظة.
لكن عذرًا، لم يستطع أن يلبي رغبتها. ربما كان يفعل هذا لها بوقت آخر.
هي أساءت اختيار التوقيت المناسب، فحالته النفسية تكاد تكون على حافة التدمير، بل بعد ما قالته له بالتأكيد أصبح مدمرًا نفسيًا.
وهرول لخارج الشقة بل لخارج المنزل بأكمله منذ الصباح الباكر، ولم يعد وقد تعدى الوقت منتصف الليل، مما جعل والده يتصاعد غضبه لأضعاف مضاعفة ولم يتوقف عن الشجار مع جميع من بالمنزل.
"اتصلي بيه يا رقية قوليله أبوك حالف لو مجتش حالا ليخرج يبلغ عنك." كان هذا صوت "عبد الحميد" الذي يدور حول نفسه وخلفه زوجته تحاول تهدئته بكافة الطرق متمتمة:
"استهدي بالله يا عبد الحميد.. الواد كان خارج الصبح مش شايف قدامه، والدمعة هتفر من عينه بعد القلم اللي أنت أديتهوله."
"لا إله إلا الله." همس بها "عبد الحميد" بسره، ومن ثم تحدث وهو يصطك على أسنانه بعنف:
"أنتي مش شايفة الجو قالب إزاي ومش مبطل مطر ورعد وبرق.. الناس كلها مكنونة في بيوتها، وابنك قاعد عند الصيع الحشاشين اللي اتلم عليهم لحد دلوقتي بيعمل إيه؟!"
اقتربت "آية" من والدها وقفت بجواره، وأمسكت يده تجذبه نحو شقتهم برفق مغمغمة:
"يا بابا تعالي بس نقعد جوه من البرد دا وإسلام زمانه جاي إن شاء الله."
نظر لها "عبد الحميد" نظرة يملؤها الأسى، وتحدث بصوت متعب قائلاً:
"مش هيجيلي قلب أقعد أنا في الدفا، وأخوكي لسه بره البيت في التلج دا يا آية."
جملته جعلت "رقية" الواقفة مستندة على باب شقتها أجهشت ببكاء مرير، وحتى "مني" أيضًا لم تتوقف عن البكاء، خاصةً حين تابع "عبد الحميد" بقلة حيلة قائلاً:
"طيب كلموه خلوه يجي بس وأنا هرضيه وأطيب خاطره على القلم اللي أديتهوله، وأبوس راسه كمان قدامك يا رقية يا بنتي.. بس يرجع ي بات في فرشته بدري مرة عشان أقدر أنا أغمض عيني شوية وأنا مطمن إنه نايم في فرشته."
ساد الصمت للحظات يقطعه صوت بكاء الجميع، بينما "عبد الحميد" يجاهد لكبح عبراته، بقلب ملتاع على وحيده وما وصل إليه.
"والله عمالة أتصل بيه يا عبدو أنا وأخته وبيكنسل علينا مش عايز يرد." أردفت بها "مني" بأسف.
نظر "عبد الحميد" لزوجة ابنه وتحدث وهو يخرج زفرة نازقة من صدره:
"هيرد على مراته.. اتصلي أنتي بيه يا رقية يا بنتي.. مدام البيه لا بيرد عليا ولا أمي ولا أختي."
بيد مرتجفة أمسكت "رقية" هاتفها، وطلبت رقم زوجها وهي تقول بتقطع من بين شهقاتها:
"حاضر يا عمي.. هكلمه."
---
"إسلام"..
كان بحالة لا ي رثى لها بعدما تناول كمية كبيرة من الخمر، وال حبوب المخدرة جعلته يتصرف بلا وعي.
يضحك بقوة، يبكي بنحيب بآن واحد، يرقص، يغني، يصرخ صرخات نابعة من جرح قلبه النازف تشق سكون الليل.
"أنت أفرطت أوي يااض يا إسلام وقعتك سودة." تفوه بها "سعد" وهو يزيح من على فمه زجاجة الخمر الذي يتناولها "إسلام" على مرة واحدة.
جحظت أعين "سعد" وتابع بتعجب قائلاً:
"أنت يا تشربش خالص.. يا إما تبلع وتطينها على الآخر.. إيه عايز تموت مننا أوفر دوس؟!"
"ياريت." همس بها "إسلام" من بين ضحكاته، وعينيه تفيض بالدمع دون بكاء.
رنين هاتفه بنغمة زوجته الخاصة جعله يهب واقفًا بصعوبة بالغة، وسار نحو الشرفة بخطى مترنحة، وضغط زر الفتح بلهفة مغمغمًا:
"رقية.. عايزة تطلقي مني يا رقية.. عايزة تسبيني."
أستمع لصوت نحيبها، وتأوهت باسمه بنبرة راجية حين أدركت تعاطي شيئًا قائلة:
"إسلام.. تعالي البيت.. كلنا قلقانين عليك."
"عايزني أجي ليه.. أوعى تقولي إنك خايفة عليا؟!" خرج صوته المتقطع يكسوه الحزن، وبغضب صرخ مكملاً:
"مش هاجي، واطمني هتخلصي مني بس مش هطلقك يا رقية.. لا هخليكي أرملة.. عشان أنا مش هقدر أعيش من غيرك."
بكى بقوة وتابع بصوت يملؤه الحسرة:
"أنا عايش أصلاً لحد دلوقتي بيكي، وعملت كل اللي عملته دا عشانك أنتي وابننا.. كنت عايزك تكملي تعليمك ومخليش حاجة ناقصاكم وأجبلك كل اللي بتحلمي بيه.. بس معرفش أن كل دا هيحصل، وإني هخسر كل حاجة بسبب القرض اللي عملته.. أنتي كان عندك حق.. فلوس القروض والربا بتخرب البيوت، وبيتنا اتخرب يا رقية."
لهنا وانفجرت "رقية" ببكاء شديد أوشك على الانهيار، وهي تستمع لكلماته الحادة التي قطعت نياط قلبها على حين غرة.
تهاوت قدماها وأوشكت على السقوط أرضًا، لتهرول "آية، مني" نحوها وأسندوها بلهفة، وهما يبكيان لبكائها.
بينما تناول "عبد الحميد" الهاتف من يدها، متمتمًا بجدية مصطنعة حاول بها تلطيف الأجواء:
"واد يا إسلام أنت قولت إيه لمراتك زعلها أوي كده.. خف نفسك وتعالي أوام عشان ترضيها."
"مش هاجي يا عبد الحميد." قالها "إسلام" بغضب عارم جعل الصدمة تعتلي ملامح والده حين وصل لسمعه صوته الذي يدل على أنه مخمور.
فهمس "عبد الحميد" بذهول:
"أنت سكران يا إسلام؟!"
"ملكش فيه؟!" قطع حديثه والده حين صاح بوعيد، ونبرة محذرة لا تقبل الجدال:
"الله في سماه لو مجتش البيت حالاً لكون مبلغ عنك أنت والمجرمين اللي سهران بتسكر معاهم وأخلي البوليس يلمكم في بوكس واحد."
صعق "إسلام" من جملة والده التي أيقظت وحشه الكامن، وبهدوء ما قبل العاصفة قال:
"تبلغ عني؟! عايز تسجني يا عبد الحميد."
"قدامك عشر دقايق، وتكون قدامي هنا، وإلا هتلاقي البوليس فوق دماغكم." قالها "عبد الحميد" قبل أن يغلق الهاتف بوجهه.
نظر لزوجته وتحدث بدهشة قائلاً:
"ابنك صوته شارب يا مني!! ابنك اللي عمره ما شرب سيجارة بيكلمني، وهو سكران، وبيقولي يا عبد الحميد حاف كده.. نسي أني أبوه."
وضع كف يده على جبهته يدلكه برفق لعله يكون بإحدى كوابيسه ويفيق منها، ولكن وبكل أسف هذا واقع مرير، وابتلاء قوي أصابه بوحيده.
أخذ نفس عميق، وتحدث بصرامة قائلاً:
"آية يله على اوضتك، وأنتي يا رقية يا بنتي ادخلي شقتك."
وزع نظراته بينها وبين زوجة ابنه وتابع بأمر قائلاً:
"ومهما يحصل مش عايز أشوف واحدة منكم لما يجي إسلام.. مش عايزكم تشوفوه وهو بالمنظر دا لحد ما نفوقه أنا وأمه."
---
أشعلت أعين "إسلام" بنيران غضب حارقة جعلت عروقه تبرز بخطورة، وركض بخطوات متعثرة للخارج متجه نحو منزله، وهو يحدث نفسه بذهول قارب للجنون:
"عايز تبلغ عني.. حصلت كمان عايز تسجني يا عبد الحميد."
أخذ الطريق بأكمله يركض تحت الأمطار الغزيرة المنهمرة فوقه، ولكن دموع عينيه فاقتها غزاره بعدما تأكد أنه ضل طريقه ووصل لنهايته.
دقائق معدودة، وكان يخطو لداخل المنزل ومن ثم لشقة والده.
ارتمى بثقل جسده على الحائط لوهلة يلتقط أنفاسه، ومن ثم طرق على الباب بكلتا يديه مرددًا:
"افتح يا عبد الحميد.. افتح أنا مش هحلك الليلة دي."
---
"رقية"..
كانت منفصلة عن العالم أجمع بعدما وقفت بين يدي الله، تصلي بخشوع، تناجي ربها وتدعو لزوجها من أعماق قلبها أن يلهمه ربه الصواب.
شعرت بسكينة وراحة تغزو قسماتها، وأزاح همها عن صدرها بعدما أيقنت أن كل ما تمر به الآن هو اختبار لها وعزمت على اجتيازه بنجاح مهما كلف منها الأمر.
"الحمد لله على كل حال." غمغمت بها "رقية" بسرها وأمسكت مصحفها، وجلست بجوار صغيرها النائم بعمق، وأخذت تتلو ما تيسر من القرآن الكريم ويدها تمسد على رأسه وجسده تمدة بالدفء والأمان.
ولكن؟!..
صوت صرخات حماتها المرتعدة تردد بهلع قائلة:
"اهربي يا آية أخوكي هيموتنا؟"
هرولت "رقية" نحو باب شقتها فتحته بفزع، ليسقط قلبها أرضًا حين لمحت أخت زوجها تركض بوهن تاركة آثار دمائها بكل خطوة تخطوها.
"آية بتجري راحة فين.. إيه اللي حصل؟!" تفوهت بها "رقية" وهي تركض نحو شقة حماتها، لتصعق من هول ما رأت، حتى أنها كاد أن يتوقف قلبها من شدة الصدمة، بل الكارثة التي فعلها زوجها بعائلته.
"إسلام.." صرخت بها "رقية" صرخة مدوية جعلت زوجها يسترد وعيه فور رؤيتها.
جحظت عيناه بهلع وهو يدرك حجم الخطأ الفادح الذي فعله بحق والديه الملقيان أرضًا غارقان بدمائهما.
هنا ظن أنه كتب نهايته بيده، فنظر لزوجته نظرة يملؤها الندم، وانهمرت عبراته على خديه هامسًا بصوت متقطع من بين شهقاته العالية:
"أنا آسف.. آسف يا رقية سامحيني."
أنهى جملته، ووجه السكين نحو قلبه، أغلق عينيه، وأخذ نفس عميق وهم بطعن نفسه بكل قوته، طعنة نافذة ستزهق روحه في الحال، إلا أن صوت والدته أوقفه حين همست بضعف وصعوبة بالغة قائلة:
"لا يا ضنايا.. متشقش قلبي يا ابني."
هنا استجمعت "رقية" شتات نفسها، وركضت نحو حماها، جثت على ركبتيها أرضًا جواره، وضعت يدها على رقبته تتحسس نبضاته البطيئة أسفل أصابعها، وخلعت حجابها وقامت بربطه بقوة حول صدره لتمنع تدفق الدماء.
ومن ثم سارت زحفًا نحو حماتها التي تجاهد حتى لا تفقد وعيها، وخلعت عنها حجابها وعقدته حول جرحها أيضًا بأحكام أمام أعين زوجها المنذهلة.
وبلمح البصر كانت انتفضت واقفة واقتربت من زوجها، خطفت منه السكين، وجذبته من ياقة قميصه عليها حتى تلامست أنفهما، ونظرت لعينيه بغضب عارم، وتحدثت بشراسة قائلة:
"اتحرك حالاً يا إسلام وشوف مفاتيح عربية أبوك فين وخرجها من الجراج خلينا نلحقهم.. مش هسيبك تروح مني، وتدمر نفسك أكتر من كده."
---
"إيه اللي جابك من الطريق دا؟!" أردف بها "نور" بتعجب وهو يسير بجوار شقيقه بسيارته، بينما "نوح" يقود الدراجة البخارية بتراوي وحرس.
"مش عارف يا نور إيه اللي جابني هنا." قالها "نوح" بدهشة وهو ينظر للطريق من حوله، وتابع محدثًا نفسه:
"زي ما أكون الطريق بيوديني لحاجة مش عارف إيه هي؟!"
توقف عن الحديث، وعن القيادة أيضًا حين وجد فتاة ظهرت من العدم وتوقفت أمامه بمنتصف الطريق.
رواية انذار بالقتل الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك
وكأن للقدر رأي أخر أو ربما رأف بقلب "عبد الحميد" و زوجته بعد ما فعله بهما وحيدهما، رغم أن تصرفه الخاطئ و عدم احتوائه لابنه في كربه الشديد إحدي الأسباب الرئيسية لما وصل إليه.
الطريق كان خالي و مفتوح أمام "إسلام" الذي يقود بأعلي سرعة ممكنة، يود لو يسبق الرياح أو يعود به الزمن حتي لا يرتكب فعلته الحمقاء هذه بحق والديه.
بعدما قام بحمل والده ووالدته الغارقان بدمائهما بمنتهي الحرص، تجلس بجواره زوجته حاملة صغيرهما النائم و تتحدث بحدة و قوة زائفة تخفي بها خوفها.
"إسلام اسمعني كويس علشان كلامنا يبقي واحد لما يسألونا في المستشفى مين عمل فيهم كده هنقول هجم على البيت حرامي، و أنت كنت بره و أنا كلمتك لما سمعت صريخ آية أختك اللي جريت من الحرامي في الشارع."
بكي "إسلام" عند ذكر اسم شقيقته و بحسرة يغلفها الندم همس قائلاً:
"آية!!.. هي فين آية يا رقية."
" هنلاقيها بحول الله وقوته هنلاقيها يا إسلام.. أنت وصلنا للمستشفي و روح دور عليها، و أنا هفضل مع بابا وماما على ما ترجع بيها."
أردفت بها" رقية" بثقة عمياء ويقين بالله.
خلال دقائق معدودة كان يقف أمام أقرب مستشفى، بل خطي بالسيارة حتي توقف أمام باب إستقبال الحوادث مباشرةً.
اندفعت "رقية" خارج السيارة تصرخ بعويل شق سكون الليل و أيقظ جميع العالمين الذين تأهبوا حين وصل لسمعهم صرخاتها تردد بتوسل:
"حد يلحقنا ابوس أيديكم."
لحسن الحظ أن قسم الإستقبال كان خالي من المرضي، لا يوجد سوي الأطباء وطاقم التمريض الذين تجمعوا حولهم بلهفة يفحصون "عبد الحميد" و زوجته أمام أعين "إسلام" الباكية.
"حضروا العمليات بسرعة."
نطق بها إحدي الأطباء بأمر و هو يدفع السرير المستلقي عليه عبد الحميد، و طبيب أخر توجهه بسرير مني نحو غرفة العمليات.
"يله يا إسلام روح دور على أختك."
قالتها "رقية" وهي تدفعه برفق للخارج، بينما تحرك "إسلام" على مضض و عينيه معلقة بوالديه حتي اختفوا عن نظره.
نظر لزوجته لبرهةٍ يستجديها بنظرته أن لا تتركه، هو الآن ضائع بكل ما تحمل الكلمة من معني.
ت Fهمت زوجته نظرته هذه فلم تستطيع كبح عبرتها، لهنا ارتمت داخل حضنه هي وصغيرها تضمه لها بكل قوتها وهي تحيط عنقه بذراعها، و انفجرت باكية وقد تحولت شهقاتها إلى نحيب عالِ.
انحني "إسلام" إليها كي يستقبل حضنها الدفيء بينما هي كانت تهمس داخل أذنه بحرارة متعثرة من بين نحيبها.
"مش هسيبك.. والله ما هسيبك يا حبيبي متخفش أنا معاك و في ضهرك لحد ما نعدي من المحنة دي سوا."
تشبثت أصابع "إسلام" بظهرها بقوة، و أخذ نفس عميق ملأ رئتيه برئحتها مردداً.
"هدور على آية و هرجعلك بيها بعون الله."
ابتعدت برأسها عنه بضعة انشات حتي تتمكن من النظر بعينيه، و حركت رأسها له بالايجاب.
" هترجع تلاقيني.. اطمن."
طبع "إسلام" قبلة مطولة فوق جبينها، و هرول راكضًا لخارج المستشفى، استقل سيارته و تحرك بها هذه المرة بسرعة جنونية و عينيه تدور بالطريق بحثًا عن شقيقته الوحيده.
..........................................
"نوح"..
لمح شخص يقف بمنتصف الطريق المظلم، كانت الأمطار تنهمر بغزارة أمام عينيه فلم يتمكن من تحديد هوية ذلك الواقف في الظلام حتي اقترب منه، و ساعده ضوء دراجته على رؤيته.
جحظت عينيه بصدمة عندما وجد فتاة في حالة مزرية ثيابها ملطخة بالوحل دليل على أنها سقطت مرات ومرات، حتي وجهها ملطخ أيضًا أخفي ملامحها الفاتنة.
"متنزلش يا نوح.. دي أكيد حركة من عيال صيع علشان يقلبوا الناس على الطريق."
قالها "نور" شقيقة الذي صف سيارته بجوار دراجة "نوح".
لم يستمع "نوح" لحديثه و هبط من فوق دراجته، و سار نحو "آية" و هو يتأمل هيئتها بنظرات منذهلة.
كانت "آية" ترتدي إحدي منامتها الشتوية، حافية القدمين،شعرها الأسود تقطر منه المياه مختلطة بدموعها التي تنهمر على وجنتيها.
"أهدي.. متخفيش أنا مش هأذيكي."
قالها "نوح" و هو يقترب منها خطوة تلو الأخرى بحذر، بينما "آية" تسمرت محلها لا تقوى على فعل أي شيء سوي البكاء بضعف و قلة حيلة.
كان الذعر ظاهر على ملامحها المجهدة بوضوح، جسدها ينتفض بقوة مما دفع "نوح" لخلع معطفه الجلدي على الفور حتي يلبسها إياه، و لكنها ارتعدت أكثر بفعلته هذه، و هرولت بوهن مبتعدة عنه،فنزلقت قدمها و كادت أن تسقط على وجهها أرضًا للمرة التي لا تعلم عددها، و لكن يده التي قبضت على ذراعها برفق منعتها من السقوط، و تحدث بنبرته الهادئة وهو يضع معطفه حول كتفيها مغمغمًا.
" أنا عايز أساعدك.. متخفيش مني."
ضوء سيارة مسرعة تسير عكس إتجاه الطريق الواقفين عليه تقترب منهما جعلت "نوح" يحملها من خصرها بلمح البصر و ركض بها على جانب الطريق، بينما توقفت السيارة على اخر لحظة قبل ان تصتدم بدراجة "نوح" و دوي صوت "إسلام" صارخًا بلهفة حين لمح شقيقته داخل حضن رجل غريب.
"شيل أيدك من عليها."
صوته جعل "آية" ترتجف بعنف بين ذراعي "نوح" و دون إرادتها تمسكت بكنزته بقبضة يدها و همست بصوت مرتعش قائله.
"خبيني منه.. هيموتني زيهم."
"متخفيش.. مش هسيبك."
قالها "نوح" وهو ينزلها و يدفعها برفق حتي أصبحت خلف ظهره و وقف أمامها كالسد المنيع،اخذ وضع الهجوم لمعركة دامية.
رواية انذار بالقتل الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك
بالمستشفى..
الجميع يعمل على قدم وساق لإنقاذ "عبد الحميد" وزوجته، يبذلون قصارى جهدهم خاصةً أن حالتهما شديدة الخطورة.
"محتاجين ناس تتبرع بالدم حالاً يا مدام."
أردفت بها إحدى الممرضات التي خرجت من العمليات وتحدثت لـ "رقية" الجالسة على مقعد حاملة صغيرها النائم، تدعو من صميم قلبها بلا توقف.
"خدي مني الدم اللي انتي عايزاه."
نطقت بها "رقية" ببكاء، وهبت واقفة واقتربت منها وتابعت بلهفة.
"طمنيني عليهم ربنا ميوجعش قلبك على غالي."
ازدردت لعابها بصعوبة مكملة.
"هيعيشوا؟"
"إحنا هنعمل اللي علينا، والباقي على ربنا.. ادعيلهم وخصوصاً بابكي لأن حالته صعبة أوي."
قالتها الممرضة وهي تسير برفقتها نحو غرفة مخصصة للتبرع بالدماء وبدأت تجهزها بنفسها مغمغمة.
"عايزين ناس تانية تتبرع معاكي.. مش هتقدري تتبرعي لوحدك للاثنين."
تنهدت "رقية" بتعب، وهمست بصوت مرتجف.
"هكلم جوزي يجي دلوقتي."
"أيوه كلمه.. علشان المستشفى هتبلغ البوليس وهيبقى في تحقيق معاكم في اللي حصل."
جملتها هذه جعلت قلب "رقية" ينتفض انتفاضة مرتعدة من شدة خوفها على زوجها.
"إسلام".. جن جنونه عندما رأى شقيقته تستنجد بالغريب منه، قفز من سيارته وسار بخطي واسعة نحوها حتى توقف أمام "نوح" مباشرةً، ودون سابق إنذار كان دفعه بكلتا يديه بصدره وهو يقول بغضب عارم.
"أبعد يا جدع انت عن أختي، واتكل على الله من هنا يله."
عقد "نوح" حاجبيه، ورمقه بنظرة نارية حين شعر بكف "آية" الواقفة خلفه يقبض على ثيابه، واعتلى نشيجها أكثر.
"أختك!! اممم.. ولما هي اختك بتتحامي فيا منك ليه يا شبح؟!"
دمدم بها "نوح" بابتسامة مصطنعة وهو يربت على كتفه بعنف.
"أوعى إيدك دي يا عم انت، ووسع من قدامي أحسنلك."
قالها "إسلام" بنفاذ صبر وهو يدفع يده بعيدًا عنه بلكمة غاضبة، وتابع بلهفة موجهًا حديثه لشقيقته.
"تعالي يا آية متخفيش يا حبيبتي."
صرخت "آية" بخوف حين مد "إسلام" يده نحوها، وهم بجذبها إليه من رسغها لكنها تمسكت بـ "نوح" بكل قوتها حتى أنها دفنت وجهها بظهره وتحدثت بصعوبة بالغة من بين شهقاتها الحادة.
"أبعده عني ونبي.. متخليهوش ياخدني.. هيموتني أنا كمان زيهم."
همساتها المتوسلة جعلت هدوء "نوح" يختفي تمامًا، وتحول لشخص آخر عدواني لأقصى حد، وهجم على "إسلام" وبدأ يلكمه بكل قوته لكمات متتالية.
بادله "إسلام" لكماته بأخرى دامية وقد شعر بالخطر على شقيقته، ليهرول "نور" نحو شقيقه، وبدأ يلكم "إسلام" هو الآخر بقوة مرددًا.
"انت هتموت النهارده يا ابن الـ***."
كانت معركة حقيقية تدور أمام أعين "آية" المنذهلة، عقلها غير قادر على استيعاب ما يحدث لها، رأت شقيقها الوحيد يقتل والديها أمام عينيها، والآن تراه هو على وشك القتل أيضًا أمامها، تلك المشاهد لن تمحى من ذكراها أبدًا.
"غور ياض من هنا أحسنلك بدل ما نخلص عليك."
تفوه بها "نور" وهو يضربه بقدمه ضربة قوية فقدت توازنه فسقط على ركبتيه.
لكمه "نوح" لكمة أطاحت به أرضًا مرتطمًا بوجهه بالأرض كاد أن يفقد الوعي على آثارها بعدما كان يتعارك معهما بكل طاقته وقوته ظنًا منه أنهما يريدان خطف شقيقته.
التفت "نوح" وسار نحو "آية" التي تتابع شقيقها بملامح مذعورة حين وجدته يزحف خلف "نوح" حتى وصل لقدمه وتمسك به بكلتا يديه، وصرخ مرددًا.
"على جثتي أسيب لكم أختي يا ولاد الـ***."
أطبق "نوح" جفنيه بقوة، وقد وصل غضبه لزروته، بلحظة كان التفت لـ "إسلام" ومال عليه قبض على ذراعه وبحركة خبيرة كان خلع كتفه من مكانه جعله يصرخ بألم مبرح. وصل صوت كسر عظامه لشقيقته فصرخت بنهار حين رأت "نوح" يمسك ذراعه الآخر وهم بخلع كتفه الثاني إلا أنه توقف عندما استمع لصرخاتها المتوسلة تردد بلهفة.
"أخويا.. سيبه لاااا لا سيبه كفاية دا أخويا."
نطقت بها قبل أن تستسلم لتهاوي جسدها الذي أجبرها على السقوط أرضًا.
بكى "إسلام" بنحيب بسبب جملتها التي شقت قلبه وزادت جرحه أضعاف مضاعفة، شقيقته التي طعنها بالسكين تدافع عنه بعد كل ما فعله معها.
"سبوني الحقها وأوديها المستشفى أبوس رجليكم.. أنا ضاربها بسكينة."
نطق بها "إسلام" بندم شديد، بينما "نوح" اعتلت ملامحه الصدمة، ونظر بلهفة تجاه "آية" التي تجاهد حتى لا تفقد وعيها، وجد عينيها معلقة به، اقترب منها بخطوات مسرعة، وحملها بين يديه بمنتهى الخفة، والحذر.
"متسبنيش."
همست بها "آية" بين الوعي واللاوعي.
"مش هسيبك.. متخفيش."
غمغم بها "نوح" وهو يصعد بها على ظهر دراجته البخارية، تكورت "آية" على نفسها داخل حضنه وقد ازداد ارتجاف جسدها يهدد ببوادر تشنجات.
"نور اتصل على دكتورة تهاني خليها تفتح العيادة وتستناني."
قالها "نوح" وهو يدير محرك الدراجة وانفجر صوت هدير محركها عاكسًا غضبه عليها.
"استني هنا رايح بأختي فين."
قالها "إسلام" وهو يحاول النهوض إلا أنه لم يتمكن من شدة ألمه.
"أهدي يا عم ما انت سامعه بيقول هيوديها لدكتورة هنا قريبة أنا عارف طريقها هاخدك ونحصلهم، وبعدين متخافش أختك في إيد أمينة عليها أكتر منك."
قالها "إسلام" وهو يمد يده له وساعده على النهوض.
خفض "إسلام" وجهه بخزي من نفسه، وتحدث بنبرة راجية.
"خلينا نحصلهم لو سمحت."
بمنزل شرف..
يدوي صوت صهيل الخيل يشق سكون الليل، ويجعل قلب "تهاني" تتسارع نبضاته من شدة خوفه وقلقه على أبنائها.
"يارب سلم.. يارب استرها عليكم ومعاكم يا ولادي."
تهمس بها في سرها وهي تسير ذهابًا وإيابًا بين النافذة والشرفة.
هبطت دمعة حارقة من عينيها مسحتها سريعًا ونظرت لزوجها الجالس بملامح شاحبة وقد تمكن الخوف من قلبه هو الآخر وتحدثت بأسف.
"ابنك نوح في حاجة حصلتله يا شرف.. الخيل بتاعه هيتجنن عليه ومبيعملش كده إلا لما يكون في حاجة؟!"
قطعت حديثها فجأة حين صدع صوت رنين هاتفها فضغطت زر الفتح وقالت ببكاء.
"نور.. أخوك ماله.. قولي الحقيقة يا ابني."
"أهدي يا ست الكل نوح هتلاقيه طالع على السلم عندك قابليه يا أمي معاه حالة محتاجة كشف دلوقتي حالاً ضروري."
"طيب وانت فين يا حبيبي؟"
غمغمت بها "تهاني" وهي تهرول لخارج شقتها خلفها ابنتيها.
"أنا داخل على البيت أهو اطمني وروحي شوفي نوح.. يله سلام."
فتحت "تهاني" باب الشقة ونظرت من أعلى لتشهق بقوة حين وقعت عينيها على ابنها يصعد الدرج حاملًا على يده فتاة بحالة يرثى لها.
رواية انذار بالقتل الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك
رواية انذار بالقتل الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك
رواية انذار بالقتل الفصل السابع 7
مر يومان..
لم يري "إسلام" النوم بهما، والديه يمكثان بالعناية المركزة، حالتهما شديدة الخطورة خاصةً والده الذي دخل بغيبوبة، حاولت الشرطة التحقيق مع والدته إلا أن الأطباء منعت عنها الزيارة نهائي فحالتها هي أيضًا حرجة للغاية..
ظل واقف أمام الحاجز الزجاجي الفاصل بينه و بين والديه يراقبهما بأعين نادمة تفيض بالدمع، كانت حالته هو الأخر مزرية لما تعرض له من ضرب مبرح على يد نوح و شقيقة نور أدى إلى الكثير من الكدمات المتفرقة على وجهه تركت علامات تحول لونها من الأحمر الي الأزرق حول عينيه، و جرح بشفتيه، و أسوأ إصابة كانت كتفه المخلوع، فبسببه لم يستطيع حمل شقيقته، و أجبر على تركها برفقة تهاني و ابنتيها بعدما رفض "نوح" رفض قاطع و تصدي له حتي لا يأخذها، و ينتظر لتستعيد وعيها و تذهب هي معه بكامل أرادتها..
فما كان من "إسلام" إلا العودة لمستشفى بعدما حدثته زوجته "رقية" و أخبرته أن والديه يحتجان لتبرع بالدماء و عليه الحضور فورًا حتي يتبرع معاها لهما..
رغم الشجار العنيف الذي نشأ بينه و بين "نوح" إلا أنه لم يتركه يعود للمستشفى بمفرده، و ذهب معه هو وشقيقه، بل و قاموا بالتبرع بدمائهما لوالديه، تصرفهما هذا أظهر له كرم أخلاقهما، حينها قص "إسلام" كل ما حدث ل "نوح " بأنهيار تام، جعل "نوح" يلتمس له ألف عذر، ولكنه مازال رافض أن يأخد شقيقته، سمح له أن يطمئن عليها وقتما يشاء أثناء وجوده بالمنزل.
يمر عليه بدراجته البخارية عقب إنتهاء عمله، و يأخذه بنفسه ليطمئن على "آية" شقيقته، و يعود ثانيةً للمستشفى، على هذه الحاله له يومان..
أما "رقية" التي عادت لمنزل زوجها قبل قدوم الشرطة عليه لأستكمال التحقيق بعدما تم التحقيق معها هي وزوجها وكان حديثهما واحد كما اخبرته هي، و لم يستطيع فعل شيء سوي الخضوع لحديثها..
بعدما قامت بأخفاء اي أثر يدل أن زوجها هو الفاعل، تقف الآن معه تسانده و تدعمه بكل قوتها حتي لا تفقده للأبد رغم أنها في موقف لا تحسد عليه، هي زوجة رأت زوجها بعينيها طعن والديه طعنات قاتله، كانت من الممكن أن تركض بصغيرها لتنجو بحياتها، و تتركه يواجه مصيره الأسود.
إلا أنها اختارت فعل ما رأته صواب حينها، و بفضلها بعد الله عليه لم يموتان والديه إلى الآن..
"إسلام.. حبيبي علشان خاطر ربنا تعالي روح معايا" ..
قالتها "رقية" بنبرتها الحانية، و هي تربت على يده برفق مكملة بتعقل..
"الدكاترة قالوا قعدتنا دي ملهاش اي لازمة.. فخلينا نروح نصلي سوا و ندعليهم ربنا يتم شفاهم على خير و يطمن قلبك عليهم يا حبيبي"..
جالت بنظرها على هيئته، ثيابه الممزقة المغطاه بالوحل و بقع الدماء، دماء والديه عندما قام بحملهما، و دمائه هو أيضاً بعد شجاره مع "نوح"..
" أنت لازم تغير هدومك دي يا إسلام علشان لما ماما و بابا يفقوا ان شاء الله اكيد هيطلبوا يشوفوك، و مينفعش تكون بحالتك دي قدامهم.. كده ممكن تتعبهم أكتر لقدر الله"..
"يعني هما هيفقوا يا رقية!!".. أردف بها "إسلام" بلهفة، و هو ينظر لها بأعين ترقرقت بها العبرات، نظرته مرتعدة تملئها الخوف و القلق..
" بإذن الله يا حبيبي هيفقوا و هيبقوا زي الفل.. ادعليهم أنت بس و ربنا كريم و حنين على عباده و قادر يستجيب دعواتنا"..
أمسكت كف يده السليمة، و هبت واقفة و سحبته معاها برفق مكملة..
"يله بينا نروح نغير بسرعة و نرجعلهم تاني"..
تمسك "إسلام" بيدها بكل قوته يستمد منها بعض الراحة و الاطمئنان، و تحدث بتنهيده متعبه قائلاً..
"عايزك تيجي معايا نروح لأختي يا رقية يمكن تكون فاقت و تقنعيها أنتي ترجع معانا البيت"..
ابتسمت له "رقية" ابتسامة مطمئنة، و لفت يده حول كتفيها، و يدها هي حول خصره و سارت معه بخطوات بطيئه نحو باب الخروج متمتمة..
"حاضر.. من عينيا.. هروح معاك ليويو دي أكتر من أختي و حبيبتي و مش ممكن ترفضلي طلب.. بس هنروح نجيب حمزة من عند ماما قبل ما نروحلها علشان هي بتموت فيه و هترجع معانا مخصوص علشانه"..
"تعرفي أنا كنت عايزهم يشوفوني و أنا متبهدل و مضروب كده يا رقية علشان يعرفوا أن ربنا هيجبلهم حقهم مني على اللي عملته فيهم "..
قالها" إسلام " بصوت حزين.. منكسر يملؤه الحسرة، تحشرج صوته بالبكاء و بصعوبة تابع..
" أنا أستاهل العلقة اللي ختها دي، و كنت بتمني انه يكسر رقبتي و ينهي حياتي كلها و لا أفضل عايش في العذاب و الوجع اللي حاسس بيه دلوقتي"..
" بعد الشر عليك يا حبيبي".. نطقت بها" رقية" بلهفة و رفعت يدها وضعتها على صدره و ربتت عليه بحب مكملة..
" إسلام اللي إحنا فيه دا ابتلاء من ربنا لينا، بيختبر بيه ايمانا، و إحنا لازم نرضي، و نصبر و بأمرالله تعالي كل الصعب دا هيمر و ربك هيمن علينا بكرمه و يراضي قلبنا، و أنا معاك و في ضهرك لحد ما نعدي من المحنة دي سوا، و عمري ما هتخلي عنك أبدًا "..
نظر لها، لعينيها و تعمق النظر بهما يخبرها بنظرته هذه مدي حبه، بل عشقه لها، و أنه صامد إلى الآن لأجلها، هي طوق نجاته، و حصنه الأمن داخل حضنها عندما تحتويه بذراعيها..
تفهمت نظرته و ما يريده منها فحركت رأسها له بالايجاب، وهمست بخفوت..
" نروح بس و هاخدك في حضني يا عيون رقية"..
............................... سبحان الله 🥀...............
.. بمنزل شرف..
يجلس الجميع حول "تهاني" التي تبكي بنحيب، و تردد بلا توقف جملة واحدة..
"يارب سلم.. يارب سلم"..
كانت جالسة بين زوجها و ابنها "نور"،خلفها يقفان ابنتيها"ندي، ونهاد"، بينما" نوح" كان يجلس أمامها أرضًا على ركبتيه، ممسك يدها بين كفيه، و يتحدث برجاء..
"أهدي يا ماما.. أحنا جنبك، و كلنا حواليكي مش عايزك تخافي ولا تقلقي"..
برغم شدة بكائها إلا أنها ابتسمت له ابتسامتها الدافئة، فدائمًا ينجح "نوح" بمعرفة ما يدور بذهنها، و هي كانت للحظة تتخيل أن تتعرض واحدة من ابنتيها لما تعرضت له "آية"، مجرد التخيل فقط جعلها تدخل في نوبة بكاء حادة..
" روقي بقي يا تونة يا شقية، و بطلي عياط"..
قالها "نور" وهو يداعب وجنتيها بأصابعه، و تابع بتعجب..
"وبعدين أنتي بتعيطي ليه بس دلوقتي، المفروض تبقي فرحانة، وفخورة بولادك اللي انقذوا البونية، وكلوا أخوها اللي عمل فيها كده علقة محترمة"..
"أديك قولت بنفسك.. أخوها يا نور اللي عمل فيها كده"..
غمغمت بها "تهاني " من بين شهقاتها، و صمتت لبرهةٍ و تابعت بأسف.. "أخوها وصلها أنها تستنجد بالغريب يلحقها منه!!! ودا هيسبب لها جرح أشد و أقوى من الكام الغرزة اللي اتعورتهم.. دول هيخفوا بسهولة.. لكن جرح قلبها عمره ما هيطيب بالساهل أبدًا"..
جملتها هذه جعلت" نوح" يتذكر لحظة وقوع عينيه على
" آية "، تذكر فزعها، و تمسكها بكنزته،جسدها المرتجف بين يديه اثناء حمله لها، اختبأها داخل حضنه، أنفاسها الساخنة التي كانت تلفح برودة بشرته جعلت قلبه ينتفض انتفاضة جديدة كليًا عليه..
لوهلة شعر أنها مسؤلة منه، أرسلها له الله فسقطت بين ذراعيه، أو ربما أرسله الله هو لها ليكن منقذها و أمانها من أقرب الأقربون لها..
"بس ابيه نوح كان شكله حلو أوي و هو شيلها على ايده كده زي الأبطال بتوع السينما"..
قالتها "ندي" شقيقته بمزاح أرادة تلطيف الأجواء بها، و تابعت بصوت خافت وهي تنظر لشقيقتها..
"عقبال ما ربنا يرزقنا بلي يشلنا الشيلة الحلوة دي يا نهاد يا أختي"..
جملتها هذه وصلت لسمع شقيقها "نوح" الذي هب واقفًا و سار نحوها بخطوات هادئة..
" أختك بتهزر يا نوح.. متقصدش اللي أنت سمعته يا ابني"..
قالها" شرف" حين لمح ملامح ابنه ظهر عليها الغضب،
"عارف يا أبو نوح أنها بتهزر".. قالها" نوح " وهو ينظر لشقيقته بابتسامة مصطنعة جعلت وجهها تنسحب منه الدماء..
"أنا بهزر والله يا ابيه؟!"..
قطعت حديثها، و شهقت بل صرخت ضاحكة حين حملها"نوح" فجأة بين ذراعية، و دار بها حول والديه مدمدمًا..
"امممم..بقي عايزه حد يشيلك كده و أنا موجود يا آنسة ندي!!! "..
ركلت بقدميها في الهواء بفرحة طفولية، و تعلقت بعنقة قائلة..
"لا طبعًا يا ابيه.. أنا قولت كده علشان عارفة أنك مش هتتاخر عليا و هتشلني في ساعتها"..
دوي صوت ضحكات "نهاد" هي الأخرى حين حملها شقيقها "نور" بين يديه و سار بها حتي توقف بجوار شقيقه مغمغمًا..
"ها مبسوطة يا آنسة نهاد أنتي كمان كده"..
"أوي أوي يا نور".. قالتها "نهاد" بصعوبة من بين ضحكاتها..
تنقلت" تهاني" بنظرها بين أولادها بابتسامة و راحة غزت قسماتها الباكية، و قلبها يدعوا لهم ربها بألحاح أن يجعلهم سند لبعضهم البعض..
بينما تحدث "نوح" بجدية دون أن ينزل شقيقته من على يده قائلاً..
"اي حاجة نفسكم فيها مهما كانت اطلبوها مننا على طول.. متتكسفوش مني أنا و أخوكم.. أحنا سندكم و ضهركم بعد ربنا"..
نظر لوالده الذي يتابعهم بابتسامة رضا، و تابع بتهذيب..
" وبعد حضرتك انت و ماما طبعًا يا بابا، و دا حقكم علينا"..
"ربنا ميحرمناش منكم أبدًا يا ابيه".. غمغمت بها"ندي" وهي تقبله من وجنته، و ترتمي بحضنه تضمه بحب مستنده برأسها على كتفه براحة و اطمئنان..
إنما الأخ لأخته ظِل وسكينةٌ وسند، فما المانع لو كل أخ قام بتلبية مطالب شقيقته مدام في استطاعته تنفيذها،يحتويها هو بحبه الصادق و حنانه عليها بدلاً من أن تبحث عن الحنان و الحب بشخص غريب عنها من الممكن أن يكون حب زائف، خادع يسحبها نحو خطأ فادح يجعلنا نقطم أصابعنا بأسناننا من الندم..
"يله يا حبايبي نزلوا اخواتكم، و ادخلوا غيروا هدومكم على ما نجهز العشا"...
قالتها "تهاني" وهي تنهض من مكانها مكملة..
"يله يا بنات حصلوني على المطبخ"..
"وديني المطبخ يا نور بالله عليك"..
نطقت بها "نهاد" سريعًا قبل أن ينزلها شقيقها الذي نظر لها بحاجب مرفوع مردداً..
" الشيال اللي الحاج شرف جبهولك أنا صح!! "..
" أسمع كلام أختك، و تعالي ورايا ياض أنت"..
قالها "نوح" و هو يسير حاملاً شقيقته" ندي" و قام بأنزالها برفق داخل المطبخ و هو يقول..
" الحلوين بزيادة يأمروا بحاجة تانية؟"..
"ندي، نهاد" بنفس واحد.. "تسلم لنا يا أحلى أبيه نوح في الدنيا كلها"..
" ربنا ميحرمناش منك أنت و أخوك و أبوك يا حبيبي".. أردفت بها "تهاني " التي اقتربت منه، و رفعت يدها ربتت على ظهره، و وقفت على أطراف أصابعها قبلت كتفه بحب شديد، ليسرع" نوح" و مال عليها قبل جبهتها و كلتا يديها مردداً..
" و لا يحرمنا منكم يا ست الكل"..
كان الجو داخل منزل شرف مشحون بالعاطفة، و مشاعر الحب الصادقة، و مع ذلك يشعر " نوح" بقبضة قوية تعتصر قلبه بسبب تلك ال "آية" التي اقتحمت حياته الهادئة على حين غرة،
سار لخارج المطبخ متوجهًا نحو غرفته لكن صوت والده أوقفه حين قال مستفسرًا..
" لحد أمتي هتمنع البنت دي أن أخوها ياخدها يا نوح؟!"..
"لحد ما تفوق و تقرر هي عايزة أيه بالظبط يا بابا"..
هكذا أجابه "نوح" ببساطة، و قد ظهر عليه الغضب حين تخيل أن من الممكن أن يأخذها شقيقها بعدما طلبت هي منه بنفسها أن لا يتركها،
"يا ابني البوليس هيجي للبنت دي تاني علشان ياخد أقوالها، و لو فضلت بحالتها دي و مقدروش يحققوا معاها هيرجعولها للمرة التالته، و يفضلوا بقي راحين جاين على البيت عندنا و دا أنا مش حابه علشان سمعتنا و احنا عندنا البنات أخواتك على وش جواز"..
"نوح" بهدوء.. "و اللي بعمله مع آية دا علشان خاطر أخواتي البنات..أخوها في حالة نفسية أسوء ما يكون، و والدها ووالدتها في العناية حالتهم خطيرة، وهي استنجدت بيا و طلبت مني ما اسبهاش.. يبقي مش هينفع اسبها لأخوها اللي ممكن بسهولة يموتها ويموت نفسه لو لقدر الله حصل لاهلهم حاجة.. ساعتها لو حصلها حاجة عمري ما هسامح نفسي و أكيد حضرتك فاهم قصدي يا أبو نوح"..
حرك" شرف" رأسه بالايجاب له، و بتنهيده قال...
" فاهم يا ابني.. فاهم.. ربنا يجيب العواقب سليمه"..
............................. لا حول ولا قوة الا بالله 🥀.....
بإحدى أرقى مدن القاهرة..
داخل عيادة الدكتور" يوسف القاضي " دكتور التجميل، يجلس على مكتبه بهنجعيه تليق به كثيراً، ذلك الشاب الثلاثيني الوسيم الذي يتوافد عليه النساء من كل مكان داخل مصر وخارجها حتي يقومون بعمليات التجميل الشهيرة..
بعد ساعات عمل طويلة أخذ قسط من الراحة قبل أن يباشر عمله مرة أخرى، أمسك هاتفه وطلب رقم خطيبته "آية"، ووضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد محدثاً نفسه..
"أما أشوف هتردي عليا ولا مش هتردي يا دكتورة آية المرادي!!"..
كالعادة مؤخراً لم يأتيه رد منها، فأرسل لها رسالة صوته يتحدث بها بنبرة هادئة لا تخفي غضبه المشحون قائلاً ..
"خير يا دكتورة.. بتصل بيكي بقالي يومين مبترديش عليا، و روحتلك الجامعة قالولي مبتحضريش.. كده هتخليني أجيلك البيت و لو صدفت اخوكي قدامي إحتمال كبير أمسك في خناقة لأني مش طايق أشوف خلقته بعد اللي عمله معاكي قدامي، و هيبقي عدم ردك عليا هو السبب.. فأحسنلك الحقي كلميني قبل ما اخلص شغلي في العيادة و تلاقيني فوق دماغك "..
أنهى حديثه وضغط أرسال، و القي الهاتف على مكتبه بعنف غير مبالي لمصيره، و قد حسم قراره سيذهب لها بعدما ينتهي من عمله حتي لو انصاعت له، و حدثته عقب سماع رسالته.
.................................. لا إله إلا الله 🥀..........
" نوح"..
أنتهي للتو من أخذ حمام دافء يمحي به أثر تعب اليوم، أرتدي ثيابه المكونه من ترنج رياضي أسود ذات خطوط زرقاء من الجوانب ، صفف شعره بعناية،نثر عطره المميز بسخاء، و سار لخارج غرفته ليتناول العشاء برفقة عائلته..
صوت أنين خافت صادر من الغرفة التي تمكث بها "آية" وصل لسمعه أوقفه عن السير، شعر بقوة فولاذية تجذبه نحو تلك الغرفة، غير اتجاهه و سار نحوها بخطوات متثاقلة،
كلما اقترب تتزايد دقات قلبه، كان باب الغرفة موارب، فتحه بلهفة عندما استمع لصوت بكائها، و قد ظن أنها أخيراً استيقظت،
ولج بحذرٍ و هو يوزع نظراته باحثًا عنها حتي وقعت عينيه عليها نائمة على الفراش بوجهه متعرق للغاية، ملامحها الباكية رغم أنها تغص بنومٍ عميق إلا أنها يظهر عليها الألم بوضوح، يبدو أنها تصارع إحدى كوابيسها..
بدأت تتحرك بعنف أثناء نومها مما دفعه لقطع المسافة بينه وبينها، و مال على اذنها يهمس لها بصوته الرزين..
"هششش.. أهدي يا آية.. متخفيش.. محدش يقدر يأذيكي"..
جال بنظره على ملامحها الجميلة بافتنان، و رفع يده و ضعها فوق كف يدها حينها تزلزل كيانه كله دفعه واحدة عندما شعر بملمس يدها الناعمة على يده،
ربت على يدها بمنتهي الرفق كمحاولة منه لبث الاطمئنان لها و لو قليلاً، و لكن!!!!..
شعر بتلك الحلقة المعدنية الملتفه حول إحدي أصابعها، لا يعلم لما ازدارد لعابه بصعوبة، و هبط بنظره ببطء ينظر تجاه تلك الحلقة و بداخله يتمني أن لا يكون ما خطر بباله صحيح،
أطبق جفنيه بعنف عندما رأي خاتم خطبتها يزين يدها، اعتدل بوقفته ثانيةً،
يقف بجوار الفراش يراقب تعابير ملامحها المذعورة، تهرب من واقعها المرير بالنوم المتواصل، نوم أشبه بغيبوبة كم تتمني أن لا تستيقظ منها أبدًا أو يكون كل ما تعيشه الآن إحدي كوابيسها و ستفيق منها تجد عائلتها بخير حال،
"نوح !!!.. بتعمل ايه هنا يا حبيبي؟!"..
نطقت بها "تهاني" التي دلفت للتو عبر باب الغرفة المفتوح، كانت علامات الدهشة ظاهرة على محياها، و نظرتها له تحمل الكثير من الأسئلة تنتظر إجابتها منه..
أخذ "نوح" نفس عميق، و زفره على مهلٍ مغمغمًا..
"في ايديها اليمين دبلة.. يعني مخطوبة.. صح يا ماما؟! "..
" أيوه يا حبيبي.. بتسأل ليه؟!"..
عقد حاجبيه و اجابها مدهوشًا..
"دا شكله أيه خطيبها اللي سيبها عندنا بقالها يومين من غير ما يتجنن من خوفه عليها؟!"..
•تابع الفصل ابتالي عبر الرابط:-""اضغط على اسم الرواية.
رواية انذار بالقتل الفصل الثامن 8 - بقلم نسمة مالك
لا نعلم متي وكيف نقابل نصفنا الآخر، ذلك الشخص الذي يخطف أنفاسنا منذ الوهلة الأولى، يجعل نبضات قلوبنا تتسارع بقوة تكاد أن تغادر ضلوعنا من عنف دقاتها.
تلك اللحظة يوثقها العقل وتظل بذكراانا طيلة العمر.
هذا ما حدث مع "نوح" فور رؤيته لـ "آية"، رغم ضعفها وما تمر به من كرب شديد، إلا أنها الوحيدة التي يتمنى قلبها قربها.
يريدها أن تكون شريكة حياته.
بداخله شعور صادق لم يخدعه يومًا أن "آية" هي زوجته المستقبلية، رغم رؤيته لتلك الحلقة الذهبية التي تزين أناملها، تعلنها له صريحة أنها خطيبة غيره.
ينتظر بنفاذ صبر حتى يرى خطيبها هذا ليقرأ ما يدور في خاطره نحو جميلته الحزينة "آية".
بشقة "إسلام".
كانت "رقية" تجلس أرضًا على الفراش الوثير والوحيد الذي تمتلكه بشقتها، بعدما قامت بمساعدة زوجها على أخذ حمام دافئ، وتغيير ثيابه، وإطعامه بيدها رغم اعتراضه الشديد، وإصراره على الذهاب لشقيقته.
كان التعب ظاهر عليه بوضوح، خاصةً أنه لم يذق طعم النوم منذ ما حدث.
إجهاده الشديد جعل رأسه تسقط دون إرادته على صدر زوجته، مغلقًا عينيه بنوم أشبه بالاغماء.
مالت "رقية" على وجنته وقبلتها بحب شديد متمتمة:
"ربنا يزيح عنك تعبك يا حبيبي، ويحفظك ليا أنا وابنك".
صدع صوت رنين هاتفها فأسرعت بالرد، ظنًا منها أنه من الممكن يزعج زوجها النائم.
بينما "إسلام" كان غارقاً بالنوم كالذي تم تخديره بأقوى أنواع التخدير، لن يزعجه أي شيء الآن مهما كان.
"السلام عليكم".
نطقت بها "رقية" بصوت خافت بعدما وضعت الهاتف على أذنها.
"وعليكم السلام يا بنتي. طمنيني عليكي وعلى جوزك، ومجتوش تاخدوا حمزة ليه زي ما قولتيلي يا رقية؟!"
قالتها والدتها "نعمة" بلهفة وخوف ظاهر بصوتها المرتجف.
ابتلعت لعابها بصعوبة، وبقلق تابعت:
"انتي كويسة يا بنتي؟"
"رقية" بصوت مجهد:
"اطمني يا ماما. الحمد لله أنا بخير متقلقيش".
"صوتك ماله يا رقية؟ حاجة حصلت. جوزك وأهله كويسين. طمنيني يا بنتي الله لا يسيئك أبدًا يا ضنايا".
لم تخبرها "رقية" بسر زوجها وأهله، قالت لها كما قالت بالتحقيق، أن لصًا قام بالهجوم على المنزل، حتى لا تشوه صورة زوجها أمام أعين والدتها.
أخذت "رقية" نفس عميق زفرته على مهلٍ وهي تقول:
"اطمني يا ماما والله إحنا كويسين، وإسلام نام من كتر التعب، ومقدرناش نجيلك، وأنا كمان نفسي أنام شوية. بقالي يومين منمتش".
أطلقت "نعمة" أنفاسها المحبوسة، وتحدثت بحنان مردفة:
"نامي يا ضنايا. متشليش هم حمزة. دا في عنيا، ووقت ما تصحي براحتك ابقي تعالي خديه".
"ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا أمي".
غمغمت بها "رقية".
"ولا منك يا ضنايا. ربنا يطمنك ويطمن قلبي عليكي، ولا أسمع عنك غير كل خير يا حبيبتي. في رعاية الله وحفظه يا ضنايا".
قالتها "نعمة" وأغلقت الهاتف، وضمت حفيدها النائم على قدميها بحب شديد.
تنهدت "رقية" بتعب، ولم تستطع أن تقاوم نعاسها خاصةً أنها لم تنعم بالراحة منذ ما حدث.
دون إرادتها تمددت بجوار زوجها، اندست داخل حضنه، أغلقت عينيها واستسلمت لنوم عميق بين حنايا صدره، كل منهما يستمد القوة والأمان من الآخر.
انفصلا عن العالم أجمع، غارقين بالنوم أشبه بغيبوبة، حتى أنهما لم يستمعا صوت "يوسف" خطيب "آية" الواقف أمام شقة "عبد الحميد" يطرق على الباب طرقات متتالية تارة، ويضغط على الجرس تارة، وبيده هاتفه يطلب رقم خطيبته ووالديها تارة أخرى، ولكن جميع الهواتف مغلقة.
"يا ترى إيه سر الاختفاء المفاجئ ده يا آية".
قالها "يوسف" محدثًا نفسه، واستدار ينظر تجاه شقة "إسلام" نظرات كره واشمئزاز.
أصبح يعتبره عدوًا له الآن، ويتمنى لو يلقنه درسًا على فعلته بحق خطيبته.
سار خطوتين تجاه الشقة، ولكن تراجع ولم يطرق على الباب، فمن الممكن أن يفتح له "إسلام" حينها سيتعارك معه على أتفه الأسباب.
ففضل أن ينصرف ويعود بوقت لاحق ربما تكون خطيبته برفقة عائلتها بإحدى مشاويرهم.
"ماشي يا آية. هرجعلك تاني. هتروحي مني فين يعني".
تمتم بها من بين أسنانه أثناء هبوطه الدرج بخطي غاضبة متجهة نحو سيارته.
بالمستشفى.
هرول الطبيب نحو غرفة "مني" بعدما أخبرته إحدى الممرضات بأن المريضة استعادت وعيها.
"حمد الله على السلامة يا حاجة".
قالها الطبيب وهو يفحصها بعناية تحت أنظار "مني" المذعورة، التي تهذي بوهن قائلة:
"ولادي. ابني وبنتي. جوزي. هما فين".
"أطمني كلهم بخير".
قالها الطبيب كمحاولة منه لتهدئة نوبة فزعها، لتبدأ "مني" بالبكاء وبصعوبة تردد من بين آهاتها الملتاعة:
"إسلام. أنت فين يا ابني. آية يا قلب أمك يا بنتي".
اعتلت نشيجها وشهقاتها أكثر حين داهمتها ذكرى ما حدث، ومرت من أمام عينيها صورة زوجها الذي شق وحيدها صدره.
"عبد الحميد".
قالتها بصوت أشبه بالصراخ.
"والله جوزك بخير يا حاجة".
قالها الطبيب وهو يتحرك قليلاً، ويفتح ستارًا بجوار سريرها ليظهر زوجها النائم على سرير مجاور لها، كانت حالته مزرية، والتعب الشديد ظاهر على ملامحه الشاحبة كشحوب الموتى.
"هيعيش يا دكتور".
نطقت بها "مني" بتقطع وصوت مرتعش، عيناها لم تبتعد عن زوجها، تستجديه بقلبها أن يفتح عينيه وينظر لها نظرته التي تثلج قلبها.
"كله في إيد ربنا يا حاجة. ادعيلو إنتِ بس وإن شاء الله يقوم بألف سلامة".
قالها الطبيب وهو يستعد للخروج من الغرفة بعدما انتهى من فحصها، ونظر للممرضة وتابع بعملية:
"هتفضل في العناية النهاردة وبكرة كمان لحد ما حالتها تستقر".
"إسلام. ابني. عايزة أشوف ابني. هاتولي إسلام أبوس أديكم".
قالتها "مني" التي لم تتوقف عن البكاء، بكائها الحاد دفع الممرضة لحقنها بحقنة مهدئة حتى لا تتدهور حالتها، وابتسمت لها ابتسامة حانية وهي تقول:
"هتصلك بيه يا حاجة. بس أهدي إنتِ عشان الانفعال دا غلط عليكي".
"مش ههدي ولا أرتاح إلا لما أشوف جوزي وولادي قدام عيني".
بشقة شرف.
صوت صرخة "آية" المدوية شقت سكون وهدوء المكان.
صرختها جعلت جميع من في المنزل يهرولون بالركض نحو غرفتها.
"نوح" كان أول من وصل لها بالطبع، اقتحم الغرفة دون سابق إنذار مرددًا اسمها بلهفة فشل في إخفائها.
"آية!!!"
كانت واقفة بمنتصف الغرفة تدور حول نفسها، جسدها يتمايل يمينًا ويسارًا حتى كادت أن تسقط أرضًا بقوة لولا يد "نوح" الذي قطع المسافة بينه وبينها بخطوة واحدة، وانتشلها داخل حضنه بلمح البصر.
"ماما ماتت. يا حبيبتي يا ماما. هونت عليكي تسبيني لوحدي".
نطقت بها "آية" بصراخ حاد يصم الأذن، من الواضح أنها كانت تحيا إحدى أبشع كوابيسها، ويبدو أنها لم تفق منه إلى الآن رغم عينيها الجاحظة على آخرها، إلا أن عقلها مازال بداخل هذا الكابوس القاسي.
"وديني عند ماما يا بابا. عايزة أشوفها".
همست بها "آية" من بين شهقاتها الحادة، كانت تنتفض بهلع شديد بين ذراعيه، خوفها جعلها لم تنتبه أين هي، ومع من تتحدث، فقد ظنت أنها داخل حضن والدها فاختبأت داخل صدره، وقد استقبلها هو بكل ترحاب، أخفاها بين ضلوعه ملتفًا بيد حول خصرها والأخرى تضم رأسها لصدره غالقًا عينيه بعنف وقد اعتصر قلبه عليها حين شعر بمدى ألمها.
"هششش. أهدي يا آية. كفاية عياط وأنا هعملك اللي انتي عايزاه".
همس بها "نوح" داخل أذنها وهو يمسد على شعرها الأسود الحريري يعيد ترتيبه وابتعاده عن وجهها بكف يده.
تراخى جسدها بين يديه، ولم تعد قدماها تحملها على الوقوف مما دفعه لحملها داخل حضنه حتى لم تعد قدماها تلامس الأرض.
رفعت "آية" عينيها الغارقة بالعبرات ببطء، ونظرت لوجهه بملامح مصدومة عندما أعادها صوته لواقعها مغمغمة بوهن:
"أنت مين؟!"
تعمق "نوح" النظر بعينيها الفاتنة بلونها الأزرق الساحر، ابتسم لها ابتسامته المطمئنة مرددًا:
"نوح. أنا نوح يا آية".
"نوح!!"
أردفت بها "آية" بهمس بالكاد يُسمع، ولكنه كان أكثر من كافٍ ليصل لسمع ذلك المتيم الذي يحتويها بين ذراعيه، وكأنه عثر على كنزنه الفريد بعد عناء سنوات طويلة.
غير منتبه لنظرات والدته الواقفة بجوارهما عاقدة ذراعيها أمام صدرها، وترمق ابنها بنظرات منذهلة.
بينما أشقاؤه "نور، ندي، نهاد" يقفون على باب الغرفة ينظرون لهما نظرات حالمة، بأفواه مفتوحة ببلاهة.
"أنا فين؟!"
همست بها "آية" التي كانت في بادئ الأمر تتحرك بعنف بين يديه، ولكن حين تقابلت أعينهما بقيت ساكنة تمامًا، تحدق في وجهه ذي الملامح الجادة الوسيمة، بل شديدة الوسامة.
نظرته لها جعلت الطمأنينة تغلف قلبها المرتعد، وتهاوي جسدها المتشنج.
"أنتي في حضني".
قالها "نوح" بتنهيدة حارة حين سقطت رأسها على صدره، وهم بضمها داخل حضنه أكثر، وقد غاب عقله عنه بسبب قربها منه إلى هذا الحد الذي جعله بعالم آخر لا يوجد به أحد سواه.
"نوووووح؟!!!"
نطقت بها "تهاني" بصدمة حين رأته يحكم قبضته حولها، ورفعها بين ذراعيه أكثر حتى أصبحت وجهها مقابل وجهه، مستندًا بجبهته على جبهتها.
كانت "آية" بين الوعي واللا وعي، فعلته هذه جعلتها تطلق آهة خافتة، فجرحها لم يشف بعد، وهمست باسمه أطارت كل ذرة تعقل به حين قالت:
"نوح. وديني عند ماما وبابا".
"عيون نوح".
همس بها بأنفاس متهدجة، وقد بدأ يتنفس بعنف، وصدره يعلو ويهبط بوضوح عندما شعر بأنفاسها الساخنة تلفح برودة بشرته.
أغمض عينيه باستمتاع، وهم باقتناص قبلة من وجنتيها إلا أن صوت "تهاني" صدع مرة أخرى بصرامة أكبر مرددة:
"نووووح. جرالك إيه يا ابني!!!"
رواية انذار بالقتل الفصل التاسع 9 - بقلم نسمة مالك
"نوح".. لأول مرة بحياته ينبض قلبه بالحب الحقيقي، تأكد الآن أن "آية" ملكته قلبًا و قالبًا.
للحظة شعر أن قربها أذابه كقطعة جليد سقطت على بركان ساخن تحول إلى مياه، و من ثم وصل درجة حرارته لحد الغليان حتي تبخرت كل ذرة تعقل يملكها.
الوحيدة دون عن كل نساء العالم أجمع يريد قربها إلى ما لا نهاية.
لولا صوت والدته الذي أفاقه في الوقت المناسب، ما كان توقف عن ما يفعله أبدًا.
أخذ نفس عميق لعله يستعيد أنفاسة التي سرقتها جميلتة التي ارتخي جسدها بين يديه.
ثقلت رأسها على صدره، انتظمت أنفاسها دليل على أنها غرقت في النوم ثانيةً من تأثير العلاج القوي الذي تعطيه لها "تهاني" حتي يشفي جرحها.
قلة غذائها جعل حالة من الخمول تشبه الإغماء تتملك منها، تتغذي على المحاليل فقط.
انحني "نوح" قليلاً، و وضع يده أسفل ركبتيها و حملها بين ذراعيه بمنتهي الخفة.
تكورت على نفسها داخل حضنه، تمسكت بكنزته بكلتا يديها، وجهها مدفون في عنقه، تهمس بضعف دون أن تفتح عينيها.
"أنا خايفة.. متسبنيش".
دون أدنى إرادة منه، ضغط على جسدها الهزيل يضمها له بقوة هامسًا بلهفة.
"متخفيش.. أنا مستحيل أسيبك يا آية".
"نوح حط آية في سريرها و اتفضل على أوضك لو سمحت".
نطقت بها "تهاني" بحدة من بين أسنانها، و هي ترمقه بنظرة غاضبة، و التفت نظرت لأبنائها مكملة بأمر.
"وأنتو يله من هنا كل واحد على أوضته".
بينما هم كانوا واقفين كالتماثيل تمامًا، يتابعون ما يفعله "نوح" بشغف، و كأنه إحدي أجمل الأفلام الرومنسية على الإطلاق.
خاصةً الفتاتين، كانت أعينهما تضوي بقلوب حمراء منبهرة مما ذاد من غضب "تهاني" أكثر.
فـنظرت لأبنها "نور" و تحدثت بصرامة قائلة.
"نووور خد الحلوين أخواتك المتنحين دول من وشي بدل ما أمد إيدي عليهم دلوقتي".
صوتها كان عالِ للغاية و برغم هذا لم يتحركان الفتاتين من مكانهما، كأنهما مغيبتان.
بينما "نور" عاد لصوابه سريعًا، و تنقل بنظره بين شقيقاته بملامح منذهلة من هيئتهما المضحكة.
"قدامي يا هبلة منك ليها".
قالها و هو يقبض على ثيابهما من الخلف، و دفعهما أمامه تحت أعتراضهما.
لتسرع "تهاني" بغلق باب الغرفة خلفهم، و استدارت لـ"نوح" الذي مازال واقف على وضعه حاملاً "آية" على ذراعيه، ينظر ليديها المتشبثه به بابتسامته الدافئة.
"أنت لسه واقف بيها يا نوح؟!.. أنت مالك انهاردة!! ما تحطها على سريرها يا ابني".
"حاضر يا أم نوح.. أهدي بس أنتي بلاش عصبية و أنا هحطها".
أردف بها و هو يسير ببطء متجه نحو فراشها، جلس بها على حافة السرير فأصبحت هي على قدميه مما جعل أعين "تهاني" تتسع على أخرها بذهول مقارب للجنون.
لتشهق بصوت خافت حين رأته يميل بها على الفراش وظل محتويها داخل حضنه للحظات.
و وضعها بمنتهي الحرص، و اعتدل هو على مضض بعدما عدل جسدها بوضع أكثر راحة، و دثرها جيدًا بالغطاء.
كانت يد "آية" مازالت متشبثة بكنزته.
أمسك يديها الصغيرة بين كفيه، و انحني بوجهه قليلاً و لثم يديها بعمق قبل أن يبعدها عن ثيابه و هب واقفًا و عينيه تتأمل ملامحها التي غزت الراحة و الأطمئنان قسماتها.
"الله الله يا عم نوح.. مكنش باين عليك إنك واد حبيب أوي كده؟!".
غمغمت بها "تهاني" التي اقتربت منه، و ربتت علي كتفه ببعض العنف مكملة.
"أمال فين نوح اللي مكنش بيرضي يسلم على واحده متحلش ليه، حتي بنات أخواتي، و بنات عمامك ياما كسفتهم لما يجوا عندنا و يسلموا عليك.. مترضاش تمد إيدك ليهم، و لما أقولك ليه كده يا ابني تقولي؟!".
اوقفها "نوح" عن تكملة حديثها حين قال.
"قال رسول الله ﷺ :"لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ".
تنهدت "تهاني" بصوت مسموع و هي تقول.
"عليه أفضل الصلاة والسلام.. ما انت فاكر أهو يا ابني.. يبقي ليه تشيل ذنب كبير زي دا!!".
شهقت بخضه حين التفت لها "نوح" و قبض على رسغها فجأة، وفع يدها وضع كف يدها على موضع قلبه الذي كان ينبض بجنون، نبضاته متسارعه تطرق على صدره بعنف، و نظر لعينيها مغمغمًا.
"مش بأيدي يا أم نوح".
نظر تجاه "آية" النائمة، مكملاً.
"دعوتك ليا اتحققت و ربنا رزقني بلي خطفت قلبي و أنفاسي، و طيرت عقلي".
صمت لبرهةٍ و تابع بدهشة.
"أنا مش عارف أمتي و لا إزاي ملكت قلبي يا أمي!!، و أنا بشر.. يعني مش معصوم من الغلط،خصوصًا قدام نقطة ضعفي اللي بقت هي.. آية نقطة ضعفي و قوتي كمان يا أم نوح".
ابتلعت "تهاني" ريقها بصعوبة، و بأسف قالت.
"بس أنت شوفت في ايديها دبلة يا ابني.. يعني مخطوبة.. ليه تعلق نفسك بيها وتوجع قلبك و هي مخطوبة لغيرك يا حبيبي!!".
اعتلت ملامح "نوح" غضب مفاجئ، وتوحشت نظرته و هو يقول.
"هو فين خطيبها دا يا أمي؟!..أنا ملمحتش خلقته من ساعة اللي حصل.. حتي لما روحت أنا و نور المستشفى مع أخوها و اتبرعنا بالدم لوالدها ووالدتها مكنش هناك.. رغم اننا احتاجنا ناس تانية تتبرع، و انا اتصلت بكذا واحد من أصحابي كلهم جريوا على المستشفى و اتبرعوا و اللي بتقولي عليه خطيبها دا مظهرش.. البنت بقالها يومين عندنا و دا التالت و أخوها جه هنا كذا مرة، و خطيبها دا مختفي و لا ليه اي أثر".
صمت لبرهةٍ يلتفط أنفاسه، و توجه بنظره لها يرمقها بنظراته المتيمة رغم ملامحه المشتعلة بالغضب، و الغيرة الحارقة.
"دي لو خطيبتي كان زماني قالب الدنيا عليها لحد ما القيها، و مسبهاش تغيب عن عيني لحظة واحدة".
"يا ابني أنا خايفة عليك.. لازم تعرف أنها مدام لسه لابسة دبلته تبقي بتحبه، و أنت كده بتعلق قلبك بواحدة مش هتكون ليك".
قالتها "تهاني" بتعقل و هي تربت على ظهره بحنو.
جملتها هذه جعلت عروق "نوح" تبرز بخطورة، و تحدث بهدوء أثار بقلبها الريبة حين قال.
"أنا هعرف بطريقتي هي بتحبه و لا لاء.. زي ما هعرف برضوا طريق خطيبها دا فين و هوصلوا".
همت "تهاني" بالحديث، و قد زحف القلق لقلبها مما ألقاه إبنها على سمعها، و لكن صوت رنين هاتف "نوح" الذي صدع صوته اوقفها عن الحديث، خاصةً حين أسرع هو بالرد حتي لا يزعج صوت النغمة جميلتة النائمة.
فور ضغطه على زر الفتح وصل لسمعه صوت أنثي تتحدث بعملية قائلة.
"أستاذ نوح.. أنا الممرضة المسؤلة عن حالة مدام مني.. حبيت أبلغ حضرتك أنها فاقت و طالبة تشوف إبنها ضروري".
قال "نوح" بفرحة لأجل آية غزت ملامحه الغاضبة فجأة.
"طيب هو سايب رقمه عندكم.. اتصلوا عليه".
الممرضة بأسف.
"إحنا اتصلنا عليه كتير جداً كان بيدينا جرس و بعد كده التليفون اتقفل".
هرول "نوح" للخروج من الغرفة، كانت عينيه معلقة بـ"آية" و هو يقول.
"تمام.. أنا هوصله و أجيبه و أجي".
ركضت خلفه "تهاني" مرددة بخوف.
"استني يا نوح.. رايح فين يا ابني الساعة دي.. الفجر قرب يأذن يا حبيبي.. خليك للصبح".
خطف "نوح" معطفه الجلد، و ارتداه على عجل، ومن ثم التقط مفاتيح الدراجة البخارية الخاصة به، و سار نحو باب الشقة مغمغمًا.
"مش هينفع استني للصبح يا أمي.. البوليس أول ما يعرف أن والدة آية فاقت هيروحوا ياخدوا أقولها.. لازم إسلام يروح لوالدته قبلهم ويطلب رضاها يمكن تسامحه و تقول أن مش هو اللي عمل فيهم كده".
"طيب أنت هتروح فين دلوقتي بس".
غمغمت بها "تهاني" بصوت متحشرج بالبكاء من شدة خوفها على عزيزها.
قبل "نوح" يديها و جبهتها سريعًا وهو يقول.
"هروح أشوف إسلام في البيت عنده.. هو كان مديني العنوان.. لو ملقتهوش هدور عليه، و مش هرجع إلا لما ألقيه و أخده المستشفى يبوس رجل و ايد والدته لحد ما تسامحه".
"كل دا علشان خاطر آية يا نوح؟!".
نطقت بها "تهاني" بتعجب.
جملتها هذه أوقفت "نوح" الذي كان يهبط الدرج بخطوات راكضة، و نظر لها بابتسامة متمتمًا.
"لخاطر آية.. خاطرها يستاهل انه يتجبر بعد الكسر الجامد اللي اتعرضت ليه يا أم نوح".
بشقة إسلام.
صوت أذان الفجر أيقظ "رقية" من نومها، فتحت عينيها و اعتدلت جالسة بتكاسل، تنظر لزوجها النائم بعشق شديد.
"يـارب أوقف معانا بقوتك و قدرتك و طلعنا من المحنة دي على خير يارب بحق أذان الفجر".
ربتت على شعره بحنو، و قبلت وجنته و هبت واقفه، و سارت نحو الحمام اختفت داخله للدقائق، و عادت مرة أخرى جثت على ركبتيها بجوار زوجها و بدأت توقظه بحنان مردده.
"إسلام.. أصحى يا حبيبي".
كان العرق يسيل بغزارة على وجهه زوجها، و يتحرك بقوة، يبدو أنه داخل إحدي كوابيسه هو الأخر.
شهقت "رقية" بعنف حين انتفض "إسلام" بفزع فجأة، و صرخ بصوت مرتعد.
"ابوياااا".
"أهدي يا حبيبي.. أهدي أنت بتحلم..متخفش".
نطقت بها وهي تضم رأسه لصدرها، و تربت عليه برفق مكملة.
"متخفش يا إسلام.. أن شاء الله باباك و مامتك هيخفوا ويرجعولنا بألف سلامة".
التقط "إسلام" أنفاسة بصعوبة، و بعتاب تحدث قائلاً.
"سبتيني أنام ليه يا رقية.. كنتي صحيني علشان نروحلهم".
"أنا كمان نمت جنبك من التعب و لسه صاحية حالاً.. قوم اتوضي و تعالي نصلي سوا و بعدين نروحلهم".
حرك رأسه لها بالايجاب، وابتعد عنها بصمت، و هب واقفًا و سار نحو الحمام دون أن ينطق بحرف واحد.
جلست "رقية" تنتظره بقلب ملتاع يدعوا له دون توقف، حتي مر وقت ليس بقليل جعل القلق يزحف لقلبها.
"جوزك محتاجلك.. أجمدي".
همست بها "رقية" بسرها حين شعرت أنها على وشك الانفجار بالبكاء، فما تمر به ليس أبدًا بهين.
سارت نحو الحمام، و أخذت نفس عميق و طرقت برفق على الباب متمتمة.
"إسلام.. خلصت يا حبيبي؟".
لم تجد سوي الصمت حليفها، أنقبض قلبها و هرولت بفتح الباب مندفعة نحو الداخل، و عينيها تدور بالأرجاء تبحث عنه بقلب مرتعد، لتقع عينيها عليه جالسًا أرضًا بإحدى الزوايا، يضم ركبتيه لصدره، مستند برأسه عليهما.
أطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها، و تحدثت بحنو وهي تقترب منه حتي وقفت أمامه مباشرةً،و من ثم جلست جواره تمسد على شعره بحنان بالغ وهي تقول.
"ايه يا إسلام متوضتش ليه.. أنا مستنياك نصلي سوا".
رفع رأسه ببطء و نظر لها بأعين تفيض بالدمع الحارق على خديه،دموع حسرة، ندم، قهر، و ما أصعب قهر الرجال.
"مش عارف أتوضي لوحدي".
"تعالي حبيبي أنا هوضيك".
همست بها "رقية" وهي تضم رأسه لصدرها بلهفة، و قد أغرقت وجنتيها بالعبرات و تقطع نياط قلبها حزنًا على حاله.
"أنا خايف يا رقية".
تفوه بها "إسلام" بصعوبة، و صمت لبرهةٍ، وتابع بصوت مرتجف.
"خايف أوي.. بس مش خايف على نفسي".
ابتلع غصة مريرة بحلقه مكملاً.
"خايف على أمي و أبويا و أختي و ابني".
تأمل ملامحها الباكية بنظرة متيمة بالعشق.
"و أنتي.. أنتي يا حب حياتي".
رواية انذار بالقتل الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك
كانت "رقية" في موقف لا تحسد عليه وهي ترى زوجها بهذا الضعف. حزنه الشديد تملك من قلبه جعله غير قادر على التحمل أكثر من ذلك. ولولا وجود زوجته الحنونة برفقته، تدعمه وتخفف عنه، ربما كان أقدم على الانتحار.
استطاعت احتوائه بحبها الصادق له، ساعدته على الوضوء وأدوا فرائضهما سويًا، وجلست على سجادة الصلاة بجواره تستمع لحديثه بقلب يتمزق ألمًا عليه. ظل يتحدث عن كل ما بداخله، وهي تستمع له باهتمام دون أن تقاطعه. اكتفت بضمه لحضنها، تمسد على شعره تارة، وظهره تارة، وتقبل جبهته تارة أخرى.
كان "إسلام" يبكي بكاءً حادًا، يقطع نياط القلوب، وقد اجتاحه شعور من الندم يستنزف روحه بلا رحمة.
"أنا مش عارف إزاي عملت فيهم كده!!! أنا شربت مخدرات خلتني أضرب أهلي بالسكينة يا رقية!!!"
"متلومش نفسك لوحدك.. لومني أنا كمان.. أنا السبب في كل اللي حصل ده يا إسلام.."
قالتها "رقية" بصعوبة من بين شهقاتها، وبندم تابعت:
"أنا غلطانة لما قولتلك طلقني.. مكنش ينفع أنطقها أصلاً.. مش عارفة إزاي قلبي طاوعني وقولتها، مش عارفة عقلي كان فين وقتها.. أنا السبب في كل اللي أنت عملته يا إسلام، ولو في حد المفروض يتعاقب فهيبقى أنا الحد ده لأني مقدرتش الظروف الصعبة اللي بتمر بيها يا حبيبي وضغطت عليك أكتر بكل غباء وجهل مني.. بس والله العظيم ما كنت ناوية أطلق منك فعلاً.. فكرت لما أقولك كده هتفوق وتبعد عن صحاب السوء اللي بتروحلهم كل ليلة.. أتريني حطيت على جرحك ملح لحد ما انفجرت من شدة الوجع."
صمتت لبرهةٍ وارتمت بين ذراعيه تبكي بمرار مرددة بنبرة متوسلة:
"سامحني.. أنا آسفة يا حبيبي.. سامحني علشان خاطري."
تمسك بها "إسلام" بكل قوته، وانهمرت دموعه على وجنتيه بغزارة دون بكاء. جسده ينتفض بقوة، وصوت أنفاسه أصبح عاليًا، يجاهد حتى يلتقط نفسه.
ابتعدت عنه "رقية" بضعة أنشات، وضمت وجهه بين كفيها مرددة بلهفة:
"أهدي يا إسلام.. أهدي يا حبيبي بالله عليك لو حصلك حاجة أنا هموت فيها."
"بعد الشر عليكي." نطق بها، وهو يعيد دسها بين ضلوعه ثانيةً، يستمد منها القوة على تكملة الحياة. ظل محتضنها لفترة ليست بقليلة، قربها يشعره بالراحة التي فقدها مؤخرًا.
ابتعد عنها بقلب مرتعد حين صدع صوت رنين جرس الباب. نظر لها نظرة مذعورة وهمس بصوت مرتجف:
"مين هيجي عندنا في الوقت دا؟!"
ابتلع لعابه بصعوبة مكملاً:
"تفتكري جري لحد فيهم حاجة؟"
حركت "رقية" رأسها بالنفي سريعًا، ودفعته بكلتا يديها برفق تحثه على النهوض وهي تقول بيقين تام:
"لا يا حبيبي هما هيبقوا زي الفل بحول الله وقوته، أجمد أنت كده علشان تقدر تقف في ضهرهم، وتعالي نشوف مين اللي جانا دلوقتي."
كانت تتحدث وهي تزيل عبراته بأناملها، وتهندم له ثيابه وشعره بعناية، وسارت معه نحو باب الشقة.
أخذ "إسلام" نفسًا عميقًا ورسم الهدوء على ملامحه الشاحبة، وفتح الباب ليجد "يوسف" يقف أمامه عاقدًا ذراعيه أمام صدره، ويرمقه بنظرات كرهه ظاهرة على ملامحه.
"يا مرحب يا يوسف.. اتفضل." قالها "إسلام" بترحاب، وهو يتراجع للخلف حتى يسمح له بالدخول.
ضحك "يوسف" ضحكة مستهزءة، وتحدث بسخرية قائلاً:
"اتفضل فين يا إسلام!! هتقعدني على الأرض مثلاً يعني ولا إيه؟!"
أطبقت "رقية" الواقفة بظهر زوجها عينيها بعنف، فكلمات "يوسف" كانت بغاية القسوة. ورغم ذلك ابتسم له "إسلام" ابتسامة حزينة وتحدث بهدوء قائلاً:
"عندك حق.. بس زي ما أنت أكيد عارف يا دكتور إن مفيش حاجة بتفضل على حالها.. انهارده أنا بمر بضيقة لازم أرضى بيها لحد ما ربك يفرجها علينا."
شعر "يوسف" بالندم لوهلة، ونهر نفسه على ما تفوه به، فتنحنح بحرج مغمغمًا:
"احححم.. هي آية فين.. بقالي كذا يوم بحاول أوصلها، وجيت هنا امبارح وملقتش حد، ومفروض أنها عندها محاضرة بدري أوي انهارده قولت أجي ألحقها قبل ما تنزل علشان أوصلها."
ظهر التوتر على ملامح "إسلام" وهم بالرد عليه إلا أنه استمع لصوت "نوح" ينادي عليه من أسفل المنزل بصوت عالٍ، فهرول تجاه الدرج مسرعًا وأجابه بلهفة قائلاً:
"أيوه يا نوح.. أطلع تعالي.. أنا هنا."
لحظات وكان "نوح" يصعد الدرج على عجل بعدما قام بصف دراجته البخارية.
"أيه يا نوح.. طمني.. حاجة حصلت؟" نطق بها "إسلام" بفزع قبل أن يصل إليه "نوح"، بل كان يهبط هو الدرج لاستقباله.
"أهدي يا إسلام.. متقلقش.. أنا جايبلك خبر حلو." نطق بها "نوح" وهو يربت على كتفه برفق. وبابتسامة تابع:
"المستشفى حاولت تكلمك كذا مرة بس تليفونك مقفول.. مامتك فاقت وطالبة تشوفك."
تهللت أسارير "إسلام" والتمعت عينيه بالدموع، ولكن هذه المرة دموع الفرحة.
"أنت بتتكلم جد بالله عليك يا نوح."
"أيوه يا ابني والله زي ما بقولك كده.. المستشفى كلمتني وبلغتني وأنا جيتلك على طول.. يله أجهز خلينا نتحرك وأوصلك عندها."
كان هذا الحديث أمام "يوسف" الواقف أعلى الدرج يتابعهما بعدم فهم، فعقد حاجبيه وقال مستفسرًا:
"في أيه يا إسلام.. مستشفى أيه ومامتك فاقت من أيه.. أنا مش فاهم حاجة؟!"
نظر "إسلام" ل"نوح" يستجديه أن يرد هو عنه، تفهم "نوح" نظرته هذه رغم مدة معرفتهم ببعض التي لم تتخط أسبوع واحد حتى، ولكن العلاقات الصادقة لم تكن أبدًا بالمدة، بل تكن بالمودة. ووقوف "نوح" معه في محنته جعله يشعر كأنه أخ له لم تلده والدته.
"ده دكتور يوسف خطيب آية أختي يا نوح." قالها "إسلام" وهو يصعد الدرج برفقته حتى توقفا أمام "يوسف" مباشرةً.
"نوح صاحبي يا يوسف."
"أهلاً وسهلاً.. خير بقى في إيه بالظبط، وفين آية يا إسلام؟!" قالها "يوسف" بضيق ونفاذ صبر.
"يله أنت يا إسلام جهز خلينا نتحرك." نطق بها "نوح" وعينيه ثابتة على "يوسف" يتطلع به بنظرات متفحصة.
تحرك "إسلام" على الفور، وعاد لداخل شقته، ليتابع "نوح" حديثه مكملاً:
"في حرامي اتهجم على البيت هنا، وللأسف ضرب والد إسلام ووالدته بآلة حادة وهما في المستشفى بقالهم كذا يوم."
جحظت أعين "يوسف" على آخرها بصدمة ونظر تجاه "إسلام" الذي اندفع للتو من داخل الشقة ووقف يرتدي حذائه مرددًا:
"وآية.. آية جرالها حاجة؟"
"لا الحمد لله آية كويسة، ونايمة جوه." أردفت بها "رقية" سريعًا وتابعت بتعقل بعدما رمقت زوجها نظرة تفهمها جيدًا:
"أنا هصحّيها ونحصلكم على المستشفى."
"يله بينا." قالها "إسلام" وهو يسير بخطى واسعة، ليوقفه "يوسف" حين قال:
"طيب أنا هستناكم تحت في العربية على ما آية تجهز ونروح سوا."
"لا روح أنت يا دكتور معاهم.. لأن آية لسه على ما تصحى وتفوق وتلبس، وأنا كمان لسه هجهز حمزة وافطاره.. هننتأخر شوية وهنأخرك معانا."
"أيوه أم حمزة بتتكلم صح.. يله بينا أحنا علشان أنا راكن الماكينة بتاعتي فوق عربيتك." قالها "نوح" موجهًا حديثه ل"يوسف" الذي بهتت ملامحه، ونظر له بغضب مرددًا:
"نععععم.. راكنها فين!!!"
اقترب منه "نوح" ووضع ذراعه حول كتفيه ببعض العنف، وسحبه معه نحو الدرج وهو يقول بمزاح مصطنع:
"متخافش كده يا دوك أنا بهزر معاك.. بس ده ميمنعش أني قافل عليك الطريق خالص ومش هتعرف توصلها."
كانت جملة "نوح" ذات مغزى يقصد بها جميلته "آية".
"هي مين دي اللي مش هعرف أوصلها؟!" قالها "يوسف" مستفسرًا، ليجيبه "نوح" بابتسامة مصطنعة:
"المستشفى يا دوك."
بينما "رقية" ركضت خلف زوجها وتحدثت بصوت هامس قائلة:
"أنا هروح أجيب حمزة من عند ماما، وهاخده ونروح لآية، وإن شاء الله مش هرجع إلا وهي معايا.. اطمن أنت يا حبيبي."
رفع "إسلام" يده وضعها خلف رأسها وجذبها إليه، مال بوجهه على جبهتها طابعًا قبلة مطولة متمتمًا:
"خلي بالك من نفسك، وادعيلي من قلبك."
"قلبي دايمًا بيدعيلك يا حبيبي." همست بها "رقية" بصوت متحشرج بالبكاء، وهي تطلع لعينيه بنظرتها العاشقة.
بادلها هو النظرة بعشق أكبر وهبط الدرج راكضًا وجد "نوح" يجلس على دراجته البخارية ينتظره، صعد خلفه وهو يبحث بعينيه عن "يوسف".
"هو فين الدكتور؟!"
"طلب اسم المستشفى مني، وقال هيسبقنا على هناك." هكذا أجابه "نوح" ببساطة، وهو يستعد للانطلاق بدراجته.
"عايزين نوصل قبله يا نوح.. يوسف مش سهل وهيدخل لوالدتي وممكن يعرف منها اللي حصل ومش هيسكت خصوصًا إن أنا وهو بينا مصانع الحداد وتقريبًا مبنطقش بعض.. أنا عايز أشوف أمي قبله." قالها "إسلام" بنبرة راجية.
نظر له "نوح" من فوق كتفه، وأردف بثقة قائلاً:
"بمشيئة الله هنوصل قبله.. أمسك نفسك أنت بس وأنا سايق."
أنهى جملته وانطلق بأقصى سرعة، ومهارة عالية في القيادة، وبأقل من ثلاث دقائق كان وصلوا أمام المستشفى.
اندفع "إسلام" راكضًا داخل الممر المؤدي للغرفة المتواجد بها والديه. وقف أمام الغرفة يلتقط أنفاسه بصعوبة، وينظر ل"نوح" الواقف بجواره نظرة يملؤها الخوف.
"ادخل أنت وأنا هستناك هنا متقلقش."
اقتربت منهما إحدى الممرضات التي اتجهت ب"إسلام" نحو غرفة التعقيم، وقامت بعمل اللازم قبل أن يدلف لداخل غرفة العناية.
كان بدنه يرتجف وكأنه طفل صغير قام بفعل خطأ ما ويخشى عقاب والدته. دلف لداخل الغرفة بخطى متعثرة، خافض وجهه بخزي من نفسه.
"إسلام.. يا حبيبي يا ابني." همست بها "مني" بضعف شديد، وأشارت له بيدها أن يقترب أكثر.
نظر لها "إسلام" بأعين مليئة بالندم والعبرات معًا، وفي لحظة كان قطع المسافة بينه وبينها، وجثى أرضًا على ركبتيه بجوار فراشها، ومال على يدها المنغرس بها الإبرة الطبية، وظل يقبلها مرات ومرات مرددًا بتوسل:
"سامحيني.. سامحيني يا أمي.. أنا آسف والله.. مكنتش أقصد."
"هش.. أخرس يا واد. وقوم بصلي." همست بها "مني" وهي تجذبه بوهن حتى توقف أمامها، ورفعت يدها تتفحص صدره، ويديه ظنًا منها أنه ربما أصاب نفسه هو الآخر.
تنفست الصعداء بعدما تأكدت أنه لم يطعن نفسه مثلهم، ونظرت له وتحدثت بصرامة قائلة:
"أوعى تكون قولت إن أنت اللي عملت فينا كده."
صمتت لبرهةٍ وتابعت ببكاء:
"هكدبك يا إسلام.. لو قولت إن أنت اللي عملت كده هكدبك وهغضب عليك العمر كله يا ابني.. أنا مش هسيبك تضيع مننا أكتر من كده يا ضنايا."
"رقية."
بعدما أحضرت صغيرها من منزل والدتها، ذهبت مسرعة ل"آية" على العنوان الذي أخبرها به زوجها.
"تعالي يا رقية يا بنتي اتفضلي." قالتها "تهاني" بابتسامة بشوشة، وهي تسير برفقتها نحو الغرفة النائمة بها "آية".
"رقية" بخجل:
"أنا بعتذر أني جيت بدري كده."
نظرت لها "تهاني" بعتاب وهي تقول:
"تعتذري على أيه بس يا حبيبتي.. دا انتي وحمزة السكرة ده نورتونا انهارده والله."
فتحت باب الغرفة بعدما طرقت عليه برفق، ودلفت للداخل و"رقية" خلفها حاملة صغيرها على يدها.
كانت "آية" مستيقظة، ولكنها بعالم آخر كعادتها، تنظر للفراغ بشرود وأعين دامعة.
"آية." نطقت بها "رقية" التي بكت فور وقوع عينيها على صديقة عمرها، ورأت مدى التعب والحزن الظاهر عليها.
"يويو." أردف بها الصغير الذي قفز من على يد والدته وركض نحوها، صعد على الفراش بجوارها وارتمى داخل حضنها يضمها بحب شديد.
انتبهت "آية" لوجوده، وكأن ضمته لها أعادتها لواقعها.
"حمزة.. يا حبيب قلبي." تفوهت بها "آية" وهي تضمه وتنظر تجاه "رقية" التي تبكي بنحيب ونطقت اسمها بصوت أشبه بالصراخ:
"يا رقية."
هرولت "رقية" نحوها هي الأخرى واحتضنا بعضهما وانفجرت "آية" ببكاء مرير يدمي القلوب.